Полный текст (382 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٨٢ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد ين أبي بكر ابن السطاح
... ٦٢٩هـ
... ١٢٣٢م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي الأستاذ اللغوي العدل الرضي، أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر ابن السطاح أصله من الجزائر، ورحل إلى اشبيلية وقرأ بها ولقي أبا الحسين ابن زرقون وأبا بكر ابن طلحة وأبا عبد الله محمد بن علي بن طرفة وغير هؤلاء، وروى وحصل، وأجاز له أبو الحسين ابن زرقون أجازة خاصة وعامة؛ خاصة فيما نص عليه، وعامة فيما لم يعنيه، حسبما اقتضى ذلك كله رسم أجازته له، وكتب له بذلك بخط يده، وذلك في عقاب ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة.
وهو أول من أدخل كتاب "الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار" إلى
стр. 247
العودة نسخة بخط يده.
وكان بارع الخط، حسن الضبط. استوطن بجاية وأقرأ بها وتخطط بالعدالة وناب عن القضاة في الانكحة، وكان فاضلا خيرا مرضيا.
ويتصل إسنادي عنه، عن شيخنا أبي عبد الله القلعي، عنه، عن أبي الحسين ابن زرقون، عن أشياخه ﵏. توفي في سنة تسع وعشرين وستمائة.
стр. 248
٨٣ - أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنجلاتي
... ٦٩٠هـ
... ١٢٩١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الصالح المتعبد، الوجيه المبارك، أبو يوسف يعقوب بن يوسف الزواوي المنجلاتي، من أصحابنا الذين جمعنا معهم عصر واحد، له معرفة بالفقه وأصول الفقه، وله مشاركة في علم العقائد، قرأ ببجاية ورحل إلى حاضرة افريقية ولقي بها المشائخ، ولازم الشيخ الإمام أبا عبد الله ابن شعيب ﵀، وقرأ على الفقيه أبي العباس ابن عجلان وحضر مجلس شيخنا أبي محمد عبد العزيز ﵀ قبل رحلته إلى تونس ثم رجع إلى بجاية وأقرأ بها وظهر أمره وأشتهر، وكان مجلسه من المجالس المعتبرة، وكانت تقرأ عليه الكتب المذهبية، وكان يقوم عليها قياما حسنا، وكان نظره في التهذيب نظرا جيدا، وكان أحد المفتين والمشاورين في وقته، وكان منقبضا عن الناس منقطعا عنهم ومشرفا ومكرما، فيهم، وزاره بعض ملوك وقته في منزله، وانقطع في آخر عمره انقطاعا كليا حقيقيا، وانزوى عن الناس إلى أن توفى بتيكات في الثلث الأخير من ليلة يوم السبت الحادي عشر لجمادى الأولى عام تسعين وستمائة، ودفن بالموضع المذكور وقت الضحى من اليوم المذكور، ﵀.
стр. 249
٨٤ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر المنصور القلعي
... بعد ٦٦٠هـ
... ١٢٦٥م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد، العدل المسن الموقر، أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي بكر، المنصور القلعي، من قلعة بني حماد، كان له علم بالفقه والفرائض علما وعملا، وكان له علم بالحساب سبق فيه الأوائل، لو لقيه الحصار وابن وهب وغيرهما ما أمكنهم إلا الأخذ عنه والاستماع عنه، وكانت له طريق في الفرائض ملخصة في نهاية القرب، ولم يكن ببجاية في وقته أحد يريد قراءة هذا العلم إلا قرأه عليه، وكان يقصد من البلاد لقراءة هذا العلم عليه.
وكان أحد العدول المرضيين، وكان له مجلس يقرأ عليه "التهذيب"
стр. 250
أحيانا، وكان عالما بأحكام الوثائق والشروط، وكان موثق الوقت، وكان له في مدة ولاية ابن حجاج القضاء ببجاية ظهور، وكان له به اعتناء، وكان كاتبهم والمشاور عندهم، وكانت وثيقته محكمة مطولة لا يقصد فيها الإيجاز بل يقصد فيها الإتقان والأحكام، وكان لا يلتفت إلى قول المكتوب له بحيث يبني الشيء على غير أصله، بل لا يبني وثيقته إلا على الأصول التي تترتب الإفادة عليها، ولو رضي المكتوب لهما بالكتب من غير إحضار ما يبني عليه صحة الأمر، فإنه يصرفهما عن نفسه ويقول لهما سيرا لغيري يكتب لكم. توفى ببجاية في عشر الستين وستمائة ﵀ ورضي عنه.
стр. 251
٨٥ - أبو علي عمر بن أحمد العمري
... بعد ٦٦٠هـ
... ١٢٦٢م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأصولي المبارك، أبو علي عمر بن أحمد العمري، من أهل بجاية، رحل إلى المشرق ولقي الأفاضل وحج بيت الله الحرام، ورجع إلى بجاية بعد تحصيل واستفادة، فكان أحد عدولها المرضيين، وانتصب للتدريس بها، وكان يقرأ عليه الفقه والأصلان، وهو أحد من أخذ عنه شيخنا الفقيه أبو محمد عبد الحق بن ربيع ﵀.
وأخبرني بعض الطلبة، إنه رأى له تقييدا رد فيه على الوصية التي أوصى بها فخر الدين ابن الخطيب ﵀ عند موته.
وشارك الشيخ العالم أبا الحسن الحرالي ﵁ في جملة من مشائخه الذين قرأ عليهم بالمشرق. وتوفى ﵀ ببجاية في عشر الستين وستمائة.
стр. 252
٨٦ - أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي
٥٤٤ - ٦٣٣هـ
١١٥٠ - ١٢٣٥م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المحدث الحافظ المتقن، النحوي اللغوي التاريخي، أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن دحية الكلبي من كبار المحدثين، ومن
стр. 253
الحفاظ الثقات الإثبات المحصلين. استوطن بجاية مدة أبي عبد الله ابن يرمور وكان ولده أبو علي يقرأ عليه، وروى بها واسمع، وكان معتنى به، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملا غالبا عليه، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده والله أعلم، أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره من الناس، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، لأنهم انفردوا به واشتهروا فيه، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية الكلبي.
رأيت من كلامه كثيرا في رسائل ومخاطبات، كلها مغلقات مقفلات، ومن جملتها، ما ذكر إنه كان له خديم يخدمه، واحتاج الوالي إلى تجهيز قطع في البحر يبعث فيها للمغرب، فأخذ خديمه في جملة الغزاة، فكتب لأبي علي ابن يرمور هذه الرسالة ينبهه على خديمه ليسرحه وهي: الشيخ الفقيه الأديب
стр. 254
الجحجاح الهرماس أبو فلان جحمظ الله قعثبان شفترته هذا الغطريس في اليم أخذ رجلا لا يملك حذر فوتا فيري الزبرقان فيخاله حوارى ويرى الجعل فيحسبه زعبجا وله قرحة أمحشت من الحر وتعطل كبرها فأبعث إلى هذا العثري من يخضد شوكته والسلام.
ولما وصلت هذه الرسالة لأبي علي ابن يرمور لم يفهم لغتها، فاستحضر كتب اللغة الصحاح وغيرها ليفك معماها، ويظهر له معناها. فلم تتضح له إلا بعد أيام، حتى سافرت الأجفان، فكتب كتابا في حق الرجل واشخص به رقاصا، فوصل قطع بوهران فصرف الرجل وزود، ولولا إبطاء الريح ما وصلت الشفعة إلا بعد خلاص مسألته، وهذا أقل عوارض الخروج عن العادة، وعدم سلوك السبيل الجادة. وكان ﵀ إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير
стр. 255
ذلك، يكتب ابن دحية ودحية معا المشبه بجبريل وجبريل ويذكر ما ينيف على ثلاث عشرة لغة المذكورة في جبريل ويقول عبد فاطر السموات والأرض، وهذا نوع أنفرد به عمن سواه من أهل العلم.
قد رأيت له تصنيفا في رجال الحديث لا بأس به.
وارتحل إلى المشرق في مدة بني أيوب فرفعوا شأنه، وقربوا مكانه، وجمعوا له علماء الحديث وحضروا مجلسا اقروا فيه بالتقدم، واعترفوا له إنه من أولي الحفظ والإتقان والتفهم. وسمعت أنهم ذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها، وإنه أعاد المتون المحولة وعرف عن تعبيرها ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية.
وأخبرني شيخنا أبو عبد الله الخطيب أن مثل هذه الحكاية اتفقت لأبي عمر ابن عات بمراكش في كتاب مسلم ببيت الطلبة منها.
ومن شعر أبي الخطاب ما وقعت عليه في ورقة بخط بعض المشارقة ونصه، قال الحسن بن أحمد بن عبد الرحيم البيساني، كتب إلي الفقيه الحافظ أبو الخطاب عمر ابن دحية، وأجازني الرواية عنه وشافهني بالإجازة، قال: كتب إلي السلطان الأجل الملك الكامل أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب هذه القصيدة:
مالي أسائل برق بارق عنكم ... من بعد ما بعدت دياري منكم
وبمنحنى الأضلاع بل وادي الغضا ... من مهجتي يا راحلين نزلتم
فمحلكم قلبي وأنتم بالحشا ... لا بالعقيق ولا برامة أنتم
وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم ... يا مالكين، وفيتم أو خنتم
стр. 256
أظننتم إني سلوت وأنني ... خنت العهود فخنتم وغدرتم
هيهات هل يسلو بذكر مالك ... من حبكم من للغرام متيم
أمنازل الأحباب أين أحبتي ... فهم إذا جن الظلام الأنجم
ولقد وقفت بربع عزة منشدا ... يا ربع أين ترى الأحبة يمموا
نزلوا الحطيم وماء زمزم أوردوا ... نعم الحطيم بهم ورقت زمزم
وسروا وقد أسروا الفؤاد وحرموا ... طيب الهجوع علي لما أحرم
ناديتهم وهم المنى بمنى وقد ... ضربوا بها حمر القباب وخيموا
لم تسكنوا البلد الحرام وإنما ... حرم الفؤاد المستهام سكنتم
هم في السواد وفي السويدا خيموا ... ما أعرفوا ما أيمنوا ما اشأموا
وهم الذين إذا سئلت من الذي ... تهواهم قلت الذين هم هم
أنا باخع نفسي على آثارهم ... أسفا فلا خلت المنازل منهم
أحبابنا طال المطال بوعدكم ... لي بالوصال وطال ليلى فيكم
عودوا يعود الليل صبحا مسفرا ... والصبح بعدكم سناء مظلم
والذنب ذنبي في الهوى وخطيئتي ... من دونكم وأنا المسيء المجرم
حكمتكم في مهجتي فحكمتم ... فيها بما شاء الغرام وشئتم
ورحلتم بالقلب يوم رحلتم ... وظعنتم بالصبر يوم ظعنتم
ولقد كتمت هواكم حتى وشى ... سقمي بذاك ودمع عيني الملزم
والسقم يفصح بالصبابة والأسى ... والدمع يكتب ما المعنى يكتم
حاشاكم من أن تجوروا في الهوى ... ونعم ظلمتم بالعباد وجرتم
والعدل بالملك الهمام محمد ... بادي المنار لكل من يتظلم
عز الملوك الكامل الشرف الذي ... لعلائه السبع الكواكب تخدم
فالمشتري كالمشتري لسعوده ... يمسي ويصبح حيث أم يؤمم
стр. 257
والقوس يرمي عن إرادة عزمه ... غرض المقاصد والمقادير أسهم
فدع التحرش يا منجم واتئد ... فالحكم عندي غير ما قد تحكم
ما كوكب المصباح ذو الترب الذي ... في القرب من بعد الغروب يعتم
علم لما رحمت بل علم له ... رفيع لا يرام معظم
وقعت له الأملاك منه سجية ... ملك السماك الرمح وهو محرم
اوتاسل وافى ليخدم رامحا ... فينال منه مكانة ويقدم
لما اعتدى في الجند يخدم سابعا ... بهرام سياف النجوم الضيغم
ونسيت بل ملك أشار بأصبع ... يوي إليه بل عليه يسلم
هذا الصحيح من المقالات التي ... فيها بمكنون الغيوب يرجم
لذوي النهى والفهم سر حكومة ... قد حار فيها كاهن ومنجم
واقصد مرادك حيث سرت مظفرا ... فالله يكلأ والكواكب نوم
وليهنك الشهر السعيد تصومه ... وتفوز فيه بالثواب وتغنم
فلأنت في الدنيا كليلة قدره ... قدرا فقدرك في الملوك معظم
أثني عليك لأن شكرك واجب ... إذ أنت في الخلق المغيث المنعم
وكذا الأيادي البيض سحب نوالها ... تسري كما يسري السحاب المسجم
ولقد أسى مينا تقل لمثلها ... مدحي الذي تقدم فيه أنظم
ولي السواري في علاك مدائحا ... كالشهب تنجد في البلاد وتتهم
فبقيت ما بقيت حمامة أيكة ... من فوق غصن يابس تترنم
تحمى فلا متهضم يسطو ولا ... متحرم يشكو ولا متظلم
стр. 258
وكتب السلطان جوابا في ورقة عن القصيدة: الحمد لولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درها. وليس من البديع أن يقذف البحر درا، وينظم الجليل شعرا. وقد اتخذت الورقة لا تنزه في معنيها واستفيد بما أودعه فيها. فالله لا يخلينا من فوائد فكرته. وصالح ادعيته.
قال الراوي، وأجازنا أيضا قصيدة يمدح السلطان بها أيضا:
شجتني شواج في الغصون سواجع ... ففاضت هوام للجفون هوامع
وهيجن شوقا للأراجع باللوى ... وأين اللوى مني وأين الاراجع
مرابع لو أن المرابع أنجم ... لكان نجوم الأرض تلك المرابع
رعى الله أياما لها ليت أنها ... إلي وقد ولى الشباب رواجع
ليالي لا ليلى إذا رمت وصلها ... يلوح لها من صبح شيبي مواقع
وما محنتي في الحب غير عزيزة ... هي البدر في ليل النوائب طالع
стр. 259
يقد فؤادي قدها وهو ذابل ... على إنه غصن من البان يانع
وتجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لأن متن السيف والحد قاطع
خضمت لها في الحب من بعد عزة ... وكل محب للأحبة خاضع
وماذا أجنت من أزاهر جنة ... كمائم من ريط تسمى البدائع
وفوق شبيه الورد يلحظ عكسه ... لواذع في قلبي لها ولواذع
وقالوا بدور والنجوم حنادس ... وهن شمرس في الغصون طوالع
ودعت وديعة لدى حاكم الهوى ... ولي للهوى قلب مطيع وسامع
ولا حاكم أرضاه بيني وبينها ... سوى ملك دهري له اليوم طائع
يدافع عني الضيم قائم سيفه ... إذا عز من للضيم عني يدافع
هو الكامل الأوصاف والملك الذي ... تشير إليه بالكمال الأصابع
وبيض أياديه الكريمة في الورى ... قلائد في الأعناق هن الصنائع
ويوماه يوماه اللذان هما هما ... إذا جمعت غلب الملوك المجامع
فيوم بدا فوق السرير مرفع ... ويوم ربا تحت اللواء براقع
بأسيافه في الأرض هدت كنائس ... وشيد للإسلام فيها جوامع
كتائبه منصورة بكتائب ... من الملأ الأعلى وجبريل وازع
يهيم بمقراه جلال وهمة ... وتغني بمغناه نفوس نوازع
فلا تطمعن فيه العدى فل حدهم ... ففي غير أمر الله يطمع طامع
ليهنك يا عز الملوك بشائر ... توالى بها في المشركين وقائع
تدال بها أرض العدى بالعمى هدى ... يكسر ناقوس وتبنى صوامع
стр. 260
وتفتح قسطنطينة وقلاعها ... يتاح لها أمر من الله قالع
فيا ملك رقى المكارم ملكه ... وما تبع إلا له اليوم تابع
وأمحى ملوك الأرض في أجمة الغضا ... وأعداهم بالسيف حين يماسع
ومن نحوه يوم الجدال عوامل ... خوافض للهامات منها روافع
به كل ثغر باسم برشاشه ... عيون أعاديه دوام دوامع
شكرت أياديك الجسام اصطناعها ... كما شكرت فعل السيوف المسامع
فما روضة غناء مر بها الصبا ... بنشر شذاها الطيب النشر ذائع
له من شكير الدهر برد مفوف ... أتيح له من ارض صنعاء صانع
فراقك منها أخضر الثوب ناضر ... وشاقك منها أصفر اللون فاقع
وأحمر قان كالخدود مورد ... وابيض كالثغر المفلج ناصع
بأحسن من توشيح مدحي الذي به ... بدائع من وشى البديع رصائع
وما صائغ من نشر شكري الذي به ... تأرجت الأرجاء عندك ضائع
ولو لم يقيدني نداك لكان لي ... مجال فسيح في البسيطة واسع
فأنت الذي لي والأعادي كثيرة ... فويق مكان النجم في الأفق دافع
ومن عجب يا من سما مجده ... له في كدى العليا الرماح الشوافع
стр. 261
فإني وقد أعلنت بالجاه موضعي ... بدار تحاكيها الديار البلاقع
وما لي إلا حسن رأيك وحده ... لديك إذا ما كان للناس شافع
بقيت لعبد جده دحية الذي ... يشابه جبريل له ويضارع
وجدته الزهراء بنت محمد ... ﵇ الدائم المتتابع
ولا عدمت منك الممالك مالكا ... يقرب للآمال ما هو شاسع
فمنك عيون للمهمات يقظ ... وعنك عيون الحادثات هواجع
стр. 262
٨٧ - أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير
٥٦٥ - ٦٣٤هـ
١١٧٠ - ١٢٧م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب المحدث، الحامل المحصل المجيد المتقن، أبو الربيع سليمان الأندلسي المعروف بكثير، له علم بالحديث ومعرفة برجاله، حافظ لأسانيده، محصل لمعنيه، من أهل الضبط والحفظ. وأما الأدب فشأوه فيه لا يدرك، سبق فيه أهل الزمان وأربى، ولمثله في الفصاحة والبلاغة تحل الحبى. سمعت عن شيخنا أبي الحسن الحرالي ﵁ إنه كان يقول: بلغ "كثير" في رتبة البلدان أن يكون كأوائل العرب يحتج بشعره، وذلك لما كان انتهى إليه من الفصاحة والبلاغة حتى صارت له طبيعة، وكان سريع البداهة يكتب
стр. 263
عنه ولا يقف، ويورد أحسن إيراد، وله في غير ما فن من الأدب، النظم والنثر. ولقد ذكر لي بعض الطلبة، إنه رأى قصيدة في نحو خمسمائة بيت على هذا الروي يصف فيها حاله ويعاتب وقته، ومطلعها يقول عن نفسه:
الحمد لله ليس لي بخت ... ولا ثبات يضمها نحت
ومضى على هذا الإيراد بأجود لفظ وأحسن معنى، ولقد بحثت عنها كثيرا فلم أجدها.
وكان لسان نقد على المؤلفين والمصنفين والمتكلمين، ومن جملة نقوده ما كان يقوله على كتاب الإحياء لأبي حامد يقول: ومتى ماتت العلوم حتى تحيى علوم الدين؟ ما زالت حية ولا تزال " وكان إذا ذكر الشعر يقول: "شاعر أعم من شيء" يشير إلى أن الشعراء كثير والمرضى منهم قليل.
وكانت له همة ونزاهة على إقلاله، وضعف حاله.
سمعت أن بعض الأمراء في وقته عتبه عتابا أغلظ عليه فيه، ثم استرضاه فبعث إليه بثلاثمائة دينار، وبعث إليه بكتاب ابن عطية ليقابله له، وكانت نفسه قد تغيرت عليه، فاخذ في الارتحال وطلع في جفن قاصدا للرئيس أبي عثمان سعيد بن حكم ابن عمر بن حكم القرشي صاحب منورقة وترك الكتاب والثلاثمائة دينار وكتب معها رقعة وانفصل، ولم يشعر به أحد، ولم يرض بأخذ تلك الصلة وتركها مع الكتاب، واستحسن ذلك غاية الاستحسان منه وشكره
стр. 264
الناس عليه، ولما وصل الرئيس أبا عثمان أنزله خير منزل، وأحله منه خير محل، وبقي معه إلى أن مات ﵀.
قرأ بالأندلس، وارتحل إلى حاضرة مراكش ولقي أبا موسى الجزولي وغيره. وكان شيخنا أبو عبد الله الأديب يحكي عنه إنه كان يقول: لقيت أبا موسى الجزولي بمراكش، واتفق إنه ركب البحر في بعض الأسفار فألقته الريح في جزيرة صقلية، فدخلها مع أهل الجفن وطال مقامهم بها وفرغ زاده، فافتقر إلى الجلوس بها لكتب الرقاع للمسلمين الذين بها، فأتته امرأة تشكو للملك بشكوى فكتب لها رقعة لم يعد فيها عن لفظها، فوصلت الرقعة إلى الملك فرأى خطا لا يوافق اللفظ فقال: علي بهذا الكاتب، فحضر بين يديه فقال له: هذا خطك؟ قال نعم، قال له: هذا الخط لا يوافق اللفظ، فقال له: هي أمانة قلدتها والقصد تصوير الواقع بين يديك، والكاتب نائب عن حضور صورته، وأظهر ذلك أن يكون بعين لفظه، حتى يقدر أن صورته حاضرة بين يديك، وتزيين الكلام يرفع قريحة الرافع، فاستحسن ذلك منه وقال له: تقيم عندنا نحسن إليك وتكون ممن يحضر معنا، فقال له: "لو كان الشرع يحيز ذلك لفعلته، فأنك خير من يقام عنده" فزوده وانصرف، وهذا من عقله وفهمه.
стр. 265
٨٨ - أبو عبد الله محمد بن اراهيم الوغليسى
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الخطيب العارف المحصل، المحكم الضابط، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوغليسي كانت له نباهة ووجاهة ونزاهة ورفعة وهمة، وهو أحد المقتدى بهم والمعول عليهم، وكان عالما بالكتابتين الأدبية والشرعية متقدما عليها وعليه كان المعتمد في وقته في المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا، وعليه كان اعتماد القضاة في التسجيلات، وإليه كان يهرع أهل البلد فيما يحتاجون إليه من الوثائق المحكمات والأمور المستغربات وولي الخطابة بجامع القصبة المحروسة من بجاية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط. ولقي أبا محمد عبد الاشبيلي والقاضي أبا علي المسيلي والأستاذ أبا زيد عبد الرحمن بن الحجري وكان شيخنا أبو محمد عبد الحق كثير الإجلال له والتعظيم لقدره، وكان يعده من أشياخه ﵃ أجمعين.
стр. 266
٨٩ - أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن محمد الزهري ويعرف بابن محرز
٥٦٩ - ٦٥٥هـ
١١٧٣ - ١٢٥٨م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الحافظ اللافظ، المحدث المتقن، اللغوي التاريخي، الأديب الكامل، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن
стр. 267
محمد الزهري، من أهل بلنسية ويعرف بابن محرز، قرأ بالأندلس ولقي بها أفاضل من أهل التحصيل. جمع بين الرواية وعلو المنصب وبعد الهمة. وله مكارم هو بها أولى وأطلق، وبها قمره المنير أحق. لقي جماعة من العلماء الفاضل منهم والده وخالاه أبو بكر وأبو عامر، ولدا أبي الحسن علي بن هذيل المقرئي وابو عبد الله محمد بن خلف بن مرزوق وأبو عبد الله بن نوح وأبو العطاء وهب بن لب بن نذير الفهري وأبو الخطاب ابن واجب
стр. 268
وأبو بكر ابن حمزة وأبو محمد ابن حوط الله ورحل إلى أبي محمد عبد الله بن عبد الله الحجري فسمع منه ومن أبي عبد الله ابن غاني بسبتة وأجاز له أبو جعفر ابن مضا وأبو جعفر ابن حكم وأبو محمد ابن
стр. 269
مليح وأبو الحسن ابن نقرات وغيرهم، ومن أهل المشرق أبو القاسم البصير وأبو عبد الله الكركيسي وأبو الحسن ابن المفضل ووفد على حاضرة مراكش ولقي بها الفقيه أبا الحسن علي بن عبد الملك بن القطان. ثم ارتحل إلى بجاية بعد الأربعين وستمائة واستوطنها، وكان معظما عند أهلها محترما وكان عند الملك بها حظيا مكرما، وروى بها عن الشيخ العالم العابد أبي الحسن علي بن أبي نصر ﵀، وروى عنه بها كثير واشتغل عليه اشتغال التحصيل والتعليم. والتبيين والتفهيم.
كانت تقرأ عليه الكتب الفقهية، وكتب الحديث وكتب اللغة والأدب. كان محصلا لهذه الفنون مجيدا فيها، ولا يخلو له وقت عن الاشتغال بالعلم أما الرواية وإما التدريس وإما المقابلة وإما عرض المسائل على سبيل المذاكرة. وكان أحسن الناس خلقا وألينهم للطلبة جانبا محبا في علم الأدب.
стр. 270
ورأيت له نظما ونثرا لا بأس بهما، ورأيت له خطبا في عقود النكاح حسنة. وقيد أصحابه عنه كثيرا. وذكر لي بعض أصحابنا أن له "تقييدا" على "التلقين" صغير الحجم. وجميع ما طالعته من الكتب التي يوجد عليها خطه في غاية الجودة تقييدا وإصلاحا وتطريرا، وقد رأيت له هذا في فنون كثيرة من الفقه والخلافيات والحديث والأدب واللغة، وكل ذلك يدل على مشاركته وتحصيله. وهو كان رأس الجماعة الأندلسية ببجاية. كل كان يأتي إلى منزله وعنده مجتمعهم، أبو عبد الله الابار وأبو المطرف ابن عميرة وأبو بكر ابن سيد الناس وأبو عبد الله الجنان وغيرهم. كان هو شيخ الجماعة وكبيرهم.
توفي ﵀ ببجاية يوم الأحد الثامن عشر لشوال سنة خمس وخمسين وستمائة، ومولده في آخر شهري جمادى سنة تسع وستين وخمسمائة، وصلى عليه على شفير القبر تلميذه أبو الحجاج ابن أيوب بوصيته بذلك، وكان يوم وفاته مشهدا عظيما كأنه يوم عيد ولم يبق من لم يحضره.
ولقد اتفق في وقت الحضور للصلاة عليه أن الإمام المذكور تأخر وتقلق الناس، وكان شيخنا أبو محمد عبد العزيز بن كحيلة أحد الحاضرين والخاصين به من طلبته، فقال: ننظر من يصلى ينصرف الناس " فقال له بعض الحاضرين: الحق في هذا لوليه أبي عامر وأبي جعفر وكانا بالحضرة، فقال الفقيه أبو محمد عبد العزيز ما تكلمت إلا بألسنتهما، فقال له أبو عبد الله الأبار: يا فقيه ويجوز بلسانيهما -منكتا عليه في إنه أورد الجمع محل التثنية- فقال الفقيه أبو محمد مجاوبا: نطقت بما نطق الله به في القرآن، قال الله تعالى ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ وهذا هو الصواب وغيره خطأ. وبعد انقضاء الصلاة وانصراف
стр. 271
الناس اجتمع الفقيهان وتراضيا. رحم الله جميعهم.
وحكى لي بعض الطلبة عنه إنه قال: كان بالزنقة التي كنت ساكنا بها ببلنسية مسجد، وكنت اصلي فيه خلف إمامه الراتب، فلما حضر وقت طلوعنا من بلنسية إلى حاضرة مراكش على جري العادة في كل عام، ووقع العزم على السفر، ووصل إلى إمام المسجد المذكور وسألني في أن أتوسل له في ظهير بزيادة في مرتبه من قبل أمير المؤمنين على الإمامة بالمسجد المذكور، وكتب لي رقعة يذكرني بها حاجته، فأخذتها منه وجعلتها في خرج فيه أسبابي، فلما وصلت إلى حاضرة مراكش وأردت الرجوع رفعت مسائلي وأردت قضاء حوائجي، فقضيت ووادعت من يجب وداعه وعدت إلى منزلي بمراكش، ألفيت رقعة الإمام فتذكرت حاجته بعد أن كنت أنسيتها فخرجت من الغد على هيئة السفر وتعرضت إلى الشيخ أبي محمد عزون صاحب الأشغال بمراكش فسلمت عليه فقال لي: ما هذا؟ أليس قد وادعتني بالأمس؟ فقلت له بقيت لي حاجة، فقال لي: وكذا تكون أنت بحوائجك. وأنشدته هذه الأبيات:
عذرا بإلحاحي عليك مؤملا ... لا غرو أن تلقى الكريم فتسألا
ألقاك مزدادا لكونك باذلا ... ومعاودا وردي لكونك منهلا
ومكثرا من قول هات لأنني ... أبدا أراك مقللا من قول لا
فاستحسنها والتفت إلى كاتبه وقال له: انزل بموضعك ويبقى الفقيه راكبا على هيئته واكتب له ظهيرا عن أذن أمير المؤمنين بزيادة ستة دنانير للإمام وبزيادة مدين من القمح في كل يوم. فانصرفت له شاكرا ولأياديه ذاكرا.
стр. 272
٩٠ - أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الانصاري البلنسي
٥٧٧ - ٦٥٤هـ
١١٨١ - ١٢٥٦م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، المقرئ الأستاذ الصالح المتعفف المبارك العدل، أبو عثمان سعيد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن زاهر الأنصاري من أهل بلنسية. لقي بالأندلس رجالا منهم، الفقيه أبو عبد الله محمد بن نوح الغافقي وأبو جعفر أحمد بن علي بن يحيي بن عون الله الألبيري عرف بالحصار وأبو علي الحسن ابن يوسف بن أحمد الأنصاري عرف بابن زلال وغير هؤلاء.
ثم رحل إلى العدوة واستوطن بجاية وأقرأ بها وروى وأسمع وأخذ عنه، واستفيد منه. له علم بالقراءات وحظ من العربية، محكم الرواية، متقن
стр. 273
الدراية. وله زهد ونسك وتقلل من الدنيا، ولم يكن له عمل ولا حرفة ولا خلطة للناس سوى الاشتغال بإقراء القرآن رواية وتفهيما، وبسطا وتعليما.
وتخطط بالعدالة ببجاية وكانت صفته. وتوفي بها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين الثالث لجمادى الأولى عام أربعة وخمسين وستمائة ودفن بخارج باب امسيون بمقبرة الفقيه القاضي أبي محمد عبد الله بن حجاج، وولد ببلنسية سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ويتصل إسنادي عنه من طريق الفقيهين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر، ﵃ أجمعين.
стр. 274
٩١ - أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى بن محمد بن محمد ابن سيد الناس اليعمري الاشبيلي
٥٩٧ - ٦٥٩هـ
١٢٠١ - ١٢٦١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث، الحافظ المتقن المجيد، اللغوي التاريخي، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري الاشبيلي. كذا رأيت نسبه بخط يده ﵀. وأصله من "أبدة" عمل "جيان" وهي وما والاها دار اليعمريين بالأندلس.
قرأ باشبيلية ولقي مشائخ، من جملتهم والده الفقيه أبو العباس، وأبو محمد عبد الرحمن بن علي بن أحمد الزهري وأبو العباس أحمد بن محمد بن
стр. 275
مقدام الرعيني وأبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي وأبو عمران موسى بن حسين القيسي الزاهد وأبو الحجاج ابن الشيخ وأبو ذر مصعب بن محمد الخشي وأبو الحسن ابن خروف النحوي وأبو الحسين ابن
стр. 276
جبير وأبو القاسم الملاحي وغيرهم، وأجاز له من أهل المشرق أبو محمد ابن يونس بن أبي البركات الهاشمي وأبو عمر عثمان ابن عبد الرحمن المعروف بابن الملاح وأبو اليمن الكندي وأبو القاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري الحرستاني وأبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي وغيرهم.
كان رواية، حافظا بالحديث، عارفا برجاله وبأسمائهم وبتاريخ وفاتهم ومبلغ أعمارهم، وكان يقوم على البخاري قياما حسنا، وكان إذا قرأ الحديث
стр. 277
يسنده إلى أن ينتهي إلى النبي ﷺ ، ثم إذا انتهى الإسناد رجع إلى ذكر رجاله، فيبدأ من الصحابي ﵃ فيذكر اسمه ونسبه وصفته وتاريخ ولادته ووفاته وحكايته أن عرفت له، ثم يتلوه بالتابعي كذلك، ولا يزل يتبعهم واحدا فواحدا إلى أن ينتهي إلى شيخه فيقول، أما فلان شيخنا فيقول: ويذكر ما ذكر فيمن تقدم، ويزيد على ذلك بأنه لقيه وقرأ عليه كذا، وسمع منه كذا، وبعد الفراغ من ذلك يذكر لغة الحديث وعربيته، ويتعرض لما فيه من الفقه والخلاف العالي، ولدقائقه ورقائقه والمستفادات منه. كل ذلك بفصاحة لسان، وجودة بيان.
وله سعة علم ورواية، ومعرفة ثابتة ودراية. وهو في معرفة القراءات إمام، وولي صلاة الفريضة والخطبة بالجامع الأعظم ببجاية، وروى بها وأقرأ وأسمع، وكثر الآخذون عنه والسامعون منه والمقتدون به.
ولما اشتهر حاله وعلمه ونقل الناقلون ذكاءه وفهمه، نهى خبره إلى المستنصر بالله بحاضرة افريقية ﵀ فاستدعاه، وقرب مثواه. ولما دخل عليه أمره أن يقرأ بين يديه آية من كتاب الله تعالى، فاستفتح بالاستعاذة وقرأفبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين، فاستحسن المستنصر بالله قراءته وقصده، وكان ذلك سببا في حظوته فقرب منزله، وأجزل عطيته وجائزته، ووفر جرايته. وكان من اخص الحاضرين من الطلبة بمجلسه.
ويذكر إنه كان ﵀ يستظهر عشرة آلاف حديث بأسانيدها
стр. 278
ويذاكر بأضعافها، خلاف ما يتبع ذلك من فنون اللغة وأوضاع النحاة وضروب المقالات، وسمعت عنه ﵀ إنه رأى النبي ﷺ في المنام ومسح بيده المباركة على صدره، قال: فما حفظت شيئا فنسيته، وهذه من كراماته ومن دلائل فضله وعلاماته.
وكان يكتب جيدا وينظم نظما حسنا. ودفع لي ولده الفقيه الجل أبو الحسن يوما قطعة كاغد وفيها قصيدة على قافية الغين في قصد الحج، وذكر لي إنه سئل عنها في نظمها في ذلك الروي وعلى تلك القافية، وهي:
أيا سائرا نحو الحجاز وقصده ... إلى الكعبة البيت الحرام بلاغ
ومنه إلى قبر النبي محمد ... يكون له بالروضتين مراغ
فبلغت ما أملت كم ذا اراغه ... أناس نسوا قصد السبيل فراغ
وقوم أولوا وجد وجد ونجدة ... اراغهم الجد العثور فراغوا
فيا أسفى كم ذا تمنيت قصده ... فأدفع عن قصدي له وأراغ
وقصر بي جدي إذا الأمر في يدي ... جميع وعندي ثروة وفراغ
فالآن وقد خط المشيب بمفرقي ... وكلل رأسي من حلى وصياغ
أعلل نفسي بالمنى وتصدني ... ذنوب لها عند الفراق مصاغ
إذا ما أجلت الدهر فيه فكيف لي ... يسوغ شراب أو يلذ مصاغ
عسى توبة قبل الممات وزورة ... فينضح من شين الذنوب رداغ
وألقى شيوخا يؤنس المرء منهم ... أحاديث صدق تجتلي وتصاغ
توفي ﵀ بحاضرة تونس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لجمادي الأخيرة سنة تسع وخمسين وستمائة، ومولده في حدود سنة ستمائة.
стр. 279
وكان والده الفقيه أبو العباس هو سبط أبي الحسن ابن سليمان اللخمي روى عنه وعن أبي بكر ابن خير وأبي إسحاق ابن ملكون وأبي بكر ابن الجد وأبي عبد الله ابن زرقون وأبو بكر ابن صافي وأبي عمرو ابن الطفيل وأخذ عنهم القراءات. وروى أيضا عن ابن بشكوال
стр. 280
وابن حبيش والسهيلي وابن عبيد الله وأبي محمد ابن بونة وابن الفخار وأبي الحجاج ابن الشيخ وغيرهم، وأجاز له جماعة من أهل المشرق.
وكان معتنيا بالحديث، دءوبا على تقييده ولقاء رواته، مشاركا في القراءات وغيرها، واستفاد به بعض الأمراء لبنيه فأقرأهم القرآن والعربية ولم يتصدر لذلك.
مولده منتصف جمادى الأخيرة سنة أحدى وستين وخمسمائة، وتوفي منتصف جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة، وهو ابن ست وخمسين سنة واحد عشر شهرا.
стр. 281
٩٢ - أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن حسين بن عميرة المخزومي
٥٨٢ - ٦٥٨هـ
١١٨٦ - ١٢٦٠م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي، من أهل جزيرة "شقر" سكن بلنسية مدة وكتب عن ولاتها، وفاق الناس بلاغة وأربى على من قبله، وتهادته الدول وولى القضاء بأريولة وشاطبة من الأندلس، وسلا ومكناسة من العدوة، وقسنطينة وقابس من بلاد افريقية وغيرها.
стр. 282
استوطن بجاية مدة طويلة وأقرأ بها ودرس، له علم بالفقه وأصوله، وحديث حسن في معقوله ومنقوله، وله أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره. والكثير من الطلبة بعتقدون، أن الفقيه إنما هو أديب ليس إلا لاشتهار أدبه اشتهارا غطى على ما عداه من طلبه. والناس يتداولون كتبه ويستحسنونها ويؤثرونها على كتب غيره ويفضلونه، وبالواجب علم الله، أن يكون ذلك لسلوكه حسن منهجه الذي هو فيه أول سالك.
وما رأيت من الكتاب ما أعجبني مثل كتب الفقيه أبي المطرف إلا كتب أبي جعفر ابن عطية، والكتاب كثير وكتب هذين الرجلين عندي مقدم على غيرهما، ولقد بلغني إنه كتب عن المستنصر باستدعاء أبي عبد الله الابار من بجاية بما نصه:-
على قدر حبي قد أتتك بشارتي ... وحسبك ما أجملته من إشارتي
هنيئا هنيئا قد رفلت من المنى = بأفخر ملبوس وأجمل شارة أنعمت الخلافة العزيزة العليا المنصورة أيد الله أوامرها، وأخلد مفاخرها، بقدومكم على حضرتها السعيدة المباركة التي هي مركز راية الحق، ومجتمع وفود الخلق أمرت عبدها، أعلى الله جدها، وأمضى حدها، أن نخاطبكم بذلك، فاعزموا بحول الله على الحركة، وبادروا إليها على الخيرة والبركة. فقد تعين لكم الزاد الكريم، واستقبلكم من خير النظر ما به يبرأ السقيم، ويسعد الظاعن والمقيم والله يوزعنا معشر عبيد المقام الكريم، شكر نعم لولا
стр. 283
فضله لم نكن أهلها، ويحمل عنها حقوقها فانا لا نستطيع حملها، وهو تعالى يديم عزتكم، ويحفظ مودتكم بمنه، والسلام الكريم يخصكم به مجل قدركم، وموجب بركم، أخوكم الحافظ لعهدكم، المقيم على ودكم، ابن عميرة، ورحمة الله وبركاته. كتب بتاريخ كذا سنة سبع وخمسين وستمائة.
ومما خاطب به أيضا أبو المطرف الفقيه أبا بكر ابن خطاب: المحل العلى العلمي شكر الله طوله، وأعلى فعله وقوله، علو المقاصد، والحنو على المقاصد، فسؤاله شرف، ونواله معترف، وحسب بني الرجاء، ولو كانوا ملء الأرجاء، من التفاته طرف، وحامل الخوبة فلان من أهل بلنسية وممن له فيهم أصل نابه، ونسب في الحسب متشابه، إلى حظ من الطلب أحرزه، ومكان من الصون والذكاء ميزه، وقصد تلكم الجهات المباركة يرجو أن يكون له عند أهل الاتصال تعرف، وفي بعض الأشغال تصرف، وفي سعة الرأي الكريم أدنى من ظله، واعتاه لا شيء له كمثله، أبقى الله فخره على الأيام مخلدا، ومجده بحسام العلياء مقلدا بمنه، والسلام.
والذي أوجب تقدم الفقيه أبي المطرف في كتابته، إنما هو الرجل من أهل بلنسية من أهل العلم، فكتابته علمية أدبية وكتابة غيره مقتصرة
стр. 284
على نوع من الأدباء، فكتابته جامعة بين كتابة العلماء والأدباء، وكتابة غيره مقتصرة على نوع الأدباء، وهذا المعنى هو الذي تميز به عمن سواه.
وقد رأيت له تعليقا على كتاب "المعالم في أصول الفقه" لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل، وكان الطلبة مدة كونه ببجاية يقرءون عليه تلحيقات السهروردي وهي من مغلقات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب، وكذلك كان قبل ظهور ما اخترعه المتأخرون من الطرق المقفلة والقوانين المغلقة في أصول الفقه.
رحل إلى حاضرة أفريقية واتصل بالخليفة المستنصر واستقضاه "قابس" ورأيت بينه وبين شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الحق مراسلة قل أن يوجد مثلها في الزمان، ولولا الإطالة لأثبتها. ثم استدعاء المستنصر وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته ومن فقهاء دولته.
توفي ﵀ بتونس، ليلة الجمعة الموفى عشرين لذي الحجة من عام ثمانية وخمسين وستمائة ومولده بجزيرة شقر في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
стр. 285
ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيوخ الثلاثة الفقيه أبي محمد عبد الحق والخطيب أبي عبد الله ابن صالح والمقرئ أبي جعفر ابن محمد الصدفي رحم الله جميعهم آمين.
следующие страницы →