← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

١٦ - إمامة من يكرهه أكثر الجماعة بحق مكروهة على أقل الأحوال ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون)) (١). وعن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: كان يقال: أشدُّ الناس عذاباً [يوم القيامة] اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قومٍ وهم له كارهون (٢). قال الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى -: ((وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤمَّ الرجل قوماً وهم له كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه، وقال أحمد وإسحاق في هذا: إذا كَرِهَ واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم)) (٣). وذكر الشوكاني ﵀: أنه ذهب إلى التحريم قوم وإلى الكراهة آخرون، وقيّد جماعة من أهل العلم ذلك بالكراهة الدينية لسبب شرعي، فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد، والاثنين، والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعاً كثيراً، لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم

стр. 632

أو كراهة أكثرهم معتبرة، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم (١). وقال الترمذي ﵀: ((قال هنَّاد: قال جرير: قال منصور: فسألنا عن أمر الإمام؛ فقيل لنا: إنما عنى بهذا الأئمة الظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((ذكر أهل العلم ﵏ أن كراهة المأمومين فيها تفصيل: فمراد النبي ﷺ إذا كرهوه بحق، أما إذا كانت كراهتهم له؛ لأنه صاحب سنة، أو [لأنه] يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فلا وجه لكراهتهم، وهذا مأخوذ من الأدلة الشرعية، أما إذا كرهوه لشحناء بينهم، أو لفسقه، أو يشق عليهم، أو لعدم عنايته بالصلاة، أو عدم مواظبته، فلا ينبغي أن يصلي بهم؛ لأنه مسيء إليهم، فلا يجوز له أن يصلي بهم في هذه الحال، وهو داخل في هذا الوعيد في هذه الأحاديث)) (٣). ١٧ - إمامة الزائر لقوم منهيٌّ عنها إلا بإذنهم ؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من زار قوماً فلا يؤمَّهم، وليؤُمَّهم رجل منهم)) (٤). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ،وغيرهم، قالوا: ((صاحب

стр. 633

المنزل أحق بالإمامة من الزائر)). قال: ((وقال بعض أهل العلم: إذا أَذِنَ فلا بأس أن يصلي به)) (١). وقال أبو البركات ابن تيمية: ((وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان (٢)؛ لقوله ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁: ((إلا بإذنه)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف)). وقال: ((ولا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يختصّ نفسه بدعوة دونهم (٤)، فإن فعل فقد خانهم)) (٥). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((وقوله في حديث أبي هريرة ((إلا بإذنهم)) يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور، قال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلاً للإمامة؛ فإن لم يكن أهلاً كالمرأة في صورة كون الزائر رجلاً، والأمي في صورة كون الزائر قارئاً ونحوهما فلا حق له في الإمامة)) (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وفي حديث أبي مسعود في آخره: ((ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) هذا يفيد أن من زار قوماً فلا يؤمّهم كما في حديث مالك بن الحويرث وإن كان في سنده ضعف لكن حديث أبي مسعود صحيح، فالزائر لا يؤم إلا بإذنٍ إذا زار [القوم] في مسجدهم أو في بيتهم، وحضرت الصلاة فالإمام صاحب البيت، وإن كان في

стр. 634

المسجد فصاحب السلطان، فلا يتقدم عليه، وإن كان الزائر أعلم أو أكبر سنّاً، إلا أن يقدمه ويأذن له فلا بأس؛ لأن رسول الله ﷺ قال: ((إلا بإذنه))، أما حديث: ((من زار قوماً)) لو صحَّ فهو محمول على بغير الإذن، وحديث: ((من زار قوماً)) تعضده الأدلة الأخرى، وبعض الناس قد يأذن حياءً، فينبغي للزائر أن لا يعجل في التقدم حتى يلحَّ عليه صاحب السلطان ويشدد ويلزم)) (١). ١٨ - الإمامة في مسجد قبل إمامه لا تجوز إلا إذا تأخر عن الوقت المحدد أو بإذنه ؛ لقوله ﷺ : ((ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه)) (٢). فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام، كأن يوكّله فيقول: صلّ بالناس، أو يقول للجماعة إذا تأخَّرْتُ عن موعد الإقامة فصلوا. ويجوز للجماعة إذا تأخر الإمام تأخراً ظاهراً أن يقدّموا أحدهم؛ لفعل الصّدّيق ﵁ (٣) وعبد الرحمن بن عوف ﵁ حين غاب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ((أحسنتم)) (٤)، وإذا أمَّ في مسجد قبل إمامه بدون إذن الإمام أو عذره فقيل: الصلاة لا تصحّ، ويجب عليهم الإعادة مع الإمام الرّاتب، وقيل: تصحّ مع الإثم وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل الصّحّة حتى يقوم الدليل على الفساد (٥). ١٩ - الإمامة من المصحف صحيحة على الصحيح من قولي أهل العلم ؛ لأن عائشة ﵂ كان يؤمُّها عبدُها ذكوان من المصحف (٦). قال الإمام ابن باز ﵀: ((يجوز ذلك إذا دعت الحاجة إليه، كما يجوز

стр. 635

القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن، وتطويل القراءة في صلاة الفجر سنة، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن وأن يجتهد)) (١). سادساً: وقوف المأموم مع الإمام أنواع: ١ - وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: ((فقام النبي [ ﷺ ] يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه))، وهذا يدلّ على أن موقف الواحد مع الإمام عن يمينه، بدليل الإدارة، إذ لو كان اليسار موقفاً له لما أداره في الصلاة (٢)،وهذا هو الأفضل والأكمل (٣).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدلّ على أن المأموم إذا كان واحداً يكون عن يمين الإمام مساوياً له لا يتقدم ولا يتأخر؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لابن عباس لا تتأخر عني)) (٤).وسمعته ﵀ يقول: ((لو صلى عن يسار الإمام صحت صلاته؛ لأن النبي ﷺ ما أمره بإعادة التحريمة، لكن السنة عن يمين الإمام)) (٥). ٢ - وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: ((جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى

стр. 636

أقامني عن يمينه، ثم جاء جبَّار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه)) (١). وهذا يدلّ على أن موقف الرجلين فأكثر مع الإمام في الصلاة خلفه (٢)، ومما يدل على ذلك حديث أنس ﵁ وفيه: ((فقام رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((فدلّ على جواز مصافّة الصغير وأن المرأة الواحدة تصلي خلف الصف)) (٤). وسمعته يقول: ((فدلت السنة على أن الواحد يقف عن يمين الإمام كما في حديث جابر، وأنس، وابن عباس، في الفرض والنفل جميعاً، أما إذا كانوا اثنين فأكثر فإن السنة أن يكونوا خلفه. أما أثر ابن مسعود، وهو أنه جعل علقمة والأسود عن يمينه وشماله، ونقله عن النبي ﷺ ، فقال العلماء فيه: إنه موقوف، وأعلّه بعضهم، وقال بعضهم: إنه منسوخ، والصواب أنه موقوف من اجتهاده أو منسوخ (٥). ٣ - وقوف الإمام تلقاء وسط الصف ، العمل عليه عند أهل العلم، فينبغي أن يجعل الإمام مقابلاً لوسط الصف. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وسّطوا الإمام وسدوا الخلل)) (٦):

стр. 637

الحديث وإن كان فيه ضعف ولكن العمل عليه عند أهل العلم، فالسنة أن يكون الإمام وسطاً في المساجد، هذه السنة العملية التي درج عليها المسلمون (١))) (٢). وقال ﵀: ((الصف يبدأ من الوسط مما يلي الإمام، ويمين كل صف أفضل من يساره، والواجب ألا يبدأ في صف حتى يكمل الذي قبله. ولا بأس أن يكون الناس في يمين الصف أكثر، ولا حاجة إلى التعديل، بل الأمر بذلك خلاف السنة، ولكن لا يُصفّ في الثاني حتى يكمل الأول، ولا في الثالث حتى يكمل الثاني، وهكذا بقية الصفوف؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ الأمر بذلك)) (٣). ٤ - وقوف المرأة الواحدة خلف الرجل ؛ لحديث أنس ﵁ وفيه: ((وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا)) (٤). وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((أجمع العلماء على أن المرأة تصلي خلف الرجل وحدها صفّاً، وأن سنتها الوقوف خلف الرجل لا عن يمينه)) (٥). ولكن لا تجوز الخلوة بالمرأة وحدها كما تقدم (٦). ٥ - وقوف المرأة الواحدة أو أكثر خلف الرجال ؛ لحديث أنس السابق؛ ولحديثه الآخر أن النبي ﷺ دخل عليه وصلى به وبأمه وقال: ((فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا)) (٧).وإذا زاد النساء عن واحدة صلين خلف الرجال؛ لحديث أنس ﵁ وفيه: ((صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي وأم سليم خلفنا)) (٨).وإذا لم يوجد إلا الإمام صلى بالنساء وهن

стр. 638

خلفه إلا إذا خاف الفتنة فلا يصلي بهن؛ لأن ما كان ذريعة إلى الحرام فهو حرام (١). ٦ - وقوف المرأة الواحدة مع المرأة كوقوف الرجل مع الرجل الواحد، تقف عن يمينها (٢). ٧ - وقوف النساء مع المرأة عن يمينها وشمالها، فإمامتهن تقوم وسطهن في صفهن ، استحباباً؛ لأن أم سلمة ﵂ كانت إذا أمَّت النساء وقفت في صفهن (٣)، وعائشة ﵂ أيضاً كانت إذا أمَّت النساء وقفت في صفهن (٤)؛ لأن ذلك أستر للمرأة، والمرأة مطلوب منها الستر بقدر المستطاع (٥)، وإذا كن عراة فكذلك تقوم إمامتهم وسطهن، وتجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية (٦). ٨ - وقوف العراة مع إمامهم العاري عن يمينه وشماله، فيكون إمامهم وسط صفهم ولو طال الصف ؛ لأن ذلك أستر له (٧). قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني: ((وإذا شرعت الجماعة لعراة النساء مع أن الستر في حقهن آكد، والجماعة في حقهن أخف فللرجال أولى وأحرى، وغض البصر يحصل بكونهم صفّاً واحداً يستر بعضهم بعضاً، إذا ثبت هذا فإنهم يصلون صفّاً واحداً ويكون إمامهم وسطهم، ليكون أستر

стр. 639

له)) (١). وهذا على سبيل الوجوب إلا إذا كانوا عمياً، أو في ظلمة فإنه يصلي بهم أمامهم (٢). ٩ - وقوف الرجال، والصبيان، والنساء مع الإمام على النحو الآتي: أ- يصف الرجال خلف الإمام إن سَبقُوا . ب- ثم يصف الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا أو يمنع مانع . ج- ثم يصف النساء خلف الصبيان . ويدل على هذا الترتيب حديث أبي مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلِني منكم أُولو الأحلام والنهى (٣)،ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٤).وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم-ثلاثاً-وإياكم وهيشات (٥) الأسواق)) (٦).قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: ((فالأفضل إلى الأمام؛ لأنه أولى بالإكرام؛ ولأنه ربما يحتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لِمَا لا يتفطن له غيره؛ وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويُعلّموها للناس؛ وليقتدي بأفعالهم من وراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع

стр. 640

إلى الإمام وكبير المجلس: كمجالس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك)) (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال: ((تقدّموا فائتمّوا بي وليأتمّ بكم مَنْ بعدكم (٢)، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم (٣) الله)) (٤). وفي لفظ أبي داود عن عائشة ﵂: ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار)) (٥). والمقصود فيما تقدم أن يتقدم الرجال، ثم بعد ذلك الصبيان؛ لأن الصبيان ذكور وقد فضّل الله الذكور على الإناث فهم أقدم من النساء، ثم بعد ذلك النساء؛ لأن النبي ﷺ قال: ((خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها)) (٦). ويلزم من ذلك تأخر صفوف النساء عن صفوف الرجال (٧). أما ترتيب صفوف الصبيان فلا شك أن الأولى أن يكونوا خلف الرجال إلا إذا حصل بذلك تشويش على المصلين فإنا نجعل بين كل

стр. 641

صبيين رجلاً بالغاً، ليخشع الناس في الصلاة (١). وتقديم الرجال ثم الصبيان يكون في ابتداء الأمر، كأن يجتمع الناس للصلاة في وقت واحد ولم يتقدم أحد قبل أحد، أما إذا جاء الصبي إلى الصفوف الأُوَل وسبق إلى مكانٍ فالصواب أنه أحق به من غيره (٢)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه)). وفي لفظ: ((نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه)) فقيل لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها (٣). وفي لفظ لمسلم: ((لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسّحوا وتوسّعوا)). وإقامة الصبي من مكانه وتأخيره يؤدي إلى تنفير الصبيان من المساجد، وكراهتهم للرجل الذي أخّرهم عن الصف (٤)،وهذه مفسدة (٥).قال الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((إذا كان الصبي مميزاً عاقلاً فلا يؤخر من مكانه؛ لأنه قد سبق إلى ما لم

стр. 642

يسبق إليه مسلم، فكان أولى؛ ولِمَا فيه من التشجيع للصبيان على المسابقة إلى الصلاة، وإذا كان دون التمييز أو غير عاقل فإنه يؤخر؛ لأن صلاته غير صحيحة)) (١). سابعاً: متى يقوم المأمومون لأداء الصلاة ؟ وقت قيام المأمومين للصلاة ليس له حدّ محدود، والأمر فيه واسع: سواء كان في أول الإقامة، أو في أثنائها، أو في آخرها، والمطلوب أن يكبر تكبيرة الإحرام بعد تكبير الإمام ولا تفوته مع الإمام (٢)، ولا يقوم المصلون إذا أخذ المؤذن في الإقامة حتى يخرج الإمام، لحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني [قد خرجت])) (٣)، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: ((كان بلال يؤذن إذا

стр. 643

دحضت الشمس (١) فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه)) (٢). ويجمع بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة السابق أن بلالاً ﵁ كان يراقب خروج النبي ﷺ ،فيراه أول خروجه قبل أن يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه ﷺ يقيم بلال ولا يقوم الناس حتى يروا النبي ﷺ ،ثم لا يقوم الرسول ﷺ حتى يُعدّلوا صفوفهم (٣).قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر هذا الجمع: ((وبهذا الترتيب يصحّ الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى)) (٤). وأما حديث أبي هريرة ﵁: ((أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه)) (٥) فقال الإمام النووي ﵀ عنه: ((وقوله في رواية أبي هريرة ﵁: فأخذ الناس مصافهم قبل خروجه: لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر، ولعل قوله ﷺ : ((فلا تقوموا حتى تروني)) كان بعد ذلك، قال العلماء: ((والنهي عن القيام قبل أن يروه؛ لئلا يطول عليهم القيام؛ ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه)) (٦). وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - عن حديث أبي هريرة ﵁: (( ... يجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي

стр. 644

قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يرد هذا حديث أنس الآتي (١): أنه قام في مقامه طويلاً في حاجة بعض القوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادراً، أو فعله؛ لبيان الجواز)) (٢). ثامناً: الصفوف في الصلاة والعناية بها: ١ - ترتيب الصفوف ؛ لحديث أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ،وفيه: ((لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٣)، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم -ثلاثاً -وإياكم وهيشات الأسواق)) (٤). ففي هذا الحديث ترتيب الصفوف على حسب الأفضلية خلف الإمام: الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، ما لم يسبق الصبيان إلى الصفوف الأُوَل، أو يمنع مانع، فإن سبقوا فهم أولى بها، أما إذا كان المأموم واحداً، فإنه يقف على يمين الإمام، لحديث ابن عباس ﵄ (٥). وإذا كان المأمومون اثنين وقفا خلفه؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ في قصته وجبار بن صخر، وأن النبي ﷺ جعلهما خلفه (٦)، وإذا كانت امرأة واحدة وقفت خلف الرجال؛ لحديث أنس ﵁ وفيه: ((فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا)) (٧).

стр. 645

وإذا كان المأمومون: امرأتين ورجلاً وقف الرجل على يمين الإمام والمرأتان خلف الإمام لرواية أنس، وفيها: ((ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً فقامت أمُّ سليم وأم حرام خلفنا)) قال: ((أقامني عن يمينه على بساط)) (١). ٢ - تسوية الصفوف تجب على الصحيح ؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم)). وفي لفظ لمسلم: كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح (٢) حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف فقال: ((عباد الله لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم)) (٣). وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجوب تسوية الصفوف؛ لهذا الحديث (٤)؛ ولحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : ((سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)). وفي لفظ مسلم: ((من تمام الصلاة)) (٥)، وفي حديث أبي هريرة يرفعه: (( ... وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة)) (٦). ومن ذكر الإجماع على استحباب تسوية الصفوف فمراده: ثبوت استحباب ذلك لا نفي وجوبه، والله أعلم (٧).قال العلامة محمد بن صالح العثيمين -

стр. 646

رحمه الله -: (( ... القول الراجح في هذه المسألة وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يسوُّوا الصف فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀) (١). ٣ - ألفاظ النبي ﷺ في تسوية الصفوف أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: ((أقيموا صفوفكم وتراصُّوا)) ؛لحديث أنس ﵁ (٢). النوع الثاني: ((سوُّوا صفوفكم فإنّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)) ، لحديث أنس ﵁ (٣). النوع الثالث: ((سوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)) ، لحديث أنس ﵁ (٤). النوع الرابع: ((أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة)) ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٥). النوع الخامس: ((استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم)) ؛ لحديث أبي مسعود، وعبد الله بن مسعود ﵄، ولفظ حديث أبي مسعود: ((كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: الحديث)) (٦). النوع السادس: ((أتموا الصفوف)) ، لحديث أنس ﵁ يرفعه: ((أتموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري)) (٧).

стр. 647

النوع السابع: ((أقيموا الصفوف .. ))؛ لحديث أنس ﵁ يرفعه: ((أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري))، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه (١). النوع الثامن: ((أقيموا صفوفكم - ثلاثاً -))؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: ((أقيموا صفوفكم - ثلاثاً - والله لتقيمنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم)) قال: ((فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه)) (٢). النوع التاسع: ((أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدُّوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم (٣)،ولا تذروا فُرجات للشيطان، ومن وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه الله))؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ (٤). النوع العاشر: ((رصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق)) ؛ لحديث أنس ﵁ وفيه: ((فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف (٥))) (٦). وفي لفظ النسائي: ((فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى

стр. 648

الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف)) (١). النوع الحادي عشر: ((أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر)) ؛لحديث أنس ﵁ (٢). النوع الثاني عشر: ((استووا، استووا، استووا ... ))؛ لحديث أنس ﵁ (٣). النوع الثالث عشر: ((كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ، ويقول: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (٤). النوع الرابع عشر: ((أحسنوا إقامة الصفوف)) ؛لحديث أبي هريرة ﵁ (٥). النوع الخامس عشر: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها)) ؟ فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ((يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف)) (٦). ٤ - الصف الأول أفضل الصفوف ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا)) (٧)؛ ولحديث أبيّ بن كعب ﵁ يرفعه وفيه: ((وإن

стр. 649

الصف الأول على مثل صف الملائكة)) (١)، أي في القرب من الله ونزول الرحمة، وإتمامه، واعتداله (٢)، والصف الأول خير الصفوف؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)) (٣)، والله وملائكته يصلون على الصف الأول؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأولى)) (٤)، وعن البراء ﵁ يرفعه: ((إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)) (٥). والنبي ﷺ صلّى على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثاني مرة واحدة؛ لحديث العرباض ﵁ يرفعه: ((كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثاني واحدة)). ولفظ ابن ماجه: ((كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، والثاني مرة)) (٦)، وقد حذر النبي ﷺ عن التأخر عن الصفوف الأُوَل، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار)) (٧)، عن أبي سعيد ﵁ يرفعه، وفيه: ((تقدموا فأتمُّوا بي وليأتمَّ بكم مَنْ بعدَكم، لا يزال قوم

стр. 650

يتأخرون حتى يؤخرهم الله)) (١). ٥ - ميامن الصفوف أفضل ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)) (٢)، وعن البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك)) (٣). ٦ - وصل الصفوف رغَّب فيه النبي ﷺ ، وحذّر عن قطعها ؛ لحديث عائشة ﵂ ترفعه وفيه: ((إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلُون الصفوف، ومن سدَّ فرجةً رفعه الله بها درجة)) (٤).وعن ابن عمر ﵄ يرفعه: ((من وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه الله)) (٥). ٧ - صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح على القول الصحيح ؛ لحديث وابصة ﵁ ((أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة)) (٦)؛ ولحديث علي بن شيبان أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً فَرْداً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله ﷺ : ((استقبل صلاتك فلا صلاة لرجل فرد خلف

стр. 651

الصف)) (١)، وهذان الحديثان يدلان على بطلان صلاة الرجل الذي صلى منفرداً وحده خلف الصف (٢)، لكن من ركع دون الصف ثم دخل في

стр. 652

الصف أو دخل معه رجل آخر قبل السجود أجزأته الركعة وصلاته صحيحة؛ لحديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تعد)) (١)، ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة، فدل ذلك على إجزائها، وأن مثل هذا العمل مستثنى من قوله ﷺ : ((لا صلاة لمنفرد خلف الصف)) والله ولي التوفيق (٢). ٨ - صلاة الصفوف بين السواري مكروهة لغير حاجة ؛ لحديث أنس ﵁ فعن عبد الحميد بن محمود قال: كنا مع أنس فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعونا حتى قمنا وصلينا بين ساريتين، فجعل أنس يتأخر، وقال: ((قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ )). وفي لفظ: ((صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعونا إلى السواري ... )) الحديث. وفي لفظ: ((صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرَّنا الناس فصلينا بين الساريتين ... )) الحديث (٣). وعن قرة ﵁ قال: ((كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونُطردُ عنها طرداً)) (٤)، ويجوز للإمام والمنفرد الصلاة بين السواري؛ لحديث ابن عمر ﵄ ((أن النبي ﷺ لَمّا دخل الكعبة صلى بين الساريتين)) (٥). ٩ - كمال الصفوف وتسويتها يشمل عدة أمور على النحو الآتي:

стр. 653

الأمر الأول: أن يدنوَ أُولو الفضل من الإمام ؛ لحديث أبي مسعود وابن مسعود ﵄ في أول الباب أن النبي ﷺ قال: ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ... )). الأمر الثاني: ترتيب الصفوف: الرجال، ثم الصبيان إن لم يسبق الصبيان إلى الصفوف الأُوَل ، ثم النساء؛ لحديث أبي سعيد السابق. الأمر الثالث: تسوية محاذاة الصفوف وقد سبقت . الأمر الرابع: التراصّ في الصف؛ لأمر النبي ﷺ بذلك . الأمر الخامس: إكمال الصف الأول فالأول . الأمر السادس: التقارب بين الصفوف، وبينها وبين الإمام ، وأنهم جماعة والجماعة مأخوذة من الاجتماع، ولا اجتماع مع التباعد، وكلما قربت الصفوف بعضها إلى بعض، وقربت إلى الإمام كان أفضل وأجمل. الأمر السابع: تفضيل اليمين في الصفوف: يمين الإمام على شماله، ولكن ليس على سبيل الإطلاق. الأمر الثامن: أن تفرد النساء وحدهن بحيث يكون النساء خلف الرجال، ولا يختلط النساء بالرجال. الأمر التاسع: اقتداء كل صف بمن أمامه عند الحاجة إذا كان صوت الإمام خفيّاً ، وليس هناك من يبلغ عنه، فكل صف يقتدي بمن أمامه. الأمر العاشر: عدم صلاة الفذ خلف الصف . الأمر الحادي عشر: عدم صلاة المأمومين بين السواري (١). ١٠ - جواز انفراد المأموم عن الإمام لعذر ؛ لحديث صالح بن خوَّات عمن شهد مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: ((أن طائفة

стр. 654

صلّت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم)) (١)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا (٢)، وإن معاذاً صلى بنا البارحة فقرأ سورة البقرة، فتجوَّزت فزعم أني منافق؟ فقال ﷺ : ((يا معاذ أفتّان أنت؟)) - ثلاثاً - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، ونحوهما)). وفي لفظ لمسلم: ((كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)) (٣). وفي رواية لمسلم: ((كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يأتي فيؤمّ قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمّهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف .. )) (٤). وفي حديث أنس عند الإمام أحمد، وفيه: ((فلما رأى معاذاً طوَّل تجوَّز في صلاته ولحق بنخله يسقيه ... )) (٥). وفي حديث بريدة الأسلمي ﵁ ((أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَة﴾، فقام رجل من

стр. 655

قبل أن يفرغ فصلى وذهب ... )) (١) دلّ حديث جابر بلفظ الإمام البخاري ﵀ وحديث أنس وحديث بريدة الأسلمي بلفظ الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أن الرجل قطع القدوة فقط ولم يخرج من الصلاة؛ بل استمر فيها منفرداً حتى أتمها (٢). ودلّت رواية الإمام مسلم على أن الرجل قطع الصلاة وابتدأها من جديد، ولهذا قال الإمام الشوكاني ﵀ في شرحه لمنتقى الأخبار: ((استدلّ المصنف بحديث أنس وبريدة ﵄ المذكورين على جواز صلاة من قطع الائتمام بعد الدخول فيه لعذر وأتم لنفسه، وجُمِعَ بينه وبين ما في الصحيحين من أنه سلم، ثم استأنف بتعدد الواقعة)) (٣). قال ابن تيمية ﵀ في منتقى الأخبار: (( ... فَعُلِم بذلك أنهما قضيتان إما لرجل أو رجلين)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث أنس وبريدة ﵄: ((فيه الدلالة على جواز الانفراد عن الإمام لعذر، سواء أتمَّ لنفسه أو قطعها وابتدأها من جديد، كما في القصتين، وهذا عذر شرعي؛ لإطالة الإمام، ويظهر من هذا أنه ينبغي للإمام ألا يطول، ويراعي الناس حتى لا يشق عليهم)) (٥). ١١ - انتقال المنفرد إماماً لا بأس به ؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل

стр. 656

آخر فقام أيضاً، حتى كنَّا رهطاً، فلما حس النبي ﷺ أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله (١) فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال - قلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ فقال: ((نعم ذلك الذي حملني على الذي صنعت)) (٢)؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ اتخذ حُجرة في المسجد من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم، جعل يقعد فخرج إليهم فقال: ((قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). وفي رواية: ((ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم، فلم يخرج عليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضباً، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم [ولو كتب عليكم ما قمتم به]، فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية فقام معه ناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: ((إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل)) (٤). قال أبو البركات - ابن تيمية ﵀: ((باب انتقال المنفرد إماماً

стр. 657

في النوافل)) ثم ساق الأحاديث السابقة (١). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((والأحاديث المذكورة تدل على ما بوّب له المصنف ﵀ من جواز انتقال المنفرد إماماً في النوافل، وكذلك في غيرها لعدم الفارق)) (٢). ١٢ - انتقال الإمام مأموماً إذا استُخلف فحضر مستَخْلِفُه ؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف، ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيمَ؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال: ((يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟)) فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ((ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابَهُ (٣) شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء)). وفي رواية: ((أن هذه الصلاة هي صلاة العصر، وأن النبي ﷺ لما جاء وأبو بكر يصلي بالناس شق الصفوف حتى قام خلف أبي بكر فتقدم في الصف الذي يليه ... )) (٤).

стр. 658

والحديث يدلّ على جواز انتقال الإمام مأموماً إذا استُخلف فحضر مستخلفهُ (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((فيه الدلالة على أنه لا بأس أن يتأخر الإمام إذا كان خليفة وجاء المستخلف، فيكون في أول [الصلاة إماماً] وفي أثنائها مأموماً، لا حرج في ذلك، كما فعل الصّدّيق لمَّا حضر النبي ﷺ ، ولو استمر إماماً فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ أشار إليه أن يستمر، ولكنه كره ذلك وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف عند مسلم في غزوة تبوك (٢) أنه صلى بالناس وأقره النبي ﷺ ، وصلى خلفه، وكان عبد الرحمن قد صلى بالناس ركعة من صلاة الفجر، فلمَّا سلم عبد الرحمن قام النبي فقضى ركعة هو والمغيرة، فإذا جاء الإمام والمستخلف قد صلى ركعة فينبغي له ألا يتقدم؛ بل يصلي مع الناس، أما إذا كان في أولها فهو مخير إن شاء تقدم وتأخر الخليفة، وإن شاء تركه يكمل وصلى مع الناس، والأفضل أن يتركه يكمل؛ لأن الرسول ﷺ أمر الصّدّيق أن يكمل ولكن الصّدّيق تأدَّب)) (٣). ويدل على ذلك أيضاً حديث عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ في مرض موته وجد خفة فخرج فوجد أبا بكر يصلي بالناس فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه أن مكانك، ثم جيء به ﷺ يُهادى بين رجلين حتى جلس إلى جنبه عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله

стр. 659

- ﷺ قاعداً، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر)). وفي لفظ للبخاري: أنها صلاة الظهر، وفي لفظ لمسلم: ((وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير)) (١). ١٣ - انتقال المأموم إماماً إذا استخلفه الإمام لا بأس به ؛ لحديث عمرو بن ميمون قال: ((إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس، فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة)) (٢). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((وفيه جواز الاستخلاف للإمام عند عروض عذر يقتضي ذلك؛ لتقرير الصحابة لعمر على ذلك، وعدم الإنكار من أحد منهم فكان إجماعاً، وكذلك فعل علي وتقريرهم له على ذلك)) (٣). والله أعلم (٤). تاسعاً: الاقتداء وشروطه ولوازمه على النحو الآتي: ١ - صفة الاقتداء بالإمام وعدم سبقه ومقارنته ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، [فلا تختلفوا عليه] فإذا كبر فكبروا، ولا تكبّروا حتى يكبّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا

стр. 660

قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (١). هذا الحديث دل على أن شرعية الإمامة؛ ليُقتدَى بالإمام، ومن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على إثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، وقد فصَّل الحديث ذلك، ويقاس ما لم يذكر من أحواله: - كالتسليم - على ما ذكر، فمن خالفه في شيء مما ذكر فقد أثم (٢). ٢ - مسابقة الإمام . قد توعّد النبي ﷺ من سابق إمامه بقوله ﷺ : ((أمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوَّل رأسُهُ رأس حمار))، وفي لفظ البخاري: ((أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار)) (٣)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: ((أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف (٤)؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي، والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: ((الجنة والنار)) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ موقوفاً عليه: ((الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان)) (٦). قال الإمام مالك ﵀ فيمن سها فرفع رأسه قبل

стр. 661

الإمام في الركوع أو السجود: ((إن السنة في ذلك أن يرجع راكعاً أو ساجداً، ولا ينتظر الإمام، وذلك خطأ ممن فعله؛ لأن الرسول ﷺ قال: ((إنّما جُعِلَ الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)). وقال أبو هريرة: الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام: ((إنما ناصيته بيد شيطان)) (١).وعن البراء بن عازب ﵁ قال: ((كنا نصلي خلف النبي ﷺ ، فإذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) لم يحنِ أحدٌ منَّا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض [ثم يخرّ من وراءه ساجداً])) (٢). وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبادروني بركوع ولا بسجود، إنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت إني قد بدَّنت (٣))) (٤). وعن عمرو بن حريث ﵁ قال: ((صليت خلف النبي ﷺ الفجر، فسمعته يقرأ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (٥)، وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجداً)) (٦). قال النووي ﵀: ((في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنة للمأموم التأخر عن الإمام قليلاً بحيث يشرع في الركن بعد شروعه وقبل فراغه منه والله أعلم)) (٧). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀

стр. 662

يقول عن حديث أبي هريرة أول هذه الأحاديث: ((المقصود أنهم يتأخرون عنه قليلاً لا كثيراً، إذا انتهى صوته مكبراً كبروا، وإذا استوى راكعاً ركعوا، وإذا استوى ساجداً سجدوا في غير مهلة، وقد ذكر الأفعال والأقوال ولم يذكر النية، فدل على أن النية مغتفرة)) (١). ٣ - أحوال المأموم مع إمامه: أربعة أحوال: مسابقة، وموافقة أو مقارنة، وتأخر، ومتابعة، وتفصيل ذلك على النحو الآتي: الحال الأول: المسابقة: وهي أن يسبق المأموم إمامه في شيء من الأفعال أو الأقوال في الصلاة، مثل: أن يتقدمه في تكبير، أو ركوع، أو رفع، أو سجود، أو سلام، أو غير ذلك من الأفعال أو الأقوال داخل الصلاة (٢). ومسابقة الإمام حرام متوعَّد عليها بالعقوبة، باتفاق العلماء؛ للأدلة السابقة آنفاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (( ... أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة: لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله)) (٣). ثم قال: ((ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه وأمثاله، كما رُوي عن عمر: أنه رأى رجلاً يسابق الإمام، فضربه، وقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت)) (٤).

стр. 663

قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى -: ((والصواب أن مسابقة الإمام عمداً، إذا كان المسابق عالماً بالحال والحكم، أنها مبطلة للصلاة بمجرد ذلك، سواء سبقه إلى ركن (١)، أو بركن (٢)، أو ركنين (٣)، وسواء كان ذلك ركوعاً، أو سجوداً، أو غيرهما، وسواء أدركه الإمام أو رجع إلى ترتيب الصلاة (٤)؛ لأن النهي والوعيد يتناول هذا، وما نهي عنه لخصوص العبادة كان من مفسداتها، وأما القول: بأن ذلك محرَّم، والإبطال يتوقف على السبق بركن الركوع، أو بركنين غيره، فهذا القول لا دليل عليه، وكما أنه خلاف النص؛ فإنه خلاف نص الإمام أحمد كما صرح بذلك في رسالته المشهورة)) (٥). وقال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ أيضاً: ((وأما إذا وقع السبق نسياناً أو جهلاً فلا يخلو: إما أن يرجع فيأتي بما سبق به مع الإمام أو لا، فإن رجع صحت ركعته مطلقاً؛ سواء كان السبق إلى ركن، أو بركن، أو ركنين، أو أكثر، فإن لم يرجع حتى لحقه الإمام فإن كان سبقه إلى ركن الركوع: بأن ركع ساهياً أو جاهلاً قبل إمامه، ثم ركع الإمام والسابق في ركوعه صحت ركعته واعتد بها، ومثله السبق بركن واحد غير الركوع، وإن كان السبق بركن الركوع، أو بركنين غير الركوع

стр. 664

فإن رجع قبل وصول الإمام له صحت أيضاً ركعته، وإن لحقه الإمام لغت الركعة التي وقع فيها السبق)) (١). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((والصحيح أنه متى سبق إمامه عالماً ذاكراً فصلاته باطلة بكل أقسام السبق (٢)، وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة إلا أن يزول عذره (٣) قبل أن يدركه الإمام، فإنه يلزمه الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه، فإن لم يفعل عالماً ذاكراً بطلت صلاته وإلا فلا)) (٤). الحال الثاني: الموافقة أو المقارنة ، وهي أن يوافق المأموم الإمام عند الانتقال إلى ركن، كأن يركع أو يسجد معه سواء بسواء، وهي مكروهة في غير تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام يشترط أن يأتي بها بعد إمامه فلو أتى بها معه لم يعتد بها. والموافقة قسمان: الموافقة في الأقوال والموافقة في الأفعال: القسم الأول: الموافقة في الأقوال ، لا تضر إلا في تكبيرة الإحرام والسلام. أما تكبيرة الإحرام؛ فإن المأموم لا يكبر إلا بعد أن يتم الإمام تكبيرة الإحرام؛ فإن كبر قبل انتهاء إمامه نهائياً منها لم تنعقد صلاته. وأما الموافقة في السلام فيكره أن يسلم مع الإمام، فالأولى أن يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين (٥).

стр. 665

القسم الثاني: الموافقة في الأفعال ، مكروهة على القول الصحيح من قولي أهل العلم، مثل: أن يركع المأموم مع الإمام، أو يسجد، أو يرفع؛ لقول النبي ﷺ : (( ... إذا ركع الإمام فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد)) (١). فإن قارن المأموم إمامه في أفعاله كره له ذلك (٢). الحال الثالث: التأخر أو التخلف عن متابعة الإمام ، مثل: أن يتخلف عنه بركن، أو بركنين، أو ركعة أو ركعتين، أو أقل أو أكثر (٣). والتخلف عن الإمام قسمان: تخلف بعذر، وتخلف بغير عذر: القسم الأول: التخلف بعذر ، مثل: النوم والسهو، والزحام، والجهل، والنسيان، أو لم يسمع الإمام حتى سبقه، أو عجلة إمام؛ فإن المأموم في هذه الحالة يأتي بما تخلف به عن الإمام؛ سواء كان: ركناً، أو ركنين، أو أقل، أو أكثر، ويدرك إمامه فيتابعه ولا شيء عليه، إلا إذا وصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به ويبقى مع الإمام وتصح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه: الركعة التي تخلف فيها، والركعة التي وصل إليها الإمام وهو في مكانه، فإذا سلم الإمام قام المتخلف فأتى بركعة كاملة.

стр. 666

أما إذا تخلف عن إمامه بركعة أو ركعتين أو أكثر، فإنه يتابع إمامه، وبعد سلام الإمام يقضي ما تخلف به عن إمامه (١). القسم الثاني: تخلف أو تأخر بغير عذر ، فإما أن يكون تخلفاً في ركن أو تخلفاً بركن، والتخلف في ركن: هو أن يتأخر المأموم في المتابعة لكن يدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: أن يركع الإمام وقد بقي على المأموم آية أو آيتين فيكملها ثم يدرك الإمام في ركوعه قبل أن يرفع، فالركعة هنا صحيحة لكن الفعل مخالف للسنة. أما التخلف بالركن، فهو: أن يتأخر المأموم حتى يسبقه الإمام بركن، مثل: أن يركع ويرفع من الركوع قبل أن يركع المأموم، فهذا كما قال الفقهاء ﵏: ((التخلف عن الإمام كسبقه))، فهذا تكون صلاته باطلة على الصحيح، سواء كان الركن ركوعاً أو سجوداً أو غيرهما؛ لأن المأموم تخلف بغير عذر (٢). الحال الرابع: المتابعة ، وهي أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة، من: الركوع، والرفع، والسجود بعد فراغ الإمام، وكذلك يتابعه في التكبير فلا يكبر حتى يكبر. وهذا هو السنة، وهو المطلوب من المأموم (٣)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع،

стр. 667

وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (١). ٤ - ارتفاع مكان الإمام اليسير على المأمومين لا يضر ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ وفيه: أن النبي ﷺ جلس على المنبر في أول يوم وُضِعَ فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى (٢) فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: ((أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا بي؛ ولتعلَّموا صلاتي)). وفي لفظ: ((وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل ووُضِع فاستقبل القبلة، كبَّر وقام الناس خلفه فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه، قال أبو عبد الله (٣): قال علي بن المديني: سألني أحمد بن حنبل ﵀ عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي ﷺ كان أعلى من الناس بهذا الحديث ... )) (٤)؛ ولحديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه فجحش (٥) ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه (٦) شهراً، فجلس في مَشْرُبة (٧) له درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه

стр. 668

يعودونه فصلى بهم جالساً وهم قيام، فلما سلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائماً فصلوا قياماً)) (١). وهذان الحديثان فيهما جواز الارتفاع اليسير لمكان الإمام على المأموم عند الحاجة لذلك. أما حديث أبي مسعود: ((أن حذيفة ﵁ أمَّ الناس بالمدائن (٢) على دكان (٣) فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددْتني)) (٤). وحديث حذيفة في قصته مع عمار بن ياسر وأخذه على يديه وإنزاله من الصلاة على الدكان المرتفع، فاتَّبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم)) أو نحو ذلك (٥)، فهذان الحديثان وما في معناهما يدلان على كراهة علوّ الإمام على المأموم علوّاً أكثر مما فعل النبي ﷺ ، جمعاً بين الأخبار (٦)، والله أعلم (٧).وسمعت شيخنا الإمام

стр. 669

عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((يكره العلو الكثير من الإمام على المأمومين، أما العلو اليسير فلا بأس به عند أحمد وجماعة، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإمام شيئاً، فمن التواضع أن يصلي مساوياً لهم، وهذا إذا لم يكن حاجة، أما إذا كان هناك حاجة [مثل]: الزحمة، زالت الكراهة، ثم إذا كان معه بعض الصفوف زالت الكراهة، أما علو المأموم فلا كراهة في ذلك، كما يفعل الناس أيام الجمع من الصلاة فوق السطوح، وإنما جاءت الكراهة للإمام، وإذا كان العلو للتعليم والتوجيه زالت الكراهة)) (١). أما إذا كان مع الإمام في المكان المرتفع بعض الصفوف من المأمومين زال المنع فلا حرج ولا كراهة؛ لأن الإمام في هذه الحالة لم ينفرد بمكانه (٢)، فحينئذ يُصلى معه وفوقه، وتحته (٣). أما علوّ المأموم على الإمام فلا بأس به، مثل أن يصلي على السطوح أو في مكان أعلى من الإمام بحيث لا يكون فذّاً وحده؛ لأن أبا هريرة ﵁ صلى على سقف المسجد بصلاة الإمام (٤)؛ ولما جاء من الآثار عن ابن عمر ﵄ والحسن البصري (٥). أما إذا كان المؤتم فوق الإمام

стр. 670

وكان ارتفاعه ارتفاعاً مفرطاً بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع بالإجماع، وإن كان دون ذلك فالأصل الجواز حتى يقوم الدليل على المنع، ويعتضد هذا الأصل بفعل أبي هريرة ﵁ ولم ينكر عليه (١). وقيل يكره دخول الإمام في الطاق الذي يقال له: المحراب؛ لآثار وردت في ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من السلف الصالح (٢)؛ ولأنه إذا دخل في الطاق استتر عن بعض المأمومين فلا يرونه لو أخطأ في الركوع أو السجود، فإن لم يمنع المحراب رؤية الإمام لم يكره، وكذلك إذا احتاج إليه الإمام لكثرة الزحام فلا بأس أن يتقدم فيدخل (٣) فيه (٤). ٥ - الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والحوائل بينه وبين المأمومين على النحو الآتي: أولاً: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير؛ حتى لو لم تتصل الصفوف؛ لأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير، أشبه المشاهدة، ولو كان بينهما حائل إذا علم حال الإمام بالتكبير أو غيره (٥)؛ لحديث عائشة
следующие страницы →