Полный текст (352 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إنما يقصد بها طاعة الله، لأن إمام المسلمين مكلف بتنفيذ شريعة الله، وإلا فلا تلزم طاعته، كما قال أبو بكر ﵁ بعد مبايعته بالخلافة: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، وهذا هو السر في إضافة قوله: منكم، إلى أولي الأمر، أي أن الطاعة لأولي الأمر مقيدة بأن يكونوا من المسلمين عملا، لا نسبة، لتكون طاعتهم لله.
وإنما أمر الناس أن يسألوا عما جهلوا إذ قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأمر العلماء أن لا يكتموا ما علمهم الله وكتب اللعنة على من كتم ما أنزل الله إذ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، ورغب في هداية الناس على لسان نبيه القائل: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، والقائل "الدال على الخير كفاعله"، بل جعل الدعوة إلى الله وقيادة الناس إلى ساحل النجاة وظيفة للعلماء ورثة الأنبياء، إذ قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعار هذه الأمة إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فلم يذكر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا الإيمان بالله وإن الله- بعد هذا كله- قد ربط بين المسلمين جميعا برباط الأخوة الدينية، ولم يربط بينهم برباط سيادة بعضهم على بعض، إذ قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، بل إن الإسلام ليذهب أبعد من ذلك فيجعل السيادة للخادم لا للمخدوم إذ يقول ﷺ : "سيد القوم خادمهم".
ونحن- بعد هذا- نؤيد كل داع إلى الله على بصيرة بالمنهج الديني المشروع.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
стр. 247
الطاعة
كان فيما كتبت في الفصل السابق إيجاز، فيما عرضت فيه لموضوع الطاعة، مع أن الطاعة موضوع خصب وأساسي، يحتاج إلى فصل خاص يتناوله ببعض التفصيل والإيضاح، وهذا ما دعا إلى كتابة هذا المقال:
إن الطاعة هي نظام هذا الوجود، وعليها تتوقف سعادة المجتمعات ونجاح الدعوات: فرضى الله الذي به سعادة الكائن الإنساني في دنياه وأخراه، إنما هو في طاعة الله.
وكتاب الله- الذي ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، و ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا نجني ثمرة منه، إذا لم نطعه فيما يأمر به، وينهي عنه.
ورسول الله الذي جاءنا بكل خير من الله، إن لم نطعه لم نطع الله.
والإمام العادل الذي هو ظل الله في الأرض لا ينتفع بعد له، إذا لم يطع في أمره ونهبه. وقائد الجند الذي ينشر دين الله في كل مكان، ويحمل رسالة الحق إلى أقاصي المعمور، يتوقف نجاحه على طاعة جنده.
والمعلم الناصح الذي ينشيء الجيل الصالح، والوعظ المرشد، الذي ينير ظلمة القلب ويصله بالله، كلاهما لا ثمرة لتعاليمه، إلا بطاعة تلاميذه.
والوالد البر الذي ينشىء أبناءه على طاعة الله، ويربيهم على الخير والفضيلة، لا يتم بناؤه إذا لم يطعه أبناؤه.
стр. 248
ولا قيمة للرأي الحصيف والإشارة الصائبة بدون طاعة.
ومن هنا يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لا رأي لمن لا يطاع"، ويقول النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ولمعاذ بن جبل عندما بعثهما إلى اليمن: "تشاورا وتطاوعا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا".
وليس في هذا كله ما يتنافى مع ما مر في الفصل السابق من أن الطاعة لا تكون إلا لله، أو لرسوله المبلغ عن الله، والذي طاعته طاعة لله، وإنما هو التفصيل بعد الإجمال، والتفريع بعد التأصيل، فكل ما فيه رضى الله وصلاح المجتمع فهو طاعة لله، وإن الله ما بعث أنبياءه إلا لإصلاح هذه البشرية، ومحمد ﷺ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فأنبياء الله هم بذور الإصلاح، والرسالة السماوية قد رافقت البشرية منذ نشأتها، وأبو البشرية آدم هو أول أنبياء الله وما اهتدى الناس إلى ما ينفعهم ويضرهم إلا على مشاعل الأنبياء وهداية السماء.
وإذن فالخير فيما شرعه الله للناس وهدى إليه أنبياءه، والطاعة التي أوجبها الله على عباده هي الأخذ بما بعث به رسوله بما في ذلك طاعة الرعية للإمام، والجند للقائد، والتلاميذ للمعلم، والأبناء للآباء، وكل داع إلى الله آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ولما أدرك المسلمون الأولون ذلك، واطمأنوا إلى ما في طاعة الرسول مما تصبو إليه نفوسهم من سعادة، وما تطمح إليه أنظارهم من كمال، تفانوا في حبه وطاعته، واستماتوا في الذود عن دينه ورسالته، وضحوا في سبيل نصره وتأييده بأموالهم وأنفسهم فكان إذا دعاهم للغز وطاروا فرحا وخفوا إليه رجالا وركبانا، وإذا حثم على البذل في سبيل الله خرج بعضهم عن نصف ماله والآخر عن جميع ماله. وما أعظم تلك الكلمة التي قالها الأنصار على لسان سعد بن معاذ، وقد أستأذنهم الرسول في الخروج إلى بدر: (امض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا، فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا، وإنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن
стр. 249
يمينك، وعن شمالك، وبين يديك ومن خلفك) وما أروع موقف أولئك الأبطال المساعير من جنود تبوك، وهم يتنافسون في البذل لتجهيز المعسرين، فجهز عثمان ثلاثمائة بعير وخمسين فرسا، وأحضر عشرة آلاف دينار وصبها بين يدي النبي ﷺ ، فجعل النبي يقلبها ويقول: "اللهم إرض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"، وجاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، وهو أربعة آلاف درهم، فقال له النبي ﷺ : (هل أبقيت لأهلك شيئا؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن ابن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمقدار عظيم من المال، وأحضر عاصم بن عدي سبعين وسقا من تمر، وتبرع النساء بكل ما قدرن عليه من حليهن، فاجتمع لهؤلاء الأبطال الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، لولا أن العدو لاذ بالفرار ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
وما أعظم مشهد ذلك البطل المغوار (أبي لبابة بن عبد المنذر) الذي وجه به الرسول ﷺ إلى بني قريظة بطلب منهم لما نقضوا العهد إثر غزوة الأحزاب، ليستشيروه في أمرهم، فلما أتاهم واستقبله النساء والصبيان بالبكاء رق لهم، فقالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه، ثم أدرك من ساعته أنه عصى الله والرسول، فندم وربط نفسه بسارية في المسجد وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وبقي ست ليال على تلك الحال حتى نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأسرع الناس إليه يبشرونه بأن الله قبل توبته، ولما أرادوا حله من وثاقه أبى وقال: (لا والله، حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده)، فلما مر ﷺ إلى صلاة الصبح خارجا أطلقه).
بمثل هذه الطاعة أنتصر الإسلام وأنتشرت راياته في كل مكان. فالطاعة- إذن- إحدى الدعائم القوية في نجاح الدعوات، وبناء النهضات، وما أقفر منها مجتمع إلا حلت به الويلات وتحالفت عليه الأزمات.
وإن كل من يدخل الجنة إنما يدخلها تحت لواء الطاعة والإذعان، وكل من يدخل النار إنما يدخلها تحت لواء العصيان، الذي يحمله الشيطان.
فاللهم وفقنا لطاعتك والثبات على ما جاء به رسولك.
стр. 250
بيت الله
لقيني أحد الشباب، أمام مسجد (الأمة) بسانت أوجن، فقال لي: ما رأيك لو أن الأموال التي أنفقتموها على بناء المسجد، قد أنفقتموها على بناء مستشفى للأمة؟ ألا يكون ذلك أجدى وأصلح؟
فقلت له: ما أكثر من يقول مثل هذا القول، ويفكر مثل هذا التفكير، ويجعل بيوت الله ثمنا لأغراض الدنيا وأعراض الحياة!
ثم من أين لك أن المسجد غير المستشفى؟
أأنت على علم بالحكمة التي يؤسس لها المسجد في الإسلام؟ أم أنك دخلت المسجد فوجدته شيئا آخر غير المستشفى؟ أم أنك تحكم على ما لا تعرف؟
ولكن على رسلك- أيها القارىء الكريم- فإن صاحبنا ممن تعلموا في مدارس غير إسلامية، فحسبوا أن المسجد مثل الكنيسة مقصور على متن نفض يديه من دنياه، وأقبل بكليته على أخراه، كهؤلاء الرهبان، الذين لبسوا المسوح وحملوا الصلبان، ولزموا الصوامع، وقطعوا صلتهم بدنيا الإنسان.
فإليك- أيها الشاب- وإلى أمثالك من الشبان، أوجه هذا البيان:
إن المسجد في الإسلام، لهو (المستشفى) - بعينه- لسائر الأمراض والأسقام، وإنما الفرق بينهما أن (المسجد) يعالج القلوب والأرواح، بينما المستشفى يحصر عنايته في علاج الأجسام، وبينما يرى (المستشفى) أن العقل السليم في الجسم السليم، يقول
стр. 251
(المسجد): "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" الحديث.
وإنما الإنسان بقلبه وروحه، وما الجسم إلا القشر الذي يحفظ اللباب، ولذا قيل:
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وليس معنى هذا أن الإسلام يهمل شأن الجسم، ولا يقيم وزنا لغير الروح والقلب، وإنما المراد أن في تهذيب الروح وترقيتها وصحة القلب وسلامته، صحة الجسم وسلامته، فإن القلب هو القائد لهذه السفينة التي هي البدن، وبهذا القائد تسلم أو تعطب، وتنجو أو تغرق، فمثلا:، أكثر ما يكون داء البدن من الإفراط في الأكل والشرب كما قال ابن الرومي:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
ولكن الأدوية التي يشير بها الإسلام، ويجدها المرضى في (مستشفى الإسلام) من مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ومثل قوله ﷺ : (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)، مثل هذا الدواء كفيل بوقاية الأجسام من الآفات والأسقام، إذا كان القائد- الذي هو القلب- يقظا واعيا لم تحجب بصيرته الذنوب والآثام.
إذن، ليس المسجد إلا المستشفى العام، لمرضى القلوب والأجسام، هذا ما يلمسه كل من يعرف الإسلام، ويتلو قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وإنما المشكلة هي مشكلة الذين لا يعرفون الإسلام، أو تلقوا عن الإسلام ما ليس من الإسلام، ولا سيما إذا تلقوه منذ النشأة الأولى، وفي عهد الطفولة كما عمت به البلوى في عهدنا الأخير- وكما تحدث عنه الشاعر بقوله:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا، فتمكنا
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المساجد لم تعد تقوم بالدور الهام، الذي كانت تقوم به في العهود الزاهرة للإسلام، لأن الدعاة قد سرى إليهم ما أصاب
стр. 252
المجتمع من علل وآفات، بمعنى أن الأطباء أصبحوا- هم الآخرون مرضى، وويح الأمة إذا مرض أطباؤها، والأطباء المرضى هنا هم العلماء الخادعون المخدوعون، الذين يقولون ما لا يفعلون ويأمرون بما لا يأتمرون، وينهون عما لا ينتهون؛
"وغير تقي يأمر الناس بالتقي ... طبيب يداوي الناس وهو عليل
وتلك هي الإساءة المزدوجة، كما قال أبو العلاء:
إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين- لا جهة- أساء
إن الأمة قد استجابت لله، وهرعت إلى بيوت الله على كثرة ما سمعت من أصوات الداعين إلى الله، ولكنها اصطدمت بالكارثة القاضية، وهي مرض الداعية، ونخشى أن تردها الصدمة إلى الوراء، وداء النكسة أخطر داء، ولو سبقت هذه المرحلة، مرحلة تخريج الأطباء لكان أجدى على المرضى، وأدعى لتأدية المسجد لدوره الفعال وغرضه الأسمى، فإن المسجد وحده بدون دعاة ثقات، لا يرجى منه أن يؤدي وظيفته في علاج القلوب كما لا يرجى من المستشفى أن يؤدي وظيفته في علاج الأجسام بدون أساة ثقات.
إن رسالة المسجد. إذن- أعظم رسالة، وإن عظماء الإسلام الأولين وقادة الإسلام الفاتحين وحكماء الإسلام الروحيين، إنما تخرجوا من المسجد وحملوا أشعة النور، إلى سائر جهات المعمور، من المسجد، وليس معنى هذا أن جدران المسجد أو سواريه هي التي تمد أقاصي المعمور، بأشعة النور، بل إن أطباء القلوب، الصحاح القلوب، هم مصدر النور إلى القلوب، (ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).
فيا أيها الشبان المتنكرون للمسجد، ثقوا بأنكم لستم على شيء ما دمتم أعداء للمسجد، ولا يفيدكم كل ما حصلتم عليه من علم إذا كنتم تجهلون قيمة المسجد وإذا كنتم تجدون دواء أبدانكم خارج المسجد، فإنكم لا تجدون دواء قلوبكم إلا داخل المسجد، ولا تحسبوا أنكم من المسلمين، وأنتم لا تضمكم صفوف المسلمين في المسجد. فهلموا أيها الشبان إلى المسجد!
стр. 253
الله أكبر
استويت على ذؤابة المنارة العالية (بمسجد الأمة) وجلست قليلا على مقعد خشبي هناك ريثما أستجمع من القوة ما بدده صعود مائة وإحدى عشرة درجة، قبل أن أهتف بالكلمة الخالدة التي لم تستطع أربعة عشر قرنا، أن تمحوها من الوجود - وهي فرصة ثمينة تتاح لي كلما تأخر المؤذن الشاب، أو غاب- وما أكثر ما يتأخر الشبان عن مثل هذا الميدان- وكان الوقت قبيل الفجر، وكانت السماء من الصحو والصفاء بحيث تبدو- والنجوم الزهر تطرزها، وتوشى أديمها- كبساط أزرق، نثر عليه زهر أبيض، وكان العالم المادي بكل ما فيه، ما زال غاردا في نومه، بعد أن أجهده عمل يومه، فلا حركة، إلا حركة المد والجزر في البحر أو هد هدة النسمات المنتشية الحالمة، للأغصان اللدنة الناعمة، ثم سرحت بصري أمامي وفي كل ما حولي، فأحسست بنشوة زهو تختلج بها مشاعري، إذ رأيتني أعلو على الناس بجسمي، فذكرت بذلك قوله ﷺ : "يحشر المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقا"، ثم رأيتني أسمو على الناس بروحي، إذ ذكرت أول يوم هتف فيه مؤذن الرسول- من فوق هذه المئذنة، وفي مثل هذه الساعة، وفي مثل هذه الجاهلية الحالكة- بهذه الكلمة السامية: (الله أكبر)!
هذه القوة المعنوية، التي أخضعت لسلطانها- إذ ذاك- سلطان القوة المادية، وفتتت طاقة الشرك والوثنية، وشتتت جموع الظلم والإضطهاد، والإستغلال والإستعباد، هذه الكلمة التي لو اتخذها شعارا أبناء هذا العصر الذين جرفهم تيار
стр. 254
الموجة المادية، الطاغية، وعصفت بعقولهم وضمائرهم ريح الأنانية لما أحسوا في نفوسهم سلطة لغير الله، ولما ارتضوا لأنفسهم خضوعا لغير الله، ولما باعوا دينهم بدنياهم، وأخذوا إلاههم هواهم، ثم تذكرت كيف كانت آثار هذه الكلمة في النفوس لأول عهدها بها، وكيف كانت بمثابة النفير العام، الذي يجمع سائر أجزاء المسلمين في بيت الله، أو (المستشفى الروحي) حيث يشرف على علاج النفوس أعلم الأطباء بأدواء النفوس، وذكرت إلى ذلك كيف أن هذا النداء السماوي ما زال إلى اليوم يهز أرجاء الوجود وتميد له رواسي الجبال، إلا نفوس المسلمين فلا يوقظها من سباتها، ولا ينهض بها للقيام بواجباتها، ثم غمرتني موجة من الحيرة، وأخذت أوجه الأسئلة إلى غير مجيب، وأقول: ما الذي حل بالمسلمين يا ترى- فحال بينهم وبين أن ينتفعوا بما كان ينتفع به آباؤهم من قبل؟ هل أوتي آباؤنا حاسة زائدة؟ أو منحوا طبيعة خاصة؟ أو كانوا في جاهلية أشد من الجاهلية التي نعيش في ظلها اليوم؟ أو هي الفطرة النقية التي تربت في بيئة أصلية نقية من سائر الطفيليات، والآفات الخارجية؟ أو الظمأ الروحي اللافح إلى الكمال الإنساني الذي بعدما بينهم وبينه؟ أم لا هذا، ولا ذاك، وإنما هو العزيمة الصادقة تنشيء النماذج الصالحة من الرجال، والأمثلة العليا من الأبطال؟ ولكنني قلت أخيرا: سواء صح هذا أو ذاك أو كلاهما فإن دين الله حجة على الأولين والآخرين، وإن حكمة الله قد قضت بأن الفوز والفلاح للعاملين المجدين وأن العزيمة الصادقة، والشعور الحي، والشوق الملح إلى الكمال، لمن الوسائل القوية الكفيلة بأن تبلغ صاحبها ما يطمح إليه من رغائب وآمال. إن كلمات الآذان، هي الطرقات القوية التي يفتح لها باب القلب، وتستيقظ عليها مشاعر النفس، وينفذ بها إلى الوجدان، أقباس من الإيمان، فتبدد ما به من ظلمات حالكات، وتطهره مما تسرب إليه من آفات فاتكات، وتهيئه للدخول إلى بيت الله، وللاتصال بالله في الصلاة.
فلا عجب أن يؤمر بالأذان لكل صلاة ويطلب ممن يسمعه محاكاته لتتركز ألفاظه ومعانية في قلب كل مسلم، فيتجدد بذلك إيمانه بربه، واعترافه بدينه واحتفاظه بعهده. وليت كل مسلم يقوم بهذه التجربة، فيؤذن ولو مرة واحدة في عمره، والأحسن أن يكون ذلك في أذان الصبح، فإنه أدعى إلى قوة الشعور بأثر التجربة فيهب من نومه في الهزيع الأخير من الليل، فيتوضأ ويصلي ما شاء الله
стр. 255
وما أستطاع من النافلة، ثم يصعد إلى المئذنة ويشرف بجسمه وروحه على الكون الفسيح من أعلى، ثم يسرح بصره في أرجائه برهة ثم يمد صوته بالأذان، فيشق به أحشاء السكون المخيم، ورواق الظلام الممتد، ويهز به أرجاء الكون الهامد، وأركان الوجود الحالم، ويرسله نشيدا علويا يدوي في الآفاق، وتستيقظ على تراتيله نفوس المؤمنين، لو قام كل مسلم بهذه التجربة السهلة البسيطة، لحدث في نفسه من التغير، وفي شعوره من التطور، وفي سلوكه من التحول، ما يحمد أثره، ويعلن خبره، وينشئه خلقا آخر.
ولكن يؤلمني أن المسلمين اليوم من أزهد الناس في التجربة.
стр. 256
عمر ضائع
كلما قمت من آخر الليل لأمضي إلى المسجد يصادفني- دائما- رجل إفرنجي في منتصف العمر يتجول مع رفيق له لا يكاد يفارقه، وليس هذا الرفيق غير كلب أسود قصير القوائم غزير الشعر، فطفرت دمعة حرى من عيني، على غير شعور مني، وقلت: هكذا يكون الحب، فإن المحب الصادق لا ينام عن حبيبه، ولا يصبر عنه ساعة من ليل أو نهار، ثم قلت: هذا رجل كافر لم ينفذ نور الإيمان إلى قلبه، يهجر نومه ليخلو إلى كلبه، وينعم بحبه، فكيف لا يهجر المؤمن نومه ويخلو إلى ربه؟ أيفي الكافر لكلبه، ولا يفي المؤمن لربه؟ وسرعان ما طفر بي خيالي إلى أجواء غير هذه الأجواء، وذكرت تلك النماذج الحية من عباد الله، الذين وصفهم القرآن بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وبقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ وبقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
وقلت: أين هؤلاء اليوم؟ وكيف أختفوا جميعا فلم تقع رلعين على واحد منهم؟ .. فطفرت دمعة أخرى من عيني، على غير شعور مني، إذ علمت أن هذا العصر المادي قد أجدب من أمثال هؤلاء، ولم يبق إلا من يبيتون نياما، لا قياما، وأمواتا لا أحياء، وصدق الشاعر إذ قال:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
стр. 257
فكيف تنبت- إذن- هذه النابتة الكريمة، في هذه البيئة اللئيمة؟ وبقي هذا الخاطر يلح علي، ويستبد بمشاعري، إلى أن أنتهى بي المطاف إلى مجلس يضم جماعة من الإخوان دعوني إلى الجلوس معهم، ومن أغرب المصادفات، أن كان أول شيء سمعته هو ما كنت أفكر فيه: إذ قال أحد الجلساء متضجرا: أشد ما يؤلمني أن أرى المعلمين من أقل الناس محافظة على تعاليم الدين، فقلت له: أتقول ما سمعت أو ما رأيت؟ فقال: بل ما رأيت، فقلت له: وماذا رأيت؟ قال: رأيت معلما لا يصلي، فقلت له: هكذا، رأيت معلما واحدا لا يصلي، فحكمت على أن المعلمين كلهم لا يصلون؟ فقال لي: إن معلما واحدا يفسد جيلا كاملا، مع أن المأساة ليست مقصورة على معلم واحد وإنما الذي رأيته فقط هو معلم واحد، أما الذين لم أرهم فلا يكونون إلا كثيرا، إذ لو كان معلما واحدا فلربما لم أطلع عليه.
اللهم لطفك، فقد بلغ السيل الزبى، ولم يبق من ينقذ الغرقى: ومرض الأطباء، فمن للمرضى؟ وكنت أشكو من عدم من يقوم الليل، فإذا بغيري يشكو ترك المعلمين للصلاة المفروضة، وهكذا:
من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟
إن المدنيه الغربية منذ طلعت على الناس شمسها، وشمس الإسلام تتوارى بالحجاب، ولا تظهر منها إلا أشعة ضئيلة، في بقاع قليلة، وتضاءلت تلك القداسة التي كان المسلمون يكنونها لدينهم، وحل محلها تقديس بالغ، وتقليد فاضح لكل ما يحمل طابع الغرب، وأصبح المحافظون على صلاتهم من المسلمين أقلية ضئيلة وأقل منهم من يحافظون على تأديتها في وقتها وأصبح الذي يتحدث عن قيام الليل كمن يتحدث عن الأساطير، ويطوح بالناس في مجال من الخيال، لا تقوي على التحليق في أجوائها أجنحتهم الضعيفة الواهية.
ولكنني- رغم كل شيء- أتحدث عن قيام الليل وأدعو إليه، وأرى فيه خير الدواء لهذه النفوس التي طال عليها أمد الغفلة فقست أشد قسوة، إن في الليل تنام العيون، ولكن تستيقظ القلوب، وتجد جوها الملائم للتفكير والتدبر والإستيحاء أما النهار فكما قال أحد الحكماء: (أبرص لا تتم فيه لذة)، على أن في إحياء الليل- زليادة على ذلك- ربحا لنصف العمر الضائع بالنوم:
стр. 258
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
ومن وصايا لقمان لابنه: (يا بني لا يكونن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم)، وذكر عبد الله بن عمر بخير، فقال النبي ﷺ : نعم الرجل هو لو يصلي في الليل، وقال ﵊ لبعض الصحابة: "لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع صاحبها فقيرا يوم القيامة"، وعن أسماء بنت يزيد، قال النبي ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ليقم الذين كانت تتجافي جنوبهم عن المضاجع، فيقومون وهم قليل ثم ينادي الثانية: سيعلمون اليوم من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون ثم ينادي الثالثة: سيعلمون اليوم من أولى بالكرم، ليقم الحامدون لله في السراء والضراء، فيقومون- وهم قليل- فيسرحون جميعا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس، وقال سفيان الثوري: إذا كان أول الليل نادى مناد من تحت العرش: ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل: ألا ليقم القانتون، فيقومون، فيصلون إلى السحر، فإذا كان السحر نادى مناد: ألا ليقم المستغفرون فيقومون فيستغفرون فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من مفرشهم كالموتى نشروا من قبورهم.
يالله، هؤلاء الذين يقومون مع الفجر يسمون غافلين، فماذا يكون الذين يقومون مع طلوع الشمس؟ يجب أن نعترف بالواقع فقيام الليل يكاد يكون اليوم مستحيلا إذا استثنينا أفرادا قلائل يعدون على الأصابع، نشأوا بعيدا عن تأثير هذه الحضارة المادية الآثمة ذلك لأن من يملأ بطنه بمختلف ألوان الطعام والشراب يتعذر عليه أن يجد من نفسه خفة أو نشاطا لقيام الليل، ولو كان السلف الصالح من عبدة البطن مثلنا لما عبدوا الله ولما استطاعوا أن يقوموا من الليل كثيرا ولا قليلا، ولذا يروى أن عيسى ﵇ قال يخاطب قومه: (يا بني إسرائيل: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فيفوتكم خير كثير.
стр. 259
المكافح الأول
نفضنا أيدينا من تراب القبر، ثم التفت إلى شاب بجانبي أسأله عن هذه النفس المؤمنة - التي فارقت دنيا الشر والإثم وعالم البغي والعدوان، واختار الله لها ما عنده-: فقال لي: إنها امرأة نفساء، تركت ستة أولاد صغار، وماتت وهي تكافخ آلام الوضع لتلفظ بالسابع إلى ساحل الحياة.
فالتفت إلى الوالد الشقي الذي أصبح أما وأبا لستة كزغب القطا، ليكافح- هو الآخر- ولكن بمفرده، في سبيل إعداد النسل للحياه، وحييته بدمعة حرى، حيا- هو- بأحسن منها، وأوصيته بالصبر ودعوت الله له.
وفي صباح أمس لقيني صديقي السيد محمد بن كانون فقال لي- بعد التحية -: ألم يبلغك أن صديقنا السيد علي قادري قد ولد له ثلاثة أبناء توائم؟ فقلت له مدهوشا: كلا، وهل وصل الوفد الكريم كله إلى دنيانا بخير؟ قال: كلهم- والحمد لله- قد وصلوا بخير، فقلت له: وكيف حال أمهم؟ قال: هي في قيد الحياة- على كل حال- وإن لقيت في سبيل ذلك الشدائد والأهوال، إذ تعسر عليها الوضع، ولم تتخلص من هذا الحمل الثقيل إلا بعملية جراحية في البطن رغم ضعفها، وهي الآن تقاسي ألمين مرهقين: ألم الوضع، وألم العملية، فقلت له: وكيف حال الصديق الوالد؟ قال: هو -كما تعهده- يحمد الله على كل حال.
فكرت- بعد ذلك- طويلا في هذه المهمة الشاقة التي أعد الله لها المرأة على ضعفها ورقتها، وقلت: لك الله أيتها الأم، فإنك إن عشت، عشت من أجل النسل وإن مت، مت في سبيل النسل، ولك الله، فأنت المكافح الأول لعمارة هذه الحياة،
стр. 260
وهل الحياة إلا مزرعة، نباتها النسل؟ وأنت إن عشت، عشت مكافحة لتنمية هذا النبات، وتوفير الراحة للبنين والبنات، وإن مت، مت شهيدة هذا الكفاح، مرة أثناء خروج النبات، ومرة قبله، ومرة بعده، ولها الله هذه الأم التي تلد ثلاثة أبناء في وقت واحد، إنني لأتصورها ترى الموت شاخصا يتراءى لنا ظرها في كل لحظة، وتود لو يريحها الموت مما تعاني من آلام تذيب الصخر، ولكنها تعيش لتكون وقاء وغذاء وفداء لأطفالها الثلاثة، ثم أتصورها بعد ذلك تسهر الليل كله ولا تذوق للنوم طعما، وأنى لها بالنوم وكلما أمسك طفل عن البكاء أو الرضاع قام مقامه اثنان في مرة واحدة؟ وأتصورها في النهار تنفق بياضه في غسل ثياب أبنائها وتجفيفها، وفي إسكاتهم إذا بكوا وفي تغذيتهم إذا جاعوا، زيادة على عملها الراتب في البيت.
فأي كفاح في معترك الحياة كهذا الكفاع، الذي أناطه الله بالأم؟ فلا عجب أن يخولها الإسلام، حق حضانة الولد، اعترافا بمجهوداتها واطمئنانا إلى كفاءتها، وثقة بصدق عاطفتها، ولله ما أقوى ذلك الدفاع الذي دافعت به أم عن حقها في الحضانة فيما وعى لنا التاريخ من قصة النزاع الذي وقع بين أبي الأسود الدؤلي وبين زوجته على ابن منهما كل منهما يدعيه، فقالت المرأة: أنا أحق به لأني حملته تسعة أشهر ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين أحضاني كما ترى مراهقا، فقال أبو الأسود: حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه فإن كان لك بعض الحق، فلي الحق كله أو جله، فقال القاضي: أجيبي أيتها المرأة عن دفاع زوجك فقالت لئن حملته خفا لقد حملته ثقلا، ولئن وضعته شهوة، فقد وضعته كرها، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: أدفع إلى المرأة غلامها ودعني من سجعك.
ولا غضاضة فإذا كان الجزاء على حسب الجهد فالإسلام قد رعى للأم جهودها العظيمة في دنيا البيت والأسرة وجازاها بحسبها، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أبيوك).
والحديث يوافق في الدعوة إلى حسن مصاحبة الأم قول الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
стр. 261
كَثِيرًا﴾، وليتأمل القاريء جيدا قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ الآية، فإن فيه قطع الطريق عن أعذار المعتذرين لهضم حقوق المرأة وإساءة عشرتها، بدافع نفور الطبع، فربما جعل الله فيما نكره ما نحب ونحن لا نعلم، فلا نغتر بتمويه الطبع.
بل الأعجب من ذلك أن يجعل النبي صلى الله عليه يصلم: مقياس خير الرجل أن يكون برا بهذه القديسة المجاهدة، مديرة البيت، ومنجبة الأولاد، ومنشئة الأجيال، إذ يقول: "خيركم خيركم لأهله" وأن يجعل الجنة تحت أقدامها إذ قول: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وخير من ذلك كله أن يطبق المسلمون هذه التعاليم وأن يبلغوا من حرصهم على برهم بأمهاتهم أن يقول أحدهم:- وهو الإمام الشعبي-: ما أدركت أمي فأبرها، ولكنني لا أسب أحدا فيسبها!. وذلك ما كانت به الأسر الإسلامية وثيقة البناء، متلاحمة الأجزاء.
أما اليوم فالأسر الإسلامية- مع الأسف- في تفكك وأنحلال، مما يشهد لتعاليم الإسلام التي نبذها المسلمون بأنها الدواء الناجع والوسيلة الفعالة لإنقاذ البشرية من شقوتها، ورفعها من كبوتها.
стр. 262
المال والولد
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. يدفعنا حب البقاء إلى حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ويدفعنا حب الولد إلى حب المال، والاحتيال لتحصيله، وفي هذا بعض السر في ذكر المال والولد مقترنين في الآيتين، وليس في هذا ما يضير، فلا يضير حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ولا حب المال، والاحتيال لتحصيله، ما لم يتجاوز ذلك الحد المعقول، إنما الذي يضير حقا أن ينسيك الولد واجبك مع الله، أو يلهيك المال عن أداء رسالتك في الحياة، وهو ما ينصب عليه النهي في الآية الأولى ... ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وتتضمنه خاتمة الآية الثانية: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ إثر قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ نعم إن الله أرحم وأحكم من أن يؤاخذنا على حب شيء جعله لنا طبيعة وفطرة، وله طابعا وصبغة، وللحياه زينة وبهجة، إنما ينهانا عن الغلو في كل شيء، حتى في دينه الذي أرتضاه لنا، إذ قال: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، فكيف لا ينهانا عن الإفراط والغلو فيما يلهينا عنه ويشغلنا عن طاعته، ونحن الأمة الوسط التي جعلها الله المثل الأعلى للأمم في الاعتدال والقصد في كل شيء، وأهلنا بذلك للاختصاص، بفضيلة الرقابة والشهادة على خلقه، إذ قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فلا كان هؤلاء الذين
стр. 263
استبد بهم حب المال، حتى أنساهم ذكر الله، وشغلهم عن أداء رسالة الحياة، وأصبحوا لا يبالون أجاء المال من حلال أو حرام، وأكتسبوه أم أغتصبوه، حتى إذا أستغنوا تجبروا وطغوا، ومنعوا الحقوق الواجبة وبغوا، كما أخبر بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، وكما نشاهده في جل أغنيائنا، وهكذا، فالمال الذي جعله الله من أجل النعم، ومن أهم وسائل الإصلاح ينقلب في أيدي هؤلاء أداة عاطلة، أو وسيلة شر وفساد.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
ولا كان أولئك الذين اتخذوا من أولادهم أوثانا، يعبدونها من دون الله، فيحلون في سبيلهم ما حرم الله، ويشغلهم الاهتمام الشديد بهم عما يجب عليهم لله، ويحملهم على البخل والجبن اللذين هما من أقبح ما يتصف به المؤمن بالله، كما يصرح بذلك الحديث: (الولد مبخلة مجبنه)، وكما يشير إليه اقتران ذكر المال بالولد، في الآية المفتتح بها الفصل.
وشر من هؤلاء وأولئك الذين يقصرون عنايتهم بأولادهم، على الجانب المادي وحده، فيجعلون جمع المال لهم غايتهم القصوى، ولا يربونهم على الدين، والخلق، ولا يهذبون نفوسهم بالعلم والمعرفة، كأن المال، هو كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم، كل ما تتطلبه الحياة. من وسائل النجاح، حتى إذا فصل الموت بينهم وبين أبنائهم، وجد هؤلاء الأبناء أنفسهم بلا سلاح، في دنيا الكفاح وإنما وجدوا مالا وفيرا، وجهلا كبيرا، فلا يفي مالهم بجهلهم، بل يبددون بجهلهم ما جمعه الآباء بكدهم، ويبقون أسرى الجهل والفقر معا.
-وإذن- فخير ميراث يورثه الآباء للأبناء، هو الإعداد الصالح والتوجيه الصحيح وهو ما عناه عمر ﵁ بقوله: (الأدب خير ميراث).
إن الولد الذي أحسن أبواه إعداده وتوجيهه، لا يحتاج إلى المال، لأنه لا يعجزه الحصول على المال، وإن الولد الذي أهمل- أو أساء- أبواه إعداده وتوجيهه، لا ينفعه المال، لأنه لا يعرف كيف يحتفظ بالمال، ويجهل طرق استثمار المال، فسرعان ما ينفلب من بين يديه المال، وإذا كان الولد من زينة هذه الحياة، كما
стр. 264
قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فخير لنا أن نحرص على تكميل هذه الزينة، ونجتهد في العناية بها، والحياطة لها، ليكون أولادنا ﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حقيقة، وإلا كانوا على حد قول شاعرنا المتشائم أي العلاء المعري:
أرى ولد الفتى عبئا عليه ... لقد سعد الأتي أس! ى! ا
فإما أن تربيه عدوا ... وإما أن تخلفه يتيما
ولكن على رسلك- يا قارئي العزيز- فقد نسينا بداية الطريق: إن صلاح الولد يبدأ من صلاح الوالد إذ (لا يستقيم الظل والعود أعوج)، ويوم أن كان آباؤنا صلحاء كان أبناؤهم صلحاء، ولأضرب لك مثلا يكون لك منارة في هذا الطريق: لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، وخطب الناس خطبته الأولى، وذهب ليقيل (ينام القيلولة)، أتاه إبنه عبد الملك فقال له: ما تصنع؟ قال: أقيل، لأني سهرت البارحة، قال: أتقيل، ولا ترد المظالم؟ قال: إذا صليت الظهر رددتها، فقال له: من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقبله وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري مما يعينني على ديني.
إن ولدا كهذا لا يحتاج إلى مال يرثه عن أبيه، فإن له من هذا الرصيد الديني الخلقي ما يكفيه، ولذا روي أن عمر بن عبد العزيز لما مات خلف أحد عشر إبنا- هذا أحدهم- وتركهم فقراء إلا من هذا الرصيد الديني الخلقي العظيم، وقال لهم عند وفاته: ليس لي مال، فأوصى فيه، يا بني: إني خيرت نفسي بين أن تفتقروا إلى آخر الدهر وبين أن يدخل أبوكم النار، فاخترت الأولى يا بني عصمكم الله، وقد وكلت أمركم إلى الله ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وخلف هشام أحد عشر إبنا- كذلك- ورث كل واحد منهم ألف ألف دينار، فأما أولاد عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني، ومنهم واحد جهز من ماله ألف فارس، على ألف فرس في سبيل الله، وما رؤي أحد من أولاد هشام إلا وهو فقير، ولقد رؤي أحدهم وهو يوقد النار في التنور أجرا.
стр. 265
وبعد: فالولد لا تنفعه الثروة المادية، إذا لم تحصن بثروة روحية تثقيفية تكون شبه ضمان مما يحدث لهذه الثروة المادية من الحوادث فيعصف بها، والوالد لا ينفعه- يوم يلقى ربه- لا ماله الذي جمعه، ولا ولده الذي جمع له، وإنما ينفعه أن يصلح قلبه ويحسن عمله، كما قال تعالى: - حكاية لقول إبراهيم-: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع أثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
والرجل الصالح يستطيع أن يجعل من حسن عمله، حسن تربيته لولده، وحسن تصرفه في ماله، أما الغبي الجاهل فلا يزيده المال والولد، إلا شقاء على شقاء، وصدق الله العظيم:
﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
стр. 266
حسن التوجيه
ذكر عبد الله بن عمر بخير، عند رسول الله ﷺ ، فقال: نعم الرجل هو، لو كان يقوم الليل، فما ترك بعدها قيام الليل، فكانت هذه الكلمة، خير توجيه له، وكانت كالمشعل القوي الذي أنار له الطريق السوي.
وذكرت- عندما كتبت فصلا عن (عبد الحميد الموجه) بمناسبة ذكراه - أنه جمعي به أول مجلس، فبادرني بسؤاله: ماذا طالعت من الكتب؟ فأخذت أسرد له- لسوء حظي أو لحسنه قائمة حافلة بمختلف القصص والروايات، فنظر إلي نظرة عاتبة غاضبة وقال: هلا طالعت (العقد الفريد) لابن عبد ربه؟
هلا طالعت (الكامل) للمبرد بشرح المرصفي؟ واستمر في سرد قائمة من الكتب النافعة المكونة، فكانت تلك الكلمة القيمة خير توجيه لي في هذا الباب.
ولما ختم درس التفسير وأخذ الناس يلهجون بالثناء عليه نهض قائما، ثم قال: قولوا: رحم الله الشيخ حمدان، فقد قال لي: يا عبد الحميد إياك والوظيف، - يريد الشيخ- ﵀ أن حسن التوجيه هو صاحب الفضل في ذلك وأن كلمة شيخه- هذه- هي التي أوجدت عبد الحميد العظيم- ويريد من وراء ذلك ومن إيراد هذه الكلمة، أن يوجه بها- هو الآخر- تلاميذه ومريديه، بأن يسد في وجوههم هذا الباب، الذي من دخله خرج من كل ما كان له، ولم يبق له إلا أن يأكل ويشرب (شأن الأنعام)، ولو أن عبد الحميد كان موظفا لربما كان كأكثر الموظفين، الذين لا تهمهم إلا أنفسهم ولا يشعرون بما تعانيه أمتهم، وإننا لنتسامح في التعبير إذ نقول:
стр. 267
لا تهمهم إلا أنفسهم، إذ ليس مما يهم النفس أن تعيش عيش العبيد، وتحيا حياة الأسرى وتتجرد من كل خصائص الأحياء إلا من الطعام والشراب واللباس، فإن كان هذا اللون من الحياة يهم مخلوقا فلا يكون إلا من تلك المخلوقات التي ليس لها ضمير ولا عقل ولا شرف.
إن حسن التوجيه- إذن- هو كل شيء في بناء الشعوب، هو مقود السيارة الذي ما أصابه العطب إلا وأصاب العطب السيارة ومن فيها.
وإن حسن التوجيه، هو الذي ينقصنا اليوم، فلا جرم كانت حركتنا من الاضطراب والفوضى كزورق في بحر لجي مزقت العواصف شراعه حطمت الأمواج مجدافه.
وإن حسن التوجيه لا يعتمد على العلم وحده، وإنما يعتمد- أكثر من ذلك- على نور الحكمة الذي يقذفه الله في قلب من أحبه من عباده كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
وإن الله- لذلك- يجعل هذه الحكمة، أداة التوجيه الصحيح، والدعوة الرشيدة إذ يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، ثم يفسر جانبا من هذه الحكمة، إذ يقول بعد ذلك: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، والتي هي أحسن، هي الكلمة الرقيقة الندية الموجهة التي تنزل على القلب كما تنزل قطرة الندى على برعم الزهرة فيتفتح ويبتسم للحياة، وإذا بهذا القلب المغلق على ظلمته، المنطوي على تنكره للحق، المصطلى بنار حقده وعداوته، قد انتفض من هجعته، وانقلب للحق حليفا بعد عداوته، كما تصرح بذلك الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
يجب- إذن- أن نكون حكماء، إذا أردنا أن نكون موجهين، فليس معنى التوجيه إلا أن نكون حكماء، ولتجلية هذا المعنى أعرض بعض الأمثلة:
كثيرا ما أسمع الوعاظ والمرشدين، يخصون الشبان في- دروسهم- بإعلان إعجابهم وتنويرهم- وحلقات الدروس مزيج من الشبان والشيوخ- وعندي أن هذا التخصيص ليس من الحكمة في شيء، إذ ربما أدى إلى خلو الميدان من ذوي الخبرة والرأي والتجربة، وهم الشيوخ.
стр. 268
وإن الشعب لا يسير أهدافه إلا على قدمين قويتين من قوة إدراك الشيوخ، وقوة عزم الشباب، وإذا كان الشباب يمتازون بقوة عضلاتهم، فإن الشيوخ يمتازون برصيد ضخم من التجارب، وقدرة بلا عقل يوجهها ربما تضر أكثر مما تنفع، وعقل بلا قدرة تنفذ خططه وبرامجه لا يفيد صاحبه، ومن هنا يقول أحد شعرائنا:
آهان لو عرف الشبا ... ب وآه لو قدر المشيب
ويقول توفيق الحكيم.: " في الشباب يثمر الخيال والشعور والعاطفة، وفي الكهولة ينضج العقل والحكمة والتجارب، فلكل فصل من فصول العمر فاكهته".
هذا في الدروس، وفي المطالعة لاحظت عيبا آخر، فقلما رأيت من يسجل في مذكرته ما يصادفه أثناء مطالعته مما يحتاج إليه في درس أو محاضرة أو مقال، ليجده وقت الحاجة إليه ولا يضطر إلى إنفاق وقت طويل في البحث عنه في ثنايا الكتب المطولة، وربما لا يظفر به، وهذا بالنسبة للذين يطالعون الكتب القيمة، ولكن كثيرا جدا يقضون حياتهم في مطالعات لا تسمن ولا تغني من جوع، وأكثر منهم من لا يطالع بالمرة، فيعيش في جدب عقلي لا يطيقه إلا موتى القلوب.
وأرى أن من أهم الأسباب في ذلك كله، هو أن الطبقة المثقفة ليس لها وحدة تربطها وتجمع أفرادها للتعاون والتشاور وتبادل وجهات النظر.
ولعل الله يعيننا على تحقيق ذلك قريبا إن شاء الله.
стр. 269
توجيهات قرآنية في التربية والسلوك
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فصلت).
أي شيء يحسم الشر من أساسه كهذه الخطة التي يدعو إليها القرآن، التي تجعل العدو صديقا- وصديقا حميما- بهذه السهولة وبهذه البساطة، والتي لا تكلف صاحبها إلا أن يأخذ بالجانب الذي يأخذ به الأكياس العقلاء، وهو الجانب المضيء لا المظلم، والجانب الحسن لا السيء، جانب الخير والفضيلة والآنتصار على النفس والهوى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وما أيشرق هذا الأفق وما أكرم هذه الخطة التي يدعو إليها كتاب الله، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ هذه الخطة التي تجعل كلا من الوسيلة والغاية حسنا، وتجعل الإنسان لا يخسر شيئا ويربح شيئين وهما: أن ينقلب عدوه صديقا، وأن يتمسك هو بالجانب الخير الذي يجعله سيد نفسه وسيد الآخرين، وما أقربه أسلوبا إلى المنطق والبداهه، هكذا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وأي عاقل لا يسلم بهذا الحكم والمنطق البديهي، فينكر أن الخير والشر ليسا سواء؟
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ س: (القصص) إنها لفتة عجيبة أن يختار موسى هذا النوع من شكر النعمة وهو أن لا يعين مجرما على إجرامه ولا ظالما على ظلمه، وهو توجيه قرآني عظيم في قطع دابر الشر، واستئصال جذور الفساد، وخنق أنفاس الظلم، وقطع التعاون على العدوان والإثم، فما كان للشر
стр. 270
أن يعيش لو لم يجد أعوانا عليه، وما كان للظلمة من قدرة على الظلم لو لم يجدوا أذنابا يزينون لهم أعمالهم العدوانية وأغتصابهم لحقوق شعوبهم والعبث بمقدراتهم ومقدساتهم، وإن التعاون الذي جعله الله إحدى قواعد العمران، إنما يكون على الخير لا على الشر، وعلى الحق لا على الباطل، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
ومن التعاون على الشر، السكوت عنه والرضى به، وترك الأشرار يعيثون في الأرض فسادا وهذا مثل فعل الشر نفسه مستوجب لسخط الله وغضبه وعقابه قال تعالى. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
وأوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من أمتك ستين ألفا من شرارهم، وأربعين ألفا من خيارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: لأنهم لم يغضبوا لغضبي وآكلوهم وشاربوهم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ س: (البقرة) هكذا يحارب القرآن شح الأنفس ويدعو إلى البذل الذي هو أحد شقي سيادة الإنسان، وهما: البذل والحلم:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير
فإذا كانت الكلمة الطيبة تجعل العدو صديقا كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، فإن البذل في سبيل الله يخلفه الله على صاحبه مضاعفا إلى سبعمائة ضعف كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ومن ثم فهو بذل أشبه بالأخذ، لأن الباذل بهذا الاعتبار لم ينقص من ماله ولكن زاد فيه، ومن ثم سماه الله قرضا أي سلفا، ولما كانت النفوس مطبوعة على الشح وهي لا تدفع شيئا إلا رغبت في أن تأخذ عليه فائضا كما يطلب التاجر وكما يطلب المرابي، فإن الله أغرى هذه النفوس بهذه الزيادة والفائض على ما بذلت في سبيل الله، وهو نوع من المتاجرة مع الله، التي دعت إليه الآيات القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
стр. 271
تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فأي عاقل يحب الخير لنفسه يري مثل هذه الصفقة الرابحة ويعرض عنها، وتتاح له مثل هذه الفرصة الكريمة ويدعها تفلت من يديه؟ ولهذا كان أصحاب رسول الله الذين جعلهم الله خير قدوة لهذه الأمة عندما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (يتسابقون) إلى البذل. كما روى الطبراني وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! إن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة فصلت)
إن القرآن يولى الناحية الأخلاقية عناية كبرى، بل إن هذا الكتاب العظيم هو الينبوع الثر، والمدرسه الأخلاقيه العليا، التي تخرج منها رسول الإنسانية وتلقى عنها أخلاقه السامية، كما تشير إلى ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂، عندما سئلت عن أخلاق النبي ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" وكما تحدث بذلك هو نفسه- شاكرا فضلا الله عليه- فقال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي"، أي بما أوحى إليه من مثل هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
بل إن هذه الآية وحدها لتعدل دستورا من الأخلاق كاملا، حتى إنه روي عن جعفر الصادق ﵁ أنه قال: (ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية).
ويبين سمو ما تهدف إليه هذه الآية، ما روي أن النبي ﷺ سأل جبريل عن معناها فقال: (يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك).
стр. 272
والعفو (أو الحلم) هو سيد الأخلاق، ومن ثم يجب أن يتحلى به السادة لأن العفو سيادة على النفس وارتفاع وسمو على مطالبها ورغباتها، ولا سبيل إلى السيادة قبل هذه السيادة على النفس إن العدل حسن ولكن العفو أحسن لأنه بدل أن تأخذ حقك بمقتضى العدل تتخلى عنه وتتفضل به بمقتضى الإحسان والعفو، ولذا قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ومما يوضح ذلك ما يروي من أن حربا حاطمة وقعت بين حيين من العرب كادت تبيدهما معا فأفزع هذا المصير بعض سادة العرب المحنكين، فوقف بين الصفين وقال: ما تريدون؟ أتريدون الحق أو ما هو خير من الحق؟ قالوا: وما هو خير من الحق؟ قال: العفو! فما كان من الفريقين إلا أن أعادوا السيوف في الأغماد، وتبادروا إلى التسليم على بعضهم بعضا. وإن الفرق بين العدل والعفو- بعبارة أخرى- أن العدل أخذ والعفو عطاء، وشتان ما بينهما، ومن هنا سمى الله الزائد على العدل إحسانا، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، ومن شرف الإسلام وسمو مبادئه، أنه يأمر بهما معا، كما تشير إليه الآية المتقدمة، ولكن ما حال شعب أفلس منهما معا؟ أما الشعب الذي يتفيأ ظلي العدل والإحسان ويتغذى بثمارهما الشهية، فهو بمنجاة من هجير الحياة، وفي بحبوحة من رغد العيش، وذلك من حظ الشعوب التي تجعل من الإسلام دستورها ومن تعاليمه السامية منهجها في الحياة.
وهذا الخلق العظيم- خلق العفو والحلم- ينبع من خلق آخر، وهو الرحمة، التي تنبع هي الأخرى من المعرفة بالضعف الإنساني، الذي يستوجب الرحمة، وعظمة محمد ﷺ ، ومفتاح شخصيته، تقوم على هذا الخلق الذي وصفه الله به في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ووصف هو نفسه، إذ قال: " أنا رحمة مهداة" وحسب هذا الخلق مكانة وركانة أن الله يعزو، إليه نجاح محمد ﷺ في دعوته إذ يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وبما أن هذا الخلق هو الصخرة التي ترتكز عليها عظمة محمد ﷺ والينبوع الذي تتفرع عنه جداول أخلاقه الأخرى، فإننا نلحظ أن الله يحاسبه عليه كلما رآى منه أقل انحراف عنه، مثلما فعل في قصة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى
стр. 273
حين طلب إليه، وألح في الطلب، أن يعلمه مما علمه الله، في الوقت الذي كان فيه النبي ﷺ متصديا لإقناع بعض سادات قريش، فكان منه ﷺ ما عبرت عنه أوائل سورة (عبس) بهذا العتاب الإلاهي الزاجر، الذي بقي درسا خالدا خلود القرآن فيما يجب أن يكون عليه رجل الدعوة، من التواضع والرأفة والرفق والصبر وسعة الصدر:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
ومما يدل على تأثير هذه الحادثة على وجدان النبي ﷺ وقوة انطباعها في نفسه، وعلى مدى صدق عائشة ﵂ في قولها عن النبي ﷺ : (كان خلقه القرآن) ودقة قول النبي ﷺ : "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
أن النبي ﷺ ، كان كلما لقي ابن أم مكثوم بعد ذلك يقول: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي".
ومثلما فعل في غزوة أحد عندما استشهد حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ومثل به الأعداء وقال ﵊: "أما والله لأمثلن بسبعين منهم" أنزل الله عليه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ذلك لأن موجهه القرآن لا يريد أن يتخلى عن هذا الخلق الذي ترتكز عليه شخصية الداعية الناجحة وهو خلق الصبر والأناه، خلق الرحمة والشفقة، والمثلة ضد الرحمه على خط مستقيم، كيف وهو قد بعث رحمة للعالمين؟
غير أن من تمام التربية المثلى والتوجيه الرشيد أن تتخلف هذه الرحمة في بعض الأحيان وأن يأمر الله نبيه- نبي الرحمة- بغير الرحمة! بالغلظة! وذلك فيما إذا وصل الأمر إلى المبادئ: إلى صميم العقيدة، إلى كيان هذا الدين الذي أراد الله له الحياة، لتتجمل وتكمل به الحياة، ويستقيم سير الأحياء، فيقول له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.
стр. 274
وعندما أبقى النبي ﷺ على حياة أسرى بدر، وقبل منهم الفداء بعد أن استشار أصحابه فأشار قسم منهم بقتل الأسرى، وفي طليعة هذا القسم عمر رضى الله عنه، وأشار قسم آخر بالعفو عنهم وقبول الفداء، وفي طليعة هذا القسم أبو بكر ﵁، ومال نبي الرحمة إلى الجانب الذي فطره الله عليه وهو الرحمة، كان العتاب من الله شديدا تعلنه هذه الآيات التي نزلت في هذه القضية الخطرة: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ذلك لأن هؤلاء الأسرى الذين أظفره الله بهم، تكرمة منه وقطعا لدابر الشر، هم الذين وقفوا في سبيل الدعوة قبل ذلك وهم الذين سيقفون في سبيلها بعد ذلك، فليس من صالح الدعوة أن يتركوا.
стр. 275
من معدن الإيمان
كان رجل من الصحابة عليهم الرضوان، مواظبا على الصلاة خلف النبي ﷺ لا يتخلف، وكان شديد الفقر ممزق الثوب، ولما صار ثوبه من التمزق بحيث لم يعد يستره اضطر إلى أن يتخلف عن الصلاة خلف النبي ﷺ عدة أيام، فرقت له زوجته وأعارته ثوبها حتى لا يحرم من الصلاة خلف النبي ﷺ وقالت له: عد إلي فور فراغك لأأدي صلاتي في وقتها، فصلى وانفتل راجعا إلى زوجه، ولما لم يره الرسول ﷺ سأل عنه فقال له أهل المجلس: إنه فر من المسجد، فأمرهم بحضوره إليه بعد فراغه من صلاته في اليوم التالي- قبل خروجه- ولما حضر إليه سأله عن سبب خروجه، فقال له: إني وزوجي لا نملك إلا ثوبا واحدا فحرصت على الصلاة خلفك وحرصت زوجي على الصلاة في أول الوقت، فرق له النبي ﷺ وأعطاه ثوبا، ولما عاد إلى بيته سألته زوجته عن سبب تأخره فأخبرها مما كان فقالت له: يرحمك الله، أتشكو ربك لرسوله؟
من خلال هذه القصة الرائعة يتراءى رصيد ضخم من الإيمان القوي ونبع فياض من الخلق النبيل وتلك هي مدرسة الإيمان في أوج عظمتها إذ كانت تخرج للناس هذه الأمثلة الصالحة من أبناء هذا الكوكب الأرضي، وتتحف هذا العالم الغارق في ماديته وأنانيته بمثل هذه اللوحات الرائعة القيمة التي ترتسم عليها ظلال الروح الإنسانية السامية، ولكن هذه المدرسة الفذة- ويا للأسف- لم تعد تخرج إلا القليل النادر من هذه الروائع الخالدة، ويخشى إذا استمرت الحال على ما هي عليه أن تغلق هذه المدرسة أبوابها فتقفر الدنيا من هذه الكواكب اللماعة في سمائها، فإن هذه الأرض: هذا الكوكب المظلم لا يصلح حاله بدون هذه النيرات تضيء أرجاءه وتطرد أشباح
стр. 276
الظلام من جنباته إن جلال الإيمان وجمال الخلق ليتنازعان الظهور ويتسابقان إلى البروز من خلال هذه القصة التي ترسم للإيمان الكامل والخلق النبيل، صورة واحدة رائعة، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "حسن الخلق من الإيمان"، فإن الخلق الرصين الثابت هو الذي يرتكز على صخرة الإيمان الراسية الراسخة التي لا تقلقلها عوادي الزمان ولا تزلزلها عواصف الخطوب، ومن هنا نرى الكثير من ضعفاء الإيمان لا يثبتون على خلق، كما لا يصبرون على عبادة، فكلما ابتلوا بشيء من مكاره دنياهم نكصوا على أعقابهم وقطعوا صلتهم بإخوانهم ونقضوا عهدهم مع ربهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
أما الذين اكتمل إيمانهم واتسع بقوة اتصالهم بالله أفقهم، وصلب بشدة إقبالهم على عبادة الله عودهم، فهم أثبت الناس على خلق وأقواهم اضطلاعا بمبدإ، وأعظمهم صبرا على ما يبتليهم به ربهم من ضروب الابتلاء وصنوف الامتحان، ليعدهم بذلك لأن يكونوا أقدر على الاضطلاع بمهمتهم العظمى في الحياة، وأداء رسالتهم الكبرى إلى العالم، وقد أدركوا موضع الحكمة من هذا الابتلاء، فازدادوا حماسا لعقيدتهم وثباتا على مبدإهم، وقوة اندفاع في كفاحهم حتى بلغوا الغاية المطلوبة وجنوا الثمرة المرجوة التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
فإن أمثال هذه النفوس الربانية لا تستميلها رياح المطامع والرغائب ولا تعصف بها عواصف الخطوب والنوائب، بل لا يزيدها ابتلاء ربها إلا قوة في إيمانها وتمسكا بدينها وثقة بربها، ومن هنا كانت تتجلى خلال الصبر والشجاعة والزهد في متاع الدنيا، في تلك النفوس الكريمة ذات المعادن الكريمة في أروع صورها وأرفع درجاتها، وكانت ترى في البوح بحاجاتها إلى إخوانها تشكيا من خالقها وتسخطا على ربها، كما في قصه هذين الزوجين الكريمين وكما في حديث الأحنف بن قيس مع عمه إذ قال: "شكوت إلى عمي وجعا في بطني، فنهرني ثم قال: يا ابن أخي لا تشك إلى أحد ما نزل بك، فإنما الناس رجلان: صديق تسوءه، أو عدو تسره، يا ابن أخي: لا تشك
стр. 277
إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن أشك إلى من إبتلاك به، فهو قادر على أن يفرج عنك، يا ابن أخي: إحدى عيني هاتين ما أبصرت بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة، ولا أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي". كما روي مثل ذلك عن إبراهيم الحربي وكثير غيره.
فلنأخذ أروع الدروس، في السمو بالنفوس، من سمو هذه النفوس.
стр. 278
إذا زلزلت الأرض
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ حقا، كم من آية أودع الله فيها من العظة والعبرة والحكمة البالغة ما لو وقف عندها الإنسان وتدبرها وفكر فيها، لأيقظت مشاعره وشحذت عزائمه، وفتحت نوافذ فكره على دنى وحيوات ما كانت لتتاح له لولا تلك الآية ووقوفه عندها وتفكره فيها، ومن هنايقول ﵊: "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" فهذه الآيات التي بثها الله في الأرض والسموات هي الكنوز الثمينة التي تمد الفكر البشري بما يحتاج إليه من غذاء، وتسعف العقل الإنساني في ساعات إغفائه باليقظة والشعور، ولكن هذه الكنوز الثمينة القيمة مفتاحها التفكير، فلا يحظى بشيء من نفائسها وأعلاقها من لم يفكر فيها، ويمعن النظر إليها، ويرسل أشعة عقله عليها، وهذه هي الحال الغالبة على الناس، ولذا نبه الله عباده إلى ما غفلوا عنه من الآنتفاع بهذه الآيات بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (الآية المتقدمة) نعم هذه هي الحال الغالبة على الناس تجاه هذه الآيات ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، كأنها شيء لا يستحق الإلتفات.
ولكن الآيات منها صوامت سواكن تعظ القلوب بصمتها، وتحرك سواكن الخواطر بسكونها، كالآيات التي في خلق الأرض والسموت، واختلاف مخلوقاتهما في السموات واللغات كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، وكالآيات التي في تعاقب الليل والنهار واختصاص كل منهما
стр. 279
بكوكب يضيئه، فالقمر آية الليل، والشمس آية النهار، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، وكالآيات التي في خلق الإنسان من نطق وتفكير، وعقل وتدبر، وحفظ وتذكر وتخيل وتصور، وضحك وبكاء، كما، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟
ومنها قوارع صوادع، تقرع الأسماع بجلجلتها المفزعة، وتصدع القلوب برجتها المذهلة، لأنها تحمل في تعبيرها العملي لغة الإنذار الأخير كما هو جار في المألوف المتعارف بين الناس إذ يقولون في أمثالهم السائرة: آخر العلاج الكي كالزلزال العقام: الذي فاجأ في هذه الأيام إخواننا سكان مدينة الأصنام، وهم وادعون نيام، تسبح أرواحهم في عالم الأحلام، فاستيقظوا على هول الفاجعة وفتحوا عيونهم على فزع القيامة، فخرج من بقيت له في كتاب العمر صفحات حاسر الرأس حافي القدم يحسب أن القيامة قد قامت، وأنه بعث من قبره ليساق إلى حشره وحطمت الكارثة من ختم كتاب العمر وإن كان صبيا في مهده أو رضيعا في حضن أمه أو خطيبا ينتظر ليلة عرسه ولقاء زوجه فيفوز بأعظم الأمل، أو عريسا ما زال لم يقض شهر العسل، وبقي مترجحا بين الموت والحياة، قسم اكتظت بهم المستشفيات، والذين لم تمسسهم الكارثة بأذى لم يسلموا من البلاء إذ بقوا خارج البيوت يلاقون العنت والجهد في الظفر بالقوت، لا يستطيعون إلى البيوت رجوعا، ولو هلكوا جوعا، لأن الزلزال ما زال يتعهد البيوت بالطروق بعد الطروق، على ما بهذه البيوت- البائسة من صدوع وشقوق.
ولكن هذه القوارع وإن ألحقت بالناس الضرر، وضاعفت لهم الخطر، فإن من ورائها منافع ومزايا، ربما رجحت بما فيها من كوارث ورزايا، فهي،- فوق أنها كالآيات الصوامت تنبه الغافل، وتذكر الجاهل، وتحرك الجامد، وتبعث على مراقبة النفس ومحاسبتها- تكشف عن معادن الناس، وتتجلى عن أسرار الأخلاق، ودخائل النفوس، بل إنها امتحان لمعدن الإنسان، كما تمتحن المعادن بصهرها بالنار، والناس- كما يقول ﵊ معادن، كمعادن الذهب والفضة، ففيهم الكريم والبخيل، وذو القلب الرحيم والإحساس الرقيق والوجدان النبيل، وقاسي القلب غليظ الطبع، جامد الإحساس ميت الشعور، فرقة القلب وكرم الطبع ونبل الإحساس ويقظة الوجدان هي الوشائج التي تربط بين أفراد الأمة برباط التضامن والتعاون، وتصل
стр. 280
بين قلوبهم بأسلاك من المحبة والتفاهم فيسعد المجتمع ويرغد عيشه وتجري ريحه رخاء، وعلى العكس من ذلك قسوة القلب ولؤم النفس وجفاف الطبع وموت الحس، فإنها تبعد ما بين القلوب وتفصل مما بين الأرواح وتنفث في جو المجتمع سموم الشر والفتنة، وتبذر في تربته بذور التباغض والتقاطع والفرقة، فتلف المجتمع موجة من الشقاء وجهد البلاء ونكد الحظ. فيا أيها المسلمون! ليست كارثة الأصنام إلا امتحانا جديدا لإيمانكم وغيرتكم، فحذار ثم حذار أن تخرجوا منها بعيون جامدة وأيد مقبوضة وأفئدة هواء.
وأعلموا أن نبيكم ﷺ يقول: "السعيد من اتعظ بغيره" فخذوا العبرة من هذه الزلزلة قبل أن تحل بكم تلك الزلزلة التي تلف الكون كله من أقصاه إلى أقصاه، والتي يقول الله في وصفها: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.
أيها المسلمون: (مات الميت فليحي الحي) وإذا اندملت جراحات الجسد فإن جراحات القلب لا تندمل بسرعة، فاذكروا هؤلاء الذين يقطعون الليل أنينا في المستشفيات أي جراح يخرجون بها في قلوبهم، لأن الزوجة تخرج أيما والطفل يتيما، والرضيع فاقد الصدر الذي يضمه ويؤويه والثدى الذي يدر عليه والقلب الذي يحن إليه.
فإذا شحت أيديكم في هذه الكارثة العقام باليسير من الحطام، وجف في قلوبكم معين الرحمة بما تركته هذه الكارثة من أيامى وأيتام، وأنطفأت في صدوركم جذوة الإيمان، والشعور بأخوة الإسلام، فتلك هي الزلزلة التي ما بعدها زلزلة فحذار، ثم حذار.
стр. 281
من عبر الزلزال
كانت فترة حاسمة تلك التي قضيتها أمام دور الأصنام المحطمة،- التي أحالها الزلزال، إلى شبه أطلال، والتي،- عندما تراءت لعيني- وجدتني أتمتم بقول الشاعر:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
حقا، وقفت أمام هذه الدور المحطمة الوقفة التي وقفها هذا الشاعر قبلي على أطلال من أحبهم قلبه، وصفا لهم وده، بل لعل هذه الوقفة أدعى إلى الحزن وأبعث على الألم والحسرة، وأين تقع فجيعة من أضاع خاتمه من فجيعة من أضاع شعبة من قلبه أو حطم أحد جناحيه.
وقفت خاشعا واجما ساكنا كأنني أحد هذه الأعمدة الباقية بعد الضربة القاضية، وتراءت أمام خيالي- خلال هذه الفترة- أطياف عابرة من الأمم الغابره، التي طواها الزمان، وعفى عليها النسيان، وطفرت- أمام عيني- أطياف أخرى من مواكب الأزمنة المتلاحقة، وما يخبئه الغد الرهيب لهذه الفلول الباقيه من تعساء الإنسانية التائهة في بيداء هذه الحياة التافهة، من هذا المصير المحتوم، فيصبح- مثل هؤلاء الذين نقف الآن على أطلالهم- أثرا بعد عين، وهكذا الحياة من بدايتها إلى نهايتها، رواية متشابهة الفصول متماثله المشاهد، والإنسان هو الإنسان من ولادته إلى موته، لا تموم هذه الأحداث من صغره، ولا يعتبرآخره بأوله. وبينما أنا مستغرق في هذه التأملات، أستجلي العبر من هذه المثلات، وأسكب ما صنته من عبرات، على هذا الجانب الخصيب، من الوطن الحبيب، الذي استحال حطاما وعاد أنقاضا، وإذا
стр. 282
بأحد الرفاق في هذه الرحلة، يجذبني من طرف ثوبي ويلفتني إليه قائلا: تعال واسمع، فهذا زلزال آخر ينسيك هذا الزلزال الذي ما يزال أثره عالقا بنفسك، آخذا بلبك، فالتفت في فزع ودهش، واستفسرته النبأ فقال: الآن وصلت رسالة من طفل إلى والده يقول له: إن لم تسرع إلي انتحرت،- ذلك لأن هذا الطفل من هؤلاء الأطفال الذين اضطرهم هذا الزلزال إلى أن يأووا إلى معهد من المعاهد الدينية الكاثوليكية خارج البلاد المصابة بالزلزال- وأخذ الطفل بعد ذلك يقص على والده كيف أنهم سلموا إلى راهب ناولهم نوعا من الحلوى أنكروها وكرهوها، وأنهم لا يكادون يذوقون مناما، لما يحسونه من ضغط على شعورهم من هذا الجو الجديد الذي لا يرون فيه إلا هذه الصلبان على رؤوسهم وإلا هذه الطقوس الدينية التي لم يعتادوها ولم ينشأوا عليها والتي أحسوا معها بالخوف على عقيدتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ما حمل هذا الطفل الذكي اليقظ على أن يبادر بهذه الرسالة إلى والده ليبادر بإنقاذه، وإلا انتحر سريعا قبل أن يخسر عقيدته الدينيه التي يرى أصغر طفل في المسلمين أنها كل شيء.
نعم، هذا هو الزلزال الذي يجب أن نكون منه على بال، فليس الزلزال أن تموت مسلما شهيدا تحت الأنقاض، ولكن الزلزال حقا أن تخسر دينك الإسلام، ولو عشت بعد ذلك ألف عام، وأن الموت المفزع لهو موت الروح لا موت الجسد، وأن الإسلام إنما جاء لينقذنا من موت الروح لا من موت الجسد.
إن الذي نخشاه إذن- من هذا الزلزال هو أن يمتد أثره إلى الأرواح التي هي كل شيء، لا قدر الله.
وإني- في النهاية- لأحيى ذلك الطفل الذكي الكيس الذي تنبه في عروقه دم أجداده، دم الحفاظ على التراث الغالي، الذي كاد يضيع بتأثير الوضع الحالي، فكتب تلك الرسالة الثائرة، على الأوضاع الجائرة، ولو كان المسلمون كلهم كهذا الغلام، لانتصر الإسلام. أكثر الله فينا من أمثال هذا الغلام.
стр. 283
طريق العظمة
مهداة إلى الدعاة
نذكر بهذا الشهر- شهر ربيع الأول- ميلاد مصلح البشرية الأعظم: محمد ابن عبد الله ﷺ ، فكلما استنشقنا نسيم هذا الشهر، شممنا في طياته عرف هذه الذكرى العطر، وأنعش أرواحنا عبيرها الزكي، فنجد لذلك يقظة في شعورنا، وقوة في عزائمنا، وانشراحا في صدورنا، وإيمانا بديننا، وتشبثا بآمالنا.
وقد تعودنا أن نأخذ من هذه الذكرى أعظم الدروس، وأبلغ العبر، وقد آثرت هذه المرة أن آخذ من هذه الروضة المعطار، زهورا عبقة الشذا، وأهديها إلى القادة والمصلحين في الأمة الإسلامبة، علهم يجدون فيها ما يجلب العزاء إلى نفوسهم، ويطرد اليأس من قلوبهم، ويزيح العراقيل من طريقهم:
خرج النبي ﷺ يوما إلى الكعبة ليصلي كعادته، فلما كان في الصلاة قال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام عبد الله بن الزبعرى فأخد فرثا ودما فلطخ به وجه النبي ﷺ وظهره، فأتى عمه أبا طالب وقال: يا عم ألا ترى ما فعل ب؟ فقال له أبو طالب: من فعل بك هذا؟ فروى له الحادث، فتقلد سيفه ومضى مع النبي ﷺ حتى أي مجلس القوم، فلما رأوه قد أقبل قاموا له، فقال لهم أبو طالب: والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا!
ثم قال: يا بني من فعل بك هذا؟ قال: عبد الله بن الزبعرى، فأخذ أبو طالب فرثا ودما، فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، فنزل- إذ ذاك- قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ فقال النبي ﷺ : يا عم نزلت فيك آية،
стр. 284
قال: وما هي؟ قال: تمنع قريشا أن يؤذوني وتأبى أن تؤمن بي، فقال أبو طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاذهب لأمرك قد زعمتك ناصحى ... فلقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك يقينا
ولا يعجب القارىء من موقف أبي طالب، هذا الموقف من دعوة لا يؤمن بها، فإن في ذلك لآية من آيات الله في نصر دينه والقائمين على نشره وتمكينه، إذ يهيء الأسباب لذلك من قرب أبي طالب من صاحب الرسالة وتربيته له وشدة محبته إياه، بل إن أبا طالب ليصر على موقفه هذا حتى النهاية ويكون آخر وصيته لقومه أن يوصيهم بمحمد ﷺ خيرا أو يحرضم على نصره وتأييده بل الدخول في دينه، فيروى أن أبا طالب حين حضرته الوفاة أوصى قومه وصية جامعة، ولكن كان ما فارق عليه دنياه قوله:
وأنا أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو جامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر في الأطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه، أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه، أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش: ابن أبيكم كونوا ولاة لحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي.
وإنما بنصر الله الثابثين على الحق، الدائبين على نصره، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ فإن أبا طالب ما استمات في نصرة الرسول ﷺ حتى رآي استماتته هو في ثباته على ما دعا إليه وإصراره على الحياة له والموت عليه، ويفسر هذا موقفه ﷺ الخالد عندما رأت قريش نشاطه الفذ في بث دعوته ونشرها، ومما نال
стр. 285
آلهتهم وعباداتهم الزائفة، من هذه الدعوة من سهام نافذة فذهبوا إلى عمه أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على ما نحن عليه، من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وودهم ودا جميلا ثم عادوا إليه مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فاشتد الأمر على أبي طالب، ولقى النبي ﷺ فقال له: يا ابن أخي إن قومك لد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا- ما كانوا قالوه له- فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فماذا كان منه ﷺ أيسلم في دعوته وينفض يده مما وكل إليه، كما يفعل ذلك ضعفاء الإيمان وجبناء القلوب في مثل هذه الظروف؟ كلا، بل وقف وقفة المؤمن بربه الواثق بدعوته، وكأنه يسمع هتاف القرآن في أذنه يقول له: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال كلمته العظيمة الخالدة التي سارت مثلا أعلى في الثبات على المبدإ: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" ثم قام وذهب فقال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل ﷺ فقال له: إذهب وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.
وهكذا العظماء يلحقهم من الأذى ما تنوء به الجبال، ولكن قوة عقيدتهم وصلابة عزيمتهم واطمئنانهم إلى أن الله ناصرهم وأن العاقبة لهم، كل ذلك يهون عليهم ما يقف في طريقهم ويصادفهم في سيرهم من عقبات ومكاره وأتعاب، فيمضون مصممين حتى يصلوا إلى الغاية، ويجنوا ثمر النصر في النهاية.
فلا يضق قادتنا ودعاتنا ذرعا إذا لاقوا ما لاقى أسلافهم من رهق وعنت، فتلك سنة الله في الأولين والآخرين، وليعتقدوا بأن الله سينصرهم- إن كانوا محقين- ولو بعد حين، ولو من غير المسلمين، كما نصر الله نبيه بعمه أبي طالب، ولكن الذي يمضني ويؤلمني أنه يوجد اليوم كثير من المسلمين يمثلون دور أبي طالب: يكتبون ويخطبون داعين إلى تعاليم الاسلام، وهم أبعد ما يكون عن تعاليم الإسلام فصدق عليهم بذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ الذي نزل في أبي طالب!
следующие страницы →