← Джавами‘

Джавами‘ · id 96557

دراسات وتوجيهات إسلامية

أحمد سحنون

Полный текст (352 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأموال التي لم يجد في إفريقيا كلها فقراء يعطيها لهم، فيشتري بها الرقاب المملوكة فيعتقها. هكذا الإسلام لا يعطي إلا الغني والحرية، وهكذا الفتح الإسلامي إذ يطأ أرضنا هذه ينقلها من الفقر إلى الغنى ومن العبودية إلى الحرية لا كما أصبحت تتخبط فيه اليوم من فقر وعبودية. فهل يعيد التاريخ نفسه؟.

стр. 177

التخاذل ما أغبى المسلمين إذ يتخاذلون وهم ضعفاء بينما يرون أعداءهم وأعداء دينهم يتعاونون وهم أقوياء والأدهى من ذلك أن المسلمين اليوم لا يكادون يخطون خطوة إلا في آثار هؤلاء الأعداء الأشداء ولا يعملون من عمل إلا مسيرين فيه بهذا الإقتداء، فلم إذن لا يقتدون بهم في هذا الطريق فيتعاونوا تعاونهم ويضربوا صفحا عن هذا التخاذل الذي لم يجنوا منه إلا الضعف والذل والإستعباد؟ أو أنهم قد أخذوا على أنفسهم أن لا يتأثروهم إلا في الشر، ولا يقتفوا خطواتهم إلا كما يقتفون خطوات الشيطان التي لا تسير إلا في طريق الإثم والكفر والضلال؟ ولكن- لم نحتاج إلى هؤلاء ولم نستعير منهم وقد أغنانا الله وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين؟ فإن لنا من تراثنا الضخم- الذي يتمثل في كتاب الله وسنة رسول الله وتاريخنا الثري المخصب الحافل بالتجارب الصادقة والمواقف الملهمة والحكم الخالدة الموجهة- ما يكفينا وينأى بنا عن التطلع إلى الغير أو التطفل على الموائد الأجنبية. إن قائد الإسلام الأعظم ﷺ لم يحارب شيئا كما حارب التخاذل، ولم يحث على شيء كما حث على التعاون، ذلك لأنه بعث رحمة للعالمين، بعث ليقيم البناء الوثيق على الأساس الصحيح، فهو أولى أن يعلم أن الحياة التي بعث ليحول مجراها من طريق الشر إلى طريق الخير، لا تصلح إلا على التعاون، إذ رآى كيف عاثت في جوانبها يد الأنانية والتخاذل وعبادة الشهوات، فصيرتها غابة وحوش يأكل فيها القوي الضعيف، وجحيما لا يطاق ولا يأوى إليه إلا الأشقياء.

стр. 178

فدعا ﷺ أولا إلى الأخوة أساس التعاون: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" ثم لما مهد إلى التعاون بالتنبيه إلى هذه الأخوة المقتضية للتعاون، دعا إلى التعاون فقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله". إن تخاذل الأقوياء ينتج ضعفا، وتعاون الضعفاء ينتج قوة، وهو معنى قول القائل: وضعيفان يغلبان قويا: ولكن لا أحكم ولا أنفذ إلى صميم الواقع من قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كاليدينة تغسل إحداهما الأخرى). فاليد الواحدة لا تغسل نفسها، وكذلك الشخص الواحد لا يضطلع بأية مهمة وإن بدت هينة يسيرة. فهذا الخبز- الذي لا يستغي عنه أحد والذي يظهر للناس أن الحصول عليه مستطاع لكل أحد- لا يصل إليك إلا بعد أن تتعاون عليه جهات كثيرة وأيد مختلفة، وبعد أن يمر في أطوار متسلسلة كأطوار الجنين قبل أن يخرج إلى دنياه، فأول ذلك تعاون الأرض والسماء، السماء بالسقي والأرض بالإنبات، وبين سقي السماء وإنبات الأرض يأتي صاحب المحراث وبعد أن ينضج الزرع يأتي صاحب المنجل ثم صاحب الرحي ثم صاحب الفرن، ولولا هذا التعاون المتصل المتسلسل لما حصلت على نصيبك من هذا الغذاء الضروري الأولى ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. كما يضرب ﷺ المثل للتعاون بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا. فهذه اللبنات المتفرقة لا تجدي نفعا ولا تؤدي وظيفة إلا إذا تضامت وتساندت وتعاونت، عند ذلك فقط تصير بنيانا تعمر به الدنيا ويأوي إليه الناس وتتكون فيه الأسر وتتناسل حتى تصير أمما وشعوبا وأجيالا.

стр. 179

بل إنه ﷺ لينفذ ببصيرته إلى سرائر القلوب وبواطن النفوس، فيربيها على حب الخير، ويبذر فيها بذور التعاون إذ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ومن المجالات الواسعة للتعاون في المجال الإقتصادي أو تعاون البائع والمشتري، إنه إذا انعدم هذا المجال أو اختل أو ضعف، انعدم المجال الحيوي للأمة أو اختل أو ضعف تبعا لذلك. ولكن المسلمين اليوم قل منهم من ينظر إلى هذه الناحية نظرة عميقة أو يعيرها ما تستحقه من عناية واهتمام، فترى المسلم يتردد على المتاجر الأجنبية ويشتري ما يحتاج إليه من التجار الأجانب، بينما متاجر الأهالي المسلمين لا يؤمها إلا القليل من المسلمين ممن لم يعدموا يقظة الشعور وصدق الوطنية ووازع الإيمان. إن التخاذل هو داؤنا الخطير المبيد وإن التعاون هو دواؤنا الناجع المفيد. فيا أيها المسلمون: حسبكم تعاونكم على ما يبيدكم، وتخاذلكم فيما يفيدكم، فأفيقوا من نومكم واعملوا لما فيه خيركم وسعادتكم. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

стр. 180

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله." عمر بن الخطاب. إن عمر- الذي اخترق بنظره النفاذ حجب المكان فرآى (وهو على منبر المدينة) جيش الإسلام بنهاوند بأرض إيران يكاد يطوقه العدو فيهتف بقائد الجيش: يا سارية الجبل، وتنفذ الصيحة إلى سمع القائد فينحاز بالجيش إلى الجبل وينجو- هو عمر الذي يخترق بنظره النفاذ حجب الزمان فيرى المسلمن من وراء أربعة عشر قرنا وقد استبدت بهم الأنانية فصار كل واحد منهم لا تعنيه إلا نفسه، فيرى الفساد ضاربا أطنابه فلا ينبس بكلمة ويمر بالمنكر يرتكب جهارا نهارا فلا يحرك منه ساكنا، يرى عمر هذا أو يلهمه، فعمر ملهم هذه الأمة وعبقريها بشهادة المعصوم " ﷺ " وبشهادة القرآن الذي وافق رأيه في أشياء عدة وفي تشريعات كثيرة كما في آية الفداء وآية الخمر حتى قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث. يرى عمر- بعين عقله- ما سيئول إليه حال هذه الأمة فيصرخ هذه الصرخة ويزفر هذه الزفرة: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا بنهي عن منكر فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب الله." إنها لصرخة مدوية رهيبة لم تجد قلوبا واعية وهمما مستجيبة، كما وجدت صرخته لسارية أن يعتصم بالجبل فكانت الدواء الشافي لأنها كانت الدعاء المستجاب من أولئك الجنود البسلاء.

стр. 181

إن في كلمة عمر العظيم لتنبيها إلى دائنا الخطير وهو فقدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جعله الله سبب عزة هذه الأمة ومناط فضلها على سائر الأنام إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ولو عرف المسلمون قدر هذه الآية لعرفوا أي أمة هم، ولعملوا ما تقتضيه منهم بل لاتخذوا يوم نزولها عيدا لهم، كما اتخذ النصارى يوم نزول المائدة عيدا لهم، وشتان بين نزول مائدة طعام، ونزول آية تعلن فضلنا على سائر الأنام. إن الله اذ منح هذه الأمة هذا الدين العظيم الذي ختم به الأديان وجمع فيه من وسائل الإصلاح والتقدم والعمران، ما يصلح عليه أهل كل زمان، قد وضع في يديها مجد الحياتين ومفتاح السعادتين، وبذلك جعلها خير أمة أخرجت للناس، ولكن هذه الخيرية قد أناطها الله بطرفي آخر لا بد منه، هو القيام على حراسة هذا المجد وحفط هذا المفتاح، هو العمل بتعاليم هذا الدين والآنقياد لأوامره ونواهيه، ليكون الفضل مكتسبا وموهوبا معا، بل إن الفضل الصميم الذي يستحق التنويه والتعظيم هو ما أكتسبه الشخص بجده وكفاحه. والدعامة التي تحفظ هذا الدين ويقوم عليها بناؤه المتين هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أحتاط الإسلام لذلك فأناط به شرف هذه الأمة وجعله واجبا على كل فرد فيها إذ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وليرى المسلم أن في المحافظة على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو دعامة دينه محافظة على [ ... ] عند الله كما أن في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دافعا قويا للدعاة إلى العمل بهذا الدين الذي يدعون إليه، إذ يستحي الداعي إلى شيء أن يخالف ما يدعو إليه، والله تعالى يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ولا أحكم ولا أقوم من هذا التشريع، فالإسلام إذ يلزم المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعله مقيدا بالعمل به، وفي ذلك حفظ للدين في أتباعه ومخالفيه على السواء. إذن- فشرف هذه الأمة وفضلها على الأمم قائم على بقاء هذا الدين في العمل به والدعوة إليه، ولكن المسلمين اليوم لم يعملوا بدينهم فضلا عن أن يدعوا إليه، ومن ثم خرجوا من فردوس السعادة الذي كانوا فيه، وحكم الله فيهم من كانوا تحت

стр. 182

حكمهم، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وغضب عليهم فلم يقبل دعاءهم وكفى بهذا عقابا لهم وحق عليهم بذلك قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يسجاب لكم". وا أسفاه على هذه الأمة! إختار الله لها خير وظيفة في الدنيا، وهي وظيفة الأنبياء، وهي الدعوة العامه إلى الخير العام، فلم تعرف قيمة ما بيدها، ولم تجعل من كفاح نبيها في هذا الميداين خير قدوتها، وكتابها يستصرخها بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ولكن كيف تقتدي بنبيها وهي لا تلتفت إلى تاريخه: "وإذا فاتك التفات إلى الما ... ضي فقد غاب عنك وجه التأس" لقد أمضى نبيها ﷺ كل عمره مكافحا في هذا السبيل بلسانه وبحسامه وبسلوكه، كان المثل الأعلى للداعية المسدد الموفق بخير ما تحتمله كلمة داعية من معنى، وبفضل هذا الجد والحرص والتفاني في الدعوة، عم نور الإسلام أكثر بقاع الأرض. ولكن المسلمين اليوم أنطووا على أنفسهم وأشتغل كل منهم بخويصة نفسه، وأذكر أني عتبت يوما على صديق تقصيره في هذا الباب فأجابني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقلت له: أعيذك أن يكون فهمك لكتاب الله هذا الفهم، فإن القرآن لا يناقض بعضه بعضا، فكيف يأمر بشيء ثم ينقضه؟ أنسيت ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية المتقدمة؟ أنسيت ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؟ أنسيت ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؟ ثم كيف يناقض ﷺ القرآن الذي أنزل عليه وهو يأمرنا بتغيير المنكر فعلا لا بالنهي عنه فحسب، إذ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ويجعل هداية ضال واحد غنيمة كبرى إذ يقول: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"؟

стр. 183

أما هذه الآية التي تحتج بها لسكوتك عن الباطل فقد أحتج بها أناس آخرون قبلك ولكنهم لم يفلحوا ولذا روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على غير وجهها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". أيها المسلمون: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل فرد في هذه الأمة لا يختص به واحد دون آخر، للنصوص الصريحة المتقدمة ولقوله ﷺ : "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" ولأن في ذلك قطعا لدابر الفساد، فإن ما وقع فيه المجتمع الإسلامي من إنحطاط في الخلق وانحراف في السلوك وانصراف عن تعاليم الإسلام، يرجع كله إلى عدم المبادرة بمقاومة الشر، بالنهي عن المنكر كلما حدث شر وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. وأنتم إيها الطبقة الخاصة: المسؤوله بصفة خاصة، بما ميزكم الله به من علم ومعرفه بتعاليم الإسلام وبطرق الإقناع أنفضوا عنكم غبار الكسل والأنانية واليأس وأنقذوا أمتكم مما هوت إليه من دركات الشقاء والإنحطاط، ولكن لابد من سلاح لهذا الكفاح، سلاح من قوة الإرادة، وسلاح من نقاء الضمير، وسلاح من طهارة السلوك، فإنكم في عصر الإلحاد والإباحية والعلم أيضا، العلم الذي كثيرا ما أستخدم في مقاومة الحق وتأييد الباطل، وأقوى سلاح في هذه الأسلحة، أن تعملوا بما تدعون إليه، فإن الناس يسمعون في هذا الباب بعيونهم، أكثر مما يسمعون بآذانهم، أي أنهم ينظرون إلى عمل العالم أكثر مما يسمعون إلى قوله، ولهم الحق في ذلك فإن النبي ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقتاب بطنه (أي تخرج أمعاؤه) فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان: ما لك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهي عن المنكر وآتيه" فكونوا أيها العلماء حجة للدين ولا تكونوا حجة عليه.

стр. 184

القدوة الحسنة لهذا الموضوع صلة وثيقة بالموضوع الذي قبله - موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فكلاهما دعوة إلى الكمال ومقاومة للشر، والفرق بينهما أن أحدهما دعوه بالقول والآخر- وهو القدوة الحسنة- دعوة بالعمل والسلوك وهذا أبلغ تأثيرا لأن الناس تتأثر بالحقائق أكثر مما تتأثر بالأقوال، والداعية المستقيم السلوك الحسن السيرة، قلما يخفق في دعوته، وبالعكس منه أولئك الدعاة الأنانيون الإنتفاعيون الذين تنطلق ألسنتهم بالقول وتنقبض أيديهم عن العمل، أولئك الكسالى الذين لا تتحرك فيهم إلا ألسنتهم، فهم الذين وقفوا في طريق دعوتهم من حيث لا يشعرون، إذ شككوا الناس فيما يدعون إليه بمخالفتهم إياه، لأن الداعي إلى شيء يجب أن يعطي الأمثلة من نفسه والشهادة العملية من سيرته، ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، فسيرته كلها دعوة إلى ما جاء به، وهذا من أسرار نجاحه في دعوته، ومن أجل هذا يأمرنا الله تعالى بأن نتبعه ﷺ في سيرته وأعماله كما يأمرنا بإتباعه في أوامره وأقواله، إذ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والقدوة برسول الله تكون في حياتة باقتفاء خطواته، وبعد صعوده إلى الملأ الأعلى بالرجوع إلى ما سجل من هذه السيرة الخالدة والائتساء بها والإسترشاد بأنوارها الهادية التي هي من نور الله والتي منذ عشونا عنها ونحن في ظلمات بعضها فوق بعض والتائه في الظلمات يمد يده إلى كل من يأخذ بيده ولو لم يعلم إلى أي هاوية يسير به، وذلك ما وقع لنا فبينما نحن في متاهتنا إذ مد إلينا شيطان الإستعمار الأروبي يده المضللة لا ليخرجنا من الظلمات إلى النور، بل ليخرجنا إلى ظلمات أشد منها ظلاما، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ

стр. 185

ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وهذا الشيطان يوسوس لنا دائما بأن من الخير أن لا نلتفت إلى الماضي ويريد بذلك أن لا نعود إلى تاريخنا فنتأثر بتلك السيرة الملائكية ونهتدي بتلك الأنوار القدسية، وتكتمل حياتنا التهذيبية نقصها الفادح بذلك الجانب الأهم، جانب القدوة الحسنة، ولذلك نصبح خير خلف لخير سلف، فنسير سيرتهم ونأتي من أعمال الخير والفتح والعمران ما كرسوا له حياتهم، وفي ذلك كله تبديد ظلامه وظلمه، والقضاء على سلطانه وحكمه. لذلك فلا أقض لمضجع الإستعمار من أن يرى الأمة التي أنشب فيها مخالبه وأخضعها لحكمه، تقبل على تاريخ أسلافها تستظهر صفحاته لتقبس منه الشعاع الهادي وتأخذ منه الحكمة البليغة والعظة البالغة، وتستمليه دروس الوطنية الصادقة وأمثلة البطولة العالية. إن القدوة الحسنة هي التي تنشىء البيئة الصالحة وإن الله إذ يأمرنا بالدعوة إلى الكمال إنما يأمرنا بإيجاد القدوة الحسنة التي تنشىء البيئة الصالحة، كما أنه إذ يأمرنا بمقاومة الشر إنما يأمرنا بقتل القدوة السيئة التي تنشىء البيئة السيئة، فكل رجل خير هو قدوة حسنة، وكل رجل شرير هو قدوة سيئة. وإذا قارنا بين المجتمع الإسلامي الأول والمجتمع الإسلامي اليوم، وجدنا أن المجتمع الإسلامي الأول بلغ الذروة العليا في الكمال الإنساني، لأن القدوة إذ ذاك كانت قدوة صالحة كاملة كان الجو إذ ذاك تعطره أنفاس محمد ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وعثمان وأبي عبيدة وأمثالهم، ووجدنا أن المجتمع الإسلامي اليوم وصل في الإنحطاط والتسفل إلى الدرك الأسفل، لأن القدوة الصالحة انعدمت بالمرة، وبدل من أن يكون لنا من سيرة محمد ﷺ وأصحابه قدوة، استعرنا قدوتنا من الخارج وبذلك أصبح مجتمعنا غير إسلامي، وأصبح يعج بكل ما حرمه الإسلام من بيوت للدعارة مفتحة الأبواب في الليل والنهار، وحانات تمتلىء بالمسلمين وتعيش على أموال المسلمين، وبنوك تتعامل بالربا، ولو كان هذا في البلدان التي لم تذق أي طعم للحكم الذاتي لهان الأمر بعض الشيء، ولكنه في البلدان التي تتمتع بقسم كبير من الإستقلال، وهكذا:

стр. 186

"أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجده كالطير مقصوصا جناحاه" "إنا مشينا وراء الغرب نقبس من ... ضيائه فأصابتنا شظاياه"

стр. 187

الحب ربما عجب القراء الكرام من إدخال هذا الموضوع- موضوع الحب- بين ما قرؤوه ويقرؤونه في هذه الفصول الدينية الأخلاقية، لأنهم تعودوا أن لا يروا هذه المادة الضرورية للمجتمع وهذا العنصر الأساسي في بناء الأخلاق، إلا في أسواق الخنا وميادين الخلاعة، أو تعودوا أن لا يروا هذا الموضوع الرئيسي يتناول إلا من ناحيته المادية، وربما كانوا معذورين في ذلك، فأكثر الكتاب في أيامنا هذه قلما يكتبون في غير الحب، وهم في كتابتهم عن الحب، لا يتناولونه إلا كجسكر للشهوات الحسية العارمة، وكوسيلة لإغراء الغرائز الجنسية الجامحة، وإفساد النخبة الصالحة من فتياننا وفتياتنا وتخنيثهم وقتل ضمائرهم، فكم من حرمة انتهكت وكم من شرف أهدر، وكم من كرامة امتهنت، باسم هذا الحب وبفضل هذه الأقلام المادية الأدبية، هذه الأقلام التي تبيح لنفسها أن تصل بين شاب وشابة اتصالا ماديا محرما، إن كلمة أدب وكلمة مادة لا تجتمعان أبدا في مدلول، فكيف اجتمعتا فيما يكتب هؤلاء الأنانيون المخنثون الذين يقضون بما يكتبون على رسالة الأدب من حيث لا يعلمون أو من حيث لا يريدون، إن رسالة الأديب المسلم يجب أن تكون فوق كل رسالة فلا يتأثر- بهذا الهراء المادي الرخيص الذي تصدره أروبا التي لا تؤمن برسالة الروح، والذي سرى في المجتمع الإسلامي الروحي سريان الجراثيم الوبائية الفاتكة في الجسم، فكل مجال أدبي (أو مادي أيضا) هو أثر مما في أروبا اليوم، وما بقي لنا خالصا لم نتأثر فيه بأروبا هو في نظرنا جانب نقص، ومتى تغلبنا عليه أو غلبتنا عليه أروبا، فقد استكملنا نهضتنا في رأينا. على أن هذا اللون الرخيص مما ترشح به أقلام الكتاب المسلمين اليوم، والذي

стр. 188

هو صدى لأقلام واتجاهات أجنبية، إن أقر في الأوساط الأروبية فهو عندنا جريمة نكراء، لأن جونا غير جوهم وبيئتنا غير بيئتهم وظروفنا الحالية غير ظروفهم، فنحن اليوم نحتاج إلى أدب واقعي يصور الظلم في أشنع صوره ويحمل الحملات الموفقه ويدعو إلى الثورة عليه، أدب يثور على النظم الجائرة والأخلاق المنحلة الفاسدة، أدب يثير الهمة في النفوس، والنخوة في الرؤوس، والحماس للأمجاد الإسلامية الغابرة في المشاعر والقلوب، إننا نحتاج إلى أدب أخلافي ديني تاريخي يذكر الأمة بما لها من ماض ذهبي الصفحات، جليل الآثار طيب الغراس، يانع الثمرات، فلا يعصف اليأس بآمالها، ولا يذوي زهراتها في قلوبها، إننا نحتاج إلى أدب يصنع الرجولة الحقة والسواعد القوية والعزائم المصممة الصادقة للساعة الحاسمة المنتظرة. أما هذا الأدب المائع الذي لا يتسع مداه لغير الحب الحيواني السخيف، والذي لا يخلو من وجود رجل يغصب عفاف امرآة، وامرأة نخون شرف زوجها، وفتاة حملت من تلميذ تعرف عليها في السينما، فما أغنى المجتمع الإسلامي الواهن القوي المهيض الجناح عن هذه السموم القتالة والأوبئة الفتاكة. لذلك فالحب الذي نعنيه في هذا الفصل، هو الحب الذي يربط بن أجزاء الأمة برباط لا تنفصم عراه، هو الحب في الله الذي أقام محمد ﷺ على صخرته صرح الأخوة الإسلامية السامق، ذلك الصرح الذي ما تصدع كيان الدولة الإسلامية حتى تصدع، إن عنصر الحب في الله هو الشيء الأساسي الذي تقلص ظله وتوارى شبحه من المجتمع الإسلامي اليوم وإننا إذ نشكو من ركود سوق تغيير المنكر في هذا المجتمع، ننسى أو نتناسى هذا العنصر الأساسي في الموضوع. إن تغيير المنكر إنقاذ، والإنقاذ يتطلب تضحية، والتضحية لا بد لها من حب يبعث عليها فلو أن المسلمين اليوم لم يجدب مجتمعهم من هذا الغراس الطيب الذي بذره دينهم وتعهده بالسقي نبيهم ﷺ وهو الحب الروحي الخالص من شوائب المادة وأكدار المنافع الدنيوية الزائلة، الحب في الله الذي تفرضه الأخوة الإسلامية الكاملة، إن المسلمين اليوم لو تحابوا لتناصحوا ولتأمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ولما رضوا لأنفسهم هذا القناع الصفيق من النفاق الذي حجب العيوب، وأخفى وراءه جراثيم الداء المبيد، ولكن المسلمين اليوم- بعد أن أقفرت نفوسهم

стр. 189

من أريج الحب الأخوي- أصبحت النصيحة بينهم جريمة وأصبح صالحهم كما قال عمر رضى الله عنه: (من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ... ) وهكذا قلب الإنسان إذا خلا من الإيمان عمره الشيطان كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية المتقدمة في الفصل المتقدم ... وإلا فإن النصح لا ينافي الحب، بل بالعكس، إن الذي لا ينصحك لا يحبك، والمثل يقول: (من حب طب) كما يقال: (المحبة بذل المجهود) ولما كان ﷺ بلغ الغاية القصوى في محبة أمته حتى قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فإنه بلغ الغاية القصوى كذلك في الحرص على هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، حتى قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ (أي مهلك) نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾. إن الحب أنواع: وأشرفه ما كان لله، وهو الحب الذي ربط بين المسلمين برباط الأخوة الدينية، وجعلهم وحدة قوية متماسكة، استطاعت أن تكتسح من طريقها قوى الشرك والظلم والوثنية، وهي التي جعلت للعرب قيمة في التاريخ وأي قيمة، لذلك امتن الله بها عليهم إذ قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. هذا الحب هو الذي ينفع في الدنيا لأنه جعل للعرب دولة بعد أن كان بعضهم لبعض عدوا، ويجعلهم الآن دولة إن عادوا إليه وتعاملوا به، وينفع كذلك في الآخرة فإن هذه الصداقات- كلها تذوب بين يدي الله يوم تعرض أعمال العباد على الله، ولا يبقي منها إلا ما كان لله، بل كل متحابين في هذه الدنيا ينقلبان في الآخرة وكلاهما عدو للآخر، قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ وروى أحمد والحاكم أن أبا إدريس الخولاني قال لمعاذ: إني أحبك في الله، فقال له: أبشر، أبشر، فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "ينصب لطائفة من الناس كراس حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فقيل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فقال: "هم المتحابون في الله".

стр. 190

فليحرص المسلمون على أن يشيعوا بينهم هذا الخلق العظيم الذي هو أساس لكل خلق كريم وسبيل لكل خير عميم، ولإرغام كل شيطان رجيم، فإن المسلمين إذا تحابوا تناصحوا وتشاوروا واتحدوا وتعاونوا وأصبحوا كالبنيان يشد بعضه بعضا، وبذلك يصبحون- كما كانوا- خير أمة أخرجت للناس، وذلك ما أراده لهم دينهم العظيم. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 191

المرأة المسلمة كتب إلي أخ محترم من بجاية يقترح أن أتناول موضوع المرأة بشيء من العناية والإهتمام. وأنا وإن كنت لا أرى فرقا بين الرجل والمرأة فما هو من هذا النوع الذي يكتب في هذه الفصول، ولذا لم يفرد القرآن المرأة بالخطاب إلا في مواضع معينة اقتضتها اعتبارات معينة. فإني رغم هذا أكتب الكلمة التالية وأرجو أن يجد فيها الأخ ما يلائم ذوقه: حقا- يا أخي- يجب أن نلتفت إلى نصفنا الآخر المريض وإلى جناحنا الآخر المهيض، إلى المرأة قلب المجتمع الذي إذا صلح صلح المجتمع كله، وإذا فسد فسد المجتمع كله. حقا إن هذا النصف المريض والجناح المهيض لأولى بالعناية من كل شيء آخر، إذ أن الجانب أكبر من أسباب تأخرنا يرجع إلى تأخر المرأة عندنا، وهل يتقدم الرجل إذا تأخرت المرأه؟ وهل يطير طائر إلا بجناحيه معا؟ وهل تصفق اليمنى إلا باليسرى؟ كما يقول مثلنا الشعبي الجميل. إن المرأة مديرة بيتنا ومربية أولادنا وأمينة سرنا وموضع كرامتنا وموقع المدح والذم منا، فهل يسعنا- وهذه صفتها- أن نتهاون بها أو نتجاهل مكانها، فندعها للظروف تسيرها أو نتركها في مهب الرياح تميل بها كل مميل؟ إن دواءنا دائما هو التعليم، لأن مرضنا المستفحل من زمن بعيد هو الجهل، وجهل المرأة عندنا أشد من جهل الرجل وأكبر، فلتكن عنايتنا بالمرأة- إذن- أشذ وأكبر.

стр. 192

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المرأة هي الإناء، وإن لون الماء لون إنائه، أي أن حضن المرأة هو المكان الأول الذي يتربى فيه الطفل ويتأثر به بعد أن يخرج من بطن أمه قطعة من لحمها ودمها وعقلها وتفكيرها أيضا. هذا المخلوق العظيم الذي يؤثر في أولادنا قبل أن يخرجوا إلى دنياهم وبعد أن يخرجوا إليها، كيف لا نهتم به اهتمامنا بأغلى شيء لدينا وأعز عزيز علينا؟ إن للمرأة- في الغالب- أولادا هي مسؤولة عن تربيتهم وتهذيبهم أكثر منا، لأنها تقضي معهم من الوقت أكثر مما نقضي، فلنعلمها أصول تربية الأولاد والأساليب الناجعة لتهذيبهم، وإن للمرأة زوجا تسأله عن طاعته وراحته وإدخال السرور على قلبه، فلنعلمها حقوق الزوج وآداب المعاشرة الزوجية، وإن لها من البيت مملكة تدبرها فلنعلمها كيف تدبر مملكتها، وإن لها جيرانا تقضي معهم يومها كاملا فلنعلمها آداب الجوار وحقوق الجار، وإن لها لغة يجب أن يظهر أثرها على لسانها ليظهر أثر القرآن في سلوكها ومشاعرها، وإن لها دينا يجب أن تملكه زمامها، وإن لها تاريخا يجب أن تقبس من أنواره ما يهديها طريقها المحفوف بالأشواك والمخاطر، فلنعلمها لغتها ودينها وتاريخها، ولكن ملاك أمرها لزوم وكرها، فإن هذا الطائر الجميل لسريعة إليه سهام الصائدين، وإن المرأة إذا ألفت مفارقة بيتها شق عليها البقاء فيه، فقضت بذلك على رسالتها التي هي تدبير مملكة البيت. على أني لا أعني بلزوم المرأة للبيت أن تكون فيه قطعة منه لا تنفصل عنه أو كما قال حافظ إبراهيم: "ليست نساؤكم حلى وجواهرا ... خوف الضياع تصان في الأحقاق" وإنما أقصد بلزوم البيت أن تهجر بيوت الشيطان لا بيوت الله ولا بيوت العلم، أعني أن لا تذهب إلى السينما أو الأوبرا، فتسمع إلى الشيطان يلتي دروسه على الشابات والشبان ويلهب فيهم الشعور المجنون بالغريزة المجنونة فإن في هذا مصيبتين وشرا مزدوجا، فراغ البيت الذي يجب أن يعمر، وعمارة البيت الذي يجب أن يفرغ. إن خروج المرأة المسلمة من بيتها متعطرة متأطرة بين غمز العيون واصطدام الصدور وهمس الشفاه، وحيث تلقي الفضيلة والآداب مصرعهما، جريمة تتولد منها جرائم

стр. 193

وبلية تنتج بلايا ومآثم، ولا عجب- إذن- أن يحرص نبي هذه الأمة ﵊ على أن تعتصم المرأة ببيتها إذ يقول فيما رواه ابن مسعود ﵁: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها" وروي عن ابن مسعود أيضا: أن امرأته سألته أن يكسوها جلبابا فقال: إني أخشى أن تدعى جلباب الله الذي جلببك به، قالت: وما هو؟ قال: بيتك، أجنك (أي من أجل أنك) من أصحاب رسول الله. فيا أيتها المرأة المسلمة: يجب أن تعلمي هذا كله، وتذكري هذا كله، وتقومي بهذا كله، فإن سلفك الصالح من النساء المسلمات قد قمن بهذا كله. واذكري- أيتها المرأة المسلمة- أنك كنت المثل الأعلى للمرأة الفاضلة الكاملة فقد مضى لك عهد كنت فيه تزاحمين الرجل في طريق الكمال، فكنت في الدين في السابقين الأولين يوم أسلمت خديجة أم المؤمنين قبل الناس أجمعين وكنت في العلم بالدين موضع الرأي الأصيل والنظر الرصين يوم قال الرسول الأمين في عائشة أم المؤمنين: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" (تصغير حمراء). ويوم أن قال لفاطمة إبنته: أي شيء خير للمرأة؟ فقالت: أن لا ترى الرجل ولا يراها الرجل فضمها إلى صدره وقال: ذرية بعضها من بعض"، وكنت مثال التضحية والمفاداة والصبر والثبات، يوم ثبتت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية مع النبي ﷺ في غزوة أحد وقد تفرق عنه المسلمون إلا جماعة يسيرة، حتى جرحت أثثى عشر جرحا، وحتى قال فيها ﷺ كما يروي البخاري-: ما التفت يمينا ولا شمالا، إلا ورأيتها تقاتل دوني وقال لها: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ هكذا كنت وهكذا يجب أن تكوني، لتؤدي اليوم الرسالة التي كنت تؤدينها قبل اليوم ..

стр. 194

المأساة الكبرى إن المرأه المسلمة اليوم لتجتاز ظرفا من أقسى الظروف وأعنفها على كيانها الديني والخلقي، نخشى أن يقضي على البقية الباقية من ميراثها الإسلامي (لا قدر الله) والذي ساعد على وجود هذا الظرف السيء بصفة واضحة هو النظام الأروبي الحديث، فكل أرض ثبت فيها قدمه وركز فيها علمه يضع لها جهازا خاصا يسمم فيها كل بذرة للحرية ويخنق فيها كل نفس للحياة، وهذا نفس ما صنعه عندما وطىء أرض الإسلام المقدسة بأقدامه النجسة، فقد عمد إلى مبعث يقظتها ومنبع نورها ومعقد عزها، وهو الإسلام، فقاومه أعنف مقاومة وقعد له كل مرصد، ووضع في طريقه مختلف العراقيل، وشغل المسلمين عن تعاليمه إلروحية بتعاليم مادية تغريهم بالرذيلة وتزين لهم الكفر والفسوق والعصيان، وتبث في نفوسهم النفور من الفضيلة والتنكر لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة، هذا من الناحية الروحية، وأما من الناحية المادية فقد أستولى على كل منبع للثروة وكل مورد للرزق، وترك أبناء البلاد الأصلاء يقاسون الفقر المدقع ويصلون نار الحرمان المهلك، وهكذا الاستعمار الكافر يعطل الأمة من جناحيها معا ويرزؤها في قوتيها جميعا: القوة الروحية، والقوة المادية وما صلاح أمة رزئت في دينها وأبتليت بالفقر، والأمة إذا تركت دينها ضلت سبيلها، وإذا ذهبت ثروتها كثرت فيها الشرور، والفقر منبع الشرور كما يقولون، بل منبع الكفر والتمرد والفسوق، وهو معنى قوله ﷺ : "كاد الفقر أن يكون كفرا" فعدم الاعتراف باللغة العربية والتعاليم الإسلامية من جهة، وتفقير الشعب وحرمانه من خيرات بلاده من جهة أخرى، دفع بأبناء البلاد التعساء إلى تعلم لغة غير لغتهم المحكوم عليها بالموت، وإلى تشغي أبنائهم وبناتهم عند الأجانب الذين لا يرحمون

стр. 195

بؤسهم ولا يصونون شرفهم، وفي ظل هذه البيئة الخانقة، وتحت تأثير هذا الجو المتسمم نشأت مأساة المرأة المسلمة، وإلى القارىء الكريم بعض الأمثلة التي ليست إلا ثمرة لهذه البيئة الخطرة: كانت تعمل خادمة في بيت إفرنجي فتاة مسلمة، فأراد ابن صاحب البيت أن يعتدي على شرفها فتأبت ولما عادت في المساء إلى أبويها بادرتهما بأنها لن تعود إلى العمل في ذلك البيت الظالم أهله، ولكن (سيدها الإفرنجي) ألح على أبيها في عودة الفتاة للعمل في بيته، وتحت هذا الإلحاح وتحت تأثير الضرورة، أجبر الرجل إبنته على الرجوع كارهة إلى تلك المباءة الآثمة، ولم تمض غير أيام قليلة حتى عادت الفتاة إلى أبيها وفي يدها ثوبها ملطخا بالدم، فرمت به إليه وقالت له: خذ شرفك!! وهكذا نسلب بلادنا، ونحارب في لغتنا وديننا، ويعتدى على شرفنا وكرامتنا. وروى لي أحد الإخوان عمن كان أحد طرفي المأساة قال: كنت أسير في أحد شوارع العاصمة (الجزائر) إذ بصرت بامرأة على حافة الطريق تبينت من ملامحها ونوع وقفتها إنها بسبيل عرض شرفها على مريد شرائه، وبأيسر إشارة تبعتني إلى أحد الفنادق التي أعدها (محضرو الشعوب وممدنوها لهذا الغرض الذميم) ولما خلوت بها ولم يبق بيني وبين وأد شرفها إلا مثل لمح الطرف إذا بي ألمح دمعة كبيرة تنحدر على خدها ولما سألتها عن علة هذا البكاء؟ أجابتني والنشيج يخنقها ويحبس أنفاسها: إنني لم أتعود ما ترى ولست من سالكي هذا الطريق، ولكنه الفقر والمرض والأولاد ياسيدي، إن زوجى يعاني مرضا أقعده عن كسب القوت ولي أولاد ليس لهم صبر على الجوع لأنهم صغار، فإن أردت أن تحفظ لي شرفي بعد أن عجزت عن حفظه وتحفظ حياة هؤلاء الأطفال وتصون كرامة هذا الزوج المريض فقد برهنت على أنك من معدن كريم، فشل كلامها كل حركة في جسدي بل أحسست أن كياني كله يتحطم، وقمت وكلانا طاهر الذيل عف الإزار موفور الكرامة، وتركتها بعد أن ناولتها ما كان معي من دراهم. فأي قلب له إحساس لا ينخلع لهذه المأساة، وأي مأساة كمأساة امرأة لها زوج ولها أولاد ولها دين ولها شرف تمتحن فيها كلها في لحظة واحدة، لولا أن الله رحمها في اللحظة الحاسمة فقيض لها إنسانا لا شيطانا، أو قلب لها الشيطان إنسانا؟

стр. 196

أما المأساة التالية فأرويها بنفسي لأني رأيتها بعيني، وهي ليست مأساة فرد أو أسرة، ولا شاب أو شابة، وإنما هي مأساة الإسلام تجدب أرضه ويصوح نبته وتنطفيء في النفوس شعلته: بنت مسلمة قرأت العربية، ولكنها قبل ذلك وبعد ذلك وأثناء ذلك- قرأت اللغة، الإستعمارية، رأيتها مع شاب مسلم يتغازلان على الطريقة الأوروبية المفضوحة، فلما رأتني ورفيقي- بدل أن تختفي أو تستحي- كما هو شأن المسلمة، إذا بها تحدق فينا طويلا، ثم تطوق الشاب بساعديها وتفني فيه ضما وتقبيلا، كأنها تتحدانا أو تتحدى ديننا الذي تراه أكبر أعدائها، والذي ما زلنا نغايظها بالعمل به والمحافظة عليه، وليس هذا بالعمل الفردي الذي لا يتكرر كثيرا في أفراد كثيرين بل ليس هذا إلا مثلا لما عليه اليوم عائلات إسلامية كثيرة (كبيرة) ربما يشار إليها بالبنان، حيث جرفها تيار المدنية الغربية التي تبيح إتصال الأزواج قبل الزواج، هذه الطريقة المعوجة التي هي عكس شريعة الإسلام تماما، التي تجعل العقد سبيلا إلى الخلوة لا الخلوة سبيلا إلى العقد كما ترى ذلك مدنية الغرب المعبودة من شبابنا المثقف. والأدهى والأمر من كل ما مر أن نرى نساء الجزائر (العاصمة) من حلائل وكواعب يتزين ويتعطرن ويذهبن في يوم الجمعة (نعم يوم الجمعة) إلى المسرح (بيت الشيطان) أو (مذبح الفضيلة) أو (مقبرة الشرف) ليدفن هناك الدين أو الفضيلة والشرف هذه هي جمعة نساء الجزائر! - وإذن- فلنعالج مرضنا من الجذور، بمعالجة أسبابه ...

стр. 197

من أمجاد المرأة المسلمة إن في عرض أمثلة من أمجاد المرأة المسلمة في تاريخها الذهبي لحفزا لهمة المرأة المسلمة في العصر الحاضر ودفعا لها في طريق الكمال الإنساني المنشود، وما زال تاريخ البطولات قدوة صالحة ونموذجا حيا يحتذى ويسير فيه الخلف على آثار السلف، ولاسيما بعد أن عرضنا أمثلة للمرأة المسلمة في عصرها الحاضر، فنتيح لها بذلك فرصة المقارنة بين ما كانت عليه وبين ما آلت إليه، فتعرف هل تقدمت إلى الأمام خطوات، أم عادت إلى جاهلية شر من جاهليتها الأولى وأحط دركات، وإلى القارئين والقارئات هذه الروائع الخالدات: سافر أبو طلحة وترك ولده مريضا ولما عاد من سفره وجد زوجته الرميصاء أم سليم تستقبله في حنان وتقدم له الطعام، ولكن لهفته على صبيه لم يشغله عنها كلام ولا طعام، فسأل زوجته وهو لم يفرغ من الطعام: كيف الغلام؟ فلم تشأ أن تسرع إليه بما يدخل الكآبة عليه، قبل أن يصيب من الطعام ما هو في حاجة إليه، فقالت:- وهي تغالب الآنفعال-: بأحسن حال ولله الحمد، ثم قامت إلى بيتها وأعدت نفسها لزوجها المحبوب خير إعداد، حتى نبهت ما كان غافيا من غرائزه وغلبته عواطفه وبلغ من ذلك ما أراد، ثم جلسا للحديث فقالت له: زوجه- تمهيدا للخبر الفاجع-: ألا تعجب من جيراننا؟ مال: ما لهم!؟ قالت: أعيروا عارية فلما طلبت منهم جزعوا، قال: بئس ما صنعوا، قالت: هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قد قبضه إليه، فلم يزد على أن قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 198

لتتأمل المرأة المسلمة في هذه اللوحة الفنية الرائعة التي تبرز فيها صورة التربية الإسلامية واضحة الملامح والسمات، ولتستجل منها تلك الخلال النبيلة السامية من صبر وثبات لدى المكاره والأزمات، ومن حب وإخلاص ووفاء للزوج ومحافظة على كيانه، وحرص على راحته واطمئنانه، وهكذا أنشأ الإسلام المرأة، وهكذا يجب أن تكون المرأة: حضن رحيم ودود مهذب كريم صبور-، يأوي إليه الزوج فيجد فيه الأمن والهدوء والعطف والحنان، ويتنسم منه نسيم السكينة والقرار والاطمئنان من عنت الأيام ونكد الزمان، كل ذلك تنضح به كلمة (لتسكنوا) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وإن هذه الصورة الرائعة للزوجة الصالحة التي أبدعتها تعاليم القرآن التي تصنع المجتمعات الصالحة لا يحسن بعدها إلا ذلك الإطار الفتان لنائلة بنت القرافصة زوجه عثمان رضي الله تعالى عنه. قالت تماضر- زوجة عبد الرحمن بن عوف- لعثمان ﵁: هل لك في ابنة عم لي بكر جميلة ممتلئة الخلق أسيلة الخد أصيلة الرأي، تتزوجها؟ قال: نعم، فذكرت له نائلة بنت القرافصة الكلبية، فتزوجها (وهي نصرانية فتحنفت) وحملت إليه من بلاد كلب مع أخيها ضب (وكان مسلما) فلما دخلت عليه قال لها: لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين إني لمن نسوة أحب بعولتهن إليهن الكهول، قال: إني قد جزت الكهول وأنا شيخ، قالت: أذهب شبابك مع رسول الله ﷺ في خير ما ذهبت فيه الأعمار، قال عثمان: إما أن تقومي وإما أن أقوم إليك؟ فقالت: ما تجشمت إليك من عرض (السماوة) أبعد مما بيننا، بل أقوم أنا، فقامت حتى جلست معه على السرير، فقال: اطرحي درعك، قالت: ذاك إليك، ومسح رأسها ودعا لها بالبركة، فكانت أحب نسائه إليه، ولم تزل نائلة عند عثمان حتى قتل، فلما دخل إليه الثوار ليقتلوه وقته بيدها فجذمت (أي قطعت) أناملها، فأرسل إليها معاوية بعد ذلك بخطبها، فأرسلت إليه: ما ترجو من امرأة جذماء؟ وقيل أنها قالت لما قتل عثمان، إني رأيت الحزن يبلي كما يبلي الثوب وقد خشيت أن يبلي حزن عثمان من قلبي، فدعت

стр. 199

بفهر رأي حجر) فهتمت به فاها (أي أسقطت مقدم أسنانها) وقالت: والله لاقعد أحد مني مقعد عثمان. وما أروع وأسمى موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁ وقد حزب الأمر واشتد الخطب على ابنها عبد الله بن الزبير ﵁ في قتاله مع الحجاج بن يوسف إذ تغلبت على عاطفة الأمومة اللجوج ودفعت بابنها في جحيم المعركة حتى قتل وهي مطمئنة هادئة محتسبة صابرة ولم ترض له النكوص على عقبه أو تسليمه نفسه بيده: يروى أن عبد الله بن الزبير لما ضيق عليه الحجاج الخناق، وقتل من كان يشد أزره من الرفاق، واستسلم بعضهم للقيد والوثاق، ومن بينهم ولداه حمزة وحبيب، جاء أمه فقال: أمه خذلني الناس حتى ولداي وأهلي فلم ببق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع صبر ساعة، والقوم يعطونني من الدنيا ما أردت، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض فيه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار، ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، فدنا منها فقبل رأسها وقال: هذا والله رأي، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فأنظري يا أمه فأبي مقتول من يومي فلا يشتد حزنك وسلمي لأمر الله، قالت: إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا، أخرج حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فخرج وما زال يقاتل حتى قتل. ولا عجب للمرأة المسلمة تدفع بإبنها إلى الموت، فقبل أسماء الخنساء التي لم تذرف عين امرأة من الدمع ما ذرفت عينها على أخيها صخر، ولا أحسن قلب لذع الحزن ما أحس قلبها فراق هذا الأخ الحبيب، هذه الخنساء تحضر وقعة القادسية سنة ١٦ للهجرة ومعها أولادها الأربعة، فما تزال تحرضهم على القتال حتى قتلوا جميعا وهي تقول: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم! ...

стр. 200

بين الفن والخلق إننا نؤمن بالفن الذي يتخذ وسيلة لتقويم الأخلاق وتهذيب الطباع وتوجيه السلوك، ونثور على الفن الذي يتخذ ذريعة لتحطيم كيان الأمة الأخلاقي وتقويض بنائها الروحي وتخدير شعورها الديني، ولذا فلا يعتب علينا إخواننا- الذين لهم إرتباط بهذا الفن الإنتفاعي المادي الذي تتلخص رسالته في تهيئة الأجواء الملائمة لانطلاق الغرائز والأهواء من قيودها- لا يعتب علينا إخواننا هؤلاء إذا رأونا نضيق بهذا النوع من الفن الذي يضحي بالأخلاق ولا يعترف بالشرف ولا يقيم للإنسانية أي وزن أو أي حساب إننا اليوم نحتاج إلى أخلاق لا إلى فن "وإنما الأمم الأخلاق" لا الفن، وغيرتنا يجب أن تكون على الأخلاق قبل أن تكون على الفن، لأن الغيرة يجب أن تنبع من منبعها الأصلي لكل شعب، ونحن شعب ندين بالإسلام، ورسالة الإسلام حصرها نبي الإسلام في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وإذا أحتجنا إلى فن فيجب أن يكون في الطور الكامل لنمونا وبلوغنا قمة الكمال، والأمة أطوار، فالفن رقة لا قوة، والأمة اليوم تحتاج إلى قوة لا إلى رقة وإلى رجولة لا إلى تخنث، ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى أخلاق أكثر من احتياجنا إلى فن، ولو كان هذا الفن الذي نشاهده في مسارحنا مما يشد من أزرنا ويقوي من كياننا ويهذب من أخلاقنا، لاحتجنا إلى السكوت عنه أكثر من أحتياجنا إلى الكلام فيه ولكن- وياللأسف- رأينا فنا يفسد الأخلاق ويثير شهوات الغرائز، ولا يمكن لفن يولد في حضن الاستعمار، ويتربى في بيئة الإباحية والتحرر من قيود الدين والأخلاق، أن يكون غير ذلك، ولكن إخواننا يغفلون عن هذه الحقيقة فلا يفرقون بين مسرح يشرف

стр. 201

عليه الاستعمار أو ينشئه أو يتربى في حضنه، وبين مسرح تكونه الأمة لنفسها وتشرف عليه الفئة الصالحة من أبنائها، بين فن لا يوجه إلا إلى جسد المرأة ولا يوقظ في النفس إلا الإحساس بهذا الجسد وبين فن يجعل هدفه خدمة الشعب من ناحية أخلاقه- لامن ناحية أهوائه- فيقدم له الروايات الأخلاقية التي ترمي إلى تقوية جانبه الأخلاقي، والروايات التاريخية التي تصور له كيف كان أسلافه الكرام مثالا أعلى للتضحية والمفاداة والصبر والثبات وشرف الضمير والاعتداد بالنفس والثقة في الله والايمان بعدله، فيستفيد أمرين: الفن في حسن العرض والأداء، والخلق في تصوير السلوك الإنساني الأقوم، متمثلا في أشخاض يتحركون ويغدون أمامه ويروحون، وفي تصوير ثمرة هذا السلوك، وتشخيص عاقبة أهله، وهي نصر الله لهم والتمكين لهم في أرضه. ولكن كل شيء يوجد في مسارحنا غير هذا النوع من الفن الذي ينشىء الأجيال الصالحة ويوجه الشبيبة المضطربة في سلوكها، ثم يريد منا دعاة هذا الفن ورعاة هذا (الجهاز) أن نسكت عنهم بل يودون أن نشكرهم عليه، ونعينهم بدعوة الناس إليه، يالله! كم يحب هؤلاء الناس أن يؤيدهم الناس في الحق وفي الباطل وإلا فمتى شكر الناس من يغشهم؟ وكيف يشكر المسلم من يغشه ونبيه ﷺ يقول: "من غشنا فليس منا" إن هذا- وأيم الحق- منكر يجب على كل مسلم تغييره بكل ما في وسعه من وجوه تغيير المنكر، ولو كنا نملك تغييره باليد لغيرناه منذ رأيناه، ولكن إن لم نملك اليوم تغيير المنكر بأيدينا فإننا نقاومه ما استطعنا بألسنتنا وأقلامنا- رضي من رضي وكره من كره- لأننا والحمد لله- مازلنا نؤمن بهذا الدين، ونعرف قوله ﷺ : "من رآى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ونؤمن- إلى ذلك- بأن في الناس من اتخذ إلاهه هواه، فلا بد أن يصطدم المصلحون بهذا النوع، ولكن الله ولي المتقين.

стр. 202

ملامح المسلم المسلم حق المسلم هو الذي يعتز بالإسلام أكثر من كل شيء، لأنه لم يكن يعرف طعم العز لولا الإسلام ولله در عمر إذ يقول: "إن الله أعزنا بالإسلام فمن طلب العز بغير الإسلام أذله الله". وتاريخ الإسلام يشهد بهذه العزة للعاملين بتعاليم الإسلام، وواقع المسلمين اليوم ينطق بذلة المسلمين الذين انحرفوا عن نهج الإسلام. والمسلم حق المسلم هو الذي لا وجهة له في سلوكه العام إلا الوجهة التي رسمها له الإسلام، ووجهه إليها رسول الإسلام، لذلك يقول ﵊: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" والمسلم حق المسلم هو الذي لا يرضى بغير نبي الإسلام حكما وبغير حكم القرآن حكما، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والمسلم هو الذي لا تتحكم في دينه ظروف الزمان والمكان لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. والمسلم حق المسلم هو الذي يحتفظ بشخصيته الإسلامية قوية متميزة تأبى أن تمحى أو تذوب في غيرها، وللمحافظه على هذه الشخصية يقول ﷺ : "خالفوا المشركين" ويقول: "لا تستضيئوا بنار المشركين". والمسلم حق المسلم هو الذي لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا في الله، ولذلك مدح الله محمدا ﷺ وأصحابه باللين على المؤمنين والشدة على الكافرين إذ قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 203

والمسلم حق المسلم هو الذي يؤمن برسالته العظمى حق الإيمان، وهي أن الله خلقه لينسخ الكفر بالإيمان ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليساير موكب الظلام في سبيل الحصول على الكساء والطعام، لأن الله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. والمسلم حق المسلم هو الذي يؤمن بأن دينه خاتمة الأديان، وبأن نبيه آخر الأنبياء، فما أحله الإسلام فهو الحلال، وما حرمه الإسلام فهو الحرام، ولذا خطب عمر بن عبد العزيز ﵁ يوما فقال: "أيها الناس! ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا أني لست بقاض وإنما أنا منفذ ولست بمبتدع ولكن متبع، ولست بخيركم وإنما أنا رجل مثلكم إلا أني أثقلكم حملا، ألا لا سلامة لإمرىء في خلاف السنة ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" والمسلم حق المسلم هو الذي لا يغش المسلمين لأن النبي ﷺ يقول: "من غشنا فليس منا". والمسلم حق المسلم هو الذي لا يمد يده ولا لسانه بسوء أو أذى لإخوانه لأن النبي ﷺ يقول: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه" وإنما المسلم حق المسلم هو الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لأن النبي ﷺ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". هذه صورة للمسلم أو بعض ملامح منها، فتعال الآن أيها المسلم المعاصر لنقابل بينها وبينك! فهل أنت اليوم تعتز بالإسلام؟ وتراه المنقذ الوحيد مما يغمر نفسك من آلام؟ أو تراه رجعية وجمودا وفساد ذوق وتتبرأ منه مرة بقولك ومرة بفعلك، وترى كل سعادتك في تجردك منه وتجافيك عنه؟ وهل وجهتك في الحياة هي الوجهة التي رسمها لك القرآن ووجهك إليها محمد بن عبد الله؟ أو يممت بوجهك شطر مغرب الشمس لا مشرقها؟ وهل كان هواك تبعا لما جاء به إمام المصلحين وخاتم المرسلين؟ أو لما جاءت به المدينة الغربية؟ وهل حكمت بما أنزل الله وحكمت رسول الله في كل

стр. 204

ما يعرض لك من مشاكل الحياة؟ أو حكمت النظم العصرية والمدنية المادية فاستبحت ما حرم الله؟ وهل حكمت الإسلام في الظروف أو حكمت الظروف في الاسلام؟ وهل احتفطت بشخصيتك الإسلامية فلم تذب في شخصية أجنبية؟ أو جرفك التيار، وذبت في غيرك كما يذوب الشمع في النار؟ وهل كنت شخصا عالميا كما أرادك- الاسلام تدعو غيرك إلى الإسلام؟ أم كنت إمعة تسير دائما في مؤخرة القافلة، وتستضيء بنار المشركين لا بنور الإسلام، وبدل أن تخرج الناس من الظلمات إلى النور، خرجت أنت من النور إلى الظلمات؟ وهل أنت على ثقة من أن دينك دين الخلود يسع حاجات كل عصر، ولا يضيق بما يجد من أحداث؟ أم أنك قد انخدعت لأباطيل المبطلين وترهات الإباحيين والملحدين فحولوك من مهيع الهداية إلى متاهات الضلال بتلك الكلمة المزيفة الثقيلة: نحن في عصر التقدم فما لنا والالتفات إلى الأعصر البائدة؟ وهل وطنت نفسك على الإخلاص للمسلمين والنصح لهم في القول والعمل، أو أنت غشاش تصور لهم الحق باطلا والباطل حقا؟ وأخيرا هل أنت مسلم سلم المسلمون من لسانه ويده، ومؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ أو أن لسانك لا يرشح إلا بالسم ويدك لا تمتد إلا بالأذى وقلبك ليس فيه موضع لحب الخير للمسلمين؟ إنني أرجو أن تكون مسلما حقا!!

стр. 205

بريد الشيطان جاء رجل إلى وهب فقال له: إن فلانا شتمك، فقال له: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟ وجاء آخر إلى عمرو بن عبيد فقال له: إن الأسواري لم يزل يذكرك ويقول: الضال، قال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته إذ نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، إعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا. ورفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحرضه فيها على أخذ مال يتيم- وكان له مال كثير- فكتب على ظهر الرقعة: النميمة قبيحة، وإن كانت صحيحة، والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي لعنه الله. وزار بعض السلف أخا له صالحا، فذكر له عن بعض إخوانه شيئا، فقال له: يا أخي أطلت الغيبة وأتيتني بثلاث جنايات، بغضت إلي أخي، وشغلت قلبي بسببه، واتهمت نفسك الأمينة. نسوق هذه الأمثلة الرائعة الأسلوب، السامية الحكمة، إلى أولئك الذين يحلو لهم أن يوقدوا نار الفتنة بين الأخ والأخ، والجار والجار، والعشيرة والعشيرة، والجماعة والجماعة ثم يقفون بعيدا عن مواقع اللهب متفرجين على الأخ يشتم أخاه، والجار يضرب جاره، والعشيرة تخاصم العشيرة، والجماعة تقاتل الجماعة. والعجب أن هؤلاء الذين يقومون: بهذه (المهمة) ويؤدون هذه (الوظيفة) لا يرجون من ورائها مغنما، وإنما يقومون بها احتسابا للشيطان، لأنهم كما سماهم وهب

стр. 206

(بريد الشيطان) وتقوم إداره هذا البريد الشيطاني على الكلمة الجارجة ينقلها شيطان من الإنس بإيعاز شيطان من الجن فتندلع نار الفتنة وتنتشر في كل مكان، وتلتهم الأخضر واليابس، والقريب والبعيد، كل ذلك تفعله كلمة، مثلما يفعل عود واحد من الثقاب في غابة كثيفة، فإذا هي كومة من رماد. إن عملا كهذا ذميما لا يقوم به إلا من سمته الآية زنيما- والزنيم ولد الزنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وحسبه لؤما أن الله لم يصف أحدا في كتابه العظيم، بهذا الوصف الذميم، سوى من كان على شاكلته من كل ﴿مشاء بنميم﴾ ومن هنا قال ابن المبارك: (ولد الزنا لا يكتم الحديث) وأراد أن كل من يسعى بالنميمة فقد دل على أنه ولد زنا، وحسبه ذنبا أن الله سماه فاسقا- ولو كان صادقا- في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وحسبه خسة أن يرضي لنفسه بمنزلة ناقلات الجراثيم من الذباب والبعوض والقمل بل أن حرصه على إشاعة الشر والفتنة لأشد من حرص ناقلات الجراثيم على إشاعة الأمراض والأسقام، بحيث أن النمام ينقل إليك ليسمع منك فينقل عنك ليجمع بين طرفي الفتنة، كما قال الحسن البصري: (من نقل إليك حديثا، فاعلم أنه ينقل إلى غيرك حديثك). وأما من حيث الضرر وعموم الشر فقد قيل: إن عمل النمام أضر من عمل الشيطان، لأن عمل الشيطان بالوسوسة، وعمل النمام بالمواجهة. ومما يحسن أن يروي في هذا الصدد: أن رجلا رآى غلاما يباع وينادي بأن لا عيب فيه إلا أنه نمام، فقال: هذا لا يضر، واشتراه، ولكن بعد أيام دارت في رأس الغلام فكرة، فجاء إلى زوجة سيده وقال لها: إن سيده أراد أن يتزوج عليها ثم يطلقها وقال لها: إن أردت أن تسلمي من ذلك، فاحلقي بعض شعرات من منتهي لحيته وأبقيها عندك، ثم جاء سيده وقال له: إن سيدتي تحب رجلا آخر وهي تريد أن تقتلك وتتزوجه، وإن كنت في شك من قولي، فتناوم لها فإنها ستأتي بالموس لتذبحك، وأثر كلامه في كلا الزوجين فجاءت المرأة بالموسى لتأخذ

стр. 207

الشعرات وكان الرجل يتظاهر بالنوم، فأخذ من يدها الموس وذبحها به، فسمع أهلها فجاء إليه وقتلوه، وآل الأمر إلى مقتلة وفتنة عظمى بسبب النميمة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. صدق الله العظيم

стр. 208

عداوة الشيطان إن الشيطان أعدى عدو للإنسان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وهذه العداوة عميقة الجذور في التاريخ، ضاربة في القدم السحيق إذ نشأت يوم نشأ الإنسان الأول- آدم- وبرزت للوجود يوم أمر الله ملائكته بالسجود لهذا الإنسان ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ولكن هذه العداوة للبشر لم يجن منها إلا الشر الذي لم تجن مثله عداوة منذ عرف هذا الكون العداوة. إذ صيرته شيطانا رجيما بعد أن كان ملكا كريما وعابدا عظيما، ولا عجب، فهذه العداوة هي عداوة الحسد التي يكون وقود نارها الحسود قبل المحسود كما قيل: (لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله) فيجب أن يعتبر بذلك من يأكل الحسد قلبه. وعداوة الحسد- كما أنها قديمة الميلاد عميقة الجذور في التاريخ- فهي باقيه على الزمان، مستعصية على سلطان الزوال، ولذا قيل: كل العداوات قد ترجى إزالتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد لذا عمرت عداوة الشيطان للإنسان كل هذا التعمير، ورافقت وجوده منذ نشأته الأولى إلى ساعته الحاضرة، إذ أوحى بها الحسد الصريح الوقح الذي رشحت به عبارته الوقحة إذ ﴿قَالَ - ردا على أمر الله له بالسجود! - أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾

стр. 209

وإذا كان الشيطان قد صرح عن عداوته للإنسان، فإن الإنسان لم يزل حليف الشيطان يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه رغم أن الله يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ويؤكد هذا النهي بيان ما يدعو إليه هذا العدو الكاشح الذي يلبس للإنسان ثوب الصديق الناصح إذ يقول- بعد الآية المتقدمة-: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ بل إن القرآن لا يأتلى يحذر من كيد الشيطان ويحرك مشاعر الإنسان ويثير مكامن الغيرة فيه، فلا يسمع لنصائحه المبطنه بالغش حتى لا تغتاله غوائله وتصطاده حبائله، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾. فأي تحذير من إغواء الشيطان كهذا التحذير؟ وأي إثارة لعوامل الغيرة والحمية في نفس الإنسان كهذه الإثارة؟ وإلا فأي عداوة أشد من عداوة من سعى في نفي أبويك من الفردوس الخالد وإخراجهما عاريين إلى دنيا الكد والكدح وتحصيل القوت والكساء فيها بالجهد والنصب؟ وهل يريد بك خيرا من أراد بأبويك شرا؟ هل ينصحك من غش أبويك؟ وأقوى وسيلة للشيطان في إغواء الإنسان أن يزين له القبيح من الأفعال والتروك كما قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. ولحرص الشيطان على إشاعة الشر في كل مكان، يقصد بإغوائه المراكز الرئيسية في المجتمع البشري كالحكام والقادة ورجال العلم والأدب، فإفساد الواحد من هؤلاء إفساد لمجتمع كامل، فيزين الظم والإستبداد للحكام والأمراء، ويزين الكبر والغرور للقادة والعلماء، ويزين المروق والفسوق للفنانين والأدباء، كل ذلك ليفسد الحياة الدينئة والأخلاقية في المجتمع، بإفساد المراكز الرئيسية في المجتمع ولله در أبي العلاء المعري إذ يقول. وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها؟ ولكن إذا ابتلى الله بالشيطان، فقد حمى منه عباده الذين لاذوا بحماه واعتصموا بحبله واتبعوا ما أنزل الله ولم يتبعوا خطوات الشيطان قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ذلك

стр. 210

لأن الإيمان نور يكتسح كل ظلام ولأن الشيطان لص لا يسرق إلا في الظلام، لذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وليس معنى هذا أن الشيطان لا يتعرض للصالحين من عباد الله ولكنهم لا ينخدعون له ولا يبيعون طاعة الله بطاعته، بل لعلهم معرضون لحرب الشيطان أكثر من غيرهم ولكنهم يكافحون أكثر من غيرهم لإنهم تغلبوا على جميع أهوائهم، فكيف لا يتغلبون على جميع أعدائهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

стр. 211

تجارة من طبيعة الإنسان أنه طالب ربح، ومن هنا كانت آماله الواسعة ومطامعه البعيدة ومناوراته الكثيرة، ومن هنا كان شرهه العظيم، وحرصه الشديد، ولكنه- لجهله وغباوته وأثرته وأنانيته- كثيرا ما يؤدي به طلب الربح إلى خسارته، في دنياه وآخرته، ولنظره القصير كثيرا ما يؤثر التافه الحقير على الأهم الكثير، ويختار ما هو أدنى على ما هو خير، وما يفنى على ما يبقى لأن من طبيعة الإنسان- كذلك- أنه مولع بطلب العاجل، وإيثاره على الآجل ولو كان أعظم وأدوم، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ولا عجب فالله- أيضا يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فالإنسان- إذن- تاجر يطلب الفائدة المعجلة ولو كانت يسيرة، على الفائدة المؤجلة ولو كانت كثيرة، والإسلام لا يصادم الفطرة لأنه دين الفطرة، ولا يقف في طريق ربح الإنسان، لأنه لم يشرع إلا لسعاده الإنسان، بل يعينه على تحقيق ربحه ويمهد له السبيل إليه، بل يدعوه دعوة صريحة ويحثه عليه، إذ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ويقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ بل إن الإسلام- في ذاته- متاجرة مع الله، نعم إن الإسلام تجارة لها ربح ورأس مال، كما لكل تجارة، بل إن هذه التجارة لها ربحان، ربح معجل وآخر مؤجل في مقابل رأس مال يسير المؤونة لا يشق على أحد، لأن الله أرحم بعباده الذين خلقهم، من أن يكلفهم بما لا تسعه طاقتهم، ولقد أجمل هذه التجاره في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *

стр. 212

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. فقوله ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾؟ فيه تشويق إلى العمل الصالح المثمر، كما تثمر التجارة الرابحة التي اتبعت فيها طرق التجارة الصالحة ووسائلها الناجحة، وقوله: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فيه تخصيص لهذه التجارة وتمييز لها عن هذه التجارات التي تتغلب فيها الأنانية والشهوات الحيوانية فتهلك أصحابها بدل أن تنجيهم، وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ هذا هو رأس المال لهذه التجارة، وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ هذا هو الربح المؤجل لها وهو الربح الأوفر، ولذلك عقب عليه بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ هذا هو ربحها المعجل، وهو الذي تؤثره النفس وتتعلق به ولذا قال: ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ لأن النفس مولعة بحب العاجل و ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. فيا طاليا للربح مولعا بالتجارة: ها هي تجارة مضمونة الربح مأمونة الخسارة، مربحة في العاجل والآجل وهي لا تكلفك إلا أن تتطهر من ذنبك وتتصل بربك بإيمانك به وطاعتك له، وجهادك في سبيله بنفسك ومالك فتتغلب على أهوائك وأعدائك، ومتى تغلبت على أهوائك وأعدائك فقد أصبحت سيد العالم وخليفة الله في الأرض كما أراد الله لهذا الكائن الممتاز أن يكون، لاسما وأنت من خير أمة أخرجت للناس، أما إذا كنت عبدا لأهوائك فإنك ستبقى عبدا لأعدائك، وستعيش مغلول اليدين لا تعرف الحرية معصوب العينين لا ترى النور، مختوما على فمك لا تترنم بأغانيك ولا تسمع الكون أناشيد الحرية والحق والجمال. - إذن- فمدار الأمر على هذه التجارة، إذ فيها ربح الدنيا والآخرة، ورضى الله والناس والنصر القريب على العدو الداخلي وهو النفس، والعدو الخارجي، وهو المستعمر فانصر الله ينصرك وتاجر مع الله يربحك ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

стр. 213

طبقات الناس الناس ليسوا سواء، فمنهم من يفعل الخير ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع خير أنواع الناس وأشرفها، ومن الناس من يفعل الشر ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع شر أنواع الناس وأحطها. وبين ذلك أنواع الأوساط في الخير والشر، فهذا يفعل الخير، ولكن لا يعين عليه ولا يدعو إليه، وهذا يعين على الخير، ولكن لا يفعله ولا يدعو إليه، وهذا يدعو إلى الخير، ولكن لا يفعله ولا يعين عليه، وهكذا الحال في الشر، فهذا يفعل الشر وكفى، دون أن يعين عليه أو يدعو إليه، وهذا يعين عليه، ولا يفعله ولا يدعو إليه وهذا يدعو إليه فقط دون أن يفعله أو يعين عليه،: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل إذن فخير مراتب الخير أن تفعل الخير وتعين عليه وتدعو إليه، وكل ذلك دعا الإسلام إليه: دعا الإسلام إلى فعل الخير إذ قال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ودعا إلى التعاون على الخير إذ قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ودعا إلى الدعوة إلى الخير إذ قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وإذ قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وإذا قال ﵊: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس"

стр. 214

هؤلاء الذين تجردوا للخير: يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم ملح الأرض يصلح الله بهم الأرض، وهم بذور الخير يبث الله بهم أنواع الخير، ولا يضع من قدرهم أنهم قلة فالخير قليل وكرام الناس قليل: تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل وكل شيء كريم ونفيس قليل، لأن له من كرمه ونفاسته كثرة، فالمثقال من الذهب من حيث الكمية قليل، ولكنه في القيمة أكثر من أضعاف مضاعفة من الحديد، والرجل الذي يحيي أمة بعلمه أو رأيه أو ماله خير عند الناس وأفضل عند الله من ألف ليس فيهم من يغني غناءه أو يسد مسده: والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا وهؤلاء الذين تجردوا للشر، يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم جراثيم البشرية، تشقى بهم البشرية وتفسد بهم الأرض ويتسمم بهم الهواء، ولا يرفع من قدرهم أنهم كثرة، فكم من كثير حقير، وهم إن كثروا في العدد قد قلوا في القيمة، بل على قدر كثرة الأشرار يعظم قدر الأخيار، إذ يعظم أجرهم ويتسع ميدان عملهم وجهادهم فالواحد من الأخيار، يصلح الله به أمة من الأشرار، فيعظم بذلك قدره عند الناس وأجره عند الله. وهكذا الناس منذ كان الناس، منهم من جعله الله وعاء للخير، فلا يفعل إلا خيرا ولا يعين إلا على خير، ولا يدعو إلا إلى خير، ومنهم من جعله الله وعاء للشر، فلا يفعل إلا شرا ولا يعين إلا على شر ولا يدعو إلا إلى شر: "وكل إناء بالذي فيه يرشح" ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. - أيها المسلم- يجب أن تكون في المنزلة العليا، واربأ بنفسك أن تكون

стр. 215

في المنزله الدنيا، فإنك من خير أمة أخرجت للناس، فافعل الخير وأعن عليه وادع إليه، واترك الشر، وقاوم من يفعل الشر أو يعين على الشر، أو يدعو إلى الشر. وثق بأن الله في عونك ما دمت كذلك، وبأن الله ينصرك ما نصرت الحق، كما نصر نبيك الذي عاش لنصر الحق الذي بعث به، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
следующие страницы →