Полный текст (352 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تجارة
من طبيعة الإنسان أنه طالب ربح، ومن هنا كانت آماله الواسعة ومطامعه البعيدة ومناوراته الكثيرة، ومن هنا كان شرهه العظيم، وحرصه الشديد، ولكنه- لجهله وغباوته وأثرته وأنانيته- كثيرا ما يؤدي به طلب الربح إلى خسارته، في دنياه وآخرته، ولنظره القصير كثيرا ما يؤثر التافه الحقير على الأهم الكثير، ويختار ما هو أدنى على ما هو خير، وما يفنى على ما يبقى لأن من طبيعة الإنسان- كذلك- أنه مولع بطلب العاجل، وإيثاره على الآجل ولو كان أعظم وأدوم، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ولا عجب فالله- أيضا يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فالإنسان- إذن- تاجر يطلب الفائدة المعجلة ولو كانت يسيرة، على الفائدة المؤجلة ولو كانت كثيرة، والإسلام لا يصادم الفطرة لأنه دين الفطرة، ولا يقف في طريق ربح الإنسان، لأنه لم يشرع إلا لسعاده الإنسان، بل يعينه على تحقيق ربحه ويمهد له السبيل إليه، بل يدعوه دعوة صريحة ويحثه عليه، إذ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ويقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ بل إن الإسلام- في ذاته- متاجرة مع الله، نعم إن الإسلام تجارة لها ربح ورأس مال، كما لكل تجارة، بل إن هذه التجارة لها ربحان، ربح معجل وآخر مؤجل في مقابل رأس مال يسير المؤونة لا يشق على أحد، لأن الله أرحم بعباده الذين خلقهم، من أن يكلفهم بما لا تسعه طاقتهم، ولقد أجمل هذه التجاره في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *
стр. 212
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾. فقوله ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾؟ فيه تشويق إلى العمل الصالح المثمر، كما تثمر التجارة الرابحة التي اتبعت فيها طرق التجارة الصالحة ووسائلها الناجحة، وقوله: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فيه تخصيص لهذه التجارة وتمييز لها عن هذه التجارات التي تتغلب فيها الأنانية والشهوات الحيوانية فتهلك أصحابها بدل أن تنجيهم، وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ هذا هو رأس المال لهذه التجارة، وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ هذا هو الربح المؤجل لها وهو الربح الأوفر، ولذلك عقب عليه بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ هذا هو ربحها المعجل، وهو الذي تؤثره النفس وتتعلق به ولذا قال: ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ لأن النفس مولعة بحب العاجل و ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
فيا طاليا للربح مولعا بالتجارة: ها هي تجارة مضمونة الربح مأمونة الخسارة، مربحة في العاجل والآجل وهي لا تكلفك إلا أن تتطهر من ذنبك وتتصل بربك بإيمانك به وطاعتك له، وجهادك في سبيله بنفسك ومالك فتتغلب على أهوائك وأعدائك، ومتى تغلبت على أهوائك وأعدائك فقد أصبحت سيد العالم وخليفة الله في الأرض كما أراد الله لهذا الكائن الممتاز أن يكون، لاسما وأنت من خير أمة أخرجت للناس، أما إذا كنت عبدا لأهوائك فإنك ستبقى عبدا لأعدائك، وستعيش مغلول اليدين لا تعرف الحرية معصوب العينين لا ترى النور، مختوما على فمك لا تترنم بأغانيك ولا تسمع الكون أناشيد الحرية والحق والجمال.
- إذن- فمدار الأمر على هذه التجارة، إذ فيها ربح الدنيا والآخرة، ورضى الله والناس والنصر القريب على العدو الداخلي وهو النفس، والعدو الخارجي، وهو المستعمر فانصر الله ينصرك وتاجر مع الله يربحك ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
стр. 213
طبقات الناس
الناس ليسوا سواء، فمنهم من يفعل الخير ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع خير أنواع الناس وأشرفها، ومن الناس من يفعل الشر ويعين عليه ويدعو إليه، وهذا النوع شر أنواع الناس وأحطها.
وبين ذلك أنواع الأوساط في الخير والشر، فهذا يفعل الخير، ولكن لا يعين عليه ولا يدعو إليه، وهذا يعين على الخير، ولكن لا يفعله ولا يدعو إليه، وهذا يدعو إلى الخير، ولكن لا يفعله ولا يعين عليه، وهكذا الحال في الشر، فهذا يفعل الشر وكفى، دون أن يعين عليه أو يدعو إليه، وهذا يعين عليه، ولا يفعله ولا يدعو إليه وهذا يدعو إليه فقط دون أن يفعله أو يعين عليه،:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
إذن فخير مراتب الخير أن تفعل الخير وتعين عليه وتدعو إليه، وكل ذلك دعا الإسلام إليه:
دعا الإسلام إلى فعل الخير إذ قال الله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ودعا إلى التعاون على الخير إذ قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ودعا إلى الدعوة إلى الخير إذ قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وإذ قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وإذا قال ﵊: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس"
стр. 214
هؤلاء الذين تجردوا للخير: يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم ملح الأرض يصلح الله بهم الأرض، وهم بذور الخير يبث الله بهم أنواع الخير، ولا يضع من قدرهم أنهم قلة فالخير قليل وكرام الناس قليل:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل
وكل شيء كريم ونفيس قليل، لأن له من كرمه ونفاسته كثرة، فالمثقال من الذهب من حيث الكمية قليل، ولكنه في القيمة أكثر من أضعاف مضاعفة من الحديد، والرجل الذي يحيي أمة بعلمه أو رأيه أو ماله خير عند الناس وأفضل عند الله من ألف ليس فيهم من يغني غناءه أو يسد مسده:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
وهؤلاء الذين تجردوا للشر، يفعلونه ويعينون عليه ويدعون إليه، هم جراثيم البشرية، تشقى بهم البشرية وتفسد بهم الأرض ويتسمم بهم الهواء، ولا يرفع من قدرهم أنهم كثرة، فكم من كثير حقير، وهم إن كثروا في العدد قد قلوا في القيمة، بل على قدر كثرة الأشرار يعظم قدر الأخيار، إذ يعظم أجرهم ويتسع ميدان عملهم وجهادهم فالواحد من الأخيار، يصلح الله به أمة من الأشرار، فيعظم بذلك قدره عند الناس وأجره عند الله.
وهكذا الناس منذ كان الناس، منهم من جعله الله وعاء للخير، فلا يفعل إلا خيرا ولا يعين إلا على خير، ولا يدعو إلا إلى خير، ومنهم من جعله الله وعاء للشر، فلا يفعل إلا شرا ولا يعين إلا على شر ولا يدعو إلا إلى شر:
"وكل إناء بالذي فيه يرشح"
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
- أيها المسلم- يجب أن تكون في المنزلة العليا، واربأ بنفسك أن تكون
стр. 215
في المنزله الدنيا، فإنك من خير أمة أخرجت للناس، فافعل الخير وأعن عليه وادع إليه، واترك الشر، وقاوم من يفعل الشر أو يعين على الشر، أو يدعو إلى الشر.
وثق بأن الله في عونك ما دمت كذلك، وبأن الله ينصرك ما نصرت الحق، كما نصر نبيك الذي عاش لنصر الحق الذي بعث به، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
стр. 216
الهدية
(تهادوا تحابوا)
يحرص الإسلام كل الحرص على ما يثبت المحبة في القلب ويشيع روحها في المجتمع، لأن أمة لا يربط بين أفرادها رباط المحبة، هي أمة مضعضعة البناء، مفككة الأجزاء، لا تثبت على رياح الخطوب وعواصف الأحداث، وأي بناء يبقى على البغضاء؟ وأي مجتمع يسلم على العداوة؟ وأي قلب يصلح على الكراهية والحقد؟.
إن الإسلام دين الفطرة، فهو يبني أسس المجتمع الصالح على ما لا يتصادم مع الفطرة، والمحبة هي الصخرة الثابتة التي قام عليها عمران الكون الذي يبدأ بذكر وأنثى ربط بينهما رباط المحبة، وقد شعر شوقي ﵀ بهذا المعنى إذ قال:
فطر الله على الحب الورى ... وبنى الكون عليه وعمر
وأجمل صفة يتصف بها عباد الله وأعظم صلة تصلهم بالله، هي المحبة، لذا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
ولكن المحبة- لشرفها- لا تتطفل على الموائد وإنما تقوم على الأسباب والوسائل، لذا فالإسلام يدعو إلى كل ما يغرس المحبة في القلوب، ومن ذلك قوله ﷺ : "تهادوا تحابوا" أي ليهد بعضكم إلى بعض ليحب بعضكم بعضا، وفي قوله: تحابوا، لفتة ذهنية عجيبة، فهو يجعل المحبة هي الغاية وجعلها هي الغاية تشريف لها وأي تشريف، لأنها دعامة التعاون الذي هو أساس العمران، ولأنها تنفي من
стр. 217
من القلوب الإحن والأحقاد التي هي بذور الفتن والشرور، كما يقول ﵊ في حديث آخر: "تهادوا فإن الهدية تضعف المحبة وتذهب بغوائل الصدر" وقد كان ﷺ يهدي ويقبل الهدية ويكافيء عليها، حتى روي عنه أنه قال: "لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت" وقد أهدى إليه رجل من فزارة ناقة فعوضه منها فأبدى سخطه فصعد المنبر فقال: "يهدي أحدهم إلى فأعوضه بقدر ما عندي ثم يسخطه، وأيم الله لا أقبل بعد عامي هذا من العرب هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي" وأهدي إليه المقوقس ملك القبط كذلك، وقد كان ﷺ أكثر الناس إهداء لأنه أعلم الناس بأثر الهدية، وهو شييوع المحبة ونموها في المجعتع وقد ظهر أثر ذلك بارزا فيمن أهدي إليهم، فقد روي أن صفوان بن أمية قال: (ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه) وهناك الكلمة الطيبة الندية تفعل في ترطيب القلوب وتطهير المشاعر ما تفعله الهدية.
روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: "أعطى رسول الله قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: "إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب" قال عمرو: (فما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم) وهكذا يسع الخلق ما يضيق عنه المال كما قال ﵊: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" بل إن القرآن يقول: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ والمتنبي يحوم حول هذا الجو إذ يقول: (فليسعد النطق إن لم يسعد الحال) وغاية الغايات في هذا الباب كلمة الرسول ﷺ للأنصار يوم حنين التي يجب على كل مسلم أن يحفظها.
فقد روى أبو سعيد الخذرى قال: لما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي- والله- رسول الله قومه- فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال: يارسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم، قال: فيم؟ قال: فيما كان من
стр. 218
قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء قال رسول الله: فأين أنت يا سعد؟ قال: ما أنا إلا أمرؤ من قومي فقال رسول الله: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، حتى إذا لم يبق من أحد إلا أجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله اجتمع لك هذ الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم فخرج رسول الله فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالا فهداكم إليه وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، قال، رسول الله: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المن لله ورسوله، قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك وعائلا فآسيناك وخائفا فأمناك ومخذولا فنصرناك، فقالوا: المن لله ورسوله قال: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار من أجل لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله في رحالكم؟ فو الذي نفسى بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
فبكي القوم حتي أخضلت لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبرسوله قسما، ثم أنصرف وتفرقوا. فيا أيها المسلمون، هذا هو دواؤكم، إنه روح المحبة التي نفخها نبيكم في ذلك الهيكل البالي، فإذا به أمة قوية حطمت أسوار الطغيان والعبودية، ومحت معالم الشرك والوثنية بما شرعه لها من مبدإ الأخوة الإسلامية، فاحرصوا على عودة هذه الروح بتهيئة الجو الصالح لها فإن المحبة شجرة كريمة لا تنبت إلا في التربة الكريمة، أحرصوا على كل ما يبث روح المحبة بينكم من كلم طيب وخلق حسن وتهاد كريم وتعاون على البر والتقوى وعلى كل ما فيه تطهير القلوب من الحقد والبغضاء وسائر الأدواء ..
стр. 219
كن صريحا
كم في الناس من يعجبك إذا قال، ولا يعجبك إذا فعل، فيتخذ من حسن ما يقول ستارا لسوء ما يفعل، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ومن الدليل على أنه يخفي سوء ما يفعل بحسن ما يقول قوله تعالى بعد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إنه يقول لك: اتق الله، ولكنه يغضب إذا قلت له: اتق الله، لأنه لا يريد أن يعمل ولكنه يريد أن يقول فحسب، وهو ضرب من النفاق رسمت هذه الآية الكريمة خطوطه وأوضحت معالمه، وإن هذا النفاق لا يولد إلا في تربة الكسل ولا يوجد أفراده في ميادين العمل، فكلمة: اتق الله تخزهم وخز الإبر لأنها تطلب منهم عملا يتطلب جهدا وتضحية، أو تحملهم على ترك شهوة، لذلك لا يستطيعون سماع هذه الجملة التي تتضمن التخلي عن كافة الرذائل، والتحلي بجميع الفضائل، وكلا الأمر ين لا يتوصل إليه إلا بمخالفة النفس أي بفطامها عن شهواتها- وما أشد فطام الكبير- كما يقولون، فلا عجب أن سمى نبي الإسلام مخالفة النفس، الجهاد الأكبر، أما الذين هيمنوا على حيوانيتهم وتغلبوا على شهواتهم في سبيل طاعة ربهم، فلا يأنفون من سماع هذه الكلمة بل يطربون لها ويحثون الناس على أن قولوها، لأنها لا تتنافى مع سلوكهم، ولا تشير لاتهام الناس لهم، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخطب فسمع قائلا يقول: اتق الله يا عمر، فهم الناس به، فنهاهم عمر وقال: "دعوهم يقولونها فلا خير فيهم إذا لم يقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها".
стр. 220
وإننا اليوم نعيش في عصر راجت فيه سوق النفاق، وكثر فيه عديد المنافقين، لأن الناس أفلسوا من التقوى، وأقفرت قلوبهم من الإيمان، فهم يتعاملون بالنفاق لا يتآمرون بمعروف ولا يتناهون عن منكر، تضحية بدينهم في سبيل دنياهم، فصحت بذلك نبوءة عمر العبقري الملهم إذ قال: "سيأتي على الناس زمان يكون صالحهم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر، فيقول الناس: ما رأينا منه إلا خيرا لكونه لم يغضب لله تعالى".
حتى الصفوة من إخوانك وخلصائك تخطر لهم الملاحظة عليك في سلوك أو رأي فلا يبدونها لك، بل ربما تسألهم رأيهم وتطلب إليهم أن يفيدوك بملاحظاتهم فيما أنت بسبيله من مهام فيجبنوا وربما أثنوا وشكروا حتى إذا غبت عنهم وأوليتهم ظهرك، أخذوا يتندرون عليك ويرسلون سهام نقدهم إليك.
إن هؤلاء المنافقين الجبناء لأخطر عليك من الأشرار الصرحاء الذين ليس لهم إلا وجه واحد تعرفه، أما هؤلاء الذين لهم في كل يوم وجه، ومع كل شخص كلام، فأمرهم مشتبه والاحتراس منهم عسير.
والدواء من مرضهم أن لا نلقاهم ولا نغشى مجالسهم، وإذا اضطرونا إلى لقائهم والاجتماع بهم فلا نسمع لقولهم ولا نغتر بتملقهم، وإذا أضطررنا إلى سماع قولهم فلا نقابل نفاقهم بنفاق وملقهم بملق، فإن ذلك لا يقطع الشر، ولا يحسم الداء، وإنما يجب أن نقابل نفاقهم بالصراحة وملقهم بالتأنيب، كي ينتهوا ويرتدعوا فما عاش الشر إلا في بيئة النفاق ولا كثر الفساد والمنكر إلا حيث يسكت عن الفساد ويمسك عن تغيير المنكر.
فيا أيها المسلم- اذكر دائما قوله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" فلا يوصل إلى خير إلا بتحمل ضروب من الآلام ولا تنال راحة إلا بعد عبور جسر من الأتعاب، وهكذا الصراحة في الحق وبث النصيحة للخلق، وأذكر ما تحمله نبيك ﷺ في هذا السبيل من التضحيات الجسام حتى تغلب على سائر الصعوبات وانتصر دين الله، وأصبحت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،
стр. 221
فلولا التضحيات لما انتصرت الرسالات، ولما قامت للإسلام تلك الحضارة التي اقتبست منها سائر الحضارات.
فاقطع دابر الباطل بالصراحة، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإن لك في رسول الله أسوة حسنة و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
و ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾.
стр. 222
بين الجد واللعب
صادفت في مروري بالملعب البلدي خروج الناس بعد فراغ أبطال الكرة من اداء مهمتهم التي أصبحت حديث الناس، وشغلهم الشاغل في كل مكان ولا سيما الشبان، فرأيت جيشا لجبا وجما غفيرا لا يحد الطرف مداه، ولا يعلم عدده إلا الله، ولا يعد الزحام الذي رأيته على المكتب الفرنسي بجانب هذا شيئا، ولفت نظري أن معظم هذا العديد الضخم وهذا الجمع الكثيف هو من الشبان المسلمين الذين لا يرى أكثرهم إلا في هذا الموضع أو ما شابهه من المسرح والسنيما.
فقلت هذه أمة لو رزقت التوفيق وألهمت الرشد لأجرى الله على يدها خيرا كثيرا، ولأزال على يدها شرا كبيرا، كما أرى الله منها ذلك يوم كان الجهادان: جهاد النفس وجهاد البغي والرجس، أداتها وشعارها، ولكنني سرعان ما ذكرت أن هذه الأمه التي راعتني بقوة عددها ووفرة نشاطها وخفة حركتها، إنما صادفتها عائده من ميدان لعب، لا من ميدان جد، ومن ميدان دفع الأكر، لا من ميدان دفع البغي والشر وهذا لا يصلح مقياسا للأمه التي ورثت مجد محمد ﷺ واهتدى الناس بدعوتها وصلح أمر الدنيا والآخرة بدولتها، وشع في ذاكرتي- فجأة- قوله ﷺ : "تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" وقلت لنفسي: هل هذه هي الأمة التي يباهي بها نبيها الأمم يوم القيامة؟ وهل هذا هو النسل الذي كان يتراءى لخيال الرسول ﷺ يوم وجه هذا النداء لأمته؟ الجواب عند الشبان.
إننا لا نقول بتحريم اللعب، ولا نحول بين الناس وبين حاجياتهم الضرورية
стр. 223
منه، وإنما نقول: ليست الحياة كلها لعبا، كما أنها ليست كلها جدا، بل لا تصلح الحياه إلا بكليهما، ولكن كل على قدره، فليس اللعب إلا إستراحة من عناء الجد، كما أن النوم ليس إلا إسحراحة من العمل وضوضاء النهار، ولذا فالوقت الذي ينفق في اللعب يجب أن يكون أقل بكثير من الوقت الذي ينفق في الجد، أما أن ينفق الوقت كله في اللعب فتلك هي الجريمة التي ما بعدها جريمة، وذلك هو السفه الذي دونه كل سفه، والذي يفعل ذلك مثله مثل من ينفق ماله كله فيما لا يعنيه ولا يحتاج إليه، ويمسكه فيما هو أهم له وأجدى عليه ويؤسفني أن هذا هو ما عليه أكثر شبابنا، الذي نعلق عليه أكبر آمالنا، ونمني أنفسنا بأن يكون على يديه خلاصنا، وهذا المرض ناشيء عن مرضين آخرين: الجهل بقيمة الوقت وعظم مسئوليته وخطورة أثره، وانقطاع الصلة بين ماضي الأمة وحاضرها، ولو فكر الناس في أن ما مضى من الوقت لا يعود ولا يعوض، لاغتنموا كل لحظة من أعمارهم فيما يعود عليهم بالنفع عاجلا وآجلا، ولو تذكر المسلم أن أول ما يسأل عنه يوم القيامة، هو وقته لعمره كله بما يرضي ربه، ففي الصحيح أن الني ﷺ قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله فيم أنفقه؟ ومم أكتسبه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟.
ولو قرأ شبابنا تاريخهم الذي هجروه إلى تاريخ لا تصلهم به أي صلة، لاطلعوا من ذلك على كنوز يعز العثور على مثلها في أي تاريخ، ولرأوا من أجدادهم العجب العجاب، في هذا الباب، ومن كان مثل أجدادهم في النهار فرسانا وفي الليل رهبانا؟ إنهم كانوا لا يعرفون هذا النوم الموصول الليل بالنهار الذي نقضي عليه حياتنا اليوم، نوم بالليل واشتغال بالسخافات بالنهار، وكانوا لا يعجبون لشيء عجبهم ممن ينام ليله كله: روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: "ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه،- إذن- فما أكثر من يبول الشيطان في آذانهم في زمماننا هذا!
وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: أتنام من النهار؟ فقال: وهل أنام الليل حتى أنام النهار؟ إنني إذا نمت الليل أضعت حقي، وإذا نمت من النهار أضغت حق رعيتي، فكيف لي بالنوم مع هذين؟ وإنما هي خفقات بعد صلاة الصبح"، ولا يعجب
стр. 224
الناس من هذا، (فكل امرىء جار على ما تعودا) والقليل من النوم يكفي لمن تعود ذلك، والكثير قليل لمن لم يتعود، كالأكل يكفي منه القليل لقوم، ومن استبدت به الشراهة، وتحكمت فيه الشهوة لا يكفيه شيء:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
ولكن سلطان الهوى أملك للناس من سلطان العقل ولذا فالمنتفع بوقته قليل ومن هنا قال ﷺ "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"- إذن- فلنتغلب على أهوائنا ولنحكم عقولنا في سلوكنا، ولنغتنم كل دقيقة من أعمارنا ولنجعل نصب أعيننا تلك الكلمة الخالدة التي أطبق عليها الخليل بن أحمد فاه، وفارق عليها دنياه عندما حضرته الوفاة ورأى أهله يبكون فقال: "لا تبكوا علي، فإنني لم أضع ساعة واحدة، بلا فائدة"!!
стр. 225
موت القلوب
قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؟
فقال: لأن قلوبكم ميتة، قيل: ما الذي أماتها؟
قال: عشر خصال: "عرفتم حق الله ولم تقوموا به، وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده، وقلتم نحب رسول الله ﷺ وتركتم سنته، وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ فواطأتموه على المعاصي، وقلتم نخاف النار وأحرقتم أبدانكم فيها، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وأكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكره، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وأفترشتم عيوب الناس أمامكم، فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم؟ "
إن للقلوب موتا دونه موت الأبدان، بل إن القلوب إذا ماتت لم يبق أي خير في الأبدان، والقرآن يشير إلى موت القلوب إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وإذ يقول لنبيه ﷺ : ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وليس المراد من الموتى في الآية الأولى، غير موتى القلوب، كما أنه ليس المراد من قوله: ﴿حَيًّا﴾ في الآية الثانية غير حي القلب.
стр. 226
وهذا طبيب من أطباء القلوب يفحص قلوب الناس فيجدها قد ماتت ثم يبحث عن أسباب موتها فيجدها عشرة: ترك القيام بحق الله بعد معرفته، وعدم العمل بالقرآن بعد قراءته، وترك العمل بسنة نبيه ﷺ مع ادعاء محبته، وعدم الإستعداد للموت مع التظاهر بخشيته، وطاعة الشيطان مع ما ثبت من عداوته وارتكاب ما يقحم في النار مع التظاهر بشدة الخوف منها، وعدم العمل للجنة مع شدة الشوق إليها، وأكل نعم الله بلا شكر عليها، ودفن الموتى بدون اعتبار بهم، واشتغالنا بعيوب الناس ةإغضاؤنا عن عيوبنا.
ثم يرى أن هذه الأسباب كانت مجلبة لغضب الله وإعراضه عن قبول دعائنا. ورسول الإسلام- ﵊ يجعل لعدم استجابه دعائنا، سببا آخر: هو عدم تورعنا عن الحرام.
ففي حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له أي فلا تكفي الأعمال الصالحة- في ظاهرها- مع صدور هذه الأعمال عن أناس نبتوا من الحرام ثم غذوا- في صغرهم- بالحرام، ثم كان مطعمهم ومشربهم- في كبرهم- من الحرام، أي أن هذه الأعمال مصدرها غير صحيح فهي غير صحيحة، وإذا لم تكن صحيحة فهي غير مقبولة، ولذا ورد عن ابن عباس ﵁: "من أكل لقمة من حرام لم يقبل الله عمله أربعين صباحا".
وإذا كان عملنا غير مقبول فدعاؤنا- طبعا- غير مقبول، لأن الصلة التي بيننا وبين الله هي هذه الأعمال التي أمرنا بها وجعلها بمنزلة الخيوط الممتدة بيننا وبينه، فإذا ردها علينا فأي شفيع بقي لنا عنده نتوسل به في قبول طلباتنا؟.
وإذن فقد عثرنا على السر في خذلان الله لنا ورده لطلباتنا ورفضه لإجابة دعواتنا: إننا أكلة حرام ونبت حرام، وهو ما جعل قلوبنا ميتة، ولا عجب فهي
стр. 227
قد تغذت بغذاء مسموم منذ نبتت في هذه البيئه التي لا تعف عن الحرام بل التي نبتت أصولها من الحرام، وما النظام الربوي الذي قامت عليه كل اقتصاديات البيئة العصرية التي جاءتنا من نظام غير إسلامي إلا البذرة الأولى الخبيثة التي نبت منها كل مطعم حرام والتي سممت كل لقمة تصل إلى أجوافنا.
فاللهم أعد للإسلام حكمه حتى يطهر المجتمع الإنساني من أدرانه ..
стр. 228
درس
كنت مارا في أحد ميادين العاصمة، فعطفي عن وجهتي صوت ناعم حزين وإذا به صوت امرأه تندب حظها وتلعن المصادفة السيئة التي لاقت بينها وبين فضولي مستهتر وهي تقول له: قبحا لوجهك الذي لا يعرف الحياء، وما الذي ذلك مني على أني إحدى الساقطات اللائي بعن كرامتهن بالثمن البخس؟ وما الذي جرأك على متابعتي وتأثر خطواتي وأنا على أتم حجاب وعلى خير هيئة يجب على المرأة الشريفة أن تكون عليها؟
فآمنت عند ذاك بما في خروج المرأة بدون أحد من محارمها من خطر ومغامرة، وذكرت قول سيدة النساء: فاطمة الزهراء وقد قال لها أبوها ﷺ : أي شيء خير للمرأة؟ فقالت: أن لا ترى الرجل ولا يراها الرجل، وعلمت أن الحجاب لا يغني مع خروج المرآة شيئا: وعلمت كذلك بأن المسلمين الذين لم يتأثروا بتربية الإسلام ما زالوا كثيرين ولا سيما هؤلاء الشباب الذين نشأوا في بيئة غير إسلامية، وأعني: بهم من تثقف ثقافة أجنبية، وعلمت من ذلك بأن مجتمعنا ما زال بحاجة إلى تربية أخلاقية قوية.
إن الفائدة التي نجنيها من هذا الدرس هي أن المرأة المسلمة لا أحصن لكرامتها ولا أصون لشرفها من امتداد أيدي الجناة الآثمين إليها كبيتها، وإذا تعرضت المتحجبات المتنقبات لكل هذه الآفات، فكيف يسلتم أولئك السافرات اللائي أبدين من أجسامهن كل ما يحرك الفتنة وبثير كوامن الشهوة؟ ولا سيما أولئك الصبايا العواتق اللائي هن للعيون الشرهة كبواكير الفاكهة يتشهاها القلب وتتطلع إليها النفس، فكيف
стр. 229
نلوم شبابنا الذين تجاوزت فيهم حدة الشباب حدها، وطغت عليهم نزوة الصبا فلم يستطيعوا ردها؟
إن للشباب لفورة، وإن لجماحه لسوره،
وضعوا اللحم للبزا ... ة على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة أن ... خلعوا عنهم الرسن
وإن للصيف لمأثيرا آخر على الأعصاب، تصعب مقاومته على الشباب، فإن العري فيه ولا سيما في العواصم الكبيرة التي يحتضنها البحر ليمد مده، حتى يتجاوز حده، ولكنني لا أعجب لشيء كما أعجب لهؤلاء الآباء الذين يبيحون لبناتهم أن يخرجن عاريات مع عدم يقينهم برجعوعهن سالمات، وكيف بسلامة الحواسر، من مخالب الكواسر؟ وأعجب من هذا أن يعتقدوا أن هذا لا يتحرج منه الإسلام، أو يجب أن يتسع له صدر الإسلام، ومعنى هذا أنهم لا يهمهم أن يجمعوا بين عدم الغيرة وعدم الحياء فيريدوا من الدين أن يبيح ما أباحوا ويعينهم على ضلالهم ويمد لهم في طغيانهم.
كان النبي ﷺ قد كسا أسامة بن زيد (قبطية) وهي نسيج شفاف لا يستر مما تحته وينسب إلى قبط مصر، فكساها زيد امرأته، فقال له النبي ﷺ : أخاف أن تصف حجم عظامها قال الشريف الرضى: (والمراد أن القبطية لرقتها تلصق بالجسم فيبين حجم الثديين والرادفتين وما يشذ من لحم العضدين والفخذين فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء حتى تكون كالظاهرة للحظه والممكنة للمسه، ولذا قال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم ولبس القباطي، فإنها إلا تشف تصف.
هذا فيما يشف من اللباس، فكيف لو رآى النبي وعمر، العري الذي ابتدعه الناس؟ إن أصل البلاء كله هو موت خلقين أساسيين: الغيرة والحياء، الغيرة في الرجل والحياء في المرأة.
أيها المسلم الذي ما زال يدين بالإسلام ويعمل بما فيه من حلال وحرام، إن الحجاب اليوم لا يحترمه من لا يدين بالإسلام، بل ربما أغرى الناس بارتكاب الآثام،
стр. 230
ففي الناس صنف يغري بكل مصونة محجبة من النساء وبصيد كل ممنعة منهن، كأن للشيطان الذي يصيده قبل أن يصيد هو رميته غرضا في ذلك، إذ يرى في هؤلاء المحتشمات المتجبات ربحا جدبدا، أما أولئك المتبذلات اللائي خلعن عذارهن في سوق الرقيق، فهن صيد واقع في الشبكة لا يستدعي اهتماما ولا يتطلب عناء، كأن الشيطان يقول لصاحبه: إن خير الفواكه ما لم تلمسه الأيدي وخير المراعي ما لم تطأه الأرجل.
فحافظ على شرفك، إبائك- أيها المسلم- ولا تسمح لزوجك أو ابنتك بالخروج وحدها فإن ثلمة الشرف لا تسد، ولا يغرنك الحجاب فقد كان ينقع يوم كان الإيمان هو المسيطر على الناس، ولك في الأمثلة التي عرضناها في الفصول السابقة في هذا الموضوع عبرة وأي عبرة.
стр. 231
هكذا يجب أن نكون
"قال سفيان الثوري ﵁: ما زلت أرائي- أي أعمل ما أعمل رياء- وأنا أشعر- إلى أن جالست أبا هاشم الزاهد، فأخذت منه ترك الرياء".
هكذا كان السلوك هو المعلم، والقدوة هي الموجه، وهكذا يعترف هذا الرجل الواقعي الخبير بأن الرياء أو حب الظهور، هو الخلق المسيطر على كل شعور، وهكذا يعترف أرباب القلوب بما فيهم من عيوب، طلبا للكمال، ومقاومة لأهواء النفس، فيعترف سفيان لمن فوقه بفضله، ويلفت من دونه إلى تأثير أصحاب السمو الروحي فيمن حولهم كما تؤثر الكواكب الدرية بضوئها الباهر فيما يلتف بها من كواكب لينتفع الناس بتجربته فيندفعوا وراء أطباء القلوب فيتأثروا تأثره وينتفعوا انتفاعه، وفي ذلك بلوغ مناه وري صداه وشفاء نفسه شأن أرباب القلوب الكبيرة وذوي الآفاق الواسعة الذين يحبون الخير للناس قاطبة ولا يحبون الخير مقصورا عليهم وحدهم كأكثر من نرى لهنذا العهد الذي تغلبت فيه الأنانية وأجدبت تربته من الكمالات الإنسانية، وأصبح النالس لا يتجاوزون بأنظارهم مواطيء أقدامهم، وضعف سلطان الروح، وقوي سلطان الحواس، وبذلك انقلب المجتمع الإنساني غابة ضواري كل فرد فيه لا هم له إلا أن يفترس وينشد:
"إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر"
أما في العهد الزاهر للإسىلام فقد كان الشعور بالأخوة العامة بين المسلمين، هو الشعور المتحكم في المسلمين والموجه لسلوكهم، وبذلك كان المسلمون وحدة
стр. 232
متماسكة تصمد لأحداث الزمان ومكاره الحياه، صمود الجبل الراسخ للريح العاتية والعاصفة الهوجاء.
إن مثل هذا الإمام الذي يعتبر من القمم الشامخة لمجد الإسلام يعترف بأنه مراء، ثم يعترف بأنه أشتفى من هذا الداء العضال بتأثير روح قوية وبمجالسة إمام أقوى سلطانا منه على نفسه، هو أبو هاشم الزاهد، إن هذا الذي صنع هذا الإمام لشيء عزيز المنال بعيد المرام، ولكنه العلاج الناجع والمنهج الذي يجب أن نسير عليه لبلوغ الهدف الذي نرمي إليه، فقد طغى سلطان الغرور، وحب الظهور، على كل شعور، ولاسيما في البيئات الخاصة حيث الأيدي الممسكة بأزمة الأمور وحيث الأطماع المتصارعة والأهواء المتدافعة حول قيادة الجمهور.
ويؤسفني أن يدفعني ما رأيت وما سمعت إلى أن أقول: إن أكثر الناس اليوم مراءون ولكنهم لا يعترفون وذووا نقائص وعيوب ولكن بدل أن يشغلهم علاجها يلصقون بالبقية الصالحة عيوبا ليست فيهم ليرضوا بذلك غرورهم، وإن ضاعفوا شرورهم.
إن اعتراف المريض بمرضه هو أولى خطوات العلاج، فلنعترف بما فينا من نقص وعبب، ولنسع- مخلصين- في العلاج، وأين نحن من أولئك الهداة الأعلام الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويعين أنفسهم قبل أن يعابوا.
رآى محمد بن واسع ابنه بمشي الخيلاء فناداه وقال له: "ويلك، أتمشي هذه المشية وأبوك أبوك وأمك أمك، أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم، وأما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله.
وبعث سعد بن أبي وقاص بعد انتصاره في موقعة القادسية إلى عمر بن الخطاب قباء كسرى وسيفه ومنطقته وسراويله وتاجه وقميصه وخفيه، فنظر عمر في وجوه القوم عنده، فكان أجسمهم وأمدهم قامة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي فقال: يا سراق: قم فالبس، قال سراقة: طمعت فيه فقمت فلبست، فقال: أدبر، فأدبرت وقال: أقبل فأقبلت، قال: (بخ بخ أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطف وتاجه وخفاه، رب يوم يا سراق لو كان عليك فيه دون هذا من متاع كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك، انزع قال: فنزعت فقال:
стр. 233
اللهم إنك منعت هذا نبيك ورسولك وكان أحب إليك مني وأكرم، ومنعت أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم، ثم أعطيتنيه لتمكر بي، ثم بكى حتى رحمه من كان عنده، وقال لعبد الرحمن ابن عوف: أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي، فما أدركه المساء إلا وقد بيع وقسم ثمنه على المسلمين.
فاللهم بصرنا بعيوبنا، وأعنا على معالجتها، وجنبنا الغرور، فإنه أصل الشرور.
стр. 234
من دعائم النجاح
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية هكذا لا يكمل الشخص إلا بشيئين: إيمان، واستقامة، وليس الأمر كما يدلس الأنانيون من أن الإيمان وحده بغني عن كل اعتبار، ونسوا أن الإيمان شيء معنوي لا يستدل عليه إلا بشيء حسي من عمل الجوارح، لأن محله القلب، وعمل الجوارح هو التعبير الصحيح عما في القلب فلا يقل قائل من هؤلاء المغلوبين على أمرهم العاكفين في محاريب شهواتهم: حسبي الإيمان، وهو يعلم أن الإيمان ليس له شاهد إلا العمل بمقتضاه، نعم إن الإيمان هو الأساس، ولكن متى كان الأساس مرادا لذاته؟ إنما الأساس خادم ليس غير، والعبرة إنما هي بالبناء الذي يقوم على الأساس، والعبرة ها هنا بالاستقامة، الاستقامة في القول والعمل، والحكم والتصرف والتعامل مع الله ومع الناس، هذه الإستقامة هي السبب المباشر في النجاح:
حيثما تستقم يقدر لك الله ... نجاحا في غابر الأزمان
هذه الإستقامة هي السحابة الممطرة، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ فهي شجرة طيبة تؤتي أكلها في الدنيا قبل الآخرة.
والإستقامة هي اتباع صراط الله المستقيم وعدم الإلتفات إلى غيره من بنيات الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
стр. 235
عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولذا روي عن عمر ﵁ أنه قال- وهو على المنبر-: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب! لله در عمر! فكأنه ينظر من وراء الغيب إلى هذه الأمة- التي هو أحد بناة مجدها ومؤسسي حضارتها- قد أنتكست بعد إبلال، وأسفلت بعد تحليق، ففرقت بين الإيمان والعمل، وبين القول والفعل، وأصبح حسب الواحد منها أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وذلك هو روغان الثعالب بعينه، أما في الصدر الأول للإسلام حيث كان يعيش عمر، فإن هذه الآية قد جاءت طبق الأصل لما كان عليه المسلمون مما جعل النبي ﷺ يقول- عند نزولها-: "هم أمتي ورب الكعبة".
هذه الآية- إذن- إحدى الدعائم القوية التي تقوم عليها دعوة الإسلام، ونظيرها قوله ﷺ : "قل آمنت بالله ثم استقم"، جوابا لمن قال له: قل لي في الإسلام قولا لا اسأل عنه أحدا غيرك، كما في حديث مسلم، وزاد الترمذي: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: هذا،" فكأنه يقول: إن الإيمان والاستقامة يبدآن من هنا، أي من اللسان، لذا يقول ﵊ في حديث آخر رواه أحمد-: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا" ولما كانت الاستقامة من الكلمات الجامعة، كالبر والتقوى وحسن الخلق، فقد ورد الحث عليها في القرآن كثيرا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ وكقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال الحسن: (لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله ﷺ فما رؤي ضاحكا).
هذه الاستقامة التي هي لبناء المجتمعات الصالحة أقوى دعامة، قد خلا مكانها من مجتمعنا- ويا للأسف- منذ زمن بعيد، وانحرف المسلم عن الصراط المستقيم، الذي شرعه دينه القويم، ووجهه إليه نبيه العظيم، وتحكمت الأهواء في
стр. 236
الناس، وسيطرت النزعات المادية، والمصالح الشخصية على النفوس، فاتهم الناصح وساء الظن بكل داع إلى الله لأنه:
(إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه)
وبذلك أصبحت مهمة المصلحين شاقة عسيرة، وأصبح شبح اليأس يتمثل لهم في كل متجه، وينتصب لهم في كل مكان، ولكن البذور الطيبة للإنسانية لا تموت، فانتدب لمواجهة هذه التيارات المدمرة للأمم، طوائف من أولى العزم والإخلاص والشمم، وهبوا أنفسهم لله وجندوا مواهبهم لخدمة أمتهم ورفعوا أصواتهم بالدعوة إلى ما يجدد للأمة الإسلامية شبابها ويعيد لها بين الأمم مكانتها، وقد ظهر أثر ذلك جليا واضحا للعيان في كل مكان، وأكبر من يمثل ذلك اليوم رجال جمعية الإخوان المسلمين ورجال جمعية العلماء الجزائريين، فحيا الله العاملين لخير الإنسانية وسدد خطاهم وأخذ بأيديهم ونصرهم على كل معتد أثيم من أعداء النور وأنصار الظلام ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
стр. 237
يجب أن تكون لنا شخصية
لم أستطع أن أشق طريقي في الزحام الشديد الصاخب حول باب المكتب الفرنسي الذي سد الطريق على المارة، والذي يتألف أكثره من العائلات الإسلامية، وخاصة من الأمهات الآخذات بأيدي أبنائهن وبناتهن ينتظرن فتح الباب والإذن بالدخول. ذلك لأن هذا اليوم يوم افتتاح السنة الدراسية، للمكاتب الفرنسية.
لم أنكر هذا المنظر فمد ألفته عيني وتعودته نفسي، منذ عرفت أن اللغة السائدة هي اللغة الطارئة على البلاد، لا لغة البلاد التي عوملت معاملة اللغة الأجنبية وحوكم معلمها محاكمة المجرمين المعتدين.
هي لغة الحاكم الذي يوزع الغذاء والكساء والمأوى، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيي لغة ويميت أخرى، ويطلق لسانا ويعقل آخر.
لم أنكر هذا وشبهه فهو دستور الإستعمار، منذ عرف الإستعمار، وقانون القهر والغلبة منذ وجد في هذه الدنيا قوي وضعيف، وحق وباطل، وغالب ومغلوب.
إنما انكرت أن لا يكون مثل هذا الزحام على المدرسه التي تعلم العربية والإسلام، وهي الأولى بذلك لأنها الأصل والأساس، بالنسبة لأبناء العربية والإسلام، ولأنها - كذلك- المورد الذي لا يشوبه كدر ولا يغص شاربه، ولأن لغة الأمة هي رأس مال الأمة، فالإحتفاظ بها احتفاظ برأس مال الأمة.
стр. 238
أنكرت عليك- أيها المسلم- أن تعين على قتلك من يريد قتلك، وتساعده على وضع العراقيل والعواثير في طريق خلاصك وفوزك.
إني لا أنكر أن يكون لك عشر لغات، لا لغة واحده.
"فكل لسان في الحقيقة إنسان"
وكما يقول الشاعر، ولكنني أنكر أن تقطع لسانك وتضع مكانه لسان غيرك، فتبقى بدون لسان إذ لا يغنيك عن لسانك أي لسان.
إنك- يا أخي- إذا أضعت هذا اللسان تكون قد أضعت معه دستور القرآن الذي جعله الله مناط سعادتك، إذ قال: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وأضعت معه تراث نبيك الكريم وتاريخ أجدادك العظيم، وقطعت صلتك بكل ما يقوي كيانك ويقوم شخصيتك، لأن اللغة العربية هي مفتاح ذلك كله، وقد رأينا بأعيننا كيف أن من أضاعها فقد أضاع ذلك كله.
وإنما أسجل هذا كله وأضع نفسي تحت مسئوليته الثقيلة لأني- كما شاهدت افتتاح السنة الدراسية للمدارس الفرنسية- شاهدت كذلك افتتاح السنة الدراسية للمدارس العربية ورأيت الفرق الكبير، والبون البعيد، بين هذه وتلك، فبكيت على العربية التي كانت لغة العالم المتحضر، يوم كان هذا العالم لا يعرف من العلم والأدب والفلسفة والطب والحكمة إلا ما جاء من طريق هذه اللغة التي نقلت كل تراث اليونان الخالد وهذبته وأضافت إليه وحملت أشعته إلى أرجاء الدنيا كلها فوق ما حملت إليها من وحي السماء وحكمة إمام الأنبياء، ثم أصبحت غريبة في عقر دارها، تحارب من أبنائها كما تحارب من غير أبنائها، ورأيت ما يذيب لفائف القلوب حسرة، وينزف دموع العيون رثاء: رأيت المدرسه العربية ذات الثلاثة فصول، لا يؤمها من أبنائها - يوم افتتاحها- أكثر من عشرة متثاقلين متباطئين ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ بعضهم بدون كراس والآخر بدون قلم، وأكثرهم على حالة من التشعث والفوضى ورداءه الثياب، تعرب عن زهد آبائهم وأمهاتهم في هذا التعلم الذي يرونه تعلما لا يشبع ولا يروي ولا يكسو ولا يؤوي، والذي لا يضطرهم إليه إلا حماية أولادهم من طوارىء الشعوارع وحماية بيوتهم من سوء أخلاقهم في أيام عطلة
стр. 239
المدارس الفرنسية بينما شاهدتهم عند ذهابهم إلى المدارس التي تهوى إليها أفئدتهم على أتم استعداد وأجمل هندام، وأثمن لباس.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على موت الشعور القومي، وانعدام الروح المعنوية للأمة، واندغام الشخصية الإسلامية، في شخصية غيرها، جد غريبة عنها، وهذا أخطر ما يصيب أمة تسعى للتخلص من عبوديتها والتحرر من قيودها.
فيا أيتها الأمة: حسبك هذا الهوان بعد العزة، وهذا الإنحطاط بعد الرفعة، وهذا الصغار بعد العظمة، وهذا الموت المعنوي بعد الحياة التي لم يستمد العالم الأرضي حياته الكاملة إلا منها. أيتها الأمة: إن الذي لا يحترم لغته لا يحترم نفسه وإن الذي لا يتعلم لغته لا يشرفه أن يتعلم لغة غيره، وإن الذي يكرم ضيفه بما يهدر كرامته ويرغم أنفه ليهين نفسه بمقدار ما يكرم ضيفه، وإن أرخص حياة لهي حياة المستعبدين العناة تحت وطأة المستبدين العتاة، وإن أول استقلال يجب أن تهدف إليه أمة مثلك هو استقلال الشخصية، فإذا أضاعت هذا الإستقلال، فلن يفيدها بعد أي استقلال، وإذا حصلت هذا الاستقلال فقد أصبح في متناولها كل استقلال.
فلا تأت البيت من غير بابه!. وفقك الله وجعلنا فداك.
стр. 240
لا حارس كالأجل
ليت الناس يعلمون مقدار ما تؤديه هذه الكلمة من رصيد قوي للعقيدة، ومن رسالة عظمى للمجتمع، ومن نفع عام للبشرية.
وليتهم إذ يعلمون، يعملون، إنهم لو فعلوا، لسادت الصراحة بينهم، وشاعت الشجاعة فيهم، ولتقلص ظل النفاق من جباههم، واختفى شبح الخوف من أمامهم، ولعاد للمجتمع الإسلامي كيانه، ولانتفع أحفاد الهداة الأولين من المسلمين بتراثهم، ولكن المسلمين اليوم إلا ما ندر قد صرفهم صارف عن هذه الروائع الخالدة من تراثهم، وإذا وقفوا أمامها، فموقف المتفرج على الأشياء الغريبة عنه.
علم علي رضى الله عنه أن للخوف سلطانا على النفوس، يحول بينها وبين قول كلمة الحق، وإعلان الشهادة، وتغيير المنكر، ومكافحة الشر، ورد المعتدين عن عدوانهم، فقال هذه الكلمة البليغة الحكيمة: (لا حارس كالأجل) ليصرف بها عن قلب المؤمن ما يخدعه به الشيطان من أضاليل وأوهام، وليشعره بأن من أجله في الستين لا يموت قبلها- كما أنه لا يموت بعدها- لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وهذا المعنى يحوم حول قوله ﷺ : "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
وأكثر ما يقعد بالناس عن أداء رسالتهم في مكافحة الشر، ومقاومة الباطل، وتغيير المنكر، حرصهم على الحياة وخوفهم من بطش الطغاة، فقاوم الأنبياء والمرسلون،
стр. 241
وقال مروان لوكيله: إنك لتخونني، فقال: نعم، إني لأخونك وأنت تخون أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يخون المسلمين، ولعن الله شر الثلاثة.
وذكر الغزالي في (الإحياء): أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ايتوني برجل من الصحابه فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي بطاوس الماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقال له: يا طاوس: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبا وغيظا وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك: لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا والده من رحمه وأما قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضن بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى أسمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليا يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي ﵁: أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام"
جعل الله لنا في الصالحين قدوة.
стр. 242
هذه المخاوف والأوهام، ببيان أن للنفوس آجالا لا تموت قبلها ولا تعيش بعدها، فليس الخوف مؤخرا للأجل إذا حان، ولا الشجاعة بمقدمة الأجل قبل الأوان، وإذا كان الفرار من الموت لا ينجي من الموت، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ فمن العجز والحرمان، أن يعيش المؤمن عيش الجبان، يرضى بالذل والهوان، كما قال المتني:
وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن (تعيش) جبانا
ومن هنا كان المؤمن الكامل الإيمان، القوي الصلة بالله، أشجع الناس قلبا، وأجرأهم على مواجهة قوى الباطل بالمقاومة والتحدي والوقوف في صدر تيار البغي والطغيان لاكتساحه من الطريق، وإخلائه لمواكب التوحيد والإيمان، وفي ذلك صلاح الدين والدنيا، وسعادة الفرد والمجتمع، وفي ذلك يقول أبو بكر الصديق ﵁: "احرص على الموت توهب لك الحياة" فهؤلاء الجبناء عن نصر دين الله هم أبعد ما يكون عن جني ثمار الحياة، لأنفسهم وللناس، وإذن فهم غير صالحين وغير جديرين بوراثة الأرض التي لا يرثها إلا الصالحون لوراثتها، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
أما الشجعان الصرحاء فهم الذين نقوا الأرض من الأشواك، وطهروها من الأرجاس، وجعلوها صالحه للحياة السعيدة والعيش الكريم، هم الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخضعون لسلطة ظالمة ولو ذهبوا ضحية الدفاع عن الحق والقيام بالواجب، فيكونون بذلك بذور الإنسانية الصالحة كما جاء في الإنجيل: (إن حبة القمح التي لا تموت في باطن الأرض لا تحيي الناس على ظهرها، وما يعيبهم أن يموتوا، وإنما يعيبهم أن يعيشوا أذلاء أو راضن بشيوع الشر والفساد من حولهم) وقد ترك لنا سلفنا الصالح نماذج حية في الشجاعة الأدبية، بقي أريجها على مر الدهور، عطر الدهور.
قال عمر بن الخطاب يوما: ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية؟ فقال علي بن أبي طالب: يأتي بأربعة شهداء أو يجلد جلد القذف، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين.
стр. 243
ـ[صفحة مكررة من المصور]ـ
وقال مروان لوكيله: إنك لتخونني، فقال: نعم، إني لأخونك وأنت تخون أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يخون المسلمين، ولعن الله شر الثلاثة.
وذكر الغزالي في (الإحياء): أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ايتوني برجل من الصحابه فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي بطاوس الماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقال له: يا طاوس: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبا وغيظا وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك: لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا والده من رحمه وأما قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضن بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى أسمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما قولك: جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليا يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي ﵁: أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام"
جعل الله لنا في الصالحين قدوة.
стр. 244
من لم يكن له شيخ
كتب أحد القراء يسأل عن قولهم: (من لم يكن له شيخ، فالشيطان شيخه) وما نصيبه من الصحة؟
ولحرصنا على إجابة طلبات القراء، نجيب هذا الأخ بما يلي:
يخيل إلي- أيها الأخ- أن الطريق إلى الله قد سدت في وجهك فأردت اصطحاب دليل يهديك السبيل فاعلم- أيها الأخ- (أن الطريق إلى الله لا تخفى على أحد) كما يقولون، والله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؟ لأنه- تعالى- أرحم بنا من قطع صلته بنا إلا بواسطة وكيف وهو يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وإن دين الإسلام لمن اليسر والبساطة والوضوح بحيث لا يحوجنا إلى هذا الشيخ المفروض عليه والمحمول على الناس، كما حمل على المسيحية وسطاء من الرهبان يهيبون الغفران، وإذا كان لا بد من شيخ، فشيخ العلم الذي يزودك بحسن الفهم، ويزيل عن قلبك حجب الوهم، وران الإثم، ويقيم عقيدتك على الأساس الصحيح من النظر السديد، ويعصمك من الزيغ والضلال، ويحميك من الإلحاد والحلول، ويحول بينك وبين الإتجاهات المنحرفة والتيارات المختلفة ثم يقيم على هذا الأساس الصحيح، وثيق البناء من حسن السلوك والسيرة والخلق، ويوضح لك الفروق بين الحلال والحرام، والحسنة والسيئة، والطاعة والمعصية، والسنة والبدعة، والفضيلة والرذيلة.
стр. 245
وهذا هو الشيخ المراد في قول ابن عاشر:
يصحب شيخا عارف المسالك ... يقيه في طريقه المهالك
كما أنه هو المراد من وجهة النظر الصوفية، فإذا كان هذا الشيخ هو المقصود فإن الإسلام لا ينكره بل إن المسلمين اليوم لفي حاجة شديدة ملحة إلى مثل هذا الموجه الكفء الذي يأخذ بزمامهم إلى الغرض النبيل، في أقوم سبيل، ويعيد إليهم عهدا كان في مخيلة البشرية حلما من الأحلام، فحققه الإسلام، أما هذا الشيخ الذي يفرض على كل إنسان، وإلا تسلم زمامه الشيطان، فهذا مما لا نعرفه في كتاب الله، ولا سنة رسول الله، ولا سنة خلفائه الراشدين، ولا في أقوال الأئمة المجتهدين.
وإن الشيطان لا يدخل قلبا يعمره الإيمان بالله، والإلتجاء إلى الله، وإنما يدخل القلوب الخربة من الإيمان الخاضعة لهوى النفس، وإرادة الشيطان،: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
نعم إن قولهم: من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه، ليس بآية ولا بحديث، وإنما هو قول بعض مشائخ الطرق المتأخرين لعلهم أرادوا به توجيه الأنظار إلى دعوتهم وتكوين الأتباع والأنصار لها، أو قيل في وقت جف فيه معين العلم، وقل علماء الدين وخيف على الحاسة الدينية أن تنعدم، أو قيل في جماعة خاصة ركبت رأسها وتمردت على نظام بيئتها، فأريد ضبطها بهذه الطريقة تحت تصرف قائل هذه الكلمة الذي لا بد أن يكون قد عرف بالصلاح والتقوى وسداد الرأي.
ذلك لأننا إذا رجعنا إلى كتاب الله الذي هو المورد الأصيل للتشريع نجد أن الله لم يأمرنا بطاعة أحد من خلقه وإنما أمرنا بطاعة رسوله فقط التي ليست إلا طاعة لله إذ قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ حتى أبوينا لم يقل لنا: أطيعوهما وإنما أمرنا بالإحسان إليهما إذ قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وإذ قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وحتى طاعة أولي الأمر في قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾،
стр. 246
إنما يقصد بها طاعة الله، لأن إمام المسلمين مكلف بتنفيذ شريعة الله، وإلا فلا تلزم طاعته، كما قال أبو بكر ﵁ بعد مبايعته بالخلافة: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، وهذا هو السر في إضافة قوله: منكم، إلى أولي الأمر، أي أن الطاعة لأولي الأمر مقيدة بأن يكونوا من المسلمين عملا، لا نسبة، لتكون طاعتهم لله.
وإنما أمر الناس أن يسألوا عما جهلوا إذ قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأمر العلماء أن لا يكتموا ما علمهم الله وكتب اللعنة على من كتم ما أنزل الله إذ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، ورغب في هداية الناس على لسان نبيه القائل: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، والقائل "الدال على الخير كفاعله"، بل جعل الدعوة إلى الله وقيادة الناس إلى ساحل النجاة وظيفة للعلماء ورثة الأنبياء، إذ قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار هذه الأمة إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فلم يذكر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا الإيمان بالله وإن الله- بعد هذا كله- قد ربط بين المسلمين جميعا برباط الأخوة الدينية، ولم يربط بينهم برباط سيادة بعضهم على بعض، إذ قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، بل إن الإسلام ليذهب أبعد من ذلك فيجعل السيادة للخادم لا للمخدوم إذ يقول ﷺ : "سيد القوم خادمهم".
ونحن- بعد هذا- نؤيد كل داع إلى الله على بصيرة بالمنهج الديني المشروع.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
стр. 247
الطاعة
كان فيما كتبت في الفصل السابق إيجاز، فيما عرضت فيه لموضوع الطاعة، مع أن الطاعة موضوع خصب وأساسي، يحتاج إلى فصل خاص يتناوله ببعض التفصيل والإيضاح، وهذا ما دعا إلى كتابة هذا المقال:
إن الطاعة هي نظام هذا الوجود، وعليها تتوقف سعادة المجتمعات ونجاح الدعوات: فرضى الله الذي به سعادة الكائن الإنساني في دنياه وأخراه، إنما هو في طاعة الله.
وكتاب الله- الذي ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، و ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا نجني ثمرة منه، إذا لم نطعه فيما يأمر به، وينهي عنه.
ورسول الله الذي جاءنا بكل خير من الله، إن لم نطعه لم نطع الله.
والإمام العادل الذي هو ظل الله في الأرض لا ينتفع بعد له، إذا لم يطع في أمره ونهبه. وقائد الجند الذي ينشر دين الله في كل مكان، ويحمل رسالة الحق إلى أقاصي المعمور، يتوقف نجاحه على طاعة جنده.
والمعلم الناصح الذي ينشيء الجيل الصالح، والوعظ المرشد، الذي ينير ظلمة القلب ويصله بالله، كلاهما لا ثمرة لتعاليمه، إلا بطاعة تلاميذه.
والوالد البر الذي ينشىء أبناءه على طاعة الله، ويربيهم على الخير والفضيلة، لا يتم بناؤه إذا لم يطعه أبناؤه.
стр. 248
ولا قيمة للرأي الحصيف والإشارة الصائبة بدون طاعة.
ومن هنا يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لا رأي لمن لا يطاع"، ويقول النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ولمعاذ بن جبل عندما بعثهما إلى اليمن: "تشاورا وتطاوعا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا".
وليس في هذا كله ما يتنافى مع ما مر في الفصل السابق من أن الطاعة لا تكون إلا لله، أو لرسوله المبلغ عن الله، والذي طاعته طاعة لله، وإنما هو التفصيل بعد الإجمال، والتفريع بعد التأصيل، فكل ما فيه رضى الله وصلاح المجتمع فهو طاعة لله، وإن الله ما بعث أنبياءه إلا لإصلاح هذه البشرية، ومحمد ﷺ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فأنبياء الله هم بذور الإصلاح، والرسالة السماوية قد رافقت البشرية منذ نشأتها، وأبو البشرية آدم هو أول أنبياء الله وما اهتدى الناس إلى ما ينفعهم ويضرهم إلا على مشاعل الأنبياء وهداية السماء.
وإذن فالخير فيما شرعه الله للناس وهدى إليه أنبياءه، والطاعة التي أوجبها الله على عباده هي الأخذ بما بعث به رسوله بما في ذلك طاعة الرعية للإمام، والجند للقائد، والتلاميذ للمعلم، والأبناء للآباء، وكل داع إلى الله آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ولما أدرك المسلمون الأولون ذلك، واطمأنوا إلى ما في طاعة الرسول مما تصبو إليه نفوسهم من سعادة، وما تطمح إليه أنظارهم من كمال، تفانوا في حبه وطاعته، واستماتوا في الذود عن دينه ورسالته، وضحوا في سبيل نصره وتأييده بأموالهم وأنفسهم فكان إذا دعاهم للغز وطاروا فرحا وخفوا إليه رجالا وركبانا، وإذا حثم على البذل في سبيل الله خرج بعضهم عن نصف ماله والآخر عن جميع ماله. وما أعظم تلك الكلمة التي قالها الأنصار على لسان سعد بن معاذ، وقد أستأذنهم الرسول في الخروج إلى بدر: (امض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا، فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا، وإنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن
стр. 249
يمينك، وعن شمالك، وبين يديك ومن خلفك) وما أروع موقف أولئك الأبطال المساعير من جنود تبوك، وهم يتنافسون في البذل لتجهيز المعسرين، فجهز عثمان ثلاثمائة بعير وخمسين فرسا، وأحضر عشرة آلاف دينار وصبها بين يدي النبي ﷺ ، فجعل النبي يقلبها ويقول: "اللهم إرض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"، وجاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، وهو أربعة آلاف درهم، فقال له النبي ﷺ : (هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن ابن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمقدار عظيم من المال، وأحضر عاصم بن عدي سبعين وسقا من تمر، وتبرع النساء بكل ما قدرن عليه من حليهن، فاجتمع لهؤلاء الأبطال الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، لولا أن العدو لاذ بالفرار ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
وما أعظم مشهد ذلك البطل المغوار (أبي لبابة بن عبد المنذر) الذي وجه به الرسول ﷺ إلى بني قريظة بطلب منهم لما نقضوا العهد إثر غزوة الأحزاب، ليستشيروه في أمرهم، فلما أتاهم واستقبله النساء والصبيان بالبكاء رق لهم، فقالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه، ثم أدرك من ساعته أنه عصى الله والرسول، فندم وربط نفسه بسارية في المسجد وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وبقي ست ليال على تلك الحال حتى نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأسرع الناس إليه يبشرونه بأن الله قبل توبته، ولما أرادوا حله من وثاقه أبى وقال: (لا والله، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده)، فلما مر ﷺ إلى صلاة الصبح خارجا أطلقه).
بمثل هذه الطاعة أنتصر الإسلام وأنتشرت راياته في كل مكان. فالطاعة- إذن- إحدى الدعائم القوية في نجاح الدعوات، وبناء النهضات، وما أقفر منها مجتمع إلا حلت به الويلات وتحالفت عليه الأزمات.
وإن كل من يدخل الجنة إنما يدخلها تحت لواء الطاعة والإذعان، وكل من يدخل النار إنما يدخلها تحت لواء العصيان، الذي يحمله الشيطان.
فاللهم وفقنا لطاعتك والثبات على ما جاء به رسولك.
стр. 250
بيت الله
لقيني أحد الشباب، أمام مسجد (الأمة) بسانت أوجن، فقال لي: ما رأيك لو أن الأموال التي أنفقتموها على بناء المسجد، قد أنفقتموها على بناء مستشفى للأمة؟ ألا يكون ذلك أجدى وأصلح؟
فقلت له: ما أكثر من يقول مثل هذا القول، ويفكر مثل هذا التفكير، ويجعل بيوت الله ثمنا لأغراض الدنيا وأعراض الحياة!
ثم من أين لك أن المسجد غير المستشفى؟
أأنت على علم بالحكمة التي يؤسس لها المسجد في الإسلام؟ أم أنك دخلت المسجد فوجدته شيئا آخر غير المستشفى؟ أم أنك تحكم على ما لا تعرف؟
ولكن على رسلك- أيها القارىء الكريم- فإن صاحبنا ممن تعلموا في مدارس غير إسلامية، فحسبوا أن المسجد مثل الكنيسة مقصور على متن نفض يديه من دنياه، وأقبل بكليته على أخراه، كهؤلاء الرهبان، الذين لبسوا المسوح وحملوا الصلبان، ولزموا الصوامع، وقطعوا صلتهم بدنيا الإنسان.
فإليك- أيها الشاب- وإلى أمثالك من الشبان، أوجه هذا البيان:
إن المسجد في الإسلام، لهو (المستشفى) - بعينه- لسائر الأمراض والأسقام، وإنما الفرق بينهما أن (المسجد) يعالج القلوب والأرواح، بينما المستشفى يحصر عنايته في علاج الأجسام، وبينما يرى (المستشفى) أن العقل السليم في الجسم السليم، يقول
следующие страницы →