١٧٥ مليوناً و ٢٥٩ مليوناً ومسلمو روسيا وبخاري وخيوه ٢٠ مليونًا ومسلمو الصين بين ٥ ملايين و١٠ ويزيد عدد مسلمي الهند على ٦٢.٤٦٨.٠٧٧ ولاحظ أن المسلمين الذين هم تحت سلطة إنكلترا أكثر من الذين تحت سلطة أية دولة غيرها في هذه العصور أو في العصور المتوسطة ومسلمو المستعمرات الإنكليزية والهند يبلغ عددهم ٩٥ مليونًا أي أنهم يزيدون خمسة ملايين على النصارى الذين يحكمهم الإنجليز».
وقد جاء في كتاب " الهند وحياتها وأفكارها " الذي ألفه الدكتور (جونس) أن عدد المسلمين ازداد في السنوات العشر الأخيرة ٩١ في الألف مع أن زيادة عدد السكان بنسبة ١٩ للألف. وفي جاوة ٢٤.٢٧٠.٦٠٠ مسلم. ومسلمو روسيا ٢٠ مليونًا. وفي السلطنة العثمانية ١٤.٢٧٨.٠٠٠مسلم وعدد المسلمين في كل واحد من أقطار مصر وفارس والمغرب الأقصى والجزائر وبلاد العرب والأفغان وغيرها يتراوح
стр. 142
بين ٤ ملايين و٩ ملايين ولا تخلو بلدة في آسيا وأفريقيا من سكان مسلمين وقد يكون المسلمون أقل من غيرهم في بعض هذه البلاد إلا أن هذه الأقلية في نمو مستمر. وفي بلاد التبت المقفلة أبوابها في وجوه الأجانب ٢٠ ألف مسلم، والإسلام منتشر في الكونغو وبلاد الكاب وهو في نماء سريع في بلاد الحبشة. ويدور على الألسنة منذ انعقد مؤتمر القاهرة أن كثيرًا من القبائل النصرانية التي في شمال الحبشة دخلت في الإسلام وإن كانت أسماء أفرادها لا تزال كما كانت من قبل. وَالمُبَشِّرُونَ المنتشرون على ضفتي النيل وشرقي أفريقيا وبلاد النيجر والكونغو يرفعون أصواتهم بالشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء وبالرغم من أن انتشاره في الهند الهولندية قد لقي موانع من مجهودات جمعيات التبشير الهولندية والألمانية فهو يتوطد ويثبت هناك لأن المسلمين أخذوا يستعيضون عن التقاليد الحشوية والخرافية بعقائد ثابتة قويمة. ففي سومطرة اكتسح الإسلام الأرجاء الوثنية وفي جاوة ظهر بمظهر جديد على إثر تأسيس المدرسة الجامعة الإسلامية وكثرة طبع القرآن وازدياد عدد الدعاة والمرشدين المسلمين وما زال الوطنيون يدخلون في شبكة الإسلام إلى درجة
стр. 143
يتعذر فيها على المُبَشِّرِينَ المَسِيحِيِّينَ أن يلقوا لأعمالهم رَوَاجًا.
وفي أمريكا عدد كبير من المسلمين لا يستهان به لأنه صار ٥٦ ألفًا، وفي مستعمرة (لاغوبان) الإنجليزية فقط ٢٢ألفًا منهم، وفي أمريكا الوسطى ٢٠ ألفًا.
والبلاد الإسلامية التي لم يدخلها المُبَشِّرُونَ البروتستان هي التركستان الروسية وفيها خمسة ملايين من المسلمين، وخيوه فيها ٨٠٠ ألف، وبخاري وفيها ١.٢٥٠.٠٠٠ والأفغان وفيها ٥ ملايين، وبرقة (بني غازي) وفيها ١٠٠.٠٠٠، وتونس وفيها مليون، ووهران وفيها ١.٣٠٠.٠٠٠، وريف المغرب وفيه ٢.٢٦٠.٠٠٠، وفي وادي مولويا وصحراء المغرب الأقصى يتنافس الإسلام والنصرانية في الاستيلاء على الوثنية، ونجد والحجاز وحضرموت لا يوجد فيها مبشر واحد، وجزائر ماليزيا وفيها أكثر من مليون مسلم خالية من إرساليات التبشير.
الاِنْقِلاَبَاتُ السِّيَاسِيَّةِ:
انتقل الرئيس (زويمر) في خطبته الافتتاحية إلى قسمها
стр. 144
الثاني الخاص بالانقلابات السياسية التي حدثت أخيرًا في العالم الإسلامي فشكر الله على حدوث هذه الانقلابات في غرب آسيا فكانت موجبة للإعجاب والاستغراب، وبددت معالم التجسس وأقامت الحرية على أنقاض الاستبداد، وصار التجول في البلاد العثمانية والعربية والفارسية غير ممنوع وأصبح عبد الحميد سجينًا في سالونيك وارتبطت المدينة بدمشق بواسطة السكة الحديد وأنيرت الأنوار الكهربائية على الروضة النبوية. كل هذا يعد عصرًا جديدًا في تاريخ آسيا الغربية وأفريقيا الشمالية. وصار مسلمو روسيا يحاولون تعزيز حقهم في الدوما ويألفون الجمعيات للتدرج في مراقي المدنية. إلا أن النزعة الجديدة في مصر إسلامية محضة يراد بها جعل مصر للمصريين باعتبار أن المصريين مسلمون. ونتيجة ذلك اضطهاد المسيحيين في مصر خصوصًا إذا كانت إنكلترا لا تترك خطتها في ترجيح كفة المسلمين.
وإن بوادر الانقلابات قد أخذت تظهر في جزائر
стр. 145
ماليزيا أيضًا فأسس شبان جاوة جمعية الاتحاد العام «بوندي أتومو» الذي يرمون به إلى إحداث ارتقاء اجتماعي واتباع مبادئ التربية والاستقلال الإداري، وقد فسروا القرآن بلغتهم.
وفي " طوكيو - اليابان " جريدة باللغة الصينية اسمها " النهضة الإسلامية " منتشرة في كل بلاد الصين وجريدة إنكليزية ينشرها مسلم مصري وآخر هندي وفي ذلك دلالة على مبلغ حركة الجامعة الإسلامية.
وإن احتلال الجيش الفرنسي لمقاطعة «واداي» في أفريقيا في العام الماضي أهم حادث سياسي في هذا العصر، لأن «واداي» كانت أهم مركز في أفريقيا للاتجار بالرقيق وانتشار الإسلام وعلى ذلك فإن هذا المركز أصبح تحت سلطة أوروبية تحتفظ به مهما كلفها ذلك وهذه الحادثة جعلتنا في مأمن من أن تكون «واداي» بعد الآن مركزًا للحركات الحربية ضد الحكومات النصرانية وهي أيضًا ستقلل نفوذ مشايخ
стр. 146
الزوايا السنوسية بحيث لا يستطيعون الوقوف في طريق التقدم الاستعماري والتجاري في الإسلام.
والآن لم يبق غير ٢٧.١٢٨.٨٠٠ مسلم تحت سلطة حكومات إسلامية، وانتقلت السلطة السياسية على أكثرية المسلمين من يد الخلافة الإسلامية إلى يد إنكلترا وفرنسا وروسيا وهولندا، وعدد المسلمين الذين تحت سلطة كل واحدة من هذه الدول يفوق عدد المسلمين الموجودين في كل أرجاء السلطنة العثمانية. وأن عدد المسلمين الذين تحت سلطة الدول النصرانية سيزداد كثيرًا عقب إنقلابات قريبة الحصول، وبذلك تزداد مسؤولية الملوك النصارى في مهمة تنصير العالم الإسلامي ...
الاِنْقِلاَبَاتُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالفِكْرِيَّةُ:
قال الخطيب: إن الإسلام قد بدأ ينتبه لحقيقة موقفه ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض الآن بثلاث نهضات إصلاحية:
- الأولى: إصلاح الطرق الصوفية.
- الثانية: تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية.
- الثالثة:
стр. 147
إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول.
ومصدر هذا الشعور بالحاجة إلى الإصلاح واحد، وهو التغير الذي حدث في الإسلام عندما اكتسحت أهله الأفكار العصرية والحضارة الإفرنجية ولا يمنع هذا أن يكون الشعور مُؤَدِّيًا إلى عاطفة الاحتجاج والحذر، أو إلى التوفيق والتحكيم، لأن كِلاَ العاطفتين تجتمعان عند جعل الإسلام في مستوى الأفكار العصرية. قال إسماعيل بك غصبر نسكي في جريدته " ترجمان ": «إن العالم في تغير وارتقاء مستمر، ولكن المسلمين لا يزالون متقهقرين أشواطًا بعيدة». وقال الشيخ علي يوسف منشئ أهم جريدة إسلامية في خطاب ألقاه على جمهور عظيم: «إن المسيحيين قد سبقونا في كل شيء فالمسلمون ليس لديهم بواخر في البحر وهم غير منتبهين لموقفهم، ومجهوداتهم متشتتة، وكل ما يفعلونه أنهم يمشون وراء مرشديهم ولكن بغير اهتمام ذاتي لإدراك الأمم التي سبقتهم».
стр. 148
ومثل كلام هذين الرجلين ما سمعناه مِرَارًا في الهند وغير الهند.
ثم قال القسيس (زويمر): وإن نهضة الشعوب الإسلامية وانتباهها لمعرفة مركزها يدعوانها إلى التساؤل عن طريقة التوفيق بين المبادئ الدستورية والمبادئ الدينية، وتاريخ الدستور الفارسي وحركة الارتجاع في البلاد العثمانية يؤيدان وجود تباين بين الأفكار الديمقراطية ونصوص القرآن! ويمكننا أن نرتاب في صحة التصريح الصادر من شيخ الإسلام عن انطباق تأسيس مجلس المبعوثان العثماني على النصوص القرآنية. ومما يؤيد ارتيابنا وقوف المبعوثين المسلمين المعروفين بالتقى في وجه كل إصلاح يعرض على مجلس المبعوثان والصحف المصرية تدافع عن الفظائع التي أمر بها سلطان المغرب، والبدو يخربون السكك الحديدية الحجازية بدعوى أن العربات المخصصة فيها للصلاة تنافي الشعائر الإسلامية!
стр. 149
وفي العالم الإسلامي الآن حركتان متناقضتان: يحمل لواء الحركة الأولى رجال الصوفية والمشايخ في اليمن والصومال والبوادي، وشعارهم الرجوع إلى التعاليم المحمدية. والحركة الثانية يتولى زعامتها أنصار الإصلاح ومبشرو الإسلام الجديد في مصر والهند وجاوة وفارس وهؤلاء يبنون أساسهم على رسم الطرق المعقولة. والصحف الإسلامية في باكو تتبع رجال الحزب الثاني الذي يقول: إن الجمود والخرافات مما طرأ على الإسلام وهو غريب عنه، كما أن فظائع دواوين التفتيش في القرون الوسطى ليست مما يأمر به المذهب الكاثوليكي. ثم أشار إلى كتاب " حقيقة الإسلام " الذي ألفه محمد بك بدر المتخرج من جامعة إدنبرج فقال: «إِنَّ هَذَا الكِتَابَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَشْيَاعَ الإِسْلاَمِ الجَدِيدِ! يُرِيدُونَ أَنْ يَرْمُوا مِنَ السَّفِينَةِ مُشْحِونُهَا لِيُنْقِذُوهَا مِنَ الغَرَقِ».
وقال القسيس (زويمر) بعد ذلك: «إِنَّ تَأْوِيلَ سُورَةَ
стр. 150
الكَهْفِ وَسُورَةَ النِّسَاءِ وَتَطْبِيقَهُمَا عَلَى مُقْتَضَى العَقْلِ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وَلَوْ اِقْتَصَرْنَا عَلَى مُطَالَعَةِ مَا كُتِبَ عَنْ الحِجَابِ وَتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فِي الصُّحُفِ الإِسْلاَمِيَّةِ يَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ مَا يَظْهُرُ لَنَا مِنْ وَحْدَةِ الأَفْكَارِ فِي الإِسْلاَمِ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَهَذِهِ الوَحْدَةُ مُهَدَّدَةٌ بِالنّزَاعِ وَالتَّنَاقُضِ. وَلاَ رَيْبَ أَنَّ فِي فَارِسَ وَالسَّلْطَنَةِ العُثْمَانِيَّةَ بَلْ وَالبِلاَدِ العَرَبِِيَّةِ أُلُوفًا مِنَ المُسْلِمِينَ مُقْتَنِعُونَ بِصِحَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَمُخَالِفَتِهَا لِلإِسْلاَمِ».
وأشار إلى قول الدكتور (و. شيد) من أن الإسلام يتحكك فِي كُلِّ قُطْرٍ بالمدنية العصرية ومبادئها وملاحظته لهذه الانقلابات يتوقف عليها بقاؤه، فتساءل عن نتيجة ذلك وعما إذا كان في الإمكان مجاراة تيار الحضارة مع الاحتفاظ بمبادئ القرآن وتعاليمه وعما إذا كان التقدم الاجتماعي والعقلي المجرد من كل صبغة دينية كافيًا لسد الحاجة الروحية في الملايين من المسلمين أو أن العالم الإسلامي رجاله ونساءه ينهض من كبوته ليتسلق معالم
стр. 151
المجد الذي أبقاه على الأرض يسوع المسيح ابن الله!؟
خِطَّةُ الكَنَائِسِ بَعْدَ مُؤْتَمَرِ القَاهِرَةِ:
وانتقل (زويمر) بعد هذا إلى القسم الرابع من خطابه وهو الكلام على الخطة التي اتبعتها كنائس أوروبا وأمريكا بعد مؤتمر القاهرة، فذكر أن المؤتمر كان فاتحة عصر جديد لتنصير المسلمين، لأنه كشف الحجاب عن أمور كثيرة كانت مهملة ومنسية، وحث الكتاب على وصف أعمال المُبَشِّرِينَ في بلاد الإسلام، واستنجد بالكنائس واستصرخها. فخاضت الجرائد والمجلات في مسألة الانقلاب العثماني والانقلاب الفارسي والنهضة المصرية وحركة الجامعة الإسلامية ومكانها من الحالة السياسية الحاضرة وكل هذه الكتابات التي نشرتها الجرائد أبانت عما يجب أن تعمله في العالم الإسلامي وصنفت الكتب الكثيرة التي يراد بها تعريفنا ببلاد الإسلام وحالات المسلمين مثل كتاب "الشرق الأدنى والشرق الأقصى" الذي طبع منه ٤٥.٠٠٠ نسخة، ومثل كتاب " أخواتنا المسلمات "، وكتاب " العالم الإسلامي " الذي طبع منه ٥٠.٠٠٠ نسخة وأكثر هذه الكتب نشر بلغات متعددة.
وكتب المُبَشِّرُونَ في هذه المدة مقدار عشرين كتابًا بحثوا بها في المعضلة الإسلامية
стр. 152
من كل أوجهها وكلها مبنية على بحث واستقصاء. ومن هذه الكتب كتاب " دين الإسلام "، و" الشعائر الدينية الإسلامية "، و" الإسلام والنصرانية في الهند والشرق الأقصى"، و" صليبيو القرن العشرين "، و" مصر والحرب الصليبية "، و" الإسلام في الصين".
وختم القسيس (زويمر) خطابه الافتتاحي بقوله: «إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه إياها يظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد هي رمز لعنصر من المعضلة الكبرى: فالمغرب الأقصى في الإسلام مثال الانحطاط، وفارس مثال للانحلال وجزيرة العرب مثال للرقود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاح والصين مثال للإهمال، وجاوة مثال للتغير والانقلاب والهند مركز التحكك بالإسلام، وأفريقيا الوسطى مكان الخطر الإسلامي. والإسلام يحتاج قبل كل شيء إلى المسيح فهو الذي يرسل أشعة النور إلى المغرب، ويعيد الوحدة لفارس، والحياة لجزيرة العرب، والنهضة
стр. 153
لمصر، ويرد إلى الصين ما أهمله الإسلام فيها. وهو الذي يبقي لأهالي ماليزيا بلادهم، ويزيل الخطر العظيم من أفريقيا».
أَعْمَالُ اللِّجَانِ بَعْدَ مُؤْتَمَرِ القَاهِرَةِ:
رأى القائمون بمؤتمر لكنو أن تُقْرَأَ قبل الخوض في موضوعات هذا المؤتمر تقارير اللجان التي تألفت بعد مؤتمر القاهرة فقرأ الدكتور (ويتبرخت) الألماني تقريرًا عن حالة المؤلفات التي صنفت لتبشير المسلمين، وأبان أن دائرة انتشار هذه المؤلفات قد اتسعت جِدًّا باللغات الثلاث التي هي أهم اللغات الإسلامية ويعني بها العربية والفارسية والأوردية. وأن قسمًا كبيرًا من هذه المطبوعات خاص بالبلاد العثمانية ومنها ما تكرر طبعه مثل مؤلفات القسيس (بفندر) ومنها ما هو مكتوب بأسلوب عصري صار يفيد التبشير منذ أخذ العالم الإسلامي يتحكك بالعلوم العصرية. وأهمية هذه المؤلفات كبيرة في الهند لأن الذين
стр. 154
يكتبونها هم مسلمو الهند المُتَنَصِّرونَ مثل (عماد الدين) الذي حصل من مدارس إنكلترا على لقب دكتور في اللاهوت.
وبهذه اللغات الثلاث صار يمكن للمبشرين أن يتحككوا بثلثي المسلمين في العالم، أما الثلث الثالث فمؤلف من ١٠ ملايين صيني و٢٠ مليون من الصقلبيين و ٢٥ مليون من السود وهؤلاء لا توجد في لغاتهم كتب تبشير.
ثم تليت تقارير أخرى في بيان ضرورة نشر مؤلفات في المناظرات الدينية التاريخية التي تكون مكتوبة بأسلوب عصري على ما تقتضيه حالة المسلمين في مصر والهند وسائر أقطار الشرق ثم أشاروا إلى مساعدة صحف أوروبا الكبرى للمبشرين لاهتمامها بالأمور الإسلامية ومن أدلة هذا الاهتمام إنشاء مجلة " العالم
стр. 155
الإسلامي " الفرنسوية ومجلة " الإسلام " الألمانية، و" دائرة المعارف الإسلامية " التي نشرت بثلاث لغات.
الجَامِعَةُ الإِسْلاَمِيَّةِ:
وبعد أن تليت التقارير الكثيرة في موضوعات مختلفة بدأ المؤتمرون بالمسائل التي عقدوا مؤتمرهم لأجلها وافتتحوا ذلك بمسألة الجامعة الإسلامية فتقدم عنها ثلاثة تقارير:
الأول: من القسيس (نلسن) عن حركة الجامعة الإسلامية في السلطنة العثمانية، والثاني من القسيس (ورنر) السويسري عن الجامعة الإسلامية في ماليزيا.
قال القسيس (نلسن) عن الجامعة الإسلامية في السلطنة العثمانية: إن حركة هذه الجامعة قد ضعفت جِدًّا بعد خلع السلطان عبد الحميد ولكن لا تزال في الأهالي روح تضامن مع ملازمة للإسلام وهي سائدة بين مسلمي سوريا إلى درجة تدعو للتبصر في علاقاتها بزعماء الفكرة
стр. 156
الإسلامية. ثم قال: إن الألوف من مسلمي الأرض يتجهون في كل سنة إلى مكة ويشربون ماء زمزم إلا أنه بالرغم من وجود كل أسباب الارتباط الخارجي وبالرغم من وجود الاتحاد الذي يجعل لفكرة الجامعة الإسلامية قوة حقيقية إلى حد يستدعي اهتمام المُبَشِّرِينَ النَّصَارَى والحكومات النصرانية، بالرغم من ذاك وهذا فإنه يستحيل أن يكون من المسلمين عنصر حي حقيقي في استطاعته أن يجمع شمل السنيين والشيعة مَعًا، ويضم الأتراك والفرس والهنود إلى العرب، ليكافحوا ويدافعوا يَدًا واحدة على اتفاق وثقة متبادلة. وختم القسيس (نلسن) تقريره بقوله: اسمحوا لي أن أقول لكم إنه يظهر لي أن اجتماع المسلمين بجامعة إسلامية بكل المعنى الذي يدل عليه هذا اللفظ هو أمر وهمي لا ثمرة له غير توليد أحلام تقلق رجال السياسة الذين يغلب عليهم الخوف ويعتريهم المزاج العصبي.
وقال القسيس (وَرْتْزْ) عن الجامعة الإسلامية في
стр. 157
أفريقيا: إن مدينة مكة والطرق الصوفية هما من أكبر العوامل على بث شعور الوحدة بين المسلمين والنفرة من كل شيء غير إسلامي. وهذا ما يسمونه بالجامعة الإسلامية. وإذا كان في إفريقيا عوامل أخرى توجب تقدم الإسلام فيها فهي الأحوال المساعدة التي يتصف بها الإسلام ومركز بلاده الجغرافي وارتقاء الشعوب الإسلامية في السودان عن الشعوب الزنجية. ثم إن للحالة الاقتصادية وللتجارة الداخلية تأثيرًا كبيرًا على النيجر وبانوية ومقاطعة تشاد لأن التجارة في هذه الأصقاع كلها بيد القبائل الإسلامية. وأما التجار الأوروبيون فيهتمون ببلاد الساحل على الأكثر مع أن تجارة الذهب والملح والحديد والجلود وجوز الهند ونقل هذه المحصولات يستخدم فيه ألوف من الوطنيين الذين يحتك بهم التجار. ومن المحقق أن التاجر المسلم يبث في هؤلاء الوطنيين مع بضاعته التجارية دينه الإسلامي وحضارته الراقية. وكما هي كذلك الحال في السودان
стр. 158
الغربي فهي هكذا أيضًا في السودان الشرقي. وللإسلام في إفريقيا صديق أخر يساعده على انتشاره، ولعلكم تستغربون إذا قلت لكم: إن هذا الصديق هو الاستعمار الأوروبي، فإن الذي يفعله الاستعمار بعد أن يسلب من الأمراء المسلمين سلطتهم السياسية هو أنه يقرر الأمن ويمهد السبيل للمسلمين فبعد أن يكونوا منفورين من الوطنيين الوثنيين قبل الاستعمار الأوروبي بسبب الاتجار بالرقيق يصبحون بعد أصدقاء لهم فيتعامل الفريقان ويتفاهمان بكل حرية ومحبة. ومن هذا يتبين أن الاستعمار يسلب عن المستعمرات السلطة الإسلامية السياسية لكنه يزيد الإسلام نُفُوذًا فيها. ثم أسف صاحب التقرير على أن المنافع الإسلامية تتم بإرادة المستعمرين لأنهم يفضلون استخدام المسلمين وتوظيفهم، واستشهد على هذا بقول (أكسنفلد) مفتش إرساليات التبشير إذ صرح في المؤتمر الاستعماري الألماني بأن الإسلام يتبع خطوات الأوروبيين حيثما ذهبوا، فلا
стр. 159
توجد نقطة عسكرية أوروبية بدون جنود مسلمين ولا توجد مصلحة استعمارية أوروبية بدون مستخدمين مسلمين. ولا تكاد توجد مزرعة خالية من حانوت لمسلم يبيع فيه ويشتري. وتكلم (ورنز) عن المدرسة التي أسستها إنكلترا في (سيراليون) بغرب إفريقيا لتعليم أطفال القبائل الإسلامية والوثنية باللغة العربية وعدم تعليمهم الديانة النصرانية احتفاظًا بمبدئها في الحياد الديني. ثم قال: ولو اتفق أن المسلمين غضبوا للصور الموجودة في كتب دروس الأشياء فلا تتأخر إدارة المستعمرات الإنكليزية عن استفتاء علماء الإسلام في الآستانة ومصر والهند استرضاء لآباء التلاميذ وأقاربهم.
ثم أشار إلى تقدم الإسلام في إفريقيا فتساءل عما إذا كان هنالك عمل مرتب ويد عاملة على نشره أم أنه ينتشر بطبعه؟ وأجاب بأن من الصعب حل هذه المسألة لأن القوات العملية التي ينتشر بها الإسلام تختلف عن قوات
стр. 160
المُبَشِّرِينَ بالنصرانية. ولكن يظهر أن النظام في نشر دين الإسلام أقل مما نتصوره لأن المسلمين يجهل بعضهم أخبار البعض الآخر وأحواله وإذا اتفق أنهم اشتركوا في أمر فإنما يكون ذلك بدون قصد. ومن الخطأ أن يقال إن الجامع الأزهر يرسل ألوف المُبَشِّرِينَ إلى إفريقيا الوثنية للدعوة إلى الإسلام لأن الأزهر ليس معهد تبشير كما هي مدارس اللاهوت في أوروبا. ويقال مثل ذلك عن كل المدارس الإسلامية في شمال إفريقيا. ويستثنى من ذلك المدارس التي يديرها مشايخ الطرق في الصحاري وفي السودان. وعاد قبل أن يختم تقريره فقال: إلا أن هنالك قرائن كثيرة تدل على وجود يد تعمل بقصد لنشر الإسلام. فإنه يظهر في ربوع إفريقيا من وقت إلى آخر مبشرون متنقلون يدعون المهدوية ويثيرون الفتن الشديدة ومن الذي يمكنه أن يبين لنا علاقة أصول الدين بهؤلاء المُبَشِّرِينَ المُتَنَقِّلِينَ؟ ولا ريب أن بين ناشري القرآن
стр. 161
الكثيرين في إفريقيا أناسًا هم أعضاء سريون ينتسبون إلى طرق دينية.
وتكلم بعده القسيس سيمون عن حركة الجامعة الإسلامية في ماليزيا فقال: يزعم بعضهم أن الإسلام في الهند تنقصه الحياة وأنه غير مرتب وأنه صبياني. ولكن يجب علينا أن لا ننسى ارتباط الإسلام في الهند بمكة، وهذا الارتباط يدعو سكان جزائر ماليزيا إلى الاعتقاد بأنهم جزء من مجموع كبير. وبأن سلطة النصارى عليهم شيء مؤقت وسيأتي يوم يجيئهم فيه السلطان العثماني الذي هو أكبر أمير في أوروبا ومرتبط بأواصر المودة مع إمبراطور ألمانيا فينقذهم من يد النصارى عقب حرب دينية. ونحن نرى البوجيين يبيعون الآن كرات سحريه لتستعمل في محاربة هولندة يوم تنشب المعركة المنتظرة. ولكن عَبَثًا يبني هؤلاء آمالهم على الجامعة الإسلامية لأن التربية النصرانية قد انبثت في دمائهم بفضل مدارس التبشير وباحتياطات استمدتها حكومة هولندة
стр. 162
من أصول الدين النصراني ومن شأنها أن تزعزع آمال المسلمين الباطلة.
وقال بعد هذا في ختام تقريره: إن العامل الذي جمع هذه الشعوب وربطها برابطة الجامعة الإسلامية هو الحقد الذي يضمره سكان البلاد للفاتحين الأوروبيين ولكن المحبة التي تبثها إرساليات التبشير النصرانية ستضعف هذه الرابطة وتوجد روابط جديدة تحت ظل الفاتح الأجنبي.
وقام بعد ذلك القسيس (كَانُونْ سِلْ) المبشر في مَدْرَاسْ فَتَلاَ تَقْرِيرًا عن مشايخ الطرق والدراويش في إفريقيا وقدم له مقدمة تاريخية اقتبسها من المؤلفات الفرنساوية.
والمعلومات التي تضمنها هذا التقرير هي ملخص كتاب ألفه هذا القسيس اسمه " الطرق الصوفية في الإسلام " ثم قال:
стр. 163
إن الإسلام أخذ ينتشر في الحبشة، وسيصبح شمال الحبشة عما قريب بلدًا إسلاميًا، أما ممباسة وشرقي إفريقيا البريطانية فلا أثر فيهما للدراويش المُبَشِّرِينَ وليس عظيمًا نجاح الإسلام في شمال نيجيريا حتى الأيام الأخيرة، وذلك لما كان يلقاه هذا الدين من مقاومة القبائل الوثنية له إلا أن الاستعمار الانكليزي قد وطد الأمن العام ومهد السبيل لسياحة المسلمين وانتشار الإسلام على يد التجار الهوسيين. وفي نيجيريا مسلمون تربوا تربية إسلامية وهم على مذهب مالك بن أنس، وقد درسوا " تفسير البيضاوي " و" صحيح البخاري " وكتب الغزالي. والإسلام في جنوب هذه البلاد قد انتشر انتشارًا سريعًا بفضل الهوسيين وقسم من هؤلاء ينتمي إلى الطريقة التيجانية منذ ٨٠ سنة وهذه الطريقة قد اتسع نطاقها حتى جهة البيدة، ومشايخها هم الذين شدوا أزر أمير سكوتو أثناء اقتتاله مع الإنكليز وعلى كل حال فالظواهر تدل على أن الإسلام
стр. 164
يتقدم بانتظام في مقاطعة (سيراليونة) وهو ينتشر أيضًا في (نياسالند) منذ ١٢ سنة بفضل عرب زنجبار. والبلاد الممتدة من بحيرة نياسا حتى الشاطئ الأفريقي الشرقي لا تكاد تخلو من مسجد ورجل يدعو إلى الإسلام، وبالعكس من ذلك مقاطعة (رودزيا) فإن الإسلام لا يكاد يكون له فيها أثر.
وقام بعده الأستاذ (مِينْهُفْ) فذكر بعض دواعي انتشار الإسلام مثل انقطاع تجارة الرقيق وانتشار الأمن ونفوذ المسلمين من الوجهة الاقتصادية والتجارية. ومما قاله: إن بين الأوروبي والأفريقي هوة تفرق بينهما، والمسلمون قد تمكنوا من إزالة الهاوية التي كانت بينهم وبين الزنوج بأن جعلوا لهم إلى هؤلاء سلمًا فأهالي الساحل الشرقي في إفريقيا والهاوسيون في السودان الغربي هم الآلة العاملة لانتشار مدنية الإسلام في أفريقيا بلغة البلاد التي هي مزيج من العربية والبربرية والإفرنجية
стр. 165
(لانغو فرانكا) وهذه اللغة هي واسطة التعارف في الأقاليم الكبرى، وشدد النكير على القائلين بأن الإسلام أكثر موافقة للشعوب الأفريقية وقال: إن من شأن هذه الفكرة أن تحبب المسلم إلى الأوروبيين وتحملهم على مجاملته مع أن أساس هذه الفكرة وَاهٍ إلا إذا كان معناه أن الإسلام يبيح تعدد الزوجات المنتشر في أفريقيا وقد أظهرت التجارب الكثيرة في الاستعمار الأوروبي أن الأوربيين لا يختلفون في شيء عن الأفريقيين من الوجهة العملية، أما أن الإسلام في مستوى أرقى من مستوى الشعوب الأفريقية فذلك لأن هؤلاء يعيشون على طريقة القرون القديمة ومدنية الإسلام هي بدرجة مدنية القرون المتوسطة ولذلك يسهل على الإفريقيين اقتباسها. وأما مدنية أوروبا فهي أرقى من المدنيتين الأفريقية والإسلامية، ولذلك يصعب على الأفريقي الوصول إليها والاحتكاك بها.
والأوروبيون لم يثبتوا في نشر مدنيتهم على الإفريقيين
стр. 166
إلا في الجنوب ولذلك أصبح القيام بهذا الأمر واجبًا على المُبَشِّرِينَ كي تعلو النصرانية على الإسلام. وقد صار ينبغي لإرساليات التبشير أن تتحكك بالمسلمين وتتسلح بالمعدات الكافية لقتالهم وأن لا تخشى ذلك كما كانت تفعل حتى الآن. وينبغي لهم أن لا تكون أعمالهم لاهوتية فقط بل أن يطرقوا أبواب الطب والصناعة وكل الأعمال التي يتفوق فيها الأوروبي على الشرقي.
الاِنْقِلاَبَاتُ السِّيَاسِيَّةُ:
ومن المسائل التي عقد مؤتمر لكنو للبحث فيها الانقلابات السياسية في ممالك الإسلام فابتدأوا بالبلاد العثمانية وتقدمت ثلاثة تقارير عن الحالة السياسية في البلاد العثمانية:
الأول من الأستاذ (استورد كروفورد) عن الانقلابات العثمانية، والثاني من القسيس (ينغ) عن
стр. 167
الانقلابات السياسية في جزيرة العرب، والثالث من القسيس (تْرُوبْرِيدْجْ) عن النظام الجديد والنظام القديم في السلطنة العثمانية مع ملاحظة موقف إرساليات التبشير في كل ذلك.
تساءل (استورد كروفورد) في أول تقريره عن الموقف الذي يجب أن تكون فيه إرساليات التبشير المسيحية تجاه قوات الإسلام الجديدة بعد الانقلابات العثمانية. ثم قال: إن الأمة العثمانية بحصولها على بعض الحقوق الوطنية العصرية قد أخذت تتدرج في مدارج نهضة عظيمة وتظهر إحساسًا وطنيًا جديدًا أمام المسؤولية الديمقراطية. وهذا الأمر لا يقتصر على الرعايا المسلمين بل يشترك معهم فيه العثمانيون من غير المسلمين وهؤلاء قد بدأوا ينصرفون عن فكرة الاستعانة بالدول الأجنبية.
وحدث بين المسلمين والنصارى تقارب محسوس بالرغم من حدوث بعض حوادث مزعجة إلا أن الإسلام قد ظهر في
стр. 168
قالب جديد وذلك لأن الانقلاب الذي تمخضت به الأمة العثمانية إنما كان إسلاميًا بل إن فكرة الدفاع عن الإسلام هي التي أعانت على حدوث الانقلاب.
وعلى هذا فواجب المُبَشِّرِينَ مزدوج أمام هذا المزيج الغريب، المتكون من الرغبة في الارتقاء والتمسك بالتقهقر، وبهذا الواجب المزدوج يمكن لهم أن يعينوا مركزهم إزاء المسلمين العثمانيين أما الواجب الأول فهو إظهار المجاملة للقوة الجديدة التي انتبهت بالعثمانيين بعد انعدامها بالرغم من أن الشعور الإسلامي الحقيقي يعرقل سيرها.
وبهذه المجاملة يمكن تنشيط المسلمين لاقتباس الأوضاع الجديدة وترقيتها على وجه يشبه الأوضاع التي تباهي النصرانية بها. ولم يسبق لنا أننا رأينا الإسلام لَيِّنًا وَمُلاَئِمًا إلى حد تقدير المبادئ النصرانية بقدرها. وهذه فرصة ثمينة ينبغي لنا انتهازها للتحكك بالعالم الإسلامي وهدايته إلى الإنجيل الذي هو أرقى وحي هداه الشرق
стр. 169
للغرب. وما علينا إلا أن نستصرخ المسلمين ليستردوا إليهم بضاعتهم الطبيعية فيطبقوا مبادئها على أعمالهم الضرورية من اجتماعية وقومية ويفسروها بأنفسهم على ما يوافق هواهم، ووقتنا أضيق من أن يتسع للطعن على عقائدهم. وإذا ثبتنا على تلك الطريقة الفاسدة في إظهار المسيحية بمظهرها أيام الحروب الصليبية فإنما نكون قد خُنَّا المسيح الفاتح.
أما الواجب الثاني فهو الصبر الذي يعرفه من عرف حكمة الإنجيل في النمو التدريجي وهي تبتدئ بالعشب ثم بالسنبلة ثم يتبعها انتظار طويل ريثما ينضج الحَبُّ، إلا أن النمو الأخلاقي طويل العهد، خصوصًا إذا كان متعلقًا بأمة.
ثم قال: إن المسلمين يقتبسون من حيث لا يشعرون شطرًا من المدنية النصرانية ويدخلونه في ارتقائهم الاجتماعي، وما دامت الشعوب الإسلامية تتدرج إلى غايات ونزعات ذات علاقة بالإنجيل فإن الاستعداد لاقتباس النصرانية يتولد فيها على غير قصد منها.
стр. 170
وقد علقت مجلة " العالم الإسلامي " الفرنساوية على هذا القول بأنها تكتفي في بيان أهمية ما يقوله (استورد كروفورد) بتذكير القراء بالجملة التي اتخذتها جمعية الطلاب المتطوعين للتبشير شعارًا لها منذ سنة ١٩٠٥ وهي: تنصير العالم قاطبة في هذا العصر. فإن في هذا الشعار ما يدل على أن أقوال المُبَشِّرِينَ تتدرج نحو الحقيقة.
أما تقرير القسيس (ينغ) عن الانقلابات السياسية في جزيرة العرب فلم تذكر منه مجلة " العالم الإسلامي " الفرنساوية إلا ما يتعلق بحالة المُبَشِّرِينَ ومما قاله صاحب التقرير إن اليمن وسائر بلاد العرب يوجد فيها دائمًا متعصبون يرون أن في المساواة بين المسلمين والنصارى ضررًا وقضاء على الإسلام ولكن علماء الإسلام المتنورين يقولون إن الشريعة الإسلامية تأمر بالمساواة ثم هم من الوجه الشخصية لا تمكنهم الموافقة على أن المسيحي يساوي نصف المسلم وإن
стр. 171
كان المسيحيون مساوين للمسلمين في الحقوق السياسية والشرعية. وهو يرجو أن يكون إنشاء الطرق والسكك الحديدية وتشييد المدارس أبوابًا ومنافذ بين المسلمين والنصرانية.
وختم تقريره بقوله: إنه قد أزف الوقت لارتقاء العالم، وسيدخل الإسلام في شكل جديد من الحياة والعقيدة، ولكن هذا الإسلام الجديد سينزوي في النهاية ويتلاشى بالنصرانية.
وبعد أن فرغ الخطيبان السابقان من تلاوة تقريريهما قام بعدهما القسيس (تروبريدج) فألقى على مسامع زملائه تقريره عن النظامين الجديد والقديم في السلطة العثمانية فقال:
إن المُبَشِّرِينَ كانوا منذ ابتداء أعمالهم التبشيرية قبل ٨٠ سنة مظهرًا لتسامح الحكومة العثمانية كما هو شأنها مع الرعايا الأجانب الذين تحميهم الامتيازات الأجنبية أما المُتَنَصَّرونَ الوطنيون فهم على نقيض ذلك لأنهم كانوا دائمًا عرضة للسجن والطرد كما أن المُبَشِّرِينَ من وجه آخر كانوا
стр. 172
يلاقون الصعاب والعقبات في سبيل تشييد المدارس والكنائس ونشر المطبوعات.
ثم أشار بعد ذلك إلى ملخص البند العاشر من القانون الأساسي الذي يحظر خرق حرية الأفراد أو القبض على أي شخص ومعاقبته بلا مسوغ منصوص عليه في الأحكام الشرعية الإسلامية والنظامات القانونية. ثم قال: ومع ذلك يتعذر الوقوف على حقيقة خطة الحكومة بالاستناد على أقوال الكثيرين التي ترمي على عواهنها بل إن ذلك يتطلب التنقيب والاختبار الشخصي، ولذلك قسم الخطيب الكلام على أعمال المُبَشِّرِينَ بالنسبة إلى موضوعها ليسهل الوقوف على موقف الحكومة إزاء كل منها.
فقال عن الأعمال المدرسية: إن في استطاعة المسلمين التردد على مدارس وكليات التبشير، وبين جدران الكلية الإنجيلية في بيروت (١) ١٠٤ من المسلمين وفي كلية الآستانة
стр. 173
٥٠ وفي كلية المُبَشِّرِينَ في كدك باشا في الآستانة أيضا ٨٠ ومنذ بضع سنين صدر إذن خفي بجواز التردد على الكلية الأولى والثانية.
وانتقل إلى قسم التأليف فقال: كان طبع كتب التبشير مُبَاحًا في تركيا منذ مدة طويلة إلا أن مهمة بائعي الكتب المتنقلين كانت محفوفة بأنواع الصعوبات، فأصبح الآن بيع الكتب التبشيرية مُبَاحًا بسبب حرية النشر التي عقبت الدستور، فبيع في السنة الماضية للمسلمين ما يزيد على ٩٠٠٠ نسخة من هذه الكتب وليس هناك صعوبات تقوم في سبيل بيع الكتب المختصة بانتشار التبشير ولكن يجب على المؤلفين عدم الخوض في غمار المناقشات الدينية لأن الحكومة الحاضرة لا تسمح البتة بنشر الكتب التي على شاكلة مؤلفات (فندر).
وقال عن الأعمال الطبية والخيرية: إنها منتشرة جِدًّا في
стр. 174
البلاد العثمانية، ومما يجدر ذكره أن القسيس (بيت) التابع لإرسالية التبشير في الآستانة عين رئيسًا للجنة الإسعاف الخيرية التي تأسست تحت رعاية السلطان عقب مذابح أدنة. والتبشير الديني جار بلا صعوبة في المستشفيات التي يدير أعمالها المبشرون.
ثم قال عن الأعمال النسائية: إن الحكومة سمحت عقب إعلان القانون الأساسي لخمس فتيات عثمانيات مسلمات أن يتعلمن في كلية البنات الأمريكية ليتهيأن لإدارة الأمور في مدارس الحكومة للبنات كما أن عَدَدًا قليلاً من البنات المسلمات في الولايات يترددن على مدارس إرساليات التبشير. أما الحكومة فتظهر الاحتفاظ التام بحالة تربية المرأة المسلمة وتحظر على النساء التردد على المجتمعات العمومية.
وقال عن أعمال التنصير: إن الحكومة العثمانية
стр. 175
تتدخل ولو من طرف خفي عندما يتصل بها خبر اعتناق مسلم للدين المسيحي فتزجه في السجن لأي سبب كان أو تبعده سِرًّا عن وطنه جزاء ارتداده. وكان الإعدام من قبل عقابًا للارتداد عن الإسلام ولم يزل المرتد في أيامنا هذه عرضة للعذاب الأليم. ومما لا مرية فيه أن الموظفين المتنورين يمجون هذه الأعمال. أما التبشير الإنجيلي في الشوارع والأسواق فمحظور. وقد دخل التسامح في شكل جديد عقب قبول اندماج المسيحيين في الجندية لأن ارتداد المسلم عن دينه كان يعتبر خيانة ووسيلة للتخلص من الخدمة العسكرية. أما الآن فأصبحت مسألة اعتناق الدين المسيحي دينية محضة.
ثم قال صاحب التقرير: إنه يتعذر إدراك ما يخبئه لنا المستقبل لأن بوادر الأحوال تدلنا على أن الحكومة العثمانية لا ترغب في منح الحرية الدينية الحقيقية لأن الدين الإسلامي هو دين الحكومة الرسمي ولم يخرج القانون
стр. 176
الأساسي إلى حيز الفعل إلا بقدر انطباقه على الشرائع والتقاليد الإسلامية، ومهما يكن من الأمر فإن إرساليات التبشير لا تشكو ضيمًا بعد أن أسفر التحقيق الذي أجري في إرساليات التبشير في الآستانة وسلانيك ووان ومرعش وعين تاب عن أن خطة الحكومة الحاضرة موجبة لاستنهاض هِمَّةَ المُبَشِّرِينَ.
وبعد أن انتهى البحث عن الحالة في السلطنة العثمانية انتقل المؤتمر إلى البحث في الانقلابات السياسية في فارس فألقى القسيس (إِسْلِسْتِينْ) الذي مضي عليه ٢٣ سنة في هذه البلاد تقريره في هذا الموضوع فوصف الحالة الحاضرة السياسية والحركة الاجتماعية في فارس وقال: إن عصر الحرية الدينية سيزيد في عدد البابيين أو البهائيين، وأنه يوجد ألوف من الفارسيين ينبذون الإسلام ويندمجون في بعض المذاهب أو يظلون بلا عقيدة دينية فظهر على أثر
стр. 177
ذلك توتر في العقائد الدينية الإسلامية في كل أقاليم فارس وهذه الأمور حملت صاحب التقرير على القول بأن الإسلام ينحط في البلاد الفارسية وقال: إن أعمال التبشير في هذه البلاد توجب مزيد الحيطة والتستر نَظَرًا للأحوال الخاصة التي تمتاز بها فارس وهو يشير على المُبَشِّرِينَ ببذل قصارى الجهد للإقناع واستجلاب القلوب إلا أنه يحذرهم من السب في الإسلام أو ذكر انحطاطه من حيث أصوله الدينية، خصوصًا وأن موقف الفارسيين تجاه المُبَشِّرِينَ هو موقف حسن في الغالب إذ كثيرون منهم يرغبون في تربية أولادهم في مدارس المُبَشِّرِينَ مع علمهم أنهم يتعلمون الإنجيل لكن هذه الرغبة لا تدل على أنهم يودون اعتناق المسيحية بل إن تشوقهم إلى التعليم صادر عن علمهم أنه هو الدواء الناجع لاتقاء الصعاب التي تتخبط فيها فارس الآن فهم لا يرغبون في المسيحية بل جل ما يتوخونه هو اقتباس مبادئ الحضارة العصرية.
стр. 178
وبعد أن فرغ المؤتمر من الخوض في الانقلابات في فارس انتقل إلى أقاليم آسيا الوسطى التي لم تصل إليها إرساليات التبشير مثل الأفغانستان والتركستان الصينية والروسية والأقاليم الروسية الآسيوية فتلا تقرير الكولونيل (ج. ونجت) الذي يشير إلى بعض الأعمال التي بوشرت في آسيا الوسطى. فاتضح منه أنه تعذر على المُبَشِّرِينَ الإنكليز اجتياز الحدود الهندية للدخول في آسيا الوسطى بسبب العراقيل التي توجدها الحكومة الإنكليزية مَنْعًا لهم من اجتياز هذه الحدود. لكن سبقها مبشرون آخرون إلى هذه البلاد إذ هبطت إرسالية تبشير أسوجية بروتستانية مدينة (كاشغر) و (يركند) وتأسست إرسالية تبشيرية مجرية في (له) وعرج مبشرون بلجيكيون كاثوليك إلى (خولجة) وتوجد إرسالية تبشيرية طبية دانمركية في (هوتي مردان) تقوم بها النساء ووظيفتها التبشير بين النساء المسلمات وهي على أهبة الهبوط إلى (كابل) ومما لا شك فيه أن النساء اللواتي يتعاطين الطب يلاقين مزيد الحفاوة لأن المسلمين لا يهتمون
стр. 179
بأعمال النساء المبشرات ولا يضمرون لهن سُوءًا ولكن يعتور أعمال المُبَشِّرِينَ في هذه البلاد صعوبات ويمكننا أن نعرف موقف حكومة الأفغان الرسمي بمراجعتنا نبذة من خطاب ألقاه أمير الأفغان على مسامع الطلبة المسلمين في مدرسة لاهور. إذ قال لهم: «لا خوف عليكم من أن الدين المسيحي أو أي دين آخر ينتزع منكم العقيدة الإسلامية عقب اقتباسكم التعليم الغربي، ولكن ينبغي لكم أن تقوموا قبل كل شيء باقتباس العقيدة الإسلامية وأنتم في مقتبل عمركم» واتضح بعد ذلك أن المبشر (هوغبرغ) التابع لإرسالية التبشير الأسوجية الذي أخذ يبشر بين المسلمين في التركستان الروسية اضطر أن يفر من مقاومة الحكومة الروسية له إلى (كاشغر) حيث لقي مزيد من التسامح من الحكومة الصينية.
وقرئ بعد ذلك تقرير المس (جي فون ماير) المبشرة في (تفليس) وهو يحوي أمورًا تاريخية تتعلق بالتبشير
стр. 180
بين المسلمين القاطنين في روسيا. والقسم الأول من هذا التقرير يتعلق بتاريخ تنصير تاتار قازان أفواجًا وإلى المساعي التي بذلها المبشر الأرثوذكسي (إيلمنسكي) لتنصير المسلمين وجعلهم روسيي النزعة، وقد لاقى ما لاقاه من المقاومة في هذا السبيل نظرًا لشدة نفوذ التاتار وتسيطرهم على الشعوب غير النصرانية في روسيا. وتقول صاحبة التقرير إنه مهما كانت درجة مساعي المُبَشِّرِينَ الأرثوذكس فإنها لا تعادل ما يبذله المُبَشِّرُونَ البروتستنت في هذا السبيل. وقد تأسست جمعية التبشير الأرثوذكسي سنة ١٨٧٠ وهي منتشرة في أكثر الأقاليم الروسية وسيببريا ومركزها في (موسكو) وكلفت حتى الآن ما يربو على خمسة ملايين ريالاً وهي تدبر أعمال ٧٠٠ مدرسة يتعلم فيها ١٩.٠٠٠ تلميذًا وتنصر بواسطتها ٤٤ مسلمًا سنة ١٩٠٨ وبلغ ما نصرته للآن ١٦٧٠ مسلمًا. وأخذ التبشير ينتشر في ولاية (توبولسك) بواسطة جمعية التبشير