← Джавами‘

Джавами‘ · id 96557

دراسات وتوجيهات إسلامية

أحمد سحنون

Полный текст (352 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وشتم رجل أبا ذر فقال: يا هذا لا تغرق ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ودخل على الواثق معلمه فبالغ في إكرامه وإجلاله فقيل له في ذلك، فقال هو أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله. إن هذا الخلق العظيم ليبلغ بالمؤمن الصادق حدا ينسى معه نفسه ويغيب عن ذاتيته، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يحلب للضعفاء ممن حوله بالسنح أغنامهم، فلما ولي الخلافة سمع جارية تقول: اليوم لا تحلب لنا منائحنا فسمعها فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، فبقي يحلبها وهو خليفة. وكان عمر ﵁ في خلافة أبي بكر- يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجدها قد مضيت حاجتها فترصد عمر يوما فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤنتها لا تشغله عن ذلك الخلافة وتبعاتها عند ذلك صاح عمر حين رآه (أنت هو لعمري). ومسك الختام لهذه الأقباس العلوية هو تلك المعاملة الفريدة في التاريخ التي عامل بها الأنصار إخوانهم الملهاجرين لما قدموا عليهم فارين بدينهم وحده تاركين الأهل والولد والمال، فآووهم وأكرموهم ونصروهم وأشركوهم في أموالهم حتى خلدهم القرآن بشهادته الخالدة وسجل لهم تلك الكلمة الذهبيه إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. صدق الله العظيم.

стр. 142

جهلنا بتاريخنا على ما يدل لفظ عاشوراء؟ سؤال ألقاه علي بعض معارفي من شبابنا الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الأجنبية، فقلت له (والحسرة ملء جوانحي): كيف يسعكم أن تجهلوا تاريخكم هكذا بينما تقبلون الإقبال كله على تاريخ غيركم تلتهمونه التهاما جاهلين أو متجاهلين أن في تاريخكم أمجادكم الغالية وبطولة أجدادكم النادرة ودروس الوطنية الحقة التي لو استظهرتموها وسرتم على ضوئها لكانت لكم نبراسا مضيئا يهديكم في مجاهل هذه الحياة وينجيكم من مهاوي الضلالات، وهل يرفع من شأنكم أن تستظهروا كل تواريخ الأمم وتستوعبوا كل معارف الشعوب وأنتم تجهلون أسماء شهوركم ومبادئ دينكم والحروف الهجائية للغتكم؟ فقال لي: وماذا نستطيع أن نعمل والحياة اليوم تسير على هذا المنوال والعمل يجرى بهذه الشهور الإفرنجية وعجلة الزمن تدور على هذا المحور؟ قلت له: بالله عليك، لا تكلمني بلغة الاستعمار فهو الذي يفهم هذا الفهم ويروجه ويعلمكم إياه ويستعمل جميع وسائله لبقائه ماثلا في أذهانكم، وماذا يريد الاستعمار منكم غير ذلك وهو لا يستطيع أن يستعمر أرضكم إلا إذا استعمر عقولكم وأفكاركم؟ لذلك يقول الإمام الشهيد حسن البناء: (أخرجوا الإستعمار من نفوسكم يخرج من بلادكم) فالاستعمار يرى (وأنتم تظاهرونه على ذلك) أن لا تاريخ غير تاريخه ولا لغة غير لغته ولا أخلاق غير أخلاقه ولا مدنية غير مدنيته، لكن لو لم توافقوه على ذلك بإقبالكم على تاريخه ولغته وأخلاقه ومدنيته وتنكركم لتاريخكم ولغتكم وأخلاقكم ومدنيتكم، أقول لو لم توافقوه على ذلك لما راجت هذه العقلية التي أصبحت جزءا من كيانكم وإتجاها لتفكيركم وصورة لوجودكم، وأصبحتم بذلك شعبا آخر غير العرب وأمة أخرى غير المسلمين.

стр. 143

وكيف تكونون عربا بغير لغة العرب أو تكونون مسلمين بغير إسلام وبدون إلمام بتاريخ الإسلام؟ ويتفاقم أمركم إلى أن تجهلوا الشهور القمرية، وكيف يمكنكم أن تعرفو أحادث الهجرة العظيم إذا كنتم لا تعرفون محرم؟ أو كيف تعرفون ميلاد الرسول العظيم إذا كنتم تجهلون شهر ربيع الأول؟ أو كيف تعرفون يوم صعود نبيكم إلى السماء إذا كنتم تجهلون شهر رجب؟ أو كيف تعرفون شهر صومكم أو عيد الفطر أو عيد الأضحى أو يوم عرفة إذا كنتم تجهلون شهر رمضان وشهر شوال وشهر ذى الحجة؟ إنه لا يمكنك أن تعرف يوم عاشوراء إلا إذا عرفت الشهور القمرية كلها، وهي: محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. ففي فاتح المحرم ذكرى الهجرة، وفي عاشره يوم عاشوراء، وفي ثاني عشر ربيع الأول موسم ميلاد محمد صلى عليه وسلم، وفي السابع والعشرين من رجب حادث الإسراء والمعراج، وفي رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام وهو الصوم، وفي أول شوال عيد الفطر، وفي تاسع ذى الحجة يوم عرفة وفي عاشره عيد الأضحى. فلنحاسب أنفسنا على الروابط التي تربطنا بالإسلام قبل أن ننتسب إلى الإسلام، فهل يستطيع أن يدعى الإنتساب إلى الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام والثمانية والعشرين حرفا التي تتألف منها لغة الإسلام، والإثنى عشر شهرا التي يتكون منها تاريخ الإسلام؟ فليس الإسلام مجرد دعوى أو وليمة عرس شعبي يتطفل عليها كل من تحمله رجلاه إليها، وإنما الإسلام تكاليف وواجبات، فمن لم يضطلع بها فلا حظ له في الإسلام.

стр. 144

صور إنسانية تعرضها الآيات القرآنية (١) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. تعرض هذه الآية صورة المؤمن الذي يهب نفسه لله، فليس له حركة ولا سكون ولا نطق ولا سكوت، إلا فيما يرضى الله، ولا يقف مال ولا ولد ولا أهل ولا وطن في طريقه إلى الله، لأنه وهب نفسه لله، إذ نزلت هذه الآية في سيدنا صهيب بن سنان الرومي لما ترك كل ماله من أهل وولد ومال في مكة، وهاجر إلى المدينة مضحيا بكل ذلك في سبيل عقيدته ودينه، ولما خرج عليه المشركون في أثناء الطريق وأخذوا في تعذيبه ليرتد عن دينه قال لهم: إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنت معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي، فقبلوه منه وأتى المدينة. (٢) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وهذه صورة إنسان وهب نفسه للشيطان فقد جعل دأبه وقصاراه كل ما فيه إضرار بالناس، ولكنه يظهر للناس على غير حقيقته، فهو يبش في وجوههم إن لقيهم ويلين لهم في قوله إن حدثهم، حتى إذا صادف منهم غرة ووجد منهم غفلة فتك بهم فتك الجراثيم فأهلك الحرث والنسل، ولكن هذا النوع وإن أخفى حقيقته فقد جعل الله له علامة تظهر أمره للناس، تلك هي غيرته على الباطل وانتصاره للمنكر وغضبه للشر: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة هنا الحمية والغيرة،

стр. 145

وبالإثم، أي على الإثم، لذلك لا يقبل كلمة: اتق الله، التي هي ملاك الأمر كله والتي قال عمر ﵁ لمن قالها له: لا خير فينا إذا لم نقبلها، ولا خير فيكم إذا لم تقولوها، والآية نزلت في الأخنس بن شريق، إذ كان يأتي الرسول ﷺ بهذا المظهر الخداع ولهذا المنطق الخلاب فيأخذه الرسول على ظاهره- كعادته- فيكرمه ويجلسه بجانبه ولكنه إدا عاد من عنده أتي كل شر وفعل كل منكر، وفي إحدى الليالي بيت المسلمين فاحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وهما المراد بالحرث والنسل في الآية. (٣) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا نموذج آخر يعرض في هذا الأسلوب الساخر، وأي موقف أدعى للسخرية كموقف عبد ضعيف ذليل من ربه يجادل بغير حق، ويحاجه بغير منطق ولا معرفة وفي غير حياء ولا خجل، ثم يظهر بين الناس شامخ الأنف، ثاني العطف ليستر ضعفه ويخفي جهله فيركب متن الغواية ويصد عن سبيل الهداية، فما جزاء هذا المتكبر على الله المتجبر على الناس إلا أن يذله الله ويرغم أنفه فيديقه الخزي في الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة، ولا عجب فالآية في أبي جهل. (٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. وهذا نوع من الناس يدخلون المنفعة الشخصية والربح المادي في كل شيء حتى في دين الله، فيتخده متجرا وموردا للمتاع العاجل ولذلك ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ وقد نزلت هذه الآية في يهودي أسلم فأصابته مصائب فأتى النبي ﷺ فقال: أقلني، فقال الرسول ﷺ : إن الإسلام لا يقال. (٥) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الخ ... !

стр. 146

هذه صورة المناة قين الذين عدموا بعد النظر فكفروا وعدموا الشجاعة فتستروا آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، وليس هذا بإيمان، وإنما الإيمان ينبع من القلب، ولذلك رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ولكن من يخادعون بهذا؟ أيخادعون الله الذي يعلم سرهم ونجواهم؟ أم يخادعون المؤمنين الذين ارتفعوا فوق توافه دنياهم وسموا بأبصارهم إلى أخراهم ففازوا بهما جميعا؟ كلا! إنهم لا يخادعون إلا أنفسهم إذ لا يربحون من هذه المخادعة إلا خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وإن لم يشعروا بذلك ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وإنما لا يشعرون لأن ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وأولئك هم اليهود الذين أحدثوا بدعة النفاق في المدينة في فجر الإسلام وما يزالون إلى اليوم يدينون بها ويعيشون منها ويسيرون على ضوئها وذلك هو الفريق المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ نزلت هذه الآية في أنس بن النضر ﵁ روى البخارى ومسلم والترمذي واللفظ له عن أنس- قال: عمي أنس بن النظر - سميت به- ولم يشهد بدرا مع وسول الله ﷺ فكبر عليه فقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه! أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهدء رسول الله ﷺ يوم أحد من العام القابل فاستقبله سعد بن مالك فقال: يا أبا عمروا إلى أين؟ قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية، قال أنس: قالت عمتي الربيع بنت النظر: فما عرف أخي إلا من بنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. هذا هو النموذج الأسمى والمثل الأعلى الذي تتقطع دونه الأعناق، ولكن يبقى على الدوام، هو الفريق القليل في العدد الكثير في المعنى. وهكذا الناس نماذج ومنازل وصدق رسول الله صلى عليه وسلم إذ يقول:

стр. 147

"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فأحرص أيها المسلم على أن تكون دائما في المنزلة السامية والذروة العليا: فما المرء إلا حيث يجعل نفسه. ولا تيأس: فلم أجد الإنسان إلا ابن سعيه ... فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا فلم يتأخر من أراد تقدما ... ولم يتقدم من أراد تأخرا.

стр. 148

الشورى قيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم! قال: نحن ألف وجل وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأننا ألف حازم. إن هذا خير مثال يساق لبيان أهمية الشورى وعظم أثرها في المجتمع، وهي من أهم الأسس والدعائم التي يقوم عليها المجتمع الصالح السعيد، والقرآن يعدها من صميم الصفات الرئيسية للجماعة الصالحة إذ يقول: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. ولكن أعظم من ذلك خطرا وأبعد أثرا أن يأمر الله نبيه محمدا ﷺ بأن يشاور أصحابه وهو أكملهم عقلا وأنضجهم رأيا وأبعدهم نظرا فيقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ - إنه لا أدل على ديمقراطية الإسلام من هذه الكلمة التي تجعل نبي الإسلام، كسائر الأنام في عدم استغنائه برأيه واحتياجه إلى آراء إخوانه، ولقد شاورهم في مواقف كثيرة: منها ما رواه المقريزي في كتابه: (إمتاع الأسماع) من أنه: لما كان يوم بدر استشار النبي أصحابه في المنزل الذي ينزلونه، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم فإني عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، وماءه كثير، ثم نبني عليه حوضا ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواه من القلب- أي نكبسها بالتراب حتى تنسد- فقال: يا حباب! أشرت بالرأي، وفعل ما أشار به ونهض بمن معه فنزل على القليب ببدر. ومنها: أنه ﵊-

стр. 149

في يوم بدر أيضا- استشار أصحابه في شأن الأسرى من المشركين- وكانوا سبعين أسيرا- فأشار عمر ﵁ بقتلهم لأنهم رؤوس الفتنة ونافخوا ضرامها والواقفون في طريق الدعوة، فقتلهم تنقية للأشواك وإماطة للأذى من طريقها، وأشار أبو بكر ﵁ بالعفو عنهم، بعد قبول الفدية منهم قائلا: يا رسول الله: هم أهلك وعشيرتك، وقد مكنك الله منهم بالنصر والظفر، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم ليكون ذلك عونا لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله لك فيكون ذلك عضدا، فأخذ ﷺ برأي أبي بكر، وأخذ الفدية من موسري الأسرى ومن كان منهم فقيرا ويعرف القراءة والكتابة جعل فداءه تعليم عشرة من الأنصار القراءة والكتابة، وعفا عن كثير ممن لم يجد مالا ولم يعرف قراءة ولا كتابة، ولكن الآية بعد ذلك نزلت على رأي عمر وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فاغتنم رسول الله ﷺ لذلك وفت في عضده وقال: "لو نزل بلاء من السماء لما نجا منه إلا عمر". وهكذا تبلغ عناية الإسلام بالشورى فيفرضها حتى على الرسول الأعظم وينزل وحيه على خلاف رأيه لينزع الغرور من نفوس الناس فلا يجدوا غضاضة في المشاورة بعد أن يروا المؤيد بوحي الله يشاور وبعد أن يروا الآية تنزل على خلاف رأيه ﷺ لذلك يقول بشار: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافى قسوة للقوادم لله ما أحكم قول بشار: فريش الخوافي قوة للقوادم، كأنه يشير إلى أن التشاور تعاون، والحياة تعاون، وخير التعاون وأجداه تعاون العقول وهو التشاور. ولذلك قيل: الرأي الواحد كالحسيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة أمرار لا تنقض، وقيل: نصف رأيك عند أخيك فاستشره، والمستشير يأخذ عقول الناس بالمجان، وهو قلما يندم لأنه باستعانته بعقول الناس يأخذ احتياطه ويضيق دائرة مسؤوليته، ثم هو قلما يخيب، لذلك قول ﷺ : لا خاب من استخار، ولا ندم من استشار" وقال عمر ﵁: الرجال ثلاثة،: رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه،

стр. 150

ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتي رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال: صاحب الحاجة أبله لا يرى الرشد إلا في قضائها. ولكن الاستشارة أمانة فيجب أن لا يضعها ذو الحاجة إلا عند من يثق بعقله ودينه، والرسول ﷺ يقول: " المستشار مؤتمن" ومن أجل هذا يقول أيضا: "لا تستضيئوا بنار المشركين" أي لا تستشيروهم.

стр. 151

صدق الشعور لقينى أخى السعيد البيباني بقسنطينة في هذه المناسبة الطيبه (مناسبة تدشين دار الطلبة) ومعه طفل لم يتجاوز السادسة من عمره، ولما سألته أهو ابنه؟ قال: نعم هذا ابني عبد الحميد طلب إلي أن يصحبني إلى حفلة التدشين ليحظى بسماع صوت الرئيس البشير الإبراهيمي لأنه كان قد سمعني أتحدث بأن حديثا خاصا بهذه المناسبة قد سجل للأستاذ الرئيس في القاهرة لتسمعه الجماهير الوافدة لشهود الحفلة. إن هذا الخبر شاهد على صدق الشعور الذي انبث في هذه الأمة وتغلغل في أفرادها حتى نبضت به قلوب صبيانها وأعربت عنه ألسنتها. إن الأطفال لا يعرفون المجاملة ولا يحسنون النفاق فكل ما تنطق به ألسنتهم من هذا القبيل هو الصدق طبيعة وجبلة، وشاهد آخر رآه الناس في يوم قسنطينة العظيم (يوم تدشين دار الطلبة) إذ تجردت نساء تلمسان من حليهن وزينتهن لإعانة هذا المشروع عن رغبة صادقة في الخير وعن طيب خاطر وعن تفان في حب الإصلاح ورفع منزلة الوطن والنهوض بالأمة إلى مستواها الجديرة به بين الأمم. أماما قابل به أهل قسنطينة ضيوفهم الكرام من الحفاوة والإكرام والتقدير والاحترام، فحدث عن البحر ولا حرج، وإنك لتراهم يتسابقون إلى الضيوف ليفوز كل منهم بعدد كبير يشرف به منزله طوال مدة إقامته، وإنك لتسمع الذين ظفروا ببغيتهم من الحصول على عدد وافر من الضيوف يفاخرون الذين حرموا بغيتهم فلم يظفروا إلا بعدد قليل لا يروى غلتهم إلى البر وحب الخير، أو رجعوا خائبين لم يظفروا بكثير ولا قليل، وإنك لتلمح على هذه الوجوه التي حرمت بغيتها آثار الخيبة والحرمان وتتبين فيها علائم الحزن والحسرة والألم، وإنه ليطربني أن أرى شيوخ المعهد وأعضاء الجمعية في الطليعة

стр. 152

يتقدمون الأمة في هذه المبرة الخالدة زيادة على التنظيم والإعداد اللذين أنفدوا فيهما قواهم. الحقيقة: أن هذه الأمة لم يخلق الله مثلها في الأمم، وأن هذه المشاعر الكريمة والخصائص العظيمة التي وهبها الله هذه الأمة لم يهب مثلها أمة من الأمم، وإن يوما تتنبه فيه هذه المشاعر وتتجلى فيه هذه الخصائص على أكملها لهو يوم يكثر فيه عويل من يتمنون زوالها ويتربصون بها دوائر السوء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. فيا أيتها الأمة الكريمة على ربها، العظيمة في تاريخها، لا تحقري نفسك ولا تستصغري قدرك، فإن الله جعلك خير أمة أخرت للناس، وخصك بخير الأنبياء، وختم بكتابك هداية السماء، وقد طال منامك حتى ظن حمامك، فانفضى عنك غبار السنين وأزجرى عن أجفانك طائر الكرى، وانهضي لقيادة العالم من جديد فقد أوشك أن يلقى حمامه ويودع أيامه، إنه يترنح للسقوط، إنه مفكك الأوصال مهيض الجناحين، مستعبد لشهواته، إنه يصنع بيديه ما يقضي عليه، ويخرج مصنعه كل- ما فيه مصرعة، إنه يخرب بيته بيده، ويسعى إلى حتفه بظلفه، إنه عاد إلى شريعة الغاب والظفر والناب، وودع شريعة الأخلاق والآداب. وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهيوا إن العالم اليوم تسيره الأيدي التي لا تؤمن بالله، وهذا يكفي في سيره إلى الهاوية. وأنت: أنت أيتها الأمه المسلمة التي تنقذين العالم كما أنقذته من قبل، وتنيرين له الطريق كما أنرته أولا. إنه لا ينقصك للقيام بهذه المهمة إلا أداة واحدة، وهي الأداة التي كانت في يدك يوم ائتمنتك السماء على هدايتها، هي أن تحملي مشعل هذه الهداية في يدك وتسيري في الطريق الذي رسمه لك حامل المشعل الأول ﷺ . ليس عليك إلا أن تلمي شعثك وتوحدي صفوفك وتضحي بنفسك ومالك لتربية أبنائك وتثقيفهم وإعدادهم للمسئولية الكبرى ولليوم العظيم. هذه هي الأداة التي كانت في يدك فصنعت بها العجائب وهي التي ستصنعين بها العجائب إن أردت، والتي يصلح عليها أمر دنياك وأمر أخراك، وإمام دار الهجرة مالك ابن أنس ﵁ يقول: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

стр. 153

السعادة الحقة لا سعادة كراحة الضمير، واطمئنان النفس اللذين يعقبان القيام بالواجب، فلا المال ولا العلم ولا الحكم ولا كلها مجتمعة تأتي بالسعادة إذا لم تأت براحة الضمير، واطمئنان النفس، لأن راحة الضمير واطمئنان النفس هما الثمرة لهذه الأشياء كلها، ولا تثمر هذه الأشياء كلها راحه الضمير واطمئنان النفس إلا إذا أدى صاحبها واجبه فيها فإذا أدى العالم واجبه بعلمه ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وتلك هي السعادة، وإذا أدى صاحب المال واجبه بماله ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وذلك معنى السعادة وإذا أدى صاحب الحكم واجبه بحكمه ارتاح ضميره واطمأنت نفسه وتلك هي السعادة أما إذا كان العالم لم يؤد واجبه بعلمه فلم ينفع به أمته ولم يوقظ به أبناء وطنه ولم يغير به منكرا ولم ينصر به حقا، ولم يؤيد به عاملا مكافحا ولم يبين به حكما ولم يرد به حاكما ظالما عن ظلمه، ولم يتخذه قربة إلى الله، وإنما اتخذه سلما للوظيفة ووسيلة لجلب المال، واستخدام الشعب لمصالحه، وتسيير العامة في أغراضه، فهذا هيهات أن يرتاح ضميره وتطمئن نفسه، بل هو دائما في معركة بينه وبين ضميره ونفسه لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار، وذلك هو الشقاء بعينه، وكذلك الحال إذا كان صاحب المال لم يؤد واجبه فيما بسط الله عليه من مال، فلم يطعم جائعا ولم يواس محروما ولم يغث ملهوفا ولم يمهل مدينا ولم يعن مشروعا ولم يجعل ماله وسيلة لإنهاض أمته وتحسين حال أبناء وطنه، وإنما اتخذه وسيلة لشهواته ونزواته، وتملق به الكبراء وأرباب الحكم وأصحاب الجاه الزائف، فهذا لا يرتاح ضميره ولا تطمئن نفسه، وإن تراءى للناس أنه كذلك لأن الخصائص الإنسانية لا تموت وإنما تتغلب عليها الشهوات والأهواء، ومن عدم راحة الضمير وشرد عنه اطمئنان النفس، لم يذق للسعادة طعما، وان ظهر للناس أنه سعيد،

стр. 154

وكذلك صاحب الحكم إذا لم يؤد واجبه بحكمه، فلم يحكم بالحق ولم يردع ظالما ولم ينصر مظلوما، ولم يتخذ حكمه وسيلة لترقية بلاده، وإسعاد أمته، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وإنما اتخذه وسيلة للتسلط والاستعلاء، واستعباد الناس ونهب الأموال، فهذا كيف يرتاح ضميره أو تطمئن نفسه، وإذا لم يذق للاطمئنان طعما فهو أشقى الأشقياء وإن ظهر أنه أسعد السعداء، فالسعادة هي اطمئنان النفس، وامتلاء القلب براحة الضمير وإن فرغت اليد من كل شيء، واطمئنان النفس ثمرة القيام بالواجب، ولذلك كان السعيد في الدنيا هو السعيد في الآخرة، لأن السعيد هو الذي اطمأنت نفسه بأداء واجبه. إذا فهمنا هذا فهمنا سر خطاب الله للنفس السعيدة بالنفس المطمئنة إذ يقول ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

стр. 155

إلى العلماء والمعلمين أيها العالم: إن في صلاحك أو فسادك صلاح العالم أو فساده، كما أن في إصلاح القلب أو فساده صلاح الجسد أو فساده " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" وهو معنى قوله ﷺ وقد سئل: ما البلاء؟ قال: "العلماء إذ فسدوا" ذلك لأنك القدوة والمثال، فكيف إذا وكل إليك أمر قيادة هذه الأمة إلى ما فيه رشدها وصلاحها؟ أترضى أن تكون بالمنزلة الدنيا وهي بالمنزلة العليا؟ أو ترضى أن تكون قائدا بالإسم والشكل ومقودا للأهواء والشهوات؟ أو ترضى أن تقودها ونفسك إلى الهاوية السحيقة في سواء الجحيم؟ أيها العالم: إن مسؤولية العالم مسؤولية كبرى، هي مسؤولية القائد والرائد والدليل، لأن منزلتك من أمتك الجاهلة الحائرة منزلة المحرك من السيارة الضخمة في الصحراء المهلكة البعيدة عن العمران. أيها العالم: إذ سئل كل فرد عن نفسه وكل راع عن رعيته، فأنت تسأل عن كل فرد في أمتك. أيها العالم: إن مسؤوليتك أكبر من مسؤولية الحاكم، فالحاكم يصلح الرعية وأنت تصلح الحاكم، ومن أجل ذلك يقول المفسرين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 156

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إن المراد بأولي الأمر هم العلماء العاملون، وبه قال مالك ﵁. أيها العالم: إن الخير أو الشر يبدأ منك كما يبدأ الصفاء أو الكدر من أول النهر وأعلاه، فلا تكن سبب بلاء على أمتك. أيها العالم: إن العلم وسيلة وإن الغاية هي تقوى الله ولذلك بدأ القرآن بالأمر بالقراءة، ولم يبدأ بالأمر بالتقوى لأنها وسيلة لا لأنها أشرف من التقوى، كما بدأ بالجهاد بالمال ولم يبدأ بالنفس عندما قال: ﴿جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ لا لفضل المال على النفس، ولكن لأن المال وسيلة، ولأن المال قوام الأعمال، وختم القرآن بالأمر بالتقوى لأنها الغاية وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ في قول من يقول: هي آخر ما نزل من القرآن وأن الله قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولم بقل: إن أكرمكم عند الله أعلمكم، فإذا لم ينفعك علمك ولم يعصمك من شهواتك وأهوائك، وهي أخطر من أعدائك كنت كمن بيده سلاح لا يدافع به عن نفسه وهو في معمعة الحرب وأعداؤه تحيط به من كل جهة. أيها العالم: إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هكذا بأداة الحصر، فكأنه يقول: إن الذي لا يعرف الله لا يخشاه وهو كذلك، فخشية الله ثمرة معرفته ولذلك كلما دعانا القرآن إلى النظر والتفكر في آيات الله ختم ذلك بمثل قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ومعنى ذلك أن النظر فيما خلق الله يعرفك بالله فتتقيه وتخشاه، وقد ضرب الله مثل من يعلم ولا يعمل بمثل الحمار الذي يحمل الكتب في أن كلا منهما غير مستفيد مما يحمل إذ قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

стр. 157

أيها العالم: إن النبي ﷺ أعتبر العلم الذي لا ينفع شرا تعوذ منه إذ قال من حديث: (وأعوذ بك من علم لا ينفع) وهو كذلك لأن العلم بلا عمل حجة على صاحبه، كما قال ﷺ في القرآن من حديث: "والقرآن حجة لك أو عليك فليتك إذا لم تعمل لم تعلم". وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ فلا عجب بعد هذا أن يكون العلم جهلا في كثير من الأحيان لذلك يقول ﷺ : (إن من العلم لجهلا) ويقول علي ابن أبي طالب ﵁: (لا تجعلوا علمكم جهلا، ولا يقينكم ظنا، إذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقنتم فأقدموا). وكم يؤلمني أن أرى واعظا يعظ الناس وهو لا يتعظ، كم يؤلمني هذا الطبيب المريض الذي يشفق على الناس وهو أحوجهم إلى الشفقة. "وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو عليل" وكم يؤلمني هذا الذي يقول: "اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصري" مسكين هذا الشاعر الذي لم ينتفع بعلمه ويدعي انتفاع الناس به ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. أيها العالم: أذكر على الأقل قوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" أو قوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فأين عمل الأنبياء؟ وأين تقوى الأنبياء؟ وأين وقار الأنبياء؟ وأين جهاد الأنبياء لنفوسهم، وأعدائهم؟ وأنت أيها المعلم: أذكر على الأقل قول شوقي:

стр. 158

وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة ... جاءت على يده البصائر حولا" ولا تستكثر ذلك في منزلتك فشوقي نفسه يقول في أول القصيدة نفسها: "كاد المعلم أن يكون رسولا" وأذكر أن الأمانة التي بين يديك هي أغلى الأمانات، وهي نشء الأمة وأبناؤها وربحها ورأس مالها، فاتق الله في أمتك واتق الله في أمانتك.

стр. 159

المسؤول الأول لا أعني بالمسؤول الأول إلا قائد الفوج الأول، وهو المعلم: وقد رأى بعض الإخوان أن حظه من المقال السابق كان ضئيلا، فأردت أن أوفيه حقه في مقال مستقل. أيها المعلم: إن منزلتك منزلة قائد الكتيبة الأمامية من الجيش، فإذا انهزمت كان انهزامك الضربة القاضية، ومن المؤلم أن يعرف الإستعمار لك هذه المنزلة وتجهلها أمتك وتتجاهلها أنت في كثير من الأحيان. أيها المعلم: إن الإستعمار يعتبرك أكبر عدو له، لأنك تبني له ما يهدمه، وتعد له من العتاد ما يتضاءل أمامه كل عتاد، وتهيء له من الجنود ما يثبت في وجه العواصف كالأطواد، لذلك فهو يحاربك حربا لا هوادة فيها ويجعل مكانك من قائمة خصومه في أولها، وينظر إلى كتابك الصغير كثكنة عسكرية أو قلعة حربية أو معمل للأسلحة الذرية، وينظر إلى هذه العصافير الصغيرة المرتلة للقرآن بأعذب الألحان، فيشرد لبه، ويذهب رشده، ويطير نومه، لأنه ينظر إلى هذه العصافير الصغيرة بعين المستقبل البعيد وقد استحالت أسودا، واستحال تغريدها زئيرا، واستحالت أقلامها رماحا تطعن الكلى والخواصر، ومحافظها كنائن للسهام النافذة المصمية، أدرك الإستعمار كل هذا وأدرك غير هذا مما تعلمه ومما لا تعلمه، فحاربك قبل كل أحد، وراقبك أكثر من كل أحد.

стр. 160

أدرك ورأى أنك تثبت له في الأرض التي احتلها القواعد التي تزلزل أقدامه وتأتي على بنيانه من القواعد أدرك أنك تثبت له لغه الإسلام ودين الإسلام وتاريخ الإسلام وشخصية الإسلام، وهو قد عرف من الإسلام أنه عدو لكل باطل وكل بغي وكل عدوان، وعرف من تاريخ الإسلام أنه أزال من الوجود كل شبح للباطل والبغي والعدوان، لذلك كانت خطته القضاء على كل ما يحمل اسم الإسلام وطابع الإسلام، وشخصية الإسلام. أيها المعلم: هذه هى قيمتك في نفس الإستعمار وفي نفس الواقع، فلا تضع نفسك دونها، فعلى قدر قيمتك تكون مسؤوليتك، لا تكن شخصا جديرا بالرثاء، ولا جسرا يعبر عليك الناس إلى الغايات البعيدة، وأنت لا تبرح مكانك، لا تكن كما قال أخوك محمود غنيم: فمن كان يرثي قلبه لمعذب ... فأجدر شخص بالرثاء المعلم على كتفيه يبلغ المجد غيره ... فما هو إلا للتسلق سلم لا تكن شخضا يستحق الرثاء، ولكن كن شخصا يستحق الإكبار والإحترام، بل إن مهمتك لا تقف عند هذا الحد، لا تقف عند شخص واحد يستحق الإكبار والإحترام هو أنت، وإلا كنت شيئا عاديا، وإنما مهمتك تتعدى ذلك بكثير، هي أن تصنع أشخاصا كثيرين يستحقون الإكبار والإحترام، بل إن مهمتك صنع الأجيال المتعاقبة الممتدة مع الزمن، كما تتناسل البذور الطيبة على مدى الزمن، فاعرف قيمتك واعرف قيمة هؤلاء الذين بين يديك والذين بعثت إليهم وبعثوا إليك، إنك مسئول عنهم مسئولية الأنبياء عن أممهم التي بعثوا إليها. علمهم تقوى الله قبل كل شيء، فتقوى الله هي الأساس لأنها النور الذي يبدد ظلمات المجهول، والله يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ إن نور العلم من نور الله، ونور الله لا يشرق في القلوب المظلمة بمعاصية. شكوت إلى وكيع سوء فهمي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وذاك لأن علم الله نور ... ونور الله لا يهدى لعاص

стр. 161

ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ علمهم الشعور بالمسؤولية والإضطلاع بالمهمات والصبر على المكاره، والمثابرة على العمل، والصدق في القول، والإخلاص للوطن، والطموح إلى الكمال. علمهم أن الحياة كفاح، وأن العمر أنفاس وأن ما مضى من الوقت لا يعود، وأن من شب على شيء شاب عليه وأن الخير بالتعود والشر بالتعود، وإن من لم يتعود الكمال من صغره صعب عليه في كبره. إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد قو فيهم ملكة الملاحظة وأفتح عيونهم على ما في الكون من جمال وتناسق ونظام لترى فيهم ملكة الذوق وحب الجمال والشغف بالنظام، إنك مسؤول عن أشياء كثيرة لهذا الطفل الذي بين يديك، هذه النبتة الصغيرة التي تنبت أمامك وتنتظر الكثير من رعايتك واهتمامك، هذه القطعة اللينة الطيعة التي تنتظر أن تصوغها على المثال الذي تريد وعلى الشكل الذي تختار، وتدفع بها في الإتجاه الصالح في رأيك، ولكن إحذر أن تنسى أنك القالب والطابع والدليل وأن هذا الطفل ينظر إلى عملك قبل أن ينظر إلى قولك، ويؤخذ بسلوكك أكثر مما يؤخذ بأمرك ونهيك، فإذا انحرفت ولو لحظة رميت بمركبة الأجيال في الهوة السحيقة، وإذا زاغ بصرك يمنة أو يسرة "جاءت على يدك البصائر حولا" كما يقول شوقي. فما أعظم مسؤوليتك، أيها الصديق الكريم.

стр. 162

واجب الأمة نحو التعليم أيتها الأمة: إذا اعتبر الإستعمار معلم العربية أكبر أعدائه، فاعتبري أنت الجهل أكبر أعدائك، واعتبري المعلم أقوى عتادك وأصدق أصدقائك، فما اعتبر الإستعمار المعلم أكبر أعدائه إلا لأنه يبدد الظلام، فيظهر اللص الملتحف بالظلام، فلا عجب أن يعشق اللص الظلام ولا عجب أن يقترن الظلم بالظلام، وأن يقول ﵊: "الظلم ظلمات يوم القيامة". أيتها الأمة: إن الإستعمار يحرص كل الحرص على أن يعيش دهرك كله في ظلام ليبلغ منك كل مرام، فكذبي فأله، وخيبي آماله. أيتها الأمة: إنه لا يستعمر شعب شعبا إلا كان أحدهما عالما والآخر جاهلا، فحيث يوجد استعمار يوجد علم وجهل وحيث يوجد شعب جاهل محكوم يوجد شعب عالم حاكم، فليس من عدو للحرية كالجهل، وليس من قيد للأحرار كالجهل، وليس من وسيلة تعين المستعمر على استعباد الناس كالجهل، وإن الذي يجعل طفلا صغيرا يسوق غنما كثيرة تعد بالمئات هو الجهل، الجهل الذي جعل شعوبا كثيرة العدد تستعبدها شعوب قليلة العدد، فليست المسألة مسألة قلة وكثرة ولكنها مسألة علم وجهل، لذلك كان الإسلام من أول ظهوره ثورة على الجهل، لأن الإسلام ثورة على الإستعباد والعبودية لغير الله، وكان أول ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم

стр. 163

هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وإن أسرى المسلمين من قريش يوم بدر ممن أعوزهم المال لم يخلصهم من أسرهم إلا علمهم بالقراءة والكتابة، حيث جعل الرسول ﷺ فداء الواحد منهم تعليم عشرة من أبناء الأنصار القراءة والكتابة. أيتها الأمة: إن التعليم يقوي كيانك ويقيم أركانك ويعلي بنيانك ويرفع شأنك، فاجعليه في أول القائمه من أعمالك، وضحي له بالضروري من قوتك، بل ضحي له بحياتك إن اقتضى الحال أن تضحي له بحياتك، فلا حياة لك بلا تعليم، لأنه لا حياه لك بلا لغة ولا دين ولا تاريخ. أيتها الأمة: لا يكن كل همك في طعامك وشرابك، فالحياه لا تقوم على الخبز وحده، وهو مصداق ما في الإنجيل: (لا يحيا الإنسان بالخبز وحده) لأن الإنسان ليس جسدا فقط، وإنما هو جسد وروح وعقل، وإن الجسد لا بقاء له بلا روح، ولا قيمة له بلا عقل، فالجسد مثله مثل مركبة محركها الروح وقائدها العقل إذا علمت هذا لم تجعلي التعليم كماليا، وإنما جعلته كالقوت ضروريا، فأنصفي نفسك من نفسك بإنصافك روحك وعقلك من جسمك. أيتها الأمة: ما أهون الحياة التي يحياها الإنسان مستعبدا لجهله، مسعبدا لهواه، مستعبدا لظالمه: إن هو- إذ يرضى بذلك- إلا حيوان وليس بإنسان، بل إننا لنظلم الحيوان إذ نشبهه بمثل هذا الإنسان، ولو نطق الحيوان لرد عن نفسه هذا الإفتراء والبهتان، ولقال: إني لخير من هذا الإنسان، لأني "بما جبلت عليه من جهل وطاعة عمياء لمالكي" أقوم بأداء وظيفتي كحيوان، أما الإنسان فإنه إذا تخلى عما فطره الله عليه من كمال فقد اهمل وظيفة الإنسان وهو ليس بحيوان، ولذلك فليس هو حينئذ بإنسان

стр. 164

ولا حيوان، لذلك يعقب القرآن على قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ بقوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. أيتها الأمة: جاهدي في العلم حق جهاده، جاهدي بمالك ونفسك ولا يشغلك واجب عن هذا الواجب، ولا يصدك عن هذه الوجهة أصوات المأجورين على خنق أنفاسك وإطفاء نبراسك، ولا يصرفك عن المضي في هذا الطريق ما يصادفك فيه من عراقيل، وما يضعه فيه أعداء النور من صخور، ولكن اسمعي لهتاف دعاتك المخلصين الصادقين، والتفتي إلى عهودك الزاهرة بأنوار العلوم والعرفان، الزاخرة بأنواع الفتوح والعمران، يوم كانت أروبا تعيش في الظلام، فتعشو إلى ضوء الإسلام، ويتردد أبناؤها على الأندلس وبغداد ليتزودوا من تراثهما الفكري خير الزاد، يوم كان المأمون يفرغ خزائن الذهب ليملأ خزائن الكتب بذخائر العلم والأدب ويدفع أبهض الأثمان على نقل فلسفة اليونان وعلوم اليونان، فكان المسلمون بذلك أساتذة العالم في تنوير الأذهان بنور العلم والعرفان، كما كانوا أساتذة العالم في تنوير القلوب بنور الهدى والإيمان. أيتها الأمة: هذا وهو ماضيك فسيري على ضوئه واهتدي بهديه، واحملي مشعل الهدايتين، هداية الدين، وهداية العلم كما كنت من قبل، والله يأخذ بيدك ويسدد خطاك.

стр. 165

هدي القرآن أنصح للدعاة أن يتوفروا على دراسة القرآن ويعكفوا على تدبره، فإنه الأداة القوية والوسيلة الفعالة في الدعوة إلى الله، وتوجيه القلوب إلى الخير، وارتياد الآفاق المجهولة للفضائل والكمالات، لأن للقرآن أسلوبه الخاص في التأثير على القلوب والسيطرة على المشاعر والأحاسيس، وحسبنا من ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. أي لكان هذا القرآن. فلا عجب- إذن- أن تتأثر الطلائع الأولى من المسلمين بالقرآن ذلك التأثر العجيب الأخذ بأزمة القلوب، مما لفت خصوم الدعوة ونبههم إلى أن يحولوا بينه وبين أسماع الناس حتى لا ينتصر الحق وينهزم الباطل، فيخسروا المعركة، ويقص القرآن علينا ذلك إذ يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. وإذا كان القرآن بهذه المنزلة من قوة التأثير بحيث أن الجبال تخشع وتتصدع من خشية الله لسماعه، فإن الميت حقيقة هو الذي ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾. الميت حقا ليس هو الذي فارقت روحه جسده فحسب ولكن الميت (أكثر من ذلك هو الذي روحه بين جنبيه ولا يسمع آيات ربه إذ تتلى عليه ومن حوله الجبال الصم تتأثر بسحرها وتتصدع من خشية الله عند سماعها: فلا عجب - بعد ذلك- أن يشبه القرآن هذا الصنف الرخيص من المخلوقات بالأموات إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ

стр. 166

الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ولكن العجب العاجب أن تموت أمة أحياها القرآن أو تشقى أمة أنزل عليها القرآن، والله تعالى يقول لنبي هذه الأمة: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أو تضل أمة دليلها القرآن والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ولكن لا عجب أيضا فإن الأمة التي سعادتها في القرآن تشقى إذا تركت العمل بالقرآن، وإن الأمة التي هدايتها في القرآن تضل إذا تركت الإهتداء بالقرآن، فليس الذنب ذنب القرآن، وإنما هو ذنب من أعرض عن القرآن، كما ليس الذنب ذنب الدواء وإنما هو ذنب المريض الذي أعرض عن الدواء. وإن القرآن الذي أسعد الأمة بعد شقائها، وهداها بعد ضلالها، ما زال تحت سمعها وبصرها وفي صدور أبنائها، لم يعتره تغيير ولا تبديل ولا تشوبه ولا تحريف، ولا نسخ بكتاب آخر كما وقيم للكتب السماوية من قبله، لأن الله تكفل بحفظه وأكرم نبيه بخلوده ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. أي أن الدواء ما زال في أيدينا ولم يطرأ عليه أي فساد، بل إنه الدواء حقا بشهادة منزله إذ قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فهلم إلى القرآن- إذن- أيها المسلمون، هلموا إلى الدواء الذي لا دواء لكم غيره، الدواء الذي جربتموه في سالف أيامكم، فأبرأكم من جميع أسقامكم، أيقتلكم الداء وفي أيديكم الدواء؟ أيحرق لهواتكم الظمأ وأمامكم الماء؟ "ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وما إليه وصول" "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول" وهكذا يصدق علينا المثل. "يصبح ظمآن وفي الماء فمه". أيها المسلمون: إن أجدب بكم الزمان أو نبا بكم المكان فتعالوا إلى رياض القرآن، فإنكم ستجدون المرعى الخصيب، والجناب الرحيب ولكن لا ترتضوا الكفر بعد الإيمان ولا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل العصيان، فإن هذه الرحاب المقدسة لا تطؤها الأقدام المدنسة، إن المرعي الخصيب، ليهدى إليه هتاف القرآن المهيب إذ يقول:

стр. 167

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ وإذ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كما قال في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ فتعالوا إلى القرآن فهو الدواء إن أعضل الداء وعز الدواء.

стр. 168

تذكرة خيال مفزع مثير لا يبرح نصب عيني ولا أكاد أطمئن إلى نسيانه حتى ينتصب أمامي بارزا قويا يمض إحساسي ويهد كياني ويكاد يطفىء جذوة الأمل في نفسي. ذلك هو خيال الفقير طريد المجتمع وغرض النوائب وثمرة الأنانية والشره، الذي أعاده إلى ذهني سريعا مما قاسته البشرية في هذه الأيام من برد شديد وزمهرير مبيد يكاد يشل الحركة في الأجسام ويجمد الدماء في العروق، وسرعان ما شكرت الله على حفظي للقرآن إذ ذكرت قوله تعالى في النار ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ فقلت إذا كانت هذه النار تذكرة بنار جهنم، فلم لا يكون هذا البرد الشديد أيضا تذكرة ببرد أشد منه، ببرد الزمهرير الذي إذا استغاث أهل النار من حر النار أغيثوا به فيستغيثون منه إذ يرون النار أهون عذابا منه، وتذكرة أيضا ببرد الفقير الذي حرم الشعار والدثار وعدم الغطاء والوطاء، بل إن البرد لأولى بالتذكرة لأننا نحسه يسري في أبداننا سريان السم كلما أناخ الشتاء بكلكله على الأحياء، وإذا أحس بالبرد من استعد له بمضاعفة الأكسية والأغطية، فكيف حال من لا ثوب له إلا جلده ولا غطاء له إلا السماء؟ ولكن قلوب البشر ما زالت أقسى من الحجر رغم بعثة الأنبياء وجهاد العلماء وتضحيات الحكماء ما زالت الأنانية هي القائد والسائق، وما زال نداء الشهوات والأطماع هو النداء المسموع المطاع. وإذن ففي هذا البرد تذكرة ولكن ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وفي الناس من يتذكر، لكن ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وللناس في هذا الكون آيات غير النار والبرد، لكن

стр. 169

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ والإسلام إنما جاء ليجعل للناس قلوبا تحس ومشاعر تتأثر، وأكفا تمتد بالإحسان، وأرجلا تسعى إلى الخير وإلى صالح بني الإنسان، جاء ليرهف الإحساس ويسمو بالمشاعر ويرقى بالوجدان، فتصبح الإنسانية كلها كما متصلا بل أسرة واحدة بل جسدا واحدا إذا شكا منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد بلغ الإسلام في ذلك شأوا بعيدا في عهوده الأولى وأنشأ مجتمعا فذا فريدا في التاريخ سادت فيه المعاني الإنسانية والروحية بصفة لم تكن معهودة- ولا متصورة وإذا دعا الإسلام المسلمين إلى أن يكونوا إخوة في الله، فإن المسلمين حققوا ذلك وزادوا عليه إذ آثروا على أنفسهم وتخلوا لبعضهم بعضا عن حظوظهم حتى أثنى عليهم القرآن بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وأصبح المسلم بشبع جاره من جوع ويجوع ويطعم أخاه المحروم، ويصوم ويؤثره بالماء ويهلكه الظمأ كما وقع في إحدى الغزوات، إذ بينما رجل يطوف بالماء إذ مر على جريح يكاد يقتله الظمأ فدنا منه ليسقيه فأشار إليه بأن يتركه ويسقي آخر بجانبه في مثل حاله، فذهب إليه ليسقيه فأشار هو الآخر إلى آخر بجانبه ليسقيه وهكذا يدفعه جريح إلى جريح حتى أتى إلى الأول فوجده قد هلك ثم الثاني كذلك ثم الثالث حتى هلكوا جميعا وبقي الماء لم يطعمه أحد. إن هذا الإيثار بالنفس في ساعة العسرة وفي اللحظة الحاسمة من العمر لهو أبلغ معاني التضحية وأسماها: "والجود بالنفس أقصى غاية الجود" وهذا المثل الفريد في الإنسانية يذكرني بمثل فريد في الأنانية لأنه على نقيضه تماما. كان ذلك والكون كما هو في هذه الأيام تسوده الروح المادية وتتحكم فيه وتستبد به، كان ذلك عند مبعث المسيح ﵇: إذ مر أثناء سياحته على الكنز وبحانبه ثلاثة أشخاص موتى فقال: يا رب: ما خطب هذا الكنز وما خبر هؤلاء الأشخاص؟ فأوحى الله إليه: بأن هؤلاء الأشخاص بينما هم في طريقهم سائرون إذ عثروا على هذا الكنز فجلسوا ليتقاسموه ولكنهم قبل أن يقسموه اتفقوا على أن يبعثوا أحدهم ليئتي بغدائهم، فبقي اثنان وذهب الثالث ليأتي بالغداء فقال الإثنان المتخلفان إذا عاد صاحبنا قتلناه واقتسمنا الكنز بيننا شطرين وقال الثالث في نفسه: سأطلب من

стр. 170

الخباز أن يجعل السم في خبزهما ليموتا وأستأثر وحدي بالكنز، فلما وصل إلى صاحبيه بالخبز وثبا عليه فقتلاه، ولما أكلا خبزهما المسموم ماتا، وهكذا الدنيا يتقاتل عليها أهلها. ثم يتركونها. إن الإسلام لا يعرف هذه الأنانية العارمة الطاغية ولا يعرف هذا الشره المادي المكتسح، إنه لا يعرف هذا المجتمع المتكالب على الدنيا، إنه لا يعرف هذه الجيوش الجرارة من التعساء ينامون على رصيف الشاع مباشرة وفي المسلمين من يملكون الملايين التي تبعثر في الخمر والبغاء والقمار وولائم الأعراس ومآدب الحفلات الرسمية وجواسيس الحكومات الإستعمارية، وفيهم من يموت وليس له وارث فتستولي على ماله هذه الحكومات الإستعمارية، لتتمكن به من خنق أنفاس المسلمين فيكون قد أساء مرتين: منع إخوانه ماله في حياته، وأعان به المسمتعمر عليهم بعد مماته. فأذكروا أيها المسلمون إخوانكم في هذه الأيام السود، فإن أسلمتموهم فلستم بمسلمين. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

стр. 171

عيادة أيقظ في نفسي وخز هذا الزمهرير، خواطر كانت هاجعة، وأعاد إلى ذاكرتي صورا كانت شاردة، وعرض أمام عيني دنيا فسيحة تموج بشتى المشاعر والأحاسيس، دفع بي مفعولها إلى أن أضيف هذه الكلمة إلى الفصل السابق. يروي التاريخ أن أحد العارفين بالله دخل عليه بعض إخوانه في يوم شديد البرد كهذه الأيام فوجده عاريا من ثيابه فقال له: إن الناس في هذه الأيام تضاعف اللباس وأنت هكذا تتعرى من الضروري منه، فقال: تذكرت الفقراء وما يقاسونه من لذع هذا البرد، ففكرت فيما أواسيهم به فلم أجد، فقلت: لا أقل من أن أتعرى هكذا لأشاركهم إحساسم بالبرد. هذه الكلمة لها قيمتها الكبيرة في هذا الباب، وإن مر بمثلها الكثير من الناس دون أن يأبه لها أو يلتفت إليها، إنها كلمة تنفذ إلى الأعماق بقوة تأثيرها ومفعولها، إنها تشير إلى أن المواساة ممكنة من كل أحد، كل على قدر طاقته، وتشعر- فوق ذلك- إلى أن شيئا أساسيا ينقصنا الآن، هو يقظة الشعور والوجدان. وتحت تأثير هذه الكلمة قالت لي نفسي:- نفسي اللوامة- لا نفسي الأمارة: وأنت بم تشارك، لأنه يجب أن تشارك؟ فارتبكت أولا ثم قلت: نعم يجب أن أشارك ولكن بم أشارك؟ بمالي؟ ولكن أين المال من أمثالي حملة الأقلام؟ بأن أتعرى كما فعل صاحبنا، ولكن هل يفيد العراة أن أتعرى؟ لا، بل يزيد واحد في عددهم بعريي ليس إلا، وملكتني الحيرة فلم أجد ما أصنع، وأخيرا هداني تفكيري إلى شيء وإن كان لم يقنعني كثيرا ولكن يثبت إسمي في القائمة على كل حال قائمة المشاركين ولو سلبيا، قلت أعودهم. وأنظر إلى شقائهم فأتالم ثم أكتب عنهم ليتألم من كان مثلي لا يملك إلا أن يتألم، ففي التألم مشاركة وإن كانت مشاركة سلبية كمشاركة صاحبنا بعريه، ولكن هذه المشاركة السلبية قد تكون عند بعض الناس

стр. 172

مقدمة للمشاركة الإيجابية كمشاركة الصائمين للفقير بجوعهم، فإن الحكمة من هذا الجوع أن يوقظ الشعور بالمحرومين في الناس، ولكن حتى هذه العيادة قد يستغربها كثير من الناس لأنهم يستكثرونها على هؤلاء التعساء، ويريدون أن يموتوا دون أن ينظر إليهم أحد، أو يتألم لألمهم قلب. ونحن لا يهمنا من هذا شيء ما دام منهاجنا هو منهاج الإسلام وما دامت دعوتنا هي دعوة الرجوع إلى تعاليم الإسلام، وعبادة المريض من سنن الاسلام ورسول الإسلام قد صح عنه أنه كان يعود المرضى في أطراف المدينة ولا سيما الفقراء منهم، فمالنا ولهؤلاء الذين لا يعنيهم أحد ولا يهتمون إلا بأنفسهم والذين لو استقر في قلوبهم إيمان، أو انطوت صدورهم على شيء من رحمة بأنضاء البؤس والحرمان لما كان في هذه الحياة بائس ولا محروم، ولأصبحت الحياه جنة تسر الناظرين، ولأصبح الناس كلهم إخوانا على سرر متقابلين: - وإذن- فقد صح عزمي على أن أعود هؤلاء الذين لا يعودهم أحد، ولا يفكر فيهم إلا الأقلون. فذهبت إلى أحد شوارع العاصمة التي يكثر فيها وجود هذا الصنف من تعساء الإنسانية، فوقع بصري على مشهد يذيب الفؤاد، ويفتت الأكباد، ونظرت إلى أكوام من الجثث الحية الميتة، تكاد تلتحم بالأرض، لطول ما باشرت بأديمها الأرض، نظرت إلى عيون غائرة ووجوه كاسفة وبشرات ذابلة قد برزت من بين خروق الثياب الممزقة والأسمال المتهدمة، والأنكى للقلوب الرقيقة والمشاعر الحساسة أن هؤلاء التعساء كلهم صغير السن غض الإهاب لم يتخط أكبرهم عتبة العشرين فقلت في نفسي: إلى من تنتمي هذه الأسرة الشقية؟ وأين آباء هؤلاء الصغار وأمهاتهم؟ وإلى من وكل أمرهم؟ وإلى متى يبقون على هذه الحال؟ وما مدى صبرهم على كل هذا البلاء؟ وأين الرحمة التي يتحدث الناس عنها؟ وأين الزكاة التي جعلها الله أحد أركان الإسلام؟ وأين الصدقة التي حث عليها القرآن؟ وإذا ذهب كل هذا فأين الغيرة والشمم؟ وأين الوطنية التي يدعيها كل منا عند السعة ويحجم عن الأخذ بناصرها عند الأزمات؟ وبلغ بي التأثر مبلغه فذهلت عن نفسي ولم أشعر إلا بقطرات العرق- عرق الخجل من نفسي- تتساقط من جبيني على عيني فيختلط عرق الخجل بدموع الرثاء ويغيم بصري ولم لا؟ أليس هؤلاء التعساء إخواننا لا

стр. 173

فرق بيننا وبينهم إلا أنهم جاعوا وشبعنا، وتعروا واكتسينا، وسهروا ونمنا وشقوا وسعدنا أليس هؤلاء الصغار أبناءنا؟ وما الفرق بينهم وبين أبنائنا لولا الأنانية والجهل وضعف الإيمان وموت الضمير؟ إنه لولا ذلك كله لما كان هؤلاء غير أبنائنا الذين نقول فيهم: وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض لو مرت الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني من الغمض إن هؤلاء ليسوا ضحايا الفقر فقط، وإنما هم ضحايا البخل والأنانية والإهمال كذلك. إن أنانيتنا لتبعدنا عن رؤية هؤلاء والتفكير فيهم حتى لا نتألم بررؤيتهم والتفكير فيهم، أي أنانية كهذه الأنانية؟ أيتألم أخوك بالبرد والجوع، وتأبى أن تراه حتى لا تتألم، وتشفق أن تفكر فيه حتى لا تتأثر، وتصم أذنيك عن سماع خبره حتى لا تتحرك في نفسك مشاعر الرحمة فتواسيه بما يفضل عليك من قطع الخبز اليابسة وفضلات الطعام البائتة، وبقايا الثياب الممزقة؟ لله ما تفعله بنا هذه الأنانية التي لا ترحم!

стр. 174

من أمجاد الإسلام قال يحى بن سعيد: " بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقيا فاقتضيتها وطلبت فقراء أعطيها لهم فلم أجد بها فقيرا ولم أجد من يأخذها فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم" ليتعظ بهذا من لا يرى النور يشع إلا من الغرب ويعمي عن مشرق النور الحقيقي وهو الشرق ليحول المفتونون من أبناء الإسلام بالمدنيه الغربية أنظارهم صوب المشرق مطلع الشمس فإن ما بهرهم من بريق في بلاد الغرب لم يكن إلا أشعة هزيلة انبعثت من مشرق النور ومنبع الحضارات وهو الشرق يوم أن كان الشرق أستاذ الغرب. ولأمر ما جعل الله الشمس تطلع من الشرق لا من الغرب، لو بقي للمسلمين قلوب يفقهون بها، فإن الله الذي جعل الشمس تطلع من الشرق جعل الشرق أيضا مشرق الهدايات ومنبع الحضارات، ولكن المسلمين فقدوا أغلى شيء في الحياة وهو الإعتزاز بالنفس، إن المسلمين اليوم كل همهم في الحياة أن يعيشوا عالة على الناس، أن يعيشوا إمعات أن يكونوا تابعين لا متبوعين، أن يكونوا من القافلة في مؤخرتها بل ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ وقد كانوا (قبل أن يسلبوا الإعتزاز بالنفس) سادة الأمم وقادة العالم وحاملي مشعل العلم والحضارة يسير الناس على هداهم واقتفاء خطواتهم كانوا- إذ ذاك- متبوعين لا تابعين، وحاكمين لا محكومين، وأساتذه لا تلاميذ، وموجهين لا مقلدين، وفي مقدمة القافلة لا في مؤخرتها. ليتعظ- إذن- أبناؤنا المتنكرون لماضيهم والمتمردون على قوميتهم والزاهدون في تراثهم بهذه النفحة العلوية من سجل ماضيهم المجيد الحافل بجلائل الأعمال والآثار، وليقفوا طويلا أمام هذه اللوحة الفنية من معرض تاريخهم الرائع العظيم.

стр. 175

وليقارنوا بين مدينة تعطي ومدينة تأخذ وبين فتح يزيل الفقر من البلاد المفتوحة ولا يترك بها فقرا واحدا تدفع إليه الصدقة، وفتح يخرج الغي منها ويترك أهلها فقراء بين شحاذ وماسح أحذية ومكب على صناديق القمامات والأوساخ. وليجيلوا أنظارهم في سجلات التاريخ من أقدم العصور إلى اليوم هل سجل مثل هذه الصفة الرائعه الخالدة لغير الإسلام وغير عظماء الإسلام؟ وهل استطاعت أية أمة من أمم الأرض قديما وحديثا غير أمة الإسلام أن تحدث مثل هذا الحدث الفذ العجيب، فتنفي الفقر نفيا وتطرد شبحه من الموضع الذي تطؤه أقدامها طردا؟ أما مع الإسلام فلا عجب فإنه النور الذي سدد كل ظلام والغيث النافع الذي يكفل كل رخاء والدستور الصالح العادل الذي يقر الأمن والنظام في البلاد ويقر التكافل والتضامن بين الأفراد ويقر الهدوء والإستقرار والطمأنينة في كل فؤاد. إن الله وإن فضل بعض عباده على بعض في الرزق فإنه شرع لهم من النظم والقوانين ما يكفل رفاهيتهم وسعادتهم أجمعين إن كانوا لهذه النظم والقوانين مع المتبعين، فتبع المسلمون في عهودهم الأولى هذه النظم والقوانين فبلغوا القمة الشاهقة من الرقي الإنساني المنشود، فلما تخلوا عن العمل بهذه النظم والقوانين التي تكفل للناس سعادتهم في دنياهم وأخراهم، تنكر لهم الدهر وتخلى عنهم النصر، وتداعت عليهم الأمم التي لم تقتبس النور إلا منهم، ولم تقطف ثمار العلم والمدنية إلا من دوحتهم الفينانة القوية، جزاء عادلا على تفريطهم في أسباب عزتهم وسيادتهم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ليكون ذلك درسا عمليا بليغا يرد المنحرفين عن الصراط السوي ويعود بهم إلى صوابهم صاغرين وإلا فبئست عاقبة الظالمين. وليتأمل المسلمون المستسلمون لمغريات الغرب ومغوياته في عدالة دينهم ونزاهة أحكامه وعفة حكامه، كيف أن الزكاة لا تؤخذ من الأغنياء إلا لترد على الفقراء لا لتنقل من البلاد المفتوحة إلى بلاد الأمة الفاتحة أو لتستخدم ضد مصالح البلاد التي أخذت منها كما هو ديدن الحكومات المستعمرة التي يلهج بذكر أعمالها الزائفة الذين يخطف البريق المستعار أبصارهم من أبنائنا. وليقف المسلم- أخيرا- أمام تلك المبرة العظمى والعبقرية الملهمة لآبائه الأمجاد إذ يعمد يحيى بن سعيد الموجه من طرف عمر بن عبد العزيز إلى تلك

стр. 176

الأموال التي لم يجد في إفريقيا كلها فقراء يعطيها لهم، فيشتري بها الرقاب المملوكة فيعتقها. هكذا الإسلام لا يعطي إلا الغني والحرية، وهكذا الفتح الإسلامي إذ يطأ أرضنا هذه ينقلها من الفقر إلى الغنى ومن العبودية إلى الحرية لا كما أصبحت تتخبط فيه اليوم من فقر وعبودية. فهل يعيد التاريخ نفسه؟.

стр. 177

التخاذل ما أغبى المسلمين إذ يتخاذلون وهم ضعفاء بينما يرون أعداءهم وأعداء دينهم يتعاونون وهم أقوياء والأدهى من ذلك أن المسلمين اليوم لا يكادون يخطون خطوة إلا في آثار هؤلاء الأعداء الأشداء ولا يعملون من عمل إلا مسيرين فيه بهذا الإقتداء، فلم إذن لا يقتدون بهم في هذا الطريق فيتعاونوا تعاونهم ويضربوا صفحا عن هذا التخاذل الذي لم يجنوا منه إلا الضعف والذل والإستعباد؟ أو أنهم قد أخذوا على أنفسهم أن لا يتأثروهم إلا في الشر، ولا يقتفوا خطواتهم إلا كما يقتفون خطوات الشيطان التي لا تسير إلا في طريق الإثم والكفر والضلال؟ ولكن- لم نحتاج إلى هؤلاء ولم نستعير منهم وقد أغنانا الله وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين؟ فإن لنا من تراثنا الضخم- الذي يتمثل في كتاب الله وسنة رسول الله وتاريخنا الثري المخصب الحافل بالتجارب الصادقة والمواقف الملهمة والحكم الخالدة الموجهة- ما يكفينا وينأى بنا عن التطلع إلى الغير أو التطفل على الموائد الأجنبية. إن قائد الإسلام الأعظم ﷺ لم يحارب شيئا كما حارب التخاذل، ولم يحث على شيء كما حث على التعاون، ذلك لأنه بعث رحمة للعالمين، بعث ليقيم البناء الوثيق على الأساس الصحيح، فهو أولى أن يعلم أن الحياة التي بعث ليحول مجراها من طريق الشر إلى طريق الخير، لا تصلح إلا على التعاون، إذ رآى كيف عاثت في جوانبها يد الأنانية والتخاذل وعبادة الشهوات، فصيرتها غابة وحوش يأكل فيها القوي الضعيف، وجحيما لا يطاق ولا يأوى إليه إلا الأشقياء.

стр. 178

فدعا ﷺ أولا إلى الأخوة أساس التعاون: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" ثم لما مهد إلى التعاون بالتنبيه إلى هذه الأخوة المقتضية للتعاون، دعا إلى التعاون فقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله". إن تخاذل الأقوياء ينتج ضعفا، وتعاون الضعفاء ينتج قوة، وهو معنى قول القائل: وضعيفان يغلبان قويا: ولكن لا أحكم ولا أنفذ إلى صميم الواقع من قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كاليدينة تغسل إحداهما الأخرى). فاليد الواحدة لا تغسل نفسها، وكذلك الشخص الواحد لا يضطلع بأية مهمة وإن بدت هينة يسيرة. فهذا الخبز- الذي لا يستغي عنه أحد والذي يظهر للناس أن الحصول عليه مستطاع لكل أحد- لا يصل إليك إلا بعد أن تتعاون عليه جهات كثيرة وأيد مختلفة، وبعد أن يمر في أطوار متسلسلة كأطوار الجنين قبل أن يخرج إلى دنياه، فأول ذلك تعاون الأرض والسماء، السماء بالسقي والأرض بالإنبات، وبين سقي السماء وإنبات الأرض يأتي صاحب المحراث وبعد أن ينضج الزرع يأتي صاحب المنجل ثم صاحب الرحي ثم صاحب الفرن، ولولا هذا التعاون المتصل المتسلسل لما حصلت على نصيبك من هذا الغذاء الضروري الأولى ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. كما يضرب ﷺ المثل للتعاون بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا. فهذه اللبنات المتفرقة لا تجدي نفعا ولا تؤدي وظيفة إلا إذا تضامت وتساندت وتعاونت، عند ذلك فقط تصير بنيانا تعمر به الدنيا ويأوي إليه الناس وتتكون فيه الأسر وتتناسل حتى تصير أمما وشعوبا وأجيالا.

стр. 179

بل إنه ﷺ لينفذ ببصيرته إلى سرائر القلوب وبواطن النفوس، فيربيها على حب الخير، ويبذر فيها بذور التعاون إذ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ومن المجالات الواسعة للتعاون في المجال الإقتصادي أو تعاون البائع والمشتري، إنه إذا انعدم هذا المجال أو اختل أو ضعف، انعدم المجال الحيوي للأمة أو اختل أو ضعف تبعا لذلك. ولكن المسلمين اليوم قل منهم من ينظر إلى هذه الناحية نظرة عميقة أو يعيرها ما تستحقه من عناية واهتمام، فترى المسلم يتردد على المتاجر الأجنبية ويشتري ما يحتاج إليه من التجار الأجانب، بينما متاجر الأهالي المسلمين لا يؤمها إلا القليل من المسلمين ممن لم يعدموا يقظة الشعور وصدق الوطنية ووازع الإيمان. إن التخاذل هو داؤنا الخطير المبيد وإن التعاون هو دواؤنا الناجع المفيد. فيا أيها المسلمون: حسبكم تعاونكم على ما يبيدكم، وتخاذلكم فيما يفيدكم، فأفيقوا من نومكم واعملوا لما فيه خيركم وسعادتكم. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

стр. 180

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله." عمر بن الخطاب. إن عمر- الذي اخترق بنظره النفاذ حجب المكان فرآى (وهو على منبر المدينة) جيش الإسلام بنهاوند بأرض إيران يكاد يطوقه العدو فيهتف بقائد الجيش: يا سارية الجبل، وتنفذ الصيحة إلى سمع القائد فينحاز بالجيش إلى الجبل وينجو- هو عمر الذي يخترق بنظره النفاذ حجب الزمان فيرى المسلمن من وراء أربعة عشر قرنا وقد استبدت بهم الأنانية فصار كل واحد منهم لا تعنيه إلا نفسه، فيرى الفساد ضاربا أطنابه فلا ينبس بكلمة ويمر بالمنكر يرتكب جهارا نهارا فلا يحرك منه ساكنا، يرى عمر هذا أو يلهمه، فعمر ملهم هذه الأمة وعبقريها بشهادة المعصوم " ﷺ " وبشهادة القرآن الذي وافق رأيه في أشياء عدة وفي تشريعات كثيرة كما في آية الفداء وآية الخمر حتى قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث. يرى عمر- بعين عقله- ما سيئول إليه حال هذه الأمة فيصرخ هذه الصرخة ويزفر هذه الزفرة: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا بنهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله." إنها لصرخة مدوية رهيبة لم تجد قلوبا واعية وهمما مستجيبة، كما وجدت صرخته لسارية أن يعتصم بالجبل فكانت الدواء الشافي لأنها كانت الدعاء المستجاب من أولئك الجنود البسلاء.
следующие страницы →