← Сияса и кади

Сияса и кади · id 96559

الإسلام وأوضاعنا السياسية

عبد القادر عودة

Полный текст (309 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٣ - الرأي والحكمة: ويشترط فيمن يصلح للشورى أن يكون ممن عرف بجودة الرأي والحكمة، ولا يشترط فيه أن يكون من ذوي العصبية، لأن أساس الشورى هو الرأي الصحيح الحكيم المتفق مع الشرع المجرد من الهوى والعصبية (١). سُلْطَانُ الأُمَّةِ: قلنا فيما سبق أن الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها، وأنها فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، وإذا كانت الشورى فريضة قد وجب أن يكون لأهل الشورى السمع والطاعة على كل أفراد الأمة من حاكمين ومحكومين، وهذا السلطان الذي تعطيه الشورى لأهل الشورى ليس سلطانهم وحدهم وإنما هو سلطان الأمة كلها، إذ أن أهل الشورى ليسوا في الواقع إلا نواب الأمة وأصحاب الرأي والنفوذ فيها اختيروا ليمثلوا الأمة في إبداء رأيها في أمورها التي جعلها الله شورى بين المسلمين جميعًا. وإذا كان الحكام كما رأينا ملزمين بتنفيذ ما تفضي إليه الشورى وبإقامته على الوجه الذي ارتضاه ممثلو الأمة، فالحكام يكونون من هذه الوجهة خدامًا للأمة ومنفذين لإرادتها وتكون الأمة هي مصدر سلطانهم فيما يفعلون وما يدعون تنفيذًا لما أفضت إليه الشورى.

стр. 212

ويستدل البعض على سلطان الأمة بأن الله أمر بطاعة أولي الأمر ولا يطاع الواحد منهم إلا بتأييد جماعة المسلمين له، فهم الذين اختاروه وبايعوه وطاعته تابعة لطاعتهم واجتماع كلمتهم كما ورد في الأحاديث الصحيحة الخاصة بالتزام الجماعة كحديث: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا [يَكْرَهُهُ] فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وحديث حذيفة بن اليمان الذي قال فيه الرسول: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قال حذيفة: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا». فهذان الحديثان يدلان على انعدام السلطة بانعدام الجماعة، ووجودها بوجود الجماعة وإذا كانت السلطة لا توجد إلا بوجود الجماعة، فالجماعة هي مصدر السلطان، ويمثلها أولو الأمر من المسلمين وأهل الحل والعقد والرأي والمطاع (١). ويدللون أيضًا على سلطان الأمة بما روي عن الرسول ﷺ من قوله: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ» وفي رواية أخرى: «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لاَ [يَجْمَعَ] أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ فَأَعْطَانِيهَا» (*). ومقتضى الحديث أن الاجتماع على رأي يجعله ملزمًا، وإذا كان الرأي ملزمًا فصاحبه ذو سلطان. ويدللون كذلك على سلطان الأمة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 213

وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ويفسرون أولي الأمر بأنهم أهل الحل والعقد من المسلمين، ويدخل فيهم الأمراء والحكام والعلماء والرؤساء عامة ورؤساء الجند خاصة والزعماء الذين يرجع إليهم في الحاجات والمصالح العامة، ويقولون: إن هؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة التي لأولي الأمر سلطة فيها ووقوف عليها. أما ما يؤخذ عن الله ورسوله فقط فليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه أو تنفيذه. ويدللون على صحة تفسير أولي الأمر الواردة في الآية الأولى بالمعنى السالف بما تدل عليه عبارة أولي الأمر في الآية الثانية. وإذا كان لأولي الأمر على هذا المعنى سلطان واجب النفاذ وهو ممثلو الأمة فالسلطان لمن يمثلون وهي الأمة، وما جاءهم السلطان إلا عن طريقها بصفتهم نوابًا عنها وممثلين لها (١).

стр. 214

اخْتِيَارُ الخَلِيفَةِ أَوْ الإِمَامِ: كَيْفِيَّةُ الاِخْتِيَارِ: اختيار رئيس الدولة الإسلامية من أمور الأمة التي جعلها الله شورى بين المسلمين إن لم يكن من أهم أمورها، فللأمة أن تختار رئيسًا للدولة كلما خلا منصب الرئاسة بموت أو عزل أو استقالة، ولا يجوز أن يفتات عليها في ذلك بأي وجه من الوجوه وألا تعطل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ولم تأت الشريعة الإسلامية بنصوص خاصة بتنظيم الاختيار وبكيفيته، لأن الأمر في هذه المسألة يختلف باختلاف ظروف الأحوال من الزمان والمكان، وقدرة الأشخاص على الانتقال والاتصال، ومن ثم كان للمسلمين أن ينظموا أمر الاختيار بما يلائم ظروفهم، وبما يتفق مع التطورات التي تطرأ حينئذ على وسائل الانتقال والاتصال.

стр. 215

وفي أول عهد الإسلام كان يكتفي بأخذ رأي أهل الشورى المقيمين بعاصمة الخلافة لوجود أغلب صحابة الرسول ﷺ بالمدينة ولوجود المرشحين للخلافة بها أيضًا، ثم تطور الأمر بعد تفرق الصحابة في الأمصار، فكان يؤخذ أولاً رأي المقيمين بعاصمة الخلافة، لا لتميزهم على غيرهم وإنما لسبق علمهم بخلو منصب الخلافة، ولا مكان أخذ رأيهم قبل غيرهم، فإذا اختاروا خليفة أخذت البيعة له ممن في بقية الأمصار، وكان المقيمون في الأمصار يتابعون أهل العاصمة، وهكذا كان الاختيار عُرْفًا لاَ شَرْعًا للمقيمين في العاصمة، وكان المقيمون في غيرها متابعين في الواقع لا مختارين، وكانت العلة في حرمان أهل الأمصار من الاختيار الصحيح صعوبة جمع أهل الشورى في مكان واحد واستحالة معرفة رأيهم في وقت واحد مع بقاء كل منهم في مكانه. أما اليوم وقد وجدت السكك الحديدية والسيارات والطائرات والسفن البخارية والتلغرافات واللاسلكي، فمن الممكن أن يختار أهل الشورى اختيارًا صحيحًا، وأن يعرف رأيهم في كل مصر وكل قطر في الوقت نفسه الذي يعرف فيه رأي المقيمين بعاصمة الخلافة. وإذا رجعنا إلى السوابق التاريخية وجدنا أن اختيار أبي بكر تم في اجتماع السقيفة أولاً ثم كانت البيعة العامة في المسجد في اليوم التالي، ولم يتخلف عنها أحد من أصحاب الرأي من الأنصار والمهاجرين إلا أشخاص لا يبلغ عددهم عدد

стр. 216

أصابع اليد الواحدة، وبويع عمر بناء على ترشيح أبي بكر له وما تخلف عن مبايعته أحد من أهل الرأي أنصارًا أو مهاجرين ممن قرئ عليهم خطاب أبي بكر في المسجد أو ممن لم يشهدوا اجتماع المسجد، وبويع عثمان في المسجد لم يتخلف عن مبايعته أحد من أهل الرأي المقيمين في المدينة بعد أن قبل ما لم يقبله علي بن أبي طالب من اقتراح عبد الرحمن بن عوف، وبويع علي بن أبي طالب من أكثر أهل الرأي في المدينة ولم يتخلف عن بيعته إلا بضعة أشخاص (١). ومع أن الفقهاء متفقون على أن اختيار الإمام لا يكون إلا عن طريق أهل الشورى، وأن بيعته لا تتم إلا إذا تم الاختيار على هذا الوجه، إلا أن الفقهاء قد اختلفوا في دلالة السوابق التاريخية التي ذكرناها كما اختلفوا في النتائج المترتبة عليها. فمنهم من رأى - وهؤلاء هم أصحاب الرأي الصحيح - أن الإمامة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد في كل بلد ولم يشأ أن يجعل لهذه السوابق أثرًا ما على القاعدة العامة المتفق عليها. ومنهم من تجاهل القاعدة ورأى أن يتخذ من هذه السوابق أحكامًا يسار عليها في اختيار الإمام، وهؤلاء اختلفوا بدورهم فمنهم من رأى الاكتفاء باختيار الحاضرين من أهل الشورى في عاصمة الخلافة دون انتظار لغائب ودون اهتمام برأي

стр. 217

المقيمين في الأمصار، وأصحاب هذا الرأي متأثرون بصعوبة الانتقال ولا يريدون التعلق بما يشق على الناس أو بما ليس في الإمكان. ومنهم من قال يكتفي باختيار خمسة يجتمعون على عقد البيعة لشخص معين أو يعقدها أحدهم برضا الآخرين، وأصحاب الرأي يستدلون على صحة رأيهم بأن بيعة أبي بكر تمت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسعد بن خضير وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة، كما يستدلون بأن عمر جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضى الخمسة، وأصحاب هذا الرأي مخطئون في استدلالهم، فما اجتمع الخمسة الذين ذكروا على بيعة أبي بكر ولا اتفقوا عليها، وإنما كانوا أول من بايع أبا بكر، ولو انعقدت البيعة باختيارهم لما كان هناك ضرورة لمبايعة غيرهم وللبيعة العامة التي تمت في المسجد في اليوم التالي، كذلك فإن اختيار عمر للستة لم يكن إلا ترشيحًا ولم تنعقد البيعة إلا باختيار جمهور أهل الشورى الذين حضروا في المسجد وبايعوا عثمان على ما بَيَّنَّا من قبل. وقال البعض تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين لأن البيعة عقد فتصح بعاقد وشاهدين كعقد النكاح يصح بولي

стр. 218

وشاهدين، وقال آخرون تنعقد بواحد لأن الأمر فيها لا يحتاج لشهود (١). وكل هذه الآراء لا تتفق مع قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، فلا يكون الأمر شورى إذا اكتفى برأي واحد أو اثنين أو خمسة، وإنما يجب أن يقوم على رأي كل من يستطاع أخذ رأيه، ولعل أقرب هذه الآراء جميعًا للصحة هو الرأي الذي كان يرى الاكتفاء برأي أهل الشورى في عاصمة الخلافة لصعوبة الحصول في الوقت المناسب على رأي الآخرين، ولكن ظروف العصر لا تجعل لهذا الرأي محلاً اليوم، فلا بد إذن أن يقوم الاختيار على رأي أهل الشورى في جميع البلاد الإسلامية ما دام في الاستطاعة أن يُبْدُوا رأيهم جميعًا في وقت مناسب، فإذا اجتمعوا جميعًا أو أكثرهم على اختيار شخص انعقدت له الإمامة باختيار الجميع أو كثرتهم. وَحْدَةُ الإِمَامَةِ: المقصود بوحدة الإمامة أنه لا يختار لرئاسة الدولة الإسلامية إلا شخص واحد وأنه لا يجوز أن يكون للمسلمين إلا دولة واحدة، وذلك أن الله - جَلَّ شَأْنُهُ - جعل المسلمين أمة موحدة

стр. 219

وما يكون للأمة الموحدة إلا رئيس واحد ودولة واحدة: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. والله يوجب على المسلمين أن يتحدوا ويلتفوا حول راية القرآن ويحرم عليهم التفرق والاختلاف، ولا يتم اتحادهم ويمتنع تفرقهم واختلافهم إلا إذا كانوا أمة موحدة تكون دولة واحدة لها رئيس واحد ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وما يصدق على المسلمين أنهم معتصمون بحبل الله غير متفرقين ولا مختلفين إذا كانوا شعوبًا متفرقة ودولاً متعددة. ولقد أكد الرسول ﷺ هذه المعاني في قوله: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» فالرسول يرى أن يكون للمسلمين جميعًا خليفة واحد وإذا بويع لاثنين قتل الآخر منهما حفظًا لوحدة الأمة، وهذا إذا لم ينزل هو عن التمسك ببيعته. وفي مثل هذا المعنى قوله: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ [جَمِيعٌ] عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ» (*) وقوله: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ [جَمِيعٌ]، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»،. فهذه الأحاديث قاطعة في أن الأمة الإسلامية أمة موحدة تكون دولة واحدة لها رئيس واحد ولا يجوز للأمة بأي حال أن تتفرق وتتوزعها الحكومات والأئمة.

стр. 220

وليس ثمة ما يمنع أن يتعدد المرشحون للخلافة، ولكن لا يصح أن يختار منهم جميعًا إلا واحدًا، وأهل الشورى مقيدون باختيارهم بأن يختاروا واحدًا توفرت فيه شروط الخلافة فإن توفرت الشروط في أكثر من واحد قدم أهل الشورى أكثرهم فضلاً وأكملهم شروطًا، وليس لهم أن يختاروا من أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلى اختياره قبل أن يعرضوا الأمر عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وإن امتنع عن الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها وعدل إلى سواء ممن تتوفر فيه شروطها. وإذا تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم أسنهما وإن لم يكن ذلك شرطًا، فإن بويع أصغرهما جاز، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما توجبه الظروف، فإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى كان الأعلم أحق. وإذا تعين لأهل الشورى واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة ثم وجد بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه. أما إذا ابتدأوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل فإن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبًا أو مريضًا أو كون المفضول أطوع الناس وأقرب إلى القلوب انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته، فإن بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته وصحة إمامته فذهبت طائفة إلى أن بيعته لا تنعقد

стр. 221

لأن الاختيار إذا دعا إلى أولي الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مِمَّا ليس بأولى، وقال أكثر الفقهاء تجوز الإمامة وتصح البيعة ولا يكون وجود الأفضل مانعًا من إمامة المفضول إذا لم يكن مُقَصِّرًا عن شروط الإمامة لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط استحقاق الإمامة. ولا يجوز أن تعقد الإمامة لشخصين، فإن حدث ذلك في عقد واحد فالعقد باطل لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه،، وإذا بطل العقد تعين أن يستأنف الاختيار، وكان على أهل الشورى أن يختاروا من جديد أحدهما أو شخصًا غيرهما. وإذا عقدت الإمامة لشخصين في وقت واحد وكان العقد لكل منهما على انفراد، فالإمام في رأي الغزالي من انعقدت له البيعة من الأكثرين أي من اختاره أكثر أهل الشورى، أما جمهور الفقهاء فيرون أن الإمام هو من سبقت له البيعة سواء اختاره الكثيرون أو القليلون، فإن جهل السابق بطل العقدان واستؤنف الاختيار على رأي، أو أقرع على رأي آخر. وَرَأْيُ حجة الإسلام الغزالي يتفق مع أوضاعنا العصرية. فيما تجري عليه من انعقاد النيابة لأعضاء مجالس الشورى بأكثر الأصوات، وفيما تأخذ به الدول الجمهورية من اختيار من نال أكثر أصوات الناخبين رئيسًا لها. أما رأي القائلين بالأسبقية فهو رأي لا يقوم على سند

стр. 222

صحيح من المنطق أو الفقه إذ أن اختيار الإمام إنما هو من الأمة التي ينوب عنها أهل الشورى ولا يمكن عقلاً أو منطقًا أن يقال أهل الشورى اختاروا إذا اختار أحدهم أو بعضهم، وإنما يصح أن يقال إنهم اختاروا إذا اختار كلهم أو أكثرهم شخصًا بعينه، ولما كان إجماعهم غير متيسر وجب أن يختار أكثرهم أو يرضى بمن اختير، والبيعة ليست إلا مظهر الاختيار فيجب أن يبايع الأكثرون لتنعقد الإمامة، فمن لم يبايعه إلا القلة لم تنعقد إمامته خصوصًا إذا لم ترض الكثرة ببيعته أو بايعت غيره. ويلاحظ أن الذين أجازوا وجود إمامين في وقت واحد إنما أجازوا ذلك للضرورة، وبعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه واستقلال بعض ذوي العصبية ببعض الأقطار والتفرد بحكمها لا لمصلحة الإسلام وإنما لاستغلال هذه الأقطار والاستعلاء على سكانها (١). فالذين أجازوا تعدد الإمامة لم يجيزوا ذلك لأن الإسلام يجيزه، وإنما أجازوه للضرورة وهم يسلمون بوجوب الوحدة والاتحاد. وإذا قامت هذه الضرورة قديمًا على بعد المسافات وتعذر المواصلات وصعوبة تنفيذ الأحكام ومباشرة السلطان

стр. 223

(*) فانها قد سقطت اليوم، ولم يعد ثمة مبرر لتفرق المسلمين وتمزيق وحدتهم بعد أن قربت المسافات وسهلت المواصلات وتطورت الأفكار وأصبح الضعفاء في هذه الدنيا مطمعًا للأقوياء وهدفًا للاستغلال والاستذلال، وبعد أن علم الناس كافة أن القوة والكرامة والسعادة والسيادة إنما هي في الوحدة والاتحاد، وأن الأمر للأمم والشعوب وليس للحكام والأفراد، وبعد أن بلغت الأمم من الرشد ما هيأ لها أن تتخلص من استبداد الأفراد واستغلال الأسر وذوي العصبيات. وإذا كانت الأمم الأوروبية تحاول أن تحمي نفسها من الضعف بتكوين دولة موحدة منها على ما بينها من ترات وأحقاد، وعلى ما بينها من اختلاف في اللغات والآداب والمذاهب الدينية والاجتماعية، فأولى بالشعوب الإسلامية أن تكون دولة موحدة أو واحدة، وَحَّدَهَا الدِّينُ والتاريخ والثقافة، وألف بين قلوب أبنائها الإسلام. وإذا كانت الأمم الأوروبية تستجيب فيما تحاول لمصلحتها فإن الأمم الإسلامية حينما تكون دولة واحدة إنما تستجيب للمصلحة وتلبي أوامر الدين، وتنشد القوة والعزة والكرامة، وتتخلص من الاستذلال والاستغلال، وتحمي نفسها من الاستبداد والاستعلاء، وتمهد طريق العودة إلى قيادة العالم وتوجيهه إلى الخير والسعادة.

стр. 224

المُبَايَعَةُ: قلنا فيما سبق أن الإمامة أو الخلافة ليست عقدًا طرفاه الخليفة من ناحية وأولو الرأي في الأمة من الناحية الأخرى، ولا ينعقد العقد إلا بإيجاب وقبول: الإيجاب من أولي الرأي في الأمة أو أهل الشورى وهو عبارة عن اختيار الخليفة، والقبول من جانب الخليفة الذي اختاره أولو الرأي في الأمة. ونستطيع هنا أن نقول أن الإمامة تمر في ثلاث مراحل: أولها: مرحلة الترشيح للامامة، فيرشح الإمام السابق، أو أحد أهل الرأي الإمام اللاحق. ومن الأمثلة على ذلك ترشيح أبي بكر لعمر أو أبي عبيدة في اجتماع السقيفة وترشيح عمر لأبي بكر بعد أن رفض عمر وأبوعبيدة ترشيح أبي بكر لهما، وكذلك ترشيح أبي بكر لعمر عندما حضرته الوفاة وترشيح عمر للستة بعد أن طعن. ثانيهما: مرحلة الاختيار أو قبول الترشيح، وفي هذه المرلحة يختار أهل الشورى واحدًا من المرشحين إذا تعدد المرشحون، أو يوافقون على اختيار المرشح إذا كان واحدًا. ومن الأمثلة على ذلك موافقة الناس على ترشيح أبي بكر لما قرئ عليهم خطاب أبي بكر، واختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان بن عفان ومتابعة الناس له في هذا الاختيار. ثالثها: مرحلة البيعة، وهي مظهر الاختيار والدليل

стр. 225

عليه، وقد تندمج مرحلة البيعة في مرحلة الاختيار فلا يكون بينهما فاصل زمني كما حدث في بيعة أبي بكر فقد رشحه عمر وقال له: «أُمْدُدْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ»، فبايعه وتتابع الناس على ذلك. والبيعة تقليد إسلامي أثر عن الرسول ﷺ ، وأول بيعة في الإسلام ذات شأن هي بيعة الأنصار في مكة وتسمى بيعة العقبة بايع فيها سبعون أنصاريًا رسولَ الله كما قال لهم: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَنْ [تَقُولُوا] فِي اللَّهِ، لاَ تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الجَنَّةُ». وقد نزل القرآن ببيعة النساء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. وكان الصحابة يبايعون الرسول ﷺ على الإسلام وعلى الهجرة وعلى الجهاد، بل بايعوه على عدم الفرار من القتال كما حدث في الحديبية. وَرُوِيَ عَنْ ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يُلَقِّنُنَا هُوَ «فِيمَا اسْتَطَعْتَ».

стр. 226

والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة وإقامة الحق والعدل من قبل الإمام، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبل أهل الشورى، وتتم المبايعة إذا بايع جميع أهل الشورى أو أكثرهم. وإذا تمت المبايعة انعقدت الإمامة، ووجب على الإمام أن يقوم بأمر الله في المسلمين، وأن يقيم فيهم كتاب الله وسنة رسوله، لا يألو جهدًا في إحقاق الحق وتحقيق العدل، وكان على أهل الشورى وعلى الأمة بصفة عامة أن يسمعوا للإمام ويطيعوه في حدود طاعة الله، أما أهل الشورى فعليهم ذلك التزامًا بالبيعة التي بايعوا، وأما أفراد الأمة فالتزامًا ببيعة نوابهم الذين ينوبون عنهم ويمثلونهم وهم أهل الشورى، وليس لأحد الفريقين أن ينزع يَدًا من طاعة ما لم يحدث الإمام ما يقتضي الخروج على طاعته، وقد حرم الإسلام هذا واعتبره غدرًا في قول رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يُعْرَفُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وَإِنَّ أَكْبَرَ الغَدْرِ غَدْرُ أَمِيرِ عَامَّةٍ» وقوله: «مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، فَلاَ حُجَّةَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». والأصل أن يضع المبايع يده في يد من يبايعه ثم يأتي بعبارة البيعة، وقد سجل القرآن شكل البيعة في قول الله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. كذلك سجل الحديث هذا الشكل في قول الرسول ﷺ : «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ».

стр. 227

وقد أثر عن الرسول أنه كان يضع يده في يد المبايعين، وأنه انتدب عمر ليأخذ بيعة النساء، وجرى الأمر بعد الرسول على أن يتقبل الخلفاء البيعة من الحاضرين، وأن يتقبلها نوابهم ممن لم يحضر مجلس الخليفة. طَلَبُ الوِلاَيَةِ: ويجمل بأهل الشورى أن لا يختاروا أو يبايعوا من يطلب الإمامة أو يحرص عليها، فإن طلب الولاية والحرص عليها مكروه في الإسلام إن لم يكن محرمًا، وأغلب طلاب الولاية الحريصين عليها إنما يطلبونها للسلطان والجاه والاستعلاء على الناس، وما تؤدي ولاية هؤلاء غالبًا إلا إلى الفساد والإفساد. وقد نهى الرسول ﷺ عن طلب الامارة والحرص عليها ومنعها من طالبيها، فَعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَخَلَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لاَ نُوَلِّي عَلَى هَذَا العَمَلِ أَحَدًا [سَأَلَهُ]، وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ».

стр. 228

وأولى بالمنع من الولاية من طلبها وهو ضعيف ليس أهلاً لها ولا يقدر على القيام بحقها، ولقد منعها الرسول أبا ذر لضعفه فيروى عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ [قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي]، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الذِي عَلَيْهِ فِيهَا».

стр. 229

السُّلُطَاتُ فِي الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ: تكاد السلطات في الدولة الإسلامية لا تخرج عن خمس: هي: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة المالية وسلطة المراقبة والتقويم. ويقوم الإمام باعتباره نائبًا عن الأمة في مباشرة هذه السلطات في حدود ما أمر الله به من جعل كل أمور الحكم شورى بين المسلمين، وفي حدود ما أمر الله به الحاكم من استشارة أهل الرأي في كل أمور الحكم، وسنتكلم فيما يأتي على هذه السلطات واحدة واحدة. أَوَّلاً: السُّلْطَةُ التَّنْفِيذِيَّةُ: يقوم عليها رئيس الدولة وهو الإمام، ويختص بها وحده، فمن واجبه القيام بكل الأعمال التنفيذية لإقامة الإسلام وإدارة

стр. 230

شؤون الدولة في حدود الإسلام، ويدخل في هذا التعبير العام اختصاصات شتى أهمها تعيين الموظفين وعزلهم وتوجيههم ومراقبة أعمالهم، وقيادة الجيش وإعلان الحرب وعقد الصلح والهدنة وإبرام المعاهدات، وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وولاية الصلاة والحج وحمل الناس على ما يصلح أمورهم ويوجههم وجهة الإسلام صحيحة بما يسنه من لوائح ويصدره من أوامر، والعفو عما يجوز العفو عنه من الجرائم والعقوبات. والأصل في الإسلام أن الإمام هو رئيس الدولة ومصرف أمورها والمسؤول الأول عن أعمالها، ومسؤولية الإمام ليست محدودة، وإنما هي مسؤولية تامة فهو الذي يضع سياسة الدولة ويشرف على تنفيذها وهو الذي يهيمن على كل أمور الدولة ومصائرها. وللإمام أن يستعين بالوزراء في القيام على شؤون الدولة وتوجيه أمورها، ولكنهم مسؤولون أمامه عن أعمالهم وليس لهم سوى تنفيذ سياسته واتباع أوامره، ومركزهم منه مركز النواب عنه يعينهم ويقيلهم، وهم أفراد أو مجموعات، يستمدون سلطانهم منه وينوبون عنه فيما يباشرون من أعمالهم، وكل منهم يعتبر رئيسًا إداريًا للوزارة التي يشرف عليها، وآراؤهم وسياستهم لا تقيد رئيس الدولة ما لم يسكت عليهم حتى ينفذوها فيتقيد بما تم تنفيذه منها. وإذا كان هذا هو الأصل في سلطة الإمام وسلطة الوزراء

стр. 231

فإن التطورات التاريخية قد انتهت بجعل الوزارة على ضربين: وزارة تفويض ووزارة تنفيذ: فأما وزارة التفويض فهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده، ووزير التفويض له اختصاص عام إلا أن عليه أن يطالع الإمام بما أمضاه من تدبير وأنفذه من عمل، لأنه مسؤول عن كل عمله وليس له أن يستبد بعمله على الإمام. وللامام من جهته أن يتصفح أعمال الوزير وتدبيره الأمور ليقر منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه (١). وأما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصود على رأي الإمام وتدبيره، وما الوزير إلا وسيط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر وينفذ ما ذكر ويمضي ما حكم ويعرض على الإمام ما ورد من الرعايا والولاة وما استجد من أحداث ليعمل فيها بما يؤمر به، فهو معين في تنفيذ الأمور وليس بِوَالٍ عَلَيْهَا ولا متقلد لها (٢). ويفرقون بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ من أربعة وجوه:

стр. 232

أحدها: أنه يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم وليس ذلك لوزير التنفيذ. والثاني: أنه يجوز لوزير التفويض أن يستبد بتقليد الولاة والموظفين وليس ذلك لوزير التنفيذ. والثالث: أنه يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتسيير الجيوش وتدبير الحروب وليس ذلك لوزير التنفيذ. والرابع: أنه يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما يستحق له ودفع ما يجب عليه وليس ذلك لوزير التنفيذ. وسواء كان الوزراء مفوضين أو منفذين فهم مسؤولون أمام رئيس الدولة وله أن يقيلهم كلما خرجوا على أوامره وتوجيهاته أو انحرفوا عن سياسته في إدارة شؤون الدولة. ورئيس الدولة بدوره مسؤول عن سياسته لأمور الدولة أمام أفراد الأمة بصفة عامة وأمام أهل الشورى بصفة خاصة. ثَانِيًا: السُّلْطَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ: الأصل في الشريعة الإسلامية أنها جاءت للناس لتحكمهم في كل حالاتهم، وليحكموها في شؤون دنياهم وآخرتهم، ولكن الشريعة مع هذا لم تأت بنصوص تفصيلية تبين حكم كل الحالات الجزئية والفرعية، وإنما اكتفت الشريعة في أغلب الأحوال

стр. 233

بإيراد الأحكام الكلية والمبادئ العامة، فإذا تعرضت لحكم فرعي فنصت عليه فإنما تنص عليه لأنه يعتبر حُكْمًا كُلِّيًّا أو مبدأ عامًا بالنسبة لما يدخل تحته من فروع أخرى. والأحكام الكلية والمبادئ العامة التي نصت عليها الشريعة تعتبر بحق القواعد العامة للتشريع الإسلامي، والهيكل الذي يمثل معالم التشريع الإسلامي، والضوابط التي تحكم التشريع الإسلامي. وقد تركت الشريعة لأولي الأمر والرأي في الأمة أن يتموا بناء التشريع على هذه القواعد، وأن يستكملوا هذا الهيكل فيبينوا دقائقه وتفاصيله في حدود المبادئ والضوابط التي جاءت بها الشريعة. والطريقة التي التزمتها الشريعة في التشريع هي الطريقة الوحيدة التي تتلاءهم مع شريعة كُتِبَ لها الدوام وجعل من صفاتها السمو والكمال، فصفة الدوام تقتضي أن لا ينص على حالات مؤقتة تتغير أحكامها بتغير الظروف وتوالي الأيام. والسمو والكمال يقتضيان النص على المبادئ والنظريات الإنسانية والاجتماعية التي تكفل حياة سعيدة للجماعة، وتحقق العدل والمساواة والبر والتراحم بين أفرادها. وإذا كانت الشريعة قد أعطت أولي الأمر والرأي في الأمة حق التشريع فإنها لم تعطهم هذا الحق مطلقًا من كل قيد، فحق هؤلاء التشريع مقيد بأن يكون ما يصنعونه من

стр. 234

التشريعات متفقًا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية. وتقييد حقهم في التشريع على هذا الوجه يجعل حقهم مقصورًا على نوعين من التشريع: [أ] تشريعات تنفيذية: يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية، والتشريع على هذا الوجه يعتبر بمثابة اللوائح والقرارات التي يصدرها الوزراء اليوم كل في حدود اختصاصه لضمان تنفيذ القوانين الوضعية. [ب] تشريعات تنظيمية: يقصد بها تنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة، وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت فيه بنصوص خاصة: ويشترط في هذا النوع من التشريعات أن يكون قبل كل شيء متفقًا مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وإلا كان باطلاً بطلانا مطلقًا، فليس لأحد أن ينفذه وليس لأحد أن يطيعه. ويمارس الإمام وحده السلطة التشريعية فيما يصدر من تشريعات تنفيذية، لأنها تعتبر من أعمال التنفيذ الحقيقية وإن كانت في شكلها تشريعًا. ويمارس الإمام بالاشتراك مع أهل الشورى السلطة التشريعية فيما عدا ذلك في حدود الشورى وبقيودها التي سبق

стр. 235

بيانها، فإذا ما انتهت بهم الشورى إلى إقرار تشريع ما استقل الإمام بتنفيذه، لأنه هو القائم على سلطة التنفيذ. ثَالِثًا: السُّلْطَةُ القَضَائِيَّةُ: مهمة هذه السلطة هي توزيع العدالة بين الناس والحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم، واستيفاء الحقوق ممن مطل بها وإيصالها إلى مستحقيها والولاية على فاقدي الأهلية والسفهاء والمفلسين، والنظر في الأوقاف وأموالها وغلاتها إلى غير ذلك مِمَّا يعرض على القضاء. والإسلام يوجب على القضاة أن لا يجعلوا لأحد عليهم سلطانًا في قضائهم، وأن لا يتأثروا بغير الحق والعدل، وأن يتجردوا عن الهوى وأن يسووا بين الناس جميعا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]. وتاريخ القضاء الإسلامي قاطع في أن القضاة كانوا دائمًا مستقلين في عملهم لا سلطان لأحد عليهم إلا الله، ولا يخضعون

стр. 236

في قضائهم إلا لما يقضي به الحق والعدل. من ذلك أن ابراهيم بن اسحق قاضي مصر سنة ٢٠٤ هـ اختصم إليه رجلان فقضي على أحدهما فشفع إلى الوالي فأمره الوالي أن يتوقف في تنفيذ الحكم، فجلس القاضي في منزله حتى ركب إليه الوالي وسأله الرجوع إلى عمله، قال: لا أعود إلى ذلك المجلس أبدًا، ليس في الحكم شفاعة. ووقع بين أم المهدي وبين أبي جعفر المنصور خصومة، فتحاكما إلى غوث بن سليمان قاضي مصر، فحكم لصالح أم المهدي ضد الخليفة. وقضي خير بن نعيم على أحد الجنود بالحبس فأخرجه الوالي من المحبس، فاعتزل خير بن نعيم وجلس في بيته فلما طلب منه الوالي الرجوع لعمله قال: لا حتى يعود الجندي إلى المحبس. ولقد قضى شريح على عمر بن الخطاب في خلافته، وقضى ضد علي بن أبي طالب في خلافته، وكلاهما ترافع إليه وهو يعتقد أنه على حق، والأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًا. والإمام هو الذي يولي القضاة بصفته نائبًا عن الأمة، وله الإشراف عليهم وعزلهم بهذه الصفة ولا يعتبر القضاة بمجرد تعيينهم نوابًا عن الإمام، إنما يعتبرون نوابًا عن الأمة، ولذلك لا يعزلون عن عملهم بموت الإمام أو عزله،

стр. 237

كما أن الإمام لا يملك عزلهم لغير سبب يوجب العزل. وعلى هذا الأساس يعتبر القضاة سلطة مستقلة مصدرها الأمة، وإذا كان الإشراف على هذه السلطة للإمام فإنما يشرف عليها بصفته نائبًا عن الأمة. ويلاحظ أن التقاليد الإسلامية جرت من أول عهد الإسلام على أن يباشر رئيس الدولة القضاء، فقد كان رسول الله ﷺ يقضي بين الناس وكذلك كان الخلفاء الراشدون، وكان المتفقهون من الخلفاء بعدهم يقضون، ثم انتهى الأمر إلى ترك القضاء للقضاة المختصين به، ولعل ذلك راجع إلى عدم إلمام الخلفاء بالفقه أو عدم مرانهم على القضاء. القضاة وشرعية القوانين: ويوجب الإسلام على القضاة أن يتصدوا لشرعية القوانين والنصوص، وأن لا يحكموا إلا بما أنزل الله، وبما هو تطبيق لمبادئ الإسلام العامة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. ويحرم الإسلام على المسلمين أن يحكموا بغير ما أنزل الله، ويعتبر من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ

стр. 238

بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وهكذا نزلت نصوص القرآن بوجوب تصدي القضاة لشرعية القوانين التي يطلب إليهم تطبيقها، فإن كانت شرعية طبقوها وإلا أهملوها وطبقوا نصوص الشريعة أو تطبيقًا لمبادئها العامة وروحها التشريعية. وبذلك سبق الإسلام القوانين الوضعية بحوالي ثلاثة عشر قرنًا في تقرير نظرية شرعية القوانين أو ما نسميه اليوم في عرفنا القانوني بنظرية دستورية القوانين. رَابِعًا: السُّلْطَةُ المَالِيَّةُ: ولقد أوجد الإسلام من يوم إنشاء الدولة الإسلامية سلطة مستقلة أخرى لم تكن معروفة من قبل ولم يعرفها العالم كله إلا في هذا القرن، تلك هي السلطة المالية، فقد كان الرسول ﷺ يُعَيِّنُ عُمَّالاً يستقلون بأمر القضاء. وَعُمَّالاً يستقلون بأمر الإدارة وَعُمَّالاً يستقلون بأمر الصدقات يجمعونها من الأغنياء في كل منطقة ليردوها على فقراء المنطقة، فما بقي منها نقل إلى بيت المال. ولما فتح الله على المسلمين اتسع اختصاص القائمين على السلطة المالية فكان يشمل الصدقات والخراج والجزية والفيء والغنيمة، وكان المال الذي يجمع من هذه المصادر يوزع طبقًا

стр. 239

لما جاء في كتاب الله وعلى ما جرت به سنة رسول الله ﷺ ، فما كان من نصيب أفراد معيين وطوائف معينة وزع عليهم، وما كان من حق الجميع أرسل إلى بيت المال ليوزع على الجميع وليأخذ كل منه بنصيب حتى لقد فرض عمر في بيت المال فروضًا شهرية لكل رجل ولكل امرأة ولكل كبير وصغير، بل إنه فرض لكل طفل يولد بمجرد ولادته، وظلت هذه الفروض قائمة في بيت المال زمنًا طويلاً. ولقد كان عمر بن الخطاب يحلف على أيمان ثلاث يقول: «وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا المَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذَا المَالِ نَصِيبٌ إِلاَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَسْمِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَالرَّجُلُ وَبَلاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَقَدَمُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَغَنَاؤُهُ فِي الإِسْلامِ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَهُمْ، لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا المَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ». وإذا كان عمر قد ميز بالسابقة والقدم في الإسلام، فميز المهاجرين على الأنصار وأصحاب بدر على غيرهم وهكذا، إلا أنه رأى أخيرًا أن يعدل عن هذا التمييز ويعود إلى ما كان يفعله أبو بكر من التسوية بين الجميع. وكان أبو بكر وعلي يسويان بين الناس في قسمة المال العام، أما عثمان فكان على ما كان عليه عمر من المفاضلة

стр. 240

والتمييز، وكان أبو بكر يقسم بين الحر والعبد، أما عمر فمنع العبيد اجتهادًا لأنهم لا ملك لهم، على أن الثابت أن النبي ﷺ أعطى الأَمَةَ ولا فرق بين الأَمَةِ وَالعَبْدِ. والتسوية أقرب إلى عمل رسول الله ﷺ وقوله، فَقَدْ سَأَلَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ القَوْمِ، أَيَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ، وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ». أما اعتبار المال مال الله ليس أحد أحق به من غيره فهو قوله ﷺ «مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» وعن الرسول أخذ عمر مقالته، وعنه قال علي بن أبي طالب ما أثر عنه: «أَلاَ إِنَّ مَفَاتِيحَ مَالِكُمْ مَعِي أَلاَ وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ دِرْهَمًا دُونَكُمْ». والإمام بصفته نائبًا عن الأمة كلها هو المشرف على القائمين على السلطة المالية، يوليهم ويعزلهم ويراقبهم بصفته هذه، ولكنهم يعتبرون نوابًا عن الأمة لا عنه بمجرد تعيينهم كما هو شأن القضاة، فما يعزلون بموت الإمام ولا يجوز له عزل أحدهم إلا بسبب يوجبه، ومِمَّا يؤثر في هذا الباب أن خازن بيت المال في عهد عثمان اعترض على صرف أموال لم ير جواز صرفها، فقال له عثمان: إنك خازن، فرد عليه بأنه خازن بيت مال المسلمين لا خازنه الخاص.

стр. 241

فالقائمون على السلطة المالية مستقلون في عملهم ليس لأحد عليهم سلطان إلا ما جاء به القرآن والسنة، فهو رائدهم يتبعونه ويلتزمونه، وعلى هذا جرى العمل حتى انحرف الحكام بالإسلام عن طريقه وحرفوا أحكامه. والأموال التي تحصل محدودة النسب معلومة المقادير في الأموال العادية، ويمكن زيادتها في الأموال الاستثنائية بموافقة أهل الشورى إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، وليس للقائمين على السلطة المالية أو للإمام وهو المشرف عليهم أن يتصرفوا بأي حال في هذه الأموال إلا في الوجوه التي حددها الإسلام، وليس لهم أن يأخذوا منها لأنفسهم أكثر من مرتباتهم التي تحدد لهم في حدود حاجاتهم المختلفة وفي حدود قول الرسول: «مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ» وفي حدود قول الرسول: «مَنِ [اسْتَعْمَلْنَاهُ] عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ». خَامِسًا: سُلْطَةُ المُرَاقَبَةِ وَالتَّقْوِيمِ: هذه هي سلطة الأمة جمعاء في مراقبة الحكام وتقويمهم، وينوب عن الأمة في القيام بها أهل الشورى والعلماء والفقهاء.

стр. 242

وهذه السلطة مقررة للأمة من وجهين: أحدهما: أن الأمة يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب الله على الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولقد بين لنا الرسول ﷺ أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الفساد فقال: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ» وأوجب على كل قادر على تغيير المنكر أن يغيره ما استطاع لذلك سبيلاً، وجعل أدنى درجات التغيير عند العاجز أن يكره المنكر بقلبه، وأن يبغض فاعليه ويمقتهم عليه: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ». وثانيهما: أن الأمة هي مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابًا عنها، وبما يلزم الله الحكام من الرجوع إلى الأمة واستشارتها في كل أمور الحكم والتزام ما يراه ممثلوها: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].

стр. 243

وإذا كانت الأمة هي مصدر سلطان الحكام، وكان الحكام نوابًا عنها، فللأمة أن تراقبهم في كل أعمالهم، وأن تردهم إلى الصواب كلما أخطأوا، وتقومهم كلما اعوجوا. وسلطة الأمة في مراقبة الحكام وتقويمهم ليست محل جدل، فالنصوص التي جاءت بها قاطعة في دلالتها وصراحتها، وخلفاء الرسول ﷺ كانوا أول من عمل بها وطبقها، وما عطل هذه النصوص وأنكر سلطان الأمة إلا الذين فسقوا عن أمر الله، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، نصبوا من أنفسهم جبابرة على هذه الأمة يسلبونها حقوقها، وينكرون سلطانها، ويستعملون عليها وما فعلوا ذلك وما جرأهم عليه إلا سكوت الأمة عن إقامة أمر ربها، وتهاونها في الدفاع عن حقوقها والتمسك بسلطانها. ولقد ولى أبو بكر الحكم بعد رسول الله ﷺ فكان أول ما تفوه به هو اعترافه بسلطان الأمة عليه وحقها في تقويم إعوجاجه. خطب أول خطبة له بعد المبايعة فقال فيها: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي». وولى عمر الحكم فكان يقول في خطبة: «مَنْ رَأَى فِيَّ اعْوِجَاجًا فَلْيُقَوِّمْهُ» حَتَّى قَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: «وَاللهِ لَوْ رَأَيْنَا فِيكَ اعْوِجَاجًا لَقَوَّمْنَاهُ بِسُيُوفِنَا». وكان عثمان يقول: «إِنْ وَجَدْتُمْ فِي كِتَاب اللهِ أَنْ تَضَعُوا

стр. 244

رِجْلَيَّ فِي القَيْدِ، فَضَعُوا رِجْلَيَّ فِي القَيْدِ». وكان أول ما قاله علي: «إِنَّ هَذَا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلاَّ مَنْ أَمَرْتُمْ. أَلاَ إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَمْرٌ دُونَكُمْ». بل كان عليه صلحاء الأمة في العصور الأولى فما كانوا يتأخرون في الدفاع عن حقوق الأمة وسلطانها كلما واتتهم الفرصة. كان بين عمر بن الخطاب ورجل كلام في شيء فقال له الرجل: «اِتَّقِ اللهَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ»، فَقَالَ لَهُ رَجِلَ مِنْ القَوْمِ: «أَتَقَُولُ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ اِتَّقِ اللهَ؟»، فَقَالَ عُمَرُ: «دَعْهُ فَلْيَقُلْهَا لِي نِعْمَ مَا قََالَ. لاَ خَيْرَ فِيكُمْ إِذَا لَمْ تَقَُولُوهَا لَنَا، وَلاَ خَيْرَ فِينَا إِذَا لَمْ نَقْبَلْهَا مِنْكُمْ». وَصَعَدَ عُمَرُ المِنْبَرَ يَوْمًا وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ - وَالحُلَّةُ ثَوْبَانِ - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟»، فَقَالَ سَلْمَانُ: «لاَ نَسْمَعُ»، فَقَالَ عُمَرُ: «وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟»، قَالَ: «إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك حُلَّةٌ»، فَقَالَ: «لاَ تَعْجَلْ. يَا أبَا عَبْدِ اللَّهِ»، ثُمَّ نَادَى عَبْدَ اللَّهِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ»، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ»، فَقَالَ: «نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أَهْوَ ثَوْبُكَ؟»، قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فَقَالَ سَلْمَانُ: «أَمَّا الآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ». وحبس معاوية العطاء عن الناس ذات مرة فقام إليه أَبُو مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيِّ، فَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلاَ مِنْ كَدِّ

стр. 245

أَبِيكَ وَلاَ كَدِّ أُمِّكَ»، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَنَزَلَ عَنْ المِنْبَرِ، وَقَالَ لِلْنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ»، وَغَابَ عَنْهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ اغْتَسَلَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَلَّمَنِي بِكَلاَمٍ أَغْضَبَنِي، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ"، وَإِنِّ دَخَلْتُ فَاغْتَسَلْتُ، وَصَدَقَ أَبُو مُسْلِمٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّي وَلاَ مِنْ كَدِّ أَبِي فَهَلُمُّوا إِلَى عَطَائِكُمْ». وأدخل سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور، فقال له: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فقال: «اتَّقِ اللهَ فَقَدْ مَلأْتَ الأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «إِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ المَنْزِلَةِ بِسُيُوفِ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا فَاتَّقِ اللهَ وَأَوْصِلْ إِلَيْهِم حُقُوقَهُم»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «حَجَّ عُمَرُ فَقَالَ لِخَازِنِهِ: " كَمْ أَنْفَقْتَ؟ "»، قَالَ: «بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَرَى هَاهُنَا أَمْوَالاً لاَ تُطِيقُ الجِمَالُ حَمْلَهَا»، ثُمَّ خَرَجَ. فهؤلاء لم يواجهوا الخلفاء هذه المواجهة إلا بما للأمة من سلطان مراقبة الحكام وتقويم اعوجاجهم، وما قبل منهم الخلفاء هذا التحدي وما استجابوا لهم إلا لعلمهم أن للأمة سلطانًا، وأن عليهم أن يطأطئوا رؤوسهم لهذا السلطان.

стр. 246

وَاجِبَاتُ الإِمَامِ وَحُقُوقِهِ: إذا اختار أهل الشورى إمامًا وبايعوه، ثبتت له الإمامة بالبيعة، وثبوت الإمامة له يلزمه واجبات يسأل عن أدائها، ويجعل عليه مسؤوليات لا حصر لها، ولكنه في الوقت نفسه يرتب له حقوقًا على الأمة تظل قائمة ما قام الإمام بواجباته ولم يقصر في القيام على مسؤولياته. وَاجِبَاتُ الإِمَامِ: تنحصر واجبات الإمام على كثرتها في واجبين أحدهما إقامة الإسلام، والآخر إدارة شؤون الدولة في حدود الإسلام. وإذا قلنا أن من واجب الإمام إدارة الدولة في حدود الإسلام، فمعنى ذلك أن من واجبه أن يدير شؤون الدولة في حدود الشورى، لأن الإسلام يجعل الشورى فريضة على

стр. 247

المسلمين، ويلزم الحكام أن يستشيروا المحكومين في كل أمور الحكم ويأخذوا برأيهم أو برأي أكثريتهم إن لم يجمعوا على رأي واحد. وقد حاول بعض الفقهاء أن يعدد واجبات الإمام فحصرها في عشرة أشياء (١): أحدهما: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة أي إقامة الدين على وجهه الصحيح بتعبيرنا العصري. الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بينهم، أي إقامة العدل بين الناس وتنفيذ الأحكام. الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين، أي نشر الأمن في الداخل. الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك. أي تنفيذ عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص. الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا ويسفكون فيها دَمًا

стр. 248

لمسلم أو معاهد. أي حماية الأمن الخارجي بالعدة والاستعداد الدائمين. السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا من غير عسف. الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد العظماء فيما يفوضه إليهم من الأعمال. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة. هذه هي واجبات الإمام كما حددها بعض الفقهاء وهي تدخل جميعًا تحت واجبين اثنين هما إقامة الدين وإدارة شؤون الدولة في حدوده. مَسْؤُولِيَةُ الإِمَامِ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ: والإمام في أدائه لواجباته مسؤول عن أخطائه وإهماله وتقصيره وسوء استعماله للسلطة الممنوحة له، فضلاً عما يتعمده من خروج على حدود سلطاته وما يرتكبه من جور أو

стр. 249

عسف أو ظلم، وهو في هذا كله خاضع للنصوص العامة، لأن الإسلام لا يفرق بين فرد وفرد، ولا بين حاكم ومحكوم بل الكل سواء يسري على هذا ما يسري على ذاك دون تمييز. ويؤكد مسؤولية الإمام وعدم تمييزه عن أي فرد آخر من أفراد الأمة قول الرسول ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ رَاعٍ عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْهُ» وقوله: «لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ ﵎ عَبْدًا رَعِيَّةً، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، إِلاَّ سَأَلَهُ اللَّهُ ﵎ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَقَامَ فِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ﵎ أَمْ أَضَاعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً» وقوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» وفي رواية «فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ [يَجِدْ] رَائِحَةَ الجَنَّة» وقوله: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ المُسْلِمينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ، إلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ». بل أن أحاديث الرسول ﷺ تؤكد أن مسؤولية الإمام أكثر من مسؤولية أي فرد عادي وذلك ظاهر مِمَّا سبق ومن قوله «مَنْ وَلاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقوله: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ [قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ] فَلاَ يَعْدِلُ فِيهِمْ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ»، وقوله:

стр. 250

«مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلاَّ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَغْلُولًا، لاَ يَفُكُّهُ إِلاَّ الْعَدْلُ». وَمِمَّا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ بِشْرَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ فَتَخَلُّفِ بِشْرٌ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا خَلَّفَكَ؟ أَمَا لَنَا عَلَيْكَ سَمْعٌ وَطَاعَةٌ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أُتِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَا، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا انْحَرَفَ الجِسْرُ فَهَوَى فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». فَخَرَجَ عُمَرُ كَئِيبًا [حَزِينًا]، فَلَقِيَهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ كَئِيبًا حَزِينًا؟ قَالَ: [وَمَا يَمْنَعُنِي] أَنْ أَكُونَ كَئِيبًا حَزِينًا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ كَذَا، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَمَا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ , أُتِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ , حَتَّى يُوقَفَ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَا، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا انْخَرَقَ الجِسْرُ , فَهَوَى سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ»، فَأَيُّ الْحَدِيثَيْنِ أَوْجَعُ لِقَلْبِكَ؟ قَالَ: كِلاَهُمَا قَدْ أَوْجَعَ قَلْبِي، فَمَنْ يَأْخُذُ بِمَا فِيهَا؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَنْ سَلَتَ (١) اللَّهُ أَنْفَهُ، وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالأَرْضِ أَمَا إِنَّا لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا وَعَسَى إِنْ وُلِّيتُهَا مَنْ لاَ يَعْدِلُ فِيهَا , أَنْ لاَ تَنْجُوَ مِنْ إثْمِهَا.
следующие страницы →