حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية، واستندوا في ذلك إلى قول الرسول ﷺ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» كما استندوا إلى قول عمر: «لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى حُذَيْفَةَ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ»، وسالم ليس قرشيًا، وإلى ما روي عن عمر: «إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَة حَيٌّ اِسْتَخْلَفْته، فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ مَاتَ أَبُو عُبَيْدَة اِسْتَخْلَفْت مُعَاذ بْن جَبَلٍ» (*)، ومعاذ أنصاري لا نسب له في قريش. كذلك استدلوا بتأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة بن زيد وغيرهم في الحروب، وممن أسقط شرط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أردك ما عليه أمر قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد الأعاجم بالأمر (١).
والمتمسكون بشرط القرشية يردون على ذلك بأن الحديث ورد في الإمارات الصغرى لا في الإمامة العظمى، وأن ما روي عن عمر لعله اجتهاد منه تغير بعد ذلك، كما أن تأمير عبد الله بن رواحة وغيره ليس له دخل بالإمامة العظمى.
ويعلل ابن خلدون جعل الأمر في قريش بقوة عصبيتهم «لأن قريشًا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب فيهم، وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمراء من سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم
стр. 142
على الكره، فتفترق الجماعة وتختلف الكلمة، والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم، بخلاف ما إذا كان الأمر في قريش لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد خلاف عليهم ولا فرقة لأنهم كفيلون حينئذٍ بدفعها ومنع الناس منها، فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة، وإذا انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمة مضر أجمع فأذعن لهم سائر العرب وانقادت الأمم سواهم إلى أحكام الملة، ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين الى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب، فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطلبنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة على من معها لعصرها، وإذا نظرت سِرَّ اللهِ في الخلافة لم تعد هذا لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبًا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه، ثم إن الوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب
стр. 143
عليهم، وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفًا للأمر الوجودي» (١).
وظاهر مِمَّا سبق أن ابن خلدون يرى أن الإمامة جعلت في قريش لقوتها وغلبتها وأن حقها في الإمامة زال بزوال قوتها وغلبتها، ومعنى ذلك أن يفسر القرشية بالعصبية الغالبة.
ويرى الدكتور طة حسين أن أبا بكر حينما قال للأنصار: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» لم يفكر في إطلاق الإمامة لقريش كلها دون تحديد، وإنما كان يفكر هو وعمر وأبو عبيدة في المهاجرين الذين سبقوا إلى الإسلام فآمنوا به قبل أن يؤمن غيرهم، وآزروا النبي بأنفسهم وأموالهم على نشر دعوته في مكة أيام الجهد والشدة والضيق، فأبو بكر حينما قال للأنصار أن الأئمة من قريش كان يقصد إلى هذه الطبقة الممتازة من قريش طبقة الذين سبقوا إلى الإسلام وجاهدوا مع النبي في مكة والمدينة (٢). ومعنى هذا الذي يقوله الدكتور طة حسين أن شرط القرشية لا محل له بعد انتهاء الطبقة الممتازة من قريش أولئك الذين سبقوا إلى الإسلام وجاهدوا مع النبي في مكة أثناء الفتنة وجاهدوا معه في المدينة أثناء القوة.
ويلاحظ أخيرًا أن الأحاديث التي سبق ذكرها معناها جميعًا واحد من حيث أنها جعلت الإمامة في قريش ولكن في بعضها زيادة مقبولة تقطع بأن الأمر لم يجعل في قريش مطلقًا من
стр. 144
كل قيد، وإنما هو لقريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، فإذا عصو سقط حقهم في الإمامة (١) وحديث «لاَ يَزَال [هَذَا] الأَمْر فِي قُرَيْش مَا بَقِيَ مِنْ النَّاس اِثْنَانِ» جاء مطلقًا كحديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» إلا أن كليهما مقيد بما اشترط في الأحاديث الأخرى من طاعة الله والقيام على أمره، وسقوط حق قريش في الإمامة ليس معناه أن لا يكون إمام من قريش وإنما معناه أن لا تكون الإمامة محصورة في قريش فيجوز أن يكون الإمام قرشيًا أو غير قرشي.
ويبقى بعد ذلك أن يقال إن الأحاديث كلها وردت بصيغة الخبر عدا حديث «اِسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اِسْتَقَامُوا لَكُمْ»، وحديث «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا» فإنهما وَرَدَا بصيغة الأمر، والأحاديث الواردة بصيغة الخبر ليست أحكامًا، وإنما هي أخبار عن حال قريش وما يحدث لها، ومجموعها يفيد أن الإمامة ستكون فيهم ما أطاعوا الله ولو بقي من الناس اثنان، فإذا عصوا الله بعث عليهم من يقصيهم عنها، أما الحديثان الواردان بصيغة الأمر فقد جاءا ببيان ما يجب على الأمة من معاملة قريش ما دامت مستقيمة على أمر الله.
هذان رأيان يمكن أن يقالا في تفسير الأحاديث الواردة في إمامة قريش وقد بنيا على جمع الأحاديث واستخراج معناها جملة، ولعل هذا هو أصح طريق في تفسير هذه الأحاديث ما دامت هذه الأحاديث جميعًا في درجة واحدة تقريبًا وبعضها
стр. 145
يقوي البعض الآخر وليس فيها ما ينسخ شيئًا منها.
ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى جمهور الأمة المتمسكين بشرط القرشية أجازوا خلافة المتغلب ولو لم يكن قرشيًا، وفي هذا ما يناقض التمسك بشرط القرشية، ولكنهم عللوا ذلك بالضرورة.
* * *
هذه هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الإمام الأعظم أو الخليفة، وليس ثمة ما يمنع من اشتراط شروط أخرى إذا اقتضتها المصلحة العامة، فيجوز مثلاً أن يشترط في الإمام أن يكون قد بلغ سِنًّا معينة، ويجوز أن يشترط فيه الحصول على درجات علمية معينة، ويجوز أن يشترط فيه أي شرط آخر إذا دعت لذلك الشرط مصلحة الجماعة أو اقتضته ظروف الحياة التي تتغير بمرور الأيام.
стр. 146
اِنْعِقَادُ الإِمَامَةِ أَوْ الخِلاَفَةِ:
الطَّرِيقُ الشَّرْعِيُّ لِلإِمَامَةِ:
تنعقد الإمامة عن طريق واحد مشروع لا ثاني له، وهو اختيار أهل الحل والعقد للإمام أو الخليفة وقبول الإمام أو الخليفة لمنصب الخلافة.
فالإمامة أو الخلافة ليست إلا عقدًا طرفاه الخليفة من ناحية وأولو الرأي في الأمة من الناحية الأخرى، ولا ينعقد العقد إلا بالإيجاب وقبول: الإيجاب من أولي الرأي في الأمة أو أهل الشورى، وهو عبارة عن اختيار الخليفة، والقبول من جانب الخليفة الذي اختاره أولو الرأي في الأمة.
على هذا جرى الأمر بعد وفاة الرسول ﷺ ، وبهذه الطريقة بويع الخلفاء الراشدون جميعًا، ونستطيع
стр. 147
أن نتبين ذلك إذا رجعنا الى الوقائع التي قامت عليها بيعة كل منهم، والظروف التي تمت فيها، وحللناها تحليلاً علميًا ومنطقيًا.
بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ:
لما توفي الرسول ﷺ اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الأمر، وسمع عمر بن الخطاب بالخبر فأخبر أبا بكر، وذهبا ومعهما أبو عبيدة إلى السقيفة فخطب أبو بكر في الحاضرين وعرض عليهم أن يختاروا عمر أو أبا عبيدة، فقالاَ: والله لا نتولى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله ﷺ في الصلاة، أبسط يدك نبايعك، فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد من الأنصار فبايعه، وتتابع الناس فبايعوه من كل جانب، فلما كان الغد جلس أبو بكر على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة، ثم قام فخطبهم خطبة منها «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي»، ومنها: «أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصْيَتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلاَ طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ» (١).
هذه هي بيعة أبي بكر لم تتم إلا باختيار المهاجرين والأنصار وأولي الرأي في الأمة، وبقبول أبي بكر لهذا الاختيار وإقراره له.
стр. 148
واختيار أبي بكر على هذا الوجه يتفق مع قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وأهم أمور المسلمين وأحقها بالشورى هو أمر الحكم، فعلى المسلمين أن يختاروا من يلي أمرهم ويقوم على شؤونهم وينفذ أمر الله فيهم، ليحققوا ما وصفهم الله به من أن أمرهم شورى بينهم.
وقد بَيَّنَ أبو بكر في خطبته الحدود العامة للعقد الذي تم بينه وبين أولي الرأي في الأمة الذين اختاروا للخلافة، فقال إن من حقه عليهم أن يعينوه ويتعاونوا معه إذا أحسن عمله، وإن من حقهم أن يقوموه ويسددوه إذا أساء أو أخطأ، وإن طاعته واجبة عليهم ما دام لم يخرج على كتاب الله ولا سنة رسوله، فإن خرج فما عليهم من طاعة، وليس له أن يبقى في منصبه.
بَيْعَةُ عُمَرَ:
ولما حضرت الوفاة أبا بكر استشار كثيرًا من الصحابة في تولية عمر، ثم كتب للناس خطابًا جاء فيه: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا». وأمر به أن يقرأ على الناس فجمعوا وقرئ عليهم، وكان أبو بكر قد أشرف عليه فقال «أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
ولما استشار أبو بكر بعض الصحابة في عمر قبل أن يكتب
стр. 149
للناس قال: «لَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ - أي لعمر - أَنْ لاَ يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا» (١).
فهذا أبو بكر لا يفتات على الناس فهو يختار لهم ويجعل اختياره متوقفًا على رضائهم به ومتوقفًا على رضاء عمر، ولو رفض عمر ما وسعه أن يلزمه، ولو رفض الناس تولية عمر لما ألزمهم إياه، وإنما أحسن أبو بكر الاختيار ووثق به المسلمون وبحسن اختياره فكانوا عند حسن ظنه بهم، ولولا أنه كان يعلم الحق أنه نصح واجتهد للمسلمين في اختيار عمر لما فعلها.
ومن الخطأ أن نعتبر ما حدث من أبي بكر اختيارًا للخليفة من بعده، فلو كَانَ فِعْلُ أبي بكر في حقيقته اختيارًا لما سأل الناس أيرضون بعمر أم لا يرضون، وإنما كان فعل أبي بكر في حقيقته ترشيحًا لمن يراه أقدر على القيام بأمر الناس، وإذا كان الترشيح ممن يحسن الناس به الظن ويأمنونه على مصالحهم يعتبر في حكم الاختيار إلا أنه ليس ترشيحًا في واقع الأمور وفي فقه الفقهاء، والاختيار لا يكون ولا يصح إلا ممن لهم حق الاختيار.
وأبو بكر لا يملك أن يختار الخليفة بعده وإن كان يقوم على أمر الجماعة، لأنه نائب الجماعة استخلفه عليها لمهمة معينة يراعى فيها شخصية النائب، وليس للنائب أن يختار غيره
стр. 150
ما دامت النيابة ملحوظًا فيها شخصية النائب، كذلك فإن الجماعة استخلفت أبا بكر لمدة حياته فإذا صح له أن يختار من ينوب عنه في حياته فليس له أن يختار من يقوم مقامه بعد وفاته، لأن نيابته تنتهي بوفاته فإذا اختار من يقوم على أمر الأمة بعد وفاته فقد خرج على حدود نيابته، أو لا يكون اختياره إلا ترشيحًا إن شاءت الجماعة التي هي صاحبة الحق في الاختيار أن تأخذ به فعلت، وإن شاءت رفضت ولا تثريب عليها.
ولو كان فعل أبي بكر اختيارًا واستخلافًا فعليًا لما كان هناك ما يدعو لأن يبايع الناس عمر بعد ذلك، فبيعة الناس لعمر هي التي جعلته خليفة وما انعقدت خلافته إلا بهذا دون غيره.
وإذا كان ما فعله أبو بكر ليس إلا ترشيحًا فينبغي أن نعلم أن أبا بكر لم يرشح عمر للخلافة إلا بعد أن استشار خاصة الصحابة، فلما قبلوا هذا الترشيح كتب وعلق الأمر على اختيار عامة الناس.
وبعد فإن أبا بكر أبر وأتقى من أن يعطل قول الله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، واختيار الخليفة القائم لمن يتولى بعده دون رجوع أهل الرأي وتكينهم من الاختيار في حرية تامة ليس إلا تعطيلاً صريحًا لهذا النص الذي أوجب الله على الأمة العمل به.
بَيْعَةُ عُثْمَانَ:
ولما طعن عمر طلب منه المسلمون أن يستخلف، فقال:
стр. 151
«وَأَنْظُرُ فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَلَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ دِينَهُ».
فخرجوا ثم عادوا فقالوا له يا أمير المؤمنين: لو عهدت عهدًا، فقال: «مَا أَرَدْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَلَيْكُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ "، وَهُمْ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلْيَخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلاً، فَإِذَا وَلَّوْا وَالِيًا فَأَحْسِنُوا مُوَازَرَتَهُ وَأَعِينُوهُ».
فلما مات عمر جمع المقداد أهل الشورى في حجرة السيدة عائشة بإذنها وطلحة غائب فتنافسوا في الأمر، فقال عبد الرحمن: «أَيُّكُمْ يُخْرِجُ مِنْهَا نَفْسَهُ وَيَتَقَلَّدُهَا عَلَى أَنْ يُوَلِّيَهَا أَفْضَلَكُمْ؟» فلم يجب أحد، فقال: «أَنَا أَنْخَلِعُ مِنْهَا» فرضوا به وأعطوه موثقهم على أن يكونوا معه على من بَدَّلَ وَغَيَّرَ، وأن يرضوا من يختاره لهم. وأعطاهم موثقة ألا يخص ذا رحم وألا يألوا المسلمين نُصْحًا.
وبقي عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها يلقى أصحاب الرسول ﷺ ومن في المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم في الأمر، حتى أنه لم ينم في الليلة الأخيرة، وظل يجتمع بهذا وبذاك حتى صلاة الصبح، وفي صباح اليوم الرابع جمع المهاجرين والأنصار وأهل الفضل والسابقة وأمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التحم المسجد بأهله، ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ أَشِيرُوا عَلَيَّ»، فقال عمار بن ياسر: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لاَ يَخْتَلِفَ الْمُسْلِمُونَ فَبَايِعْ عَلِيًّا»، وأيد المقداد بن الأسود رأي عمار، وقال ابن
стр. 152
أبي سرح: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لاَ تَخْتَلِفَ قُرَيْشٌ فَبَايِعْ عُثْمَانَ»، وأيد هذا الرأي عبد الله بن أبي ربيعة، واختلف الناس، فقال عبد الرحمن: «إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَشَاوَرْتُ، فَلَا تَجْعَلُنَّ أَيُّهَا الرَّهْطُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلاً»، ودعا عليًا وقال: «عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ»، قال: «أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ فَأَعْمَلَ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي»، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: «نَعَمْ» فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: «اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ. اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ مَا فِي رَقَبَتِي مِنْ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ عُثْمَانَ»، ثم بايعه فبايع الناس جميعًا (١).
وقدم طلحة في يوم المبايعة وبعد تمامها، فقال له عثمان: «أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ وَإِنْ أَبَيْتَ رَدَدْتُهَا»، قال: «أَتَرُدُّهَا؟»، قال: «نَعَمْ»، قال: «أَكُلُّ النَّاسِ بَايَعُوكَ؟»، قال: «نَعَمْ»، قال: «قَدْ رَضِيتُ لاَ أَرْغَبُ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ».
هذه هي الوقائع فلننظر فيها لنراها على حقيقتها، وأول ما يطالعنا فيها أن الناس طلبوا من عمر أن يستخلف فاختار لهم ستة أشخاص ليختاروا من بينهم رجلاً واحدًا يلي أمر الأمة، وتعبير الكتب التاريخية يوهم أن الناس طلبوا من عمر أن يختار لهم الخليفة بعده، ولكنهم في الحقيقة لم يطلبوا منه إلا أن يرشح لهم من يخلفه كما فعل أبو بكر، لأن الخليفة القائم لا يملك أن يختار خلفه كما قررنا من قبل وإنما يملك أن يرشح للخلافة من
стр. 153
يراه أقدر عليها، ولأن الخلافة لا تنعقد إلا ببيعة أهل الرأي في الأمة، فكل ما يحدث من الاختيار قبل البيعة ليس إلا ترشيحًا للخلافة قد يأخذ ذَوُو الرأي به وقد يهملونه.
ولقد كان اختيار عمر ترشيحًا لا شك فيه، لأنه اختار ستة أشخاص وما يصح أن يلي الأمر إلا واحد منهم، وإذا كان عمر قد ترك لهم أن يختاروا من بينهم فإن اختيارهم هذا ليس إلا ترشيحًا ثانيًا، أي أن عمر رشح ستة للخلافة على أن يرشحوا من بينهم واحدًا، ولو كان الرأي لهؤلاء الستة فقط لما كان عبد الرحمن في حاجة إلى أن يستشير المهاجرين والأنصار والأشراف وأمراء الجند ثلاثة أيام بلياليها حتى لقد ذكر أنه لم ينم في الليلة الأخيرة، ولما كان في حاجة لأن يجمع الناس في المسجد بعد الصلاة ويسألهم أن يشيروا عليه، ولو كان الرأي لهؤلاء الستة دون غيرهم لانعقدت الخلافة بمبايعة خمسة منهم لسادسهم، ولما كان هناك ما يدعو لأن يبايع الناس جميعًا.
فاختيار عمر إذن كان ترشيحًا، واختيار عبد الرحمن كان ترشيحًا، ولم تنعقد البيعة لعثمان إلا برضاء الجماعة عنه ومبايعتهم إياه، وإذا كان عبد الرحمن قد اختار عثمان وبايعه فتابعه الناس على ما رأى فما ذلك إلا لأنهم يثقون في عبد الرحمن وتلك طبيعة البشر في كل الأزمان يتابعون من يثقون فيه ويحسنون به الظن.
стр. 154
بَيْعَةُ عَلِيٍّ:
ولما قتل عثمان ذهب أصحاب الرسول من المهاجرين والأنصار إلى علي يعرضون عليه أن يبايعوه، فقال: «لاَ حَاجَةَ لِي فِي أَمْرِكُمْ» فترددوا عليه مرارا وصمموا على مبايعته، فقال: «إِذَنْ فَفِي المَسْجِدِ»، فاجتمع الناس وبايعوه (١).
ومع أن جمهور أهل المدينة بايعوا عَلِيًّا ألا أن الكثيرين لم يبايعوه، لأن الناس لم يجتمعوا عليه، وكانت تلك حجة لبعض من انتقضوا عليه بل كانت حجة طلحة والزبير أنهما بايعا كارهين فلم تصح بيعتهما.
وظاهر من هذا أن الخلافة لا تكون إلا ببيعة عامة للناس بيعة عن رضا واختيار.
نَتِيجَةٌ لاَ شَكَّ فِي صِحَّتِهَا:
هذه هي الوقائع التاريخية لبيعة الخلفاء الراشدين الأربعة تؤدي دراستها دراسة تحليلية إلى نتيجة واحدة لا شك في صحتها، وهي أن البيعة لا تتم إلا باختيار عامة أهل الرأي أو أغلبهم للخليفة ورضاء الخليفة بذلك، وأن اختيار الخليفة القائم لمن يأتي بعده ليس إلا ترشيحًا متوقفًا على قبول أهل الرأي، فإن قبلوا هذا الترشيح بايعوا المرشح وإلا رفضوه ورشحوا غيره.
стр. 155
وهذا هو نفسه ما فهمه عمر بن عبد العزيز حينما عهد إليه سليمان بن عبد الملك فقد اختاره خليفة من بعده وكتب بذلك كتابا ختمه بخاتمه، وأمر رجاء بن حياة بأن يجمع أهل بيته ليبايعوا لمن في الكتاب دون معرفة اسمه فبايعوا. وبعد أن مات سليمان جمع رجاء الناس في مسجد دابق وطلب منهم المبايعة على من سمي في هذا الكتاب المختوم فبايعوا، فلما بايعوا فض الكتاب وقرأه عليهم فاذا فيه:" هذا الكتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز. اني قد وليته الخلافة بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم "، فلما قرئ الكتاب صعد عمر بن عبد العزيز المنبر وقال:" اني والله ما استؤمرت في هذا الأمر وأنت بالخيار "، وفي رواية أخرى " يا أيها الناس اني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وأني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم " (١).
فعمر بن عبد العزيز وهو من خيرة المسلمين علما وفقها ودينا يرى أن بيعة الخليفة لا تكون إلا باختياره من جانب أولي الرأي في الأمة، وبقبول من جانبه هو، كما يرى أن اختيار الخليفة السابق ليس ببيعة، وأن مبايعة الناس لمجهول ليست بيعة صحيحة، ولذلك كله رد الأمر للناس ليختاروه ان شاءوا راضين غير مكرهين وقد فعلوا.
стр. 156
تَجَوُّزٌ لاَ مَحَلَّ لَهُ:
ولقد تجوز أكثر الفقهاء في التعبير وسموا ما حدث من ترشيح أبي بكر لعمر بيعة، ورتبوا على ذلك نتيجة غير صحيحة تخالف كل المخالفة نصوص الشريعة الإسلامية وروحها، حيث أجازوا للإمام القائم أن يعقد البيعة لمن يخلفه بعهد منه، حتى لقد قالوا هذه المسألة مِمَّا انعقد الإجماع على جوازها ووقع الاتفاق على صحتها واستدلوا على ذلك بأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروها، أحدهما: أن أبا بكر ﵁ عهد بها إلى عمر فأثبت المسلمون إمامة عمر بعهد أبي بكر، وثانيهما: أن عمر ﵁ عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر، اعتقادًا بصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها حتى قال علي للعباس حين عاتبه على الدخول في الشورى: «كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلاَمِ لَمْ أَرَ لِنَفْسِي الخُرُوجَ مِنْهُ» (١).
وما استدل به الفقهاء لا يؤدي إلى إعطاء الإمام القائم حق عقد البيعة لمن يخلفه، ويكفي في التدليل على ذلك ما قالوه من أن أبا بكر عهد بالخلافة لعمر فأثبت المسلمون إمامة عمر بعهد
стр. 157
أبي بكر، ومعنى ذلك أن عهد أبي بكر لم يجعل عمر إمامًا وإنما صار عمر إمامًا حيث أثبت المسلمون إمامته بناء على عهد أبي بكر، إذن فعهد أبي بكر لم يكن إلا ترشيحًا، والأمر في عهد عمر للستة أظهر من أن يكون محلاً للاشتباه، فهذا العهد لا يمكن أن يكون إلا ترشيحًا إذ المقصود منه تحديد الأشخاص الذين رأى عمر أنهم يصلحون لتولي الخلافة، ولو كان عهد عمر عقد بيعة لما اختار ستة إذ البيعة لا تكون إلا لواحد فقط.
فعهد أبي بكر لعمر وعهد عمر للستة إنما كان كلاهما ترشيحًا، وقبول الأمة لهذا الترشيح يعتبر سابقة تقرر للخليفة القائم حق ترشيح من يخلفه على أن يكون المرشح واحدًا أو أكثر، وللأمة أن توافق على المرشح أو ترشح غيره، وما يعطي ترشيح الخليفة القائم لغيره أي حق، ولا يجعل له فضلاً على أي مرشح آخر.
وهذا الذي نقوله قد قاله بعض الفقهاء، حيث رأى أنه ليس من الضروري استشارة أهل الحل والعقد وقت العهد، لأن عهد الإمام القائم لغيره ليس بعقد للإمامة، بدليل أنه لو كان عقدًا لأفضى إلى اجتماع إمامين في عصر واحد وهذا غير جائز، وإذا لم يكن العهد عقدًا فلا يعتبر حضور أهل الحل والعقد وقت العهد، وإنما يعتبر بعد موت الإمام، هذا القول صريح في أن العهد ترشيح وليس بيعة (١).
стр. 158
ولكن الفريق الآخر الذي نقضنا كلامه يرى بغير حق أن الخلافة تنعقد بالعهد، لكن تصرف الخليفة الجديد يكون موقوفًا على موت الخليفة القائم، فالبيعة في هذه الحالة تشبه وكالة أنجزت وعلق تصرفها على شرط، فالخليفة الجديد خليفة حالاً ولكن تصرفه هو المعلق.
ومع أن هذا الفريق يرى انعقاد الخلافة بعهد الخليفة القائم إلا أنه يشترط أن يكون الخليفة العاهد جامعًا لكل شروط الخلافة، فإن لم يكن كذلك فلا يجوز له أن يعهد لغيره (١)، فإن عهد لغيره فعهده غير صحيح، ولا يجوز تنفيذه، والقائلون بهذا ينتقدون العلماء وأصحاب الرأي في الأمة لقبولهم تنفيذ عهود بني أمية وبني العباس وهي غير صحيحة لعدم استجماع خلفائهم لكل شروط الخلافة، ويعللون سكوت العلماء على تنفيذ هذه العهود مع عدم صحتها بشوكة الخلفاء وقوتهم وبخشية العلماء من الفتنة.
ويرى السيد محمد رشيد رضا ﵀ أن للإمام أن يستخلف غيره بشرط أن يكون الإمام جامعًا لشروط الإمامة ولكن الاستخلاف يكون متوقفًا على إقرار أهل الحل والعقد له، كما يرى أن استدلال الفقهاء يقتضي هذا الرأي وإن كانوا لم يصرحوا به (٢).
стр. 159
وِلاَيَةُ العَهْدِ:
تختلف ولاية العهد عن الاستخلاف بعض الشيء وإن كان حكمها واحدًا، فالأصل أن الاستخلاف لا يكون إلا عندما تحضر الوفاة الخليفة، فيستخلف غيره أي يرشحه للخلافة كما فعل أبوبكر وعمر فإنهما لم يستخلفا إلا لما حضرتهما الوفاة، ولا يقصد الخليفة من الاستخلاف إلا توجيه أهل الحل والعقد إلى الرجل الصالح للخلافة على أن لا يألو الخليفة جهدًا في الاختيار، وأن لا يختار من ذوي قرباه. أما ولاية العهد فتكون والخليفة في صحته وعافيته، وتحدث غالبًا قبل وفاته بزمن طويل أو على أثر توليه الخلافة، ولا يقصد من ولاية العهد إلا ايثار ذوي القربى بالخلافة، وحفظ الخلافة في أسرة بعينها دون رعاية لمصلحة الأمة.
وإذا كان الاستخلاف سُنَّةً حَسَنَةً سَنَّهَا أبو بكر وتبعه فيها عمر، فان ولاية العهد بدعة ابتدعها معاوية، ليمكن لولده يزيد الفاسق من رقاب المسلمين، وليحول الخلافة مُلْكًا عَضُوضًا مستقرًا في غلمان بني أمية وَفُسَّاقِهَا.
ولقد بذل معاوية في سبيل أخذ العهد لولده يزيد ما بذل من الدهاء والخديعة والرشوة، ثم لجأ أخيرًا إلى التهديد والإكراه والادعاء بأن كبار أبناء الصحابة كالحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بايعوا يزيد وهم لم يبايعوه، حتى إذا ظن أنه مكن لولده يزيد كان قد مكن للفساد والفتنة، وأقام أمر الأمة
стр. 160
الإسلاميةعلى المحاباة والظلم وإهدار الحقوق، وقضى على الشورى وعطل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وَحَوَّلَ الحكم الفاضل العادل النظيف إلى حكم قذر قائم على الأهواء والشهوات، ووجه الناس إلى النفاق والذلة وَالصَّغَارِ.
ومن المحتمل أن يكون معاوية قد أدرك نتائج فعلته، ومن المحتمل أن تكون قد فاتته، ولكن الذي لاشك فيه أن كل من جاءوا بعده إلى عصرنا هذا قد عملوا بسنته وتشبثوا ببدعته حاشا عمر بن عبد العزيز، فعلى معاوية وقد استن هذه السنة السيئة اثمها واثم من عمل بها إلى يوم القيامة إن لم يكن قد اجتهد فأخطأ.
وولاية العهد ليست إلا استخلافًا لمن يلي الخليفة القائم على ما بين الاستخلاف وولاية العهد من فروق، فإذا كان الاستخلاف في حقيقته ترشيحًا للخلافة فإن ولاية العهد ليست إلا ترشيحًا للخلافة أيضا، وليس لها في ذاتها أي أثر شرعي، فلا يمكن أن يكون ولي العهد إماما إلا باختيار الأمة له بعد وفاة الإمام الذي عهد إليه، أما الاختيار الذي يحدث في حياة العاهد فليس اختيارًا صحيحًا، لأنه يحدث عادة تحت التهديد والإكراه، ولأنه سابق لأوانه، إذ أن ولي العهد لن يصبح خليفة إلا بعد وفاة الخليفة الذي عهد إليه وإلا اجتمع خليفتان، وربما لا تتوفر فيه شروط الخلافة وقت العهد إليه كأن يكون صغيرًا، أو لا تتوفر فيه وقت توليته الخلافة كأن يكون فاسقًا، وفضلاً عن ذلك فإن الإمام وهو نائب الأمة ليس له أن يأخذ
стр. 161
الأمة التي أنابته في إدارة شؤونها والقيام على أمرها باختيار من ينوب عنها بعده، فذلك خروج عن حدود نيابته، وتدخل منه فيما هو من شأن الأمة الخاص، خصوصًا أن النيابة عن الأمة تستلزم شروطًا خاصة يجب توفرها في شخص النائب، والقاعدة أنه إذا روعي في النيابة شخصية النائب فليس للنائب أن ينيب عنه أحدًا كذلك فإن النيابة مرتبطة بالحاجة إليها وما دامت الأمة في غير حاجة إلى من ينوب عنها بقيام خليفة على أمرها فليس ثمة ما يدعو لاختيار خلف له لانعدام الحاجة إليه، فإذا توفي الإمام القائم قامت الحاجة لاختيار غيره وكان للأمة أن تختار من تراه صالحًا للنيابة عنها.
وقد تَجَوَّزَ الفقهاء في ولاية العهد كما تجوزوا في الاستخلاف واعتبروا ولاية العهد عقدًا للإمامة، ولكنهم اشترطوا أن يعهد الإمام إلى من هو أحق بالإمامة وأقوم بها، ثم اختلفوا بعد ذلك، ففريق اشترط أن يرضى أهل الاختيار لتلزم البيعة الأمة، لأن اختيار الخليفة حق للأمة فلا تلتزم الأمة بخليفة إلا إذا رضيته واختارته، وفريق رأى لزوم البيعة للأمة باختيار الخليفة القائم دون حاجة إلى أن تختار هي، وحجة هذا الفريق أن بيعة أبي بكر لعمر لزمت الأمة ولم تتوقف على رضائها، وهذا خطأ لا شك فيه أو مغالطة في التدليل - كما بَيَّنَّا ذلك من قبل - قصد منها إرضاء الملوك والخلفاء وتبرير خروجهم على أحكام الإسلام.
واختلفوا بعد ذلك في جعل ولاية العهد للأبناء، فالذين
стр. 162
يستلزمون الرجوع للأمة ويجعلون البيعة متوقفة على رضاها واختيارها يجيزون أن يعهد الخليفة إلى من ينتسب إليه ببنوة إذا كان المعهود إليه على صفات الأئمة، وحجتهم أن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد باختيار المسلمين للمعهود إليه، ومن ثم تنتفي التهمة عن الخليفة العاهد.
أما الذين يرون انعقاد البيعة بالعهد ولا يستلزمون الرجوع للأمة فيوجبون في حالة العهد الى ولد أو والد الرجوع للأمة، ولا يجيزون للخليفة أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا لوالد حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيروه أهلاً لها، فيصح حينئذ عقد البيعة. على أن من هؤلاء من يرى أن للخليفة أن ينفرد بعقد البيعة لولده أو والده ويكون عقده صحيحًا، وهم بعد ذلك قسمان: قسم يرى رضاء أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرًا في لزومه للأمة، وقسم يرى العهد ملزمًا للأمة دون حاجة للرجوع إليها.
والجميع يشترطون رضاء المعهود إليه به، ولكنهم اختلفوا في زمان القبول ففريق رأى أن القبول لا يكون إلا بعد وفاة العاهد في الوقت الذي يصح فيه للمعهود إليه أن يتولى الأمر، وفريق رأى أن القبول يكون فيما بين العهد والموت.
ويشترط في المعهود إليه اتفاقًا توفر شروط الإمامة فيه وقت العهد إليه، واستدامتها إلى ما بعد موت العاهد، فإن كان المعهود إليه صغيرًا أو فاسقًا وقت العهد وبالغًا عدلاً وقت
стр. 163
وفاة العاهد لم تصح خلافة المعهود إليه إلا إذا استأنف أهل الاختيار بيعته (١).
نَتَائِجُ الاِسْتِخْلاَفِ وَوِلاَيَةِ العَهْدِ:
كان الاستخلاف في أول الأمر مقصودًا به النصح للأمة وحفظ مصلحتها وجمع كلمتها على خليفة عادل تقي قوي، وهذا ما رمى إليه أبو بكر حين استخلف عمر وما رمى إليه عمر حين اختار أهل الشورى، ولكن أصحاب المآرب استغلوا هاتين السابقتين الكريميتين ليقولوا بولاية العهد وليزينوا لمعاوية أن يؤثر بها ولده يزيد من دون الناس، فلما فعلها معاوية خلق سابقة جديدة تختلف كل الاختلاف عن سابقة الاستخلاف وإن كان معاوية قد حاول جهده أن يبين للناس أنه لم يفعل أكثر مِمَّا فعل سابقوه.
والفرق بين الاستخلاف وولاية العهد ظاهر، فالاستخلاف يقوم على ترشيح الخليفة القائم رجلاً أو أكثر لولاية أمر الأمة بعده على أن يجتهد الخليفة في الاختيار وأن لا يكون بينه وبين المرشح صلة، أما ولاية العهد فهي ترشيح الخليفة القائم ولده أو إحدى ذوي قرباه ليتولى أمر الأمة بعده بقصد حفظ الأمر
стр. 164
في أسرة الخليفة، وبغض النظر عما إذا كان المرشح صالحًا أو غير صالح.
وهكذا ينظر في الاستخلاف إلى مصلحة الأمة، وينظر في ولاية العهد إلى مصلحة أسرة الخليفة، ويقوم الاستخلاف على التجرد، وتقوم ولاية العهد على المحاباة، ويرمي الاستخلاف إلى إقامة الشورى التي فرضها الله والخلافة التي يتميز بها الإسلام أما ولاية العهد فترمي إلى إقامة الملك العضوض الذي يبغضه الله، والتمكين للاستبداد والاستعلاء الذي يحرمه الإسلام.
ولقد تطورت بدعة ولاية العهد أكثر من مرة فيوم ابتدعها معاوية كان العهد لشخص مكلف ولم ير معاوية بُدًّا من أن يأخذ الناس ببيعة ولي العهد طوعًا أو كرهًا مستعينًا في ذلك بالرشوة والخديعة وبما يملك من سلطان على الناس، ولكن من جاءوا بعد معاوية عهدوا إلى الأطفال وهو عهد غير صحيح وكانوا يأخذون لهم البيعة وقت العهد على أن تصحح البيعة بعد توليتهم الحكم وهو تصحيح شكلي محض فما كان ثمة من يجرؤ على مقاومة من تولى الحكم فعلاً أو يجرؤ على رفض البيعة له، وهكذا تبدأ البيعة باطلة ثم تصحح في ظل البطش والإكراه وبعد أن يتولى السطان الفعلي ذلك الذي لم تصح له بيعة، ثم تطورت ولاية العهد وتطورت حتى انتهت إلى أن يكون العهد بقانون إلى أطفال لم يولدوا بعد وإنما يعرفون بأوصافهم ودرجاتهم دون حاجة إلى بيعة في الحال أو في المستقبل.
стр. 165
ولقد كان للفقه أثره في تطور الاستخلاف إلى ولاية العهد، وفي تطور ولاية العهد من شكل إلى شكل آخر، فلعل بعض الفقهاء الذين باعوا الدنيا بالآخرة هم الذين أشاروا على معاوية بولاية العهد لولده يزيد وهم الذين زينوا له هذا الأمر وقربوا ما بين ولاية العهد والاستخلاف من بون شاسع، أو لعل معاوية هو الذي فكر في ولاية العهد فلما حقق ما أراد أخذ بعض الفقهاء تحت تأثير المجاملة أو الخوف يقيسون ولاية العهد بالاستخلاف وَيُحَمِّلُونَ الاستخلاف ما لا يحمله من المعاني ويرتبون عليه ما لا يترتب من النتائج ولما حاول بعض الحكام أن يعهدوا إلى الأطفال وجدوا من يفتيهم بجواز العهد إلى الأطفال، ولما حاول بعض الحكام أن يرجعوا إلى الأمة وجدوا من يفتيهم بأن عهد الحاكم يلزم الأمة وأن لا حاجة للرجوع إليها.
وهكذا تضافر الحكام المسلمون وبعض الفقهاء المسلمين - وَكِلاَ الفريقين أمين على مصالح الأمة - تضافروا جميعًا على خيانة الأمة الإسلامية، وسلبها حقوقها التي فرضها الإسلام، فالإسلام يعطي للأمة حق اختيار حكامها وعزلهم، ويجعلهم بمثابة النواب عنها، ولكن الحكام وبعض الفقهاء تآمروا على الأمة الإسلامية فسلبوها كل حقوقها، وجعلوا من أفرادها عبيدًا ومن الحكام سادة يأمرون فلا يرد لهم أمر ويتصرفون في حقوق الأمة ومستقبلها وأرواح أبنائها دون حسيب ولا رقيب.
стр. 166
وقد شارك في هذه الخيانة جماهير المسلمين بسكوتهم على الباطل، وبرضاء بعضهم به، وبعدم ثورتهم عليه، فتمت بذلك المؤامرة الكبرى التي أوشكت أن تقضي على الإسلام، والتي عطلت سيره وأوقفت اندفاعه من مئات السنين، وخان المسلمون جميعهم - عن جهل أو عمد - الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وتعرض لحملها الإنسان على ما فيه من جهل وظلم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢].
خان المسلمون أمانة خلافة الله في الأرض وكفروا بأنعمه عليهم، فلم يقيموا أمر الله فيما بينهم ولم يهتدوا بهديه، ولم ينتهوا عن نهيه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وخانوا أمانة الاستخلاف في الحكم بعد أن مكن الله لهم، فلم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ولم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. ونسي الحكام المسلمون أن الحكم أمانة في عنق الحاكم: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ لَضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ» (١).
стр. 167
وخانوا الله الذي جعلهم في مركز الهداة للبشرية، المعلمين لدين الله والقائمين بدعوة الله والمتوسطين بين الأمرين يكشفون لهذا الطرف عن باطله، ولذاك الطرف عن باطله، ويدعونهما إلى الحق الذي هم عليه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وارتكب المسلمون حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ هذه الخيانات وقد نهاهم الله عن خيانة الأمانات وحذرهم منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فجزاهم الله المهانة في الأرض، وسلط عليهم أعداءهم يملكون بلادهم، ويتقاسمون أوطانهم، وَيَحُولُونَ بينهم وبين نعيم الحياة ونعمة الكرامة والحرية.
ولقد انتهى هذا كله إلى أسوأ النهايات، فقد فسدت أداة الحكم في الدولة الإسلامية وتحولت عن غايتها التي رسمها الإسلام، وأصبحت مهمة الحكام أن يحكموا في حدود الهوى والمنفعة، وابتغاء الاستعلاء والسيطرة أو ابتغاء رضاء المستعمرين، بعد أن كان واجبهم الأول أن يحكموا في حدود الإسلام ابتغاء مصلحة الجماعة وابتغاء وجه الله.
стр. 168
وحينما انفلت الحكام من حدود الدين انقلبت الموازين في أيديهم واختلطت الأوضاع عليهم، فهم لا يميزون الطيب من الخبيث ولا يعرفون الحق من الباطل ولا يفرقون بين الضار والنافع، لأنهم يتبعون أهواءهم، ويتخذون منها آلهة لهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣].
وترتب على فساد الحكم وخروج الحكام على حدود الدين أن ابتعد الناس عن الدين، وفسدت الأخلاق، وشاعت الفاحشة، وضعف المسلمون، وتصدعت وحدتهم، وتعددت أحزابهم واتجاهاتهم، بما اتبعوا من أهوائهم، حتى أصبحت الفوضى شعارهم، والتفرق الذي نهوا عنه يميزهم عن غيرهم وحتى انتهوا إلى ما هم فيه من الاستعباد والذلة، يستعبدهم المستذلون ويغلبهم على أمرهم المشردون المغلوبون.
إن الفتن والانقلابات والحروب الداخلية في داخل البلاد الإسلامية ابتداء من فتنة عثمان، وحروب الخوارج وانقلاب بني العباس حتى فتنة عُرَابِي والثورة العربية، والإنقلاب التركي والإنقلابات السورية الأخيرة، كل ذلك إنما يرجع في الحقيقة لسبب واحد هو الانحراف عن الإسلام، وإذا كان هذا الانحراف قد بدأ بما نسب إلى عثمان من إيثار بعض ذوي قرباه ببعض وظائف الدولة، وَمِنْ مَنْحِهِ بعض الناس شيئًا من مال الدولة، فإن الانحراف قد انتهى إلى أسوأ نهاية إذ
стр. 169
انتهى باستبدال الحكام بكل أمور الأمة، وبإهمال مصالحها، وبالاستعلاء عليها، وحرمانها من استعمال حق الشورى استعمالاً صحيحًا، كما انتهى بالحيف على حقوق الأفراد، والاستئثار بالأمور العامة، وإقامة أمر الأمة على الأثرة والمحاباة والظلم والجور، حتى لقد أصبحت الحكومات الإسلامية مضرب المثل في العالم كله على الظلم والإستبداد، وأصبحت الشعوب الإسلامية مضرب المثل في العالم كله على التأخر والانحطاط.
إِمَامَةُ المُتَغَلِّبِ:
ويرى بعض الفقهاء أن الإمامة تثبت أيضًا بطريق التغلب كما تثبت باختيار أهل الرأي، ويسمون هذا النوع من الإمامة بإمامة المتغلب أو إمامة الضرورة لأنها تقبل تحت تأثير الضرورة خشية الفتنة ونتيجة لتغلب شخص ذي عصبية على الحكم (١)، ويرتبون على التغلب طاعة المتغلب والاعتراف بإمامته ولو لم تتوفر فيه شروط الإمامة إذا كان في صرفه عن الإمامة فتنة لا تطاق، فإن لم يترتب على صرفه فتنة أو كان في صرفه أخف الضررين وجب صرفه عن الإمامة وإخراجه منها.
ويمثل الفقهاء لإمامة المتغلب بما حدث من عبد الملك بن مروان حين خرج على عبد الله بن الزبير فقتله، واستولى على
стр. 170
البلاد، وحمل أهلها على مبايعته طوعًا وكرهًا وعلى أن يدعوه إمامًا.
ويشبه البعض إمامة المتغلب بأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة ويرى أن السعي واجب دائمًا لإزالتها عند الإمكان ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها (١).
ولقد قبل الفقهاء إمامة المتغلب اتقاء للفتنة وخشية الفرقة، ولكنها أدت إلى أشد الفتن وإلى تفريق الجماعة الإسلامية وإضعاف المسلمين وهدم قواعد الإسلام ولو علم الفقهاء الذين أجازوا ما سوف تؤدي إليه لما أجازوها لحظة واحدة، فالمتغلب الذي يطلب السلطان على الأمة من غير طريق الشورى إنما هو رجل لا يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، ومن كان لا يؤمن بقول الله فليس أهلاً لولاية أمر المسلمين، فما يقوم أمر المسلمين إلا على إقامة أمر الله، والمتغلب الذي تسلط على المسلمين بما ينافي أمر الله ليرضي أهواء نفسه لن يتأخر عن إرضاء نفسه في كل وقت وعلى حساب أمر الله كلما نازعه إلى ذلك هواه.
إن المسلمين رضوا بولاية العهد، وبإمامة المتغلب، وبالسكوت على الأئمة الظلمة والفسقة، وكان رضاؤهم يرجع إلى الخشية من الفتنة، وما علموا أنهم في الفتنة سقطوا بما رضوا من الخروج على أمر الله، وبما سكتوا عن إقامة أمر الله.
стр. 171
إن الفتنة كل الفتنة هي الرضا بالخروج على أمر الله، وإقامة أمور الدنيا أو الدين على غير ما أقامها الله، وما يصح لمسلم ولا مسلمة أن يرضى بغير ما رضيه الله، أو يتقاعد عن إقامة أمر الله ففيم جاء الإسلام وعلام جالد المسلمون الأوائل وفتنوا وعذبوا وقتلوا إن كان خوف الفتنة مِمَّا يقبض أيدي المسلمين عن إقامة الإسلام ويرضيهم بأوضاع لا تتفق مع الأوضاع التي يفرضها الإسلام؟
إن كل وضع مخالف للإسلام يجب أن يزول مهما كلف ذلك من تضحية لأن في ذلك إقامة للإسلام والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ليقيموا بها الإسلام، فما يملكون أن يتأخروا عن تضحية أموالهم وأولادهم وأنفسهم في ذلك السبيل.
стр. 172
مَرْكَزُ الخَلِيفَةِ أَوْ الإِمَامِ فِي الأُمَّةِ:
الخَلِيفَةُ فَرْدٌ يَنُوبُ عَنْ الأُمَّةِ:
علمنا مِمَّا سبق أن البشر جميعًا مستخلفون في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وظاهر النص أنهم استخلفوا في الأرض واستعمروا فيها بصفتهم الآدمية لا بأية صفة أخرى، وهم في صفة الآدمية سواء لا فرق بين صغيرهم وكبيرهم ولا غنيهم وفقيرهم. ولما كان الخليفة أحد أبناء آدم فهو لايزيد من هذه الوجهة عن أي آدمي آخر.
وعلمنا أيضًا أن استخلاف البشر في الأرض معناه النيابة عن الله وأن البشر مكلفون بالقيام على أمره ونهيه ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. ولكن البشر بطبيعة الحال لا يستطيعون أن يقيموا أمر الله على ما ينبغي إذا كانوا أفرادًا
стр. 173
لا تربطهم رابطة ولا يجمعهم سلطان يخضع له قويهم ويفيء إليه ضعيفهم، فاقتضى أمر أن يقيموا لهم حكومة تفصل في مشاكلهم وتنوب عنهم جميعًا في إقامة أمرهم في حدود ما أنزل الله.
وقد أقام القرآن أمر المسلمين كله على الشورى فأمر الله ورسوله ﷺ أن يشاورهم في الأمر ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهو غني بالوحي، وبالتوجيه الإلهي عن مشورتهم، وكان الرسول يشاورهم في كل أمورهم إلا فيما كان يوحى إليه من ربه وهو في الغالب خاص بالتشريع، حتى لقد كان الرسول يشاورهم في تأمير الأمراء ولا يقطع ذلك دونهم وهو رئيس الدولة، يدل على ذلك ما روي عنه من قوله «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا أَحَدًا دُونَ مَشُورَةِ المُؤْمِنِينَ، لأَمَّرْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ» كذلك جعل القرآن الشورى من لوازم الإيمان حيث جعلها صفة من الصفات اللاصقة بالمؤمنين والمميزة للجماعة الإسلامية ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. فلا يكمل إيمان المسلمين إلا بقيام الشورى فيهم، ولا يجوز لجماعة مسلمة أن تقيم أو ترضى إقامة أمرها على غير الشورى.
وأهم المسلمين وأحقها بالشورى هو أمر الحكم، فإذا ما أوجبت ظروف الأحوال وطبائع الأشياء أن يقيم
стр. 174
المسلمون لأنفسهم حكومة فقد وجب أن تقوم على الشورى، وعن طريق الشورى، فيختار أصحاب الرأي من المسلمين حكامها، ويلتزم الحكام في مباشرة شؤون الحكم أن يرجعوا إلى أهل الشورى في كل ما يقتضي الرجوع إلى الأمة أو الاستئناس برأيها فيه.
ووظيفة الحكومة الإسلامية هي كما علمنا القيام على أمر الله وسياسة أمور الدولة في حدود ما أنزل الله وهي الوظيفة نفسها التي يجب على كل فرد أن يقوم بها باعتباره مستخلفًا في الأرض استخلافًا عامًا، فكل فرد عليه أن يقيم أمر الله وأن يوجه أموره في حدود ما أنزل الله أي عليه أن يهتدي بهدى الله وينتهي عما نهى عنه الله.
وإذا كانت الجماعة تختار الحكومة لتقوم بالواجب المفروض على الأفراد نفسه فالحكومة تعتبر نائبة عن الجماعة كلها وعن كل فرد منها.
وإذا كان رئيس الحكومة هو ممثلها والنائب عنها فالرئيس في الدولة الإسلامية وهو الخليفة أو الإمام الأعظم يعتبر نائبًا عن الأمة الإسلامية كلها وممثلاً عنها.
فسلطان الخليفة أو الإمام الأعظم مستمد من النيابة عن الأمة الإسلامية، ومدى هذا السلطان يرجع فيه إلى الأمة التي منحته النيابة عنها والتي يمثلها، وتستطيع الأمة بما لها من حق اختيار النائب عنها أن توسع هذا السلطان أو تضيق فيه أو تقيده
стр. 175
بقيود كلما رأت في ذلك مصلحة عامة أو ضمانًا لحسن القيام على أمر الله وعدم الخروج عليه.
وإذا وسعت الأمة في سلطان خليفة ما فإن ذلك لا يقيدها بالنسبة لغيره فلها أن تضيق في سلطان من يخلفه، ولها أن تقيد سلطانه بقيود معينة، وليس له أن يحتج بما منح الخلفاء قبله من سلطان واسع، فما هو إلا نائب عن الأمة، والنائب مقيد في سلطانه بأمر من أنابه ليس له أن يخرج عنه.
فمركز الخليفة أو الإمام الأعظم في الأمة الإسلامية هو مركز النائب عنها، لا المتسلط عليها، والمنفذ لأمرها لا المستبد به، وكل أعمال الخليفة أو الإمام تقوم على أساس نيابته عن الأمة، فما جاء منها داخلاً في حدود نيابته، موافقًا لرأي الأمة فهو صحيح واجب الاحترام، وما جاء خارجًا على حدود النيابة، أو مُهْمِلاً لرأي الأمة، فهو باطل بطلانًا لا شك يجعله لا يستحق الاحترام ولا تجب له الطاعة.
والخليفة أو الإمام الأعظم لا يستطيع بطبيعة الحال أن يقوم بشؤون الأمة وحده ما دامت الأمة قد أنابته عنها في القيام بكل شؤونها فله أن يستعين بغيره فيما لا يستطيع أن يقوم به بنفسه، له أن يستعين بوزراء ومديرين وقضاة وموظفين من كل نوع ويعين لكل منهم العمل الذي يقوم به، وهؤلاء إن اعتبروا نوابًا عن الخليفة فإنهم يعتبرون أيضًا نوابًا عن الأمة بمجرد تعيينهم في وظائفهم، وله هو الإشراف عليهم باعتباره
стр. 176
ممثل الدولة ونائب الأمة الأول، ويترتب على اعتبارهم نوابًا عن الأمة أنهم لا ينعزلون بعزل الخليفة أو موته، ولو كانوا نوابًا عن الخليفة دون الأمة لانعزلوا بعزله وبموته. ويترتب أيضًا على اعتبارهم نوابًا عن الأمة أنه لا يجوز للخليفة أن يعزلهم ما داموا قائمين بعملهم على وجهه الصحيح. ويعتبر الموظفون نوابًا عن الأمة شرعًا بالرغم من أن الخليفة هو الذي اختارهم، لأنه اختارهم بصفته نائبًا عن الأمة، واختارهم ليعملوا للأمة لا له، ولأن وجودهم ضروري للقيام على أمر الأمة، ولا يغني وجود الخليفة عن وجودهم شيئًا.
الإِسْلاَمُ لاَ يُقَدِّسُ الخُلَفَاءَ:
ورئيس الدولة الإسلامية وهو القائم على أمر الإسلام لا يعفيه الإسلام من أخطائه، ولا يخفف من مسؤوليته، ولا يميزه عن أي شخص، ولذلك كان الخلفاء والأئمة أشخاصًا لا قداسة لهم ولا يتميزون على غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد آخر يرتكبها.
ولقد كان الرسول ﷺ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازًا، وكان يردد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت: ٦]، وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣]. وكان قدوة حسنة لخلفائه وللمسلمين في توكيد المساواة بين الحكام والمحكومين ورؤساء الدول والرعايا. دخل عليه
стр. 177
أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال ﷺ : «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ» وتقاضاه غريم له دينًا فأغلظ عليه، فَهَمَّ بِهِ عمر بن الخطاب، فقال الرسول: «مَهْ يَا عُمَرُ كُنْتَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَنِي بِالوَفَاءِ وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّبْرِ» (١).
وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، ... مَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالاً فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلاَ يَخْشَ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِي، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، أَلاَ وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ».
ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الأُولَى (٢).
وكان يكره أن يتميز على المسلمين، من ذلك أنه كان يطوف بالبيت، فأتى السقاية فَقَالَ: «اسْقُونِي»، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا يَخُوضُهُ النَّاسُ، وَلَكِنَّا نَأْتِيكَ بِهِ مِنَ البَيْتِ، فَقَالَ: «لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ، اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ»، وكان يكره أن يوصف بغير ما وصفه الله به من أنه بشر رسول، ويحذر المسلمين من أن يطروه فيقول لهم: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى
стр. 178
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وجاء خلفاء الرسول فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة فتكون أول كلمة يقولها توكيدًا لمعنى المساواة، ونفيًا لمعنى الامتياز. قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي».
وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أشد تمسكًا بهذه المعاني حتى أنه ليرى قتل الخليفة الظالم، خطب يومًا فقال: «لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ البَحْرِ تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَلَنْ يَعْجِزَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلاً مِنْهُمْ فَإِنْ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ، فَقَالَ طَلْحَةُ:" وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ وَإِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ؟ قَالَ: لاَ، القَتْلُ أَنْكَى لِمَنْ بَعْدَهُ "» (١).
وأعطى أبو بكر القود من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة، وفعل عمر بن الخطاب مثل ذلك وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة، ولما قيل له في ذلك قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ , وَأَبَا بَكْرٍ يُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ , وَأَنَا أُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِي».
وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وَالٍ رَعِيَّتَهُ إلا قاد من الوالي للمظلوم وأعلن على رؤوس الأشهاد مبدأه
стр. 179
هذا في موسم الحج، حيث طلب من ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي مَا أُرْسِلُ عُمَّالاً عَلَيْكُمْ لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلاَ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ، فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، أَئِنَّكَ لَتَقُصَّنَّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، إِذًا لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لاَ أَقُصُّهُ مِنْهُ!، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُصُّ مِنْ نَفْسِهِ» (١).
ولقد جرى العمل، يوم كان المسلمون لا يعرفون لهم قانونًا إلا الشريعة الإسلامية، على أن يتحاكم الخلفاء والملوك والولاة إلى القضاء العادي، وأن يحاكموا أمامه، فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يفقد درعا في خلافته ويجدها مع يهودي يَدَّعِي ملكيتها، فيرفع الأمر إلى القاضي ليحكم لصالح اليهودي ضد علي أمير المؤمنين وخليفتهم.
وهذا هو المغيرة والي الكوفة يتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة المنسوبة إليه بالطريق العادي، ولا ينقذه من العقوبة إلا أن الدليل لم يكن كافيًا لاثبات التهمة.
ويقص علينا التاريخ أن المأمون اختصم مع رجل بين يدي
стр. 180
يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طنفسه لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة عن أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فدعا المأمون للرجل بطنفسة أخرى.
وبعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة والولاة والأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت هو التحكيم، «كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَدْ أَخَذَ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى سَوْمٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلاً فَعَطِبَ، فَخَاصَمَ الرَّجُلُ عُمَرَ, فَقَالَ عُمَرُ: " اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلاً " , فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أَرْضَى بِشُرَيْحٍ العِرَاقِيِّ , فَقَالَ شُرَيْحٌ لِعُمَرَ: أَخَذْتَهُ صَحِيحًا سَلِيمًا وَأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى تَرُدَّهُ صَحِيحًا سَلِيمًا» , وَكَانَ هَذَا الحُكْمُ الذِي صَدَرَ مِنْهُ ضِدَّ عُمَرَ هُوَ الذِي حَفَزَ عُمَرَ لِتَعْيِينِ شُرَيْحٍ قَاضِيًا (١).
وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام أو الخليفة شروطًا لا تتوفر في كل شخص إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شيء، وهم يستندون في هذه التسوية إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وإلى قول الرسول ﷺ «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ