ممثل الدولة ونائب الأمة الأول، ويترتب على اعتبارهم نوابًا عن الأمة أنهم لا ينعزلون بعزل الخليفة أو موته، ولو كانوا نوابًا عن الخليفة دون الأمة لانعزلوا بعزله وبموته. ويترتب أيضًا على اعتبارهم نوابًا عن الأمة أنه لا يجوز للخليفة أن يعزلهم ما داموا قائمين بعملهم على وجهه الصحيح. ويعتبر الموظفون نوابًا عن الأمة شرعًا بالرغم من أن الخليفة هو الذي اختارهم، لأنه اختارهم بصفته نائبًا عن الأمة، واختارهم ليعملوا للأمة لا له، ولأن وجودهم ضروري للقيام على أمر الأمة، ولا يغني وجود الخليفة عن وجودهم شيئًا.
الإِسْلاَمُ لاَ يُقَدِّسُ الخُلَفَاءَ:
ورئيس الدولة الإسلامية وهو القائم على أمر الإسلام لا يعفيه الإسلام من أخطائه، ولا يخفف من مسؤوليته، ولا يميزه عن أي شخص، ولذلك كان الخلفاء والأئمة أشخاصًا لا قداسة لهم ولا يتميزون على غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد آخر يرتكبها.
ولقد كان الرسول ﷺ وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازًا، وكان يردد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت: ٦]، وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣]. وكان قدوة حسنة لخلفائه وللمسلمين في توكيد المساواة بين الحكام والمحكومين ورؤساء الدول والرعايا. دخل عليه
стр. 177
أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال ﷺ : «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأْكُلُ القَدِيدَ» وتقاضاه غريم له دينًا فأغلظ عليه، فَهَمَّ بِهِ عمر بن الخطاب، فقال الرسول: «مَهْ يَا عُمَرُ كُنْتَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَنِي بِالوَفَاءِ وَكَانَ أَحْوَجَ إِلَى أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّبْرِ» (١).
وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، ... مَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالاً فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلاَ يَخْشَ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِي، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، أَلاَ وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ».
ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الأُولَى (٢).
وكان يكره أن يتميز على المسلمين، من ذلك أنه كان يطوف بالبيت، فأتى السقاية فَقَالَ: «اسْقُونِي»، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا يَخُوضُهُ النَّاسُ، وَلَكِنَّا نَأْتِيكَ بِهِ مِنَ البَيْتِ، فَقَالَ: «لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ، اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ»، وكان يكره أن يوصف بغير ما وصفه الله به من أنه بشر رسول، ويحذر المسلمين من أن يطروه فيقول لهم: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى
стр. 178
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وجاء خلفاء الرسول فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة فتكون أول كلمة يقولها توكيدًا لمعنى المساواة، ونفيًا لمعنى الامتياز. قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي».
وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أشد تمسكًا بهذه المعاني حتى أنه ليرى قتل الخليفة الظالم، خطب يومًا فقال: «لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ البَحْرِ تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَلَنْ يَعْجِزَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلاً مِنْهُمْ فَإِنْ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ، فَقَالَ طَلْحَةُ:" وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ وَإِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ؟ قَالَ: لاَ، القَتْلُ أَنْكَى لِمَنْ بَعْدَهُ "» (١).
وأعطى أبو بكر القود من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة، وفعل عمر بن الخطاب مثل ذلك وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة، ولما قيل له في ذلك قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ , وَأَبَا بَكْرٍ يُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ , وَأَنَا أُعْطِي القَوَدَ مِنْ نَفْسِي».
وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وَالٍ رَعِيَّتَهُ إلا قاد من الوالي للمظلوم وأعلن على رؤوس الأشهاد مبدأه
стр. 179
هذا في موسم الحج، حيث طلب من ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي مَا أُرْسِلُ عُمَّالاً عَلَيْكُمْ لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلاَ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ، فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، أَئِنَّكَ لَتَقُصَّنَّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، إِذًا لأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لاَ أَقُصُّهُ مِنْهُ!، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُصُّ مِنْ نَفْسِهِ» (١).
ولقد جرى العمل، يوم كان المسلمون لا يعرفون لهم قانونًا إلا الشريعة الإسلامية، على أن يتحاكم الخلفاء والملوك والولاة إلى القضاء العادي، وأن يحاكموا أمامه، فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يفقد درعا في خلافته ويجدها مع يهودي يَدَّعِي ملكيتها، فيرفع الأمر إلى القاضي ليحكم لصالح اليهودي ضد علي أمير المؤمنين وخليفتهم.
وهذا هو المغيرة والي الكوفة يتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة المنسوبة إليه بالطريق العادي، ولا ينقذه من العقوبة إلا أن الدليل لم يكن كافيًا لاثبات التهمة.
ويقص علينا التاريخ أن المأمون اختصم مع رجل بين يدي
стр. 180
يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طنفسه لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة عن أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فدعا المأمون للرجل بطنفسة أخرى.
وبعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة والولاة والأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت هو التحكيم، «كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَدْ أَخَذَ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى سَوْمٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلاً فَعَطِبَ، فَخَاصَمَ الرَّجُلُ عُمَرَ, فَقَالَ عُمَرُ: " اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلاً " , فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أَرْضَى بِشُرَيْحٍ العِرَاقِيِّ , فَقَالَ شُرَيْحٌ لِعُمَرَ: أَخَذْتَهُ صَحِيحًا سَلِيمًا وَأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ حَتَّى تَرُدَّهُ صَحِيحًا سَلِيمًا» , وَكَانَ هَذَا الحُكْمُ الذِي صَدَرَ مِنْهُ ضِدَّ عُمَرَ هُوَ الذِي حَفَزَ عُمَرَ لِتَعْيِينِ شُرَيْحٍ قَاضِيًا (١).
وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا يشترطون في الإمام أو الخليفة شروطًا لا تتوفر في كل شخص إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شيء، وهم يستندون في هذه التسوية إلى قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وإلى قول الرسول ﷺ «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ
стр. 181
الوَاحِدِ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» وإلى ما ثبت عن رسول الله ﷺ من أنه رؤي وهو يقص من نفسه، وإلى أن نصوص الشريعة في العقوبات وغيرها جاءت عامة فتسري على الجميع دون استثناء.
ولكن الفقهاء بالرغم من اتفاقهم على ما سبق اختلفوا في عقاب الخليفة والإمام الأعظم في بعض الجرائم، واتفقوا على عقابه في بعضها الآخر ولهم في ذلك نظريتان:
النظرية الأولى: وهي نظرية أبي حنيفة، وخلاصتها أن الجرائم التي تمس حقوق الجماعة كالزنا والشرب لا يعاقب عليها الخليفة، لا لأنه معفى من العقاب ولكن لتعذر إقامة العقوبة عليه، إذ أنه صاحب الولاية على غيره وليس لغيره ولاية عليه حتى يقيم عليه العقوبة، وإذا كانت ولاية العقاب للإمام والخليفة في الجرائم التي تمس حقوق الجماعة، فلا يعقل أن يعرض الإمام نفسه للخزي والنكال بإقامة الحد على نفسه، وإذا امتنع تنفيذ العقوبة فقد امتنع الواجب وهو العقاب، وإذا امتنع الواجب لم يعد واجبًا.
فالفعل المحرم في رأي أبي حنيفة يظل محرمًا ويعتبر جريمة ولكن لا يعاقب عليه لعدم إمكان العقاب.
ويترتب على اعتبار الفعل محرمًا أن الإمام لو زنا وهو محصن فقتله أي فرد من الأفراد فإن القاتل لا يعاقب على القتل لأنه قتل شخصًا مباح الدم، إذ أن الزنا من محصن عقوبته الموت،
стр. 182
ولما كانت عقوبة الزنا من الحدود، والحدود لا يجوز تأخيرها ولا العفو عنها، فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجبًا لا بد منه إزالة للمنكر وتنفيذًا لحدود الله، فمن يقتل الزاني المحصن يؤدي واجبًا عليه ومن ثم فلا يمكن اعتباره قاتلاً (١).
أما الجرائم التي تمس حقوق الأفراد كالقتل والجرح فيرى أبو حنيفة أن الخليفة يؤخذ بها ويعاقب عليها، لأن حق استيفاء العقوبة ليس له أصلاً وإنما هو للمجني عليهم وأوليائهم، وإذا قام الخليفة بتنفيذ العقوبة فإنما يقوم به نيابة عن الأفراد، فإذا ارتكب الخليفة جريمة من هذا النوع كان للأفراد، أصحاب الحق الأصلي في استيفاء العقوبة، أن يستوفوها من الخليفة مستعينين في ذلك بالقضاء وبالجماعة وإذا استوفى الأفراد العقوبة الواجبة من غير طريق القضاء كأن قتلوا الخليفة اقتصاصًا لقتله شخصًا آخر فلا حرج عليهم لأنهم فعلوا ما هو حقهم.
على أن بعض الحنفيين يرون أن الخليفة إذا ولى قاضيًا للحكم في كل الجرائم كان من حق القاضي أن يأخذ الخليفة بكل جريمة ارتكبها سواء أمست حقًا لله أم حقًا للأفراد (٢).
ويؤخذ على نظرية أبي حنيفة أنها تقوم على أساس ضعيف، لأن الخليفة أو الإمام ليس إلا نائبًا عن الجماعة، ولأن الخطاب
стр. 183
في التشريع الإسلامي موجه للجماعة وليس للخليفة أو الإمام، وإنما أقامت الجماعة الخليفة ليقيم أحكام الشريعة نيابة عن الجماعة، فإذا ارتكب الإمام جريمة كان للجماعة - وهي صاحبة الحق الأول - أن تعاقبه على ما فعل تنفيذًا لما هي مخاطبة به ومسؤولة عنه.
ويستطيع القاضي المختص بنظر الجريمة أن يحكم على الخليفة أو الإمام بعقوبتها ولو كان الخليفة الذي ارتكب الجريمة هو الذي عين القاضي، لأن الخليفة عينه باعتباره نائبًا عن الجماعة فهو قاض ينوب عن الجماعة ولا ينوب عن الخليفة، ويستمد سلطانه من الجماعة لا من الخليفة الذي عينه.
النظرية الثانية: وهي النظرية التي يقول بها جمهور الفقهاء وخصوصًا مالك والشافعي وأحمد وأصحاب المذهب الظاهري فهؤلاء جميعًا لا يفرقون بين جريمة وجريمة ويرون الخليفة أو الإمام مسؤولاً عن كل جريمة يرتكبها سواء تعلقت بحق الله أو بحق للفرد، لأن النصوص عامة، والجرائم محرمة على الكافة بما فيهم رئيس الدولة فيعاقب عليها من يرتكبها ولو كان الخليفة، ولا ينظر هؤلاء الفقهاء إلى إمكان تنفيذ العقوبة كما يفعل أبو حنيفة لأن تنفيذ العقوبات ليس للخليفة وحده وإنما له باعتباره نائبًا عن الأمة ولنوابه الذين يعتبرون أيضًا نوابًا عن الأمة، فإذا ارتكب الخليفة جريمة وحكم عليه
стр. 184
بعقوبتها نفذ عليه العقوبة أحد من ينوبون عنه وعن الأمة ممن لهم حق تنفيذ تلك العقوبة (١).
مُدَّةُ الخِلاَفَةِ:
وإذا كان الخليفة يعتبر شرعًا نائبًا عن الأمة في إقامة أمر الله وفي القيام على شؤون الأمة في حدود أمر الله وكان هذان العملان واجبين على الأمة بصفة دائمة، فإن نيابة الخليفة عن الأمة ليست موقوتة بمدة معينة، ولكنها تمتد ما طال عمر الخليفة وكان قادرًا على مباشرة عمله ولم يأت بما يستوجب عزله من النيابة، إذ لا معنى لتحديد مدة نيابة الخليفة ما دامت واجبة، وما دام هو قادرًا عليها صالحًا للقيام بشؤونها.
ولقد جرت السوابق الإسلامية على أن يبقى الخليفة في منصبه مدى حياته ما لم يرغب هو في اعتزال المنصب كما فعل الحسن بن علي ومعاوية بن يزيد، أو لم يعزل من منصبه لسبب ما كما عزل ابراهيم بن الوليد ومروان بن محمد الأمويان.
والواقع الذي تؤيده التجارب التاريخية أن بقاء الخليفة في
стр. 185
منصبه إلى وفاته يؤدي إلى استقرار أمور الأمة وَيَحُولُ دون الخلاف على شخص الخليفة أو التنافس على منصب الخلافة إلا للضرورة القصوى، ويحصر هذه الضرورة في حالات ثلاث هي: حالة الموت وحالة العزل وحالة الاستقالة، والحالتان الأخيرتان نادرتان.
وليس ثمة نصوص صريحة توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته، ولكن إجماع الأمة على هذا يقوم مقام النص، لأن الإجماع من مصادر الشريعة الإسلامية.
عَزْلُ الخَلِيفَةِ:
وإذا كان من حق الخليفة أن يبقى في منصبه طول حياته فإن من حق الأمة أن تعزله إذا تغير حاله، لأن اختياره للخلافة مشروط بتوفر شروط معينة فيه، فإذا ظلت هذه الشروط قائمة فيه فهو قائم في منصبه، وإذا انتفت عنه كان أهلاً لأن ينفى عن المنصب.
وتتغير حال الخليفة أو الإمام الأعظم إما بجرح في عدالته أو بنقص في بدنه على ما يرى أبو الحسن الماوردي.
الجَرْحُ فِي العَدَالَةِ:
هو الفسق، وهو على ضربين: أحدهما ما تابع فيه
стр. 186
الشهوة، والثاني ما تعلق فيه بشبهة (١).
فالأول متعلق بأفعال الجوارح، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى كالزنا وشرب الخمر والغصب، فهذا نوع من الفسق يمنع من انعقاد الإمامة ويمنع من استدامتها، وإذا طرأ على من انعقدت له الإمامة انعزل بفسقه، فإذا عاد إلى العدالة لم يعد للإمامة إلا بعقد جديد على رأي الماوردي وبعض الفقهاء، وإن كان من يرى أنه يعود للإمامة دون عقد ولا بيعة ما دام يعزل فعلاً.
أما الضرب الثاني من الفسق فمتعلق بالاعتقاد والمتأول بشبهة تعترض فيتناول لها خلاف الحق، ومن رأي الماوردي وغيره أن فسق الاعتقاد حكمه حكم فسق الجوارح يمنع من انعقاد الإمامة ويمنع من استدامتها، على حين يرى بعض علماء البصرة أن الفسق المتعلق بالاعتقاد لا يؤدي إلى عزل الإمام، بل هناك من يرى أن الفسق بنوعيه لا يترتب عليه العزل ما لم يكن كفرًا.
وقد استدل من قال بعزل الخليفة بالكفر دون المعصية بحديث عُبادة بن الصامت قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ , عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا , وَأَثَرَةً عَلَيْنَا , وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا , عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».
стр. 187
والقائلون بالعزل يرون أن المقصود بالكفر هو المعصية، خصوصًا وقد ذكرت روايات أخرى للحديث بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر، فما دام الخليفة أو الإمام قد أتى منكرًا محققًا يعلمه الناس من قواعد الإسلام فلهم أن ينكروا ذلك، وأن يتنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم وأحقيتهم لها (١).
وجمهورا لفقهاء يرون، كقاعدة عامة، أن للمسلمين عزل الخليفة للفسق، ولأي سبب آخر يوجب العزل، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها.
وإذا كانت القاعدة عند جمهور الفقهاء أن للأمة خلع الخليفة أو عزله بسبب يوجبه، إلا أنهم اختلفوا في حالة ما إذا استلزم العزل فتنة، فرأى فريق أن يعزل الخليفة لسبب يوجبه ولو أدى ذلك إلى فتنة، ورأى فريق أنه إذا أدى العزل لفتنة احتمل أدنى المضرتين، ورأى الفريق الثالث أن لا يعزل الخليفة إذا استلزم العزل فتنة ولو أنه مستحق العزل بفعله (٢).
стр. 188
ونرى أن أصح هذه الآراء الثلاثة هو الرأي الأول الذي يرى عزل الخليفة للفسق ولأي سبب آخر يوجب العزل ولو أدى العزل إلى فتنة، لأن هذا الذي سيؤدي إليه العزل ليس في حقيقته فتنة، وإنما حركة إصلاح وإعلاء لكلمة الحق وتمكين للإسلام وقطع لدابر الفساق، وما الفتنة إلا في إتيان الخليفة ما يوجب العزل والسكوت عليه، فتلك هي الفتنة التي إذا لم يوصد بابها تفتح منها كل يوم باب والتي تنتهي دون شك بالقضاء على الإسلام، وكل مسلم مطالب بإقامة الإسلام وحفظه.
ولقد دعا أصحاب الرأيين الأخيرين إلى ما اتجهوا إليه ما صح عن رسول الله ﷺ من حثه على ترك قتال الأئمة والخلفاء، وعلى عدم مفارقة الجماعة، مثل قوله: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» وقوله: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قَالُوا: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، أَلاَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» (*) ومثل حديث عبادة بن الصامت وقد أوردناه فيما سبق. وهذه الأحاديث يجب ألا تؤخذ على ظاهرها. وأن تفسر على هدى ما أوجبه القرآن والأحاديث الأخرى على كل مسلم من إقامة الإسلام والجهاد
стр. 189
في إقامته بالنفس والمال، وعدم موادة من يكره الإسلام ويعمل على إضعافه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقتال الباغين فإذا فسرت هذه الأحاديث على هذا الوجه كان معناها وجوب الصبر على الأئمة فيما لا يضر بالإسلام وعامة المسلمين، وفيما لا يمس التحليل والتحريم، وفيما يستطاع فيه حمل الأئمة بالحسنى على التزام الحق والرجوع إليه.
ولقد استعرض ابن حزم هذه الأحاديث وغيرها مِمَّا يماثلها وَبَيَّنَ أنها لا تؤدي لما فهمه بعض الفقهاء منها، وأن من الواجب على المسلمين «إذا وقع شيء من الجور ولو قل أن يكلموا الإمام في ذلك ويمنعوه منه، فإن اقتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع» (١).
ولو أننا أخذنا رأي الفقهاء القائلين باحتمال أدنى المضرتين إذا أدى العزل لفتنة وفسرنا هذا الرأي على ضوء التجارب التاريخية وعلى الواقع الذي يعيش فيه السلام لتبين لكل ذي
стр. 190
بصر أن أدنى المضرتين في كل الأحوال هي العزل ولا شيء غيره، إذ أن عدم العزل يؤدي إلى الإضرار بالإسلام وإضعاف سلطانه وتلك المضرة العظمى بلا جدال.
وأخيرًا قد انتهينا إلى عصر أصبحت فيه الكلمة للشعوب ولم يعد فيه لرؤساء الدول سلطان أمام سلطان الأمة، فلم يعد ثمة محل للخوف من أن تصاحب العزل فتنة إذا رأت الأمة الإسلامية عزل الخليفة لم يعد هناك محل إلا لرأي واحد هو رأي جمهور الفقهاء الذين يجمعون على عزل الخليفة أو الإمام كلما أتى عملاً يستوجب عزله، وهو رأي الفريق الأول من جمهور الفقهاء الذي يقول بعزل الخليفة لسبب يستوجب العزل أيا كانت الظروف والأحوال.
نَقْصُ البَدَنِ:
أما ما يطرأ على الخليفة فيغير حالة ويدعو إلى عزله فينقسم ثلاثة أقسام على ما يرى الماوردي والفراء:
الأول: نقص الحواس: ومنه ما يمنع عقد الإمامة أو استدامتها وهو زوال البصر أما الصمم والخرس فيمنعان من عقد الإمامة ولكن اختلف في منعها من استدامتها.
الثاني: فقد الأعضاء ومنه ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها وهو ما يمنع العمل كذهاب اليدين أو يمنع من
стр. 191
النهوض كذهاب الرجلين، واختلف فيما منع من بعض العمل وبعض النهوض، فقيل يمنع من استدامة الإمامة، وقيل لا يمنع.
الثالث: نقص التصرف: وهو نوعان حجر وقهر. فأما الحجر فهو أن يستولي عليه أحد أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصيته ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع ذلك من إمامته ولكن ينظر في أفعال من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها، وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه.
وأما القهر فهو أن يصير مقهورًا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه فيمنع ذلك من عقد الإمامة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين ويمنع من استدامتها لليأس من خلاصة وللأمة فسحة في اختيار غيره (١).
وإذا كان هذا هو ما يراه الماوردي والفراء فإن ابن حزم يرى أنه «لا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب كالأعمى والأصم والأجدع والأحدب، والذين لا يدان له ولا رجلان، ومن بلغ الهرم ما دام يعقل ولو أنه ابن مائة عام، ومن يعرض
стр. 192
له الصرع ثم يفيق، ومن بويع إثر بلوغه الحلم وهو مستوف لشروط الإمامة، فكل هؤلاء إمامتهم جائزة إذ لم يمنع منها نص القرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر ولا دليل أصلاً، بل قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] فمن قام بالقسط فقد أدى ما أمر به. ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها، ولا في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ» (١).
стр. 193
الشُّورَى:
الشُّورَى مِنَ الإِيمَانِ:
الشورى دعامة من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سَوَّى اللهُ بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. فجعل للاستجابة لله نتائج وَبَيَّنَ لنا أبرزها وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والإنفاق.
وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، لا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة.
وما دامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا
стр. 194
بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والسياسة والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم.
ولقد أوجب الله على رسوله - وهو الذي ينزل عليه الوحي بالتشريع والتوجيه وحل المشكلات - أن يستشير المسلمين فقال - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فأمره أمرًا جازمًا بأن يستشيرهم، وما أمر الله نبيه ﷺ بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل، وأن يحملهم على الاقتداء بالرسول، وأن يرفع من أقدارهم بإشراكهم في الحكم، وتعويدهم على مراقبة الحكام، وأن يَحُولَ بين الحكام والاستئثار بالحكم والتعالي على الناس.
وروي عن الرسول أنه لما نزلت ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: «أَمَا إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْهَا - أي المشورة - وَلَكِنْ جَعَلَهَا اللهُ رَحْمَةً لأُمَّتِي فَمَنْ اسْتَشَارَ مِنْهُمْ لَمْ يُعْدَمْ رُشْدًا وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُعْدَمْ غَيًّا» وفي هذا الحديث حض شديد على الشورى، فهو يبين لنا أن الشورى تهدي إلى الرشاد، وأن الاستبداد بالرأي يهدي إلى الغي والضلال، وروي عن الحسن
стр. 195
أنه قال في تفسير ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]: «قد علم الله ما به إليهم من حاجة ولكنه أراد أن يستن برسوله من بعده».
وللرسول ﷺ أحاديث أخرى في الحض على الشورى، فيروى عنه أنه قال: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ» وقال: «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» وقال: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلاَّ هُدُوا [لأَرْشَدِ] أَمَرِهِمْ» (**).
وقد تنبه الفقهاء لهذا كله ولم يفتهم ما تحمل هذه النصوص جميعًا من المعاني فقرروا أن الشورى من أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها، ومن عزائم الأحكام التي لا بد من نفاذها، ورتبوا على ذلك أن من ترك الشورى من الأحكام فعزله واجب دون خلاف (١).
نِطَاقُ الشُّورَى:
والشورى وإن كانت من الإيمان فإنها ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بنصوص التشريع الإسلامي وروحه، فما جاء فيه نص فقد قضى فيه النص وخرج من اختصاص البشر فلا يمكن أن يكون محلاً للشورى، إلا أن تكون الشورى مقصودًا منها التنفيذ أي تنفيذ ما جاء به النص ففي هذه الحالة تجوز
стр. 196
الشورى بشرط أن لا يخرج التنفيذ عن معنى النص وروح التشريع.
وأما ما لم يرد فيه نص فكله محل للشورى، وللمسلمين أن ينتهوا منه إلى ما يرون من رأي، فإن رأت جماعتهم رأيًا وجب تنفيذ هذا الرأي بشرط أن لا يخرج الرأي على مبادئ الإسلام العامة وروحه التشريعية.
وإذا كانت النصوص التي وردت في الشورى قد جاءت عامة إلا أنها خصصت بالنصوص التي استأثرت بالحكم في مسائل بعينها، كما أنها خصصت بفعل الرسول ﷺ حيث كان لا يشاور فيما نزل أو ينزل الوحي بحكمه، ولو أن الشورى تجوز في كل شيء لما كان هناك محل لغير النصوص التي وردت في الشورى إذ أن كل ما عداها يكون عبثًا.
ويمكن القول بأن الإسلام قد جاءت نصوصه بالمبادئ الكلية والمناهج العامة ولم يأتنا بالتفصيل والدقائق إلا في حالات قليلة تعتبر بذاتها مبادئ عامة بالنسبة لغيرها أو تطبيقًا للمبادئ والمناهج العامة، وهذا هو الذي يخرج من نطاق الشورى ولا يدخلها إلا بقصد إقامته وتنفيذه، أما ما عداه فكله محل للشورى موضوعًا وتنفيذًا في حدود مبادئ الإسلام العامة وروحه التشريعية.
وإذا كان كل ما قضى فيه الإسلام بحكم خارجًا عن نطاق
стр. 197
الشورى وما عداه داخلاً في نطاقها بشرط أن لا تخرج عن حدود الإسلام، فمعنى ذلك أن الشورى مقيدة بالإسلام تسير في نطاقه، وتماشي مبادئه، وتخدم أهدافه، في كل الظروف والأحوال. والإسلام يعمل على تحقيق المساواة بين البشر وتحرير عقولهم من الجهل، ونفوسهم من الذل، وقواهم من الاستغلال، كما يعمل على إقامة المجتمع على التعاون والتضامن والحب والتراحم والإيثار، وتلك هي بعض الأسس التي يشيد عليها بناء المجتمع الإسلامي، وما هي إلا بعض المبادئ الإنسانية العليا التي تطمح الإنسانية إلى تحقيقها. ويود عقلاء البشر وحكماؤهم أن تتصل حياة الناس بها، وبهذه المبادئ الإنسانية العليا وبمثلها جاءت نصوص الإسلام وعليها أقام حياة الناس وثقافتهم ونشاطهم ومعاملاتهم، كما ربط بها بين نفوسهم وعقولهم وقلوبهم.
وإذا كان الإسلام قد أخرج النصوص التي جاءت بهذا كله وبأمثاله من نطاق الشورى فإنما أخرج من يد البشر ما لا يحسنون القيام به، ولا يستطيعون الإتيان به على وجهه، وحال بينهم وبين أن يتسلطوا على الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، والأجهزة التي توجهه، والقوى التي تبعث فيه الحياة الصالحة، وتنمي في أفراده ومجموعه النزعة إلى الخير والفضيلة وتنتهي بهم جميعًا إلى السعادة المنشودة.
стр. 198
وإذا كان الإسلام قد ترك الكثير للشورى فقد تركه للناس مقيدًا بألا يخرج عن حدود الإسلام، ولا يفسد النظام الاجتماعي الذي أقامه، وما على هذا النظام الاجتماعي من شهوات البشر وأهوائهم إذا جرى كل شيء في المجرى الذي خطه الإسلام، وسار في الطريق المستقيم الذي رسمه، فإن الإسلام قد وضع أمام الشهوات والأهواء من السدود والقيود ما يفل حدها، ويضعف حدتها، ويحطم قوتها إذا تمسك الناس بإسلامهم ولم يفرطوا في أمر دينهم.
القَوَاعِدُ التِي تَقُومُ عَلَيْهَا الشُّورَى:
جاء الإسلام فقرر مبدأ الشورى في قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وفي قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولم يكن تقرير الشورى تمشيًا مع حال الجماعة ولا نتيجة لرقيها وتقدمها، فقد جاء الإسلام والعرب في أدنى دركات الجهل، وفي غاية التأخر والانحطاط.
وإنما قرر الإسلام نظرية الشورى، لأنها قبل كل شيء من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التعديل والتبديل، ولأن تقرير النظرية يؤدي بذاته إلى رفع مستوى الجماعة وحملهم على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها، والنظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدية، والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر، وتوجيههم إلى مراقبة الحكام ومحاسبتهم
стр. 199
والحد من سلطانهم، فنظرية الشورى إذن مقررة لتكميل الشريعة الإسلامية ولتوجيه الجماعة ورفع مستواها.
وظاهر من صيغة النصين المقررين لمبدأ الشورى أنهما عامان مرنان آخر حدود العموم والمرونة، بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلها أو تبديلها في المستقبل، وفي هذا وما سبق بيان لما يجب أن يعرفه كل إنسان من أن الشريعة الإسلامية تتميز بصفتي الكمال والدوام، وأن نصوصها من العموم والمرونة بحيث تستعصي على التبديل والتعديل.
وكما جاءنا الإسلام بالشورى مبدأ عامًا يقوم عليه أمر المسلمين فإنه جاءنا أيضًا بالقواعد الأساسية التي يقوم عليها المبدأ والحدود التي ينطبق فيها، ولم يترك هذه القواعد الأساسية لأولي الأمر والرأي في الأمة، إن كان قد ترك لهم ما عداها من قواعد وعلى الأخص ما يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والجماعات.
والقواعد الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشورى حكمها حكم المبدأ نفسه لا تقبل التبديل ولا التعديل، لأنها أما قواعد يقتضيها النصان المقرران للشورى وأما قواعد جاءت بها نصوص أخرى، والقواعد التي جاء بها الإسلام لا تقبل التبديل ولا التعديل.
والقواعد الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الشورى هي:
أولاً: أن الشورى حق مقرر للحاكمين والمحكومين،
стр. 200
وليس أحد الطرفين أحق به من الآخر، فكما يستطيع الحاكمون أن يبدوا رأيهم في كل أمر من أمور الأمة يستطيع كل فرد من المحكومين أن يبدي رأيه في كل أمر من أمور الأمة.
وحق الحاكمين والمحكومين مستمد من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، فقد وصف الله الأمر بأنه أمرهم جميعًا، وإذا كان الأمر للجميع استوى في استحقاقه والقيام عليه الحاكم والمحكوم، فليس لأحد الفريقين أن يستأثر به أو ينكره على الآخر.
أما تنظيم استعمال هذا الحق فهو أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان والجماعات ولذلك ترك أمره لأولي الأمر والرأي في الجماعة الإسلامية ينظمونه بما يتفق مع ظروفهم وفي حدود استطاعتهم.
ثانيًا: إن عرض كل أمور الأمة على الشورى من واجبات الحكام وليس حقًا لهم قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فالنص يوجب على الحاكم أن يستشير في كل أمر للأمة صغر هذا الأمر أو كبر، فإذا لم يعرض الحاكم الأمر على الأمة فقد أخل بواجبه، وللأمة أن تستعمل حقها في الشورى فتشير بما تراه وتطلب من الحكام أن يضعوا رأيها حيث وضعه الله، ولها أن تطلب من الحكام أن يعرضوا عليها كل أمر لم يعرضوه، وأن يبينوا رأيهم فيه لتستطيع الأمة بعد ذلك أن تبدي رأيها على خير وجه تراه.
стр. 201
ثالثًا: إن الشورى يجب أن تقوم على الإخلاص لله والرغبة فيما عنده والعمل لرفع شأن الإسلام دون نظر إلى [النظرات] الشخصية والمنافع الذاتية والعصبيات القبلية والاقليمية، فلا يقبل الله من الناس إلا ما خلص له وحده وقصد به وجهه ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]. وما يسلك في سلك المؤمنين إلا من اعتصم بالله وأخلص الدين لله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦].
ولا يصح أن تقوم الشورى على كذب أو غش أو خداع أو إكراه أو رشوة فكل ذلك يحرمه الإسلام لذاته، ومن يفعله في الشورى فإنما هو خائن لله ولرسوله وخائن للأمانة التي حمله الله إياها فوق كذبه أو غشه أو ما ارتكب من خداع أو إكراه أو رشوة، ذلك أن الشورى أمانة في عنق صاحبها وَ «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» كما يقول الرسول ﷺ فإن خان أمانته فقد أتى ما حرمه الله عليه وخان الله ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
رابعًا: ليس من الضروري أن يجمع أهل الرأي على رأي واحد وإنما الرأي ما اتفقت عليه أكثرية المسلمين بجماعتهم بدليل حديث حذيفة المشهور الذي أخبر فيه الرسول ﷺ بما يكون
стр. 202
من الفتن في الأمة، قال حذيفة: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا» فالجماعة في هذا الحديث ليست كل المسلمين وإنما هي أكثر المسلمين، وقد اعتبرت على الحق دون غيرها.
وربما صح عقلاً أن يأتي رأي الأكثرين خاطئًا ورأي الأقلين صوابًا ولكن هذا نادر، والنادر لا حكم له، والمفروض شرعًا أن رأي الأكثرين هو الصواب ما دام كلهم يبدي رأيه مجردًا لله وما دامت الآراء جميعًا تناقش دون تعصب لها أو لأصحابها، وأساس ذلك قول الرسول ﷺ «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ»، «يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ»، وفي رواية أخرى: «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لاَ [يَجْمَعَ] أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ فَأَعْطَانِيهَا» (*)، فالله يسدد دائمًا خطأ الجماعة ويوجهها إلى الرأي السديد.
والواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية، ووجوب الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية، وقد سن الرسول ﷺ سنة التزام رأي الأكثرية في خروجه لغزوة أُحُدٍ فقد استشار المسلمين أيخرج إلى كفار قريش الذين نزلوا قريبًا من جبل أحد أم يمكث في المدينة، وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلها الكفار قاتلهم الرجال على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عَبْدِ اللهِ
стр. 203
ابْنَ أُبَيٍّ وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك، فكان الرسول أول من التزم رأي الأكثرية وأول من تجهز للخروج إلى أُحُدٍ.
خامسًا: أن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأكثرية، وأن تنفذه بإخلاص باعتباره الرأي الذي يجب اتباعه ولا يصح اتباع غيره وأن تدافع عنه كلما دافعت عنه الأغلبية، وليس للأقلية أن تناقش من جديد رأيًا اجتاز دور المناقشة أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ، وتلك هي سنة الرسول ﷺ التي سنها للناس، والتي يجب على كل مسلم اتباعها طبقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولقد استن الرسول ﷺ هذه السنة بعد أن استشار أصحابه ورأى أكثرهم للخروج لأُحُدٍ، فكان الرسول أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ إذ نهض من المجلس فدخل بيته ولبس لأْمَتَهُ وخرج ليقود الأقلية والأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث أنه كان الرأي الأحق بالاتباع.
وعمل أصحاب الرسول بهذه السنة بعد وفاته في حروب
стр. 204
الردة، فقد كان رأي الأكثرية أول الأمر مُتَّجِهًا إلى عدم محاربة المرتدين ومسالمتهم، وكان رأي الأقلية وعلى رأسهم أبوبكر مُتَّجِهًا إلى محاربة المرتدين وعدم التسامح معهم، وانتهت المناقشة بجنوح الأكثرين إلى رأي أبي بكر بعد اقتناعهم به، فلما وضع هذا الرأي موضع التنفيذ كان المخالفون في الرأي هم أول المنفذين له والمضحين في سبيل تنفيذه بأموالهم وأنفسهم.
هذه هي القواعد الأساسية التي تقوم عليها الشورى في الإسلام، وهي في الواقع تكمل مبدأ الشورى وتعتبر جزءًا منه.
فِي الشُّورَى صَلاَحُ العَالَمِ:
والشورى كما جاء بها الإسلام فيها صلاح العالم وعلاجه من أمراضه الاجتماعية وفيها بيان لمواطن النقص في النظم الديموقراطية والديكتاتورية.
فالبلاد التي تطبق النظم الديموقراطية فشلت فشلاً ذريعًا في تطبيق مبدأ الشورى لسببين أولهما أنهم يؤثرون المنافع الشخصية والعصبيات الحزبية على المصالح العامة، وثانيهما أنهم يسمحون للأقلية أن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة، وأن تشكك في قيمته وصلاحيته أثناء
стр. 205
تنفيذه، بل إن الرأي يظل موضع الانتقاد والسخرية حتى بعد تمام تنفيذه.
ولما كانت القاعدة أن فريق الأغلبية هو الذي يتولى الحكم، فإن آراء هذا الفريق وأعماله لا تقابل بما يجب لها من الاحترام، بل تكون دائمًا محل تشكيك وسخرية، ويطعن عليها بتفاهتها، وعدم صلاحيتها، بل قد يحدث أن تمتنع الأقلية عن تنفيذ القوانين التي تسنها الغالبية حسدًا لمكانتها وتعجيلاً لنهايتها، وتظل الحال على ذلك حتى ينقلب الوضع فيصبح فريق الحاكمين أقلية فيترك الحكم ليتولاه فريق الأكثرية التي تقابل آراؤه وأعماله بمثل ما قوبل به فريق الأكثرية السابق، وهكذا لا يتولى الحكم فريق إلا كانت آراؤه وأعماله محل النقد والتشكيك والسخرية.
وقد يكون النقد سبيلاً من سبل الإصلاح إذا أبدى الناقد رأيه وقت المناقشة متجردًا عن الهوى، أو نقد آراء لم تناقش من قبل، أما نقد الآراء التي نوقشت والتشكيك فيها بعد أن وضعت موضع التنفيذ فذلك هو الفساد عينه.
إن نقد الآراء بعد مناقشتها وبعد وضعها موضع التنفيذ يتناقض مع الأساس الذي تقوم عليه الشورى، فأساس الشورى هو أن يحكم الشعب طبقًا لما رأته الأغلبية المتجردة عن الهوى، ومعنى ذلك أن الأغلبية إذا اجتمعت على رأي كان رأيها قانونًا أو حكمًا تجب له الطاعة والاحترام.
стр. 206
ولقد أدى موقف الأقلية من الأغلبية إلى نتيجته الطبيعية، فظهر أولو الأمر وأولو الرأي في البلاد الديموقراطية بمظهر العاجز الذي لا يحسن التصرف، وفقد الأفراد ثقتهم في الزعماء والأحزاب، وأصبحوا يتشككون في قدرتهم على حكم الشعب وإدارة أموره، وحق لهم أن يفقدوا ثقتهم فيمن تصدوا لقيادتهم فلم يسمعوا عنهم في يوم ما أنهم ارتأوا رأيًا فكان موضع التقدير، أو جاءوا بفكرة لم تكن موضع السخرية أو قاموا بعمل لم يكن موضع النقد والتشكيك.
وإذا كان فشل البلاد الديموقراطية في تطبيق مبدأ الشورى قد أدى إلى انعدام الثقة فيمن يتصدون لقيادة الشعب، إلا أن تفشي هذا الفشل في كل البلاد الديموقراطية جعل الناس يعتقدون أن مبدأ الشورى نفسه غير صالح للتطبيق، فانتقل الشك وعدم الثقة من القائمين على تطبيق المبدأ إلى ذات المبدأ، واعتنق كثير من البلاد الديموقراطية مبدأ الديكتاتورية وهم يظنون أنهم سيجدون فيه علاجًا لحالة الشك وعدم الثقة التي تعيش فيها الشعوب.
ولكن التجارب الحديثة أثبتت أن الديكتاتورية تنتهي بفشل أفظع من فشل الديموقراطية، لأن من طبيعتها أن تكم الأفواه وتعطل حرية الرأي وحرية الاختيار، كما أنها تؤدي إلى انعدام الثقة بين الشعوب والحكام وتوريط الشعوب والحكومات فيما لا تريده أو فيما لا يعود عليها إلا بالضرر.
стр. 207
وإذا كانت الديكتاتورية تبدأ غالبًا بالنجاح إذا استبدلت بالديموقراطية الفاشلة، فإن النجاح لا يرجع إلى النظام ذاته، وإنما يرجع كما أثبتت التجارب إلى ثقة المحكومين بأشخاص الحكام وتعضيدهم إياهم، وإلى حرص الحكام على صالح الجماعة، فإذا ما تغير الحكام الموثوق بهم أو فشلوا في القيام بمهمتهم انعدمت الثقة بين الحكام والمحكومين، وابتدأ الفساد يدب في النظام الديكتاتوري، وكان ذلك إيذانًا بتغيير نظام الحكم، وإن كان التغيير في ذاته يتوقف على عوامل مختلفة أظهرها ضعف الحاكمين، وشجاعة وقوة المحكومين.
ونستطيع أن نقول بحق إن النظام الإسلامي هو أصلح نظام يرضي أصحاب الميول الحرة، وهو في الوقت ذاته يعتبر صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية، إذ أن النظام الإسلامي يحفظ للشورى قيمتها النظرية ويحقق صلاحيتها العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين على أمرها، ويسد الطريق على الاستبداد والاستعلاء والفساد.
ونستطيع أن نقول أيضًا إن النظام الديموقراطي يقوم في أصله على الشورى والتعاون، ولكنه ينتهي بعدم التجرد وبسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين وانعدام التعاون بينهما، وأن النظام الديكتاتوري يقوم في أصله على السمع والطاعة والثقة بين الحاكمين والمحكومين، ولكنه ينتهي بعدم
стр. 208
التجرد وبسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين وانعدام الثقة بينهما.
أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون والتجرد في مرحلة الاستشارة، وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ، ولا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق، وبهذا جمع النظام الإسلامي بين ما ينسب إلى الديموقراطية من فضائل، وما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا ومحاسن، ثم هو في الوقت نفسه بريء من العيوب التي تنسب للديموقراطية والديكتاتورية مَعًا.
أَهْلُ الشُّورَى:
هم أهل الحل والعقد وَذَوُو الرَّأْيِ في الأمة الإسلامية، وعدد هؤلاء محدود بالنسبة لعدد الأمة بطبيعة الحال، فلا يمكن أن يكون أهل الشورى هم كل الأمة لأن الاستشارة لا توجه إلا إلى كل شخص ناضج يستطيع أن يعطي رأيًا صحيحًا، ولأن المشورة لا يعتد بها إلا إذا جاءت من ذوي الرأي الناضج وذوي الخبرة بالأمور التي تعرض للشورى.
وإذا كان منطق الحال يقتضي أن يكون أهل الشورى محدودين فإن منطق الإسلام يقتضي أن يكون جميع أهل الشورى أو أكثرهم ممن لهم إلمام تام بالشريعة الإسلامية إذ الشورى مقيدة بألا تخرج على نصوص الشريعة الإسلامية ولا روحها التشريعية.
стр. 209
ولما كانت الحياة قد تعقدت وكان للمسائل غير وجهها التشريعي وجوهًا أخرى فنية فقد وجب أن يكون أهل الشورى الملمين بالشريعة الإسلامية وبالعلوم والفنون والصناعات وغيرها مِمَّا يتعلق بمصالح الأمة، وليس ثمة ما يمنع أن يقوم اختيار أهل الشورى على التخصص بشرط أن لا يكون لغير الملمين بالشريعة رأي فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، أو بشرط أن تكون هناك هيئة خاصة لترد كل ما يخرج على حدود الشريعة أو روحها إلى موضعه الصحيح داخل نطاق الشريعة، ويستوي أن تكون هذه الهيئة لجنة خاصة من أهل الشورى أنفسهم أو هيئة أخرى قضائية كمحكمة مثلاً، وكل ذلك متروك لأولي الأمر وأولي الرأي في الأمة ينظمونه على حسب الظروف والأحوال وبالطريقة التي تحفظ مصالح الأمة.
ولم تحدد الشريعة الإسلامية عدد أهل الشورى ولا طريقة اختيارهم، وإنما يرجع ذلك إلى ظروف الزمان والمكان، وقديمًا كان أهل الشورى هم المقيمين بالمدينة من المهاجرين والأنصار وأشراف الناس، ثم أضيف إليهم الحكام ورؤساء الجيوش في مختلف البلاد الإسلامية، ثم تطور الأمر فأصبح أهل الشورى هم أصحاب الرسول وذوي النفوذ والمكانة في كل قطر وأمراء السرايا والجيوش والحكام الإداريين في كل البلاد الإسلامية.
ويلاحظ أن السوابق الإسلامية جرت على اعتبار الحكام ورؤساء الأجناد بصفة عامة من أهل الشورى، ولكن السوابق
стр. 210
ليس لها قوة تشريعية ما لم تكن إجماعًا. فإن لم تكن كذلك كان العمل بها أو إهمالها متعلقًا بالمصلحة العامة.
الشُّرُوطُ الوَاجِبَةُ فِي أَهْلِ الشُّورَى:
وليكون الشخص من أهل الشورى يجب أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
١ - العدالة: يشترط فيمن يصلح للشورى أن يكون عدلاً، والعدالة هي التحلي بالفرائض والفضائل والتخلي عن المعاصي والرذائل، وعما يخل بالمروءة أيضًا، ويرى بعض الفقهاء أن تكون العدالة ملكة لا تكلفًا، وهو رأي لا محل له لأن التكلف اذا التزم صار خلقا.
٢ - العلم: يشترط أن يتوفر العلم في أهل الشورى، والعلم المقصود هو العلم بمعناه الواسع فيدخل فيه علم الدين وعلم السياسة وغيرهما من العلوم، ولا يشترط أن يكون العالم منهم مُلِمًّا بكل أنواع العلوم بل يكفي أن يكون مُلِمًّا بفرع من العلوم كالهندسة أو الطب أو غير ذلك، وليس من الضروري أن يكون العلماء جميعًا مجتهدين فيكفي أن يتوفر الاجتهاد في مجموعتهم لا في كل فرد منهم.
وإذا توفر في جماعتهم العلم جاز أن يكون فيهم غير عالم، ولا بأس أن يكون ذا ثقافة تؤهله لأن يدرك ما يعرض عليه إدراكًا يمكنه من الحكم عليه وإبداء الرأي فيه.
стр. 211
٣ - الرأي والحكمة: ويشترط فيمن يصلح للشورى أن يكون ممن عرف بجودة الرأي والحكمة، ولا يشترط فيه أن يكون من ذوي العصبية، لأن أساس الشورى هو الرأي الصحيح الحكيم المتفق مع الشرع المجرد من الهوى والعصبية (١).
سُلْطَانُ الأُمَّةِ:
قلنا فيما سبق أن الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها، وأنها فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، وإذا كانت الشورى فريضة قد وجب أن يكون لأهل الشورى السمع والطاعة على كل أفراد الأمة من حاكمين ومحكومين، وهذا السلطان الذي تعطيه الشورى لأهل الشورى ليس سلطانهم وحدهم وإنما هو سلطان الأمة كلها، إذ أن أهل الشورى ليسوا في الواقع إلا نواب الأمة وأصحاب الرأي والنفوذ فيها اختيروا ليمثلوا الأمة في إبداء رأيها في أمورها التي جعلها الله شورى بين المسلمين جميعًا.
وإذا كان الحكام كما رأينا ملزمين بتنفيذ ما تفضي إليه الشورى وبإقامته على الوجه الذي ارتضاه ممثلو الأمة، فالحكام يكونون من هذه الوجهة خدامًا للأمة ومنفذين لإرادتها وتكون الأمة هي مصدر سلطانهم فيما يفعلون وما يدعون تنفيذًا لما أفضت إليه الشورى.
стр. 212
ويستدل البعض على سلطان الأمة بأن الله أمر بطاعة أولي الأمر ولا يطاع الواحد منهم إلا بتأييد جماعة المسلمين له، فهم الذين اختاروه وبايعوه وطاعته تابعة لطاعتهم واجتماع كلمتهم كما ورد في الأحاديث الصحيحة الخاصة بالتزام الجماعة كحديث: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا [يَكْرَهُهُ] فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وحديث حذيفة بن اليمان الذي قال فيه الرسول: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قال حذيفة: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا». فهذان الحديثان يدلان على انعدام السلطة بانعدام الجماعة، ووجودها بوجود الجماعة وإذا كانت السلطة لا توجد إلا بوجود الجماعة، فالجماعة هي مصدر السلطان، ويمثلها أولو الأمر من المسلمين وأهل الحل والعقد والرأي والمطاع (١).
ويدللون أيضًا على سلطان الأمة بما روي عن الرسول ﷺ من قوله: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ» وفي رواية أخرى: «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لاَ [يَجْمَعَ] أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ فَأَعْطَانِيهَا» (*). ومقتضى الحديث أن الاجتماع على رأي يجعله ملزمًا، وإذا كان الرأي ملزمًا فصاحبه ذو سلطان.
ويدللون كذلك على سلطان الأمة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 213
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ويفسرون أولي الأمر بأنهم أهل الحل والعقد من المسلمين، ويدخل فيهم الأمراء والحكام والعلماء والرؤساء عامة ورؤساء الجند خاصة والزعماء الذين يرجع إليهم في الحاجات والمصالح العامة، ويقولون: إن هؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة التي لأولي الأمر سلطة فيها ووقوف عليها. أما ما يؤخذ عن الله ورسوله فقط فليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه أو تنفيذه.
ويدللون على صحة تفسير أولي الأمر الواردة في الآية الأولى بالمعنى السالف بما تدل عليه عبارة أولي الأمر في الآية الثانية.
وإذا كان لأولي الأمر على هذا المعنى سلطان واجب النفاذ وهو ممثلو الأمة فالسلطان لمن يمثلون وهي الأمة، وما جاءهم السلطان إلا عن طريقها بصفتهم نوابًا عنها وممثلين لها (١).
стр. 214
اخْتِيَارُ الخَلِيفَةِ أَوْ الإِمَامِ:
كَيْفِيَّةُ الاِخْتِيَارِ:
اختيار رئيس الدولة الإسلامية من أمور الأمة التي جعلها الله شورى بين المسلمين إن لم يكن من أهم أمورها، فللأمة أن تختار رئيسًا للدولة كلما خلا منصب الرئاسة بموت أو عزل أو استقالة، ولا يجوز أن يفتات عليها في ذلك بأي وجه من الوجوه وألا تعطل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
ولم تأت الشريعة الإسلامية بنصوص خاصة بتنظيم الاختيار وبكيفيته، لأن الأمر في هذه المسألة يختلف باختلاف ظروف الأحوال من الزمان والمكان، وقدرة الأشخاص على الانتقال والاتصال، ومن ثم كان للمسلمين أن ينظموا أمر الاختيار بما يلائم ظروفهم، وبما يتفق مع التطورات التي تطرأ حينئذ على وسائل الانتقال والاتصال.
стр. 215
وفي أول عهد الإسلام كان يكتفي بأخذ رأي أهل الشورى المقيمين بعاصمة الخلافة لوجود أغلب صحابة الرسول ﷺ بالمدينة ولوجود المرشحين للخلافة بها أيضًا، ثم تطور الأمر بعد تفرق الصحابة في الأمصار، فكان يؤخذ أولاً رأي المقيمين بعاصمة الخلافة، لا لتميزهم على غيرهم وإنما لسبق علمهم بخلو منصب الخلافة، ولا مكان أخذ رأيهم قبل غيرهم، فإذا اختاروا خليفة أخذت البيعة له ممن في بقية الأمصار، وكان المقيمون في الأمصار يتابعون أهل العاصمة، وهكذا كان الاختيار عُرْفًا لاَ شَرْعًا للمقيمين في العاصمة، وكان المقيمون في غيرها متابعين في الواقع لا مختارين، وكانت العلة في حرمان أهل الأمصار من الاختيار الصحيح صعوبة جمع أهل الشورى في مكان واحد واستحالة معرفة رأيهم في وقت واحد مع بقاء كل منهم في مكانه. أما اليوم وقد وجدت السكك الحديدية والسيارات والطائرات والسفن البخارية والتلغرافات واللاسلكي، فمن الممكن أن يختار أهل الشورى اختيارًا صحيحًا، وأن يعرف رأيهم في كل مصر وكل قطر في الوقت نفسه الذي يعرف فيه رأي المقيمين بعاصمة الخلافة.
وإذا رجعنا إلى السوابق التاريخية وجدنا أن اختيار أبي بكر تم في اجتماع السقيفة أولاً ثم كانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي، ولم يتخلف عنها أحد من أصحاب الرأي من الأنصار والمهاجرين إلا أشخاص لا يبلغ عددهم عدد