Полный текст (382 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٤١ - أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي
... - ٦٤٢هـ
... - ١٢٤٤م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المجيد المجتهد، أبو الحسن عبيد الله ابن محمد بن عبيد الله بن فتوح النفزي من أهل شاطبة. قبره بحومة رابطة المتمني خارج بجاية، توفى ليلة الخميس مستهل جمادى الأولى من عام اثنين وأربعين وستمائة. كان من أهل العلم والفضل والدين، مستبحرا متفننا عالما بالفقه وأصوله، وعلم العربية والنحو واللغة والأدب، له شعر بارع وأدب غض يانع، استفدت الكثير من حديثه عن شيخنا الفقيه الخطيب أبي عبد الله ابن صالح ﵀، وأنشدني كثيرا من شعره. وكان له تقدم في علم المنطق وله "تقييد" على "كتاب المفصل"، وكان يقوم عليه قياما جيدا، وله "اختصار" "حلية الأولياء" لأبي نعيم رواها الخطيب أبو عبد الله عنه ورواها.
стр. 177
وهو ممن يجب أن يثبت في حلية أبي نعيم، وان يكون أحد الأولياء مطلقا، وبلغ من الزهد والورع مبلغا فاضلا، وكان على ما كان عليه السلف الصالح ﵃ في ملبسه ومطمعه وتصرفه وفي قضاء حاجته، وكان يملأ إناء الماء لشربه ويسوقه على كاهله ويحمل خبزه ليخبز له بيده، ويرغب إليه أخيار الناس في حمله عنه تبركا به فيمتنع ويأبى من ذلك، وكان إذا مشى لا يعلم من على يمينه ولا على يساره، وكذلك كان إذا صلى لا يعلم من على يمينه ولا يساره، ولا يتكلم مع أحد إلا في أمر ديني أو دنيوي يرجع إلى ديني عند دعوى الضرورة فيه.
стр. 178
٤٢ - أبو محمد عبد الله الشريف
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ السمي السني، الشريف بنسبه ومنصبه، الفقيه المعتبر، المتعبد المتزهد المتكلم، أبو محمد عبد الله الشريف كان له بأصول الدين معرفة وكان يقوم على "الإرشاد" لأبي المعالي قياما حسنا، وله في علم العقائد باع وساع، وفكر مطاع. يميط شبه الملحدين، ويثبت صور الحق بواضح البراهين. وكان يحضر له خواص من الطلبة يلتمسون بركته، فيجدون منفعته، ويجتنون أحسن الجنى ثمرته. وكان يأكل من كد يده من الخياطة وبعض التجارة، وكان بسوق الصوافين من بجاية، فكان أهل السوق يحاشونه في وظيفتهم ولا يحملونه شيئا من تكاليفهم رعيا لما هو عليه من علمه ودينه ونسبه، فلما كان في مدة من المدد كلفوا من ناحية الآمر بتكليف جروا فيه على عادتهم في محاشاته، ومعاملته بالبر ومماشاته، فنظر ﵀ إلى أكثر أهل السوق وظيفة، فجاءهم بمثل وظيفته ودفعه إليهم عن نفسه، فتمنعوا من ذلك ورغبوا إليه وسألوه واستعطفوه في أن لا يكون ذلك الحال، فأبى وامتنع إلا
стр. 179
الأداء معهم والانتظام في سلكهم، فقبلوا ذلك منه وهم على حال اعتذار واستغفار، وسئل ﵁ عن السبب الموجب لفعله هذا الفعل فقال: رأيت القيامة قد قامت ورأيت الموازين قد وضعت وأعمال العباد توزن، ورأيت لطوائف من الناس حسنات توضع في موازينهم كأمثال الجبال منهم أهل السوق المذكور وغيرهم، فنظرت أن يكون في ميزان حسناتي مثل ذلك فما رأيته، فسألت عن ذلك فقيل لي ليس لك من هذا شيء، هذه هي أجور المغارم التي يغرمونها والتكاليف التي يكلفونها، وأنت مبرأ منها ومنزه عنها، وكان ذلك -قال- سببا لرجحان موازينهم، فعهدت إلى الله أن لا يفوتني معهم تكليف ما دمت حيا. وهذا من علمه وعمله ﵀، فسبحان من لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. نفعنا الله به وبأمثاله.
стр. 180
٤٣ - أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل المتعبد، أبو الحسن علي الشهير بابن الزيات حافظ لمذهب مالك ﵀، محصل له متقن مجيد، كان ممن يقرأ عليه ويجتمع إليه. فرأى بالأندلس وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرا بها وانتفع الناس بعلمه ودينه، ثم رحل إلى حاضرة افريقية واستوطنها وأقرأ بها وانتفع به. وكانت تقرأ عليه سائر الكتب المذهبية، التهذيب والتلقين والجلاب والرسالة وكان يحفظ تنبيه ابن بشير ومنتقى الباجي وغيرهما من الأمهات، أخبرني بذلك من وثقت بحديثه من أهل
стр. 181
افريقية، وبها توفي ﵀. وكان يأكل من كد يمينه، وكان معرضا عن خطط الفقهاء ولو أرادها ما تعذرت عليه، وكان تلو شيخنا أبي العباس ابن عجلان في علمه ودينه، رحمهما الله ورضي عنهما ونفعنا بهما آمين.
стр. 182
٤٤ - أبو تمام الواعظ الوهراني
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العابد الصالح المبارك، المتعفف المذكر، أبو تمام الواعظ من أهل وهران، سكن بجاية واشتغل بها بعلم التذكير واستدعى الخلق لباب الله تعالى، وكان له مجلس يروق الحاضرين ويسر الناظرين، وكان جلوسه بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، وكان يوجد لكلامه في النفس أثر، وكان الغالب عليه الخوف، وكذلك كان مجلسه إنما هو التخويف، وكان له أتباع من الجمهور وكان له تبتل وكد في العبادة، ورأيت من أصحابه المتعبدين من كاشفني بالكرامات ورأيتها منه غير مرة. رحم الله جميعهم واعلقنا بحبهم بالحبل المتين آمين.
стр. 183
٤٥ - أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني الصواف
... بعد ٦٩هـ
... ١٢٩١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم العابد المنقطع المتبتل، الزاهد الولي، أبو علي عمر بن عبد المحسن الوجهاني السواف. نشأ منشأ بني على الهدى والرشاد، والعمل على التخصيص وجميل الاعتقاد. قرأ ببجاية على أكابر مشائخها ثم ارتحل إلى المشرق في عشر الستين وستمائة، وحج بيت الله الحرام ولقي أفاضل، وانقطع وتعبد وتبتل مع اشتغال دائم، وفكر متصل ملازم. وأظهر أمره بالديار المصرية ظهورا كليا ورغب الناس إليه والملوك أن يزوروه فتمنع من ذلك، ولم يتمسك بشيء من الدنيا، لا بمال ولا بجاه، وكان الناس يرغبون في الأخذ عنه فيمتنع من ذلك قصدا للخلاص والسلامة، وكان يرغب في الفتيا فإذا أفتى ترجح قوله على كل قول وحق له ذلك.
ولقد أخبرني بعض الطلبة الذين توجهوا إلى المشرق برسم الحج قال: خرجت معه من الديار المصرية في الركب المصري وهو متوجه نحو الحج، فبلغته لأتبرك به، فلم يزد في سفره على حاله في البلد شيئا، خرج بقميص وعمامة ومئزر وقرقه الذي يمشي به في الحاضرة وعكاز وركوة ماشيا
стр. 184
على قدميه، وأخيار الأمراء يرغبون أن يحملوه على رؤوسهم فضلا أن يحملوه على المحامل، وهو يمتنع من ذلك، فكان إذا نزل الركب ركز عكازه واستظل تحت مئزره.
وأخبرني إنه: إذا اشتد مشي الركب وألحوا في السير واشتدوا كنت أراه لا يزيد على نقل قدمه على الثاني شيئا، وأنا أكد وراءه جريا فلا أدركه إلا بتعب، ومشقة ونصب. وظهر من كراماته في حرم الله الشريف عجائب، ووقف له منها على غرائب. قال المخبر: وما كنت اعلم له وجها لمعيشته في الركب ولا كيف تناولها. توفى ﵀ في عشر التسعين وستمائة.
стр. 185
٤٦ - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري عرف بابن السراج
٥٦٠ - ٦٥٧هـ
١١٦٥ - ١٢٥٩م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المسن المعمر، الراوية المسند، الصالح الفاضل، أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن قاسم الأنصاري، عرف بابن السراج، من أهل اشبيلية أعادها الله دار إسلام، وهو ابن أخت الفقيه أبي بكر بن محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي المقرئ، أخذ عنه وشاركه
стр. 186
في الأخذ عن أبي القاسم ابن بشكوال وأخذ أيضا عن أبي عمر ابن عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري، وعن أبي القاسم السهيلي وأجاز له الإمام أبو عبد الله بن زرقون وأبو محمد عبد الله الحجري وأبو القاسم عبد
стр. 187
الرحمن بن عمر بن غالب عرف بابن الشراط وغيرهم.
رحل إلى العدوة واستوطن بجاية. كان على سنن الفقهاء وعلى طريق المتعبدين الصلحاء، له رواية عالية متسعة، أخذ عنه ببجاية جلة منهم، الشيخ الفقيه أبو الحسن الرندي والفقيه أبو عبد الله القضاعي عرف بابن الآبار والفقيه الرئيس أبو عثمان ابن حكم والخطيب أبو بكر ابن سيد الناس وغيرهم من مشيخة الأندلسيين. وتوفي ببجاية ضحى يوم الأحد، السابع لصفر من عام سبعة وخمسين وستمائة، ودفن بخارج باب البنود بحومة بئر مسفرة، بالمقبرة المعروفة بابي علي رسمية، ومولده في الثامن والعشرين لرجب الفرد من عام ستين وخمسمائة.
стр. 188
٤٧ - أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي
... ٦٨٦هـ
... ١٢٨٧م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الصالح، الأديب المفوه، المبارك الفاضل أبو إسحاق إبراهيم بن ميمون بن بهلول الزواوي، رحل إلى المشرق ولقي أكابر العلماء وأخيار الفضلاء، كالرشيد بن عوف والشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيرهما، كان منقطعا عن الدنيا متعبدا متزهدا، وكف بصره في آخر عمره، وكان حسن الحديث مستطرف الرواية بديع الحكاية، وله نظم حسن وكلام في النثر مستحسن.
ولقد رأيته نظم شعرا تفرس فيه معاني، وحدس فيه على وقوع أمر فيه تواني. واستكتم من نظمه أن لا يظهره إلا بعد ظهور ما فيه، فكان علم الله كما نظم، وعلى نحو ما توسم ورسم. ويحتمل عندي والله اعلم، أن يكون ذلك من جملة المكاشفات، ومما شاهده في مرآته الصقيلة كما يشاهد في المرآة، فإنه كان أهلا لذلك، لسلوكه من سبيل الخير والبر أفضل المسالك. توفى ﵀ ببجاية يوم الاثنين الرابع لشعبان المكرم من عام ستة وثمانين وستمائة ﵁.
стр. 189
٤٨ - أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي
... ٥٨٤هـ
... ١١٨٩م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحصل المتقن، أبو تميم ميمون بن جبارة بن خلفون البردوي رحل إلى المشرق وكانت قراءته وصحبته مع القاضي أبي عبد الله ابن إبراهيم الأصولي ووصلا معا من المشرق إلى مراكش ودخلا على الخليفة بها، وكان الفقيه أبو عبد الله يكبر أبا تميم المذكور ويقول: هو شيخي، وخرجا معا وليين القضاء بجزيرة الأندلس كل واحد لبلدة مستقلة، وولي بها بلادا، وولي أبو تميم المذكور قضاء بجاية مدة قليلة، وقد رأيت التسجيل عليه في بعض كتب القضاء الكائنة بمودع بجاية حرسها الله.
وكانت له نفس سرية وهمة علوية، ومن جملة البلاد التي وليها بالأندلس حاضرة بلنسية سنة ثمان وستين وخمسمائة، ثم صرف عن ذلك منقولا إلى قضاء بجاية، واستقدم إلى مراكش من بجاية ليتولى قضاء مرسية، فتوفي في طريقه إليها بتلسمان سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وممن أخذ عنه، الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن عبد الحق التلمساني سنة
стр. 190
أربع وثمانين. وممن أخذ عنه أبو عبد الله ابن حماد قال: "قرأت عليه معيار العلم من أوله إلى آخره، قراءة تفهم وتعلم، في بيت الكتاب من قصر بجاية سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وقرأت عليه المقاصد بالموضع المذكور وفي التاريخ المذكور".
стр. 191
٤٩ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي
... ٦١٢هـ
... ١٢١٥م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المتكلم، العالم المجتهد، النبيل الفاضل الجليل، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري المشتهر بالأصولي، من أهل بجاية. رحل إلى المشرق ولقي العلية والجلة من أهل العلم. وولي قضاء المدن بجزيرة الأندلس واستخلف بمراكش، وولي قضاء بجاية ثلاث مرات وصرف عن آخرها سنة ثمان وستمائة، وتوفى ببجاية بين عيد الأضحى والفطر سنة اثنتي عشرة وستمائة.
له فضل وجلال وتقدم علمي رقي فيه إلى غاية الكمال، وكان جلدا صلبا قوي
стр. 192
الجأش، وكان إذا حضر مجلس أمير المؤمنين ابن عبد المؤمن وتقع المذاكرة بين يديه، يسامحه الحاضرون من الطلبة في المذاكرة، وكان هو لا يسامحه في شيء، وكان أمير المؤمنين يجد منه في مجلسه ويعرف له مع ذلك فضلا فلا ينقصه شيئا من حقه.
وكان بينه وبين القاضي أبي الوليد ابن رشد إخاء وصفاء، ولما وقعت الواقعة التي تكلم عليها أبو الوليد في كتاب "الحيوان" له حيث قال: "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وهم أمير المؤمنين بالفتك به، لم يكن سبب نجاته غيره مع موافقة القدر، وتسبب في ذلك بوجهين، احدهما كان جرى بمجلسه أمير المؤمنين منع العمل بالشهادة على الخط، ولما وجد هذه القضية هم بالعمل بها، فحاج أمير المؤمنين وقال له: منعتم الشهادة على الخط في الدرهم والدينار وتجيزونها في قتل المسلم، والوجه الثاني إنه قال: إنما الكتب "رأيت الزرافة عند ملك البربر" وإنما جاء فيه زيادة ونقص وهذا أحسن، وكل ذلك من قوة الجأش.
ومن طرفه، ﵀، إنه لما وقع الحضور بمجلس أمير المؤمنين وأحضرت فيه لآليء نفيسة في طبق وعرضت على الحاضرين في المجلس واستحسنوها فعدت وفقدت منها واحدة، فهم أمير المؤمنين بتفتيش الحاضرين، فأشار عليه بسوق قلة من ماء مملوءة، ويدخل فيها كل إنسان يده سترا على الفاعل،
стр. 193
فسيقت القلة وابتدئ بمن عن يمين الفقيه أبي عبد الله أو من عن يمين أمير المؤمنين، وكان هو على يساره، فلما انتهت القلة إليه ليدخل يده فيها امتنع وقال: صبوها فان وجدتم حاجتكم وإلا فهي عندي، فصبوها فوجدوها، فخلص من الشك فيه. وهذا من نبله وسياسته ﵀.
وكان له علم بالفقه والأصلين والخلافيات والجدل، وله في المعقول الحكمي نظر. وسئل في التصنيف فامتنع وقال: قد سبق الناس بذلك وما عسى أن يأتي به، فعد هذا من عقله؛ وسمعت بعض الطلبة يقول أن له تقييدا على "المستصفى" لأبي حامد (الغزالي) وأظنه صحيحا ولعله إنما علق عليه. ورأيت بخطه ﵀ تأليفا في الموسيقى، وقال لي بعض الطلبة: إنه من تصنيفه وما وثقت بذلك، ويظهر لي إنه كلام أبي علي ابن سينا.
وكانت فيه دعابة وفكاهة لا تخل برتبته ولا تحط من منصبه، ولقد سمعت إنه وقعت بينه وبين بعض أصحابه من الطلبة مخاشنة فقال له صاحبه: تعاملني بهذا وأنا أسن منك وأسنى وأجل؟ فقال له: نعم أسن بموسى وأسنى بسانية وأجل في مربطك، فتضاحكا واصطلحا.
وكان مؤثرا لأهل الطلب، قابلا على أهل الأدب. أخبرني الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع ﵀ قال: كان الفقيه أبو عبد الله القاضي ابن إبراهيم الأصولي ينتابه من يتكرم عليه ممن له رتبة عند خلو مجلسه من الطلبة فيجلس بإزائه، فإذا جاء طالب أفسح له بينه وبينه، ثم كلما أتى طالب فعل ذلك، حتى يعود الاحظى عنده، القريب المجلس عنده، أبعد الناس مجلسا منه، فكان لا يرى الحضرة إلا للعلم.
وكان شديدا على ولاة الأمر الذين يكونون معه ببلد قضائه، لا يسامحهم في شيء من أمورهم ويجاهدهم بم يكرهون في حق الله وفي حقوق المسلمين، وقد
стр. 194
جرى يوما بينه وبين والي بجاية كلام كانت فيه غلظة، فقال له الوالي: والله لقد أصاب سيدنا أمير المؤمنين المنصور فيكم، فقال له: أن كان أصاب أمير المؤمنين فقد أخطأ فينا أمير المؤمنين الناصر فأفحمه، ورجع فاسترضاه. وكان أمير المؤمنين المنصور كتب في شأنه وشأن أبي الوليد ابن رشد إلى البلاد، وكان من أمرهم ما رأيت الإمساك عنه ثم جاء أمير المؤمنين الناصر بعده وأحسن إليهم وعطف عليهم، ولولا صورة استطرد الكلام ما ذكرت هذا، لأني ما زلت أنقد على من يذكر فضل أهل العلم ثم يغمز في شأنهم ويشير إلى القادح فيهم، فلا أريد أن اذكر إلا الخير أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.
стр. 195
٥٠ - أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النبيه التالي، المحصل المدرس المجيد، أبو العباس محسن بن أبي بكر بن شعبان، شهير الذكر نبيل القدر، من أصحاب الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الأصولي وعنه أخذ أكثر ما أخذ ومنه تلقى، وبه في معالم العلم والرياسة ترقى. وكان أبو عبد الله الأصولي يعتمد عليه، ويشير في مجالسه إليه. وكان له خط بارع، ورأيت كثيرا من كتب الحكمة بخطه في نهاية الإتقان وجودة الخط، عليها تنبيهات وتطريرات تدل على نبل مستنبطها. وكان مشاركا في العلوم وهو أحد العدول المعول عليهم ببجاية، والفضلاء المشهور لهم بالمعرفة والدراية.
стр. 196
٥١ - أبو بكر عبد الكريم بن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المتقن، المحصل المجيد، أبو محمد عبد الكريم ابن عبد الملك بن عبد الله بن طيب الازدي عرف بابن يبكي، من أهل قلعة حماد، صاحب الرابطة المعروفة الآن برابطة ابن يبكي بداخل باب "أمسيون" من أعلى سند بجاية، وبها قبره ﵀، وهو الموفق لا وقافها المعروفة الآن بها. كان من جملة أهل العلم ومن أكابر أولي النهي والفهم وكان معروفا عند خلفاء بني المؤمن، وكان ينحو للظاهر، وكانت له وجاهة وعلو قدر ورفعة في الدين والعلم وسمو نظر، وهو من نظراء العالم أبي عبد الله محمد بن عبد الحق ابن سليمان التلمساني واليه كان مرجع الفتيا وعلى قوله العمل، وكان له مع ذلك انقباض عن الناس واشتغال وجد خرجا عن القياس، نفعنا الله به.
стр. 197
٥٢ - أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي المحدث المحصل، أبو عبد الله محمد بن عمر بن صمغان من أهل قلعة حماد، بها ولد وتوفي أبوه وخلفه صغيرا، ولما أخذ في سن البلوغ تعلق بالجندية واتخذها حرفة، فرأى في منامه رؤيا قال له: يا محمد ليس الجندية من شأنك فاشتغل بالقراءة. فترك الجندية واشتغل بقراءة العلم، فاجتهد وحصل، ثم رحل إلى بجاية مستوطنا واخذ عن أبي محمد عبد الحق الاشبيلي وغيره.
وكان له علم بالحديث والفقه والوثيقة، وأكثر تخاطيطه إنما هو التحدث وقضاء بعض البلاد المغربية، وكان نائبا عن القاضي أبي عبد الله الأصولي في (قضاء) الانكحة في مدة ولايته ببجاية، وكان يقرأ عليه السيد أبو الحسن ابن عبد المؤمن "الموطأ" قراءة تفهم، وكان له مجلس دراسة بعلو سقيفة داره فيجتمع إليه خواص الطلبة، وكان له جلال وفضل وعلم وعمل، وهو أحد المشهورين الذين لا يحتاجون. يستكثر من خيرهم لاشتهار أمرهم ﵁.
стр. 198
٥٣ - أبو عبد الله ابن أمة الله
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، السيخ الفقيه، العالم الأصولي المحقق، أبو عبد الله ابن امة الله كان من أهل العلم بأصول الدين، وكان له من الاشتهار في هذا العلم والظهور فيه والمعرفة به ما أربى به عن المتقدمين، وكان يحل الشبهات، ويفك المغلقات المستعصبات. وكانت دروسه تميل إليها نفوس الناس وترجح على غيرها من الدروس، مع نسك وعفاف واقتصاد وكفاف، ﵁ ونفعنا به آمين.
стр. 199
٥٤ - أبو جعفر ابن أمية
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم الفاضل، المحقق المتقن، أبو جعفر ابن أمية وهو ابن مقلة زمانه بارع الخط، حسن الضبط، مليح التنبيه. ووقفت على جملة كتب وعليها خطه في تنبيهات وتقييدات في كل فن من كتب الحكمة وكتب العربية وكتب تفسير القرآن العزيز، فما منها كتاب إلا وفي كثير من مواضعه بخطه تنبيه، أما تقييد المطلق وإما تخصيص العام وإما تفسير اللغة أو بيان وجه إعراب، وكل ذلك مما يروق خطه ولفظه ومعناه، هذا فيما قابله أو طالعه، وأما ما نسخه فأعجب من ذلك ولا يكاد أن يوجد فيه غلط بوجه.
له تقدم في العلوم وتفنن في علوم الحكمة وعلوم الشريعة وعلم الأدب والعربية، وله كتابة بارعة وأشعار رائقة، أنشدني بعض أصحابنا من شعره في التحقيق هذين البيتين وهما حسنان في معناهما:-
ظهرت فلم تعرف لشدة غفلة ... عرضت فأنكرت النفوس ظهورها
ولقد أطالوا الخبط فيها عشوة ... وهي التي قد أشهدتهم نورها
وله شعر كثير في النسب والحكمة والتصوف، ومما استحسنه:-
أأمسك دمعا وقد أرسلت ... علي من الهجر ريح عقيم
غفت مقلة الوصل إغفاءة ... كنومة أهل الرقيم
فإن كان نهج الرضى مائلا ... فان صراط المستقيم مستقيم
стр. 200
ولي مقلة نظرت في النجوم ... قضت لي أن فؤادي سقيم
وله أيضا:- قال أنيسي حين فاوضته = وما درى أن مقامي عسير
أقم فقلت الحال لا يقتضي ... قال فسر قلت جناحي كسير
وله ﵀ عليه:-
بمركز قلبي أو محيط جوانحي ... هوى لمنال الجود ليس بنازح
وما ذاك إلا أن أرى ومشيئتي ... إلي وسر العلم طي جوانحي
فهل سعة الجود الإلهي تقتضي ... مرادي فقد ضاقت علي مسارحي
وله قصائد مطولات، ومقطعات متخيرات، ولكن ليس المقصود من هذا التقييد الإسهاب، وإنما هو الإشارة إلى الباب.
стр. 201
٥٥ - أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن عيسى بن أبي بكر الصنهاجي
... ٦٢٨هـ
... ١٢٣١م
ــ
ومنهم، الشيخ الأجل، العقيه الرئيس الأكمل، العالم الأوحد، أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن أبي عيسى بن أبي بكر الصنهاجي أصله من قرية تعرف "بحمزة" من حوز قلعة بني حماد، وهو من أهل قلعة بني حماد، من كبراء الأئمة وفضلائهم، قرأ ببلده بالقلعة وكانت حاضرة علم، وقرأ ببجاية ولقي بها جلة منهم الشيخ أبو مدين ﵁.
قال: في "برنامجه" إنه سمع عليه كتاب "المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى" من فاتحته قراءة تفقه، قال: فأول مجلس حضرته عليه أردت أن أقيد ما يقوله على الكتاب، قال: فمشيت إلى داري وقيدت ما علق بخاطري من كلامه، فلما كان من الغد ووقع الحضور للدرس، كان أول ما افتتح به الشيخ كلامه أن قال: أنا لا أريد أن يقيد علي شيء مما أقوله على هذا الكتاب، أو كلاما ما هذا معناه، فكانت تلك إحدى كراماته ﵁ التي شاهدتها منه، فأمسكت عن التقييد، قال: وكان ذلك بداره ببجاية سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ومنهم القاضي المحدث العالم أبو محمد عبد الحق الازدي الاشبيلي، روى عنه مباشرة ببجاية كتاب "الموطأ" وغيره من الكتب،
стр. 202
وروى عنه بواسطة عن الأستاذ أبي ذر مصعب بن محمد عنه، وهذا مما يدل على فضله، فان المألوف أن الإنسان إذا شارك في الشيخ لا يروى عنه بواسطة، غير أن هذا إنما هو من رعونات النفس، والحق أن الإنسان كيف ما وجد الفائدة تلقاها. ومنهم القاضي الإمام أبو علي المسيلي، ومنهم القاضي ميمون بن جبارة وأبو العباس ابن مبشر، ولقي غير هؤلاء بالقلعة والجزائر وتلمسان وغيرها من بلاد المغرب.
ومن جملة من أخذ عنه، القاضي العالم أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان التلمساني وغير هؤلاء من صدور العلماء، ورأيت له "برنامجا" ذكر فيه شيوخه ومقرؤاته من الكتب يشتمل على مائتين كتابا واثنين وعشرين كتابا، كلها مسندة إلى مؤلفيها مذكور السند فيها، وما رأيت برنامجا أحسن منه، لأن أكثر البرنامجات تقع فيها الإحالات، أما في الكل أو في البعض، إلا هذا البرنامج، فإنه ما أحال فيه على كتاب أصلا، وذكر فيه إنه لخص كتاب الطبري، يعني تاريخه وكل من روى عنه فما هو إلا من الجلة الأعلام، واشتهر عنه ﵀ من التحصيل والعلم أكثر مما اشتمل عليه برنامجه، والذي يدل عليه برنامجه من علومه، هو علم القرآن العزيز وعلم الحديث وعلم الأصول وعلم النحو وعلم الأدب والتاريخ وعلوم الرقائق والأذكار، وكان له في كل فن من هذه الفنون حظ وافر وعلم ماهر.
ولي قضاء الجزائر الخضراء ثم صرف عنها وولي قضاء "سلا" سنة ثلاث عشر وستمائة.
стр. 203
وله تآليف، منها كتاب "الإعلام بفوائد الأحكام" لعبد الحق الاشبيلي، وشرح "مقصورة ابن دريد" وله تاريخ سماه "بالنبذ المحتاجة في أخبار صنهاجة بافريقية وبجاية" وتوفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقال ابن زيتون في عشر الأربعين وستمائة، وكان ينيف على الثمانين، ﵀. ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيه أبي عبد الله الخطيب عن أبي محمد بن برطلة عنه.
стр. 204
٥٦ - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد السلام
عرف بابن الطير
نحو ٦٤٣ بعد ٦٩٩هـ
١٢٤٦ - ١٣٠٠م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل، الرضي الأصولي، أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن عبد السلام عرف بابن الطير من أهل افريقية. قرأ ببجاية وبحاضرة تونس، وارتحل إلى المشرق وحج بيت الله الحرام ولقي ناسا، ورجع حاضرة افريقية وتخطط بها بالعدالة وهي صفته.
وكان له باع بالفقه وأصوله، وله نزاهة ورياسة وعلو همة. ولي قضاء بجاية محمولا عليه وهو لا يريد، ولما استقر تخير رئيسين من رؤسائها وفقهائها وولى أحدهما قضاء الانكحة وولى الآخر النظر في الأحكام مدة إقامته بها، إلا ما يطالعه به الفقيهان اللذان استنابهما وما يشاركانه فيه لا غير ذلك.
وكان يقرأ عليه مدة مقامه بها من الطلبة الخواص، يقرءون عليه الفقه على طريقة الأقدمين، ولما وصله كتاب العزل سجد شكرا لله، وبعد أن وصله كتاب العزل ركب في بعض خواص أصحابه وخرج متطلعا على خارج البلد وعلى حال أهله على وجه الاستكتام، فلم يشاهد إلا خيرا ولا اطلع إلا على ما أرضى، ولما حضر بين يدي الخلافة شكر أهل البلد وأثنى عليهم بخير وأزال ما عرض في النفس منهم، جزاه الله أفضل الجزاء.
وسمعت إنه اختصر كتاب "المستصفى" اختصارا حسنا، سمعت ذلك من شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الله بن عبادة رحم الله جميعهم، وأعاد علينا من بركاتهم، آمين.
стр. 205
٥٧ - أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي المعروف بابن الحجري
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي، الأستاذ المدرس البارع، أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الصقلي، المعروف بابن الحجري أحد المنتصبين للأستاذية والإقراء، لقي مشائخ بافريقية منهم أبو زيد عبد الرحمن بن إسماعيل ابن الحداد التونسي. وأخذ عنه العلم ناس ببجاية، منهم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي، المذكور في هذا الكتاب وأجاز له، وكان ﵀ أكثر الناس اعتدالا واقتصادا، مقتصرا على حال نفسه، معرضا عن أبناء جنسه.
стр. 206
٥٨ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحيى الاغماني
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي المنطقي، الأستاذ الجليل، اللغوي التاريخي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن يحي الاغماتي، من أهل اغمات من المغرب، ولقي بالمغرب جملة من الأفاضل ومنهم ابن خروف وغيره، واستوطن بجاية وولي القضاء ببعض جهاتها. وكان مشتغلا بالتدريس بها، وقرأ عليه الشيخ الأجل أبو إسحاق ابن عمران أيام ولايته السلطانية ببجاية.
وكان في علم العربية بارعا، وله تحصيل لكتاب سيبويه وكان كثيرا ما ينظر مسائله بعضها ببعض، أخبرني شيخنا الأستاذ أبو عبد الله عنه، إنه كان اعلم الناس بكتاب سيبويه، وما رأيت أعرف منه بمقاصد كتاب سيبويه ولا أشد منه تنظيرا وفهما لمسائله، وأما كراس أبي موسى الجزولي ومفصل الزمخشري فكانا عنده من المبادئ.
وكان له تحصيل لعلم المنطق، وكان جيد الفقه حسن النظر، وذكر لي بعض أصحابنا الطلبة، إنه ليلة يبيت علي الفقه ويتعمد على كثرة النقل، إنه يضاهي
стр. 207
شيخنا أبا محمد عبد العزيز بن كحيلة في نقله، ولكنه لم يكن كثير الاشتغال بالفقه وإنما اشتهر وظهر في علم العربية والمنطق وما يتبعهما، وكانت له أخلاق كريمة، وطريقة قويمة. ويتصل إسنادي عنه من طريق شيخنا أبي عبد الله الأديب، وشيخنا أبي محمد عبد الحق بن ربيع ﵏.
стр. 208
٥٩ - أبو عثمان سعيد بن عبد الله المعروف بالجمل
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، العالم المحصل المحقق، أبو عثمان سعيد بن عبد الله، المعروف بالجمل، من أصحاب الشيخ أبي إسحاق ابن البرا المعروف بابن دهاق له علم بأصول الدين وأصول الفقه والتصوف، وهو من كبار أهل العلم، جلس للإقراء ببجاية ودرس عليه ناس. وكان نافذ النظر في أصول الدين وهو أعظم علومه، وكان له جلال ووقار وانعزال عن الناس واقتصار على الاشتغال بالعلم، وكانت له كفاية أعانته على التخصص وسلوك الخير واقتفاء طرق البر.
стр. 209
٦٠ - أبو علي عمر بن مالك المرساوي
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الفاضل المحقق، الأصولي الحافظ، المتقن المجيد، أبو علي عمر ابن ملك المرساوي. وكان اعلم وقته بعلم الكلام، وكان محققا له محصلا لمعانيه كليا وجزئيا، وكان أحفظ الناس بدقائق تفاصيله.
وذكر لي بعض أصحابنا، أن له فصاحة وطلاقة لسان، وإنه في حفظه لعلم الكلام ولحصر كلياته ولتفاصيل جزئياته، كشيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي في مذهب مالك ﵁، وما رأيت فيمن رأيت أحفظ منه لمذهب مالك ﵁.
وكل من كان له مشاركة في أصول الدين ببلدنا، فما كان أصل أخذه إلا عن طريق أبي علي المرساوي، وكان طريقه في ذلك كله على طريق الأقدمين، على طريقة أبي المعالي وأبي بكر ابن الطيب. وكان له علو قدر وسمو رتبة، وكان من العدل المرضيين خطة وصفة.
стр. 210
٦١ - أبو الحسن علي بن عمران بن موسى الملياني عرف بابن أساطير
... بعد ٦٧٠هـ
... ١٢٧١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي الجليل الفاضل، المحصل الحكيم أبو الحسن علي ابن عمران بن موسى الملياني، عرف بابن أساطير. لقي المشيخة ببجاية كالشيخ أبي الحسن الحرالي ﵁، وغيره، وكان من خواص أصحابه ومن فضائلهم.
كان له علم الفقه وأصول الدين والتصرف وعلوم الحكمة، وكان له علم بالوثيقة، وكان من عدول بجاية وخيارها، وكان متخصصا متزهدا متقللا من الدنيا متعففا مقتصدا، ومضى له زمان وهو فيه غاية التخلي والانقطاع في مدة الشيخ أبي الحسن ﵁، وكان يحمل خبزه إلى الفرن بيده، وكان يرغب في أن يحمل عنه فيمتنع من ذلك، وكثيرا ما كان يشتري ما يحتاج إليه من ضروريات منزله بيده ويحمله بنفسه ولا يترك أحد يحمله عنه، ولم يكن ذلك منه إلا قصدا للبراءة من الكبر، لأنه كانت له رياسة وهمة وعلو منزلة، ولم يكن من هو دونه يفعل مثل ذلك.
وكان أبو محمد عبد الحق ﵀ يقول فيه: العالم المطلق. وكان يعظمه
стр. 211
كما كان يعظم مشيخته، وما رأيته يعظم أحد من أصحابه مثل تعظيمه له، وكان يقرأ عليه بعض خواص أصحابنا كتاب "الإشارات والتنبيهات" لابن سينا وكان بحيث تقرأ عليه العلوم التي ذكرت إنه يحملها لو تبسط لها. وكان أعقل أهل وقته وأبعدهم عن الشر. توفي ببجاية في عشر السبعين وستمائة.
стр. 212
٦٢ - أبو علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي
٦٣١ - ١٣١هـ
١٢٣٤ - ١٣٣١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحصل المتقن، المجيد المتفنن، أبو علي منصور بن أحمد ابن عبد الحق المشدالي من أصحابنا ومعاصرينا في نفس الوقت، رحل إلى المشرق ولقي أفاضل، منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام والشيخ صدر الدين سليمان الحنفي وشرف الدين ابن السبكي وشمس الدين الاصبهاني وأفاضل
стр. 213
غير هؤلاء، قرأ وحصل. له علم بالفقه وأصول الدين، وله مشاركة في علم المنطق وعلم العربية وكل هذه تقرأ عليه، ودروسه حسنة منقحة، وله عبارة جيدة، وهو كثير البحث، ومحبته في البحث أكثر من محبته في النقل، ويتكلم على تفسير كتاب الله تعالى وحديث رسول ﷺ فيجيد وهو من أهل الشورى وأهل الفتيا.
وله شرح على رسالة أبي محمد ابن أبي زيد ولم يستكمله، وهو لا بأس به، وتحصيله لأصول الفقه وأصول الدين على طريقة الأقدمين وعلى طريقة المتأخرين، وهو ممن ينفع بالأخذ عنه والسماع منه.
стр. 214
٦٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب
-أواخر القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، صاحبنا الفقيه، الجليل النبيل، الفاضل النبيه، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الخطيب من الأفاضل الحذاق، وممن له الذهن الثاقب على الإطلاق كان له علم بالنحو والمنطق وأصول الدين والفقه والحكمة والتصوف، وكان أنبه الطلبة، وكان مليح النظم، وكان أحسن الناس تقييدا، واقتطف قبل أن يستكمل الأربعين، ولو بقي لظهر عليه من العلوم كثير، وما هو إلا كما قال صاحب "المطمح" في ابن باجة: إنه مات قبل أن تظهر خزائن علمه. ومن نظمه في التصوف قوله:
روض المعارف حضرة العرفاء ... وجنى التفكر جنة العقلاء
ونعيم أهل الحق درك حقائق ... لاحت بأفق القلب حال صفاء
فاركب براق القلب سرت مسلما ... واحذر عليك تجسس الرقباء
واعبر عوالم تقف بمعالم ... واحذر عوالم شره الرفقاء
واقرأ سطور الكون في منشورها ... بعيان عين أو بفرط ذكاء
واكسر حروف خطوط أعلام بدت ... تجد المعالي مصبحات مساء
تتلو بسورتهن سورة حسنها ... معنى أمر مدارك الخطباء
وانظر إلى الأكوان كيف تمايلت ... طربا لسر لاح عند خفاء
أن المظاهر كلها ظهرت به ... وبه الملا أضحوا من الظرفاء
وكسا عوالم أنسها من جوده ... حللا وحرم مشية الخيلاء
وأفاض عن بحر الجمال أهلة ... بهرت محاسنهن بدر سماء
стр. 215
فهبطن عن أفق العلى بمظاهر ... فجلت حلاها بعد أي جلاء
شغفت بها ألفتها فألفنها ... وشكت بهن منهن طول عناء
وتذكرت نجدا فهاج لذكراه ... وجد ونادى الشوق بالبرحاء
فأتت سرايا القوس تنفل شمسها ... عن غور حمأتها لطول حماء
وخلعت لبس الكون عنها فارتدت ... نصفا جواهرها رداء بهاء
ونعمن عينا عند عين وجودها ... وحللن صدر مجالس الخلفاء
ورأت به كل العوالم أحكمت ... فتزينت وتوشحت بضياء
ونفى التوهم غيره بأدلة ... نقشت ببعض خواتم الصعداء
следующие страницы →