الأساسي إلى حيز الفعل إلا بقدر انطباقه على الشرائع والتقاليد الإسلامية، ومهما يكن من الأمر فإن إرساليات التبشير لا تشكو ضيمًا بعد أن أسفر التحقيق الذي أجري في إرساليات التبشير في الآستانة وسلانيك ووان ومرعش وعين تاب عن أن خطة الحكومة الحاضرة موجبة لاستنهاض هِمَّةَ المُبَشِّرِينَ.
وبعد أن انتهى البحث عن الحالة في السلطنة العثمانية انتقل المؤتمر إلى البحث في الانقلابات السياسية في فارس فألقى القسيس (إِسْلِسْتِينْ) الذي مضي عليه ٢٣ سنة في هذه البلاد تقريره في هذا الموضوع فوصف الحالة الحاضرة السياسية والحركة الاجتماعية في فارس وقال: إن عصر الحرية الدينية سيزيد في عدد البابيين أو البهائيين، وأنه يوجد ألوف من الفارسيين ينبذون الإسلام ويندمجون في بعض المذاهب أو يظلون بلا عقيدة دينية فظهر على أثر
стр. 177
ذلك توتر في العقائد الدينية الإسلامية في كل أقاليم فارس وهذه الأمور حملت صاحب التقرير على القول بأن الإسلام ينحط في البلاد الفارسية وقال: إن أعمال التبشير في هذه البلاد توجب مزيد الحيطة والتستر نَظَرًا للأحوال الخاصة التي تمتاز بها فارس وهو يشير على المُبَشِّرِينَ ببذل قصارى الجهد للإقناع واستجلاب القلوب إلا أنه يحذرهم من السب في الإسلام أو ذكر انحطاطه من حيث أصوله الدينية، خصوصًا وأن موقف الفارسيين تجاه المُبَشِّرِينَ هو موقف حسن في الغالب إذ كثيرون منهم يرغبون في تربية أولادهم في مدارس المُبَشِّرِينَ مع علمهم أنهم يتعلمون الإنجيل لكن هذه الرغبة لا تدل على أنهم يودون اعتناق المسيحية بل إن تشوقهم إلى التعليم صادر عن علمهم أنه هو الدواء الناجع لاتقاء الصعاب التي تتخبط فيها فارس الآن فهم لا يرغبون في المسيحية بل جل ما يتوخونه هو اقتباس مبادئ الحضارة العصرية.
стр. 178
وبعد أن فرغ المؤتمر من الخوض في الانقلابات في فارس انتقل إلى أقاليم آسيا الوسطى التي لم تصل إليها إرساليات التبشير مثل الأفغانستان والتركستان الصينية والروسية والأقاليم الروسية الآسيوية فتلا تقرير الكولونيل (ج. ونجت) الذي يشير إلى بعض الأعمال التي بوشرت في آسيا الوسطى. فاتضح منه أنه تعذر على المُبَشِّرِينَ الإنكليز اجتياز الحدود الهندية للدخول في آسيا الوسطى بسبب العراقيل التي توجدها الحكومة الإنكليزية مَنْعًا لهم من اجتياز هذه الحدود. لكن سبقها مبشرون آخرون إلى هذه البلاد إذ هبطت إرسالية تبشير أسوجية بروتستانية مدينة (كاشغر) و (يركند) وتأسست إرسالية تبشيرية مجرية في (له) وعرج مبشرون بلجيكيون كاثوليك إلى (خولجة) وتوجد إرسالية تبشيرية طبية دانمركية في (هوتي مردان) تقوم بها النساء ووظيفتها التبشير بين النساء المسلمات وهي على أهبة الهبوط إلى (كابل) ومما لا شك فيه أن النساء اللواتي يتعاطين الطب يلاقين مزيد الحفاوة لأن المسلمين لا يهتمون
стр. 179
بأعمال النساء المبشرات ولا يضمرون لهن سُوءًا ولكن يعتور أعمال المُبَشِّرِينَ في هذه البلاد صعوبات ويمكننا أن نعرف موقف حكومة الأفغان الرسمي بمراجعتنا نبذة من خطاب ألقاه أمير الأفغان على مسامع الطلبة المسلمين في مدرسة لاهور. إذ قال لهم: «لا خوف عليكم من أن الدين المسيحي أو أي دين آخر ينتزع منكم العقيدة الإسلامية عقب اقتباسكم التعليم الغربي، ولكن ينبغي لكم أن تقوموا قبل كل شيء باقتباس العقيدة الإسلامية وأنتم في مقتبل عمركم» واتضح بعد ذلك أن المبشر (هوغبرغ) التابع لإرسالية التبشير الأسوجية الذي أخذ يبشر بين المسلمين في التركستان الروسية اضطر أن يفر من مقاومة الحكومة الروسية له إلى (كاشغر) حيث لقي مزيد من التسامح من الحكومة الصينية.
وقرئ بعد ذلك تقرير المس (جي فون ماير) المبشرة في (تفليس) وهو يحوي أمورًا تاريخية تتعلق بالتبشير
стр. 180
بين المسلمين القاطنين في روسيا. والقسم الأول من هذا التقرير يتعلق بتاريخ تنصير تاتار قازان أفواجًا وإلى المساعي التي بذلها المبشر الأرثوذكسي (إيلمنسكي) لتنصير المسلمين وجعلهم روسيي النزعة، وقد لاقى ما لاقاه من المقاومة في هذا السبيل نظرًا لشدة نفوذ التاتار وتسيطرهم على الشعوب غير النصرانية في روسيا. وتقول صاحبة التقرير إنه مهما كانت درجة مساعي المُبَشِّرِينَ الأرثوذكس فإنها لا تعادل ما يبذله المُبَشِّرُونَ البروتستنت في هذا السبيل. وقد تأسست جمعية التبشير الأرثوذكسي سنة ١٨٧٠ وهي منتشرة في أكثر الأقاليم الروسية وسيببريا ومركزها في (موسكو) وكلفت حتى الآن ما يربو على خمسة ملايين ريالاً وهي تدبر أعمال ٧٠٠ مدرسة يتعلم فيها ١٩.٠٠٠ تلميذًا وتنصر بواسطتها ٤٤ مسلمًا سنة ١٩٠٨ وبلغ ما نصرته للآن ١٦٧٠ مسلمًا. وأخذ التبشير ينتشر في ولاية (توبولسك) بواسطة جمعية التبشير
стр. 181
المركزية المخالفة للإسلام وهي جمعية أرثوذكسية. وتوجد جمعيات تبشير أرثوذكسية كثيرة في ولايات (فولغا) تتضافرن جميعهن في أمر التبشير ويؤسسن المدارس لتعليم أولاد التاتار والتشوفاش. قالت صاحبة التقرير: ولكن الأعمال التي يقوم بها المُبَشِّرُونَ الروس بين التاتار عقيمة لأن التتار متعصبون متمسكون بدينهم وهم أنفسهم مبشرون نشيطون. ثم أشارت إلى جمعية التبشير الكنسية الروسية في القديم وأنها تقوم بعمل مزدوج فتعلم المُبَشِّرِينَ في مدارس تعلم فيها اللغة التركية والعربية. ولها أيضًا مبشر يتنقل من محل إلى آخر فيتنصر على يده كل سنة أربعة أو خمسة من المسلمين. وللمبشرين الروس إرساليات تبشير أخرى منتشرة في الولايات الروسية الأوروبية وبعضها طبية. ولكن مهمة المُبَشِّرِينَ تزداد حيثما وجدت قبائل القرغز والباشكير والتركمان على كثب من التاتار لأن هذه القبائل
стр. 182
تقع تحت نفوذها وهناك يستفحل النزاع بين المُبَشِّرِينَ المسيحيين والتاتار.
انتقلت بعد ذلك صاحبة التقرير إلى ذكر الأعمال التي تقوم بها إرساليات التبشير البروتستانتية فاعترفت بعدم اهتمام الكنائس البروتستانتية الروسية بتبشير العشرين مليونًا من المسلمين والخمسة الملايين من الوثنيين القاطنين في روسيا لأنها لم تقم للآن بعمل يذكر. وقالت: إن كنائس بروتستانية أخرى قامت بهذه المهمة ولها مبشرون في تركستان وبين قبائل القرغز. وأهم إرساليات التبشير التي تسعى لتنصير المسلمين في كل أقطار روسيا هي إرسالية التبشير الأسوجية التي لها مركز عام في تفليس وفروع للتبشير في بخارى وأورنبرغ وسمرقند وكاشغر.
وبما أن الحكومة الروسية لم تسمح لهذه الإرساليات بالتعليم ولا بالتطبيب فهي تكتفي بتوزيع الكتب التبشيرية
стр. 183
بالفارسي والتركي وبلغ عدد الذين تنصروا بواسطتها ١٤ شخصًا. أما إرساليات التبشير في بخارى وسمرقند فاضطرت إلى توقيف أعمالها عقب الاضطرابات التي طرأت. وهذه الإرساليات تجد صعوبات شديدة لدى الباشكيريين ولم تحصل على نتائج صريحة. وتقوم جمعية التوراة الإنكليزية والأجنبية بنشر نسخ الإنجيل في كل البلاد الروسية، ولها مركزان، واحد لروسيا الأوروبية والتركستان والآخر لسيبيريا وهما يقومان بنشر الأناجيل بعشر لغات إسلامية ويظهر أن عدد الأناجيل التي تباع للمسلمين ازداد عن ذي قبل.
وختمت صاحبة التقرير كلامها بالإشارة إلى بعض إرساليات تبشير صغيرة منتشرة في الأقاليم التي يقطنها المسلمون.
стр. 184
وتليت بعد تقرير المس (جني فون ماير) الطويل ثلاثة تقارير أولها للقسيس (ويلسون) عن أحوال الهند، والثاني للقسيس (جُونْ تَكْلْ) عن تقدم الإسلام في الهند، والثالث للقسيس (وَيتْيْرخت) عن حركات الإصلاح في الهند. وقد جاء في التقرير الأول للقسيس (ويلسون) أن الحركة العصرية التي تتمخض بها الأرجاء الهندية لم تأت بثمرة للآن ولم تظهر إلا بشكل أفكار وميول ونزعات. وليتسنى الوقوف على ما يكون من تأثير هذه الحركة على أعمال التنصير يجدر الانتظار ريثما تتحقق مآرب حاملي لواء الإصلاح في الهند.
وليس هناك داع للاستغراب أو الفشل إذا أظهر المسلمون عدم إقبال على اقتباس المبادئ الإنجيلية لأن الاهتمام بالحياة العقلية والسياسية الحديثة يدعو إلى تعليق الآمال بالنهضة التي ترفع شأن الإسلام فلا يبقى ثمة مجال في نفوس المسلمين للتفكير في أمور أخرى. لكن صاحب التقرير لا يشك
стр. 185
في أن التربية الغربية هي من قبيل قوة تنحل بها عُرَى الروابط الإسلامية. وقد قال بعد ذلك: «إن مطالعة التاريخ المجرد من المحاباة والغرض، تميط اللئام عن حقيقة مصادر الإسلام لأن العقل الذي اعتاد التنقيب العلمي لا يقبل الاعتقاد عفواً وبلا روية بالعقائد التقليدية». وهو يعتقد أن انتشار التعليم يساعد على تبديد الخرافات القديمة بخصوص المسيحية. واختتم القسيس (ويلسون) تقريره مؤملاً بالحصول على نتائج حسنة في المستقبل.
وتلاه القسيس (جون تكل) فاستهل تقريره بإلقاء نبذة عن تاريخ انتشار الإسلام في الأقاليم الهندية، وقال: «إن الإسلام آخذ في الازدياد وإن تكن المجهودات التي تبذل في سبيل انتشاره تكاد تكون في حكم العدم».
وأشار إلى مقاطعة البنغال فقال: «إن عدد المسلمين فيها بلغ سنة ١٨٧١ ستة عشر مليوناً ونصف مليون وكان
стр. 186
الوثنيون ١٧ مليونًا ثم اتضح من إحصاء سنة ١٩٠١ أن المسلمين في هذه المقاطعة صاروا ١٩ مليونًا ونصف مليون والوثنيون ١٨ مليونًا». ثم تساءل عن أسباب نمو المسلمين، وأجاب إنه لا يمكن أن ينسب هذا النمو إلى تعدد الزوجات لأن ٢٩ في المائة فقط من مسلمي البنغال متزوجون بأكثر من واحدة كما أنه لا يمكن القول إن هذه الأسباب ناشئة في أكثر الأوقات عن التثبت بصحة العقيدة الإسلامية لأنه اتضح له من التحقيق الذي قام به للوقوف على الأسباب التي حملت ٤٠ شخصًا على اعتناق الدين الإسلامي في أوقات متفاوتة أن ٢٣ منهم اعتنقوا الإسلام لأسباب ناشئة عن العواطف، وسبعة منهم لارتباك في أحوالهم والباقون أسلموا لأسباب مختلفة. وقد أسفر التحقيق الذي قام به مُبَشِّرُونَ آخَرُونَ عن نتيجة واحدة من حيث نسبة الأسباب، وقال: «إن الوقوف على أسباب نمو الإسلام يمهد للحصول على وسائل توقيف تياره ولذلك فقد ذكر
стр. 187
لأعضاء المؤتمر بعض اقتراحات تتعلق بالاحتياطات التي يجدر بالمُبَشِّرِينَ اتخاذها وأهمها ضرورة زيادة القوات التبشيرية الاختصاصية». وأيد اقتراحه بقوله: «إن ثلث مسلمي الهند الذين بلغوا في إحصاء سنة ١٩٠١ اثنين وستين مليونًا ونصف قاطن في مقاطعة البنغال، ومع ذلك فلا يوجد في هذه البلاد مبشرون اختصوا بتبشير المسلمين».
وانبرى بعد ذلك القسيس (ويتبرخت) فتلا تقريره ومما قاله إنه يجدر بالمُبَشِّرِينَ إظهار مزيد اللياقة عندما يتحككون بالمسلمين المتنورين وأن ظهور بعض الجهال بمظهر العظمة والغطرسة قد زال الآن وحل محله احترام حسنات المدنية المسيحية وأعمال الدين المسيحي الخيرية. ثم أوصى المُبَشِّرِينَ بالتواضع وقال لهم: «إذا كان المسلم يبالغ في سؤدد ومجد وحضارة بغداد وقرطبة ودرجة ترقي أفكار علماء العرب فلنذكر نحن أيضًا أن
стр. 188
هذا التاريخ يحوي صحائف مجيدة ولنتذكر أيضًا أنه وإن يكن الإسلام بقي دين الشعوب التي هي دوننا في المدنية فإن أنصاره نجحوا أكثر من المسيحيين بإزالة الحواجز التي تفصل بين الأجناس».
ثم جاء بعد ذلك دور المستر (رودس) التابع لجمعية التبشير في الصين الداخلية وهي الجمعية الوحيدة التي توغلت في الصين وبعد أن تكلم عن نسبة المسلمين العددية وأحوالهم الاجتماعية والسياسية تكلم عن أعمال التنصير التي يقوم بها المُبَشِّرُونَ فقال: إن أعمال المُبَشِّرِينَ كانت حتى الآن في زوايا الإهمال إلا أن المجهودات التي بذلها هؤلاء تكللت بالنجاح وأبادت خرافات كثيرة فتوطدت العلاقات بينهم وبين المسلمين واعتنق بعض المسلمين الدين المسيحي وهم منهمكون إلى الآن بنشر الإنجيل ولكن لم يبلغ مسامعه أن عالمًا مسلمًا اعتنق الدين المسيحي، ثم
стр. 189
أشار بعد ذلك إلى العقبات التي يلقاها المُبَشِّرُونَ في الصين وأهمها ضرورة وجود لغتين للمبشرين: اللغة الصينية التي تستعمل مع العامة واللغة العربية لأجل العلماء والطلبة، ويوجد هناك عقبة أخرى وهي صعوبة وجود كلمة في اللغة الصينية للدلالة على اسم الجلالة. واختتم تقريره بلفت أنظار المُبَشِّرِينَ إلى الصين وقال: إن النصر ليس حليف الإسلام في الصين إلا أن العلماء المسلمين ينكفئون على هذه البلاد من الهند وجزيرة العرب وبلاد الدولة العثمانية لأجل توطيد أركانه هناك، وحض الخطيب أعضاء المؤتمر على تعزيز عدد المُبَشِّرِينَ الواقفين على اللغة العربية وإرسال نساء مبشرات للقيام بالتبشير الطبي وسط النساء الصينيات وطلب تأسيس إرساليات طبية ومستشفيات.
ثم ألقى على مسامع المُبَشِّرِينَ سؤالاً يتعلق بمسلك الحكومات نحو المُبَشِّرِينَ ويتضمن البحث عن أحوال المسلمين الموجودين تحت سيطرة المسيحيين أو الذين تحت
стр. 190
حكم الوثنيين، وقد اتضح من الخوض في هذا الموضوع أن هولندة هي الحكومة الوحيدة التي تروج أعمال المُبَشِّرِينَ وتستحق رضاهم عليها. ويظهر أن ألمانيا أخذت تقتدي بها منذ مدة قريبة.
أما إنكلترا فهي هدف لانتقاد المُبَشِّرِينَ لأنهم يزعمون أن المسلمين في مصر يهتضمون حقوق الأقباط!!! لأن تعليم الدين الإسلامي جبري في المدارس المصرية والحكومة المصرية هي التي تنفق عليه. أما التعليم الديني للتلاميذ الأقباط فاختياري ويتكفل بنفقته المجلس الملي القبطي.
وأما في السودان فأعمال المُبَشِّرِينَ معرقلة حتى أن كلية غوردون التي أسستها الأمة البريطانية (١) أصبحت
стр. 191
مدرسة إسلامية محضة. والحكومة الإنكليزية في نظر المُبَشِّرِينَ ملومة على انتهاجها خطة الحياد وشدها أزر المدارس الإسلامية في مقاطعة (سييرا ليونه).
كما أن ذوي الأمر من الانكليز في نيجيريا لا يحسنون معاملة إرساليات التبشير المسيحية ولا يسمحون لهم بفتح المدارس العصرية بكل حرية بينما هم يعضدون المدارس التي تعلم القرآن.
وأما الحكومة الفرنساوية فتسلك خطة الحذر التي تنطوي على الود والإخلاص نحو المُبَشِّرِينَ لأن علاقاتها مع المُبَشِّرِينَ في مدغشقر لم تتحسن وإن تكن تسمح للمبشرين بارتياد الجزائر وتونس بدون تعضيد، ويخشى أن تحظر عليهم التجول في الصحراء والنيجر وأقاليم بحيرة تشاد وواداي.
وقد لام المُبَشِّرُونَ الحكومة الروسية لتباين أعمالها
стр. 192
فقد يتفق في بعض الأوقات أنها تروج أعمال المسلمين التي تضر بالمسيحيين التابعين للكنيسة الرسمية الروسية.
أما خطة الحكومات الوثنية نحو المُبَشِّرِينَ فتختلف باختلاف طباع ومزايا الحاكم الوثني. وقد قال المبشرون: إنه مهما بلغ طيش الحاكم الوثني وهمجيته ودرجة اضطهاده فهي لا تبلغ درجة الاضطهادات والأعمال الهائلة التي تخللت تاريخ الإسلام! وهم يفضلون أن يكونوا مرتبطين بعلاقات مع الوثنيين المستقلين لأنه مهما كانت فائدة حلول الحكومة الغربية محل الحكومة الوثنية فإنها تروج تيار الإسلام وتكون مجلبة للعراقيل في وجه المُبَشِّرِينَ من حيث الأعمال التي يقوم هؤلاء بها تجاه المعضلة الإسلامية.
وقال المبشر (وَطْسُونْ): إن الواجب الضروري يقضي على المُبَشِّرِينَ بالاهتمام بأمر البلاد الوثنية التي يتهددها الإسلام.
стр. 193
الجَلْسَةُ النِّهَائِيَّةُ:
قالت مجلة " العالم الإسلامي " الفرنساوية: إنه يتعذر عليها أن توفي البحث حقه عن سائر موضوعات هذا المؤتمر لأن هناك كتابًا آخر ظهر في عالم المطبوعات وفيه باقي أبحاث المؤتمر ولكنها لم تحصل عليه. وهي تكتفي الآن بذكر بعض أمور تتعلق بالجلسة النهائية للمؤتمر.
ألقى الرئيس خطابًا يشير فيه إلى ارفضاض المؤتمر ثم وزعت على الأعضاء رقاع مكتوب عليها من جهة «تذكار مؤتمر لكنو سنة ١٩١١» ومن الجهة الأخرى العبارة الآتية: «اللهم يا من يسجد لك العالم الإسلامي خمس مرات في اليوم بخشوع انظر بشفقة إلى الشعوب الإسلامية وألهمها الخلاص بيسوع المسيح».
أما القرارات التي دَوَّنَهَا المؤتمر في محضر جلساته فهي كما يأتي:
стр. 194
يعقد المؤتمر مرة أخرى في القاهرة سنة ١٩١٦ وإذا طرأت هناك سياسة أو أمور أخرى تَحُولُ دُونَ اجْتِمَاعِهِ في هذه المدينة فيعقد في لندن. ومؤتمر لكنو يوافق مؤتمر إرساليات التبشير الذي عقد سنة ١٩١٠ على ضرورة حصر المساعي في القارة الأفريقية دون أن تمس المساعي التي تبذل في البلاد الباقية. ولذلك فهو يرى أنه يجدر بالجمعيات التبشيرية أن تتكاتف وتتعاضد لكي تؤلف سلسلة قوية من إرساليات التبشير تطوف كل أفريقيا وتؤسس مراكز قوية في الأماكن التي هي موطن الخطر. ويجب أن يكون إخراج هذه الفكرة إلى حيز الفعل موضع بحث أهم وأوسع مما كان في السابق سواء من حيث تربية المُبَشِّرِينَ أو حسن اختيارهم، الأمر الذي يحتم اتخاذ التدابير بلا تأخير لإتمام المشروعات التي بوشر بها.
ويرى المؤتمر أنه من الضروري العاجل تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير تكون عامة لكل الفرق
стр. 195
البروتستانتية ويشدد بلزوم التدقيق التام في انتقاء المُبَشِّرِينَ الأَكْفَاءِ الممتازين بصفاتهم ومواهبهم العقلية ولزوم تعليمهم اللغة العربية بوجه خاص من تاريخ الدين الإسلامي وأهم المؤلفات التي تتعلق به.
وأعضاء المؤتمر يدعون اللجنة الدائمة لأن تدرس بمزيد من الدقة أدوار تقدم الإسلام في أفريقيا وجزائر الملايو ليكون بحثها أساسًا للمناقشات في المؤتمر المقبل.
ولما كان تنصير النساء المسلمات مع أولادهن ورفع شأنهن يتطلب دخول النساء المسيحيات في العمل فأعضاء المؤتمر يشيرون على إرساليات التبشير بالتشديد على المُبَشِّرِينَ والمبشرات بضرورة الاحتكاك بالرجال والنساء عند قيامهم بأعمالهم التبشيرية وأن توسع الإرساليات نطاق الأعمال التبشيرية التي تقوم بها النساء في أفريقيا بوجه خاص وأن تُعْنَى بتربية النساء المبشرات.
стр. 196
واختتم المؤتمر قراراته مستنهضًا همة الكنائس التبشيرية في الهند لإرسال قسم من المُبَشِّرِينَ الموجودين لديها حتى يشدوا أزر المُبَشِّرِينَ في أفريقيا.
стр. 197
التَّنْظِيمُ المَادِّيُّ لإِرْسَالِيَاتِ التَّبْشِيرِ:
انتقلت بعد ذلك مجلة " العالم الإسلامي " إلى البحث في التنظيم المادي لإرساليات التبشير البروتستانتية الأمريكية والإنكليزية والألمانية فاستهلت بحثها بوصف جمعية التبشير والكنيسة الإنكليزية وقالت: إن هذه الجمعية أهم جمعية بروتستانية.
وقد مضى على تأسيسها ١١٠ سنين ويدير أعمالها (١٤٥) أسقفًا ينوبون عن الرئيس وهو أسقف كنتربوري الإنكليزي، وقد كانت إيراداتها سنة ١٧٩٩ خمسة وعشرين ألف فرنك فبلغت سنة ١٩١٠ عشرة ملايين من
стр. 198
الفرنكات وهذا غير المبالغ الهامة التي ترد عليها وتصرفها في سبيل التبشير من غير تدوين في سجلات صندوق الجمعية.
ومن مراجعة التقارير التي نشرتها هذه الجمعية سنة ١٩٠٦ اتضح لنا أن مجموع الاكتتابات والإيرادات التي وردت على الجمعية في هذه السنة من البلاد الإنكليزية فقط ٢٢٨.٥٢٩ جنيهًا وبلغت الإيرادات الأخرى ١٠٠ ألف جنيه وهي مؤلفة من الاكتتابات التي ترد إليها من البلاد الأجنبية ومن المبالغ التي يجمعها المبشرون. ولها فروع عديدة لجمع النقود لا تقع تحت حصر.
ولإدارة هذه الجمعية أهمية كبرى تظهر لنا من مراجعة النفقات التي تتكبدها وهي التي أنفقت سنة ١٩٠٦ مبلغ ١٦.٥٨٤ جنيهًا في سبيل إدارة أمورها ومبلغ ٢٧.٥٨٤ جنيهًا في سبيل تحصيل الاكتتابات والإيرادات. وقد
стр. 199
كانت إيرادات هذه الجمعية في السنة الماضية ٤٠٣.٦١٥ جنيهًا ونفقاتها ٣٩٤.١١٣ جنيهًا. وبلغ ما أنفق على الأعمال التبشيرية ٣٢٥.٠٠٠ جنيه منها ٣٥.٠٠٠ جنيه صرفت للمبشرين الموجودين في غير البلاد الإسلامية. فيكون مجموع ما تنفقه هذه الجمعية كل سنة للتحكك بالإسلام ٧.٥٠٠.٠٠٠ من الفرنكات وهي موزعة كما يأتي: ٢١.٥٢١ جنيهًا لأفريقيا الشرقية و٣٣.٠٤٨ جنيهًا لأفريقيا الغربية و٦.٢٣٤ جنيهًا للتبشير في القطر المصري و٨٢.٢٤٧ جنيهًا للبلاد العربية والعثمانية والفارسية و١٢٢.٨٤٦ جنيهًا للهند و٥١.٦١١ للصين.
وقد قالت هذه الجمعية في تقريرها عن سنة ١٩١١ إن أعمال التبشير في البلاد الإسلامية ما زالت صعبة وعرضة للنفقات الجسيمة إلا أن نتائج أعمالها أخذت تظهر للعيان. وقالت: إن نطاق الأعمال التبشيرية اتسع عن ذي قبل في فارس.
стр. 200
أما في مصر فكل المجهودات تبذل في نشر التبشير وتوسيع نطاق التعليم في الأرياف وقد كان من شأن السكة الحديدية التي أخذت تجوب شمال نيجيريا أنها مهدت لمبشري هذه الجمعية سبيل تأسيس مراكز تبشيرية في الأمكنة الإسلامية. والإسلام يندفع نحو اقتباس المدنية العصرية وهذه النهضة التي يتمخض بها المسلمون تدعو إلى تنافس حقيقي بينهم وبين المُبَشِّرِينَ للاستيلاء على المراكز التي يتوخونها، وقد ظهرت هذه النهضة أيضًا في أفريقيا الشرقية الألمانية حيث صارت السكة الحديدية منهمكة بنقل بضائع المسلمين إلى أحشاء البلاد.
وكذلك الحال في السودان المصري الذي ظهرت فيه حركة إسلامية حقيقية تطرقت إلى داخل البلاد، وتوجد أيضًا في نيجيريا الشمالية بعض أقاليم وثنية على حدود بلاد إسلامية كبيرة وهذه الأقاليم أصبحت عرضة لبحر الإسلام الطامي.
стр. 201
أما في نيجيريا الجنوبية فينتظر حدوث نزاع بين المسلمين والمُبَشِّرِينَ من يوم إلى آخر، ويتفوق المسلمون في أكثر هذه الأقاليم على إرساليات التبشير في المال والنفوذ وبينما كان مسيحيو مدينة (أبايوكوتا) يخصصون مبلغ ٧٥.٠٠٠ فرنك لأجل بناء مدرسة كان مسلمو مدينة (لاغوس) يخصصون ٢٥٠.٠٠٠ فرنك لبناء مسجد جديد.
وللجمعية أيضًا إرساليات تبشير في مقاطعة (سييره ليونا) يرجع عهدها إلى سنة ١٨٠٤ فيها ٦٣ مدرسة و٣٩ معهدًا يتعلم فيها ٤٥٠٠ طالب والمسلمون في هذه المقاطعة كثيرون وأغلبهم في داخل البلاد.
وقد كان لمبشري هذه الجمعية القدح المعلى في توسيع نطاق المستعمرات الإنكليزية بأواسط أفريقيا وغربها، لأن المُبَشِّرِينَ كانوا يستعينون بالزنوج المُتَنَصِّرِينَ في ارتياد
стр. 202
البلاد وتأسيس مراكز التبشير وتوطيد النفوذ الإنكليزي. وكذلك هي إرساليات التبشير في (لاغوس) و (أبايوكوتا) و (أبادان) و (لوكوجه).
وحاصل القول إن لهذه الجمعية في هذه الجهات ثلاث أسقفيات وهي في (يوروبا) ونيجيريا الجنوبية ونيجيريا الشمالية وفي المقاطعة الأخيرة يجد المُبَشِّرُونَ أنهم في بلاد إسلامية محضة وفي المقاطعة الأولى والثانية لا يوجد من المسلمين إلا التجار وأصحاب القوافل كما هي الحال في لاغوس: والمعاهد والمدارس التي للجمعية في نيجيريا الشمالية قليلة بالنسبة لغيرها للسبب الذي ذكرناه وهو كثرة وجود المسلمين فيها.
وتقول الجمعية في تقريرها: إن تقدم المسلمين في مقاطعة (يوروبا) موجب للقلق الشديد، ومما يدل عليه أنهم خصصوا ٢٥٠.٠٠٠ فرنك لتشييد مسجد في
стр. 203
(أبايوكوتا).
كما أن الإسلام ينتشر انتشارًا هائلاً في مقاطعة (إيجابو) التي كانت سنة ١٨٩٢ وثنية محضة فأصبحت لا تخلو قرية من قراها من مسجد حتى إن مدينة (إيجابواود) لا يكاد يخلو شارع من مسجد للمسلمين، وقد توطد نفوذ الإسلام في (أود).
والمسلمون أحرزوا في المدة الأخيرة حقوقهم المدنية ونالوا الحرية التامة في إقامة الصلاة وشعائر الدين الإسلامي مع أن ملك هذه البلاد كان لا يطيق ذكر المسلمين وكذلك يزداد عدد المساجد في (يوروبا) الغربية التي تؤسس بجانبها المدارس العديدة لتعليم اللغة العربية. ورغمًا عن كون الأهالي في بعض الجهات مثل مقاطعة (أيبوس) يبتعدون عن الإسلام فإن نطاق الإسلام آخذ بالاتساع، ففي (كتسا) مثلاً الواقعة في نيجيريا الشمالية لا تجد محلاً خاليًا من المعلمين المسلمين وآية ذلك أن المسلمين يهبطون على القرى الوثنية ويتحككون بهم ولا يمضي ردح من
стр. 204
الزمن حتى يستعمل الوثنيون الأسماء الإسلامية ويجعلون الآثار الدينية التي يحملها المسلمون ثم يتدرجون في الإسلام.
والأمر الذي أوجب انتشار الإسلام في (كوتا) هو الازدواج الذي يحصل بين المسلمين والوثنيين، أما في (بوشي) ففضل انتشار الإسلام عائد إلى التجار (الهوسيين) الذين ينشرون الإسلام ويبيعون بضاعتهم في آن واحد. وقد استفحل أمر المشكلة الإسلامية في أعين مبشري الجمعية في مقاطعة (يوروبا) لدرجة أن المبشرين هناك يطلبون الذهاب للتبشير بين قبائل (بريبري) الوثنية القاطنة في (بورنو) والتي يتراوح بين المليون والمليونين من النفوس.
وقد قال القسيس (أوغنيبي) في تقريره عن (يوروبا): إنه أراد التحكك ببعض مسلمي (ايلورن) فطلب منه بعضهم تأسيس مدارس وقال له آخرون: إنهم يأسفون لعدم تمكنهم من
стр. 205
قطع رأسه. وقد ظهر للمبشرين أن نفوذ العناصر الفولانية والبولانية الإسلامية منتشر حتى في الأقاليم الوثنية المحضة.
* * *
استمرت مجلة " العالم الإسلامي " الفرنسوية في تلخيص الكلام على جمعية التبشير الكنسية فأشارت إلى ما جاء بنصوص أعمال مبشري هذه الجمعية في إفريقيا الشرقية.
وقد كان الدكتور (كريف) أول من دخل هذه الديار وذلك أنه طرد من بلاد الحبشة سنة ١٨٤٤ فهبط إلى ممباسة، ثم تبعه مبشرون آخرون أخذوا يطوفون عرض البلاد فاتسعت أعمالهم على الشواطئ منذ سنة ١٨٧٤ وكانوا يؤسسون قرى يقطنها الأرقاء المعتوقون وشملت أعمالهم التبشيرية أفريقيا الألمانية وبلاد (أوغندا) ثم أسسوا بعد ذلك إرساليتي تبشير: واحدة على مقربة من جبال (كليمانا جارو) وأخرى في سفح جبل (كانيا) ويبلغ عدد معاهدهم التبشيرية في أفريقيا الشرقية
стр. 206
الإنكليزية فقط ٢٢ ولهم ٢١ معهدًا علميًا يتعلم بين جدرانها ١٠٧٢ تلميذًا وتبلغ الإيرادات التي يتناولوها من المُبَشِّرِينَ ٧٠ ألف فرنك. والمُبَشِّرُونَ القاطنون في (ممباسة) وفي (مزيزيمة) يجدون أنفسهم في بلاد إسلامية محضة كما أن المسلمين مسيطرون على كل ولاية (السيدية) وتوجد في الجهة الشمالية من هذه البلاد إرسالية تبشير في (جيلوري) التابعة لبلدة (مالندة) واقعة على مقربة من معهد عربي إسلامي قديم العهد. ويرى مبشرو هذه الجهات أن الإسلام ينتشر في الداخل بين صفوف القبائل الوثنية المدمنة شرب الخمر. وأخذ يتطرق إلى الوثنيين المنتمين إلى قبائل (وادا بيدة) رغمًا عما تمتاز به هذه القبائل من كثرة السحرة والدجالين بينها. ويوجد كثير من وثنيي (واديغو) ينقادون للإسلام بسهولة، ولتجار الساحل المسلمين قرى بنوا فيها مساجد حتى في جوف بلاد (كبارة) الواقعة في سفح جبل (كانيا) على مقربة
стр. 207
من المبشرين. وقد أصبحت الحال موجبة للروية والتفكير لدرجة أن السير (بارسي خيروار) حاكم أفريقيا الشرقية الإنكليزية صرح في المؤتمر الذي أقامه المُبَشِّرُونَ على ظهر الباخرة (غالف) في البحر الأحمر أنه يجب على الحكومة وعلى المُبَشِّرِينَ أن يشتركوا في العمل ضد الإسلام.
وقد جاء في تقرير جمعية التبشير أن المسلمين ليسوا إلا قسمًا من أهالي هذه المقاطعة إلا أنهم يؤلفون العنصر التجاري العامل الذي ينتقل من جهة إلى أخرى، ولذلك فإن المُبَشِّرِينَ يوجهون مجهوداتهم لتأليف كتب بالرطانة الساحلية. وَعَدَا بعض الكتب الدينية التبشيرية التي نشرت بهذه الرطانة فإن المُبَشِّرِينَ ينشرون مجلة شهرية يبلغ عدد قرائها ٢٠٠. ويعلق مبشرو هذه الجمعية أهمية على انتشار الإسلام في أفريقيا الشرقية الألمانية، وقد قالت المبشرة المس (فورسيت) إنها كانت تجد مساجد صغيرة حيثما مرت، وفي بعض الأوقات كانت ترى المساجد بشكل أكواخ صغيرة إلا أن هذه الأكواخ بمثابة مراكز للتبشير
стр. 208
الإسلامي وأشار أحد المُبَشِّرِينَ إلى المجهودات التي يبذلها المُبَشِّرُونَ لأجل انتشار الإسلام. وذكر آخر أن اثنين وثنيين متنصرين اعتنقا الإسلام.
ويرى المُبَشِّرُونَ أن الخصم الوحيد لهم في هذه الجهات هو المسلم. ويرون أن بعض المسلمين الذين وزعت عليهم كتب تبشيرية مكتوبة بالرطانة الساحلية طفقوا يشترون التوراة والإنجيل وقالوا إن امرأة مسلمة في ممباسة عني المُبَشِّرُونَ بمعالجتها فاعتنقت النصرانية.
ويرجع عهد دخول المُبَشِّرِينَ إلى مقاطعة (أوغندا) إلى سنة ١٨٧٥ عندما صرح (متيسه) ملك هذه البلاد بارتياحه إلى اقتباس التربية الأوروبية وما ذاع خبر هذا التصريح الذِي فَاهَ بِهِ حتى تبرع اثنان رَغِبَا بإخفاء اسميهما بمبلغ ١٢٥ ألف فرنك ريثما يتسنى لجمعية التبشير إنفاذ إرسالية تبشير، وفي الواقع تحركت الإرسالية سنة ١٨٧٦ ولكنها هوجمت في الطريق وفقدت البعض من المبشرين. ثم بقيت في (أوغندا) وتبعتها إرسالية تبشير كاثوليكية.
стр. 209
وقد أخذت الإرساليتان بتوسيع أعمالها بعد موت (متيسه) دون حصول أدنى منافسة بينهما ترجع فائدتها إلى المسلمين، إلا أن (موانغا) الذي تقلد الملك بعد (متيسه) كان ارتياحه قليلاً لأعمال المبشرين، ولذلك أصبح المسيحيون الوطنيون عرضة للاضطهادات الشديدة. لكن ما عتم أن خلع (موانغا) فأصبح المسلمون أصحاب الحول والطول في البلاد وطردوا المُبَشِّرِينَ من كاثوليك وبروتستانت في سنة ١٨٨٨.
وما مضت سنة واحدة حتى أعيد (موانغا) إلى منصبه بفضل رعاياه المسيحيين فوافق سنة ١٨٩٠ على رفع العلم الإنكليزي لشركة أفريقيا الشرقية البريطانية أي قبل أن تعلن الحماية البريطانية على بلاده بأربع سنوات.
وفي سنة ١٨٩٦ بارح (موانغا) بلاده فخلفه ابنه (شوا) الذِي تَعَمَّدَ وَسُمِّيَ (داود) رغمًا عن ثورة قامت بها الجيوش السودانية.
стр. 210
ومن ذلك الحين توطدت أحوال مقاطعة (أوغندا) السياسية، ويوجد عدا الأهالي المسلمين في هذه المقاطعة كثير من التجار الهنود والعرب والسوريين الذين يؤلفون كمية وافرة من المسلمين. ثم جاء في تقرير الجمعية أن اثنين من المسلمين اعتنقا النصرانية في (أوغندا) بعد أن عنى المُبَشِّرُونَ بمعالجتهما.
ويشعر المُبَشِّرُونَ بالصعوبات التي يثيرها زعيم مسلم في (كبيرا) الواقعة شرقي (أوغندا) حيث الإسلام ينمو ويتقدم سَرِيعًا. وحاصل القول إن للمبشرين في هذه المقاطعة ١٠١٠ معاهد أو محطات للتبشير و١٤٧ مدرسة يتعلم بين جدرانها ٤٧.٤٢٤ تلميذًا ويبلغ ما يتناولونه من الإيرادات ٥٠٠ ألف فرنك. وتقدر ميزانية مبشري هذه المقاطعة بمليون فرنك. وهذا المبلغ الجسيم يؤيد وجود ١٠١٠ معاهد.
стр. 211
وقد كان للمنافسة التي حصلت ضد المُبَشِّرِينَ الكاثوليك شأن كبير في توسيع نطاق التبشير أكثر بكثير من فكرة مناوأة الإسلام ومناضلته. وعلى كل فسيرى الإسلام نفسه أمام قوة التربية والحضارة الإنكليزية التي يقوم بها المُبَشِّرُونَ الإنجيليون.
وجاء بعد ذلك في التقرير ذكر إرساليات التبشير في مصر والسودان التي يرجع عهد تأسيسها إلى سنة ١٨١٥ عقب حروب نابليون حيث هبطت إرسالية التبشير على جزيرة مالطة وأخذ نطاقها يمتد وينتشر حتى بلغ مصر والحبشة واليونان وبلاد الدولة العثمانية وفلسطين. ومن شأن هذه الإرساليات إرجاع كنائس الشرق سيرتها الأولى وتنصير المسلمين.
لكن بالرغم مما يبذله المُبَشِّرُونَ من الغيرة في هذه البلاد الإسلامية لم تتكلل أعمالهم بالنجاح حتى أنهم
стр. 212
أقفلوا مدرسة التبشير في القاهرة سنة ١٨٦٢ بعد أن تخرج فيها بعض المبشرين. ثم تأسست إرسالية تبشيرية في مصر انتقلت إلى القدس عقب الاحتلال الإنكليزي للقطر المصري وعززت سنة ١٨٨٩ بإرسالية تبشيرية طبية.
ولجمعية التبشير الإنكليزية في مصر ستة معاهد للتبشير فيها كثير من النساء المبشرات ولها مدرسة تبشيرية ومدرسة داخلية ومدرستان للبنات في القاهرة، ومدرسة عالية في حلوان ولهذه الجمعية مكتبة هامة في القاهرة. ويقوم مبشروها بنشر مجلة " الشرق والغرب " وتبلغ ميزانيتهم في القطر المصري ١٦٠ ألف فرنك. أما الإيرادات التي يتلقاها المُبَشِّرُونَ من الوطنيين فلا تكاد تبلغ ٤٥٠ فرنكًا. وهذه الجمعية لا تعتبر إرسالياتها التبشيرية في مصر إنها أهم ما لديها كما يتضح من تقريرها السنوي وقد كانت سنة ١٩١٠
стр. 213
مهددة بصعوبات وعقبات إذ حملت الصحف الإسلامية في هذه السنة حملة شعواء على المُبَشِّرِينَ عُمُومًا. وقد كانت الصحف الوطنية خصوصًا تمتاز بما كانت تصب عليهم من كلمات السب والشتم وكان الشيخ سكندا (كذا) وامرأته عرضة للاضطهادات الأليمة. وهذه المعاملة لم تمنع بائعة كتب مسلمة متنصرة أن تقوم بواجباتها بمزيد الغيرة والنشاط والأعمال الطبية مستمرة في النمو إلا أنها لا تأتي بفائدة من الوجهة الدينية لأنه لا يكاد الطبيب يظهر بمظهر المبشر حتى تعلو حوله الاعتراضات كما كان شأن الدكتور (هربور) التابع لإرسالية تبشير النيل. وقد قام إمام جامع (حامول) حيث كان مكث الدكتور ستة أشهر فحث الأهالي على عدم حضور مذاكرة هذا الدكتور الذي استطاع مع ذلك إبراز بعض مناظر بالفانوس السحري في قرية (ستريس) وأسس فيها مدرسة صغيرة لتعليم التوراة. وللجمعية أيضًا مدرسة في منوف وأخرى في شبرازنجي
стр. 214
بقرب منوف بين سكان كلهم مسلمون.
وقد رصدت الجمعية بعض أموال لإقامة ذكرى (غردون) عقب موته في الخرطوم. وهذه الأموال مكنت الجمعية بعد فشل الخليفة من تأسيس إرساليات تبشير في أم درمان والخرطوم وعطبرة ومليك وفي أواسط السودان مع مدارس بنات، ولها أيضًا ثلاث مدارس للبنات في السودان الشمالية. وأحوال مدرسة (عطبرة) سائرة من حسن إلى أحسن لأنه أصبح في استطاعة المُبَشِّرِينَ في عطبرة أن يطلبوا من التلاميذ الصغار المسلمين أن يصلوا معهم صلاة الصبح. وهم يطلبون أيضًا مثل هذا الطلب من المرضى المسلمين في مستشفى أم درمان.
واختتمت الجمعية نبذة تقريرها عن هذه الجهة قائلة: إن على أثر موت (ليوبولد الثاني) ملك بلجيكا أرسلت
стр. 215
الحكومة ٥٠٠ جندي مسلم إلى مقاطعة اللادو فانتشر هؤلاء الجنود في البلاد وأخذوا يفتحون المدارس الإسلامية وسط القبائل الوثنية. وللجمعية أيضًا إرساليات تبشير عديدة في فلسطين أخذت تنتشر في هذه البلاد منذ سنة ١٨٥١ وتفضل الجمعية إرسال مبشرات غير متزوجات لأن لهن تأثيرًا على النساء المسلمات، ولها مدرسة ومعهد للتبشير في بغداد والموصل.
ويرجع عهد التبشير في بلاد فارس إلى سنة ١٨١١ وسنة ١٨٣٤ حيث ابتدأ المُبَشِّرُونَ الأمريكيون بالتبشير بين النسطوريين ثم بين المسلمين، وقد اتضح للمبشر (بروس) سنة ١٨٦٩ أن المسلمين في أصفهان يميلون إلى المجادلات الدينية فجاء إلى (جولفة) ومكث فيها حيث فتح مدارس، ثم شدت أزره جمعية التبشير الكنسية الإنكليزية واتسع بذلك نطاق التبشير إذ أسست مدارس