← Тараджим

Тараджим · id 96611

عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية

الغبريني

Полный текст (382 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نبله في القضاء ومعرفته بوجوه الرد والإمضاء، ما عجز عنه من تقدمه من القضاة، وكان مقدما في فصل الأحكام وعارفا بمواقعها على التمام، وكانت له صلابة وسياسة ووقوف مع الحق، وكان في مدة ولايته ببجاية بعض ظلمة العمال، وكان يوافقه الموافقة التي تحمد، ويسلك من سبيل السياسة ما يعينه على حصول المقصد؛ ولما انفصل جيش بجاية مع جيش افريقية لحصار مليانة وبقيت البلاد شاغرة، عاث المفسدون في الخارج وأفسدوه وامتدت الأيدي ووقع هرج عظيم، فقام بأمر الناس، ووقف خير موقف، وحفر الحفير على البلاد وشيد ما احتاج إلى التشييد من الأسوار، وظهر من عقله وفضله ونبله وجده واجتهاد ما حمد به أمره وجل به قدره، وبعد انقضاء هذا العارض ورجوع الجيش إلى الوطن، استدعى لحاضرة أفريقية وقدم للقضاء بها، فظهر من أمره بها أضعاف ما ظهر ببجاية، وفصل من الأحكام ما كان متلبسا في المدة الطويلة قبله، وظهر قاضيا عمليا محكما، وسما عند المستنصر بالله وجاوز الحد والقياس، ولم يزل يخلع ولاية القضاء بحاضرة افريقية ويلبسها خلعا أحسن من لبس، ولبسا أحسن من خلع، لأنه كان لا يخلعها إلا لمثلها وما هو أسنى منها، ولم يكن الخلع لشيء أصلا. توجه إلى المغرب لبعض ملوكه عن المستنصر بالله، فكان يوصف من رياسته وعلو همته ما دل على فضيلته وانتخاب طينته، وكان محبوبا عند الناس لقربه منهم. تخلى في آخر عمره، ﵀، وجلس للرواية والتصحيح إلى أن مات ﵀. ولقد أخبرني بعض الطلبة، إنه كان يروي عنه وبقي عليه قدر يسير من الكتاب الذي كان يرويه، فحضه ﵀ على تكميله وقال له: انك قد لا تجدني بعد هذه الأيام، قال: ولم يقعد بعدها إلا قدر ثمانية أيام وتوفي ﵀. رأيته ببجاية ولقيته بها ورأيته أيضا بتونس رؤية جيدة، واستفدت من أخلاقه ومن الاطلاع على أحكامه بحضوري مجلسه، ما انتفعت به كثيرا، ولد

стр. 107

بتاريخ يوم عاشوراء عام تسعة وستمائة، وهو يوم العقاب وكان يوم الاثنين الرابع عشر لصفر من عام تسعة وستمائة المذكور من ناحية جيان، وتوفي بتونس في يوم عاشوراء من عام ثلاثة وتسعين وستمائة. ومن نظمه بالزهد ﵀. هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة ... وأنت على سوء الفعل عاكف وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ... ولا لحظة إلا وقلبك واجف وبادر بأعمال تسرك أن ترى ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف ولا تيأسن من رحمة الله إنه ... لرب العباد بالعباد لطائف وله ﵀: أما أن للنفس أن تخشعا ... أما أن للقلب أن يقلعا أليس الثمانون قد أقبلت ... فلم تبق في لذة مطمعا تقضى الزمان ولا مطمع ... لما قد مضى منه أن يرجعا تقضى الزمان فواحسرتي ... لما فات منه وما ضيعا ويا ويلتاه لذي شيبة ... يطبع هوى النفس مهما دعا وبعدا وسحقا له إذ غدا ... يسمع وعظا ولن يسمعا

стр. 108

٢٥ - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السجلماسي -القرن السابع الهجري- ــ ومنهم، الشيخ المتصوف، الصالح العابد الزاهد، الولي المتخلي، أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم السجلماسي. لقي مشيخة فاضلة بالمغرب والمشرق، وأجل من يعتمد عليه الشيخ أبو محمد صالح ﵁، لقيته، قال بالمغرب ولزمته وأقمت في خدمته مدة، واخبرني إنه بقي أربعة أعوام على صورة المحرم بوزرة في وسطه وشملة على كتفيه، في خدمة الشيخ أبي محمد ﵁ إلى أن ظهرت له الأسرار وتجلت له الأنوار. وكان قويا في علم التوحيد، وكان يرى أن التوصل إلى الحقائق إنما هو بالتوحيد، والترقي إلى أعلى المراقي إنما هو في التوحيد، ولا جرم أن هذا هو الأمر السديد، لأن أول الأمر إنما هو التوحيد، وآخره إنما هو التوحيد، ومصداق ذلك قوله ﵇: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللهوقوله ﵇: أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللهومنتهى الأمر قوله ﵇: من مات وهو يعلم لا إله إلا الله دخل الجنةفالتوحيد عصمة في الدنيا وعصمة في الآخرة، وهو مطلوب ابتداء وانتهاء وما بينهما. وكان ﵀، إذا وقع الاجتماع به، يشير بالسبابة والوسطى مفتوحتين ويقول: الدخول من ها هنا، يشير إلى أنها "لام ألف" وإنه يشير بها إلى "لا إله إلا الله" وكان يحض على أن يكون هجيرا للإنسان "لا إله إلا الله" وهذه

стр. 109

إشارة إلى جلال أبي بكر ﵁، وكان أيضا يشير أحيانا بأن يكون الهجيرلا إله إلا الله الحق المبين. وكان يرى أن اسم الله الأعظم هو في قوله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وكثيرا ما يذكر قول النبي ﷺ (لا إله إلا الله حصني من دخله أمن من عذابي) قلت وهذه المعاني كلها إنما هي التوحيد. وكان زاهدا لا يملك من الدنيا شيئا ولا يلتفت إلى الملك والملك ولا غير ذلك. وصحبته كثيرا وأخذت عنه واستفدت منه، وهو أحد من أخذت طريق التصوف عنه، عن الشيخ أبي محمد صالح، عن الشيخ أبي مدين، عن الشيخ أبي يعزى، عن مشائخهم ﵃، وسند ذلك عندي إلى علي بن أبي طالب ﵁. توفي بقلعة بني حماد، وقبره مزور متبرك به، ﵀ ورضي عنه.

стр. 110

٢٦ - أبو الحسن علي بن محمد الزواوي -القرن السابع الهجري- ــ ومنهم شيخنا الشيخ العابد الزاهد، المتقي الولي لله تعالى، أبو الحسن علي بن محمد الزواوي اليتورغي من جملة الأعلام المتقين، ومن الأكابر الذين يجب اعتقادهم في الدين، له عبادة وديانة، وصلاح وانقطاع، وزهد وولاية. وكانت له كرامات ظاهرة متواترة، وكان على سنن السلف الصالح ﵃ أجمعين، ليس عنده من التحريف ولا من التبديل ولا من خزعبلات المتلبسين شيء. ولقيته رخمه الله ببلد بني يتورغ بموضع سكناه منها وأنا على أول السن، ففرح بي وسر بي واستدناني لنفسه، وأخذ يقرأ ويقول ويمسح على رأسي ويجبذ بأذني إلى أن استوفى ما أراد أن يقرأه، وما شاء الله من ذلك، وأنا يومئذ في المكتب، وكان ذلك منه غير سؤال سأله وإنما فعله من تلقاء نفسه، فوجدت بركة ذلك وتعرفت يمنه وهو أحد أشياخي المباركين ﵏. وأخبرني بعض من وثقت به، إنه لما حضرته الوفاة حضر ولده وبكوا عليه لفراقه واستوحشوا، فقال: "لا عليكم، مهما أصابكم أمر أو عارض فأتوا إلى قبري واذكروا شكواكم واسألوا الله يفرج عنكم" وما زال أولاده بعده مهما

стр. 111

عرض لهم عارض يفعلون ذلك فيجدون نفعه. وأخبرني بعض من وثقت به، أن رجلا ممن عرضت له ضرورة قوت أتاه يسأله أن ينظر له نظرا يستعين به، وكانت للرجل عائلة، قال: فدخل إلى منزله فأخرج لي أربعة أمداد قمحا وقال لي: " لا تتناول منها إلا وأنت على طهارة، ولا تناول منها امرأة ". فحملتها ولزمت ما قال لي، وكان ذلك في آخر الشتاء أوائل الربيع، فكفاني ذلك وعائلتي حتى وصلنا إلى الآكل من حراثتنا بعد دخول زمان الصيف. وهذه من كراماته ﵀ ورضي عنه ونفعنا به آمين. فهذه المشيخة التي لقيتها وتخيرتها للمشيخة علي وانتقيتها، نفع الله بها وعرف العارفة الحسنى بسببها. ... وهذا أوان ذكر من بقي من العلماء الذين اشترطت في هذا الكتاب ذكرهم، ﵏ ورضي عنهم أجمعين.

стр. 112

٢٧ - أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي ... - ٦١١هـ ... - ١٢١٤م ــ فمنهم الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الولي الزاهد على التحقيق، المتوجه إلى الله بكل وجهة طريق، أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي وهو عندما يكتب اسمه يكتب الحسني "منسوب إلى بني حسن" من أقطار بجاية، والناس ينسبون فيه الحسناوي. ولد في "بني عيسى" من قبائل "زواوة" وقرأ ﵁ أول أمره "بقلعة بني حماد" على الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن الخراط وغيره ثم ارتحل إلى المشرق، ولقي الفضلاء والأخيار والمشائخ من الفقهاء والمتصوفة وأهل طريق الحق. وكان، ﵀، منذ ظهر بانيا على ترك الدنيا والانقطاع إلى الدار الآخرة. استوطن بجاية ﵀ بعد رجوعه من المشرق، وجلس بها لنشر العلم وبثه والدعاء إلى الله تعالى، فانتفع الخلق على يديه وظهرت عليهم بركته وفعلت فيهم سريرته الصالحة ونيته، ولم يكن أحد أجلد منه على القيام والصيام، وما كان عيشه، ﵁، إلا من المباح كالبقول المطروحة وما جرى مجراها وإذا اشتهى اللحم ينزل إلى البحر فيصيد السماك على الأحجار، وهي لحمه ﵁، وما من ناحية من النواحي إلا وله فيها مسجد معلم، وكلها معروف البركة. وكراماته ﵁ أكثر من أن تحصى، ولو كتبت

стр. 113

لكانت مجلدات وأحواله كلها كرامات. وكان يجلس لعلوم الحديث ولعلوم الفقه ولعلوم التذكير، وكان الغالب عليه ﵁ الخوف، ما يمر بمجلسه إلا ذكر النار والأغلال والسعير، وتكاد تفيض قلوب الحاضرين في مجلسه، هذا هو حاله دائما. وهذه الطريق، هي أحسن الطريق في الدعاء إلى الله تعالى، إذ جبل الله الخلق على أنهم لا ينفعلون غالبا إلا بالخوف، ولأجل هذا كان أكثر الشريعة تخويفا. وما زال ﵁ مستمرا على هذا الحال إلى يوم وفاته، يبسط أمل الناس ورجاءهم في رحمة الله وفي سعة مغفرته، ومناهم بما عنده من كثرة الثواب، وإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه، وهذا طريق حسن، لأنه لم يبق عند لقاء الله إلا الطمع في رحمته والرغبة فيما عنده، لأن الخوف فائدته إنما هي الحض على العمل، وحين الموت انقطع العمل، ولم يبق إلا قوة الأمل لتلقى الله طيبة نفسه، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، حسبما اقتضاه الحديث. ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته، بخط الشيخ المقرئ، أبي العباس ابن الخراط وأنا أذكره بنصه، قال ﵀: أن وفاته كانت بعد صلاة العصر من يوم الجمعة، الرابع عشر من شهر رمضان المعظم من عام أحد عشر وستمائة، وتوفى في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض، وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول الله، ﷺ ، على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم، وعلم من نحواها ما لم نعلم، إذ وثب قائما طيلسانه وطرح رداءه، وحسر رأسه وبسط يديه ومد ذراعيه، فأمسك عن القراءة، فتعوذ بصوت رفيع وبسمل، فافتتح بقول الله تعالى ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يزل يرددها ويكررها بتحذير وترنين، ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع، وأخذ يبين

стр. 114

لهم ما أعد الله من سعة الرحمة وأضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ثم قال: يا إخواني سألتكم بالله إلا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي، ولا تنسوني فإني جار لكم، ولست أنساكم، وأكثر من هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر إنه راحل من الدنيا، وان ذلك وداع منه للناس، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهودة منه، ولما حانت صلاة الجمعة وأخذ الناس في الرواح وجلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذن، خرج على الناس من زاويته، وجلس منصتا لاستماع الخطبة، فلما قضيت الصلاة، نصبوا له كرسيه واستوى عليه، وازدحم الناس ينظرون إليه، فأخذت في قراءة كتاب المسند الصحيح، من حديث رسول الله ﷺ ، تصنيف الإمام الحافظ، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵁، وهو ينظر إلي، فاعتراه شبه غشي أماله على جانبه الأيمن، فبادرت إليه مع بعض من قرب خشية السقوط، فحملناه وأدخلناه زاويته وأطبقنا الباب دونه، فبادر إليه من كان يخدمه من أهله وجلسنا ننتظر عاقبة أمره، إلى أن أذن مؤذن العصر وأخذ الناس في التنفل، ثم أقيمت الصلاة، فسمعنا في الزاوية حركة اغتسال نفهم منها تجديد طهارة، ثم سكنت تلك الحركة، وقد أدرك فضل صلاة الجماعة، ثم استلقى مستقبلا فقبض طاهرا صائما صامتا معتكفا في الجامع الأعظم، صحيحا سويا، دون مرض ولا ألم، قدس الله روحه، وبرد ضريحه، ونفع به وبصالح دعائه. وفشا الخبر في الناس، فتسابقوا إليه، وحشروا من كل ناحية عليه، وارتفع صراخهم واشتبكت أصواتهم، ونما ذلك إلى من كان له الأمر ببجاية حينئذ، فوجهوا نقيبا لصيانة جثته الطاهرة الزكية من ابتذال من يلي بها

стр. 115

ويقتحم للتبرك بما بين ثوبها. فلما جن الليل أمروا بحمله إلى روضته، وكلفوا أمناء بجهازه، ثم بادروا بأنفسهم وشهدوا الصلاة عليه على شفير قبره، ضحى يوم السبت، الخامس عشر المتقدم الذكر، ووقفوا حتى واروه عن الناس، وعزى الناس عن مصابهم بعضهم بعضا، رحمة الله عليه. انتهى كلامه ﵀. ومن أشياخه، الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، روى عنه الموطأ، والقاضي أبو سعيد مخلوف ابن جاره روى عنه "المصابيح" وكتبا عدة إجازة وسماعا، والإمام أبو طالب أحمد بن رجا اللخمي، قرأ عليه وأخذ عنه الأصلين حفظا واتقانا، والحافظ أبو طاهر السلفي صحبيه

стр. 116

وأخذ عنه إعجاز القرآن للخطابي، ومن شعر أبي طاهر: ما لي لدى ربي جزيل وسيلة ... إلا اتباع نبيه ويقيني والدين حصن للفتى وعقيدتي ... أن القليل من اليقين يقيني ومن شيوخه، ﵁ أيضا، الإمام أبو عبد الله ابن بكرة الكركني قرأ عليه المذهب رواية ودراية، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي الضرير، والفقيهان الأخوان أبو عبد الله وأبو العباس الحضرميان عنهما الشهاب [أي شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والأدب من الأحاديث النبوية]

стр. 117

للقاضي والفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن سلامة، والزاهد أبو عبد الله المغاور، والشيخ أبو عبد الله السلاوي، وغير هؤلاء، ﵃ ونفعنا بالجميع آمين.

стр. 118

٢٨ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعافري القلعي -القرن السابع الهجري- ــ ومنهم، الشيخ الفقيه النحوي، الأستاذ المقرئ، الصالح المبارك، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد المعافري القلعي المعروف بابن الخراط، أحد الثقاة الاثبات، الصلحاء الرواة. قرأ بقلعة "بني حماد" ولقي بها مشائخ، منهم الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن عثمان التميمي، والأستاذ أبو الحسن علي بن شكر بن عمر القلعي، وأخذ عن الخطيب المقرئ النحوي، أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن محمد، المعروف بابن عفراء، والفقيه الفاضل الزاهد، أبي عبد الله محمد بن عبد المعطى، المعروف بابن الرماح، وغير هؤلاء. وانتقل إلى بجاية واستوطنها وأقرأ بها، وجلس للأستاذية وانتفع الناس به، وكان معروفا بالصلاح، وكان مرفعا مكرما. وكان حسن التلاوة صادق القراءة، كان إذا أحيا ليلة سبع وعشرين، يرغب الناس في القيام خلفه، لصدق قراءته والتبرك به، وسمعت أن أبا عبد الله

стр. 119

ابن يؤمن، والي بجاية في ذلك الزمان، كان يحضر الإحياء بالجامع ليلة سبع وعشرين، فما دام الأستاذ أبو عبد الله يقرأ، [فهو] يصلي ولا يركن إلى الجلوس، فإذا قرأ غيره ممن يعينه يجلس، وذلك بجامع القصبة المحروسة شرفه الله بذكره، خطب بالجامعين، الجامع الأعظم ثم غلب على الخطبة بجامع القصبة، لما علم من فضله وعلم من جلاله وصالح عمله.

стр. 120

٢٩ - أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني ــ ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الموفق الموهوب من عطايا الله السنية، ما صار به اسمه المبارك جامعا بين اعتبار الإضافة والعلمية، وهو أبو محمد عطية الله بن منصور الزواوي اليراتني جمع بين العلم والعمل، وبلغ في مراقي التقوى غاية الأمل. سمعت ممن أثق به، أن وليين من أولياء الله تعالى، وردا على منزله ضيفين وهو حديث السن، وكان بعيد الحفظ، فتوسما فيه سمة العلم والتقوى، وقوى في باطنهما إنه ممن يستحق مناصب أولي العلم والنهى، فاتفقا على الوجهة إلى الله تعالى في أمره، والضراعة إليه أن يفيض عليه من خيره، فأخذاه وأجلساه بين أيديهما، وجعلا يجذبان شعر رأسه وأذنيه ويقرءان عليه، ولا يظهر لهما في أمره جلاء وهما يقولان "لن تغلبا عليه لن تغلبا عليه" فلم يزالا كذلك إلى أن ظهر لهما أنجح حاله، وعقب مآله، فأرسلاه من أيديهما فظهرت عليه ظواهر الأنوار، وتبدت له غرائب وأسرار، وكان في نهاية الحفظ والإتقان لا يطالع شيئا إلا حفظه من ساعته. ولقد سمعت من بعض الشيوخ، ﵏، إنه سمع بكتاب غريب عند بعض الطلبة، وإنه وجه إليه في نسخة فتعلل عليه، فطلبه أن يعيره له ليلة واحدة، فأسعفه لذلك فطالعه من أوله إلى آخره، فحفظه من ليلته فأعاد الكتاب إليه ثم أملاه من صدره.

стр. 121

وذكر لي أن اسمه الذي سمي به لم يكن "عطية الله" وإنما سمي بعطية الله بعد ظهور هذا الأمر عليه، فكان يقال عطية الله يكنى عن هذه المواهب التي وهبه الله. ثم غلب عليه هذا الاسم حتى أتسمه، وصار لا يعرف بسواه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ورزقنا الله بركة أوليائه وجعلنا من خواص الأصفياء بفضله.

стр. 122

٣٠ - علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله ٦٠٦ - ٦٥٢هـ ١٢٠٩ - ١٢٥٤م ــ ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد الورع المبارك، أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله، من أهل بجاية، ولد بها سنة ست وخمسمائة وتوفي بها ليلة التاسع والعشرين لجمادى الأخيرة، من عام اثنين وخمسين وستمائة. كان له فضل وعلم ونسك وصلاح وديانة ووجاهة ونباهة، رحل إلى الأندلس وبعدها إلى المشرق، واستقر قراره ببجاية، وكان بها يروي ويسمع ويتفقه عليه، وله علو سند في الحديث. وانقطع في آخر عمره عن الناس وما زال ﵀ منقطعا، وكان ملك الوقت يزوره في منزله ويغتنم مسرته، ويتلقى باليد والقبول حاجته. وكان ممن ظهرت له الكرامات وعرف بالأحوال السابقات. أخبرني غير واحد عن الفقيه أبي يوسف الزواوي ﵀ إنه قال "مشيت إلى الفقيه أبي

стр. 123

الحسن ﵀ رسولا عن الفقيه أبي العباس ابن عجلان أسأله في مسألة القائل "الحلال علي حرام" فلما وصلت إلى المنزل قبل أن أضرب الباب قال الفقيه لمن حضره في المجلس افتحوا لأخيكم فلان، فإنه جاء يسأل في مسألة الحلال علي حرام، قال ففتح الباب، فدخلت فسلمت على الشيخ، فقال لي: أمرك الفقيه أبو العباس أن تسألني عن مسألة الحلال علي حرام، سلم عليه وقل له أنت أولى بهذا مني، فإنك أنت اليوم مشتغل وأنا تارك". وهذه كرامات لا واحدة، وانظر إلى فضله ﵁، حيث أبي أن يفتي فيها وتورع عن ذلك الأمر إلى غيره، ولم يظهر إلا أن ذلك لاشتغال غيره وقصوره هو وذلك من فضله. ومن كراماته ﵀ إنه كان له بنات كن مستترات، فسأل الله تعالى أن لا يطلع عليهن أحد، فمتن في حياته. وسمعت عنه، ﵁، إنه حج ثمان عشرة حجة، بعضها في آخر المائة السادسة، وبعضها في هذه المائة، نفعه الله بذلك. وقبره بمقربة من قبر الفقيه أبي زكرياء الزواوي رحمهما الله، وله رابطة بخارج باب أمسيون وهي اليوم دائرة. وشيوخه منهم أبو محمد ابن يونس بن يحيى الهاشمي سمع منه بمكة شرفها الله تعالى، وسمع ببيت المقدس من أبي الحسين ابن جبير وسمع بدمشق من أبي

стр. 124

القاسم عبد الصمد محمد المارستاني ومن أبي محمد عبد الواحد بن إسماعيل بن طاهر الدمياطي، وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الحسن بن عبد السلام، ويتصل سندنا بالفقيه أبي الحسن بن أبي نصر المذكور، من قبل الفقيهين أبي محمد بن ربيع، وابن كحيلة وغيرها. وسنده في البخاري عن الشريف أبي محمد ابن يونس بن يحيى بن أبي الحسن ابن أبي البركات، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب عن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن داود الداودي عن عبد الله بن أحمد ابن حمويه عن محمد بن يوسف عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل

стр. 125

البخاري المذكور، وهذا السند عال وقد روى عنه الأندلسيون ببجاية، لقصور سندهم عن هذا السند. روى عنه أبو بكر ابن محرز، فإن سند أبي بكر في البخاري، سند قاصر عن هذا السند، وهذا السند أعلى منه، وهو من أعلى الأسانيد ومن أحسن ما تلقى، وذكر الشيخ الصالح أبو عبد الله ابن القائد القصار ﵀، قال حضرت مع السيدين الصالحين، العالمين العاملين، أبي زكريا الزواوي، وأبي الحسن بن أبي نصر فتح بن عبد الله، نفع الله بهما ورضي عنهما، في عام خمسة وستمائة مجلسا، سأل فيه الشيخ أبو زكرياء الشيخ أبا الحسن عن رحلته إلى المشرق، وما رأى من الغرائب وما شاهد من العجائب، فقال له: حضرت بعض دروس العلم في عام اثنين وستمائة مع حفيد من حفدة سلالة الشيخ الطاهر المبارك عمار المعمر بما سبق له من بركة دعاء النبي، ﷺ ، ورغبت منه يرينيه لأتبرك به ففعل، ودخلت معه إليه، ﵁، فوجدته في مهد ملفوفا بقطن وعيناه تتقدان كأنهما اليواقيت، ولحيته كحلاء وقد تجددت بعد سقوطها، فسلمت عليه فرد علي فقال له حفيده: يا جداه هذا طالب من المغرب يقرأ معي، ورغب مني أن يراك ويتبرك بك وتدعو له، قال: فدعا لي ﵁ بصوت خفي مفهوم سمعته، وقلت له يا سيدي، أنت رأيت سيد الأولين والآخرين محمدا ﷺ ، فعساك تحدثني أرويه عنك وأرويه، فقال نعم، كان سيدنا رسول الله، ﷺ يوصينا أن نكثر من القرآن بسور قلائل من

стр. 126

الكتاب العزيز، ويقول هي أمان من الفقر؟ قلت: هذه رتبة عظيمة حصلت لهذا العالم فإنه يعد بها من التابعين، وهذه القضية معلومة النقل عن الشيخ ﵀، وذكر أن سكنى هذا المعمر، بلدة "قطنة" وهي آخر بلاد الترك من

стр. 127

جهة اليمين عن يمين السد، سد اسكندر المحجوب، به ياجوج وماجوج. وهذا سد يعلي المتأخرين ويلحقهم بأكابر المتقدمين نفعنا الله بهم.

стр. 128

٣١ - أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي ... ٦٣٨هـ ... ١٢٤١م ــ ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المطلق، الزاهد الورع، بقية السلف وقدوة الخلف، نسيج وحده، أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي التجيبي. كان بدء أمره بمراكش، ثم تخلى عن الدنيا ورحل إلى المشرق، وكان ذلك بعد أن حصل من العلم ما سبق به أبناء وقته، ثم قذف قلبه من نور الله تعالى، ما اقتضى إخلاص العمل لآخرته. ولقي بالمشرق جلة العلماء ونقاية الفضلاء من جملة من لقي بالمغرب أبو الحسن ابن خروف وأبو الحجاج ابن هوى وممن لقي بالمشرق الإمام أبو

стр. 129

عبد الله محمد القرطبي إمام الحرم الشريف. قال ﵀، تعلمنا عليه الفاتحة في نحو من ستة أشهر، وكان يلقى في التفسير قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، إلى أن من الله ببركات ومواهب لا تحصى، مما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، وعلى أحكام تلك القوانين، وضع هو، رحمه الله تعالى، الكتاب المسمى "مفتاح الباب المقفل على فهم القرآن المنزل" وهو ممن جمع العلم والعمل. أما علمه، ﵀، فإنه قد جمع فنون العلم بجملتها واستولى على كليتها، أما علم الأصول، فأصول الدين وأصول الفقه هو اعلم الناس بها، وقد صنفت فيها، وأما معقولات الحكماء فهو أعلم الناس بالمنطق، وله فيه تصنيف سماه "بالمعقولات الأول" وأما علم الطبيعيات والإلهيات فكان أعلم الناس بها. أخبرني شيخنا أبو محمد عبد الحق، ﵀، قال لي: كنا نقرأ عليه "النجاة" لأبي علي ابن سينا فكان ينقض عراه نقضا، وذلك بعد أن يوضح منه ما يليق، ويقرره بأحسن طريق، ثم ينقضه ويوهنه.

стр. 130

وأما علم التعاليم فكان أعلم الناس بها، وأما علم الفقه فكان اعلم الناس به منقوله ومعقوله، وقد توهم بعض من لا يعرفه، لما رأى من استغرق الشيخ ﵀، في فنون من العلم إنه قاصر فيه. وأخبرني شيخنا، الفقيه أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مخلوف، ﵀، قال: لما ظهر للشيخ ﵀ من فقهاء وقته، أنهم اعتقدوا، إنه لا يعرف فقه مذهب مالك، ﵁، علم معرفتهم به، قال فكان إذا أقرأ "التهذيب" يبين في كثير من مواضعه، إنه مخالف لأصل المدونة ومغاير لها، ويأمر بالأصل فيقاس فيبين المخالفة بينها وبين ما وقع لمالك وأصحابه في الكتب التي وقع فيها النقل، حتى يقررهم في طريقهم. وأما علم التفسير، فكان يورد الآي ويناسقها نسقا بديعا ويتكلم فيها بما لم يسبق إليه، وله "تفسير" على كتاب الله تعالى، سلك فيه سبيل التحرير، وتكلم عليه لفظة لفظة وحرفا حرفا. وكان وقوع الكلام بينه وبين الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، إمام الديار المصرية في زمانه، على التفسير، وطلب أن يقف على شيء منه، ولما وقف عليه قال أين قول مجاهد أين قول قتادة أين قول ابن عباس وأكثر القول في

стр. 131

هذا المعنى، ثم قال يخرج من بلادنا، ولما بلغ كلامه الشيخ ﵁ وأمره بما أمره به، قال هو يخرج ويقيم عبد الله، فكان كذلك. ووقع بينه وبين صاحب الديار المصرية كلام، فقال له البلاد لك أو لنا؟ قال لك، فقال أخرج من بلادنا، فخرج من البلاد، وكان ذلك من إحدى كراماته ﵁. والشيخ ﵀، سلك في تفسيره مسلك البيان والإيضاح، على نحو ما يقتضيه علم العربية وعلم تنقيح المعقول، وما يبقى وراء هذا، سوى علم الأسباب التي عند النزول، وعند الحاجة إليها لابد من ذكرها. وعلم الحديث كان له فيه تقدم وعلو سند، وعلم العربية لغة وأدبا ونحوا كان متقدما فيه. له التآليف الحسنة، وله الشعر الفائق الرائق غزلا وتصوفا، وله في علم الفرائض ما لم يسبق إليه. وأما علم التصوف فهو فيه الإمام، وله التآليف الحسنة فيه البينة السهلة. وبالجملة فحيث تكلم في علم، يعتقد الناظر إنه لا يعرف غيره، وأكثر كلامه إنما هو إصلاح العلم وحال العلماء. ومن طالع كلامه وتأمله، يعرف ذلك، وما من علم إلا وله فيه تصنيف وتأليف، وهو من أحسن التصانيف وأجل التآليف، ولعمري أن كتابه في علم الفرائض المسمى بالوافي ما رأيت مثله في ذلك الفن، لأنه أعطى الفرائض موصلة مفصلة معللة باخصر بيان وأوضح تبيان، وكذلك كل ما طالعته من كلامه

стр. 132

في أصول الفقه، وأصول الدين، وعلم المنطق، وعلم العربية، وعلم التصوف، وعلم الفرائض، وغير ذلك من سائر ما تحدث فيه، ﵁، له فيه التقدم والتحكم. وأما خلقه، ﵁، فكان أحسن الناس خلقا، ولقد سمعت عنه، ﵁، إنه قال: أقمت عازما في جهاد النفس مدة من سبعة أعوام حتى استوى عندي من يعطيني دينار أو يذرني. ومن حسن خلقه، ﵁، إنه كان مبتلي بإطلاق الناس عليه وإسماعهم ما لا يليق في جهته، فجاءه رجل يوما وسكين نصلة في يده، فقال له جئت لقتلك، فلاطفه وقال له اجلس واسترض على نفسك، فجلس، فقال له على ماذا تقتلني؟ فقال له قيل لي عنك إنك كافر، فقال له: الناقل أن كان عندك كاذبا فما يحل لك قتلي، وإن كان صادقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فجدد الرجل إيمانا بين يدي الشيخ، وتاب على يديه وصار من تلاميذه. وكان معظما لأهل البيت، محترما لهم معترفا بالاسترقاق لهم والعبودية، وإذا قدم عليه أحد من أهل البيت يقوم له من مجلسه ويتمثل بين يديه حتى ينفصل. ولقد دخل عليه يوما رجل غريب، ذكر له إنه شريف، فعظمه واحترمه، وكان عليه طاشور مليح يساوي جملة كبيرة من الدراهم، فنزعه ودفعه للرجل، ولما انفصل الرجل، قال له رجل ممن حضر، هذا رجل غريب وهو فلان من أهل مراكش، فقال له الشيخ عرفنا من عاملنا، يعنى إنه فعل ذلك للنبي ﷺ ، فإن كان الرجل صادقا فجيد وإلا فقد بلغت النية. ـ[أحوال زهده وكراماته ﵁]ـ: أما زهده فإنه كان زهدا

стр. 133

حقيقيا بالظاهر والباطن، بالترك للدنيا كلها وعدم الميل إلى شيء منها، وكان ذلك عن طيب نفس ورضى بأن الدنيا لم تكن عنده شيئا، وكان كل ما يرد عليه منها ينفصل عنه من ساعته ولا يتمسك منه إلا بحاجة وقته، ولقد زهد، ﵁، حتى في الكتب، فإنه لم يكن عنده منها شيء، وكان لا يفتقر في مواعيده إلى مطالعة أو مراجعة شيء، لإحاطته وتحصيله، وجميع ما صنفه من الكتب ما كان يراجع فيه كتابا ولا يطالع فيه سوى مجرد فكره وتسديد نظره. وسمعت انه، ﵀، أصبح يوما ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم، وكانت له جارية هي أم ولده تسمى كريمة، وكانت سيئة الخلق، فاشتدت عليه في الطلب وإن الاصاغر لا شيء لهم، فقال لها الآن يأتي من قبل الوكيل ما ينتفعون به فبينما هم كذلك، وإذا الحمال يضرب الباب بشكارة قمح، فقال لها يا كريمة ما أعجلك، هذا الوكيل بعث بالقمح، فقالت: وما يصنع بالقمح ومتى يصنع، فأمر به فتصدق به، وقال لها: يأتيك ما هو أحسن منه، فانتظرت يسيرا وبدا لها في صدقته وتكلمت بما لا يليق من القول، فبينما هم كذلك، وإذا بحمال بشكارة سميد، فقال لها هذا السميد أيسر وأسهل من القمح، فلم يقنعها ذلك ولا رضيت، وتكلمت بمثل ما سبق من كلامها، فأمر أيضا بصدقته، ولما تصدق به زادت في المقال، فبينما هم كذلك وإذا برجل على رأسه كاملة فقال لها يا كريمة، قد كفيت المئونة، هذا الوكيل قد علم بحالك، فأغناك عن أعمالك. وعلى مثل ذلك، كان حاله ﵁، وهذه المسألة جمعت الزهد والكرامة، وأنا أن شاء الله أذكر من كراماته ومكاشفاته، ما يدل على قدره وبهجة أمره ﵁.

стр. 134

حدثنا شيخنا الفقيه أبو عبد الله التجيبي الأديب قال: اجتمعنا في مدة قراءتنا عليه بجمع من الطلبة في نزهة، واجتمعنا على ما يجتمع عليه الشباب من أهل الطلب، وأسقطنا المحاشمة وجرينا على حال الطيب والمكارمة، وكان من جملة ما صنعناه أن أخذنا حليا من زينة النساء وحلينا به بعض أصحابنا، وأصبحنا للحضور بمجلس الشيخ ﵀ على جري عادتنا، ولما جرت موجبات الاستدعاء للمحاورة ومقتضيات المذاكرة، أخذ صاحبنا الذي كان الحلي في يده يتحدث ويشير بيده، فقال له الشيخ ﵀: "يد يجعل فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد" فبهتنا وقلنا؛ كما اطلع الشيخ على هذا كذلك اطلع على غيره، فجددنا المتاب واجمعنا على ما يقتضى صلاح المئاب. ومن كراماته ﵁، ما ذكره من أمره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم السلاوي، قال: كنت ببجاية، فأصاب الناس جفوف عظيم، وقلت المياه، وجف أمسيون ووصل الزق إلى أربعة دراهم، وكان الناس يملئون الماء من الوادي الكبير، قال فبعثني ﵀ إلى بعض دور أصحابه وسقيت برمة ماء من ما جلها إلى داره ﵀، وأمرني ﵁، أن أسوق منها الماء للفقراء يشربون، قال: فامتنعت كريمة وانتهرتني، فسمع كلامها، فقال لي: قل لها يا كريمة، والله لا شربن من ماء المطر الساعة، وهو قائم بالمسجد، مسجد الإمام المهدي ﵁، قال: فرمق السماء بصره ودعا الله تعالى، ورفع يديه وشرع المؤذن في الآذان، فانعقدت السحب وتراكمت، ولم يختم المؤذن أذانه بقول "لا إله إلا الله" حتى كان المطر كأفواه القرب، وروى الناس وأغدقوا، فرأيته قال: ينصب يده المباركة للمطر ويشرب ويغسل وجهه، ويقول: مرحبا بقريب عهد من ربه. ومن كراماته ﵁، ما حدثني شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق

стр. 135

بن ربيع ﵀، قال: لما قدم شيخنا الفقيه أبو الحسن بجاية أراد الجلوس بمسجد الفقيه أبي زكرياء الزواوي ﵁، ولما حل به، منعه المؤذن من ذلك وقال له: هذا الموضع محترم، ولا يتكلم فيه إلا عن أمر، فقال له يأذن الفقيه في ذلك ويقع الكلام أن شاء الله. ثم سار إلى قبر الشيخ أبي زكرياء ﵀ وصلى في مسجده ركعتين، وجلس عند قبره المبارك وتحدث، وقال من كان معه من أصحابه قد أذن ﵁، ولما كان بالغد أتى المسجد فوقف المؤذن فسلم عليه، وقال الشيخ وصلك الأذان؟ فقال له نعم يا سيدي الفقيه، رأيت سيدي الفقيه وقال لي يتكلم أخونا، فتكلم في مسجده عن إذنه ﵀. ومن كراماته ﵁، ما سمعت عن غير واحد ممن أثق به، إنه كان يوما يسير إلى باب البحر وبعض من خواص أصحابه معه، وإذا بشخص يتمايل سكرا، فألقى يده في الشيخ وقال له: يا سيدي ادفع لي ما أتم به هذه السكرة، فانتهره الناس، فقال لهم لا عليكم دعوه، فتركوه، فأخذ سرواله ودفعه إليه لأنه لم يكن عنده غيره، فانفصل الرجل والسروال في يده، فنقد هذا بعض من رآه، وسلم بعض من هو من أهل الباطن، وسار الفقيه مع أصحابه إلى المسجد، فبعد ساعة وإذا بالرجل قد وصل تائبا منيبا، وهذا بظاهره معترض وبباطنه لأهله مسلم، وما هي إلا قضية حضرية. ومن كراماته ﵁، ما حدثنيه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق ﵀، قال: كانت امرأة من معارف الشيخ ﵀، وكان لها ولد يشرب الخمر ويجني على نفسه، فكانت تشكو للشيخ ﵀، فكان يقول لها قولي له يشرب بالكؤوس الكبار، لماذا يشرب بالكؤوس الصغار، فكانت تجد من ذلك في نفسها وتقول: أسأله ليدعو لي ليخفف أمره، فيأمره بالإكثار، قال فسألناه عن ذلك، فقال: قد جرى القدر بمقادير يشربها من الخمر، ولا بد من نفوذ ما جرى به القدر، فإذا شربها بالكؤوس الصغار طالت المدة وإذا

стр. 136

شربها بالكؤوس الكبار قصرت مدتها. قلت وحقيقة هذه المسألة أن الشيخ ﵀ كشف له عن أمره وعن حقيقة خبره، قال: ولم يمض من المدة إلا مقدار يسير، ثم أن الشاب قد تاب وحسن حاله ببركة الشيخ ﵀. ومن كراماته ﵁، ما حدثني به غير واحد من أشياخي عنه، إنه وصف كل واحد منهم بوصفه، ووسمه بوسمه، من خطة وتحصيل وغير ذلك، ممن انتهت إليه أحوالهم وسمت إليه آمالهم، فمن وصفه بالقضاء رقي إليه، ومن خصه بالتدريس والفتيا اظهر عليه، ومن خصه بالزهد واستجابة الدعوة عرف ذلك منه، هذا في أصحابه ببجاية وغيرها. وهذا من مكاشفته ﵁. أما الفقهاء، الفقيه أبو محمد ابن عبد العزيز بن كحيلة والفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع والفقيه أبو محمد عبد المنعم بن عتيق فقد أخبرهم عن أحوالهم وعن مآل أمرهم، وأخبر الفقيه أبا محمد عبد المنعم بن عتيق ﵀، بالمحنة التي عرضت له في آخر عمره، وما زال ﵀ يتوقعها، وكثيرا ما كان ينشد ﵀ هذا البيت، ويضرب على يده اليمنى باليسرى وهو: فياليت شعري أين أو كيف أو متى ... يقدر ما لا بد أن سيكون حتى قدر وكان. ومن هذا ما ذكره أبو عبد الله السلاوي قال: كنت جالسا معه ومعنا عبد الواحد الكاتب، وعبد الحق الفقير خديم الفقراء، فقال الشيخ: عهدي بعبد الواحد يتعلم السماع المشرقي ويسير إلى المغرب، ويصحب ملكه، وينال معه عزا وجاها في الدنيا، وأما هذا السلاوي فحيث

стр. 137

ما حل يكون إمام المسلمين ويعلم القرآن العظيم، وأما عبد الحق فإنه يدرس حتى يموت، قال: فكان الأمر كما قاله الشيخ. قلت عبد الواحد الكاتب هو المعروف بأبي دينار، وقد نال مع أمير المؤمنين المستنصر فوق ما ينال، وأزيد مما يقدر إنه تعالق به الآمال. وها نحن نذكر بعض ما تخيره ذكرا، ونورد طرفا من تصوفه شعرا. كانت له ﵀ ورضي عنه، أذكار وأوراد، فمن جملة أذكاره حزبه الذي كان يلازمه بعد صلاة الصبح، كان ﵁، يجلس في مصلاه بعد صلاة الصبح متربعا ويقول: استغفر الله العظيم، الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم، مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين، مائة مرة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والله أكبر وسبحان الله، وبحمده ولا حول ولا قوة إلا بالله استغفر الله، الأول الآخر الظاهر الباطن، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ سبحان من في السموات عرشه، سبحان من في الأرض موضع أثره، سبحان من في البحر سبيله، سبحان من في الجنة رحمته، سبحان من في النار عقابه، سبحان من سبقت رحمته غضبه، سبحان من لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، عشر مرات؛ يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك، مائة مرة؛ يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، عشر مرات؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، إلى قوله وكذلك تخرجون. [ومن قوله تعالى] ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم﴾ إلى آخر السورة، ثلاث مرات؛ ثم الأسماء الحسنى التي تضمنها الحديث، ﴿هو الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ إلى آخرها، وهو اسمه تعالى الصبور، ويختمها بقوله: ﴿هو الله الذي لا إله إلا

стр. 138

هو﴾ والحمد لله رب العالمين. ويذكر بعد حديث النبي ﷺ ، الذي هو مضمونه، أن علي بن أبي طالب ﵁، سأله عن سببه أو عن سنته، فقال المعرفة رأس ما في، العقل أصل ديني، الحب أساسي، الشوق مركبي، ذكر الله أنسي، الثقة كنزي، الحزن رفيقي، العلم سراجي، الصبر ردائي، الرضى غنيمتي، الفقر تجري، الزهد حرفتي، اليقين قوتي، الأرق شفعتي، الطاعة حسبي، الجهاد خلقي، قرة عيني في الصلاة. وفي رواية وثمرة فؤدي في ذكره، رغمي لأجل شوقي إلى ربي، ثم يقرأ سورة "يس" و"الدخان" و"الواقعة" قراءة بطيئة، بتأمل وتفهم. هذا هو منتهى حزبه ﵁. وتوفي ﵀ بحماه من بلاد الشام، سنة سبع وثلاثين وستمائة، هكذا ذكر القضاعي في التكملة، وذكر بعض الناس إنه لما رجع من المغرب إلى بلاد مصر، كانت إقامته منها ببلاد بلبيس، واجتمع عليه بها كبراء أهلها وأخذوا عنه وأتبعوه، وكان قصده التوجه إلى مدينة الرسول ﷺ ، ولم يتهيأ له إليها مسير، فتوجه إلى الشام ولم يستصحب معه ولده ولا أحدا من أصحابه إلا زوجة خاصة، وذلك والله أعلم لما علم إنه يموت هنالك، فلما وصل إلى الشام كانت إقامته منها بحماه حرسها الله، فأقبل عليه وأخذوا عنه، فلما قرب موته قال لأصحابه: "إذا كان يوم الثاني عشر من شعبان، نسافر عنكم" فقرب الشهر ولم يروا عليه أهبة السفر، فتعجبوا من ذلك، وكان به الإسهال، فلم يزل يزيد به الإسهال حتى انحله، ولم ينقص من أوراده شيئا ﵁ مع

стр. 139

قلة الأكل، فلما كانت ليلة الثاني عشر من شعبان، دعا خواص أصحابه وأمرهم أن يحضروا عنده وأن يوقدوا الشمع ويؤنسوه بقراءة القرآن، ففعلوا ذلك، وأمرهم أن يأتوه بماء زمزم ليشرب فأتوه فشرب؛ وكانوا معه ليلتهم، فلما أصبحوا أمرهم أن يأتوه بكفن على وفق السنة فأتوه به، فأمرهم أن يحفروا قبره في موضع اختاره، ثم قال لهم إذا أذن العصر أموت، فقالت له زوجته: كيف أصنع ما لي صبر؟ فقال لها: يصبرك الله. ولقد شهد الحاضرون أنهم لم يروا لها جزعا بعد موته، فلما كان عند العصر سأل أصحابه: هل حان الوقت؟ فقالوا له هذا المؤذن يؤذن بالعصر، وحكى المؤذن، فلما كان آخر الأذان توفى رحمة الله عليه ورضوانه لديه، وكان قال لهم لا يحملني إلا الفقراء، ولا تخبروا بي أحدا حتى أجعل على الألواح وذكرت زوجته إنه لما كان قرب موته قال لها: إني رأيت سليمان الفارسي وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة ﵃، جاءوا ليأخذوني معهم، فتوفي ﵀ عند أذان العصر في اليوم الثاني عشر لشهر شعبان المكرم عام ثمانية وثلاثين وستمائة. وقال بعض أصحابه: لما كان عند موته ذكر جميع أصحابه ودعا لهم،

стр. 140

وقال قبل ذلك "إن الله وعدني أن يكون لي اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون صاحبا" شك الراوي في ذلك، وقال أربعة من أصحابي التمسوا منهم الدعاء، فذكر منهم، أعني من الأربعة، فخر الدين أبا الطاهر عبد المجيد بن سراقة ﵁ ونفعنا به وبمحبتنا فيه، وحشرنا معه بمنه وكرمه، إنه منعم كريم وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. ومن شعره ﵀ في التحقيق: ومذ عنك غبنا ذلك العام إننا ... نزلنا على بحر وساحله معنى وشمس على المعنى تطالع أفقنا ... فمغربنا فينا ومشرقها من ومست يدانا جوهرا منه ركبت ... نفوس لنا لما صفت فتجوهرنا فما السر والمعنى وما الشمس قل لنا ... وما غاية البحر الذي عنه عبرنا حللنا وجودا اسمه عندنا الفضا ... يضيق بنا وسعا ونحن فما ضقنا تركنا البحار الزاخرات وراءنا ... فمن أين يدري الناس أين توجهنا وله أيضا ﵀: ما لنا من سوى الحال العدم ... ولبارينا وجود وقدم نحن بنيان بنته حكمة ... وخليق بالبنا أن ينهدم نحن كتب الله ما يقرأها ... غير من يعرف ما معنى القلم أحرف الكتب الذي أبدعه ... كلما لاحت معانيه انعجم أشرقت أنفسنا من نوره ... فوجود الكل عن فيض الكرم فترق النفس عن عالمها ... باختباء ليس تدنيه الهمم ليس يدري من أنا إلا أنا ... ها هنا الفهم عن العقل انبهم عجبا للكل فيما يدعي ... وتأتي الكل إلا ما حكم كلما رمت بذاتي وصلة ... صار لي العقل مع العلم جلم يقطعاني بخيالات الفنا ... عن وجود لم يقيد بعدم

стр. 141

٣٢ - أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي الشهير بسيدي محي الدين بن عربي ٥٦٠ - ٦٣٨هـ ١١٦٥ - ١٢٤٠م ــ ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الحافظ المتصوف المحقق، أبو عبد الله محمد بن علي الطائي الحاتمي المعروف بابن سراقة، ويلقب بمحي الدين، ويعرف بابن العربي، أصله من مرسية وسكن اشبيلية. له من التآليف ما هو أكثر من

стр. 142

الكثير كلها في علم التصوف. وهو فصيح اللسان، بارع فهم الجنان، قوي على الإيراد، كلما طلب الزيادة يزداد. رحل إلى العدوة ودخل بجاية في شهر رمضان المعظم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وبها لقي أبا عبد الله العربي وجماعة من الأفاضل. وذكر لي إنه دخل بجاية في التاريخ المذكور، قال: رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم في السماء إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية، ثم لما كملت نكاح النجوم، أعطيت الحروف فنكحتها، ثم عرضت قصتي هذه على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، فقلت للذي عرضتها عليه لا تذكرني، فلما ذكر المنام له استعظم ذلك وقال: هذا هو البحر الذي لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلوية، وعلوم الأسرار وخواص الكوكب، ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة وقال: أن كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة، فهو هذا الشاب الأندلسي الذي وصل إليها. قال: ثم شرع في السفر واستقر به القرار، واطمأنت به الدار، وألف التآليف وكثر التصانيف، وفيها ما فيها أن قيض الله من يسامح ويسهل ويتأول الخير سهل المرام، ويسلك فيه سبيل الأفاضل الكرام، وإن كان ممن ينظر بحسب الظاهر، ولا يسامح في نظر ناظر، فالأمر صعب، والمرتقى وعر. وقد نقد عليه أهل الديار المصرية ما صدر عنه من المصادرات، وعملوا على إراقة دمه كما أريق دم الحلاج وأشباهه، وكان الشفيع له في تلك القضية

стр. 143

والمخلص له في تلك المحنة، الشيخ أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح بن عبد الله البجائي ﵀، ما زال ساعيا في أمره ومظهرا من وجوه التأويل في شأنه ما اقتضى الإعراض عن زلته، والمسامحة في هفوته. ولما وصل إليه بعد خلاصه، قال له الشيخ ﵀: كيف يحبس من حل منه اللاهوت في الناسوت؟ فقال له: يا سيدي، تلك شطحات في محل سكر ولا عيب على سكران. وتوفي ﵀ في نحو الأربعين وستمائة. وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفي، وقد روى عن غيره وأجاز لأهل عصره وان أحب الرواية منه.

стр. 144

فهرست مؤلفات الشيخ الاكبر ابن عربي ـ[صورة]ـ الصفحة الاولى من مخطوطة فهرسة مؤلفات ابن عربي ويرجع تاريخها إلى سنة ٦٨٩هـ. وهي منقولة عن نسخة أصلية كتبها الشيخ الاكبر سنة ٦٣٢ هـ. ي قبل وفاته بست سنوات. وهذا الفهرست موجود في المكتبة الآصفية بحيدر آباد تحت رقم ٠١٤٠

стр. 145

ـ[صورة]ـ الصفحة الأخيرة من مخطوطة فهرسة مؤلفات الشيخ الأكبر
следующие страницы →