← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

((شهدت (١) العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة)) (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة)) (٣). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين، إلا عن بني أمية ... ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أُنكِرَ عليهم فعلهم، وعُدَّ بدعة، ومخالفاً للسنة)) (٤). وخطبة العيد تبدأ بالحمد (٥) قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير ... )) (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغير الحمد (٧): لا خطبة عيد، ولا خطبة

стр. 912

استسقاء، ولا غير ذلك)) (١). ودلت السنة أن النبي ﷺ كان يخطب يوم العيد على مكان مرتفع؛ لحديث جابر ﵁ وفيه: ((قام النبي ﷺ يوم الفطر، فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ... )) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكر عليه، وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، فلعله ﷺ كان يقوم في المصلى إلى مكان مرتفع، أو دكان، وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن، والله أعلم (٣). وعن أبي كامل الأحمسي ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يخطب على ناقة، وحبشيٌّ آخذ بخطام الناقة)) (٤). ورخّص النبي ﷺ لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة، وأن يذهب (٥)؛ لحديث عبد الله بن السائب ﵁ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب)) (٦). قال الإمام ابن قدامة رحمه

стр. 913

الله: ((والخطبة سنة لا يجب حضورها، ولا استماعها، وإنما أُخّرت عن الصلاة والله أعلم؛ لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها مِنْ تَرْكِهَا، بخلاف خطبة الجمعة، والاستماع لها أفضل)) (١)، وثبت أن النبي ﷺ خطب يوم الأضحى بمنى في حجة الوداع على ناقته العضباء (٢)، وخطب ﷺ بين أوسط أيام التشريق بمنى (٣)، وعن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر (٤). وعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففُتحت أسماعنا، حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم ... )) (٥). فظهر في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ خطب في منى في حجة الوداع: يوم النحر، ثم خطب أوسط أيام التشريق، ومن أعظم خطبه ما ثبت من حديث أبي بكر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر [قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه، ثم قال] ((أتدرون أي يوم هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس يومَ النحر))؟ قلنا: بلى، قال: ((أيّ شهر هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بذي الحجة))؟ قلنا: بلى، قال: ((أيّ بلد هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليست بالبلدة الحرام))؟ قلنا: بلى، قال: ((فإن

стр. 914

دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم، عليكم حرام: كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلّغت))؟ قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).وفي لفظ: ((وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم)) (١). تاسعاً: التكبير أيام العيد نوعان على النحو الآتي: النوع الأول: التكبير المطلق ، وهو الذي لا يتقيد بأدبار الصلوات، بل يشرع في كل وقت: وهو في عيد الفطر، وعيد الأضحى، والذي ينبغي معرفته عن التكبير المطلق في العيدين: وقته، وصفته، وذلك على النحو الآتي: ١ - وقت التكبير المطلق في عيد الفطر، وعيد الأضحى على النحو الآتي: أ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان: إما بإكمال ثلاثين يوماً، وإما برؤية هلال شوال، فإذا غربت شمس آخر يوم من رمضان شرع التكبير المطلق، لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) ويستمر في التكبير من غروب الشمس إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة (٣).

стр. 915

ب - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق: في جميع الأوقات، في الليل، والنهار، والطريق، والأسواق، والمساجد، والمنازل، وفي كل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مّن بَهِيمَةِ الأنعام فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، وقول الله : ﴿وَاذْكُرُواْ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢)، قال ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق)) (٣). وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: ((الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، والمعدودات أيام التشريق)) (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد)) (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه

стр. 916

وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)) (١). وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((وكان ابن عمر، وأبو هريرة ﵄ يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبر محمد بن علي خلف النافلة)) (٢)،وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيراً، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعاً، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد)) (٣).وعن أم عطية ﵂ قالت: كنا نؤمر أن نَخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر من خدرها، حتى نُخرج الحيّض، فيكنّ خلف الناس فيُكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته)) (٤)؛ ولحديث نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيام التشريق أيام أكل وشرب [وذكر لله])) (٥). قال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث من شهر ذي الحجة)) ثم ذكر آية البقرة والحج والأحاديث والآثار السابقة (٦). ٢ - صفة التكبير جاء في آثارٍ عن أصحاب النبي ﷺ على أنواع متعددة منها ما يلي:

стр. 917

أ - كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا قول: عمر، وعلي، وابن مسعود، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك إلا أنه زاد: على ما هدانا، لقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢). ب - وكان ابن عباس ﵄ يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا)) (٣). ج - وكان سلمان ﵁ يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً)) (٤). د - وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد)) (٥). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((وفي الشرح صفات كثيرة عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر؛ وإطلاق الآية يقتضي ذلك)) (٦) والله أعلم (٧).

стр. 918

النوع الثاني التكبير المقيَّد: وهو الذي يُقيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى خاصة، ووقته، وصفته على النحو الآتي: ١ - يبتدئ التكبير المقيَّد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة ، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين ﵃: ((أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر)) (١)، ولما ورد عن عمر الخليفة الراشد ﵁: ((أنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق)) (٢)، ولما ورد عن ابن عباس ﵄ ((أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب)) (٣). ولما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه كان: ((يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر

стр. 919

من آخر أيام التشريق)) (١). وفي الباب آثار كثيرة عن بعض أصحاب النبي ﷺ (٢) والله أعلم (٣). قال الحاكم ﵀: ((فأما من فِعْلِ عمر، وعلي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، فصحَّ عنهم التكبير، من غداة عرفة، إلى آخر أيام التشريق)) (٤).وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وأصح

стр. 920

ما ورد فيه عن الصحابة: قول علي، وابن مسعود، إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره، والله أعلم)) (١).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة. ويشرع لكل أحد أن يكبر عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة)) (٢). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((وروي عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة ﵃: التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير عند أول حصاة من الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس، لقول أنس ﵁: ((كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)) (٣)، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة، وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد، لما تقدم من الآية والآثار)) (٤). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأما المحرمون فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ... لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية

стр. 921

وغيرهم يبتدئ من يوم عرفة لعدم المانع)) (١). ٢ - صفة التكبير المقيد: هو مثل التكبير المطلق كما تقدم (٢): ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)) (٣)، وهو قول الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب، وعلي، وقول ابن مسعود ﵃، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله تعالى (٤). عاشراً: اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد: إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة حضر الإمام ومن شاء من الناس، وصلى بهم؛ لحديث إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: ((من شاء أن يصلي فليصلّ)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون)) (٦)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 922

((اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمّعون (١) إن شاء الله)) (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: ((اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس ثم قال: ((من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلّف فليتخلّف)) (٣). وهذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة: يجوز فعلها وتركها، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها، ومن لم يحضر صلاة الجمعة، فإنه يصلي ظهراً؛ لأن الظهر هي الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، ثم إن الجمعة إذا فاتت في غير يوم العيد وجبت صلاة الظهر إجماعاً فهي البدل عنها (٤). أما الإمام فلا تسقط عنه على الصحيح؛ لقوله ﷺ : ((وإنا مجمّعون))؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها، بخلاف غيره من الناس)) (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن أرقم: إنه ((يدل على أنه لا بأس أن يترك الجمعة من حضر صلاة العيد، لكن يصلي ظهراً، ومن قال: لا يصلي ظهراً، فقد غلط، وهو كالإجماع من أهل العلم)) (٦). الحادي عشر: زكاة الفطر لها أحكام وآداب على النحو الآتي: ١ - زكاة الفطر فرض على كل مسلم فضل عنده يوم العيد وليلته

стр. 923

صاع من طعام عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حُرٍّ أو عبد، أو رجل، أو امرأة، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)) وهذا لفظ مسلم في رواية، ولفظ البخاري: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد، والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)). وفي لفظ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: ((فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى والحر والمملوك: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)) (١). ويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان ﵁)) (٢). ٢ - وقت إخراج زكاة الفطر ، وقَّت النبي ﷺ وقت إخراج زكاة الفطر في حديث ابن عمر السابق بقول ابن عمر عن النبي ﷺ : ((وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) (٣). أي صلاة العيد. وفي رواية عن ابن عمر ﵄: ((وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين)) (٤)؛ ولكن الأفضل أن

стр. 924

تخرج يوم العيد قبل الصلاة؛ لسدّ حاجة الفقراء يوم العيد، وإغنائهم يوم العيد عن المسألة. ولا يجوز تأخيرها بعد الصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)) (١). ولكن زكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو ولد له ولد، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم (٢). ٣ - مقدار زكاة الفطر وأنواعها: هو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس، وقد ثبت في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرته آنفاً أنه قال: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير ... )). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه كان يقول: ((كنا نُخرج زكاة الفطر: صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب)). وفي لفظ للبخاري: ((كنا نُعطيها في زمان النبي ﷺ ... )). وفي لفظ لمسلم: ((كنا نُخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير، وكبير، حرٍّ أو مملوك: صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو

стр. 925

صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجّاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت)) (١). وفي لفظ ابن ماجه قال أبو سعيد: ((لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ أبداً ما عشت)) (٢). وفي حديث أبي سعيد زيادات لم أذكرها؛ لأن فيها نظراً (٣)، أما رأي معاوية ﵁ في أن البر يعدل المدّ منه المدَّين من غيره فيجزئ نصف صاع، فقال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: ((حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافاً للطحاوي، وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنسٍ كان ولا فرق بين الحنطة وغيرها، وهذه حجة الشافعي ومن تبعه. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد)) (٤).

стр. 926

وقد قال الإمام النووي ﵀: ((قوله: عن معاوية أنه كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها أبداً ما عشت، فقوله سمراء الشام: هي الحنطة وهذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة، وأعلم بأحوال النبي ﷺ ، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض، فنرجع إلى دليل آخر. وجدنا ظاهر الأحاديث، والقياس متفقاً على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ رآه لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي ﷺ لذكره)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول فيمن جعل مُدَّين من الحنطة تقوم مقام الصاع من غيرها: ((اجتهد معاوية فجعل عدله مدين، والصواب أنه لابد من صاع أخذاً بالنص؛ ولهذا قال أبو سعيد: أما أنا فلا أخرج إلا صاعاً وهو الصواب كما تقدم (٢)، والله تعالى أعلم (٣). ومقدار الصاع الذي تؤدى به زكاة الفطر هو صاع النبي ﷺ ،وهو

стр. 927

خمسة أرطال وثلث بالعراقي (١)،وهو أربعة أمداد، والمد ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدَّ يديه بهما، وبه سمي مدّاً، قال الفيروزآبادي: ((وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً)) (٢)،والصاع أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي ﷺ ،قاله الداوودي (٣). قال الفيروزآبادي: ((وجربت ذلك فوجدته صحيحاً)) (٤). ٤ - أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم: قيل: تعطى صدقة الفطر لمن يجوز أن يُعطَى صدقة الأموال؛ لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) (٦). وقيل: لا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، فتجري مجرى كفارة اليمين، والظهار، والقتل، والجماع في نهار رمضان، ومجرى كفارة الحج، فتدفع لهؤلاء الآخذين لحاجة أنفسهم، وهم الفقراء والمساكين، ولا يعطى المؤلفة قلوبهم، ولا الرقاب ولا غير ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذا القول أقوى في الدليل)) (٧). وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان من هديه ﷺ تخصيص

стр. 928

المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية)) (١). وقال الشوكاني ﵀ عن حديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((وطعمة المساكين ... )) (٢). ((وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة)) (٣). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذكر القولين: ((هناك قولان لأهل العلم: الأول أنها تصرف مصرف بقية الزكوات، حتى المؤلفة قلوبهم والغارمين ... والثاني أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح)) (٤). ٥ - حِكَمُ زكاة الفطر وفوائدها عظيمة من أهمها ما يلي: أ - طهرة للصائم من اللغو والرفث ، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور. ب - طعمة للمساكين . ج - زكاة للبدن حيث أبقاه الله عاماً من الأعوام وأنعم عليه بالبقاء ؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والكامل والناقص في مقدار الواجب وهو الصاع. د - مواساة للمسلمين أغنيائهم وفقرائهم ذلك اليوم فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى ، والسرور بنعمه.

стр. 929

هـ - شكر نعم الله تعالى على الصائمين بالصيام ولله حكم وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين (١). الثاني عشر: الأضحية مشروعة ولها أحكام على النحو الآتي: ١ - مفهومها: هي اسم لما يذبح أو ينحر بسبب العيد: من الإبل، والبقر، والغنم: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، تقرباً إلى الله تعالى، وسميت بذلك والله أعلم؛ لأن أفضل زمن لذبحها ضحى يوم العيد (٢). ٢ - حكمها: الأضحية مشروعة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب ؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣). وأما السنة ؛ فلحديث أنس ﵁ قال: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين، أملحين (٤) أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)). وفي لفظ لمسلم: ويقول: ((باسم الله والله أكبر)). وفي لفظ للبخاري: ((كان النبي ﷺ يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (٥). وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (٦)،والأضحية سنة مؤكدة جداً لا ينبغي تركها لمن يقدر عليها، وعلى هذا أكثر أهل العلم (٧). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول:

стр. 930

((والضحية سنة، وقال بعض أهل العلم بوجوبها، والذي عليه جمهور أهل العلم أنها سنة مؤكدة لمن قدر لمن كان له سعة، والحجة في ذلك فعله ﷺ ؛ فإنه كان يضحي كل سنة، فهي سنة من قوله وفعله ﵊) (١). والأحوط للمسلم أن لا يترك الضحية إذا كان موسراً له قدرة عليها؛

стр. 931

اتباعاً لسنة نبيه ﷺ : القولية، والفعلية، والتقريرية، وبراءة للذمة، وخروجاً من الخلاف عند من قال بالوجوب (١). ٣ - ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي: أ - لأن الذبح وإراقة الدم تقرباً لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم الله تعالى ، وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ب - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي ﷺ وعمل المسلمين ، ولم ينقل أحد أن رسول الله ﷺ تصدق بثمنها، ولا أحد من أصحابه ﵃. ج - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن أن العلماء اختلفوا في وجوبها، وأن القائلين بأنها سنة صَرَّح جمعٌ منهم بأنه يكره تركها للقادر (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((والأضحية، والعقيقة، والهدي (٤)، أفضل من الصدقة بثمن ذلك)) (٥).

стр. 932

٤ - إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئاً ؛ لحديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)) وفي لفظ: ((فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي)) (١). ٥ - يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى ؛ لحديث البراء ﵁،قال: قال النبي ﷺ : ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبلُ فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء)) فقام أبو بردة بن دينار - وقد ذبح - فقال: إن عندي جذعة، فقال: ((اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك)) وفي لفظ لمسلم: يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: ((ضحّ بها ولا تصلح لغيرك)). قال مطرّف عن عامر، عن البراء، قال النبي ﷺ : ((من ذبح بعد الصلاة تمَّ نسكُه وأصاب سنة المسلمين)) (٢).ولحديث جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: ((شهدت النبي ﷺ يوم النحر، قال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم الله])) (٣)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكُه، وأصاب سنة المسلمين)) (٤). وآخر وقت ذبح الأضاحي هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام

стр. 933

التشريق على القول الراجح من أقوال أهل العلم، فيكون ذبح الأضاحي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة)) (١). ٦ - شروط الأضحية: الأضحية عبادة لله تعالى لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله تعالى ، وأن تكون على سنة رسول الله ﷺ ، فإذا لم تكن خالصة وعلى هدي رسول الله ﵊ فهي غير مقبولة بل مردودة، ولا تكون الأضحية على هدي رسول الله ﷺ إلا باجتماع شروطها، وانتفاء موانعها. وشروطها أنواع: منها ما يعود للوقت، وتقدم، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها، وسيأتي إن شاء الله تعالى، ومنها ما يعود للمُضحَّى به وهي أربعة شروط: الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكاً للمضحي ملكها بطريق شرعي ،

стр. 934

فلا تصح الأضحية بمغصوب، أو مسروق، أو مملوك بعقد فاسد، أو ما كان ثمنه خبيثاً محرماً: كالربا وغيره؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) (١). وينبغي للمسلم أن يختار الأضحية التي تجتمع فيها الصفات المستحبة؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢)، وتعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، وعن مجاهد في قوله: ﴿وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ الله﴾ قال استعظام البدن: استحسانها، واستسمانها)) (٣). قال يحيى بن سعيد سمعتُ أبا أمامة بن سهل قال: ((كنَّا نُسمّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون)) (٤). الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع وهو: الإبل، والبقر، والغنم: ضأنها ومعزها، وهي بهيمة الأنعام فقط، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُم مّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾ (٥)، وذكر الإمام النووي الإجماع على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا: الإبل، والبقر، والغنم (٦). الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السنّ المعتبرة شرعاً ، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره: والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر ودخل في السابع، ويُعرف إذا مالت الصوفة على ظهره عُلِمَ أنه قد أجذع. وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية، والبقر إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل إذا صار لها خمس سنين ودخلت في

стр. 935

السادسة، قال الأصمعي وغيره: ((إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني، ونرى أنه إنما سمي ثنياً؛ لأنه ألقى ثنيته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي ﷺ قال: ((لا تذبحوا إلا مُسِنَّة)) (١)، ومسنة البقرة التي لها سنتان. وقال وكيع: ((الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر)) (٢)، فالضحية عبادة لا يشرع فيها إلا ما حدده النبي ﷺ ، وقد قال ﵊: ((لا تذبحوا إلا مُسِنّة، إلا أن تعسّر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء: من الإبل والبقر، والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مُجْمَع عليه على ما نقله القاضي عياض. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة يجزئ سواء وجد غيره أم لا، قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه)) (٤). الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء ، ومن هذه العيوب ما ثبت في حديث البراء بن عازب ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله، فقال: ((أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيّن عورُها (٥)، والمريضة البيّن

стр. 936

مرضُها (١)، والعرجاء البيّن ظلعُها (٢)، والكسيرة التي لا تنقى)) (٣). قال [الراوي عن البراء] قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص؟ فقال: ((ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد)).وهذا لفظ أبي داود، أما لفظ الترمذي: ((لا يُضَحَّى بالعرجاء بيّن ظلعها، ولا بالعوراء بيّن عورها، ولا بالمريضة بيّن مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقى)). ولفظ النسائي: ((أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى)). [قال الراوي عن البراء] قلت: إني أكره أن يكون في القرن نقص، وأن يكون في السن نقص، قال: ((ما كرهته فدعه، ولا تحرمه على أحد)).ولفظ ابن ماجه مثل لفظ النسائي إلا أنه قال: إني أكره أن يكون نقص في الأذن، قال: ((فما كرهت منه فدعه، ولا تحرمه على أحد)).وفي رواية الموطأ نحو رواية أبي داود، والنسائي، إلى قوله: ((لا تنقى)) وجعل بدل الكسيرة ((العجفاء)) (٤) (٥). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند أهل العلم)) (٦).

стр. 937

قال الإمام ابن قدامة ﵀ عن هذه الأربع المذكورة: ((لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنها تمنع الإجزاء)) (١). ويُلحق بهذه الأربع ما كان به عيب أعظم من هذه العيوب؛ فإن عدم إجزائها أولى، كالعمياء التي لا تبصر بعينها؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيّن ظلعها، وما أصابه سبب الموت: كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة البين مرضها، والعاجزة عن المشي لعاهة- وتسمى: الزمنى - أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيّن ظلعها، وغير ذلك من العيوب التي هي أشد من العيوب الأربع المذكورة (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز يقول: ((العمياء أشد من العوراء، فما كان أشد من هذه الأربع في العيب، كان عدم إجزائه أولى)) (٣). ٧ - العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي: الأولى: العضباء: وهي مقطوعة الأذن: النصف فما فوقه. الثانية: المقابلة: وهي التي شُقّت أذنها من الأمام عرضاً. وقال ابن الأثير: ((شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها وتركت معلقة فيها كأنها زنمة)) (٤). الثالثة: المدابرة: وهي التي شُقّت أذنها من الخلف عرضاً، وقال ابن الأثير: ((المدابرة التي فعل بها ذلك من مؤخرة أذنها، واسم الجلدة فيها:

стр. 938

الإقبالة والإدبارة)) (١). الرابعة: الشرقاء: وهي التي شُقّت أذنها طولاً، وقال ابن الأثير: ((الشرقاء التي شُقّت أذنها، وقد شرقت الشاة - بالكسر - فهي شاة شرقاء (٢). الخامسة: الخرقاء: وهي التي خُرقت أذنها، قال ابن الأثير: ((الخرقاء من الغنم التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير)) (٣). السادسة: المصفرة: وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها (٤). السابعة: المستأصلة: وهي التي ذهب قرنها من أصله، قال ابن الأثير: ((والمستأصلة: التي استُؤْصل قرنها من أصله)) (٥). الثامنة: البخقاء: وهي التي بخقت عينها، قال ابن الأثير: ((والبخقاء: التي تبخق عينها)) (٦).وقال في النهاية: ((والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة)).وقال في القاموس: ((البخق أقبح العور وأكثره غمصاً)). وعلى هذا فإذا كان البخق عوراً بيّناً لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق (٧). التاسعة: المشيعة: وهي التي لا تتبع الغنم عجفاً، وضعفاً، تكون وراء الغنم: كالمشيع للمسافر، وقيل بفتح الياء؛ لحاجتها إلى من يشيعها؛ لتلحق بالغنم، فإن لم يكن فيها مخ فلا تجزئ، وإن كان فيها مخ ولا تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضاً؛ لأنها كالعرجاء البين ظلعها، وإن كانت

стр. 939

تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة (١) (٢).

стр. 940

وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية: الأولى: البتراء ، وهي التي قطع ذنبها: من الإبل، والبقر، والمعز، فتكره التضحية بها؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (١) وبالقياس على العضباء، قال ابن الأثير ﵀ في معنى البتراء: ((هي التي قطع ذنبها)) (٢)؛ لأن في الذنب مصلحة للحيوان، ودفاعاً لما يؤذيه، وجمالاً لمؤخره، وفي قطعه فوات هذه الأمور. وأما البتراء بأصل الخلقة فلا تكره ولكن غيرها أولى. وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ، لأن ذلك نقص بيّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوع لا ألية له بأصل الخلقة أجزأت بدون كراهة (٣). الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها ؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (٤)، قال ابن الأثير ﵀ في الجدعاء: ((الجدع قطع الأنف،

стр. 941

والأذن، والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه)) (١). الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به ، قياساً على العضباء، فأما ما قطعت خصيتاه فلا تكره التضحية به؛ لأن الخصاء يزيد سمنه، وطيب لحمه (٢). وغير ذلك من العيوب التي ذكرها أهل العلم التي تكره التضحية بها (٣)، والله تعالى أعلم. ٨ - تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة، والبقرة عن سبعة ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، حينما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: ((كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى)) (٤). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق)) (٥). وأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة)). وفي لفظ: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة)). وفي لفظ: ((حججنا مع رسول الله ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة،

стр. 942

والبقرة عن سبعة)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وبه قال: عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي)) (٢). ولكن هل يجزئ سُبع البدنة أو سُبع البقرة عن الرجل وأهل بيته أم لا يجزئ السبع إلا عن واحد: قولان لأهل العلم، والذي مالت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن سُبع البدنة وسبع البقرة لا يجزئ إلا عن واحد والله أعلم، أما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته (٣). ٩ - تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة ، أو بذبحها يوم العيد بنية الأضحية، فإذا تعينت الأضحية تعلقت بها الأحكام الآتية: الحكم الأول: زوال ملكه عنها ، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها، ولا إبدالها إلا بخير منها؛ لأنه جعلها لله تعالى. الحكم الثاني: لا يتصرف فيها تصرفاً مطلقاً فلا يستعملها في حرث، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها، أو يحتاجه ولدها المتعين معها، ولا يجزّ شيئاً من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جزَّه فليتصدق به أو ينتفع به

стр. 943

والصدقة به أفضل، وإن ولدت ذبح ولدها معها. الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء: كالعرج البيّن، فإن كان هذا العيب بتفريط منه لزمه إبدالها بسليمة، وإن كان بدون فعل منه ولا تفريط فإنه يذبحها وتجزئه ما لم تكن واجبة في ذمته قبل التعيين، كما لو نذر أن يُضحّي ثم عيَّن نذره فتعيبت بدون فعل منه ولا تفريط لزمه إبدالها بسليمة؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة. الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق لزمه ذبحها، ولو فات وقت الذبح، أما إذا كان ضياعها أو سرقتها بتفريط منه لزمه إبدالها بمثلها أو أفضل. والله أعلم (١). الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا جلدها، ولا لحمها ، ولا يعطي الجزار أجرته منها؛ لحديث علي ﵁ قال: ((أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأجلَّتها، وأن لا أعطي الجزار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا))، وفي لفظ لمسلم: ((أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها: لحومها، وجلودها، وجلالها، في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً)) (٢). لكن إذا دفع إلى جازرها شيئاً، لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس، والأفضل أن يعطيه أجرته كاملة أولاً، ثم يعطيه منها؛ لئلا تقع مسامحة

стр. 944

في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة (١). ١٠ - يأكل من أضحيته ويتصدق ؛ لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢)، وعن عبد الله بن واقد ﵁ في بيان الأكل من الأضاحي وفيه: ((فكلوا، وادَّخِروا، وتصدَّقوا)). وفي لفظ: ((كلوا وتزوَّدوا)) (٣)، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي ﷺ إلى المدينة)). وقال غير مرة: ((لحوم الهدي)) (٤)، وعن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه عن الأكل من لحوم الأضاحي، وفيه: ((كلوا وأطعموا، وادخروا)) (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ فيه: ((كلوا، وأطعموا، واحبسوا، أو ادَّخروا)) (٦). واستحب كثير من العلماء للمُضحّي أن يقسم أضحيته أثلاثاً: ثلثاً للادّخار، وثلثاً للصدقة، وثلثاً للأكل؛ لقوله ﷺ : ((فكلوا وادَّخروا وتصدقوا)) (٧) (٨). واستحب بعضهم أن يقسمها أثلاثاً: يأكل ثلثاً، ويُهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث؛ للآثار في ذلك (٩).

стр. 945

١١ - صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يُذكَّى على النحو الآتي: أ- لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي ، ويقصد المذكي التذكية، ولا يذبح لغير الله، ولا يهل لغير الله، ويسمي عند الذبح أو النحر، ويذكي بآلة حادة غير سنٍّ ولا ظُفرٍ، وينهر الدم في موضعه، ولا بد أن يكون المذكي مأذوناً في ذكاته شرعاً (١). ب- يراعي المضحي الأمور الآتية: الأمر الأول: يختار الأضحية ، فيحرص على أكمل الأضاحي؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد (٢)،وينظر في سواد، فأُتي به، ليضحي به، قال لعائشة: ((هلُمّي (٣) المدية)) (٤)،ثم قال: ((اشحذيها بحجر)) (٥).ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به)) (٦). وعن أنس قال: ((ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)). وفي لفظ لمسلم: ((ويقول باسم الله والله أكبر)).وفي لفظ للبخاري: ((كان رسول الله ﷺ يُضحّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (٧).

стр. 946

ويختار السمين العظيم؛ لقول أبي أمامة بن سهل، قال: ((كنَّا نُسمّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون)) (١). وهذا من تعظيم شعائر الله (٢)، وغير ذلك من الصفات الحسنة، التي تزيد الأضحية كمالاً، وجمالاً؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً (٣)، وإن ضحى بكبشين فلا بأس، فعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((إذا ضحى بكبشين تأسياً به ﷺ فلا حرج)) (٥). وعن عائشة وأبي هريرة ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ )) (٦). وعن أبي سعيد ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يضحي بكبش أقرن، فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد)) (٧). الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة ، فيعمل كل ما يريحها عند الذَّكاة،

стр. 947

ومن ذلك: أن يكون الذبح بآلة حادَّة، وأن يمرها على محل الذبح بقوة وسرعة؛ لأن المطلوب الإسراع في إزهاق النفس على أكمل الوجوه من غير تعذيب؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ قال: ((ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته)) (١). ويكره أن يحدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: ((أمر النبي ﷺ بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وقال: ((إذا ذبح أحدكم فليُجْهِزْ)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: ((أفلا قبل هذا؟ أو تريد أن تميتها موتات))؟ ولفظ الحاكم: ((أتريد أن تميتها موتان؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة الأخرى، ولا يجرها إلى مذبحها)) (٤). الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى ، لقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا

стр. 948

وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).قال ابن عباس ﵄: ((قياماً على ثلاث معقولة يدها اليسرى)) (٢).وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها)) (٣).وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ )) (٤). فإن لم يتيسر له نحرها قائمة جاز له نحرها باركة إذا أتى بما يجب في الذكاة؛ لحصول المقصود بذلك. الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر ، ويضع رجله على صفحة عنقها، ليتمكن منها؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((ضحى رسول الله ﷺ بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)) (٥)، فإن كان الذابح لا يستطيع أن يذبح بيمينه ويعمل بيده اليسرى عمل اليمنى وكان الأيسر له أن يضجعها على الجنب الأيمن فلا بأس أن يضجعها عليه؛ لأن المهم راحة الذبيحة (٦). الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح ؛ لما رُوي عن النبي ﷺ من حديث جابر قال: ((ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)) (٧).

стр. 949

الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر ، وهي واجبة، لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)؛ ولقول النبي ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ما لم يكن سن ولا ظفر)) (٣). وذكر اسم الله تعالى على الذبح أو النحر شرط من شروط ذكاة الحيوان (٤)، ويستحب التكبير: ((الله أكبر)) مع التسمية (٥). الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية من هي له ؛ لحديث جابر ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الأضحى في المصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتي بكبش فذبحه رسول الله ﷺ بيده، وقال: ((بسم الله والله أكبر، هذا عني وعن من لم يضحّ من أمتي)) (٦)؛ ولحديث أبي رافع ﵁ قال: ((ضحى رسول الله ﷺ بكبشين، أملحين، موجبين (٧)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول الله ﷺ قد كفانا)).

стр. 950

وفي رواية لأحمد: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أُتيَ بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: ((اللهم إن هذا عن أمتي جميعاً ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ)). ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: ((هذا عن محمد وآل محمد)) فيطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله ﷺ والغُرْمَ)) (١). الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم: أي إجراؤه من شروط صحة الذكاة، ولكن استكمال هذه الأربعة يكون نهاية الكمال، وهي: أ- الحلقوم: وهو مجرى النفس [القصبة الهوائية]. ب- المريء: وهو مجرى الطعام والشراب. ج - د - الودجان: وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء فمتى قطعت هذه الأشياء الأربعة حلَّت المذكاة بإجماع أهل العلم (٢). ولا يتجاوز ذلك إلى النخاع فإنه لا يشرع (٣). وذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن التذكية الشرعية للإبل والبقر والغنم: على ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يقطع الذابح: الحلقوم، والمريء، والودجين ، وهو أكمل الذبح وأحسنه، فإذا قطعت هذه الأربعة فالذبح حلال عند جميع العلماء.
следующие страницы →