← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فإن فُطِنَ له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غُفِل عنه ذهب به ... )) (١). وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: (( ... وعرضت عليّ النار فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله ﷺ )) (٢) وغير ذلك من الآيات العظيمة. ٣ - النداء بالصلاة جامعة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((لَمّا كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: ((إن الصلاة جامعة)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فأمر النبي ﷺ مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة، فاجتمعوا واصطفوا فصلى بهم أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات)) (٤). ومعنى ((الصلاة جامعة)) أي احضروا الصلاة في حال كونها جامعة (٥). ٤ - لا أذان لصلاة الكسوف ولا إقامة ؛ لأن النبي ﷺ صلاها بغير أذان ولا إقامة؛ ولأنها من غير الصلوات الخمس، فأشبهت سائر النوافل (٦)، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن ابن دقيق العيد قوله: ((وقد اتفقوا

стр. 982

على أنه لا يُؤَذَّنُ لها ولا يُقام)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويُسَنُّ أن ينادى لها: الصلاة جامعة .. ولا يسن لها أذان ولا إقامة)) (٢). ٥ - الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف سنة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((جهر النبي ﷺ في صلاة الكسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: ((سمع الله لمن حمدهُ ربنا ولك الحمد)) ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات)) (٣)، ويجهر بالقراءة ليلاً كان أو نهارًا؛ لحديث عائشة ﵂؛ ولأنها نافلة شرعت لها الجماعة فكان من سنتها الجهر، كصلاة الاستسقاء، والعيد، والتراويح (٤) (٥). ٦ - صلاة الكسوف جماعة في المسجد ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((ثم ركب رسول الله ذات غداة مركبًا (٦) فكسفت الشمس فرجع ضُحَىً فمر رسول الله ﷺ بين ظهراني الحجر (٧) ثم قام فصلى وقام الناس وراءه ... )) وفي لفظ لمسلم: ((فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبر وصفَّ الناس وراءه ... )) (٨).

стр. 983

وذكر الإمام ابن قدامة ﵀ أن السنة في صلاة الكسوف أن تُصلى جماعة في المسجد؛ لفعل النبي ﷺ ،ويجوز أن تُصلى فرادى، ولكن فعلها في الجماعة أفضل؛ لأن النبي ﷺ صلى صلاة جماعة، والسنة أن يصلوا في المسجد (١). ٧ - صلاة النساء خلف الرجال في صلاة الكسوف ؛ لأن عائشة وأسماء ﵄ صلَّتا مع رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: ((أتيت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ - حين خسفت الشمس - فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله، فقلتُ: آية؟ فأشارت أي نعم، قالت: فقمت حتى تجلاني الغَشْيُ (٢) فجعلت أصب فوق رأسي الماء ... ))، وفي لفظ مسلم: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فدخلت على عائشة وهي تصلي، فقلت ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فأطال رسول الله ﷺ القيام جدًا حتى تجلاّني الغشيُّ فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصبُّ على رأسي أو على وجهي من الماء، فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلّت الشمس ... )) (٣). وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: ((باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف)) (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أشار بهذه الترجمة إلى

стр. 984

رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى)) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتشرع في حق النساء؛ لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله ﷺ )) (٢)، وقال الإمام النووي ﵀: ((وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهن وراء الرجال)) (٣). ٨ - تُصلَّى صلاة الكسوف في السفر ؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا)) (٤)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وتشرع في الحضر والسفر، بإذن الإمام وغير إذنه)) (٥). ٩ - الإطالة في صلاة الكسوف على حسب تَحَمُّلِ المصلين ؛ لحديث أسماء ﵂، وفيه: ((فأطال رسول الله القيام جدًّا حتى تجلاني الغَشْيُ فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء ... )) (٦). وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى فقام قيامًا طويلاً [في القيام الأول]: ((نحوًا من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعًا طويلاً،

стр. 985

ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول ... )) (١). فالسنة تطويل صلاة الكسوف تطويلاً لا يشقُّ على الناس (٢)، وفي حديث جابر ﵁: ((فصلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرّون ... )) (٣). ١٠ - الخطبة في صلاة الكسوف سُنَّة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ خرج مخرجًا فخُسف بالشمس فخرجنا إلى الحجرة فاجتمع إلينا نساءٌ وأقبل إلينا رسول الله ﷺ ،وذلك ضحوةً، فقام قيامًا طويلاً، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع رأسه فقام دون القيام الأول، ثم ركع دون ركوعه، ثم سجد ثم قام الثانية، فصنع مثل ذلك إلا أن قيامه وركوعه دون الركعة الأولى، ثم سجد وتجلت الشمس، فلما انصرف قعد على المنبر فقال فيما يقول: ((إن الناس يفتنون في قبورهم كفتنة الدجال)) وفي رواية: قالت عائشة ﵂: ((كنا نسمعه بعد ذلك يتعوَّذ من عذاب القبر)) (٤). وخلاصة ما جاء في الأحاديث الصحيحة في خطبة النبي ﷺ أنه بعد أن سلَّم من صلاة الكسوف قعد على المنبر (٥)، فخطب، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد (٦) ثم قال: ((يا أيها الناس إنّما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك: فاذكروا الله، وكبّروا))، وأمر بالصدقة،

стр. 986

والعتق، والاستغفار، والدعاء (١) وقال: ((فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة فصلوا حتى ينكشف ما بكم)) (٢). وقال: ((يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)) (٣).وأخبر ﷺ أنه رأى الجنة وأراد أن يأخذ منها عنقودًا ولو أخذه لأكلوا منه ما بقيت الدنيا، ورأى النار يحطم بعضها بعضًا، ورأى أكثر أهلها النساء (٤)،وأخبر عن فتنة القبر وعذاب القبر (٥)، ورأى امرأة تعذَّب في النار في هرة حبستها، ورأى فيها سارق الحاج صاحب المحجن (٦)،ورأى عمرو بن لحي الذي غيَّر دين إبراهيم يجر أمعاءه في النار (٧)،ورأى فيها سارق بدنتي رسول الله ﷺ (٨)،وقال: ((إنه عرض عليّ كل شيء تولجونه)) (٩)،أي تدخلونه: من جنة، ونار، وقبر، ومحشر (١٠). فهذه خطبة عظيمة وعظ فيها النبي ﷺ أصحابه موعظة بليغة (١١).

стр. 987

١١ - الفزع إلى ذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتكبير، والعتق، والصدقة، والصلاة ، والتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر؛ للأحاديث الكثيرة في ذلك، ومنها: حديث المغيرة بن شعبة ﵁،وفيه: (( ... فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا الله)) (١). وحديث عائشة ﵂ وفيه: ((فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله، وكبّروا، وصلوا، وتصدقوا)). وفي لفظ: ((فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)) (٢). وحديث أبي موسى ﵁، وفيه: ((فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه واستغفاره)) (٣). وحديث أسماء ﵂ قالت: ((لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس)) (٤). وحديث عائشة ﵂ وفيه: ((ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر)) (٥). ويتعوذوا من فتنة القبر (٦).

стр. 988

سابعًا: صفة صلاة الكسوف على النحو الآتي: ١ - يكبّر تكبيرة الإحرام . ٢ - يقرأ دعاء الاستفتاح . ٣ - يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم . ٤ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة جهرًا (١). ٥ - يكبر ويركع ركوعًا طويلاً يكرر فيه دعاء الركوع . ٦ - يرفع ويقول سمع الله لمن حمده ، ويقول بعد أن يعتدل: ربنا ولك الحمد. ٧ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى (٢) بحيث يتميَّز القيام الأول عن القيام الثاني (٣). ٨ - يكبر ويركع ركوعًا طويلاً دون الركوع الأول بحيث يتميز الركوع الأول عن الركوع الثاني. ٩ - يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده ، ويقول بعد أن يعتدل: ربنا ولك الحمد، والصواب إطالة هذا الاعتدال بقدر الركوع (٤). ١٠ - يكبر ويسجد سجودًا طويلاً بقدر الركوع (٥). ١١ - يكبر ويرفع فيجلس بين السجدتين والصواب إطالة هذا الجلوس بقدر السجود (٦).

стр. 989

١٢ - يكبر ويسجد سجودًا طويلاً وهو دون السجود الأول (١). ١٣ - يكبر ويقوم للركعة الثانية فيصليها مثل الركعة الأولى: بقراءتين، وركوعين، وسجودين إلا أن كل قراءة وقيام وسجود أول أطول من الذي بعده (٢). ١٤ - يجلس للتشهد والصلاة على النبي ﷺ -. ١٥ - ينصرف بالتسليمتين ؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى يوم خسفت الشمس، فقام فكبر، فقرأ قراءة طويلة. ثم ركع ركوعًا طويلاً. ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده. وقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول. ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، [ثم سجد] سجودًا طويلاً. ثم قام فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول. ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول. ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول. ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول. ثم سجد وهو دون السجود الأول، ثم انصرف (٣). وهذه الصفة لصلاة الكسوف هي المعتمدة (٤)، وهي الصواب؛ لأن

стр. 990

الأحاديث الصحيحة دلّت عليها (١) (٢). والله الموفق للصواب (٣) وهو الذي يهدي إلى سواء السبيل (٤).

стр. 991

ثامنًا: وقت صلاة الكسوف من وقت ابتداء الكسوف إلى ذهابه وانجلائه ؛ لحديث أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فانكسفت الشمس، فقام رسول الله ﷺ يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال النبي ﷺ : ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم))

стр. 992

وفي رواية: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يخسفان لموت أحد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)) (١)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁ وفيه: (( ... إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجليَ)) (٢). وفي حديث عائشة ﵂: ((فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا)) (٣). وهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن وقت صلاة الكسوف من حين الكسوف إلى التجليّ، فإن فات لم تُقْضَ؛ لأن النبي ﷺ جعل الانجلاء غاية للصلاة؛ ولأن الصلاة إنما شرعت رغبة إلى الله في ردها، فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة، وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها خفيفة، وإن استترت الشمس والقمر بالسحاب وهما مكسوفان صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف، وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت على القمر وهو خاسف لم يصل؛ لأنه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما، وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد صلاة أخرى، وإنما يشتغل بالذكر، والدعاء، والاستغفار؛ لأن النبي ﷺ لم يزد على ركعتين، وإن غاب القمر ليلاً وهو كاسف لم يصل كالشمس إذا غابت؛ لأن ما يُصلَّى من أجل كسوفه قد غاب، وقيل يصلّي؛ لأن وقت سلطانه باقٍ (٤)، فظهر أن صلاة كسوف الشمس تفوت بأمرين:

стр. 993

الأمر الأول: الانجلاء ، فإذا انجلت كلها لم يصلّ. الأمر الثاني: إذا غابت كاسفة فلا يصلي بعد الغروب، وأما صلاة خسوف القمر فتفوت بأمرين أيضًا: الأمر الأول: الانجلاء. الأمر الثاني: طلوع الشمس . أما إذا طلع الفجر والقمر خاسف، فإنه يصلي صلاة الكسوف إذا لم يمنع ضوء القمر إلا الكسوف؛ لظاهر قوله ﷺ : ((فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي)) (١)؛ ولأن سلطان القمر لم يذهب بالكلية فيشرع لكونه صلاة الكسوف (٢)،وهو الذي اختاره شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀؛ لظاهر الأدلة (٣)، وقال: ((والأفضل البدار بذلك قبل صلاة الفجر، وهكذا لو كسفت في آخر الليل ولم يعلم إلا بعد طلوع الفجر فإنه يشرع البدء بصلاة الكسوف ثم يصلي صلاة الفجر بعد ذلك، مع مراعاة تخفيف صلاة الكسوف حتى يصلي الفجر في وقتها)) (٤)، واختاره أيضًا العلامة ابن عثيمين ﵀ إذا لم يمنع من ضوء القمر إلا الكسوف، أما إن كان النهار قد انتشر، ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به (٥). وإذا كسفت الشمس بعد صلاة العصر، أو القمر بعد طلوع الفجر، فالصواب أنه يشرع للمصلين أن يبادروا للصلاة؛ لأن صلاة الكسوف

стр. 994

من الصلوات ذوات الأسباب التي يجوز أن تُصلَّى في وقت النهي على الصحيح من قولي أهل العلم (١). وإذا اجتمع كسوف وجمعة، أو كسوف وصلاة فريضة، أو كسوف ووتر، بدأ بأخوفهما فوتًا، فإن خيف فوتهما بدأ بالواجبة (٢). تاسعًا: تدرك الركعة من صلاة الكسوف بإدراك الركوع الأول ، فمن أدرك الركوع الأول فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك إلا الركوع الثاني فلا يعتد بهذه الركعة وعليه أن يقضي كل ركعة فاتته بركوعين؛ لأن العبادات توقيفية؛ ولأن الركوع الأول هو الركن، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم (٣). عاشرًا: الصلاة للآيات: كالزلزلة، والرجفة الشديدة، والريح الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والصواعق المخيفة الشديدة، وكثرة المطر، وغير ذلك من الآيات المخيفة، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصلّى لأي آية إلا للزلزلة الدائمة وهو مذهب الحنابلة، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((قال أصحابنا: يُصلَّى للزلزلة كصلاة الكسوف، نص عليه، وهو مذهب إسحاق، وأبي ثور، قال القاضي: ولا يصلي للرجفة، والريح الشديدة، والظلمة ونحوها، وقال الآمدي: يصلي لذلك، ورمي الكواكب، والصواعق، وكثرة المطر،

стр. 995

وحكاه عن ابن أبي موسى (١). وقال المرداوي ﵀: قوله: لا يصلي لشيء من الآيات إلا الزلزلة الدائمة: ((هذا المذهب إلا ما استثني، وعليه أكثر الأصحاب بل جماهيرهم، لِمَا روي عن ابن عباس ﵄ أنه صلى للزلزلة (٢)،وعلي بن أبي طالب ﵁ (٣)، وعنه يصلي لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين أن هذا قول محققي أصحابنا وغيرهم، كما دلت عليه السنن والآثار، ولولا أن ذلك قد يكون سببًا لشر وعذاب لم يصح التخويف به ... )) (٤). القول الثاني: لا يُصلّي لشيء من الآيات إلا الكسوف ؛ لأن النبي ﷺ لم يصلّ لغيره، ولا خلفاؤه، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، ولم يصلّ لها إلا للكسوف، وهذا قول الإمام مالك والشافعي (٥). القول الثالث: يصلّي لكل آية تخويف ؛ لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية من آيات الله يخوّف بها عباده؛ ولأن ابن عباس صلى للزلزلة بالبصرة (٦)؛ ولِمَا روي عن علي ﵁ (٧)؛ ولِمَا ورد عن حذيفة ﵁ أنه صلى بأصحابه بالمدائن مثل صلاة ابن عباس في الآيات (٨)، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وابن حزم، ورواية عن أحمد (٩)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن

стр. 996

تيمية (١)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((وهو كما ترون له قوة عظيمة)) (٢)، واختار شيخنا الإمام ابن باز ﵀ أنه لا يصلي لأي آية إلا الكسوف، لا الزلزلة ولا غيرها؛ لأنه قد عُلِم من السنة أن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة (٣)، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 997

المبحث الثالث والثلاثون: صلاة الاستسقاء أولاً: مفهوم الاستسقاء: الاستسقاء طلب السقيا، كالاستصحاء: طلب الصحو، وهو استفعال من أسقيت (١)، قال ابن منظور - رحمه الله تعالى -: ((ذكر الاستسقاء في الحديث، وهو استفعال من طلب السقيا: أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: استسقى، وسقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والاسم: السُّقيا بالضم، واستسقيت فلانًا: إذا طلبت منه أن يسقيك)) (٢). ولكن في عرف الفقهاء إذا قالوا: صلاة الاستسقاء إنما يعنون استسقاء الرب لا استسقاء المخلوق (٣). قال الجرجاني - رحمه الله تعالى -: ((الاستسقاء: هو طلب المطر عند طول انقطاعه)) (٤)، أي: من الله . ثانيًا: حكم الاستسقاء: الاستسقاء سنة مؤكدة إذا أجدبت الأرض وقحط المَطَر (٥). قال الإمام ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: ((صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله ﷺ ، وخلفائه ﵃)) (٦). وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((وأجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز، والاجتماع إلى الله خارج المصر:

стр. 998

بالدعاء، والضراعة إلى الله تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط: سنة مسنونة سنها رسول الله ﷺ ، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك (١))) (٢). ثالثًا: أسباب القحط وحبس المطر: معصية الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: ((يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلاَّ فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم. ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) (٣).

стр. 999

وهذا الحديث فيه من الفوائد: أن نقص المكيال والميزان سبب للجدب وشدة المؤونة وجور السلاطين، وفيه أن منع الزكاة من الأسباب الموجبة لمنع قطر السماء، وأن نزول الغيث مع وجود المعاصي إنما هو رحمة من الله تعالى للبهائم (١). وقد قال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: ((بابُ انتقام الرب من خلقه بالقحط إذا انتُهِكَتْ محارمُه)) (٢). وقد جاء عن مجاهد - رحمه الله تعالى - أن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض، ذكر ذلك الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (٣). فقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ قال ابن كثير: ((يعني دواب الأرض .. وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة، والجن، والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عُصاة بني آدم، لعن الله عُصاة بني آدم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ((ويلعنهم اللاعنون)) يعني: تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر (٤)،وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله، والملائكة، والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا: وهو كل فصيح، وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له

стр. 1000

عقل ويوم القيامة والله أعلم)) (١). وقد بيّن الله أن الابتعاد عن المعاصي والقيام بالواجبات من أعظم أسباب إنزال البركات، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). ذكر الله أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدَّقَتْه الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا، ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ بالعقوبات والبلايا، ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو أخذهم بجميع ما كسبوا ما ترك عليها من دابة (٣). كما قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤). وكما قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٥).وكما قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ

стр. 1001

يَرْجِعُونَ﴾ (١). وقد أوضح الله أن أهل الكتاب لو قاموا بأوامر التوراة والإنجيل وابتعدوا عن نواهيهما، لأدرّ الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض (٢)، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مّن رَّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ولا شك أن الناس قد يحرمون الأرزاق بالذنوب يصيبونها؛ لأن من لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجًا ولا يرزقه من حيث لا يحتسب، وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي (٤)؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥). ومعلوم أن المعاصي تُزيل النعم وتُحِلُّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلَّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكِرَ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ((ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة)) (٦)،قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٧)، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٨)، فلا يغيّر الله تعالى نعمته التي أنعم

стр. 1002

بها على أحد حتى يكون هو الذي يُغَيّرُ ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد. فإن غيَّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١). ولقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد ... فربُّ العباد سريع النقم (٢) رابعًا: أنواع الاستسقاء: الاستسقاء أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: الاستسقاء بصلاة جماعة أو فرادى (٣) على ما يأتي تفصيله، وهو أكملها، وصلاته ﷺ مستفيضة في الصحاح وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على هذا النوع (٤). النوع الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها ، كما فعل النبي ﷺ ، واستفاض عنه من غير وجه، وهذا النوع مستحب اتفاقًا، واستمر عمل المسلمين عليه (٥)؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع

стр. 1003

رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا))، وفي لفظ للبخاري: ((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا))، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة (١) ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع (٢) من بيتٍ ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (٣)، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس سبتًا (٤) ... ((وفي لفظ للبخاري: ((أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحدر على لحيته فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال: يا رسول الله! تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا))،فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مِثْلَ الجَوْبة (٥)،وسال الوادي قناة شهرًا (٦) ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود))،وفي لفظ: ((ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، فتبسم النبي ﷺ ، [وفي لفظ فضحك] قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على

стр. 1004

الآكام (١)، والجبال، والظّراب (٢)، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)) قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس)) (٣). النوع الثالث: الدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات ، ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة)) (٤). وقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - أن النبي ﷺ استسقى على وجوه: الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر (٥). الوجه الثاني: أنه ﷺ وعد الناس يومًا يخرجون فيه إلى المصلى ، فخرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، وصلى ركعتين (٦). الوجه الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردًا في غير يوم جمعة ، ولم يحفظ عنه في هذا اليوم صلاة (٧). الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله

стр. 1005

- ، فَحُفِظَ من دعائه: ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا (١)، مريعًا (٢)، طبقًا (٣)، عاجلاً غير رائث (٤)، نافعًا غير ضار)) (٥). الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء ، وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلام، نحو قذفة حجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد (٦). الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته ، لَمَّا سبقه المشركون إلى الماء (٧)،وأُغيث ﷺ في كل مرَّة استسقى فيها (٨). خامسًا: آداب الاستسقاء كثيرة ومهمة، ومنها: ١ - إذا أصاب الناس قحط لجؤوا إلى الله تعالى وصلوا صلاة الاستسقاء ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبَّر ﷺ ، وحمد الله ثم قال: ((إنكم

стр. 1006

شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبَّان (١) زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا (٢) إلى حين))،ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حَوَّلَ إلى الناس ظهره، وقلب - أو حوَّلَ - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ (٣) ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) (٤). ٢ - موعظة الإمام الناس، وأمرهم بتقوى الله تعالى، والخروج عن المظالم ، والتوبة من المعاصي، وتحليل بعضهم بعضًا، والصيام والصدقة، وترك التشاحن؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (٥)، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران: ((إني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا؛ ليستسقوا، ومن استطاع أن يصوم ويتصدق؛ فليفعل؛ فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلَّى﴾ (٦)، وقولوا كما قال أبواكم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ

стр. 1007

لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقولوا كما قال موسى: ﴿إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). ٣ - يَعِدُ الإمام الناس يومًا يخرجون فيه ؛ لحديث عائشة ﵂: ((شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجوا فيه ... )) (٥)، والله الموفق والمعين (٦). ٤ - وقت خروج الناس إلى الاستسقاء: الأفضل أن تُصلَّى صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: (( ... فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر .. )) (٧)، هذا هو الأفضل، وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين لا تصح إلا فيه، إلا أنها لا تُصلَّى في وقت النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور آنفًا؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين (٨)،وقال ابن عبد البر ﵀: ((والخروج إلى الاستسقاء في

стр. 1008

وقت خروج الناس إلى العيد عند جماعة العلماء، إلا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ فإنه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس)) (١). ٥ - تُصلى صلاة الاستسقاء في الصحراء ، وهذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﷺ صلاها في الصحراء كصلاة العيد (٢)؛لحديث عائشة ﵂ قالت: ((شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه ... )) (٣)؛ولحديث عبد الله بن زيد المازني ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، [فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله]، وحوّل رداءه حين استقبل القبلة ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة)) (٤). ٦ - يخرج الإمام والناس في تواضعٍ، وتبذّلٍ وتخشّعٍ، وتضرّعٍ ؛ لحديث ابن عباس ﵄ فعن إسحاق بن عبد الله بن كِنانة قال: أرسلني الوليد بن عقبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فقال ابن عباس ﵄: ما منعه أن يسألني؟ [ثم قال ابن عباس ﵄]: خرج رسول الله ﷺ مُتبذّلا (٥)، متواضعًا، متضرّعًا (٦)، [متخشّعًا، مترسّلاً] (٧) حتى أتى المصلى، ولم

стр. 1009

يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد)) (١). ٧ - خروج الصبيان والنساء في الاستسقاء لا بأس به بشروطه ، قال الإمام ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: ((ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين، وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحبابًا؛ لأنه أسرع للإجابة، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج؛ لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله)) (٢). ٨ - لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء ؛ لحديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، قال أبو إسحاق: خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم ﵃ فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم، قال أبو إسحاق: ورأى عبد الله بن يزيد النبي ﷺ )) (٣)، وقال حارثة بن مضرب العبدي: ((خرجنا مع أبي موسى نستسقي فصلى بنا ركعتين من غير أذان ولا إقامة)) (٤)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا يسن لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافًا)) (٥).

стр. 1010

٩ - الاستسقاء بدعاء الصالحين سُنَّة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمالُ (١) اليتامى عصمةً للأرامل وهو قول أبي طالب (٢). وعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، قال: فيسقون)) (٣). والمعنى أنهم كانوا يستسقون بدعاء النبي ﷺ كما تقدم في حديث أنس ﵁ حينما قال رجل: يا رسول الله: هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) فنزل المطر بإذن الله (٤)، وعندما توفي رسول الله ﷺ وقحط الناس استسقى عمر ﵁ بعمّ رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب ﵁ في حياته، وذلك بأن يدعو الله لهم. وعلى هذا كان المسلمون وأئمتهم يستسقون بدعاء الصالحين في حياتهم، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه؛ لأن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم رسول الله ﷺ ، واستسقى معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجرشي)) (٥). سادسًا: كيفية صلاة الاستسقاء: كصلاة العيد ؛ لحديث ابن عباس

стр. 1011

رضي الله عنهما قال: (( ... خرج رسول الله ﷺ متبذّلاً، متواضعًا، متضرعًا، متخشّعًا، مترسّلاً، حتى أتى المصلى ولم يخطب كخطبتكم هذه (١)، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد)) (٢). وهذا يؤكد قول الجمهور أن صلاة الاستسقاء تُصلَّى كما تُصلَّى صلاة العيد: في العدد، والجهر بالقراءة، والتكبيرات، وجواز الخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة؛ لأنها في معناها إلا أنه لا وقت لصلاة الاستسقاء، ولكنها لا تفعل في وقت النهي بلا خلاف (٣)، والأفضل أن تُصلّى في وقت صلاة العيد (٤)؛ لحديث عائشة ﵂ وغيره (٥).

стр. 1012

سابعًا: خطبة الاستسقاء سُنَّة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المُصلَّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة ﵂ فخرج رسول الله

стр. 1013

- ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مَلِكِ يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا إلى حين)) ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب - أو حوَّلَ - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما وحوَّلَ رداءه، ورفع يديه، فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة)) (٢). والصواب إن شاء الله تعالى جواز خطبة الاستسقاء بعد صلاة الاستسقاء وقبلها؛ لحديث عائشة، وعبد الله بن زيد ﵄ فقد دل ذلك على أن النبي ﷺ خطب ثم صلى، ودل على أن الخطبة بعد الصلاة حديث أبي هريرة ﵁ وبعض روايات حديث عبد الله بن زيد ﵁، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس ﵄ فالأمر في ذلك واسع: من خَطَب قبل الصلاة فلا حرج، ومن صلى ثم خطب فلا حرج، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 1014

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((في حديث عبد الله بن زيد أنه ﷺ دعا أولاً ثم صلى (١)، وهكذا في حديث عائشة: دعا أولاً ثم صلى (٢)، والمقصود أنه إن خطب أولاً

стр. 1015

ثم صلى فلا بأس كما جاء في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، و [في حديث] عائشة، وإن قدم الصلاة: كالعيد ثم خطب كما في رواية ابن عباس (١)، وأبي هريرة (٢)، وعبد الله بن زيد عند أحمد (٣) فلا بأس)) (٤)، وسمعته أيضًا يقول: (( ... وهذه الروايات تدل على أنه ﷺ ربما خطب ثم صلى، وربما صلى ثم خطب، وهذا يدل على جواز الصفتين: يخطب ثم يصلي، أو يصلي ثم يخطب)) (٥). وقد رجحه ﵀ في مواطن متعددة من كتبه (٦).وقال العلامة ابن

стр. 1016

عثيمين ﵀: ((وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها فلا يجمع بين الأمرين)) (١). ويُكثر في الخطبة الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ (٢). وكقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مّدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٣). وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول: قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا، وأمرتهم بالصدقة، والصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلَّى﴾ (٤)، وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥)، ويقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، ويقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧)،ويقولوا كما قال موسى: ﴿رَبّ

стр. 1017

إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١)؛ ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث فيأتي الله به، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بدعائه ﷺ )) (٢). وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (٣). وكقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٤). وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار. ثامنًا: المبالغة في رفع اليدين في الدعاء ، ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في دعاء الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه، ويبالغ في رفع اليدين حتى يجعل ظهر كفيه إلى السماء، فعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبطيه)). وفي لفظ: ((كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه))، وفي لفظ لمسلم: ((أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)) (٥). قال الإمام القرطبي ﵀: ((قول أنس إنه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء)) يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع إلا في الاستسقاء؛ ولذلك قال: ((حتى يُرى بياض إبطيه)) وإلا فقد رفع النبي ﷺ يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك)) (٦).

стр. 1018

وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ((هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع ﷺ إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا في الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره رفع وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة - وهم جماعات - على واحد لم يحضر ذلك ولابد من تأويله؛ لِمَا ذكرناه والله أعلم)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: ((إلا في الاستسقاء)) ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة، وقد أفردها المصنف بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيها عدة أحاديث فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة: إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله: ((حتى يُرى بياض إبطيه))، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به: مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعها إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه. وأما صفة رفع اليدين في ذلك؛ فلِما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس ((أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء))، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: ((كان يستسقي هكذا ومد يديه - وجعل بطونهما

стр. 1019

مما يلي الأرض - حتى رأيت بياض إبطيه (١))) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء رفع بلاء: كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، احتجوا بهذا الحديث)) (٣). وقال الحافظ ابن حجر: ((وقال غيره -أي النووي-: ((الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء، دون غيره للتفاؤل بقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض)) (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول على قول أنس ﵁: ((كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء .. )) والمراد هنا الرفع الشديد والمبالغة في الرفع وإلا فقد ثبت عنه ﷺ أنه رفع في أدعية كثيرة غير ذلك)) (٥). وسمعته يقول ﵀: ((رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ومستحب إلا في المواطن التي وجدت الأسباب [للرفع] فلم يرفع فيها النبي ﷺ ، لكن المواضع التي رفع فيها نرفع فيها، مثل: الدعاء في الاستسقاء، ومثل: إذا عرض للإنسان حاجة فرفع يديه يدعو: كالاستخارة وغيرها، أما المواضع التي ما رفع فيها ﷺ مثل: ما بين السجدتين، فلا نرفع فيها، [و] مثل [ذلك] في آخر الصلاة قبل السلام،

стр. 1020

وبعد الفريضة كذلك، ما كان يرفع ﷺ فلا نرفع، والأصل في الدعاء رفع اليدين إلا [في] المواطن التي لم يرفع فيها النبي ﷺ وقد وجدت أسباب الرفع، ومسح الوجه باليدين لا بأس به؛ لأن الحافظ حسّن الحديث، وهو أعلم من غيره)) (١). وقد استفدت من شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، أن اليدين لا ترفع في جميع الخطب ولا المواعظ في الدعاء لا من الخطيب أو الواعظ ولا من المستمعين إلا في دعاء الاستسقاء، وأن معنى قوله ((فأشار بظهر كفيه إلى السماء)):المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء. تاسعًا: الأدعية في الاستسقاء: ثبت عن النبي ﷺ أدعية كثيرة في الاستسقاء، منها الأدعية الآتية: ١ - ((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا))، وفي لفظ: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) (٢). ٢ - ((اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل)) (٣). ٣ - ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين)) (٤). ٤ - ((اللهم اسق عبادك، وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت)) (٥).
следующие страницы →