← Джавами‘

Джавами‘ · id 96557

دراسات وتوجيهات إسلامية

أحمد سحنون

Полный текст (352 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تدفق المسلمين عليهم من كافه بقاع العالم الإسلامى لاستجابة لدعوة جدهم إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ - الأول: كيف بك لو علمت أن كثيرا من هؤلاء لم يكن حجه واجبا لأنه قد حج الواجب والسنة والمستحب، ولم يبق له إلا المكرره أو الحرام، نعم الحرام. لأن السنة إذا عاقت عن أداء الواجب كانت حراما، وهؤلاء الذين يحجون للسنة بعد أداء الحج الواجب ألا نحتاج أموالهم لأمور أخرى واجبة وجوبا تتوقف عليه حياة الأمة وتتكون منه الخطوط الأولية لسعادة البلاد، كالتعليم بكافة فروعه ومراحله وكيف وهؤلاء- إلا القليل منهم - لا ينتفعون بحجهم لأنهم لا يعرفون من الحج إلا مظاهره وشكلياته التي لا توقظ شعورهم ولا تهذب سلوكهم ولا تغير من نفوسهم شيئا- بل على العكس- رأينا الكثير ممن عاد من حجه أحرص ما كان على الدنيا وأزهد ما كان في نفع أمته. أما أن يذكروا بالحج ما كان لهم من مجد في هذه الدنيا نبتت أصوله في تلك التربة الكريمة، وأشرقت شمسه من ذلك الأفق الحبيب، كيف سعدت تلك البقاع الطاهرة بمولد الإسلام في رحابها كيف كانت موطئا لأقدام نبي الإسلام وأصحابه الأعلام الذين حملوا مشعل الهداية إلى سائر الأنام، وركزوا في كل موضع من العالم راية الإسلام، وأن هذا كله لم يبق منه للمسلمين إلا لهفة الذكرى في كل عام، وإنه يجب التفكير في عودته، وأن المسلمين- لذلك- يجب أن يتصل بعضهم ببعض من مختلف الجهات والبقاع ويتفاوضوا فيما بينهم ويتدارسوا مشكلاتهم، ويعودوا إلى بلدانهم لتحقيق ما أجمعوا عليه، فهذه كلها أمور لا تخطر لهم على بال. وطال الجدال بين الشابين بحيث لم يسعني وقتي لسماع بقية الحديث. والعبرة التي نستخلصها من موقف الشابين هي أن المسلمين أصبحوا يشعرون بحالهم ويهتمون بمشاكلهم، وأن هؤلاء الحجاج يجب عليهم أن يعرفوا الواجبات الأخرى ولا يقتصروا على الحج وحده، ومن أدى الحج الوجب فالأولى له أن لا يحج

стр. 107

مرة أخرى، وإنما يجب أن يقوم بالمساهمة في الواجبات الأخرى التي تنتظره في بلاده، ومن ذهب منهم إلى الحج فيجب أن يذهب بقلبه ليعود بروح جديدة وفكرة جديدة واستعداد للخير جديد. أيقظ الله شعور المسلمين.

стр. 108

العيد قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: يوم لا نعصي الله، ولا يبعد أن يكون هذا عيدا حقيقيا، فإن معصية الله تعطل حكمته، التي بنى عليها نظام الكون، وتسبب غضبه، الذي يفضي إلى شقاء البشرية. وإذا كان من معاني العيد الشعور بالفرح والسرور، فأي شيء أدعى للفرح وأبعث على السرور، كأن تنتصر على طغيان هواك، وتتغلب على جموح طبعك، وتحرز على رضا ربك، ومدبر أمرك؟ ومما يرمز إليه العيد- ولاسيما عيد الأضحى- من معان إنسانية، التضحيه، والتضحية في معناها الكامل الشامل هي الإيثار: إيثار أخيك على نفسك، وعقلك على هواك، ودينك على دنياك، أو بعبارة أخرى، إيثار مما فيه حسن العاقبة على ما فيه اللذة العاجلة، فتؤثر السماحة على البخل، والثبات على الفرار، والعفو على الإنتقام، والصبر على الجزع، والطاعة على المعصية، وبذلك تستكمل تهذيب نفسك، وسمو روحك، ووثاقة خلقك، ومتانة دينك. وما أجل معنى الإيثار في العيد، وما أقل من يشعر بمعنى الإيثار في العيد، لأن الذي وقر في نفوس الناس، وظاهرته سلطة العرف والعادة، أن العيد، ميدان لانتهاب الملذات، وإطلاق العنان للشهوات. ولكن المؤمن يجب أن يكون مرهف الشعور، شديد الآنتباه، فهو إذ يتصور محيا العيد الباسم، ومظهر أهل اليسار، وذوي الكفاف، يكسو وجوههم البشر، ويطفو على ملامحهم السرور، ويرنح أعطافهم الشعور بالسعادة، وثبت به ذاكرته، وانطلق به خياله، إلى أكواخ الفقراء، وجحور البؤساء التعساء، قد احتجبوا فيها عن الناس، حتى لا يزيدهم مظهر سعادتهم شقاء، ورؤية نعيمهم بلاء، وحتى لا يثيروا في النفوس، شماتة العدو،

стр. 109

ورثاء الصديق، ورثاء الصديق، كشماتة العدو، كلاهما يثير كامن الألم ويهيج ساكن الهم والحزن، وإذا بالعيد ينقلب في عينه حسرة وألما، ثم عطفا ومرحمة، ثم إيثارا ومكرمة. على أن هذا لا يعني أن الإسلام يحول دون التمتع طيبات الحياة، أو أن العيد يجب أن يكون مأتما، وإنما يجب أن تكون لنا نظرة فاحصة عميقة، لا تقف عند الظواهر، ولا تكتفي بصور مشهودة، عن صور محجوبة بل إن هذه الصور المشهودة، يجب أن تنبهنا، وتلفت أنظارنا إلى الصور المحجوبة، وإن هذه الوجوه الباسمة، يجب أن تذكرنا بوجوه أخرى عابسة، خصوصا وأن العيد مظهر عام لعظمة الأمة، فالشخوص المحتجبة يجب أن تظهر، ليكثر عدد الأمة في عين العدو فيبتئس، وفي عين الصديق فيغتبط، والوجوه العابسة يجب أن تبسم ليتحد مظهر الأمة، ويتحقق تضامنها، فيعلم الناس أننا أمة متحدة متضامنة، ذات كيان وشخصية، واستعداد لأن تعيد تمثيل الدور، الذي مثلته في عهدها الزاهر، فانتظم به سير العالم، وصلح عليه أمر الدين والدنيا، وشمل الناس منه عهد رخاء وصفاء وراحة البال، وفي ذلك ما يبعث على تقديرها واحترامها وأن يحسب لها حسابها ولاسيما في هذا العصر، الذي تسيره القوة، لا الحكمة، ويحكمه الأقوى، لا الأصلح، وتوجهه الشهوة، لا العقل. فيا أيها المترفون، اذكروا الذين لا يجدون ما ينفقون، ويا أيها المعيدون اذكروا الذين عيدوا في السجون، ويا أيها الآباء الذين مازالوا يتمتعون باجتماع الشمل، ورؤية الأولاد والأهل، أذكروا اليتامى الذين أغتال الموت آباءهم، والأيامى اللائي حصد الرصاص أزواجهن، ويا أيها المسلمون جميعا، لا تخدعكم المظاهر والأزياء، وأمعنوا النظر في بواطن الأشياء، ولا تحسبوا أن أمتكم هي كل ما ترون، فإن من وراء ما ترون، من هذا العدد الضئيل، عددا ليس بالقليل، ممن عدم الكساء والقوت، ولفظته البيوت، ولم يبق إلا أن يموت، وأعلموا أن العيد، يجب أن يعم الأمة كلها وإلا فليس بعيد، وأي عيد لمن ينعم بالعيش الرغيد، ومن حوله إخوان له في جهد جهيد؟ وكيف ينعم بالعيد، من يرى أطفال جاره، الذي أبعد عنهم، دون أن يعلموا له رجوعا يقضون ليلهم يتضورون جوعا، ولا يذوقون هجوعا، وأذكروا كيف كان عيدكم الدنيا بأجمعها، إذ كان علمكم يرفرف على بقاعها بأجمعها، وما بلغتم ذلك، إلا بتضامنكم وتعاونكم، وعملكم بقول نبيكم: "المؤمن للمؤمن

стр. 110

كالبنيان يشد بعضه بعضا" وبقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" واليوم! "أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجده كالطير مقصوصا جناحاه" "ويح العروبة كان الكون مسرحها ... فأصبحت تتوارى في زواياه" ولكن تبدو على ملامح هذا العيد، مخايل عهد جديد، وتلوح في الأفق القربب- لا البعيد- طلائع مستقبل سعيد. حقق الله الأمل، وأدني الرجاء، وأبدل المسلمين من ضيقهم فرجا.

стр. 111

عودة الحجاج عاد الحجاج، ولكن بأي شيء عادوا كما يقول زميلنا الشيخ عبد اللطيف سلطاني في إحدى مقالاته؟ وهي كلمة لها أهميتها، وأرى أن يجعلها كل حاج نصب عينيه، لأن الأعمال بالخواتم كما قال ﵊، بل إنه ليقول: (لا تنظروا إلى عمل عامل حتى تنظروا بم يختم الله له). إن زيارة بيت الله الحرام وروضة رسول الله ﵊ هي بمثابة تجديد العهد لله ولرسوله بالرجوع إلى تعاليم الإسلام، أو هي بمنزلة التوبة تعلن في البقعة التي ثبت فيها الإسلام، وأشرقت عليها شمس الإسلام، فالرجوع بعد ذلك إلى الركض في ميادين المعاصي والمخالفات إنما هو كالنقض للعهد، والنكث للبيعة وهو أقبح ما يأتيه عاقل يعرف ما يأتى وما يدع، ويدرك ماله وما عليه، لأن هذا النكوص منه كالهدم بعد البناء والنكث بعد الغزل، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. وإن قول المؤمن لربه أمام بيته وقد تجرد من متاع الدنيا إلا مما لابد منه: لبيك اللهم لبيك، هو- أيضا- كالبيعة في العنق، فكيف يقول بعد ذلك للشيطان: لبيك كلما دعاه إلى باطل أو أغراه بمنكر، غير ملتفت إلى ما أعطى من عهد وعقد مع الله من عقد، فيبطل بدايته بإفساد نهايته، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؟ إن هذه الكلمة (بما عاد الحجاج)؟ كلمة في الصميم يجب أن يتخذها المسلم الصميم شعارا لنفسه، ومقياسا لبني جنسه من هؤلاء الذين يعودون من حجهم. بل إن كثيرا من حجاجنا يجب أن نقول فيهم بما ذهبوا؟ لأنهم- دون خدش في كرامتهم- لا يعرفون ما هو الحج وما هي حكمته والغاية منه، وإن لما اتسم

стр. 112

به هذا العصر من تقريب المسافات، وتيسير الأسفار، وتهيئه الوسائل، ووفرة الأموال، لدخلا كبيرا في شدة إقبال الناس على الحج وليس ذلك- في اعتقادي- لتدين طرأ على الناس أو تقوى- ففي هؤلاء المتدفقين على الأراضي المقدسة كثير ممن لا يقيم الصلاه المكتوبة، بل إن فيهم من يذهب لتحقيق غرض سخيف، وهو أن يوسم بلقب حاج، وليس هذا مجرد ظن فإن الظن لا يغني من الحق شيئا، بل إنني لقيت أحد الحجاج ممن أعرفهم لا دين لهم فسألته: عما ذهب به إلى الحج؟ وإذا به يفاجئني بقوله: لا غرض لي من الحج إلا أن أتسم بلقب حاج، فياخيبة المسلمين ويا ضيعة الجهود، إذا كانت كلمة (حاج) هي الغاية من جوب القفار وخوض البحار والتعرض للأخطار ومفارقة الديار، وهناك طائف من الوهم يستحوذ على كثير من الناس فيدفع بهم إلى الحج بعد أن يبيعوا كل ما يملكون، وهو أن من حج خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فترى الرجل يطلق لشهواته العنان ويتحالف مع الشيطان فيجري معه في كل ميدان، معتقدا أن ذلك كله يتطهر منه بحجة في آخر عمره، وهذا وإن وردت فيه آثار فليس هو كما يفهم الناس، وإلا كان دين الله لهوا ولعبا، وإباحية مطلقة، وهذا يذكرني بذلك الماجن الخليع الذي قيل له: كيف أنت في دينك؟ فقال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. إن الحج أعظم فرصة يتيحها الإسلام للمسلم لو عرف كيف يستفيد منها كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ الآية. ومن أعظم هذه المنافع وأقواها أثرا في توجيه المسلم تنبه الذاكرة فيه، فيلتفت إلى ماضيه ويذكر ما كان عليه ويقارنه بما صار إليه، كيف صار اليوم عبدا وقد كان بالأمس حرا، كيف أصبح ملكا وقد كان مالكا، كيف أمسى مثال الضعف وقد كان مثال القوة، وفي ذلك ما يحمله على طلب الأسباب والبحث عن الوسائل ومنها اجتماعه بإخوانه في دينه الذين ياتون من بلدان بعيدة والذين لا يتيسر له لقاؤهم في غير هذه المناسبة العظيمة فيتفاوضون فيما يهمهم ويتبادلون وجوه الرأي ووجهات النظر فيما يعيد للمسلم عزته وللإسلام دولته وللعالم استقراره.

стр. 113

ومنها تقوية رصيد الإيمان وتغذية الحس والوجدان وتلقيح الأفكار والأذهان بتلاقى تلك الطوائف المختلفه وتحاكك تلك المواهب المتفاوتة، وتفاعل تلك البيآت المتنوعة. فيا حجاجنا الكرام، ووفود بيت الله الحرام: إنكم قد رجعتم من تلك البقاع الطاهرة ومواقع الأقدام الطاهرة من رسول الإسلام وصحبه الكرام الذين حملوا النور إلى دنيا الظلام، واكتحلت جفونكم بغبار تلك التربة الكريمة التي نبت فيها الإسلام، فهل نبه ذلك من شعوركم وأيقظ من إحساسكم؟ وإنكم قد رافقتم في سفركم وعاشرتم في طريقكم إخوانا لكم مختلفي الأذواق والمشارب، فهل انتفعتم بذلك في تلقيح عقولكم وترقية أفكاركم وتهذيب أخلاقكم؟ وإنكم قد ذهبتم بذنوب وسافرتم بعيوب، فنرجو أن لا تكونوا قد رجعتم بها. بارك الله لكم في حجكم وجعله من أسباب فلاحكم.

стр. 114

الزكاة بمناسبة رأس السنة الهجرية لا أبالغ إذا قلت: إن المال طريق الاستقلال، وأن الزكاة في الإسلام تجنيد للمال في معركه الاستقلال، وما أبلغ تلك الكلمة التي جاءت في مقال لمصطفى صادق الرافعي في استنهاض همم العرب لنجدة فلسطين وإنقاذها من الإستعمار اليهودي إذ قال: "كل قرش يدفع الآن لفلسطين يذهب إلى هناك ليجاهد هو أيضا" ولا عجب أن يقدم الله جهاد المال على جهاد النفس كلما عرض ذكر الجهاد في القرآن، لأن الحرب لا تقوم على الملاكمة ولا التناطح بالرؤوس، وأنما قيامها آلات ومدمرات ومؤن وذخائر، وإعداد هذه الأشياء يحتاج إلى أموال طائلة، فإذا شحت الأمة بها فهو الآنهزام الأول الذي لا تقوم لها من بعده قائمة، وهو الهلاك المحقق الذي حذر الله منه هذه الأمة وجعله نتيجة شحها وعدم إنفاقها في سبيل الله إذ قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بعد قوله ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حذر منه صلى عليه وسلم إذ قال: من حديث: "ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" فالشح مهلك، والوقاية منه فلاح، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ولذا عد الله مخرجي الزكاة من الذين شهد بفلاحهم إذ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الآية. ولكن الإنسان يسمع لوسوسة الشيطان أكثر مما يسمع لإرشاد القرآن، فهو ما يزال به يغريه بالبخل ويخوفه الفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ حتى يجعل المال أحب إليه من نفسه ومن ولده ومن أمته، فيخرج من دنياه محروما من ماله لم ينفقه على نفسه ولم يجد به على إخوانه ولم يعلم به أبناءه ولم ينفع به أمته، ولم يكسب به رضا ربه،

стр. 115

وهذا الحرمان في الدنيا يعقبه حرمان أشد منه في الآخرة على ما حرم نفسه وإخوانه من نعمة هذا المال، فهو جزاء من جنس العمل، فأي بلاء كبلاء هؤلاء الأغنياء البخلاء الذين يعيشون فقراء ويعذبون في الآخرة فوق عذابهم في الدنيا لأنهم لم يشكروا الله على نعمته ولذا يقول علي بن بأي طالب ﵁: "يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء" وكأنه في هذا المعنى ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾. أيها المسلمون: ها هو شهر محرم يهل هلاله وهو شهر زكاة أموالكم، وها هو الامتحان السنوي في أموالكم يعود إليكم فيجب أن تخرجوا من هذا الامتحان بالفوز والنجاح وهو التغلب على طبيعة الحرص فيكم، واعلموا أنما أموالكم فتنة فلا يفتنكم الشيطان ولا يدخل عليكم من هذه الثغرة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ واعلموا أن لكم شيطانين: الشيطان الذي أخرج أبويكم من الجنة، وشيطان الاستعمار الذي حرمكم جنة بلادكم ولم يترك لكم فيها إلا حظ الخدم فأنتم وأموالكم وأوطانكم ملك له، الشيطان الأول يغريكم بالبخل فيما يحييكم وينهض بكم من عثرتكم، والشيطان الثاني يعزيكم باتلاف مالكم وتبديد ثروتكم فيما فيه هلاككم وفناؤكم وذهاب ريحكم، إن الاستعمار الذي وكل بكم ينصب لكل درهم من دراهمكم فخا ويضع لكل حاسة من حواسكم شهوة تتسرب منها أموالكم وتفسد بها أخلاقكم وتتسمم بها صحتكم، فجعل لعيونكم شهوة التمثيل الداعر والرقص الفاجر، ولآذانكم الغناء البديء والإذاعة البغي، ولأنوفكم الحشيشة المسممة، ولأفواهكم الخمر المبيدة ولغرائزكم الجنسية مؤسسات البغاء والعار والخنى، كل هذه البليات بالوعات لأموالكم وجراثيم لصحتكم وآفات لأخلاقكم، فباستيلائه على أموالكم يقص أجنحتكم وبتسميمه لصحتكم يشل حركتكم وبإفساده لأخلاقكم يقضي على حياتكم: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقكم ذهبوا أيها المسلمون: ها هو العام يدور دورته وها هو يعود إلى الوجود رأس السنة الهجرية وشهر الاشتراكية الحقيقية وموسم التضامن العملي وميقات تطهير النفس من رذيلة الشح ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فحاسبوا أنفسكم

стр. 116

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وسابقوا إلى العمل الصالح وانتهاز الفرصة السعيدة، وخاهدوا في الله حق جهاده فجهاد النفس هو الجهاد الأكبر، فإذا انتصرتم على أنفسكم انتصرتم على أعدائكم، جاهدوا بأموالكم قبل أن تجاهدوا بأنفسكم فإن الله قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس إذ قال: ﴿جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن المال أداة الجهاد ولا جهاد بلا أداة، ولأن الجهاد بالمال تدريب على الجهاد بالنفس، ومن عجز عن بذل ماله فهو عن بذل نفسه أعجز. واسوا إخوانكم وانهضوا بمشاريعكم وحققوا معنى الأخوة الإسلامية بهذا التضامن العملي، فليس من الأخوة في شيء أن تشبع وأخوك جوعان أو تكتسي وهو عريان، فإن الإسلام دين عملي واقعي جاء ليحقق معنى التكافل الإجتماعي الصحيح وحسبكم في ذلك قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

стр. 117

روحانية الزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ لله هذا الدين: كيف يحافظ على الطهارة ويجعلها أداته ووسيلته. بل يجعلها من كل تعاليمه وأحكامه غايته، فالصلاة طهارة "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا. الحديث" والزكاة طهارة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية المتقدمة وهكذا. نعم إن الدين في مجموعه طهارة، ولكنها طهارة من دنس الذنوب ووضر الأخلاق أكثر من أي شيء آخر، طهارة الإعداد لدخول الرحاب المقدسة في رياض الخلد للمثول بين يدي الله، فلا تعجب بعد هذا إذا قرأنا مثل قوله ﷺ حرمت الجنة على كذا وحرمت على كذا أو مثل قوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلها كذا كقوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلها نمام وكقوله: مكتوب على باب الجنة لا يدخلوها ديوث، لأن أولئك لم يتطهروا من ذنوبهم وأخلاقهم الدنسة، فما كان لهم أن يطؤوا تلك الرحاب المقدسة بأقدامهم النجسة. وإذا علم هذا علم أن الزكاة تطهير لنفس المسلم وتطهير لماله حتى لا يكون فيما يتصل به أو يهت إليه بسبب شيء غير طاهر، ذلك لأنه- كما قلنا- إعداد رباني خاص للدخول في حزب الله، وللفوز بعد ذلك بالدخول في حضرة القدس ودار الخلد، فما ينبغي لنفس المسلم أن تتسم بالبخل، لأنه إهدار لثقته بربه، ولذا يقول ﷺ : "البخل من سوء الظن بالله" وقد أحسن الشهاب الخفاجي إذ قيد هذا المعنى القيم بقوله:

стр. 118

من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظن المرء بالله إذ هيهات أن يجتمع البخل واعتقاد أن من برأ الخلق قد ضمن رزقهم في إهاب نفص مؤمنة، نعم إن المؤمن الموصول القلب بالله، المشبوب العاطفة بحب الله لا يتصور منه البخل بمال الله، على المحرومين من عباد الله، لأن النبي ﷺ يقول: "الخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله". لأن المال قبل ذلك وبعده مال الله جعل عليه مستخلفين من عباده، وجعل للمحرومين منه حظهم فيه وأوجبه على من استخلفهم عليه كما قال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. فلا عجب إذن أن تكون الزكاة طهرة للمال المؤداة منه وتزكية لنفس صاحبها من تبعة هذا الحق المفروض عليه في ماله ولا عجب أن تذهب البركة من المال الذي لم تطهره الزكاة، فلا ينتفع به أصحابه في الدنيا ولا في الآخرى وإنما هم كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. هذا من الناحية النفسية، أما من الناحبة الاجتماعية فأثر الزكاة أكبر لأن المال قوام الأعمال، فإذا تضخم في جهة ونضب من الجهات الأخرى طرأ على المجتمع من الفساد ودخل عليه من الاختلال والاضطراب، ما يسرع به إلى الخراب، وما أشقى هذا المجتمع الذي يموت بعض أفراده بالتخمة بينما يهلك البعض الآخر بالجوع، ولكن شقاء الذي يموت بالتخمة أعظم، لأنه تسبب في موته وموت غيره، فهو يحمل مسئوليته ومسئولية غيره، ومن أخطر الآفات التي دخلت على المال وأصابت المجتمع الإسلامي في الصميم، آفة الربا الذي ما دخل مالا إلا محقه، ولا بيتا إلا خربه، فهو كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ هكذا يمحق الله الربا لأنه آفة محق وجرثومة سحق، ويربي الصدقات أي يزكيها ويزيد فيها لأنها أداة تزكية وتطهير، ووسيلة تنميه وتثمير، وهكذا "من غالب الله غلب" "ولا يجني جان إلا على نفسه" ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾

стр. 119

ولكن حب المال طبيعة غلابة كما قال تعالى: بل ﴿تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ولذا جعل الله المال فتنة كما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وهنا سر من أسرار هذا الكتاب الخالد، فإنه قلما يشير إلى فتنة المال إلا وقرنها بفتنه الولد لينبه إلى أن حب الولد وغريزة حفظ النوع وبقائه هما السر في فتنة المال وطغيان حبه على النفس، ولكن هذا مما لا ينبغي أن يكون عليه المؤمن الذي يعتقد أن رزق أولاده ليس عليه وإنما هو على من خلقهم ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وإنما عليه أن يحسن تربيتهم وينشئهم على طاعة الله والخلق الحسن، فذلك هو الغنى الذي لا تصيبه الآفات والجوائح، ولا تلحقه التبعات والمسئوليات، أما أن يجعل الإنسان كل اهتمامه جمع المال من حله وحرامه ليضمن لأولاده السعادة بعد موته ولا يلتفت إليهم من ناحية تربيتهم وإعدادهم الإعداد الحسن، فذلك هو الخطأ الفاضح لأنه يكون كمن يضع كومة من الورق فوق رابية عالية في مهب العواصف وإننا نهدى إلى هؤلاء المغفلين القصة التالية لعلهم يهتدون. دخل عمر بن عبيد على المنصور فقال له المنصور: عظني يا عمرو، فقال له: أعظك بما سمعت أم بما رأيت؟ فقال المنصور: بل بما رأيت، فقال عمرو: مات عمر بن عبد العزيز وخلف أحد عشر ابنا وثمانية دنانير، فأصاب كل واحد ثمانية قراريط من تركة أبيه، ومات هشام بن عبد الملك فخلف أحد عشر ابنا وأحد عشر ألف ألف دينار، فأصاب كل واحد من أبنائه ألف ألف دينار، ورأيت فيما بعد ولدا من أولاد عمر قد حمل أموالا على مائة فرس قدمها في سبيل الله، ورأيت ولدا من أولاد هشام يسأل الناس الصدقة. فيا أيها الأغنياء: ها هو ذا شهر محرم الحرام الذي يمتحن الله فيه إيمانكم قد عاد من جديد، وها هم أولاء فقراكم يملأون الطرقات ويسدون الدروب وتلتصق على الثرى منهم الجنوب، فبرهنوا على إيمانكم وإنسانيتكم وأخرجوا زكاة أموالكم، وكفكفوا دموع اليتامى والأيامى من إخوانكم وأخواتكم وأنعشوا مشاريعكم التي تعمل لسعادتكم وتحرير بلاكم. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ "ولا يغرنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين".

стр. 120

إصلاح ذات البين الإصلاح وظيفة الأنبياء ووظيفة ورثة الأنبياء (العلماء) وأهم وجوه الإصلاح: الإصلاح بين الناس بتنقية قلوبهم من أشواك الضغائن وبذور الأحقاد كما أن من أكبر معاول الهدم والإفساد: الإفساد بين الناس بالسعي في بث الخلاف بينهم وإيقاد نار الفتنة في صفوفهم، وأكبر ثغرة يدخل منها الشيطان إلى قلب الإنسان أن يزين له كل ما يبعد ما بينه وبين أخيه كالغضب لأضعف سبب وكالشح بفضول أمواله، وكالغيبة والنميمة والكبر وما إليها مما يحدث الفجوات بين القلوب والوحشة بين النفوس، وإذا تباعدت القلوب لم تتقارب الأبدان وإذا تباغضت الصدور لم تتقابل الوجوه وإذا تشامتت الألسنة لم تتصافح الأيدى. ففي التقاطع التباغض وفي التباغض التخالف وفي التخالف التخاذل وفي التخاذل العجز وفي العجز الحرمان والشقاء ثم الإضمحلال والفناء وهي العاقبة السيئة التي حذر منها الإسلام إذ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فإذا أردنا أن نصلح بين اثنين دبت الخصومة بينهما، فلنصلح أولا قلوبهما ولننزع ما في صدورهما من غل وما تنطوي عليه ضلوعهما من بغضاء وحقد، ولكن هل إلى ذلك من سبيل؟ هل من سبيل إلى التأليف بين قلبين تباغضا؟ نعم إنه لا أصعب من طب القلوب ولكن لكل داء دواء، ولداء القلوب دواؤه، ولكن دواء القلوب لا يخرج من الأرض ولكن ينزل من السماء إنه في دين الله وفي التذكير بالله، إنه في نفحات القرآن التي هبت على قلوب مشركي العرب فملأتها إيمانا بالله، وحولتها من ذلك العداء المستحكم بينها إلى ألفة جعلت الأعداء إخوانا وذلك هو قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

стр. 121

حقا لقد كان العرب يعيشون على هذه الفرقة ويقتاتون من هذه البغضاء وتنمو هذه البغضاء حتى تستحيل إلى حروب طاحنة مدمرة تمتد إلى أن تعمر ما يعمر الفرد كما عاشت حرب البسوس أربعين سنة وكما عمرت حرب داحس، الغبراء مثل ذلك، فهذا التقاطع الذي تمتد جذوره في أعماق الزمن هذا الامتداد ويتأصل في النفوس والطباع حتى يغدو نظاما اجتماعيا وحتى يصبح الفرد من هذا المجتمع المتقاطع المتناثر يفتخر بالسلب والنهب والقتل وحتى تذم القبيلة بقلة حظها من هذه الصفات المنكرة فيقول أحد الشعراء في تجيلة خصمة: قبيلته لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل هذا التقاطع المستحكم هو الذي انقطعت دونه أطماع المصلحين وانحسرت أمامه كفايات الأنبياء والمرسلين حتى قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ تلك هي معضلة القلوب التي استعصى حلها على غير من برأها، التي جعلته ﷺ يقول في دعائه: "يا محول القلوب ثبت قلبي على دينك". وإذن فالذين يحاولون إصلاح القلوب من طريق غير طريق الدين نصيبهم الفشل والإخفاق، إن هذا الظلام الذي يخيم على القلوب لا يبدده شيء كنور الإيمان وإن هؤلاء الأفراد المتنابذين المتدابرين لا يربط بينهم كرابطة الدين. فلنلجأ إلى هذا الدين ولنطلب عنده شفاءنا ولنحل على ضوئه مشكلاتنا وليكن مقدمة ما نرده إلى ديننا إصلاح ذات بيننا وإزالة كل أسباب الخلاف من صفوفنا لنتقدم في سيرنا إلى غايتنا بقلوب مجتمعة متآلفة وصدور طاهرة متحالفة وصفوف متحدة متكاتفة ولا نكن كالمنافقين الذين قال الله في حقهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ولنستمع لدعوات القرآن المتكررة في ذلك من مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولكن فينا شياطين يصدون عن الدين، وإن فينا مفرقين يستغلون ما يحدث من خلاف بين المسلمين فيوغرون صدورهم ويوقدون نار الفتنة بينهم بما ينفثون من سموم السعاية وما يبثون من جراثيم الوشاية لا يخافون في الشر لومة لائم رضوا بأن يكونوا قناطر للشر ومعابر للفتنة كما رضوا لأنفسهم بهذه السفارة الرخيصة سفارة الجراثيم في نقل الأمراض

стр. 122

لا فرق بينهم وبينها إلا أن الجراثيم تسمم الأبدان وهؤلاء يسممون القلوب التي لا صلاح للأبدان إذا فسدت، وإذا قام المسلم بهذه الوظيفة الوضيعة فما الذي أبقى للشيطان الذي يجعل الخلاف وسيلته الكبرى لإشقاء بنى آدم في العاجل والآجل، وماذا أبقى للمستعمر الأستاذ الأكبر المتخصص في غرس شجرة الخلاف الملعونة وتنميتها وتموين الفتنة وتغذيتها على أنه إذا كان في مجتمعنا دعاة للشر والفتنة فإن فيه كذلك دعاة للخير والألفة وكلا الفريقين معروف بأعماله، فلتعرف الأمة ذلك ولتعمل به، وإذا لم يعظها شيء فلتتعظ بما يقع في مجتمعها من خصومات أودت بوحدتها وفتكت بماليتها، فلا عجب بعد ذلك أن يسمى النبي ﷺ الإصلاح بين الناس تجارة، فعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا".

стр. 123

الأمانة أرى أن خير تفسير- أو تعريف- للأمانة هو أن الأمانة هي المسؤولية، وأكبر مسؤولية وأوسعها وأشملها هي التكاليف الشرعية وهو ما جرى عليه جمهور المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. فلا عجب إذن أن تكون الأمانة هي أولى الصفات التي يجب أن يتصف بها الأنبياء، ولا عجب أن تبرز هذه الصفة وتبلغ كمالها في محمد ﷺ قبل النبوة وبعدها حتى سمي قبل النبوة بالأمين لأن الأمانة صفة جامعة يصح بأن تسمى بها التكاليف الدينية والإنسانية كلها، فالأمانة لا تنافي الخيانة فقط بل تنافي الكذب وتنافي الغش وتنافي النميمة والغيبة وإفشاء السر وشهادة الزور وكتمان الحق الخ ... وإذا كانت الأمانة بهذه المنزلة السامية حتى تشمل سائر التكاليف الدينية والكمالات الإنسانية فلا جرم كانت الخيانة أقبح ما يتصف به المسلم بحيث يعد إسلام المتصف بها نفاقا كما في حديث البخاري: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" ولا عجب فبقدر ما يحسن الشيء يقبح ضذه "وبضدها تتميز الأشياء" هذه القيمة التي تمتاز بها الأمانة هي التي جعلت عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند موته ونظر فيمن يصلح للخلافة من بعده: "لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أبو عبيدة أمين هذه الأمة". إن الأمانة هي يقظة الضمير وطهارة الوجدان ونزاهة النفس، فهيهات أن يأتي الأمين ما يؤنبه عليه ضميره وينافي طهارة وجدانه ونزاهه نفسه.

стр. 124

إن التاجر الأمين لا يغش زبناءه وإن الشريك الأمين لا يخدع شريكه وإن الزوجه الأمينة لا تخون زوجها وكذلك الزوج الأمين لا يخون زوجته بل ربما كان من دواعي خيانة الزوجات خيانة الأزواج وما أعلم رسول الله ﷺ بطبائع النفوس إذ يقول: "لا تزنوا تزن نساكم" وما أقل غيرة أولئك الأزواج الذين يخونون زوجاتهم ولا يخشون عاقبة هذه الخيانه، وما أقل إنصاف الرجل الذي يحرم الخيانة على زوجته ويبيحها لنفسه، هذه أنانية يجب أن يتنزه عنها الرجل النبيل ويجب أن يكون أسوة لزوجته وقدوة لأولاده، فلا أنفع ولا أجدى في إصلاح البيت والمجتمع من القدوة الصالحة ولا أضر ولا أجرأ للناس على الشر من القدوة السيئة، وهذا موضوع هام يجب أن يفرد له فصل بذاته، ولعله غير بعيد بحول الله. ولكن- إذا كانت الأمانة بهذه المكانة من الشمول والسعة- فهل هي مستغنية عن غيرها من الصفات؟ إن عبقري هذه الأمه عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي". ما أقوى رصيد هذه الكلمة، وما أدلها على عبقرية هذا الرجل العظيم! كم في الناس من أمثلة سامية في الأمانه ولكن ينقصهم بعد الغور والبصر ببواطن الأمور والنفاذ إلى لباب الأشياء، فيسيئون وهم لا يريدون الإساءه، ويضيعون الفرص التي قلما تتاح بعد ذلك، وتلعب بهم أهواء الدهاة من الناس والمتمرسين بأحوال المجتمع من الرجال. وكم في الناس- كذلك- من أمثلة عالية في هذه الأشياء ولكن تنقصهم الأمانة والنزاهة وطهارة الضمير، فتغلب عليهم الأنانية فيخدمون أنفسهم بالتظاهر بخدمة الناس ليكسبوا لأنفسهم حسن السمعة وبعد الصيت والوصول إلى أغراضهم وهؤلاء هم الذين تحسن بداياتهم ويفتضحون- غالبا- في نهاياتهم، أما أن تجتمع الحسنيان في واحد فذلك جد قليل بل أقل من القليل، ما جعل ابن الخطاب الحريص على فلاح هذه الأمة يزفر تلك الزفرة ويشكو تلك الشكاة المرة ويقول: "أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي". ولقد شهد رسول الله ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى- لرجل واحد باجتماع هاتين المزيتين فيه- الأمانة والقوة- هو أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁.

стр. 125

روي أنه قدم وفد نجران على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد إبعث إلينا من يأخذ لك الحق ويعطيناه، فقال ﷺ : والذى بعثني بالحق لأرسلن معكم القوي الأمين- ورددها ثلاثا ثم قال: "قم أبا عبيدة". هذا الوسام العظيم يضعه قائد الإسلام العظيم لهذا البطل العظيم جعل الأعناق تتطلع إليه وتود لو يتاح لها الحصول عليه حتى قال أبو بكر ﵁: ما تاقت نفسي إلى الإمارة إلا في ذلك اليوم، ولكن ليس هذا بالكثير على أبي عبيدة بطل القيادة الحازمة والفتوح العظيمة، والذي يتفحص عمر وجوه أصحابه في اللحظة الحاسمة ليلقي بهذه الأمانة العظمى- أمانة قيادة الأمة- إلى أقواهم اضطلاعا بها فلم يجد أحق بها وأهلها من أبي عبيدة لو لم يستأثر به ربه. إن أبا عبيدة كان- وهو في صدر الإسلام عهد البطولة الفذة- منيه المتمني فقد روي أن عمر بن الخطاب قال يوما لأصحابه: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله ، فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزير جدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله وأتصدق به، ثم قال: تمنوا: قالوا ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين، قال عمر: ولكنني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة، فقالوا: ما ألوت الإسلام، أي ما نقصته حقه، فقال: ذاك الذي أردت. وإذا كان الوصف بالأمانة والقوة لم يرد في كلام الرسول ﷺ إلا لرجل واحد هو أبو عبيدة ﵁ فإنه لم يرد في كلام الله- القرآن- كذلك إلا لواحد هو موسى بن عمران ﵇، إذ يقول الله على لسان ابنة شعيب لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وبعد فإن جوا لا تشيع فيه روح الأمانة لا يمكن أن يكون صالحا للحياة الصالحة ولنعتبر ذلك بما نراه في حياتنا الحاضرة التي خلت من هذا الروح الطيب كيف أن الناس أصبحوا في جحيم لا يطاق من الغش والخيانة والأنانية الجامحة فلا الزوجة ترعى حق زوجها ولا الزوج يفى لزوجته ولا التاجر يصدق في معاملته ولا الشريك يأمن جانب شريكه وسرى ذلك حتى إلى حرم الصداقة فأصبح الصديق شديد الحذر من صديقه سيء الظن به حتى أصبحنا نعجب كثيرا بمثل قول البحترى:

стр. 126

أما العداة فقد أروك نفوسهم ... فاقصد بسوء ظنونك الإخوانا وبمثل قول أبي فراس: وصرنا نرى أن المتارك محسن ... وأن خليلا لا يضر وصول السر في ذلك كله هو فقدان روح الأمانة، فإلى الله المشتكى.

стр. 127

أداة السيادة ليست أداة السيادة ملكا واسعا ولا جاها عريضا ولا سلاحا فاتكا وإنما أعني بأداة السياده ما عناه الشاعر إذ قال: "ببذل وحلم ساد في قومه الفتى" فأداة السيادة- إذن- بذل وحلم، بذل لخيرك وحلم عن شر الناس، لابد من هذين مجتمعين لبلوغ قمة السيادة، فلا يكفي السماح بشيء خارج عن نفسك يذهب اليوم ويعود غدا، ثم إذا امتحنت في شيء يتعلق بصميم نفسك لم يوجد عندك شيء من سماحة النفس، كما لا يكفي أن تجود بنفسك ثم تبخل بما لك أو متاعك. وهذا سيد من سادات العرب هو عرابة والأوسي يسأل: بم سودك قومك؟ فيقول:- بأربع خلال، أنخدع لهم في مالي، أذل لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم. على أن الشيء لا يحسن إلا إذا أصاب موضعه، وكذلك البذل والحلم لا يحسنان إلا في مواضعهما: لا يحسن الحلم إلا في مواضعه ... ولا يليق الندى إلا لمن شكرا بل ربما كان البذل في غير موضعه جريمة كالمال الذي يبذل في الخمر والميسر، مثل الحلم في غير وضعه فكثيرا ما كان جريمة نكراء، كالعفو عن ولدك حينما يرتكب مخالفة خلقية، وكالسكوت عن تغيير منكر وانتهاك حرمة. إن أسمى

стр. 128

مراتب البذل ما كان عن إقلال، بل إن بعضهم ليغلو فلا يعد البذل عن سعة بذلا كمن يقول: ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل لأن السيادة احتمال مشقات وارتقاء عقبات لذلك يقول المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال ولكن هل الجود يفقر والإقدام قتال كما يقول المتني؟ كلا، فإن الله يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ويقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ويقول علي ابن أبي طالب ﵁ وقد قيل له: لو اتخذت حراسا-: لا حارس كالأجل، ومعناه أن من كان عمره ستين سنة فهو محروس بأجله حتى يستوفيها فلا يموت قبل ذلك، وإنما المتنبي يصور خوف الناس من الفقر إذا أريد منهم البذل وخوفهم من القتل إذا دعاهم واجب الكفاح، وتلك هي خدعة الشيطان يقف للإنسان في طريق الخير فهو الذي يخوف الناس من الفقر ومن القتل كما يقول الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ويقول: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ويقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فأعلى مراتب البذل ما كان عن إقلال وضيق يد، وأهل البذل في مجتمعنا هم المقلون وأوساط الشعب في الأعم الأغلب، أما أرباب الثراء الواسع الذين تجدهم الأمة في ساعة العسرة فما أقلهم وأندر وجودهم في مجتمعنا، وهذا من أوضح الأدلة على أن المال فتنة لأهله وأنهم لا ينتفعون به إذا لم يرزقوا وجدانا حيا وهمة عالية وإحساسا كريما وما أصدق بشارا إذ يقول: خليلي إن المال ليس بنافع ... إذا لم ينل منه أخ وصديق كذلك الحلم ليس بنافع وليس أداة للسيادة دائما وفي كل موطن بل ربما ذهب بالسؤدد، أو هوى به إلى قرار سحيق أو استحال إلى ذل وصغار. فالحلم عمن يمس دينك أو مروءتك أو حريمك أو يدوس كرامة بلادك ليس من أداة السيادة وخلال النبل، والحلم بمعناه السامي النبيل جد قليل، ولا يغرنك ما تراه

стр. 129

على الوجوه من بشر وعلى الألسنة من ملق، فالحلم لا يعرف إلا عند الغضب كما لا تعرف الشجاعة إلا عند الحرب وكما لا يعرف الإخوان إلا عند الحاجة إليهم وعند التجربة لهذا الخلق ربما خرجت بتفسير واضح لقول علي ﵁: (خير الناس من لم تجربه) فلا أشق على النفس من الحلم لذا كان سيد الأخلاق بحق ولا يحتل معه هذه المكانة أو يدانيها إلا أخوه البذل، فلا عجب أن يكونا أداة السيادة ولا عجب أن ترى القرآن يصطنع في الدعوة إليهما ذلك الأسلوب الفريد الفذ في قيادة المجتمع وتوجيهه فيجعلا البذل في سبيل الله قرضا مع الله ومعنى ذلك أن الباذل في وجوه الخير لم يخسر ما له وإنما يعود إليه- كما تعود القروض إلى أصحابها- أضعافا مضاعفة، وذلك وجه من وجوه الكسب لا مغرم من المغارم كما يفهمه ميت الإحساس من أغنيائنا وليتأمل مثل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ كما يجعل الحلم والأناة وأدب الخطاب تحول العدو إلى صديق كريم وولي حميم، وليتأمل مثل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وهو أسلوب في التوجيه عظيم ومنهج في الدعوة حكيم، بقي علينا أن نورد بعض النماذج ممن اشتهروا بالحلم في تاريخ الإسلام فهذا موعدنا به فصل آخر إن شاء الله.

стр. 130

نماذج من الحلم وعدنا في المقال السابق بعرض نماذج من الحلم، ووفاء بالوعد نعرض النماذج التالية: كان ﷺ المثل الأعلى في ذلك، روت عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله صلى عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها إلا أن تنتهك حرمة من حرم الله سبحانه، سمع عمر بن الخطاب ﵁ يوما قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارً﴾ فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما أحلمك وأكرمك، لقد دعا نوح على قومه فأهلكوا ولو دعوت علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئي ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك وقيل لك: ادع عليهم، فأبيت أن تقول إلا خيرا وقلت: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، ولما أظفره الله بأهل مكة- بعد أن فعلوا به ما فعلوا من قتل أصحابه وعمه وتمثيلهم به وتحزبهم عليه لم يزد على أن عفا عنهم وقال: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبهذه الرحمة التي تستأصل جذور الشر من النفس استطاع أن يتغلب على جفاء الأعراب وجاهليتهم وينجح في دعوته وبسط سلطانه على النفوس ونفوذه على القلوب وهذه شهادة القرآن الخالدة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ثم ليتأمل قوله بعد ذلك: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فإنه يقره على هذا الخلق ويدعوه إلى تأكيده بطلب

стр. 131

العفو من الله لهم ثم بتأكيده أخيرا بأن يشركهم في أموره العامة بمشاورتهم وأخذ رأيهم، بل لقوة أثر هذا الخلق في تكوين الشعوب ومعالجة نفوس الأفراد لا يكاد يذكر ﷺ في القرآن إلا مقرونا بوصفه، والقرآن مليء بالشواهد. وقال رجل لأبي بكر الصديق ﵁: لأسبنك سبا يدخل معك قبرك، فقال له أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت. وسب رجل أبا العيناء فلم يجبه فقيل له: كيف يسبك وأنت ساكت؟ قال: لا أدخل حربا المغلوب فيها خير من الغالب، وهذا المعنى اللطيف قريب من قول القائل: وإنك قد ساببتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالسب أحذق وخطب عمر بن الخطاب يوما فقال: أيها الناس إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني، فقال رجل: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فلم تأخذ عمر العزة بالإثم وإنما قال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوم اعوجاج عمر. وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما قبيحا فقال عمر: لا عليك، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا فانصرف غفر الله لك ورحمك، فانصرف وهو يقول: لن يدرك العز أقوام- وإن كرموا ... حتى يذلوا- وإن عزوا- لأقوام ويشتموا فترى الألوان كاسفة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام ولما حبس معاوية عن الناس أعطياتهم قام إليه أبو مسلم الخولاني وهو يخطب فقال: يا معاوية إن هذا المال ليس لك ولا لأبيك وأمك فلم حبست عن الناس أعطياتهم؟ فغضب ثم نزل فدخل وأومأ إلى الناس: أن أثبتوا ولا تتفرقوا ثم خرج فعاد إلى المنبر وقال: أيها الناس: إن أبا مسلم الخولاني قد قال ما قال فوجدت لذلك وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا غضب أحدكم فليغتسل، وصدق أبو مسلم فاغدوا على أعطياتكم فخذوها على بركات الله. ولا عجب فمعاوية كان داهية لا يجاري وكان حلمه أحد أدات هذا الدهاء وكان يقول: إني لألقى الرجل أعلم في قلبه علي ضغنا فأستثيره فيثور إلى منه بقدر ما في نفسه فيوسعنى شتما وأوسعه حلما حتهما يعود صديقا أستنجده فينجدني، وقسم

стр. 132

يوما قطائف فأعطى شيخا من أهل دمشق قطيفة لم تعجبه فحلف أن يضرب بها رأس معاوية، وجاء فأخبره فقال له؟ أوف بنذرك وليرفق الشيخ بالشيخ. وأدرك وجل الأحنف بن قيس في الطريق فجعل يسبه أقذع السب وهو يماشيه فلما قربا من الحي وقف الأحنف وقال: يا أخي إن بقي لك شيء من السب فقله هاهنا فإني أخشى أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك، والأحنف مضرب المثل في الحلم، قال أبو تمام: إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكا إياس وكان خاله قيس بن عاصم مثالا عاليا كذلك في الحلم والصفح وهو الذي قال فيه ﷺ لما وفد عليه مسلما: أتاكم سيد أهل الوبر. وقال فيه أحد الشعراء وقد مر على قبره: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما سلام امرىء غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وسئل الأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من خالي قيس بن عاصم، ولقد كنا نتردد إليه لنتعلم الحلم كما كنا نتردد على العلماء لنتعلم العلم، ويروي الأحنف نفسه فيقول: كنا يوما عنده وهو جالس يحدثنا فإذا بجماعة قد أتوا بقتيل ومكتوف فقالوا له: إن هذا ابنك قد قتله أخوك هذا فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى فرغ ثم أنشد: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ثم التفت إلى إبن له آخر وقال: يا بني أطلق عمك، ووار أخاك، وسق إلى أمك مائة من الإبل دية ولدها فإنها عربية فيكم.

стр. 133

عقبى الظالمين إن بناء يقوم على الظلم هباء، وإن ارتقاء على جماجم القتلى لا يقال له ارتقاء، وإن ملكا يجمع من السلب والنهب واللصوصية ليس له بقاء. ذلك لأن "الظلم مرتعة وخيم" فإذا نبتت النفوس في تربة الظلم وعاشت في جو الظلم وتغذت من دماء المظلومين فإن هذه النفوس تخرج إلى الدنيا حاملة معها جراثيم الفناء التي تستأصلها، فلا عجب- إذن- أن تكون عاقبة الظالمين شر العواقب، ولا عجب أن نرى القرآن مفعما بذكر مصارع الظالمين وعواقب الطغاة السيئة، فيذكر مساوئهم ومظالمهم وما كسبت أيديهم، ثم يعقب بذكر عواقبهم ومصائرهم، وهي انقراضهم وذهاب ريحهم، وخراب بيوتهم،: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. ولذا لما طلب أبو جعفر المنصور من عمرو بن عبيد أن يعظه لم يجد في ذلك مادة أخصب ولا أوثق من القرآن فقال: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وفي المثل: الظلم آخر مدة القوم: وفي الحديث: "ثلاث دعوات مستجابات، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده، ولذا يقول الشاعر:

стр. 134

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم وإذا كانت هذه عقبى الظالمين ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ فإن الغالب في الشر مغلوب كما في المثل، "ولا يجني جان إلا على نفسه" كما في الحديث، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ كما في كتاب الله. فماذا جنى الظالم إذن؟ إذا كان ظلمه يسبب هلاكه فهو لم يظلم إلا نفسه، لذلك يعقب الله على إهلاكه للظالمين غالبا بمثل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فلا يفرح الظالون ولا تطمئن بهم المضاجع ولا تقرأ عينهم بما استولوا عليه بالسلب والنهب وسفك الدماء، فإنهم إلى تباب، وإن ملكهم إلى زوال و ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وإن النعمة تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم كما يقول عمر بن الخطاب ﵁. فكيف إذا أجتمع كفر وظلم. ولا يستبد الأسى والجزع بالمظلومين، ولا تذهب نفوسهم حسرات فإن الله لابد- إن ثبتوا وصبروا - ناصرهم ومؤيدهم ومستجيب دعائهم. وإن الله في قضائه حكمة هو مجريها، وإن الحياة ابتلاء، وأشد أنواع الابتلاء ينزل بالمؤمنين ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. لأن في هذا الابتلاء تربية لنفوسهم وشحذا لعزائمهم، وإعدادا لملمات الحياة التي تنزل بهم، فالابتلاء الذي ينزل بالمؤمنين مضاعفا ليس شرا محضا كما يتبادر إلى ذوي العقول البسيطة وإنما يتضمن الدرس العملي والإعداد الصالح المباشر لخوض معمعة الحياة، وليس في الحياة خير محض، ولا شر محض، كما يقول الفلاسفة، وإنما من طبائع النفوس الأبية أنها تأنف الضيم وتكره الظلم، ولا تكاد تسيغه، ولكن الله يمهل الظالم ولا يهمله كما ورد في بعض الآثار وهو معنى ما ورد في بعض الكتب المنزلة: "لا يغتر الظالمون بتأخير العقوبة فإنما يعجل العقوبة من يخشى الفوت، وإن في تأخير عقوبة الظالمين إبلاغا في الحجة وقطعا للمعاذير وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.

стр. 135

وإننا بهذه المناسبة لنذكر إخواننا المغاربة الذين يبتلون في سبيل حريتهم واستقلالهم، ويبدون من الصبر والثبات والشجاعة ما هو جدير بأمثالهم، ولا يسعنما إلا أن نعلن تضامننا معهم ونضم أصواتنا إلى أصواتهم ونرفع احتجاجنا ضد أعدائهم، ونسأل الله أن ينصرهم ويثبت أقدامهم ويكلل بالنجاح أعمالهم، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.

стр. 136

الدين المعاملة هكذا يقول ﵊، وهو من الأحاديث التي تجعل الدين كله محصورا في شيء يراه قي الإسلام دعامة من دعائم دعوته وركنا عظيما من أركان رسالته كقوله: "الدين النصيحة" وكقوله: "الحياء هو الدين كله" فكأنه يقول لا دين لمن ساءت معاملته، وهو كذلك فليس الدين إلا حسن المعاملة مع الله والناس وحيث تسوء هذه المعاملة فلا دين، وقد رسم رسول الله ﷺ صورة واضحة جميلة للمعاملة الحسنة بقوله وعمله، فمعظم أقواله دعوة إلى هذا الخلق الجامع كقوله: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى" وكقوله: "تهادوا تحابوا" وكقوله: "افشوا السلام تسلموا" وكقوله: "من دعي إلى وليمه فليجب" وكقوله: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه" وكقوله: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يؤلمه". وهكذا فمعظم أقواله صلى عليه وسلم تفسير لقوله: "الدين المعاملة" وكذلك أعماله وسيرته فقد كانت أجمل صورة لهذه المعاملة، إذ كان برا بأصحابه حفيا بهم يكرمهم ويحسن معاملتهم إذا حضروا، ويسأل عنهم ويزورهم إذا غابوا، وإذا لقيهم بدأهم بالسلام، ويدفع عنهم الكلفة فيمازحهم وينهاهم عن القيام له، وما أعظم تلك الكلمة التي قالها وقد رآهم قاموا له يوما "لا تقوموا إلي كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا". أي معاملة كهذه المعاملة؟ وأي عظمة كهذه العظمة، وأي درس للمغرورين والأنانيين كهذا الدرس؟ بل لقد كان يشعرهم دائما أنه كواحد منم لا يمتاز عنهم إلا بالرسالة، وقد كان يشاورهم في المهمات ويستعين بآرائهم وهو الراجح العقل البعيد

стр. 137

النظر المؤيد بالوحي، وإذا أحس من أحدهم فرقا منه أو هيبة أبدى له من التلطف والتحبب والتواضع ما يرده إلى اطمئنانه وهدوء باله. أقبل أعرابي إلى مجلسه فجعل يرجف ويرتعد فزعا وهيبة فقال له: "هون عليك فإنما أنا ابن أمرأة كانت تأكل القديد بمكة". وهذه المعاملة الطيبة والمعاشرة الحسنة هي التي أقامت المجتمع الإسلامي لذلك العهد على أسس ثابتة ودعائم قوية من الواقع المحسوس المشاهد لأن التأثير بالقدوة أبلغ من التأثير بالقول فكان المسلمون يكونون بتآخيهم وتعاطفهم وتعاونهم أسرة واحدة رئيسها محمد ﷺ ، فكانوا بذلك على قلة عددهم قوة يخشى بأسها العالم ويحسب حسابها كل متجبر ظالم، وإذا أردنا أن نعرف جيدا قيمة حسن المعاملة فلنلق نظرة على المجتمع الإسلامي اليوم من هذه الناحية ثم لنقارن بعد ذلك بينه وبين المجتمع الإسلامي في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين، فبضدها تتميز الأشياء. ولكن- للأسف- لا نجد مجتمعا إسلاميا وإنما نجد مأساة مروعمة تدمي لرؤيتها القلوب، وتقذى لمشهدها العيون، تذهب لسوق الخضر مثلا فتجد المسلم يعامل إخوانه بالغش علانية فيريك نوعا ويبيعك آخر، فأنت لا تشتري إلا ما ترى وهو لا يبيعك إلا ما لا ترى، وهذا بيع فاسد لا يجوز شرعا بل هو سرقة في وضح النهار وليس ببيع ولكن الفرق بين هذا البائع وبين السارق أن السارق تضربه ولا يتكلم وهذا يسرقك فلا تستطيع أن تتكلم، بل إذا أردت أن تسب أو تضرب فتكلم. وتمشي في الشارع فلا ترى التخاصم إلا بين المسلمين ولا تسمع التشاتم والتلاعن إلا بين المسلمين. وتذهب إلى التاجر الأجنبي فتجد عنده اللطف والكياسة وحسن المعاملة، وتذهب إلى التاجر المسلم فتجد الغلظة والجفاء والغلاء وسوء المعاملة إلا من رحم ربك. والمأساة المكشوفة أننا ندعوا إخواننا إلى التعامل مع المسلمين فتصدمهم هذه الأخلاق فيعودون إلينا يقولون قبل أن تدعونا إلى الشراء من تجارنا أدعوا تجارنا إلى حسن المعاملة معنا وإلا فإننا مضطرون إلى شراء بضائعنا من غيرهم تيسيرا علينا وتأديبا لهم.

стр. 138

وسامحهم الله إذ يرون أن ذلك تيسير عليهم وتأديب لمن يرونهم خصومهم، والحقيقة والواقع أن ذلك تيسير على الأجنبي وتأديب لنا أبناء الإسلام جميعا لأنه من باب إذا رميت يصبني سهمي، هذه كلمة في المعاملة ربما أتبعناها في فصل آخر بأمثلة، ونرجوا أن يكون ذلك قريبا إن شاء الله.

стр. 139

نماذج من حسن المعاملة إن رسول الله ﷺ هو القدوة الحسنة في المعاملة الحسنة، قال أنس خادم رسول الله ﷺ : صحبت النبي عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا في شيء تركته: لم تركته؟ وتعاقب هو وعلي بن أبي طالب ﵁ ورجل آخر من الصحابة في سفر على بعير فكان إذا جاءت نوبته في المشي مشى فيعزمان عليه أن لا يمشي فيأبى ويقول: ما أنتما بأقدر مني على مشي، وما أنا بأغنى منكما عن أجر. ودعا علي بن أبي طالب غلاما له فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فرآه مضطجعا فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فقال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى وكان عبد الله بن عمر ﵁ إذا رآى أحدا من عبيده يحسن صلاته يعتقه فعرفوا ذلك من خلقه فصاروا يحسنون الصلاة مراآة له فكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله أنخدعنا له، وقال رجاء بن حيوة: بت ليلة عند عمر بن عبد العزيز فهم السراج أن يخمد فقمت إليه لأصلحه فأقسم علي عمر لأقعدن وقام هو فأصلحه، قال: فقلت له: تقوم أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر، وقال يحي بن أكثم: بت ليلة مع المأمون فانتبه وقد عرض له السعال فجعلت أرمقه وهو يحشو فمه بكم قميصه يدفع به السعال حتى غلبه فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته فانتبه، قال: ومشينا يوما في البستان كنت أنا مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل فكان يجذبني أن أتحول أنا إلى الظل ويكون هو في الشمس فامتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان، فلما رجعنا قال: يا يحيى والله لتكونن

стр. 140

في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها وتأخذ نصيبك من الظل كما أخذت نصيبي منه، فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ووضع يده على عاتقي وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف. وكان لأبي حنيفة جار بالكوفه يغني في غرفته ويسمع أبو حنيفه غناءه فيعجبه وكان كثيرا ما يغني: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو خنيفة صوته تلك الليلة فسأل من غد عنه فأخبر فركب إلى الوالي فقال له: إن لي جارا أخذه عسسك البارحة فحبس وما علمت منه إلا خيرا، فأمر الوالي العسس بأن يسلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذوه في تلك الليلة فأطلقوا جميعا فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة وقال له سرا: ألست كنت تغني يا فتى كل ليلة: أضاعوني وأي فتى أضاعوا فهل أضعناك؟ قال: لا والله ولكن أحسنت وتكرمت أحسن الله جزاءك، قال: فعد إلى ما كت تغنيه فإني كنت آنس به ولم أر به بأسا، قال: أفعل. وكان عبد الله بن المبارك في أسفاره ينفق على أصحابه ويخدمهم ويشتري لهم التحف والهدايا ليقدموا بها على أهلهم وأولادهم إذا رجعوا إلى ديارهم ثم يصلح لهم منازلهم ويزخرفها ويحمل إليها كل ما تحتاجه، وليس هذا بغريب من مثل ابن المبارك، فقد كان أمة وحده وحسبه شهادة الإمام إسماعيل بن عياش إذ يقول: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها فيه. وكان علي يقول: من كانت له إلي منكم حاجة فليرفعها إلي في كتاب لأصون وجوهكم عن المسألة.

стр. 141

وشتم رجل أبا ذر فقال: يا هذا لا تغرق ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ودخل على الواثق معلمه فبالغ في إكرامه وإجلاله فقيل له في ذلك، فقال هو أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله. إن هذا الخلق العظيم ليبلغ بالمؤمن الصادق حدا ينسى معه نفسه ويغيب عن ذاتيته، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يحلب للضعفاء ممن حوله بالسنح أغنامهم، فلما ولي الخلافة سمع جارية تقول: اليوم لا تحلب لنا منائحنا فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، فبقي يحلبها وهو خليفة. وكان عمر ﵁ في خلافة أبي بكر- يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجدها قد مضيت حاجتها فترصد عمر يوما فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤنتها لا تشغله عن ذلك الخلافة وتبعاتها عند ذلك صاح عمر حين رآه (أنت هو لعمري). ومسك الختام لهذه الأقباس العلوية هو تلك المعاملة الفريدة في التاريخ التي عامل بها الأنصار إخوانهم الملهاجرين لما قدموا عليهم فارين بدينهم وحده تاركين الأهل والولد والمال، فآووهم وأكرموهم ونصروهم وأشركوهم في أموالهم حتى خلدهم القرآن بشهادته الخالدة وسجل لهم تلك الكلمة الذهبيه إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. صدق الله العظيم.

стр. 142

جهلنا بتاريخنا على ما يدل لفظ عاشوراء؟ سؤال ألقاه علي بعض معارفي من شبابنا الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الأجنبية، فقلت له (والحسرة ملء جوانحي): كيف يسعكم أن تجهلوا تاريخكم هكذا بينما تقبلون الإقبال كله على تاريخ غيركم تلتهمونه التهاما جاهلين أو متجاهلين أن في تاريخكم أمجادكم الغالية وبطولة أجدادكم النادرة ودروس الوطنية الحقة التي لو استظهرتموها وسرتم على ضوئها لكانت لكم نبراسا مضيئا يهديكم في مجاهل هذه الحياة وينجيكم من مهاوي الضلالات، وهل يرفع من شأنكم أن تستظهروا كل تواريخ الأمم وتستوعبوا كل معارف الشعوب وأنتم تجهلون أسماء شهوركم ومبادئ دينكم والحروف الهجائية للغتكم؟ فقال لي: وماذا نستطيع أن نعمل والحياة اليوم تسير على هذا المنوال والعمل يجرى بهذه الشهور الإفرنجية وعجلة الزمن تدور على هذا المحور؟ قلت له: بالله عليك، لا تكلمني بلغة الاستعمار فهو الذي يفهم هذا الفهم ويروجه ويعلمكم إياه ويستعمل جميع وسائله لبقائه ماثلا في أذهانكم، وماذا يريد الاستعمار منكم غير ذلك وهو لا يستطيع أن يستعمر أرضكم إلا إذا استعمر عقولكم وأفكاركم؟ لذلك يقول الإمام الشهيد حسن البناء: (أخرجوا الإستعمار من نفوسكم يخرج من بلادكم) فالاستعمار يرى (وأنتم تظاهرونه على ذلك) أن لا تاريخ غير تاريخه ولا لغة غير لغته ولا أخلاق غير أخلاقه ولا مدنية غير مدنيته، لكن لو لم توافقوه على ذلك بإقبالكم على تاريخه ولغته وأخلاقه ومدنيته وتنكركم لتاريخكم ولغتكم وأخلاقكم ومدنيتكم، أقول لو لم توافقوه على ذلك لما راجت هذه العقلية التي أصبحت جزءا من كيانكم وإتجاها لتفكيركم وصورة لوجودكم، وأصبحتم بذلك شعبا آخر غير العرب وأمة أخرى غير المسلمين.

стр. 143

وكيف تكونون عربا بغير لغة العرب أو تكونون مسلمين بغير إسلام وبدون إلمام بتاريخ الإسلام؟ ويتفاقم أمركم إلى أن تجهلوا الشهور القمرية، وكيف يمكنكم أن تعرفو أحادث الهجرة العظيم إذا كنتم لا تعرفون محرم؟ أو كيف تعرفون ميلاد الرسول العظيم إذا كنتم تجهلون شهر ربيع الأول؟ أو كيف تعرفون يوم صعود نبيكم إلى السماء إذا كنتم تجهلون شهر رجب؟ أو كيف تعرفون شهر صومكم أو عيد الفطر أو عيد الأضحى أو يوم عرفة إذا كنتم تجهلون شهر رمضان وشهر شوال وشهر ذى الحجة؟ إنه لا يمكنك أن تعرف يوم عاشوراء إلا إذا عرفت الشهور القمرية كلها، وهي: محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. ففي فاتح المحرم ذكرى الهجرة، وفي عاشره يوم عاشوراء، وفي ثاني عشر ربيع الأول موسم ميلاد محمد صلى عليه وسلم، وفي السابع والعشرين من رجب حادث الإسراء والمعراج، وفي رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام وهو الصوم، وفي أول شوال عيد الفطر، وفي تاسع ذى الحجة يوم عرفة وفي عاشره عيد الأضحى. فلنحاسب أنفسنا على الروابط التي تربطنا بالإسلام قبل أن ننتسب إلى الإسلام، فهل يستطيع أن يدعى الإنتساب إلى الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام والثمانية والعشرين حرفا التي تتألف منها لغة الإسلام، والإثنى عشر شهرا التي يتكون منها تاريخ الإسلام؟ فليس الإسلام مجرد دعوى أو وليمة عرس شعبي يتطفل عليها كل من تحمله رجلاه إليها، وإنما الإسلام تكاليف وواجبات، فمن لم يضطلع بها فلا حظ له في الإسلام.

стр. 144

صور إنسانية تعرضها الآيات القرآنية (١) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. تعرض هذه الآية صورة المؤمن الذي يهب نفسه لله، فليس له حركة ولا سكون ولا نطق ولا سكوت، إلا فيما يرضى الله، ولا يقف مال ولا ولد ولا أهل ولا وطن في طريقه إلى الله، لأنه وهب نفسه لله، إذ نزلت هذه الآية في سيدنا صهيب بن سنان الرومي لما ترك كل ماله من أهل وولد ومال في مكة، وهاجر إلى المدينة مضحيا بكل ذلك في سبيل عقيدته ودينه، ولما خرج عليه المشركون في أثناء الطريق وأخذوا في تعذيبه ليرتد عن دينه قال لهم: إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنت معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي، فقبلوه منه وأتى المدينة. (٢) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وهذه صورة إنسان وهب نفسه للشيطان فقد جعل دأبه وقصاراه كل ما فيه إضرار بالناس، ولكنه يظهر للناس على غير حقيقته، فهو يبش في وجوههم إن لقيهم ويلين لهم في قوله إن حدثهم، حتى إذا صادف منهم غرة ووجد منهم غفلة فتك بهم فتك الجراثيم فأهلك الحرث والنسل، ولكن هذا النوع وإن أخفى حقيقته فقد جعل الله له علامة تظهر أمره للناس، تلك هي غيرته على الباطل وانتصاره للمنكر وغضبه للشر: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة هنا الحمية والغيرة،

стр. 145

وبالإثم، أي على الإثم، لذلك لا يقبل كلمة: اتق الله، التي هي ملاك الأمر كله والتي قال عمر ﵁ لمن قالها له: لا خير فينا إذا لم نقبلها، ولا خير فيكم إذا لم تقولوها، والآية نزلت في الأخنس بن شريق، إذ كان يأتي الرسول ﷺ بهذا المظهر الخداع ولهذا المنطق الخلاب فيأخذه الرسول على ظاهره- كعادته- فيكرمه ويجلسه بجانبه ولكنه إدا عاد من عنده أتي كل شر وفعل كل منكر، وفي إحدى الليالي بيت المسلمين فاحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وهما المراد بالحرث والنسل في الآية. (٣) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا نموذج آخر يعرض في هذا الأسلوب الساخر، وأي موقف أدعى للسخرية كموقف عبد ضعيف ذليل من ربه يجادل بغير حق، ويحاجه بغير منطق ولا معرفة وفي غير حياء ولا خجل، ثم يظهر بين الناس شامخ الأنف، ثاني العطف ليستر ضعفه ويخفي جهله فيركب متن الغواية ويصد عن سبيل الهداية، فما جزاء هذا المتكبر على الله المتجبر على الناس إلا أن يذله الله ويرغم أنفه فيديقه الخزي في الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة، ولا عجب فالآية في أبي جهل. (٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. وهذا نوع من الناس يدخلون المنفعة الشخصية والربح المادي في كل شيء حتى في دين الله، فيتخده متجرا وموردا للمتاع العاجل ولذلك ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وقد نزلت هذه الآية في يهودي أسلم فأصابته مصائب فأتى النبي ﷺ فقال: أقلني، فقال الرسول ﷺ : إن الإسلام لا يقال. (٥) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الخ ... !
следующие страницы →