← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به بيوم الجمعة . ٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا الإنس والجن، وذلك لخوفهم أن تقوم القيامة. ٢٩ - أنه اليوم الذي ادَّخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم . ٣٠ - أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن رمضان خيرته من شهور العام ، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد خيرته من خلقه. ٣١ - ذكر ابن القيم أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمرُّ بهم ويسلّم عليهم. وذكر في ذلك آثاراً عن بعض السلف. قلت: وهذا يحتاج إلى دليل صحيح عن المعصوم ﷺ . ٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يكون في صيام كان يصومه كمن يصوم يوماً ويفطر يوماً. ويكره أيضاً إفراد ليلتها بالقيام إلا ما كان يفعله المسلم في غير ليلة الجمعة فلا حرج من ذلك. ٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد ، ويتذكر المسلمون اجتماع اليوم الأكبر (١). الحادي عشر: شروط صحة الجمعة على النحو الآتي: الشرط الأول: الوقت، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها المشروع ، ومما يدل على وقت صلاة الجمعة حديث أنس بن مالك ﵁: ((أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) (٢). وحديث

стр. 842

سلمة بن الأكوع ﵁، قال: ((كنا نجمّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) (١). وفي لفظ: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به)). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة)) (٢). وفي لفظ: ((كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل)). وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: ((كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها)). زاد عبد الله في حديثه: حين تزول الشمس: يعني النواضح. وفي رواية: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ،ثم نرجع فنريح نواضحنا (٣)،قال حسن: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس (٤). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)). زاد ابن حُجر: ((في عهد رسول الله ﷺ )) (٥). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: ((كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) فيه إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، وأما رواية أبي حميد التي بعدها عن أنس: ((كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة، فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق

стр. 843

الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى: أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر؛ فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون؛ لمشروعية الإبراد)) (١). قال الإمام البخاري ﵀: ((باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يُروَى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمر بن حريث ﵃)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: ((باب وقت الجمعة)) أي أوله، ((إذا زالت الشمس)) جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالفة عنده)) (٣)، ثم وصل الحافظ ابن حجر ﵀ الآثار عن هؤلاء الصحابة، فقال: ((فأما الأثر عن عمر، فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان، قال: ((شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته إلى نصف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار)) رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان ... فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: ((لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي)). وفي الموطأ عن مالك بن أبي عامر قال: ((كنت أرى طنفسة (٤) لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر)) إسناده صحيح. وهو

стр. 844

ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس ... والذي يظهر [أن الطنفسة] كانت تفرش داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلاً، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال: ((فلما كان يوم الجمعة زالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر))، وأما علي فروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق أنه: ((صلى خلف عليّ الجمعة بعدما زالت الشمس)). إسناده صحيح. وروى أيضاً من طريق أبي رزين قال: ((كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحياناً نجد فيئاً وأحياناً لا نجد)). وهذا محمول على المبادرة عند الزوال، أو التأخير قليلاً. وأما النعمان بن بشير، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال: ((كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس)). قلت: [القائل ابن حجر] وكان النعمان أميراً على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية. وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، من طريق الوليد بن العِزار قال: ((ما رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس)) إسناده صحيح أيضاً، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضاً ... )) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك ... ؛ ولأن في ذلك خروجاً من الخلاف؛ فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب الزوال

стр. 845

بين شدة الحر وبين غيره؛ فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا الإبراد شق عليهم، وكذلك كان النبي ﷺ يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف (١) على ميقات واحد (٢)،وهذا هو الأفضل والأكمل والأحوط (٣).

стр. 846

وآخر وقت الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهو أن يكون ظل الشيء كطوله بعد في الزوال، فإذا خرج وقت صلاة الظهر قبل إدراك ركعة بعد أداء الواجب من الخطبتين صليت ظهراً؛ لقول النبي ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (١)، وهذا هو الصواب أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة (٢)، فإذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله أن يفعل ذلك (٣) وإلا صليت ظهراً (٤).

стр. 847

الشرط الثاني: الجماعة، فلا تنعقد صلاة الجمعة إلا بحضور جماعة ، والصواب أنها تنعقد بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان؛ لأن اسم الجمع يتناول الثلاثة؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) بصيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة (٢)؛ ولعموم حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم)) (٣)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، فَنُقِلَ عنه في الاختيارات: ((وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد (٤)،وقول طائفة من العلماء)) (٥)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((واختلف الناس في عدد الجمعة، فقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: اثنا عشر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان، وأحسن ما قيل: إنها تنعقد بثلاثة: إمام ومأمومَيْن،

стр. 848

واختاره ابن تيمية، وهذا فيه احتياط وبرأة للذمة)) (١)،وسمعته مرة أخرى يقول: ((والصواب أن صلاة الجمعة تصح بثلاثة: الإمام، واثنان معه)) (٢)، قلت: وهذا القول الذي لا تطمئن النفس إلا إليه)) (٣). الشرط الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين بها مبنية بما جرت به العادة لا يرحلون عنها صيفاً ولا شتاء ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت به العادة ببنائها به: من حجر، أو طين، أو لَبِن، أو قصب، أو شجر ونحوه، فأما أهل الخيام وبيوت الشعر ... فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لم ينصب للاستيطان غالباً، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها

стр. 849

النبي ﷺ ، ولو كان ذلك لم يخفَ ولم يُترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعي إليها، كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر ... ويشترط في القرية أن تكون مجتمعة البناء بما جرت به العادة في القرية الواحدة، فإن كانت متفرقة المنازل تفرقاً لم تجرِ العادة به لم تجب عليهم الجمعة)) (١)، ولكن لو اجتمع في القرية الصغيرة ما تنعقد به الجمعة وجبت عليهم ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البناء بعضه ببعض، ومتى كانت القرية لا تجب عليهم الجمعة، ولكن كانوا يسمعون النداء من المدينة؛ فإنه يلزمهم السعي إليها لعموم الآية (٢)، وقد تقدم شيء من التفصيل في ذلك، في حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه ومن لا تجب عليه (٣). وقد أقيمت الجمعة في زمن النبي ﷺ في قرية بالبحرين، فعن ابن عباس أنه قال: ((إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجوثى من البحرين)) يعني قرية من البحرين (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ووجه الاستدلال منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يُجَمّعوا إلا بأمر النبي ﷺ ؛ لما عُرِفَ من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي؛ ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل فلم يُنهَوا عنه)) (٥)، وتقدم أن أسعد بن زرارة أول من جَمَّعَ في المدينة قبل مقدم النبي ﷺ في قرية

стр. 850

يقال لها: هزم النبيت في حرة بني بياضة على ميل من المدينة (١)، وقد فَصَّل شيخ الإسلام تفصيلاً واضحاً عن الاستيطان وقد ذكرته في شروط فرضية الجمعة وأنها فرض عين بشروط ثمانية (٢). الشرط الرابع: تقدم خطبتين ؛ لأن النبي ﷺ كان يخطب قبل صلاة الجمعة خطبتين يقعد بينهما، فعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما)). وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما يفعلون اليوم)) (٣). وعن جابر بن سمرة قال: ((كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس)). وفي لفظ: ((كان يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة)) (٤)؛ ولأن النبي ﷺ قال: (( ... صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٥). وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦)، والذكر هو الخطبة؛ ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال من الأحوال (٧)، وجاء عن عمر ﵁ قال: ((إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين)) (٨)، وجاء ذلك عن عطاء،

стр. 851

وطاوس، ومجاهد، ومكحول (١)، وهذا مذهب عامة العلماء أن صلاة الجمعة لا تصح إلا بخطبتين قبلها (٢)، فظهر أن الخطبتين لصلاة الجمعة شرط من شروط صحتها، ويؤكد ذلك الأمور التالية: ١ - أن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء ، والتواتر القطعي أن النبي ﷺ كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب خطبتين، فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجباً فهو واجب. ٢ - أن النبي ﷺ حرم الكلام والإمام يخطب وهذا يدل على وجوب الاستماع إلى الخطبة، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما. ٣ - مواظبة النبي ﷺ موظبة دائمة وهذا الدوام المستمر صيفاً وشتاء ، شدة ورخاء يدل على جوبهما. ٤ - أنه لو لم تجب لها خطبتان لكانت كغيرها من الصلوات ولا يستفيد الناس من التجمع لها، ومن أهم الأغراض لهذه الصلاة: الموعظة وتذكير الناس (٣). ويشرع أن تشتمل الخطبة على أربعة أمور (٤):

стр. 852

حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله ﷺ وقراءة آية من كتاب الله تعالى، والأمر بتقوى الله تعالى؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله ... )) (١)؛ ولأن كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى، فهو أقطع، أبتر، أجذم، ناقص البركة والخير (٢)؛ ولقول عمر بن الخطاب ﵁: ((إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ )) (٣)؛ ولقول علي بن أبي طالب ﵁: ((كل دعاء محجوب حتى تصلي على محمد ﷺ وآل محمد)) (٤)؛ ولحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: ((كانت

стр. 853

للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس)) (١). ولفظ أبي داود: ((كانت صلاة رسول الله ﷺ قصداً، وخطبته قصداً، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس)) (٢)؛ ولحديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: ((لقد كانت تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً (٣)، سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق*وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس)) (٤)، وعن صفوان بن يعلى عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ (٥) (٦)، قال الإمام النووي ﵀: ((فيه القراءة في الخطبة وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلها آية)). قوله: ((ما حفظت (ق) إلا من فِيّ رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة)) قال العلماء: ((سبب اختيار ق أنها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكدية، وفيه دليل للقراءة في الخطبة كما سبق، وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خطبة)) (٧)، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر

стр. 854

جيش يقول: صبحكم ومساكم (١)، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعين: السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي (٢) هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)). ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً (٣) فإليَّ وعليَّ)). وفي لفظ: ((كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته ... )). وفي لفظ: ((كان رسول الله ﷺ يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله ... )) (٤). وعن ابن عباس ﵄ أن ضماداً (٥) قدم مكة، وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح (٦) فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد)) قال:

стр. 855

فقال أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر (١)، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله ﷺ : ((وعلى قومك؟)) قال: ((وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل من القوم: أصبت منه مطهرة (٢)، فقال: ردُّوها؛ فإن هؤلاء قوم ضماد)) (٣). قال النووي ﵀ عن حديث جابر ﵁، قوله: ((إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش)) يستدل بهذا على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه: من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمراً عظيماً، وتحديده خَطْباً جسيماً ... ثم قال [و] ((فيه استحباب قول أما بعد في خطب: الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنفة، وقد عقد البخاري باباً في استحبابه وذكر فيه جملة من الأحاديث ... وقوله: ((كانت خطب النبي ﷺ يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه)) فيه دليل للشافعي ﵁ أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه)) (٤).

стр. 856

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ جوامع الخير وخواتمه - أو قال: فواتح الخير - فعلَّمنا خطبة الصلاة وخطبة الحاجة: خطبة الصلاة: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وخطبة الحاجة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الناس اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) (٤). [أما بعد] (٥). وكان أحياناً لا يذكر هذه الآيات الثلاث (٦)؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل

стр. 857

فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد)) (١). وينبغي أن يقول أحياناً بعد قوله: أما بعد (٢): ((فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة [وكل ضلالة في النار])) (٣)، وفي لفظ النسائي: (( ... إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) (٤). قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في خصائص يوم الجمعة: (( ... إن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جناته، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها)) (٥). وقال ﵀ في موضوع آخر: ((وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار، والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه، وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين، ومصلحتهم، ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العام، وثبت عنه أنه

стр. 858

قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) (١) (٢). فظهر مما تقدم أهمية مشروعية اشتمال الخطبة على ما يأتي: حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله. الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة. الصلاة على النبي ﷺ وخاصة مع الدعاء. قراءة بعض الآيات من كتاب الله تعالى. الوصية بتقوى الله . وسنن خطبة الجمعة كثيرة، منها ما يأتي: ١ - يسلم على المأمومين. والسلام هنا نوعان: النوع الأول: يسلم سلاماً خاصاً إذا دخل المسجد على من يلاقيه وهذا من السنة بناءً على النصوص العامة التي يؤمر فيها بالسلام على من يقابل من المسلمين؛ لقوله ﵊ في حقوق المسلم على المسلم: ((وإذا لقيته فسلم عليه)) (٣)، ولقوله ﷺ : ((أفشوا السلام بينكم)) (٤). النوع الثاني: يسلم تسليماً عاماً إذا صعد المنبر، قبل أن يجلس ؛ لأن ذلك روي عن النبي ﷺ (٥)، وثبت من فعل أبي بكر، وعمر (٦)،

стр. 859

وعثمان (١)، وعمر بن عبد العزيز (٢) ﵃. قال العلامة الألباني ﵀ تعالى: ((ومما يشهد للحديث ويقويه جريان عمل الخلفاء عليه)) (٣)،وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: (( ... وإن كان الحديث المرفوع فيه ضعيفاً لكن الأمة عملت به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر فإنه يسلم على الناس، وهذا التسليم العام. أما الخاص فإنه إذا دخل المسجد سلم على من يلاقيه أولاً، وهذا من السنة بناء على النصوص العامة: أن الإنسان إذا أتى قوماً فإنه يسلم عليهم)) (٤)، والله الموفق (٥). ٢ - يخطب على منبر أو موضع عالٍ مرتفع ، والأفضل أن يكون ثلاث درجات، وأن يكون عن يمين القبلة؛ لأن منبر النبي ﷺ كان

стр. 860

كذلك (١)،قال العلامة ابن القاسم: ((وأجمع المسلمون على ذلك في كل عصر ومصر)) (٢). والمنبر: مرقاة الخطيب سمي منبراً؛ لارتفاعه وعلوه (٣)، وقد ثبت أن النبي ﷺ اتخذ منبراً في مسجده، فعن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد ﵁ من أي شيء المنبر؟ فقال: ((ما بقي بالناس أعلم مني: هو من أثل الغابة عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ )). وفي لفظ: ((بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن)). وفي لفظ: ((والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار: ((مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس)) فأمرته فعملها من طرفاءِ الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا ... )) (٤). وعن جابر ﵁ أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً، قال: ((إن شئت)). وفي لفظ: ((كان جذع يقوم عليه النبي ﷺ فلما وُضِعَ له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشارحتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه))، وفي لفظ: ((فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرت، قال:

стр. 861

بكت على ما كانت تسمع من الذكر)) (١)، وفي لفظ: ((كان المسجد مسقوفاً على جذوع من النخل، فكان النبي ﷺ يقوم إلى جذع منها، فلما صُنِعَ له المنبر فكان عليه ... )) الحديث. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما بدَّن (٢) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: ((بلى)) فاتخذ له منبراً مرقاتين)) (٣).وعن سهل بن سعد ﵁ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: ((انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها)) فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فَوُضِعَتْ هذا الموضع (٤). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة)) (٥). وعن سهل ﵁: ((أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة)) (٦). ٣ - يجلس إذا سلم على المأمومين حتى يفرغ المؤذن ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ - أراه قال - المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب)) (٧).

стр. 862

٤ - يخطب قائماً ؛ لحديث جابر بن سمرة، قال: ((كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكّر الناس)). وفي لفظ: ((كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة)) (١)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاء عير (٢) من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣)، وفي لفظ لمسلم: ((فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فيهم أبو بكر وعمر ... )) (٤). وعن أبي عبيدة عن كعب بن عجرة قال: دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: ((انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٥). ٥ - يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة ؛ لحديث ابن عمر ﵄

стр. 863

قال: ((كان النبي ﷺ يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم)) (١)، وهذه الجلسة سنة عند جمهور أهل العلم (٢). ٦ - يعتمد على عصا أو قوس ؛ لحديث الحكم بن حَزْن الكلفي، قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله! زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دونٌ، فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ ، فقام متوكئاً على عصاً أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه: كلمات، خفيات، طيبات، مباركات، ثم قال: ((أيها الناس إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كلما أمرتم به، ولكن سدّدوا، وأبشروا)) (٣). وعن البراء ﵁ أن النبي ﷺ نُووِلَ يوم العيد قوساً فخطب عليه (٤). والحديث فيه مشروعية الاعتماد على عصا أو قوس، قيل: والحكمة في ذلك: الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش (٥)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد

стр. 864

على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا)) (١). وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((إن اعتمد على عصاً فلا بأس، وإن لم يعتمد على شيء فلا بأس)) (٢). ٧ - يقصر الخطبة ويطيل الصلاة ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هي كلمات يسيرات)) (٣). وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: ((أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب)) (٤)؛ لحديث عمار ﵁ قال أبو وائل: ((خطبنا عمار بن ياسر فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال لي: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرا)) (٥). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: ((كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً)) (٦). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: ((كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة)) (٧). وهذه الأحاديث تدل على مشروعية إقصار الخطبة وإكمال الصلاة، وقوله: ((فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً)) أي بين الطول الظاهر

стр. 865

والتخفيف الماحق (١). وطول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه: أي علامة ظاهرة على فقهه، قوله ﷺ : ((فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة)) قال الإمام النووي ﵀: ((س٥ في واقصروا همزة وصل، وليس هذا الحديث مخالفاًَ للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة؛ لقوله في الرواية الأخرى: وكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً؛ لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذ قصد: أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها، وقوله: ((وإن من البيان لسحراً)) قيل: من الفهم وذكاء القلب. وقيل فيه تأويلان: الأول: أنه ذم؛ لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر. والثاني: أنه مدح؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر، لميل القلوب إليه وأصل السحر: الصرف: فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه، واختار الإمام النووي ﵀ أن هذا هو الصحيح (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يذكر أن قوله: ((إن من البيان لسحراً)) على معنيين: إن استخدم في الحق وبيانه وإيضاحه فهو محمود وحلال، وإن استخدم في رد الحق وتزيين الباطل فهو مذموم لا يجوز. وفي تقصير الخطبة ثلاث فوائد: لا يحصل الملل للسامعين، وأوعى للسامع فيحفظ ما سمع، وفي ذلك اتباع السنة (٣). ٨ - يرفع صوته حسب طاقته ويفخم أمر الخطبة ويظهر غاية غضبه

стр. 866

على حسب نوع الخطبة، ويجزل كلامه؛ لحديث جابر ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدّ غضبُه حتى كأنه منذر جيش ... )) (١).قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((يستدل بهذا على أنه يستحب للخطيب أن يفخّم أمر الخطب، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه: من ترغيب أو ترهيب)) (٢). ٩ - يستحب أن يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام على المنبر ، لحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء)) (٣). ١٠ - لا يرفع يديه على المنبر في الدعاء بل يشير بإصبعه ولا يحرك يديه عند الانفعال ؛ لحديث حصين عن عمارة بن رؤيبة قال: ((رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة)) (٤). ولفظ الترمذي: ((عن حصين قال: سمعت عمارة بن رؤيبة الثقفي وبشر بن مروان يخطب فرفع يديه في الدعاء، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين، لقد رأيت رسول الله ﷺ وما يزيد على أن يقول: هكذا - وأشار هشيم بالسبابة)) (٥). وفي لفظ أبي داود: ((رأى عمارةُ بنُ رؤيبة بشَر بنَ مروان وهو يدعو

стр. 867

في يوم الجمعة ... )) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى (٢).وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض)) (٣). قلت: وهو أنه دعا للاستسقاء، فعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه)) (٤)، فلا يرفع الإمام ولا المأموم اليدين في الدعاء أثناء الخطبة إلا إذا كان الدعاء في الخطبة للاستسقاء، وكذلك في جميع المواضع التي يخطب ويوعظ فيها. أما غير ذلك فإن رفع اليدين حال الدعاء سنة، ومن أسباب قبول الدعاء واستجابته؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀ على قوله: ((كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء)): ((هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع ﷺ إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً، من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع وقد رآه غيره رفع فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة - وهم جماعات - على

стр. 868

واحد لم يحضر ذلك، ولابد من تأويله لما ذكرناه، والله أعلم)) (١). وعلى كل حال: فلا يرفع يديه الإمام والمأموم أثناء الدعاء في جميع الخطب والمواعظ إلا في خطبة الاستسقاء، أو إذا استسقى الإمام في خطبة الجمعة أما غير ذلك فيكون رفع الأيدي وعدمه في مواضع: أ - مواضع وأحوال رفع فيها النبي ﷺ -، فنحن نرفع فيها، والأصل في الدعاء رفع اليدين. ب - مواضع أو أحوال لم يرفع فيها النبي ﷺ - وقد وجد سبب الرفع فنحن لا نرفع فيها، مثل الدعاء في الخطبة، والذكر أدبار الصلوات المفروضة: قبل السلام، وبعد السلام، أما رفع الأيدي بعد السلام من النوافل فلا حرج كالدعاء بعد صلاة الاستخارة وغيرها (٢). ١١ - يخطب مترسلاً معرباً من غير عجلة ولا تمطيط ؛ لأنه أبلغ وأحسن؛ حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ((كان يحدّث حديثاً لو عدّه العادُّ لأحصاه)).وفي لفظ للبخاري: ((إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)) (٣).والمعنى: لو عد العادّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك وبلغ آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل، والتفهيم (٤)، وقوله: ((لم يكن يسرد الحديث كسردكم)) أي لم يكن يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع، إنما كان حديث رسول الله ﷺ :فصلاً،

стр. 869

فهماً، تفهمه القلوب، واعتذر عن أبي هريرة ﵁ بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على فِيَّ (١). فالسنة للخطيب أن لا يُكثر الحديث؛ لئلا يمل الناس، ولا يستعجل في المتابعة بل يتثبت ويتأنّى (٢). ١٢ - يقصد تلقاء وجهه ؛ لأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضاً عن الجانب الآخر، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك يخطب مستقبل المأمومين، ونقل عن ابن المنذر أنه قال: هذا كالإجماع، وقال النووي: لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، قال ابن حجر: لأن ذلك بدعة (٣)، وأما المأمومون فإنهم ينحرفون إلى الإمام ويستقبلونه بوجوههم؛ لحديث ابن مسعود ﵁: ((كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا)) (٤)؛ ولحديث ثابت ﵁: ((كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم)) (٥). ١٣ - يدعو للمسلمين ؛ لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وإن دعا للسلطان فحسن؛ لأن صلاحه نفع للمسلمين، فالدعاء له دعاء لهم (٦). الثاني عشر: صفة صلاة الجمعة: صلاة الجمعة ركعتان بالنص وبإجماع المسلمين، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((صلاة الجمعة ركعتان،

стр. 870

وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ )) (١).وقال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن صلاة الجمعة ركعتان، وأجمعوا على أن من فاتته الجمعة من المقيمين أن يصلوا أربعاً)) (٢)،إذا فرغ الإمام من خطبة الجمعة نزل وأخذ المؤذن في الإقامة، ثم أمر الإمام بتسوية الصفوف، ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ((الجمعة)) وفي الركعة الثانية بسورة ((المنافقون)) (٣)، أو ((بسبح والغاشية)) (٤) أو ((بالجمعة والغاشية)) (٥) كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ (٦). ومن أدرك مع الإمام منها ركعة بركوعها وسجدتيها أضاف إليها ركعة أخرى، وكانت له جمعة، ومن أدرك مع الإمام أقل من ركعة دخل معه بنية الظهر وأتمها ظهراً إذا كان قد دخل وقت الظهر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (٧)؛ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة)).ولفظ النسائي: ((من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فلقد تمت صلاته)).وفي لفظ للنسائي أيضاً: ((من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها،

стр. 871

يقضي ما فاته)).ولفظ الدارقطني: ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته)) (١). وتدرك الركعة بإدراك ركوعها مع الإمام قبل أن يرفع، وهذا هو الصواب وبالله التوفيق (٢). قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((أما من أدرك أقل من ركعة، فإنه لا يكون مدركاً للجمعة ويصلي ظهراً أربعاً)) (٣). والسنة أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات في بيته، وإن صلاها في المسجد فلا بأس، وإن صلى ركعتين فلا بأس؛ لحديث ابن عمر ﵄ (٤)، ولكن الأفضل أن يصلي أربعاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٥) والله الموفق (٦). وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 872

المبحث الحادي والثلاثون: صلاة العيدين أولاً: مفهوم العيدين: العيدُ: كل يوم فيه جمع، والعيد: ما عاد عليك، ويقال: عيَّدوا: شهدوا العيد. واشتقاقه من عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع: أعياد، ويقال: عيَّد المسلمون: شهدوا عيدهم، قال الأزهري: ((العيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن)).وقال ابن الأعرابي: ((سمي العيد عيداً؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدَّد)) (١).قال الإمام النووي ﵀: ((قالوا: وسمي عيداً، لعوده، وتكرره، وقيل: لعود السرور فيه، وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلاً لقفولها سالمة، وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة)) (٢).وقيل: سمي عيداً؛ لكثرة عوائد الله تعالى على عباده في ذلك اليوم؛ لأن له عوائد الإحسان على عباده في ذلك اليوم كل عام (٣). واصطلاحاً: العيد: جمع أعياد: يوم الاحتفال بذكرى سارَّة، أو إعادة الاحتفال بذكرى سارة وأحد العيدين: يوم الفطر، والآخر يوم الأضحى (٤)، والمسلمون لهم ثلاثة أعياد لا رابع لها: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويوم الجمعة (٥). ثانياً: الأصل في صلاة العيدين: الكتاب، والسنة، والإجماع: ١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦). والمشهور في

стр. 873

التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد (١). ٢ - وأما السنة ، فثبت بالتواتر أن رسول الله ﷺ كان يُصلّي صلاة العيدين (٢)، فعن ابن عباس ﵄ قال: ((شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة)) (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة)) (٤). ٣ - وأما الإجماع ، فأجمع المسلمون على صلاة العيدين (٥). ثالثاً: حكم صلاة العيدين: قيل: صلاة العيد فرض كفاية، والصواب أن صلاة العيد فرض عين (٦)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَر﴾ (٧)؛ ولحديث أم عطية قالت: أمرنا - تعني النبي ﷺ أن نُخرج في العيدين: العواتق (٨)، وذوات

стр. 874

الخدور (١)، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين (٢)، ومما يؤكد فرضيتها، وأنها واجبة على الأعيان: أن النبي ﷺ واظب عليها، وقد اشتهر في السّير أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ يوم عيد الفطر في السنة الثانية للهجرة، ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه، وواظب عليها الخلفاء بعد النبي ﷺ ، وهي من أعلام الدين وشعائره الظاهرة، وهذا كله يؤيد الوجوب (٣). قال العلامة السعدي ﵀: ((والصحيح أن صلاة العيد فرض عين، والدليل الذي استدلوا به على فرض الكفاية هو دليل على أنها فرض عين؛ ولأن النبي ﷺ كان يُحرّض عليها حتى يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيَّض أن يعتزلن المصلى، ولولا رجحان مصلحتها على كثير من الواجبات لم يحضَّ أمته هذا الحضّ عليها، فدل على أنها من آكد فروض الأعيان)) (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((صلاة العيد فرض كفاية عند كثير من أهل العلم ويجوز التخلف من بعض الأفراد عنها، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا لعذر شرعي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين: كصلاة الجمعة، فلا يجوز لأي مكلف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يتخلف عنها، وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى

стр. 875

الصواب، ويسن للنساء حضورها مع العناية بالحجاب والستر، وعدم التطيُّب)) (١)،وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في القول: إن صلاة العيد فرض عين: ((وهذا عندي أقرب الأقوال)) (٢)، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى القول بأن صلاة العيد فرض عين (٣)، وقال ﵀: (( ... ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد)) (٤)، واختاره تلميذه الإمام ابن القيم ﵀ (٥). رابعاً: آداب صلاة العيد على النحو الآتي: ١ - الغسل يوم العيد ، ثبت من فعل الصحابة ﵃، فعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ))، وقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: ((وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين، ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان، قال: سأل رجل عليَّاً عن الغسل؟ قال: ((اغتسل كل يوم إن شئت)) فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: ((يوم الجمعة، ويوم عرفة (٧)، ويوم النحر،

стр. 876

ويوم الفطر)) (١). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٢). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي ﵁،وبه قال: علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر ... )) (٣)،وقال ابن قدامة أيضاً: ((وروي أيضاً أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمسَّ منه، وعليكم بالسواك)) (٤)،فلعل هذه الأشياء بكون الجمعة عيداً؛ ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وإن اقتصر على الوضوء أجزأه؛ لأنه إذا لم يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها فغيرها أولى)) (٥). ٢ - يستحب أن يتنظف، ويتطيب، ويتسوك، كما ذكر في الجمعة ؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفاً، وفيه: ((وإن كان طيب فليمسَّ منه وعليكم بالسواك)) (٦). ٣ - يلبس أحسن ما يجد ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ عمر جبة (٧) من إستبرق (٨) تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 877

يا رسول الله ابتع هذه فتجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : ((إنما هذه لباس من لا خَلاقَ (١) له)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وهذا يدل على أن التجمُّل عندهم في هذه المواضع كان مشهوراً ... وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق؛ لأنه المنظور إليه من بينهم)) (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((روى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين)) (٤)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بُردين أخضرين (٥)، ومرة بُرداً أحمر، وليس هو أحمر مُصمتاً (٦) كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن برداً، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك ... )) (٧). ٤ - يستحب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد الفطر تمرات ، والأفضل أن تكون وتراً، أما عيد الأضحى فالأفضل أن لا يأكل حتى يرجع من المصلى، فيأكل من أضحيته (٨)، فعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً)) (٩).

стр. 878

وعن بريدة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)) (١)، وقد قيل: الحكمة في الأكل قبل صلاة الفطر: أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وقيل: لأن الشيطان الذي يُحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر بِداراً إلى السلامة من وسوسته، وقيل: وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدوّ إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى (٢)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن الحكمة من الإفطار يوم الفطر؛ لأن يوم الفطر حرم فيه الصيام عقب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر؛ لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة، والأضحى بخلافه؛ ولأن في الأضحى شرع الأضحية، والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها (٣). ٥ - يخرج إلى العيد ماشياً وعليه السكينة والوقار ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وممن استحب المشي: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي وغيرهم)) (٤)، وقد جاء في ذلك أخبار:

стр. 879

فعن سعد أن النبي ﷺ ((كان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (٢). وعن علي ﵁ قال: ((من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً ... )) (٣)،قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً، وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج لصلاة الفطر، ويستحب أن لا يركب إلا من عذر)) (٤)، وعن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأتي العيد ماشياً)) (٥)، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى الصلاة، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٦). ٦ - السنة أن تُصلَّى صلاة العيدين في المصلى، ولا يُصلى في المسجد إلا لحاجة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ

стр. 880

يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة)) (١)، والمصلى بالمدينة قال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: ((هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن أبي غسان الكناني صاحب مالك)) (٢). وقال الإمام النووي ﵀ عن حديث أبي سعيد ﵁: ((هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول)) (٣). قال العلامة ابن الحاج المالكي: ((والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى؛ لأن النبي ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٤)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج ﷺ وتركه (٥)، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((السنة أن يُصلَّى العيد في المصلى، أمر بذلك علي ﵁، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر)) (٦)، وقال ﵀ بعد أن ذكر بعض الأقوال المخالفة: ((ولنا أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل؛ ولأننا قد أُمرنا باتباع النبي ﷺ ، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص والمنهي عنه
следующие страницы →