← Акыда

Акыда · id 9655

الرسل والرسالات

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (218 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣- انشقاق القمر: ومن معجزاته ﷺ انشقاق القمر، فقد سأل أهلُ مكة الرسولَ ﷺ آية، فانشق القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر عند انشقاقه بدراً. وقد سجّل الله ذكر هذه الآية في كتابه، قال (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر: ١-٢] . وينقل ابن كثير إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية، كما يذكر أنَّه قد وردت الأحاديث بذكر انشقاق القمر متواترة من طرق متعددة تفيد القطع (١) . وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أنحاء الجزيرة العربية، فإنَّ أهل مكة لم يصدقوا، وقالوا: سحرنا محمد، ثمَّ استدركوا قائلين: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإنَّ محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلَّهم، وفي اليوم التالي سألوا من وفد إليهم، من خارج مكة، فأخبروا أنَّهم قد رأوه. وقد شاهد الناس انشقاقه في خارج الجزيرة العربية، يقول ابن كثير: " شوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض، ويقال: إنّه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء في تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر " (٢) .

стр. 107

قد يقال: " إن انشقاق القمر ليس شيئاً مستحيلاً، فالعلم قد شاهد انشقاق مذنب بروكس " شقين سنة ١٨٨٩م، وكذلك انقسام مذنب ((بيلا)) إلى جزءين سنة ١٨٤٦م، كما ذكر الفلكي ((سبنسر جونز)) في فصل المذنبات والشهب من كتاب ((عوالم بلا نهاية)) . وفي الإجابة يقال: " الفرق بين انشقاق القمر وانشقاق هذين المذنبين أنهما لم يلتئما بعد الانشقاق، والقمر التأم، وهو الفرق المنتظر بين الظاهرة الفلكية في الفطرة، والمعجزة الفلكية على يد رسول، لأنَّ المعجزة مؤقتة تزول بزوال وقتها وتحقق الغرض منها، ولو استمرت لكانت ظاهرة طبيعية صرفة، ولخرجت عن دائرة المعجزات ".

стр. 108

٤- تكثيره الطعام صلوات الله وسلامه عليه: وقد وقع هذا منه ﷺ أكثر من مرة، فمن ذلك ما رواه أنس، قال: قال أبو طلحة لأمَّ سُلَيم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثمَّ أخرجت خماراً لها، فلفت الخبز ببعضه، ثمّ دسته تحت يدي، ولاثتني (١) ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : " أرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: " بطعام؟ " قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: " قوموا " فانطلق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة، يا أمَّ سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : " هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ " فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ، ففت، وعصرت أم سليمة عكة، فأدَمَتهُ، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة "، فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا،

стр. 109

ثم خرجوا، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة " فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثمَّ قال: " ائذن لعشرة " فأذن لهم، فأكلوا، حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: " ائذن لعشرة " فأكل القوم كلهم، وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً " (١) . عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " لما حُفِر الخندقُ رأيت بالنبي ﷺ خَمَصاً شديداً، فانكفَيتُ إلى امرأتي فقلتُ: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول اللهِ ﷺ خمصاً شديداً. فأخرجتْ إليَّ جِراباً فيه صاعٌ من شعير، ولنا بُهيمةٌ داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم ولَّيتُ إلى رسول الله ﷺ . فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معهُ. فجئتُهُ فساررتهُ فقلت: يا رسول الله ذبحنا ُبهيمة لنا وطحنّا صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاحَ النبيُّ ﷺ : يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع سُوراً، فحيَّ هلا بكم فقال رسولُ الله ﷺ : لا تُنزلُنَّ برمتكم، ولا تخبزُنَّ عجينكم حتى أجيء. فجئتُ وجاء رسولُ الله ﷺ يقدُمُ الناس، حتى جئتُ امرأتي فقالت: بكَ وبك. فقلت: قد فعلتُ الذي قلتِ. فأخرجَتْ له عجيناً، فبصقَ فيه وبارك، ثم عمدَ إلى بُرمَتِنا فبصق وبارك. ثم قال: ادعُ خابزةً فلتخبز معي. واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم باللهِ لقد أكلوا حتى تركوهُ وانحرفوا، وإن بُرْمَتَنا لتغِطُّ كما هي: وإن عجيننا ليُخبَز كما هو " (٢) .

стр. 110

٥- تكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة: وقد وقع من هذا شيء كثير من الرسول ﷺ ، نذكر طرفاً منه، فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله، قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة (ظرف للماء) فتوضأ منها، ثمَّ أقبل الناس نحوه فقال رسول الله ﷺ : "ما لكم "؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به، ونشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا، وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة " (١) . ومن ذلك تكثيره ماء بئر الحديبية في يوم الحديبية، فقد روى البراء بن عازب ﵁، قال: " كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير البئر، (طرفها) ، فدعا بماء فمضمض، ومجّ في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى رَوِينا، ورَوَت أو صَدَرت ركائبنا " (٢) . وعن عبد الله بن مسعود قال: كنّا نعدُّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً، كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء، فقال: " اطلبوا فضلة من ماء " فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: " حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله " فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل " (٣) .

стр. 111

٦- كف الأعداء عنه: ومن ذلك استجابة الله دعاء نبيه ﷺ عندما كان مهاجراً، وأدركه سراقة ابن مالك، فارتطمت بسراقة فرسه إلى بطنها في أرض صلبة، فقال سراقة: إني أراكما قد دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحداً إلاّ قال: كفيتم، ما هاهنا، فلا يلقى أحداً إلاّ ردّه. متفق عليه (١) . وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول الله ﷺ وقلّة من المؤمنين أولئك الذين بايعوا تحت الشجرة، فلّما حمى الوطيس، أخذ صلوات الله وسلامه عليه حصيات، فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا وربِّ محمد " يقول العباس راوي الحديث: فوالله ما هو إلاّ أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلاً، وأمرهم مدبراً (٢) . وفي رواية سلمة بن الأكوع، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنيناً، فولّى صحابة رسول الله ﷺ ، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثمَّ قبض قبضة من تراب الأرض، ثمَّ استقبل به وجوههم، فقال: " شاهت الوجوه "، فما خلق الله منهم إنساناً إلاّ ملأ الله عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين " (٣) .

стр. 112

ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب، فلما رأى الرسول ﷺ ساجداً، أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه " ما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي يديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة ". فقال رسول الله ﷺ : " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً " (١) .

стр. 113

أنواع الآيات (الجزء الثالث) يتبع آيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه: ٧- إجابة دعوته: أ- اهتداء أم أبي هريرة بدعوة رسول الله ﷺ : عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أميَّ إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: " اللهمَّ اهد أم أبي هريرة " فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت، فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف [مردود] فسمعَتْ أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة [تحريك] الماء، قال: فاغتسلَتْ، ولبسَتْ درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله فأتيته، وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً " (١) .

стр. 114

ب- أصبح بدعوته فارساً: عن جرير بن عبد الله، قال: " قال لي رسول الله ﷺ : ألا تُريحني من ذي الخلَصةِ؟ فقلت: بلى. فانطلقتُ في خمسين ومائة فارسٍ من أحمسَ، وكانوا أصحابَ خيل وكنتُ لا أثبُتُ على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: " اللهم ثبته، واجعلهُ هادياً مهدياً. قال: فما وقعتُ عن فرس بعدُ. قال: وكان ذو الخلَصة بيتاً باليمن لخَثْعَم وبجيلة فيه نُصُبٌ تُعبَد، يقال له: الكعبة. قال: فأتاها فحرَّقها بالنار وكسرها " (١) . ج- إغاثة الله الناس بدعائه: وعن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنةٌ على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبيُّ ﷺ يخطبُ في يوم الجمعة، قام أعرابيٌ فقالَ: يا رسول الله هَلَكَ المالُ، وجاعَ العيالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه، وما نرى في السماء قَزَعةً، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثارَ السحابُ أمثالَ الجبالِ، ثم لم ينزلْ عن منبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته، فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغدِ، والذي يليه حتى الجمعةِ الأخرى، وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله تهدَّمَ البناء وغرقَ المالُ، فادعُ الله لنا. فرفعَ يديه فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فما يُشيرُ بيده إلى ناحيةٍ من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينةُ مثلَ الجوبة، وسال الوادي قناةُ شهراً، ولم يجئ أحدٌ من ناحيةٍ إلا حدّث بالجود (٢) . وفي رواية قال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والجبال، والآجام، والظراب، والأودية ومنابت الشجر " قال: فأقلعَتْ وخرجنا نمشي في الشمس (٣) .

стр. 115

أصابت الدعوة يد مستكبر: وعن سلمة بن الأكوع أنَّ رجلاً أكل عندَ رسول الله ﷺ بشماله فقال: " كُل بيمينك " قال: لا أستطيع. قال: " لا استطعت " ما مَنَعَه إلا الكبرُ. قال: فما رفعها إلى فيه (١) . د- بركة دعوة الرسول الله ﷺ تصيب بعير جابر: وعن جابر قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ وأنا على ناضحٍ لنا قد أعيا، فلا يكادُ يسيرُ فقال لي: " ما لبعيرك؟ " قال: قلت: عيي، قال: فتخلف رسولُ الله ﷺ فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبلِ قدّامها يسيرُ. فقال لي: " كيف ترى بعيرك؟ " قلت: بخير، قد أصابته بركتُك. قال: " أَفتبيعُنيه؟ " قال: فاستحييت، ولم يكن لنا ناضحٌ غيره، قال: فقلت: نعم، قال: " فبعنيه " فبعته إياه على أن لي فقار ظهره إلى المدينة،.. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه وردَّه عليَّ " (٢) .

стр. 116

٨- إبراء المرضى: أ- إبراؤه من كسرت رجله: عن البراء بن عازب قال: بعثَ النبي ﷺ رهطاً إلى أبي رافعٍ (١) ، فدخل عليه عبد الله بن عتيك ليلاً وهو نائم فقتله (٢) ، فقال عبد الله بن عتيكٍ: فوضعتُ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتحُ الأبواب باباً فباباً، حتى انتهيتُ إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامةٍ فانطلقت إلى أصحابي، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي، فمسحها فكأنها لم أشتكِها قطُّ (٣) . ب- إبراؤه عين علي بن أبي طالب: وعن سهل بن سعدٍ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتحُ الله على يديه، يحبُّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناسُ غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها فقال: " أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه "، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: " انفُذْ على رسلك (٤) حتى

стр. 117

تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه، فوالله لأن يهدي اللهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لكَ حمرُ النعم " (١) . ج- ساق سلمة بن الأكوع: وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربةٍ في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربةٌ أصابتني يوم خيبر، فقال الناسُ: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة (٢) . د- إخراجه الجن من المصروع: وعن يعلى بن مرة الثقفي قال: سرنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بماءٍ، فأتتهُ امرأةٌ بابن لها به جنةٌ، فأخذَ النبي ﷺ بمنخرِهِ ثم قال: " اخرج فإني محمد رسول الله " ثم سرنا، فلما رجعنا مررنا بذلك الماء، فسألها عن الصبي، فقالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما رأينا منه ريباً بعدك (٣) .

стр. 118

٩- إخباره بالأمور الغيبية: فمن ذلك إخباره عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإخباره عن الملائكة وصفاتهم، وإخباره عن عالم الجن، وعن الجنة والنار، ومن ذلك إخباره عن الحوادث التي وقعت، كما أخبر عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وهو حديث فيه تفصيل وبيان، ومثل هذا لا يتأتى من رجل أمي لم يكن كاتباً ولا قارئاً، ولم يخالط الذين درسوا تاريخ الأمم وعرفوا أخبارها، ثم هو يأتي بأخبار لم يبلغها علم الأمم، وأخبار يكتمها علماء أهل الكتاب، ويصحح لهم كثيراً مما عندهم، وكل ذلك دليل على أنه إنما جاء بهذه العلوم من العليم الخبير، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ) [هود: ٤٩] . وقد أشار القرآن إلى هذا الدليل في عدة مواضع، فمن ذلك قوله في سياق قصة مريم: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران: ٤٤] . وفي سياق قصة موسى، قال: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: ٤٦] . وقد كان يخبر الأخبار المغيبة التي وقعت في حينها، فقد أخبر باستشهاد قادة المسلمين الثلاثة في معركة مؤتة، وباستلام خالد بن الوليد الراية من بعدهم

стр. 119

في اليوم الذي وقع فيه الحدث، رواه البخاري (١) . وعندما توفي النجاشي أخبر بوفاته في اليوم نفسه الذي توفي فيه، وكذلك عندما توفي كسرى. جزيرة العرب كانت جنات وأنهاراً وحضارة عاد إرم ذات العماد: أخبرنا الرسول ﷺ في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه " أن أرض العرب ستعود جنات وأنهاراً " (٢) وهذا يفيد أن جزيرة العرب كانت في الماضي جناناً وارفة الظلال، تجري من تحتها الأنهار، وهذا يدل على وجود حضارات قامت في تلك الجنان، وعلى شطآن تلك الأنهار، وقد أخبرنا القرآن عن حضارة قوم عاد، وهي مدينة ((إرم)) التي لم يخلق مثلها في البلاد. وقوم عاد أصحاب مدينة ((إرم)) ليس لهم ذكر في كتب أهل الكتاب لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في غيرهما، وقد شكك كثير من علماء التاريخ بوجود عاد كما شككوا بوجود حاضرتهم ((إرم)) . واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر صدق ما أخبر به الرسول ﷺ من أن أرض العرب كانت جنات وأنهاراً، وصدق ما أخبر به القرآن عن عاد وحاضرتها ((إرم)) ففي رحلة من رحلات الفضاء. زود مكوك الفضاء بجهاز رادار له قدرة اختراق التربة إلى عشرة أمتار، وحين مر المكوك بصحراء الربع الخالي، صور مجرى لنهرين جافين يندفع أحدهما من الغرب إلى الشرق والآخر من الجنوب إلى الشمال، فانبهر الأمريكيون لهذا الاكتشاف الذي لا يوجد عند علمائهم علم به. وفي رحلة ثانية زودوا المكوك بجهاز رادار له قدرة اختراق أكبر، فصور مجرى النهرين وأنهما يصبان في بحيرة قطرها يزيد على أربعين كيلومتراً في جنوب شرق الربع الخالي، وصور المكوك بين مصبي النهرين وعلى ضفاف البحيرة عمراناً لا تعرف البشرية نظيراً له في ضخامته، فجمعوا علماء التاريخ وعلماء الآثار وعلماء الأديان، وقالوا ماذا يمكن أن يكون هذا العمران؟ فأجمعوا على أنه قصور إرم التي وصفها القرآن الكريم بقول الحق ﵎: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر: ٧-٨] . وقالوا في تقريرهم: إن البشرية لم تعرف في تاريخها الطويل عمراناً في ضخامة هذا العمران. واكتشفوا حينما بدأوا في إزالة الرمال عن هذه المدينة قلعة ثمانية الأضلاع على أسوار المدينة، مقامة على أعمدة ضخمة عديدة يصفها ربنا ﵎ بقوله عز من قائل: (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر: ٧-٨] . وذكر التقرير أن هذه الحضارة التي لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى قد طمرتها عاصفة رملية غير عادية، وقد أطال القرآن القول في عاد وحاضرتهم ((إرم)) وتكذيبهم لرسولهم هود، وكيف حل بهم العذاب، إذ أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات، استمرت تضرب ديارهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً، وقد أبقى الله مساكنهم قائمة ليأتي الباحثون عن الخافي في باطن الأرض، فتظهر آلاتهم ما حدّث به القرآن قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، على النحو الذي أخبر به، يقول الحق ﵎: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ - مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات: ٤١-٤٢] . ويقول عز من قائل: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) [فصلت: ١٥-١٦] . ويقول: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ - قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ - فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ - وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) [الأحقاف: ٢١-٢٦] . ويقول: (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ - إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ - تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ - فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: ١٨-٢٢] . ويقول: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ - فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة: ٦-٨] . ويقول: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر: ٦-٨] (٣) . ومن ذلك إخباره بالغيوب الآتية، وبعض هذه الأخبار كان يقع ويتحقق في الحال أو بعد فترة وجيزة. فمن ذلك أنه أخبر بالمواضع التي سيصرع فيها صناديد الكفر قبل وقوع معركة بدر، عن أنس ﵁، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله ﷺ : " هذا مصرع فلان " ويضع يده هاهنا هاهنا، قال: فما ماط [أي ما بعد، وما تجاوز] أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ ، رواه مسلم (٤) . ومن هذه الغيوب التي أخبر بها ما وقع بعد وفاته، فمن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " (٥) . وقد وقع الأمر كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه. وقد أكثر الرسول ﷺ من الإخبار مما سيقع في مقبل الزمان، قال حذيفة بن اليمان، قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، فما ترك شيئاً يكون من قيامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه " رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٦) . ومن ذلك ما أخبر به من الفتن وأشراط الساعة وغير ذلك، وقد تكفلت بذكرها كتب الحديث.

стр. 120

١٠- حنين الجذع: في صحيح البخاري وغيره " كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحوّل إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح عليه " وفي رواية عند البخاري أيضاً: " فلما وضع المنبر: سمعنا للجذع مثل صوت العشار، حتى نزل رسول الله ﷺ فوضع يده عليه " (١) .

стр. 121

١١- انقياد الشجر وتسليمه وكلامه: عن جابر قال سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا وادياً أفيح [واسعاً] ، فذهب رسولُ الله ﷺ يقضي حاجته فلم ير شيئاً يستَتِرُ به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: " انقادي عليَّ بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش (١) ، الذي يصانع قائدَه، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: " انقادي عليَّ بإذن الله " فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف [الوسط] مما بينهما قال: " التئما علي بإذن الله " فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتةٌ، فإذا برسول الله ﷺ مقبلاً، وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدةٍ منهما على ساقٍ " (٢) . وعن يعلى بن مُرة الثقفي قال: سِرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا منزلاً، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله ﷺ ذكرتُ له

стр. 122

فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلِّم على رسول الله ﷺ فأُذن لها (١) . وعن أنس قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزينٌ، قد تخضب بالدم من فعل أهل مكة، فقال: يا رسول الله، هل تحبُّ أن نريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرةٍ من ورائه فقال: ادعُ بها. فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت. فقال رسول الله ﷺ : " حسبي حسبي " (٢) . وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بمَ أعرفُ أنك نبيٌّ؟ قال: " إن دعوت هذا العذقَ (٣) من هذه النخلة يشهدُ أني رسول الله " فدعاه رسولُ الله ﷺ فجعل ينزلُ من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ثم قال: " ارجع " فعاد، فأسلم الأعرابي (٤) . وعن معن بن عبد الرحمن قال سمعت أبي قال: سألتُ مسروقاً: من آذن (٥) النبي ﷺ بالجنِّ ليلة استمعوا القرآن قال: حدثني أبوك - يعني عبد الله بن مسعود - أنه قال: آذنت بهم شجرةٌ (٦) . وعن ابن عمر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا قال له رسولُ الله ﷺ : تشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له وأنَ محمداً عبدهُ ورسوله؟ قال: ومَن يشهدُ على ما تقولُ؟ قال: هذه السَّلَمة (٧) ، فدعاها رسولُ الله ﷺ وهو بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ (٨) الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثلاثاً أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها (٩) .

стр. 123

١٢- تسليم الحجر: عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : إني لا أعرفُ حجراً بمكةَ كان يسلمُ عليَّ قبل أن أبعثَ إني لأعرفُهُ الآن (١) . ١٣- شكوى البعير: عن يعلى بن مرة الثقفي قال: " بينما نحنُ نسيرُ مع رسول الله ﷺ إذ مررنا ببعيرٍ يُسنَى (٢) عليه، فلما رآه البعيرُ جرجَرَ (٣) ، فوضع جرانه (٤) ، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحبُ هذا البعير؟ فجاءه فقال: " بِعْنِيهِ " فقال: بل نهبُهُ لكَ يا رسول الله، وإنه لأهلِ بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُهُ. قال: أما إذ ذكرتَ هذا من أمره، فإنه شكا كثرةَ العمل، وقلةَ العلفِ، فأحسنوا إليه " (٥) . وعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسولُ الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أُحدثُ به أحداً من الناس، وكان أحبَّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجتِهِ (٦) هدفٌ أو حائشُ (٧) نخلٍ. فدخلَ حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ، فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته (٨) إلى سنامه

стр. 124

وذفراه (١) . فسَكَنَ فقال: مَن ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاءه فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تُجعيه وتُدئبُهُ " (٢) . ١٤- خاتم النبوة: من علامات نبوته ﷺ خاتم النبوة بين كتفيه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: " رأيت خاتماً في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام ". وفي رواية عنه أيضاً: " ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه، مل زر الحجلة ". وروى مسلم أيضاً عن عبد الله بن سرجس قال: " ثم درت خلف رسول الله ﷺ فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفه اليسرى، جُمعاً عليه خيلان، كأمثال الثآليل " (٣) .

стр. 125

المطلب الثالث الخوارق من غير الأنبياء كرامات الأولياء: من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات (١) الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات (٢) . وقد أنكر طوائف من المسلمين كرامات الأولياء، ومن هؤلاء المعتزلة وحجتهم في دعواهم أنَّ خرق العادة لو صحَّ من غير الأنبياء لالتبس النبي بالولي، ولم تكن المعجزة دليلاً على صدق الأنبياء (٣) . وقولهم هذا مردود، لأن من كرامات الأولياء ما حدّث به القرآن وصحَّ ذكره في الأحاديث الصحيحة، وتواتر النقل به، والناس يشاهدون شيئاً منه في كل عصر ومصر. والشبهة التي جاؤوا بها إنما تصحُّ إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدَّعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً بل كان متنبئاً كذاباً (٤) ، وقد أنكر الإمام أحمد على الذين نفوا كرامات الأنبياء، ولم يصدفوا بها، وضلَّلَهم (٥) .

стр. 126

حكمة إعطاء الكرامة للولي: يعطي الله بعض عباده أموراً خارقة للعادة إكراماً لهم لصلاحهم وقوة إيمانهم، وقد يكون ذلك سداً لحاجتهم، كالحاجة للطعام والشراب والأمن، وقد يعطيهم ذلك لنصرة دينه، ورفعة كلمته، إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل (١) . فمن ذلك ما حدثنا به القرآن الكريم من شأن مريم، فقد كان يوجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: ٣٧] . ومن ذلك ما جرى لأصحاب الكهف حيث ضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، وحفظ الله أجسادهم تلك الدهور المتطاولة على النحو الذي حدثنا عنه في سورة الكهف. ومن ذلك ما وقع لصحابة رسول الله ﷺ ومن ذلك: أمثلة من كرامات الأنبياء: ١- نور في العصا: فمن هؤلاء أسيد بن حُضير، وعباد بن بشر تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة مظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عصيّة، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله (٢) .

стр. 127

٢- الطعام المبارك: وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يأتي معه بثلاثة أضياف من أهل الصفة، وقد كان الرسول ﷺ قد أمر المسلمين أن يضيّفوا هؤلاء، وتركهم أبو بكر في منزله كي يضيفهم أهله، وذهب هو إلى الرسول ﷺ ، وجاء في ساعة متأخرة، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، فغضب، وقال: والله لا أطعمه أبداً، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو بكر: هذا من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت أسفلها أكثر منها، فقال لامرأته: يا أخت بن فراس! ما هذا؟ قالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ ، فذكر أنَّه أكل منها. متفق عليه (١) . فقد كان هذا إكراماً من الله لأبي بكر لفضله، ولأنَّه لم يشتط في غضبه إذ حلف أن لا يأكل من الطعام، وراغم الشيطان، فأكرمه الله بذلك. ٣- سفينة والأسد: وهذا سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ جيش المسلمين بأرض الروم أو أسر، فانطلق هارباً يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث (كنية للأسد) أنا مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمري كيت وكيت. فأقبل الأسد له بصبصة (أي: تحريك بالذنب) حتى قام إلى جنبه، كلّما سمع صوتاً أهوى إليه، ثمَّ أقبل يمشي إلى جنبه حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد (٢) .

стр. 128

صرخة في المدينة تدوي في الشام: وهذا عمر بن الخطاب يبعث جيشاً، ويؤمر عليهم رجلاً يدعى سارية، وبينما عمر يخطب، فجعل يصيح يا ساري الجبل، فقدم رسول من الجيش، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح يصيح: يا ساري الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى (١) .

стр. 129

٤- جملة من كرامات الأولياء: وقد ذكر ابن تيمية جملة من هذه الكرامات غير ما تقدم نسوق إليك بعضها (١) : فمن ذلك أن خبيب بن عدي كان أسيراً عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى، وكان يؤتى بعنب يأكله، وليس بمكة عنبة. وأم أيمن خرجت مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة سمعت حسّأً على رأسها فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه، حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها. والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبرَّ قسمه، وكان الحرب إذا اشتدَّ على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربّك، فيقول: يا ربّ، أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فيعزم العدو، فلما كان يوم القادسية، قال: أقسمت عليك يا ربّ لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيداً. وخالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السمّ، فشربه فلم يضره. ولما عذبت ((الزبيرة)) على الإسلام في الله، فأبت إلاّ الإسلام، وذهب

стр. 130

بصرها، قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى، قالت: كلا والله، فردّ الله عليها بصرها. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتاً. ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفاناً لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبراً محفوراً فيه لحد في صخرة، فدفنوه فيه، بعد أن كفنوه في تلك الأثواب.

стр. 131

الاستقامة أعظم كرامة: ليست الكرامة دليلاً على تفضيل هذا المعطى على غيره، فقد يعطي الله الكرامة ضعيف الإيمان لتقوية إيمانه، ومحتاجاً لسدّ حاجته، ويكون الذي لم يعط مثل ذلك أكمل إيماناً وأعظم ولاية، وهو لذلك مستغن عن مثل ما أعطي غيره، ولذلك كانت الأمور الخارقة في التابعين أكثر منها في الصحابة، وعلى هذا فلا ينبغي أن يشغل المرء نفسه بالتطلع إلى الكرامة، ولا ينبغي له أن يحزن إذا لم يعطها، وقد صدق أبو علي الجوزجاني وبرّ حين قال: " كن طالباً للاستقامة "، لا طالباً للكرامة، فإنَّ نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربّك يطلب منك الاستقامة، قال بعض من فهم قوله: وهذا أصل عظيم كبير في الباب، وسرّ غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب " (١) .

стр. 132

الخوارق والأحوال الشيطانية (١) : ضلَّ كثير من الناس عندما ظنوا أن كلَّ من جرت على يديه خوارق العادات فهو من أولياء الله الصالحين، فبعض الناس يطيرون في الهواء، ويمشون على الماء، ونحو ذلك، وهم من أفجر خلق الله، بل قد يدَّعون النبوة، مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة، وقد أظهر أموراً خارقة للعادة، فقد كانوا يضعون القيود في رجليه فيخرجها، ويضرب بالسلاح فلا يؤثر فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يُري الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء، ويقول: هي الملائكة، وهذا وأمثاله من فعل الشياطين، ولذلك إذا حضر بعض الصالحين هذه الأحوال الشيطانية وذكر الله وقرأ آية الكرسي أو شيئاً من القرآن بطلت أحوالهم هذه، فهذا الحارث الدمشقي الكذاب لما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه طاعن بالرمح، فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنّك لم تسمّ الله، فسمّي الله، فطعنه فقتله (٢) . والمسيح الدجال تجري على يديه أمور خارقة للعادة تذهل من يراها وهو مع ذلك يدعى الألوهية. فالخوارق ليست دليلاً على أن صاحبها ولي لله تعالى، فالكرامة سببها الإيمان والتقوى والاستقامة على طاعة الله تعالى، فإذا كانت الخارقة بسبب الكفر والشرك والطغيان والظلم والفسق فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية.

стр. 133

بشارات الأمم السّابقة قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء: ١٩٧] فالآية تبين أنَّ من الآيات البينات الدالة على صدق الرسول ﷺ ، وصدق ما جاء به - علم بني إسرائيل بذلك، وهو علم مسجل محفوظ مكتوب في كتبهم التي يتداولونها، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء: ١٩٦] . المطلب الأول القرآن يتحدث عن بشارات الأنبياء السابقين بنبينا محمد ﷺ القرآن المنزل إلينا من ربنا العليم الخبير يحدثنا أن ذكر محمد وأمته موجود في الكتب السماوية السابقة، وأنَّ الأنبياء السابقين بشروا به، وقد فهم جمع من المفسرين من قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: ٨١]- أنّ الله أخذ العهد والميثاق على كلّ نبي لئن بُعث محمد ﷺ في حياته ليؤمنن به ويترك شرعه لشرعه، وعلى ذلك فإن ذكره موجود عند كل الأنبياء السابقين.

стр. 134

١- دعوة إبراهيم: عن العرباض بن سارية عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، أنه خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام " رواه في شرح السنة (١) . وقد أخبرنا الله أنَّ خليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل كان يبنيان البيت الحرام ويدعوان، ومن دعائهما ما قصه علينا في سورة البقرة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) [البقرة: ١٢٧-١٢٩] . وقد استجاب الله دعاء خليله إبراهيم وابنه نبيّ الله إسماعيل، وكان محمد ﷺ هو تأويل تلك الاستجابة. ولا تزال التوراة الموجودة اليوم - على الرغم مما أصابها من تحريف - تحمل شيئاً من هذه البشارة، فنجد فيها أنَّ الله استجاب دعاء إبراهيم في إسماعيل، فقد ورد في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح السابع عشر فقرة (٢٠) : " وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره

стр. 135

كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمّة عظيمة كبيرة ". وهذا النصُّ ورد في التوراة السامرية بألفاظ قريبة جداً مما أثبتناه هنا، والترجمة الحرفية للتوراة العبرانية لهذا النص: " وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأكثره ((بمأد مأد)) (١) . وقد ذكر ابن القيم أنَّ بعض نسخ التوراة القديمة أوردت النص كما أثبتناه هنا. ودلالة هذه البشارة على نبينا محمد ﷺ من وجوه: الأول: أنَّ الأمة العظيمة عند الله لا بدَّ أن تكون مسلمة، ولم توجد هذه الأمّة من نسل إسماعيل إلاّ بعد بعثة الرسول وانتشار المسلمين في المشارق والمغارب. الثاني: النصّ العبراني ((مأد مأد)) صريح في اسم الرسول ﷺ فالمترجمون ترجموه ((جداً جداً أو كثيراً كثيراً)) والصواب هو: محمد، لأنها تلفظ بالعبراني ((مؤد مؤد)) واللفظ العبراني قريب من العربي. الثالث: قوله: اثني عشر رئيساً يلد، هذا موافق لأخبار الرسول ﷺ أنه سيلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.

стр. 136

٢- بشارة موسى: لقد جاء بني إسرائيل الخبرُ اليقين الأميّ، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد، جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، ونهج رسالته، وبخصائص ملته، فهو النبي الأمي، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، يضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبيُّ الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله.. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه ((أولئك هم المفلحون)) . قال تعالى: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ١٥٦-١٥٧] . بقية هذه البشارة في التوراة: وقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة، ففي سفر التثنية، الإصحاح (١٨)

стр. 137

فقرة ١٨-١٩ قال الله لموسى: " أقيم لهم [أي لبني إسرائيل] نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه ". ودلالة هذه البشارة على رسولنا ﷺ بيَّنه، ذلك أنّه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل، فجدُّهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسباً، وقوله: مثلك، أي: صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد ﷺ هو الذي جعل الله كلامه في فمه حيث كان أميّاً لا يقرأ من الصحف، ولكنَّ الله يوحي إليه كلامه، فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإنَّ الله معذبه ((ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)) . ومما يعرفنا أنَّ هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى، وأخبرنا بها القرآن الكريم، أن هذه البشارة وردت في موقف معين، فعندما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله أخذتهم الرجفة، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله جلَّ وعلا، فدعا موسى ربَّه وتوسل إليه، فبعثهم الله من بعد موتهم، قال الله بعد توسل موسى ودعائه (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..) الآيات. وإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أنَّ هذه البشارة إنما أوحى الله بها إلى موسى بعد ذهابه لميقات الله، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة ((وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق، ونظروا الشهب والجبل دخاناً ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد..)) سفر الخروج، الإصحاح (٢٠) فقرة: ١٨. ((وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق والجبل يدخن، ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد..)) .

стр. 138

٣- بشارة عيسى: وأخبرنا الله - سبحانه - أن عيسى بشر برسولنا محمد ﷺ : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الصف: ٦] . وأحمد من أسماء نبينا محمد ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب " (١) . مثلان في التوراة والإنجيل: ضرب الله في التوراة والإنجيل مثلين لرسولنا محمد ﷺ ولأصحابه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: ٢٩] .

стр. 139

المطلب الثاني بشائر التوراة وأسفار الأنبياء التوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرَّفة مغيرة يدلك على ذلك هذا الاختلاف الذي تجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية، والسامرية، وكلُّ قوم يدَّعون أن نسختهم هي الصحيحة، وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها. وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات أو طمس معالمها، ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة رسول الله ﷺ متجرداً من الهوى. ١- ذكر الرسول ﷺ باسمه في التوراة: لقد صرح بعض هذه البشارات باسم محمد ﷺ وقد اطلع بعض علماء المسلمين على هذه النصوص، ولكنَّ التحريف المستمر لهذا الكتاب أتى على هذه النصوص، فمن ذلك ما ورد في سفر أشعيا (١) : " إني جعلت أمرك محمداً، يا محمد يا قدوس الربّ، اسمك موجود من الأبد " (٢) . وقوله إن اسم محمد موجود من الأبد موافق لقول الرسول ﷺ : " إني مكتوب عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته " (٣) . وفي التوراة العبرانية في الإصحاح الثالث من سفر حبقوق: " وامتلأت

стр. 140

الأرض من تحميد أحمد، ملك بيمينه رقاب الأمم ". وفي النسخة المطبوعة في لندن قديماً سنة ١٨٤٨، والأخرى المطبوعة في بيروت سنة ١٨٨٤، والنسخ القديمة تجد في سفر حبقوق النص في غاية الصراحة والوضوح: " لقد أضاءت السماء من بهاء محمد، امتلأت الأرض من حمده،.. زجرك في الأنهار، واحتدام صوتك في البحار، يا محمد ادن، لقد رأتك الجبال فارتاعت ". ٢- ذكر الرسول ﷺ بأمر يتعلق به: وفي بعض الأحيان يذكر مكان مبعثه، ففي سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون، فقرة: (٢) : " جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران " وسيناء هي الموضع الذي كلّم الله فيه موسى، وساعير الموضع الذي أوحى الله فيه لعيسى، وفاران هي جبال مكة، حيث أوحى الله لمحمد ﷺ ، وكون جبال فاران هي مكة، دلت عليه نصوص من التوراة. وقد جمع الله هذه الأماكن المقدسة في قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) [التين: ١-٣] . وذكرت التوراة مكان الوحي إليه، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٢١) فقرة: (١٣) " وحي من جهة بلاد العرب في الوعر ". وقد كان بدء الوحي في بلاد العرب في الوعر في غار حراء. وفي هذا الموضع من التوراة فقرة: (١٤) حديث عن هجرة الرسول ﷺ وإشارة إلى الجهة التي هاجر إليها " هاتوا ماءً لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء، وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب " وتيماء من أعمال المدينة المنورة، وإذا نظرت في النص ظهر لك بوضوح أنه يتحدث عن هجرة الرسول ﷺ . وتكملة النص السابق فقرة: (١٦) يقول: " فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة

стр. 141

الأجير يفنى كل مجد قيدار، وبقية قسى أبطال بني قيدار تقلّ، لأنَّ الربّ إله إسرائيل قد تكلم ". وهذا النص يتحدث عن معركة بدر، فإنّه بعد سنة كسنة الأجير من الهجرة كانت وقعة بدر، وفنى مجد قيدار، وقيدار من أولاد إسماعيل، وأبناؤه أهل مكة، وقد قلت قسى أبناء قيدار بعد غزوة بدر. ٣- إشارة التوراة إلى معلم من معالم مهاجر الرسول: وأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول ﷺ ، ففي سفر أشعيا الإصحاح (٤٢) فقرة: (١١) " لترفع البريّة ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار، لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الربَّ مجداً.. ". وقيدار أحد أبناء إسماعيل كما جاء في سفر التكوين إصحاح (٢٥) عدد (١٣) . وسالع جبل سلع في المدينة المنورة. والترنم والهتاف ذلك الأذان الذي كان ولا يزال يشقُّ أجواز الفضاء كلّ يوم خمس مرات، وذلك التكبير والتحميد في الأعياد وفي أطراف النهار وآناء الليل كانت تهتف به الأفواه الطاهرة من أهل المدينة الطيبة الرابضة بجانب سلع. ٤- إشارة التوراة إلى أمور جرت على يديه ﷺ : وقد تذكر النصوص انتشار دعوته وبعض ما يكون من الرسول ﷺ ، ففي سفر حبقوق الإصحاح الثالث فقرة: (٣-٦) : " الله جاء من تيمان، والقدوس من جبال فاران، سلاه جلاله غطى السماوات والأرض، امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور، له من يده شعاع، وهناك استنارت قدرته، قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى، وقف وقاس الأرض، نظر، فرجفت الأمم، ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القدم ". ففي هذه البشارة إخبار بالنصر العظيم الذي حازه الرسول ﷺ وأتباعه،

стр. 142

وإخبار بانتشار دعوته في شتى بقاع الأرض، وبأن الجبال الدهرية وهي الدول القويّة ذات المجد القديم ستدك، وآكام القدم وهي الدول الأقل ستخسف، وقد تحقق ذلك كله، وأشارت هذه البشارة إلى أمرين يدركهما من كان عليماً بسيرة الرسول ﷺ وأخباره، وهما: لمعان كالنور له من يده، وذهاب الوبا من قدامه، وخروج الحمّى من عند رجليه. ٥- اللمعان والنور الذي شعَّ من يده: يقول النص: " وكان لمعان كالنور، له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته " ثم يقول: " وقف وقاس الأرض نظر، فرجفت الأمم.. " والذي يبدو لي أنَّ هذا النص يتحدث عن حادثة بعينها، وهي ما وقع منه ﷺ في غزوة الخندق، عندما أعجزت صخرة الصحابة أثناء حفر الخندق، فجاء الرسول ﷺ فضربها ضربة عظيمة أسقطت ثلثها، وخرج منها نور فكبر الرسول ﷺ فكبر أصحابه، ثمَّ الثانية فالثالثة، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه رأى بالنور الأول قصور الشام، وبالنور الثاني قصور فارس، وبالنور الثالث أبواب صنعاء. وروى النسائي وأحمد بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ ، فجاء فأخذ المعقول فقال: " باسم الله "، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة "، ثمَّ ضرب الثانية فقطع الثالث الآخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثمَّ ضرب الثالثة، وقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: " الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة " (١) . وفي رواية الطبراني: " فضرب الصخرة وبرق منها برقة فكبّر، وكبّر،

стр. 143

المسلمون "، وفيه " إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم.. " (١) . تأمل النص الذي أوردناه مرة أخرى " لمعان كالنور له من يده، وشعاع، وهناك استنارت قدرته.. وقف وقاس الأرض نظر.. ". وتأمل في الأحاديث التي أوردناها أليست هذه الواقعة تأويل لتلك البشارة؟ ٦- ذهاب الوبا وخروج الحمى: تقول هذه البشارة: " قدامه ذهب الوبا، وعند رجليه خرجت الحمّى "، وهذه - والله - بشارة صريحة لا تحتمل تأويلاً، فالمدينة قبل مجيء الرسول ﷺ كانت معروفة بالحمّى، وفي الحديث عن ابن عباس أنَّ الرسول ﷺ وأصحابه عندما قدموا مكة للعمرة - وهي العمرة المعروفة بعمرة القضاء - قال المشركون: " إنّه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب " رواه البخاري (٢) . وقد أصابت هذه الحمّى صحابة رسول الله ﷺ أول قدومهم المدينة، فدعا رسول الله ﷺ ربَّه كي يذهب الحمّى. عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وعُك أبو بكر وبلال. قالت: فدخلت عليهما (٣) ، فقلت: يا أبت كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ××× والموتُ أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع رأسه ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ××× بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ وهل أرِدَنْ يوماً مياهَ مَجَنَّةٍ ××× وهل يَبدُوَنْ لي شامةٌ وطفيلُ

стр. 144

قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: " اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمّاها، فاجعلها في الجحفة " رواه البخاري (١) وزاد البخاري في آخر كتاب الحج: " ثم يقول بلال: اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء " (٢) . إذن كانت يثرب موبُوْءَة بالحمى، لا يكاد يدخلها أحد إلاّ أصابته. وقد استجاب الله لنبيه ﷺ فنقل عنها الحمى، وصحَّحَها، ومنع عن المدينة الطاعون، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل ﵇ بالحمّى والطاعون، فأمسكت الحمّى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام " (٣) . وإمساكه الحمّى بالمدينة لعله في بداية الأمر، ثمَّ أمر بإرسالها إلى الجحفة، أو أن المراد بإمساكها بالمدينة المنطقة التي فيها المدينة، ذلك أن الجحفة تقع قرب المدينة، وعلى كلّ فالبشارة واضحة وقعت كما أخبرت التوراة.

стр. 145

٧- بشارات جامعة: وفي بعض الأحيان تكون البشارات جامعة تذكر صفات الرسول ﷺ ووحي الله إليه، وأخبار أمته، وما ينزل إليه عليهم من نصره، وإمدادهم بالملائكة، وشيئاً مما يعطيه الله لرسوله كالعروج به إلى السماء ونحو ذلك، فمن ذلك ما ورد في بشائر دانيال. قال دانيال (١) يهدد اليهود، ويصف لهم أمة محمد ﷺ : " إن الله يظهرهم عليكم، وباعث فيهم نبياً، ومنزل عليهم كتاباً، ومملكهم رقابكم، يقهرونكم ويذلونكم بالحق، ويخرج رجال قيدار في جماعات الشعوب، معهم الملائكة على خيل بيض، فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم النار، نعوذ بالله من النار ". وأبناء قيدار بن إسماعيل، قد انتشروا في الأرض، واستولوا على الشام والجزيرة ومصر والعراق، وقد تواترت الآثار أن الملائكة كانت تنزل على الخيل البيض كما نزلت يوم بدر والأحزاب، وقال دانيال مصرحاً باسم محمد ﷺ : " ستنزع في قسيّك إغراقاً، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ". وقال دانيال أيضاً: " سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم، ويردّ إليهم ملكهم، ويبعث فيهم الأنبياء، أو يجعل ذلك في غيرهم؟ فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه، فقال:
следующие страницы →