← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفي لفظ: ((كان المسجد مسقوفاً على جذوع من النخل، فكان النبي ﷺ يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه ... )) الحديث. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لَمّا بدَّن (١) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: ((بلى)) فاتخذ له منبراً مرقاتين)) (٢). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: ((انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها)) فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع (٣). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة)) (٤). وعن سهل ﵁: ((أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة)) (٥). ٢٩ - الإخلاص عند إتيان المسجد، ليفوز بالثواب العظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى المسجد لشيء فهو حظه)) (٦). وهذا يدلّ على أن من أتى المسجد لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي فذلك الشيء حظه ونصيبه؛ لأن لكل امرئ ما نوى، وفيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد، لئلا يكون مختلطاً بغرض دنيوي: كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي

стр. 597

الاعتكاف، والعزلة والانفراد، والعبادة، وزيارة بيت الله، واستفادة علم وإفادته، ونحوها (١). ٣٠ - يحذر من هجر المسجد الذي يليه إلا لعذر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليصلّ أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد)) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يُرْمَى ببدعة، أو يُعلن بفجورٍ، فلا بأس بتخطيه إلى غيره)) (٣). وهجر المسجد القريب إذا كثر من أهل الحي يؤدي أيضاً إلى خلوّه عن الجماعة، ويؤدي إلى إساءة الظن بالإمام، أما إذا وُجد غرضٌ صحيح: كأن يحضر محاضرة، أو درساً، أو يكون المسجد الأبعد يبكر بالصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فلا بأس (٤). أو يكون الإنسان في المدينة أو مكة، فإن الأفضل أن يصلي في المسجد الحرام في مكة، وفي المسجد النبوي في المدينة؛ لأنه امتاز المسجد الأبعد بخاصية فيه (٥). ٣١ - يحذر من تخطي رقاب الناس ؛ لحديث عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : ((اجلس فقد آذيت)) (٦).

стр. 598

وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله ﷺ : ((اجلس فقد آذيت وآنيت (١))) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((ليس لأحد أن يتخطَّى رقاب الناس؛ ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم، والتعدي لحدود الله)) (٣). ٣٢ - لا يُفرّق بين اثنين ؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من الطّهر، ويدهن من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرّق بين اثنين، ثم يصلّي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٤). ٣٣ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته ؛ لحديث أبي جهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمرَّ بين يديه))، قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٥). ٣٤ - لا يتخذ مكاناً خاصاً لا يصلي إلا فيه ؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن

стр. 599

يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (١). ٣٥ - لا يقيم أحداً من مكانه ليجلس فيه ؛ لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنَّ أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا)) (٢). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا يقيمنّ أحدُكم الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا)) قال نافع: الجمعة؟ قال الجمعة وغيرها (٣)، وهذا عام في جميع المجالس. ٣٦ - يُنْصتُ للخطبة يوم الجمعة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) (٤). ٣٧ - لا يشغل الوقت بين الأذان والإقامة بالكلام مع الناس ، فيضيع هذا الوقت العظيم بالقيل والقال وكثرة السؤال في أمور الدنيا، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه: ((سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقاً حلقاً، إمامهم الدنيا، فلا تُجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجة)) (٥). ٣٨ - لا يحجز مكاناً بسجادة ونحوها ، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق بنفسه إلى المسجد، فإذا قدَّم المفروش وتأخر هو فقد خالف

стр. 600

الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلّوا فيه، وأن يتمّوا الصف الأول، ثم إنه يتخطّى الناس إذا حضروا (١).وأفتى بعدم جواز ذلك العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، وبيَّن أنه لا يحلّ؛ لأنه مخالف للشرع، ومخالف لما كان عليه الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان (٢). ٣٩ - لا يجلس الجنب والحائض في المسجد ، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمعنى: لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنباً إلا عابري سبيل: يعني إلا مجتازين فيه الخروج منه، فقد أقيمت الصلاة هنا مقام المصلى والمسجد إذا كانت صلاة المسلمين في مساجدهم، ورجح هذا التفسير الإمام ابن جرير ﵀ (٤).وقال الحافظ ابن كثير ﵀: ((ومن هذه الآية احتجّ كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً في معناه)) (٥)، ولكن على الحائض والنفساء أن تتحفظ حتى لا تلوث المسجد، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((ناوليني الخمرة (٦) من المسجد))، فقالت: إني حائض، فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك)) (٧). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد قال: ((يا عائشة ناوليني الثوب))، فقالت:

стр. 601

إني حائض، فقال: ((حيضتك ليست في يدك)) (١). أما حديث عائشة ﵂ ترفعه: ((وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب)) (٢).فهذا في حق من يجلس في المسجد، وقد قال بعض أهل العلم بجواز جلوس الجنب في المسجد إذا توضأ، لخبر زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٣)، ولكن قال غيرهم من أهل العلم لا يجلس مطلقاً لعموم الآية: ﴿وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٤).والوضوء لا يخرجه من كونه جنباً؛ ولعموم الحديث المذكور آنفاً، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -حمه الله -قول: ((وهذا هو أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدالّ على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل، وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم ففي القلب منه شيء إذا تفرد بالحديث)) (٥). ٤٠ - المواضع المنهي عن الصلاة فيها ؛ مما لا شك فيه أن الله قد جعل الأرض مسجداً وطهوراً للنبي محمد ﵊ وأمته، إلا المقبرة، والحمّام، ومعاطن الإبل، ومواضع النجاسة، ومواضع الخسف والعذاب؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام)) (٦). فالمقبرة لا يُصلى فيها

стр. 602

ولا تصحُّ فيها الصلاة، سواء كانت الصلاة على القبر، أو بين القبور، أو في مكان منفرد عن القبور: كالبيت داخل المقبرة، ولا يُصلَّى في الحمام، ولا تصح الصلاة فيه؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة والحمام لا يُصلَّى فيه (١). وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل: هو لِمَا تحت المصلي من النجاسة، وقيل: لحرمة الموتى، وأما الحمام فحكمة المنع من الصلاة فيه؛ لأنه تكثر فيه النجاسات، وقيل: إنه مأوى الشياطين (٢). وسمعت الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((والحمامات: المعدّة للغسل، والصلاة في المقبرة، والصلاة إليها ممنوعة، والعلة أن الصلاة في المقبرة أو إليها وسيلة إلى الشرك، أما الحمام فهو مظنة النجاسات، أو لأنه بيت الشيطان، والله أعلم بالعلة)) (٣). والصلاة على القبور ممنوعة؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر)) (٥).

стр. 603

وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)) (١). والمراد بالصلاة في البيوت: النوافل؛ لأن الفرائض تقام مع الجماعة في المسجد، وقوله ﷺ : ((ولا تتخذوها قبوراً))؛لأن القبور ليست بمحل للصلاة، وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر (٢). ولا يُصلّي المسلم في معاطن الإبل وهي مبارك الإبل؛ لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: ((لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين)). وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صلوا فيها فإنها بركة)) (٣). وعن عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلقت من الشياطين)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)) (٥). وعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يُصلَّى في أعطان الإبل، ويُصلّى في مراح الغنم)) (٦).

стр. 604

وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)) قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم فتوضأ من لحوم الإبل)). قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم)). قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)) (١). جاء في معظم الأحاديث التعبير بمعاطن الإبل، ووقع في بعضها ((مبارك الإبل)) وفي بعضها: ((أعطان الإبل)). وفي بعضها: ((مناخ الإبل)). وفي بعضها: ((مرابد الإبل)). وفي بعضها: ((مزابل الإبل)) والأحاديث تدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريم الصلاة في معاطن الإبل، وإليه ذهب الإمام أحمد فقال: ((لا تصح بحال)) ومن صلى في معاطن الإبل أعاد لهذه الأحاديث، وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة، والصواب أن النهي يقتضي التحريم، وقد نقل ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة، بنقل متواتر يوجب العلم. وقد قيل: إن حكمة النهي: كونها خلقت من الشياطين، وقيل: لكونها لا تخلو غالباً عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة؛ أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها، أو تشوّش عليه فتزيل الخشوع، وهذا كله مما يؤكد على المصلي أن يجتنب الصلاة في معاطنها (٢). ولا يصلي المسلم في مواضع الخسف والعذاب؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم

стр. 605

ما أصابهم)) (١). وفي لفظ: لَمّا مرّ رسول الله ﷺ بالحِجر قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين)). ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي)) (٢). أما جعل الإبل سترة في غير المعاطن فلا حرج، فقد كان ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره، وقال: ((رأيت النبي ﷺ يفعله)) (٣). ٤١ - حلقات العلم في المساجد من أعظم القربات لله تعالى ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه)) (٤). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) (٥). وهذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم، والقواعد، والآداب، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر: من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على

стр. 606

المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وفيه فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة، أو بيت ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الثاني؛ فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، وفي الحديث أن من كان عمله ناقصاً لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج معاوية ﵁ على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أسْتَحْلِفْكُم تُهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: ((ما أجلسكم؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: ((آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: ((أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو

стр. 607

رأوك كانوا أشدّ لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فممَ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)) (١). وفي لفظ مسلم: ((إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضُلاً (٢) يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحفَّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله وهو أعلم بهم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لكفي الأرض: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك ... )) الحديث. وفيه: ((قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: يقولون: رب فيهم فلان عبدٌ خطّاء إنما مرّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم)) (٣). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا

стр. 608

فضل عظيم نسأل الله أن يتقبّل، ومجالس العلم أعظم من مجالس التسبيح)) (١). وعن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فُرْجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)) (٢). وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، منها: جواز الإخبار عن أهل المعاصي، وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة، وفيه فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمذكّر في المسجد، وفيه: الثناء على المستحي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس (٣)، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن العالم ينبغي له أن يكون له في مسجده حلقات، حتى يستفيد الناس، وفيه أن الطالب يشرع له أن يدخل في فرج الحلقات، وحضورها، والأولى الانضمام في الحلقة والدخول فيها)) (٤). وسمعته أيضاً يقول: ((وهذا فيه الحرص على حلقات العلم، والقرب من المحدث، ويخشى على من يخرج من المواعظ أن يدخل في الإعراض)) (٥). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ، ونحن في الصّفّة (٦)

стр. 609

فقال: ((أيكم يحب أن يغدو (١) كل يوم إلى بُطْحَانَ أو العقيق (٢) فيأتي منه بناقتين كَوْمَاويْنِ (٣) في غير إثمٍ ولا قطع رحمٍ؟)) فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: ((أفلا يغدو أحدُكُم إلى المسجد فيعلَمُ أو يقرأُ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتينِ، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهن من الإبل)) (٤). قال الإمام القرطبي ﵀: ((ومقصود الحديث: الترغيب في تعلُّمِ القرآن، وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقل جزءٍ من ثواب القرآن وتعليمه خيرٌ من الدنيا وما فيها)) (٥)، وقد قال ﷺ : ((ولقاب قوس أحدكم (٦) أو موضع قدمٍ خير من الدنيا وما فيها)) (٧).

стр. 610

المبحث السادس والعشرون: الإمامة في الصّلاة أولاً: مفهوم الإمامة والإمام: الإمامة: مصدر أمَّ الناس: صار لهم إماماً يتبعونه في صلاته (١). أي: تقدّم رجل المصلين ليقتدوا به في صلاتهم، والإمامة: رياسة المسلمين، والإمامة الكبرى: رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ ، والخلافة هي الإمامة الكبرى، وإمام المسلمين: الخليفة ومن جرى مجراه (٢). والإمامة الصغرى: ربط صلاة المؤتم بالإمام بشروط (٣). الإمام: كل من اقتُدِي به، وقُدّم في الأمور، والنبي ﷺ إمام الأئمة، والخليفة: إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الجند: قائدهم. والإمام جَمْعُهُ: أئمة، والإمام في الصلاة: من يتقدم المصلين ويتابعونه في حركات الصلاة. والإمام: من يأتم به الناس من رئيس وغيره، محقّاً كان أو مبطلاً، ومنه: إمام الصلاة، والإمام: العالم المقتدى به، وإمام كل شيء: قيّمه والمصلح له (٤). ثانياً: فضل الإمامة في الصلاة والعلم: ١ - الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل ؛ لقول النبي ﷺ : ((يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله)) (٥). ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بأقرأ يدل على أفضليتها (٦). ٢ - الإمام في الصلاة يُقتدى به في الخير ، ويدلّ على ذلك عموم قول

стр. 611

الله في وصفه لعباد الرحمن، وأنهم يقولون في دعائهم لربهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (١). المعنى: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا في الخير، وقيل: المعنى: اجعلنا هُداةً مهتدين دعاةً إلى الخير (٢). فسألوا الله أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم أهل التقوى، قال ابن زيد كما قال لإبراهيم: ﴿إِنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما (٣)،وامتنّ الله على من وفقه للإمامة في الدين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤) أي لَمّا كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه، والصبر على التعلم والتعليم والدعوة إلى الله، ووصلوا في إيمانهم إلى درجة اليقين - وهو العلم التام الموجب للعمل - كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٥). ٣ - دعاء النبي ﷺ للأئمة بالإرشاد ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإمام ضامنٌ والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (٦). ٤ - الإمامة فضلها مشهور، تولاها النبي ﷺ بنفسه ، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وما زال يتولاها أفضل المسلمين علماً وعملاً، ولا يمنع هذا

стр. 612

الفضل العظيم أن يكون الأذان له ثواب أكثر؛ لِمَا فيه من إعلان ذكر الله تعالى، ولِمَا فيه من المشقّة، ولهذا اختلف العلماء في أيهما أفضل: الأذان أم الإمامة؟ فمنهم من قال: الإمامة أفضل، لِمَا سبق من الأدلة، ومنهم من قال: الأذان أفضل، لقوله ﷺ : ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)). ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان وأعلى منه، والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد، فالمغفرة أعلى من الإرشاد؛ لأن المغفرة نهاية الخير (١). واختار شيخ الإسلام ﵀ أن الأذان أفضل من الإمامة (٢). وأما إمامة النبي ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃ فكانت متعينة عليهم؛ فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان؛ لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣). ٥ - عظم شأن الإمامة وخطره على من استهان بأمرها ظاهر في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (٤). والمعنى: ((يصلون)) أي الأئمة ((لكم)) أي لأجلكم، ((فإن أصابوا)) في الأركان والشروط، والواجبات، والسنن ((فلكم)) ثواب صلاتكم، ((ولهم)) ثواب صلاتهم، ((وإن أخطأوا)) أي ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم، ككونهم محدثين ((فلكم))، ثوابها، ((وعليهم)) عقابها (٥). وعن

стр. 613

عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن أمّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم)) (١). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني - فعليه ولا عليهم)) (٢). ثالثاً: طلب الإمامة في الصلاة إذا صلحت النية لا بأس به ؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: ((أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) (٣). والحديث يدلّ على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف الجميلة أنهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٤). وليس ذلك من طلب الرياسة المكروهة؛ فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يُعطاها من سألها (٥)، فإذا صلحت النية وتأكدت الرغبة في القيام بالواجب والدعوة إلى الله فلا حرج من طلب ذلك. رابعاً: أولى الناس بالإمامة: الأقرأ (٦) العالم فقه صلاته، فإن استووا

стр. 614

في القراءة وعلم فقه الصلاة (١) فأفقههم، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم إسلاماً، لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله (٢) فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة (٣)، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً -وفي رواية- سنّاً (٤) ولا يؤمّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في

стр. 615

سلطانه (١)، ولا يقعد في بيته على تكْرِمَتِه (٢) إلا بإذنه)). وفي لفظ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواءً ... )) (٣). أما حديث مالك بن الحويرث ﵁ الذي فيه: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدُكم ثم ليؤمَّكم أكبرُكم)) (٤).فقدم الأكبر؛ لأنهم استووا في باقي الخصال والشروط؛ لأنهم هاجروا جميعاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يقدم به إلا السن (٥). فالمراتب خمس: يقدم الأقرأ، فالأعلم بالسنة، فالأقدم هجرة، فالأقدم إسلاماً، فالأكبر سنّاً (٦).

стр. 616

خامساً: أنواع الإمامة في الصلاة على النحو الآتي: ١ - إمامة الصبي جائزة على الصحيح (١)؛ لحديث عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممرّ الناس (٢)، وكان يمرّ بنا الرّكبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ (٣) فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح (٤)، فيقولون اتركوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم (٥)، فلما قَدِمَ قال: ((جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقّاً، فقال: ((صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصّلاة فليؤذّن أحدُكم، وليؤمَّكم أكثرُكم قرآناً)) فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً منّي؛ لِمَا كنت أتلقَّى من الركبان، فقدّموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني (٦)،فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا (٧) فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)).وفي أبي داود زيادة: ((قال عمرو بن سلمة: فما شهدت

стр. 617

مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا)) (١). وهذا هو الصّواب أنّ إمامة الصّبي تصحّ بالفرض والنّفل إذا قدّمه القوم وكان أكثرهم قرآناً، وقد بلغ سبع سنين؛ لأنه لا قياس في مقابلة النّصّ؛ ولأنّ إمامة عمرو بن سلمة بقومه كانت زمن الوحي، فلو كانت الصّلاة باطلة وعمله منكراً؛ لأنكره الله تعالى؛ ولأنّ الذين قدَّموا عمراً كانوا كلهم صحابة (٢)، وقد قال جابر ﵁: ((كنّا نعزل والقرآن ينزل)) وفي لفظ: ((كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ )) (٣). وفي رواية مسلم: ((كنّا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يرجّح صحّة إمامة الصبي الذي بلغ سبع سنين في الفرض والنّفل، وأنه يعتدّ بالصّبي في المصافة في الصّلاة، وأنّ الأصل في الفرائض والنّوافل سواء إلا ما خصّه الدّليل (٤). ٢ - إمامة الأعمى صحيحة بلا كراهة ؛ لحديث أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ استخلف ابن أمّ مكتوم يؤمُّ الناس وهو أعمى (٥)، وفي رواية عنه أن النبي ﷺ

стр. 618

استخلف ابن أمّ مكتوم على المدينة مرتين (١). وقد عُدَّت مراتُ استخلاف ابن أم مكتوم فبلغت ثلاث عشرة مرة، وهذا دليل على صحّة إمامة الأعمى من دون كراهة في ذلك (٢)، ويدلّ على ذلك ما رواه محمود بن الربيع الأنصاري ﵁ أن عتبان بن مالك كان يؤمُّ قومَهُ وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ ، يا رسول الله: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلّ يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مُصلَّى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: ((أين تحبّ أن أصلّي))؟ فأشار إلى مكان من البيت فصلّى فيه رسول الله ﷺ (٣). ٣ - إمامة العبد والمولى صحيحة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: لَمّا قَدِمَ المهاجرون الأوّلون العقبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة ﵁ وكان أكثرهما قرآناً (٤). وفي رواية: عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة (٥). وكان سالم مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يُعتق، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة؛ لأنه لازم أبا حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك قيل له: مولاه، وسبب تقديمهم له؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً (٦)، قال البخاري ﵀: ((باب إمامة العبد المولى، وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف. وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم، لقول

стр. 619

النبي ﷺ : ((يؤمُّهم أقرؤهم لكتاب الله)) ولا يُمنع العبد من الجماعة بغير علة)) (١). ٤ - إمامة المرأة للنساء صحيحة ؛ لحديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها. قال عبد الرحمن بن خلاَّد الراوي عنها: ((أنا رأيتُ مؤذنها شيخاً كبيراً)) (٢). وهذا يدلّ على مشروعية صلاة النساء جماعة منفردات عن الرجال (٣)، ورجح الإمام ابن القيم ﵀ استحباب صلاة النساء جماعة؛ لحديث أم ورقة؛ ولأن عائشة ﵂ أمَّت نسوة في المكتوبة فأمتهنَّ بينهن وسطاً (٤)؛ ولأن أم سلمة ﵂ أمَّت نساء فقامت وسطهن (٥)، ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله ﷺ : ((تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (٦) لكفى (٧). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث ورقة: ((وأنه يدلّ على مشروعية ذلك، ولا بأس به، ويستحب ذلك، والحديث وإن كان في إسناده كلام، ولكن مثله نوع

стр. 620

مستقل ويعمل به، ويعضده ما جاء عن عائشة، وأم سلمة أنهما كانتا تؤمان أهل بيتهما، لكن تقف في وسط النساء، وصلاة الجماعة لا تجب عليهن، ولكن تستحب)) (١). ٥ - إمامة الرجل للنساء فقط صحيحة ؛ لأخبار وردت في ذلك (٢)؛ ولأن الأصل صحة صلاة الجماعة وانعقادها بالنساء مع الرجل، بل بالمرأة مع الرجل ومن منع فعليه الدليل (٣)، إلا إذا كانت أجنبية وحدها فإنه يحرم أن يؤمَّها؛ لحديث ابن عباس ﵄ يرفعه: ((لا يخلونَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) (٤)، والصحيح أن إمامة النساء لا تكره إلا إذا خاف الفتنة؛ ابتعد عن ذلك؛ لأن ما كان ذريعة إلى حرام فهو حرام (٥)، وقد كان ذكوان مولى عائشة ﵄ يؤمها من المصحف (٦). ٦ - إمامة المفضول للفاضل صحيحة ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ حينما كان مع النبي في غزوة تبوك، وذكر وضوء النبي ﷺ وأنه جاء معه قال: حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، قال: ووجدنا عبد الرحمن وقد صلى بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ فصفَّ مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، فلما سلَّم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتمُّ صلاته، قال: فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: ((أحسنتم))، أو ((قد أصبتم))، يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها (٧)، وهذا يدلّ على صحّة

стр. 621

إمامة المفضول للفاضل. ٧ - إمامة المتيمم للمتوضئ جائزة ؛ لحديث عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيما﴾ (١)، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً (٢). وفي رواية: ((فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلّى بهم ... )) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقال البيهقي: يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ ثم تيمم عن الباقي، وقال النووي: وهو متعيّن)) (٤). وفي لفظ البخاري: ((فذكر للنبي ﷺ فلم يعنّف))، ووقع في رواية ((فلم يعنّفه))، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان من أجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين .. )) (٥). قال ابن قدامة ﵀: ((ويصحَّ ائتمام المتوضئ بالمتيمم لا أعلم فيه خللاً)) (٦).ولكن لا يتيمم لشدة البرد من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر منه (٧).

стр. 622

٨ - إمامة المسافر للمقيم صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر ؛ للآثار في ذلك (١) والإجماع، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة)) (٢). وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قدم بمكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفْرٌ)) (٣). فظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعاً، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلباً لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٤). وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتمَّ بهم فصلاتهم تامّة صحيحة وخالف الأفضل (٥). ٩ - إمامة المقيم للمسافر صحيحة، ويتمّ المسافر مثل صلاة إمامه ، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير

стр. 623

قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم، لِمَا ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنّا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كُنّا معكم صلّينا أربعاً وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: ((تلك سنّة أبي القاسم ﷺ )) (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً وإذا صلاها وحده صلّى ركعتين (٢). وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعاً (٣). وقال: ((قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام)) (٤). ومما يدلّ على أنّ المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبّروا ... (٥))) (٦). ١٠ - إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم ، مثال ذلك رجل وجد الناس يصلون ظهر اليوم وذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس، فإنه يدخل معهم خلف الإمام وينوي ظهر أمس؛ فصلاته صحيحة، لأنه قاضٍ صلى خلف مؤدٍّ؛ ولأنّ التّرتيب بين الصّلوات واجب فيصلي

стр. 624

الصّلاة بنيّة الفائتة ثم يصلي الحاضرة (١). ١١ - إمامة من يقضي الصلاة بمن يؤديها عكس المسألة السابقة صحيحة على القول الصحيح ، فيكون الإمام هو الذي يقضي والمأموم هو الذي يؤدي، مثال ذلك رجل عليه ظهر أمس فصلى فدخل معه من يصلي ظهر اليوم، فالإمام يصلي بنية ظهر أمس، والمأموم بنية ظهر اليوم، فصحّة المؤداة خلف المقضية وبالعكس؛ لأنّ الصلاة واحدة وإنما اختلف الزّمن (٢). ١٢ - إمامة المفترض للمتنفل صحيحة بلا خلاف ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه)) (٣)؛ ولأحاديث إعادة صلاة الجماعة لمن أدرك الجماعة وقد صلى قبل ذلك (٤)، ومنها حديث يزيد بن الأسود وفيه: ((إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة)) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا نعلم بين أهل العلم فيه

стр. 625

اختلافاً)) (١). ١٣ - إمامة المتنفل للمفترض جائزة على القول الصحيح ؛ لحديث جابر ﵁ أن معاذ بن جبل ﵁ ((كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)) (٢). ومعلوم أن الصلاة الأولى هي الفريضة والثانية لمعاذ هي النافلة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وقد صلى النبي ﷺ في بعض أنواع صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين ثم سلم (٣)، فالصلاة الأولى فرض النبي ﷺ ، والثانية نفلاً (٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥). فعلى هذا تجوز صلاة العشاء خلف من يصلي صلاة التراويح وغيرها (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن هذين الحديثين: ((وهذا واضح في جواز إمامة المتنفل بالمفترض)) (٧). ١٤ - إمامة من يصلي العصر أو غيرها بمن يصلي الظهر أو غيرها جائزة على القول الصحيح ؛ لأنها فرع من إمامة المتنفل بالمفترض على الصحيح، وهي مثلها في الحكم، بل هنا أولى؛ لصحة صلاة من يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة، فلو أدرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الجمعة دخل معه بنية

стр. 626

الظهر فإذا سلم الإمام قام فصلى أربعاً ظهراً (١). وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا الإمام ابن باز وغيرهما ﵏ (٢). وأما قول النبي ﷺ : ((إنّما جُعِل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه ... )) (٣). فالاختلاف المراد به في الحديث الاختلاف في الأفعال والأقوال (٤)، كما جاء مفسراً بقوله: ((إنّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبّر فكبروا ولا تكبروا حتى يُكبّر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربّنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون)) (٥). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((الحديث لم يشترط المساواة في النية، فدلّ أنها إذا اختلفت نية الإمام والمأموم - كأن ينوي أحدهما فرضاً والآخر نفلاً، أو ينوي هذا عصراً، والآخر ظهراً أنها تصحّ الصلاة جماعة)) (٦). وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز ﵀ يقول في شرحه لهذا الحديث: ((فقد ذكر الأفعال والأقوال ولم يذكر النية فدلّ على أن النية مغتفرة)) (٧)، فعلى ذلك لا يؤثر اختلاف النية: فتصح إمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العشاء،

стр. 627

وإمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن يصلي الظهر، ومن يصلي صلاة أكثر بمن يصلي أقل، ومن يصلي أقل بمن يصلي أكثر مثال من يصلي صلاة أكثر خلف من يصلي أقل: كمن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب، فإنه يصلي مع الإمام فإذا سلّم إمامه قام وأتى بركعة. ومثال من يصلي صلاة أقل خلف من يصلي صلاة أكثر، كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فإنه إن أدرك الإمام في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال؛ لأنه يتابع إمامه ويسلم معه، وإن دخل في الركعة الثالثة أتى بعده بركعة، وإن دخل في الرابعة أتى بعده بركعتين، لكن إن أدرك الإمام في الركعة الأولى فإنه يلزمه إذا قام الإمام إلى الرابعة أن يجلس ولا يقوم معه بل ينتظر في التشهد حتى يسلم مع إمامه، هذا هو الأفضل، وإن نوى الانفراد وقرأ التشهد الأخير ثم سلم فلا حرج (١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وشيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز (٣)، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٤) رحمهم الله تعالى (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: (( ... وهكذا على الأرجح لو جاء وهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب بسبب السفر أو المرض [فقد] اختلف العلماء: فقيل يصلي معهم العشاء نافلة ثم يصلي المغرب، وقيل: يجوز عدم الترتيب، وقيل: يصلي معهم المغرب بنية المغرب فإذا قاموا إلى الرابعة جلس ينتظرهم ثم يسلم معهم، وهذا قول حسن وجيد وهو معذور في الجلوس كما

стр. 628

يجلس المسبوق ثم يتم صلاته، حتى ولو لم يدرك إلا ركعة جلس معهم ثم أتم، فالتأخر لعذر والمتابعة لعذر شرعي)) (١). ١٥ - إمامة الفاسق الذي تصحّ صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم ، إذا كانت معصيته أو بدعته لا تخرجه عن الإسلام، لكن ينبغي أن لا يرتب إماماً في الصلاة وغيرها (٢). ومما يدلّ على صحّة إمامة الفاسق حديث أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُؤَخّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها))؟ قال: قلت فما تأمرني؟ قال: ((صلّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صلّيت فلا أصلي])) (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (٤)؛ ولأن جمعاً من الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة، والجماعة، والأعياد خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون الصلاة، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف (٥)، وابن عمر كان ﵁ من أشدّ الناس تحرّياً لاتباع السنة، واحتياطاً لها، والحجاج معروف بأنه من أفسق الناس. وكذا أنس ﵁ كان يصلي خلف الحجاج، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة كانوا يصلّون خلف الوليد بن أبي معيط، وقد صلّى بهم الصبح يوماً ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان عند عثمان ﵁ فأقام عليه الحدّ، فجلده

стр. 629

أربعين، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إليّ (١). وفي الصحيح عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال: ((الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم)) (٢). وصلى أبو سعيد الخدري ﵁ خلف مروان بن الحكم صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة (٣). قال الإمام الشوكاني ﵀: (( ... وقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعليّاً، ولا يبعد أن يكون قوليّاً على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير)) (٤). وقال: ((والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ... واعلم أن محلّ النّزاع إنما هو صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك)) (٥).قال الإمام الطحاوي-﵀: ((ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم)) (٦). وقد تكلم الشارح كلاماً نفيساً رجح فيه صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن من أظهر بدعته وفسقه لا يرتب إماماً للمسلمين؛ لأنه يستحق التعزير حتى يتوب، وإن أمكن هجره حتى يتوب

стр. 630

كان حسناً، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهذا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فلا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما؛ فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، فتفويت الُجمَع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، ولا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية دون دفع المفسدة. أما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذٍ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد (١)، والأقرب أنه لا يعيد (٢).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((من يسلم من الأئمة من الفسق ولا سيما آخر الزمان، فالقول بعدم صحة الصلاة خلف الفاسق فيه حرج عظيم، ومشقة كبيرة، فالصواب أنها تصح، ولكن على المسؤولين أن يختاروا)) (٣) والله المستعان (٤).

стр. 631

١٦ - إمامة من يكرهه أكثر الجماعة بحق مكروهة على أقل الأحوال ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون)) (١). وعن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: كان يقال: أشدُّ الناس عذاباً [يوم القيامة] اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قومٍ وهم له كارهون (٢). قال الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى -: ((وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤمَّ الرجل قوماً وهم له كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه، وقال أحمد وإسحاق في هذا: إذا كَرِهَ واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم)) (٣). وذكر الشوكاني ﵀: أنه ذهب إلى التحريم قوم وإلى الكراهة آخرون، وقيّد جماعة من أهل العلم ذلك بالكراهة الدينية لسبب شرعي، فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد، والاثنين، والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعاً كثيراً، لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم

стр. 632

أو كراهة أكثرهم معتبرة، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم (١). وقال الترمذي ﵀: ((قال هنَّاد: قال جرير: قال منصور: فسألنا عن أمر الإمام؛ فقيل لنا: إنما عنى بهذا الأئمة الظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((ذكر أهل العلم ﵏ أن كراهة المأمومين فيها تفصيل: فمراد النبي ﷺ إذا كرهوه بحق، أما إذا كانت كراهتهم له؛ لأنه صاحب سنة، أو [لأنه] يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فلا وجه لكراهتهم، وهذا مأخوذ من الأدلة الشرعية، أما إذا كرهوه لشحناء بينهم، أو لفسقه، أو يشق عليهم، أو لعدم عنايته بالصلاة، أو عدم مواظبته، فلا ينبغي أن يصلي بهم؛ لأنه مسيء إليهم، فلا يجوز له أن يصلي بهم في هذه الحال، وهو داخل في هذا الوعيد في هذه الأحاديث)) (٣). ١٧ - إمامة الزائر لقوم منهيٌّ عنها إلا بإذنهم ؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من زار قوماً فلا يؤمَّهم، وليؤُمَّهم رجل منهم)) (٤). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ،وغيرهم، قالوا: ((صاحب

стр. 633

المنزل أحق بالإمامة من الزائر)). قال: ((وقال بعض أهل العلم: إذا أَذِنَ فلا بأس أن يصلي به)) (١). وقال أبو البركات ابن تيمية: ((وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان (٢)؛ لقوله ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁: ((إلا بإذنه)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف)). وقال: ((ولا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يختصّ نفسه بدعوة دونهم (٤)، فإن فعل فقد خانهم)) (٥). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((وقوله في حديث أبي هريرة ((إلا بإذنهم)) يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور، قال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلاً للإمامة؛ فإن لم يكن أهلاً كالمرأة في صورة كون الزائر رجلاً، والأمي في صورة كون الزائر قارئاً ونحوهما فلا حق له في الإمامة)) (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وفي حديث أبي مسعود في آخره: ((ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) هذا يفيد أن من زار قوماً فلا يؤمّهم كما في حديث مالك بن الحويرث وإن كان في سنده ضعف لكن حديث أبي مسعود صحيح، فالزائر لا يؤم إلا بإذنٍ إذا زار [القوم] في مسجدهم أو في بيتهم، وحضرت الصلاة فالإمام صاحب البيت، وإن كان في

стр. 634

المسجد فصاحب السلطان، فلا يتقدم عليه، وإن كان الزائر أعلم أو أكبر سنّاً، إلا أن يقدمه ويأذن له فلا بأس؛ لأن رسول الله ﷺ قال: ((إلا بإذنه))، أما حديث: ((من زار قوماً)) لو صحَّ فهو محمول على بغير الإذن، وحديث: ((من زار قوماً)) تعضده الأدلة الأخرى، وبعض الناس قد يأذن حياءً، فينبغي للزائر أن لا يعجل في التقدم حتى يلحَّ عليه صاحب السلطان ويشدد ويلزم)) (١). ١٨ - الإمامة في مسجد قبل إمامه لا تجوز إلا إذا تأخر عن الوقت المحدد أو بإذنه ؛ لقوله ﷺ : ((ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه)) (٢). فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام، كأن يوكّله فيقول: صلّ بالناس، أو يقول للجماعة إذا تأخَّرْتُ عن موعد الإقامة فصلوا. ويجوز للجماعة إذا تأخر الإمام تأخراً ظاهراً أن يقدّموا أحدهم؛ لفعل الصّدّيق ﵁ (٣) وعبد الرحمن بن عوف ﵁ حين غاب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ((أحسنتم)) (٤)، وإذا أمَّ في مسجد قبل إمامه بدون إذن الإمام أو عذره فقيل: الصلاة لا تصحّ، ويجب عليهم الإعادة مع الإمام الرّاتب، وقيل: تصحّ مع الإثم وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل الصّحّة حتى يقوم الدليل على الفساد (٥). ١٩ - الإمامة من المصحف صحيحة على الصحيح من قولي أهل العلم ؛ لأن عائشة ﵂ كان يؤمُّها عبدُها ذكوان من المصحف (٦). قال الإمام ابن باز ﵀: ((يجوز ذلك إذا دعت الحاجة إليه، كما يجوز

стр. 635

القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن، وتطويل القراءة في صلاة الفجر سنة، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن وأن يجتهد)) (١). سادساً: وقوف المأموم مع الإمام أنواع: ١ - وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: ((فقام النبي [ ﷺ ] يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه))، وهذا يدلّ على أن موقف الواحد مع الإمام عن يمينه، بدليل الإدارة، إذ لو كان اليسار موقفاً له لما أداره في الصلاة (٢)،وهذا هو الأفضل والأكمل (٣).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدلّ على أن المأموم إذا كان واحداً يكون عن يمين الإمام مساوياً له لا يتقدم ولا يتأخر؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لابن عباس لا تتأخر عني)) (٤).وسمعته ﵀ يقول: ((لو صلى عن يسار الإمام صحت صلاته؛ لأن النبي ﷺ ما أمره بإعادة التحريمة، لكن السنة عن يمين الإمام)) (٥). ٢ - وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: ((جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى
следующие страницы →