Полный текст (382 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
٩٢ - أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن حسين بن عميرة المخزومي
٥٨٢ - ٦٥٨هـ
١١٨٦ - ١٢٦٠م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المجيد المجتهد، العالم الجليل الفاضل، المتقن المتفنن، أعلم العلماء، وتاج الأدباء، أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن عميرة المخزومي، من أهل جزيرة "شقر" سكن بلنسية مدة وكتب عن ولاتها، وفاق الناس بلاغة وأربى على من قبله، وتهادته الدول وولى القضاء بأريولة وشاطبة من الأندلس، وسلا ومكناسة من العدوة، وقسنطينة وقابس من بلاد افريقية وغيرها.
стр. 282
استوطن بجاية مدة طويلة وأقرأ بها ودرس، له علم بالفقه وأصوله، وحديث حسن في معقوله ومنقوله، وله أدب هو فيه فريد دهره، وسابق أهل عصره. والكثير من الطلبة بعتقدون، أن الفقيه إنما هو أديب ليس إلا لاشتهار أدبه اشتهارا غطى على ما عداه من طلبه. والناس يتداولون كتبه ويستحسنونها ويؤثرونها على كتب غيره ويفضلونه، وبالواجب علم الله، أن يكون ذلك لسلوكه حسن منهجه الذي هو فيه أول سالك.
وما رأيت من الكتاب ما أعجبني مثل كتب الفقيه أبي المطرف إلا كتب أبي جعفر ابن عطية، والكتاب كثير وكتب هذين الرجلين عندي مقدم على غيرهما، ولقد بلغني إنه كتب عن المستنصر باستدعاء أبي عبد الله الابار من بجاية بما نصه:-
على قدر حبي قد أتتك بشارتي ... وحسبك ما أجملته من إشارتي
هنيئا هنيئا قد رفلت من المنى = بأفخر ملبوس وأجمل شارة أنعمت الخلافة العزيزة العليا المنصورة أيد الله أوامرها، وأخلد مفاخرها، بقدومكم على حضرتها السعيدة المباركة التي هي مركز راية الحق، ومجتمع وفود الخلق أمرت عبدها، أعلى الله جدها، وأمضى حدها، أن نخاطبكم بذلك، فاعزموا بحول الله على الحركة، وبادروا إليها على الخيرة والبركة. فقد تعين لكم الزاد الكريم، واستقبلكم من خير النظر ما به يبرأ السقيم، ويسعد الظاعن والمقيم والله يوزعنا معشر عبيد المقام الكريم، شكر نعم لولا
стр. 283
فضله لم نكن أهلها، ويحمل عنها حقوقها فانا لا نستطيع حملها، وهو تعالى يديم عزتكم، ويحفظ مودتكم بمنه، والسلام الكريم يخصكم به مجل قدركم، وموجب بركم، أخوكم الحافظ لعهدكم، المقيم على ودكم، ابن عميرة، ورحمة الله وبركاته. كتب بتاريخ كذا سنة سبع وخمسين وستمائة.
ومما خاطب به أيضا أبو المطرف الفقيه أبا بكر ابن خطاب: المحل العلى العلمي شكر الله طوله، وأعلى فعله وقوله، علو المقاصد، والحنو على المقاصد، فسؤاله شرف، ونواله معترف، وحسب بني الرجاء، ولو كانوا ملء الأرجاء، من التفاته طرف، وحامل الخوبة فلان من أهل بلنسية وممن له فيهم أصل نابه، ونسب في الحسب متشابه، إلى حظ من الطلب أحرزه، ومكان من الصون والذكاء ميزه، وقصد تلكم الجهات المباركة يرجو أن يكون له عند أهل الاتصال تعرف، وفي بعض الأشغال تصرف، وفي سعة الرأي الكريم أدنى من ظله، واعتاه لا شيء له كمثله، أبقى الله فخره على الأيام مخلدا، ومجده بحسام العلياء مقلدا بمنه، والسلام.
والذي أوجب تقدم الفقيه أبي المطرف في كتابته، إنما هو الرجل من أهل بلنسية من أهل العلم، فكتابته علمية أدبية وكتابة غيره مقتصرة
стр. 284
على نوع من الأدباء، فكتابته جامعة بين كتابة العلماء والأدباء، وكتابة غيره مقتصرة على نوع الأدباء، وهذا المعنى هو الذي تميز به عمن سواه.
وقد رأيت له تعليقا على كتاب "المعالم في أصول الفقه" لا بأس به، وهو جواب لسؤال سائل، وهو مكمل لعشرة أبواب حسبما سأل السائل، وكان الطلبة مدة كونه ببجاية يقرءون عليه تلحيقات السهروردي وهي من مغلقات أصول الفقه عند طائفة ممن لم يمارس علم الأصول ولا يتعرض لإقرائها إلا من له ذهن ثاقب، وكذلك كان قبل ظهور ما اخترعه المتأخرون من الطرق المقفلة والقوانين المغلقة في أصول الفقه.
رحل إلى حاضرة أفريقية واتصل بالخليفة المستنصر واستقضاه "قابس" ورأيت بينه وبين شيخنا الفقيه أبي محمد عبد الحق مراسلة قل أن يوجد مثلها في الزمان، ولولا الإطالة لأثبتها. ثم استدعاء المستنصر وصار من خواص الحاضرين بمجلس حضرته ومن فقهاء دولته.
توفي ﵀ بتونس، ليلة الجمعة الموفى عشرين لذي الحجة من عام ثمانية وخمسين وستمائة ومولده بجزيرة شقر في شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
стр. 285
ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيوخ الثلاثة الفقيه أبي محمد عبد الحق والخطيب أبي عبد الله ابن صالح والمقرئ أبي جعفر ابن محمد الصدفي رحم الله جميعهم آمين.
стр. 286
٩٣ - أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي
٦١٠ - ٦٨٠هـ
١٢٠٤ - ١٢٨١م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الأجل، الرئيس المكرم المرفع الفاضل، أبو عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم بن عبد الغني القرشي دخل بجاية وبقي
стр. 287
بها مدة، ثم انتقل إلى تونس ومنها انتقل إلى ثغر ميورقة وفيها مستبدا.
جمع بين الرواية والدراية وعلو المنصب وبعد الهمة، وله مكارم أخلاق وسخاء ومروءة وانتخاء، وكانت صلاته تصل في كل وقت إلى جماعة من الفقهاء والصالحين ببجاية، منهم الفقيه أبو بكر ابن محرز الزهري وأبو العباس ابن خضر وأبو الحسن الزهري وأبو عبد الله محمد بن ثابت القسنطيني الساكن بخارج امسيون، وغيرهم.
له علم بالعربية والأدب، وله نظم ونثر وكتابة مستحسنة، وله مشاركة في العلوم، وله رواية عالية، وكان فصيح القلم واللسان بارع الخط، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله. وكثيرا ما كان يقصده الطلبة وغيرهم فينزل كل واحد منهم خير منزل، ويحله منه خير محل فمن جملتهم الفقيه الأديب البارع أبو الربيع سليمان كثير والفقيه الرواية أبو عبد الله التلمساني والطيب أبو الحكم ابن فتلة وغيرهم.
стр. 288
لقي مشائخ جملة، منهم الشيخ الجليل أبو القاسم بن يزيد بن بقي والفقيه أبو الحسن محمد بن محمد بن زرقون والقاضي أبو بكر محمد بن إسماعيل بن خلفون والأستاذ أبو علي عمر بن محمد الازدي عرف بالشلوبين والفقيه أبو الحسن علي بن جابر اللخمي عرف بالدباج والفقيه أبو بكر ابن جابر بن علي بن سعيد السقطي وأبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن السراج الاشبيلي والفقيه الصالح أبو الحسن علي بن أبي نصر البجائي وغيرهم ممن يكثر تعدادهم.
стр. 289
توفي أبو عثمان المذكور بثغر ميورقة في آخر الساعة الرابعة من يوم السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم عام ثمانين وستمائة، وولد ليلة السبت منصرف الناس من صلاة العشاء لست خلون من جمادى الأخيرة من عام أحد وستمائة ﵀.
стр. 290
٩٤ - أبو علي الحسن بن موسى بن معمر
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، القاضي العدل الفصيح، الأديب اللافظ، أبو علي الحسن بن موسى بن معمر من افريقية. كان أديبا لبيبا، لسنا فقيها فصيحا، مليح الحكاية بارع الخط حسن النظم والنثر، وهو من خواص أصحاب الفقيه العالم أبي زكرياء البرقي.
كان من العدول المرضيين بحاضرة افريقية، وكان صاحب العلامة المستنصرية وكان له عند المستنصر حظ، وتوجه عنه في الرسالة لبعض ملوك المغرب، وكان المستنصر يستظرف حديثه ويعجبه، وكان يوم دخوله عليه وجلوسه عنده يطول الأمر على الواقفين بين يديه، فلا يكون عليهم أشد من ذلك اليوم وما كان ذلك إلا لاستحسانه حديثه واستظرافه إياه.
ولى قضاء بجاية فحسنت فيه سيرته، واستحسنت طريقته. وكان محببا للناس مشكورا عندهم.
وسمعت ممن وثقت بحديثه، إنه لما وفد على المستنصر من وجهته التي وجهه فيها لملك النصارى، وقف على الأجوبة التي وصل بها فأنكر بعض الأجوبة لإنكاره المسائل التي ترتب الجواب عليها وقال له: ما قلت لك هذا، فقال له: هكذا سمعت منكم، والتزم هو الجزم على إنه كذلك كان.
стр. 291
قال، وانفصل من بين يديه وهو مغضب عليه، وبعد أيام كتب بهذين البيتين اللذين اذكرهما بعد، وبعث بهما لأبي القاسم ابن الشيخ فوافق أن يناظرهما بين يدي المستنصر، وكان لا يقرأ بين يديه شيء إلا سأل عنه، فسأل ما الذي يقرأ فأوقفه عليهما وهما:-
واحسرتي في مقام بين أظهركم ... قوم رجاؤهم باليأس مفضوح
صدوا وسدوا عن المضطر بابهم ... وما دروا أن باب الله مفتوح
فذرفت عينا أمير المؤمنين ﵁، وأظهر له وجه البر والرضى، وغفر له وعفا عما مضى، والبيت الثاني منها مليح القصد، وأما الأول فظاهر فيه وجه النقد.
стр. 292
٩٥ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي الشهير بابن الابار
٥٧٥ - ٦٥٨هـ
١١٨٠ - ١٢٦٠م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المحدث المقرئ، النحوي الأديب المجيد، اللغوي الكاتب البارع التاريخي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعي، الشهير بابن الابار هكذا رأيت نسبه بخط يده ﵀، هو من أهل بلنسية وأصله من اجردة وهي وما والاها دار القضاعيين بالأندلس. أخذ القراءات عن أبي عبد الله ابن نوح
стр. 293
وأبي جعفر الحصار وسمع منهما، وأبي الخطاب بن واجب وأبي الحسن بن خيرة وأبي سليمان بن حوط الله وأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة.
صحب أبا الربيع ابن سالم بضعا وعشرين سنة، وهو ندبه إلى وضع كتاب "التكملة" ل"صلة" أبي القاسم ابن بشكوال وكتب إليه أبو بكر بن جمرة وأبو عمر ابن عات وأبو عبد الله ابن عبد الرحمن التجيبي
стр. 294
نزيل تلمسان وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بالأندلسي. ومن أهل المشرق، أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب وأبو الحسن علي بن يوسف بن بندار من أصحاب أبي الوقت وأبو الطاهر إسماعيل بن ظافر القلعي وغيرهم، ولا يكاد كتاب من الكتب الموضوعة في الإسلام إلا وله فيه رواية، أما بعموم أو خصوص. ويتصل إسنادي عنه من طريق الشيخين المقرئين أبي عبد الله ابن صالح وأبي العباس ابن خضر.
رحل إلى العدوة واستوطن بجاية، ودرس بها واقرأ وروى واسمع وصنف وألف، وهو ممن لا ينكر فضله، ولا يجهل نبله، له تآليف حسنة، ونزعات في علم الأدب بارعة مستحسنة.
وكان أول وصوله من الأندلس إلى العدوة رسولا عن والي بلنسية، وقضى رسالته عند ملك افريقية في حديث طويل، ورجع إلى الأندلس ثم رجع إلى العدوة قاصدا استيطانها، فتخير سكنى بجاية، ثم استدعاه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضرته فدخل عليه فأعجبه منطقه ورواه من نبله وفضله أضعاف ما قدر أن يراه، وأول إنشاده لما مثل بين يديه:
بشراي باشرت الهدى والنورا ... في قصدي المستنصر المنصورا
وإذا أمير المؤمنين لقيته ... لم الق إلا نصرة وسرورا
стр. 295
كيف لا، والاسمية لرسول الله ﷺ والكنية المباركة أبو عبد الله، والعلامة العلية الحمد لله، والشكر لله، والسمة السلطانية المستنصر بالله المنصور بفضل الله، ومن كان لله كان الله له، وانشد بين يديه رحمه [الله]:
أمير المؤمنين لنا غياث ... فعند المحل تستقي الغيوث
فلا جوع ويمناه الغوادي ... ولا خوف وقتلاه الليوث
فحظي عنده، وبلغ لديه مأموله وقصده.
وتآليفه وتقييداته وأشعاره وكتائبه متداولة بين الناس، ومرغوب فيها عندهم وموجودة لديهم، ولو لم يكن له من الشعر إلا القصيدة التي رفعها لمقام الأمير أبي زكرياء ﵀، يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري:
تكلم بالقول المضلل حاسد ... وكل كلام الحاسدين هراء
ولو لم يكن له من التآليف إلا الكتاب المسمى بكتاب "اللجين في مرائي الحسين" لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته.
فكيف لا وله تصانيف، وجملة تآليف. ومن شعره ﵀ ورضي عنه:
ساق من روض الاماني أرجه ... ولأمر ما شجا لي مدرجه
خيلت لي أنها تعدني ... وخيالات الفتى تستدرجه
стр. 296
فلذا اكذب شيء فجرها ... ولقد غر الحجى منبلجه
يا شقيق النفس أوصيك وإن ... شق في الإخلاص ما تنتهجه
لا تبت في كمد من كبد ... رب ضيق عاد رحبا مخرجه
وبلطف الله أصبح واثقا ... كل كرب فعليه فرجه
توفي ﵀ بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم عام ثمانية وخمسين وستمائة. ومولده في آخر شهري ربيع سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
стр. 297
٩٦ - أبو محمد بن علوان
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب المنشئ، أبو محمد عبد الله بن علوان، من أصحابنا الذين هم في وقتنا. لقي مشائخنا أبا الحسن الحرالي ﵁ رؤية عين وتبرك، وأكثر نظره على شيخنا أبي محمد عبد العزيز القيسي وأبي العباس الغماري. تخطط بالعدالة وهي صفته، وله فقه جيد، وهو جامع بين الكتابتين الأدبية والشرعية، وهو شيخ كتاب الكتابة الشرعية في وقته، وعلى شهادته العمل في الديار السلطانية العلية أعلى الله أمرها، وله تخصص ووقار، ورواء حسن واعتبار.
وله نظم في الفرائض سلك فيه على طريقة الحجازيين والنجديين، ينحو فيه إلى اللطافة، ويتجانب عن الكثافة. وله توقف وتثبت في الأمور، وجرى على الطريقة المحمودة عند الخواص والجمهور. وهو النائب في صلاة الفريضة بالجامع الأعظم شرفه الله بذكره، ومن نظمه:
من أرض نعمان هبت نسمة السحر ... جاءت بنشر عبير طيب عطر
نمت بسر خزامى الجزع واحتملت ... ما ضاع من نفحات البان والسمر
لله ما هيجت من وجد مكتئب ... وما أثارت من الأشجان والفكر
فاستشفت منها فمن نحو الحمى نفحت ... تخبر عن ساكنيه طيب الخبر
يا ليت أيام وصل فيه عائدة ... بشادن نلت منه منتهى وطري
стр. 298
يبدي لمبصره من وجهه قمرا ... على قضيب لجين ناعم نضر
وإن تثني ثنى من قده غصنا ... وان رنا سل أسيافا من الحور
مهفهف بت أسقى من مراشفه ... خمرا فاسقي الظما من بارد حصر
يفتر عن أقحوان يانع عبق ... وعن عقيق وعن نور وعن درر
ما لاح لي بارق من أفق مبسمه ... إلا استهلت دموع العين كالمطر
ولا تطلع من ازرار حلته ... إلا زرى بضياء الشمس والقمر
стр. 299
٩٧ - أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه المقرئ المتقن، الأستاذ النحوي اللغوي، المحصل المقدم، أبو عمرو وقته في علم القراءات، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري قرأ على أبيه بالقلعة الحمادية بجامعها الأعظم في عشر التسعين وخمسمائة، وارتحل إلى بجاية، فلقي بها أفاضل منهم والده أبو عبد الله ابن عبد الله ومنهم الشيخ أبو زكرياء الزواوي ﵁ كان ملازما له وعاكفا عليه، والقارئ بين يديه، ولقي أبا عبد الله ابن حماد وغيره.
وكان أستاذ الأساتيذ في وقته، وكان جلوسه للقراءة والرواية بالجامع الأعظم ببجاية شرفه الله بذكره، وقرأ عليه عالم واستفاد منه خلق كثير وكل من أخذ عنه، فإنه يوصف بالإتقان والدراية، وجودة الرواية. وكان لا يتسامح في إجازة بوجه ولا يمكن منها إلا بعد التحصيل، ومن ظفر من الطلبة بإجازته فقد ظفر بالغاية القصوى، ووصل إلى المرتبة العليا. وما أدركت من أدركت من الطلبة إلا وهم يفخرون بلقائه والقراءة عليه.
واختصر كتاب "التيسير" لأبي عمرو الداني اختصارا بليغا وجيزا يدل على علمه، وجودة فهمه. وتوفي ﵀ ببجاية عن جملة تلاميذ، وفضلاء أساتيذ. ﵃.
стр. 300
٩٨ - أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور
٥٩٧ - ٦٦٩هـ
١٢٠٠ - ١٢٧١م
ــ
ومنهم، السيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي، المحصل الجليل الفاضل، أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي الحضرمي عرف بابن عصفور، شهير الذكر، رفيع القدر. من أهل اشبيلية، قرأ بها على جماعة من أكابر
стр. 301
العلماء منهم أبو علي الشلوبين فحصل ما لم يحصل غيره، وكل من قرأ على أبي علي الشلوبين ببلده نجب، واجلهم عندي رجلان، الأستاذ أبو الحسن هذا، والأستاذ أبو الحسن ابن أبي الربيع، واجل الأستاذين الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور، وما أعتقد في المتأخرين من الأساتيذ اجل منه، جمع ﵀ بين الحفظ والإتقان، والتصور وفصاحة اللسان. هو حافظ متصور لما هو حافظ له، قادر على التعبير عن محفوظه، وهذه هي الغاية، وهي أن يكون المرء حافظا له متصورا معتبرا، وقل أن يجمع مثل هذا إلا الآحاد.
درس مع شيخه أبي علي الشلوبين باشبيلية، وكان له ظهور وشفوف، وارتحل إلى العدوة واستوطن بجاية، وكان بها أستاذا للأمير يحيى برد الله ضريحه. وارتحل إلى حاضرة افريقية فحظي بها عند المستنصر بالله وكان أحد خواص مجلسه، وقبل انتقال الإمارة إليه كان يقرأ عليه. وقرأ عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكل من قرأ عليه وكل من ظهر من أصحابه فمن المبرزين.
ومن أحسنهم علما وخلقا وفضلا ورياسة ولفاسة، صاحبنا الفقيه الجليل الكامل أبو زكرياء يحيى اليفريني رجل من أهل الكمال، في كل وجهة وحال، ولولا أن ذكره هنا إنما جاء بالاستطراد، لذكرت من فضائله ما يعلم إنه أربى على من سبقه وزاد.
وتآليف أبي الحسن ﵀ في العربية هي من أحسن التصانيف، ومن أجل الموضوعات والتآليف. له "المقرب" وهو كتاب بارع والشروحات عليه وعلى الجمل، وله على "الإيضاح" وله شرح أبيات "الإيضاح" ولم يسبقه أحد بمثله. وكلامه في جميع تآليفه سهل منسبك محصل، والذي قيد عنه أصحابه أكثر من تآليفه التي ألفها. واخبرني بعض أصحابنا، إنه شرح جزءا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكا لم يسبق إليه من الإيراد والإصدار والأعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو اعنني الوقت وأمدني الله بالمعونة منه وأكمل هذا الشرح
стр. 302
على هذا المنزع، لكان ذخيرة العالم. وهو ممن له القدرة على هذا، وهو أولى الناس بشرح كتاب الله تعالى، وتدل تآليفه النحوية على أن له مشاركة في علم المنطق ولأجل ذلك حسن ايرداه فيها تقسيما وحدودا واستعمال الأدلة وبالجمة، فيليق أن يكون كلامه مقدما على غيره من المعبرين من النحاة. توفي ﵀ بتونس حرسها الله في عشر السبعين وستمائة.
стр. 303
٩٩ - أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني
-القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، النحوي اللغوي المجيد، المحصل المتقن، الفصيح البليغ البارع، أبو محمد عبد الحق بن يوسف بن حمامة الغبريني. رأيت من كتابته ما دل على بلاغته، وبراعته وطلاقة قلمه وفصاحته. وكان له حظ وافر من الفقه، وكان مليح المذاكرة، حسن المحاضرة، ممن يعد في أعداد الفضلاء الأخيار، ويعول عليه في العلم واليه يشار. ولي القضاء ببعض اكوار بجاية، وكان معروفا بالعفاف، والاقتصاد والاقتصار على الكفاف. ﵀ ورضي عنه.
стр. 304
١٠٠ - أبو الحكم مروان بن عمار يحيى
... ٦١٠هـ
... ١٢١٤م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الأديب النحوي اللغوي، أبو الحكم مروان بن عمار بن يحيى من أهل بجاية سمع أبا محمد عبد الحق الاشبيلي ودخل الأندلس فسمع أبا محمد عبد المنعم بن الفرس وأبا القاسم ابن حبيش وأبا عبد الله ابن حميد فأخذ عنه بعض سيرته. وكان من الأدباء النبهاء، مشاركا في أبواب من العلم، حسن الخط جيد الضبط. كتب للولاة ثم ولي قضاء المرية ثم أخر عن ذلك. ﵀ ورضي عنه آمين.
стр. 305
١٠١ - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي
٥٨٠ - ٦٦١هـ
١١٨٤ - ١٢٦٣م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الخطيب، القاضي العدل المرضي، المحدث الراوية المتقن، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله [بن موسى] بن سليمان بن علي بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن عميرة بن طريف بن اشكورنة الازدي. من أهل مرسية يعرف بابن برطلة. وسكن بجاية وولي بها صلاة الفريضة بجامعها الأعظم، وروى عنه بها، وقضى مدينة الجزائر وغيرها، وكان من الثقات الاثبات وله براعة في الأدب.
وسمعت عنه إنه كان خطيبا بمرسية، وإنه لم يعد مدة ولايته الخطابة بها خطبة واحدة، وكان يخطب في كل جمعة بخطبة من إنشائه.
وتتصل روايتي عنه من طريق الخطيب أبي عبد الله ابن صالح.
стр. 306
لقي جماعة من العلماء منهم أبو عمر ابن عات وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أغلب الخولاني المعروف بالزروالي وأبو محمد ابن حوط الله وأخوه أبو سليمان وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن اصبغ وأبو عبد الله ابن مرج الكحل وأبو الربيع سليمان بن سالم وأجاز له أبو القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون الهلالي وأبو زكرياء يحيى بن عبد الرحمن الدمشقري الواعظ نزيل غرناطة، وأبو جعفر أحمد بن يحيى وهو أحد
стр. 307
من حدث عن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي وأبي موسى الجزولي. وبيته غريق في العلم، وأبوه وجده مذكوران في التكملة وكان متقللا من الدنيا قانعا بالقليل منها.
وكان قدومه على حاضرة افريقية بعد الأربعين وستمائة، وبعد ذلك استأذن في الحج فأذن له، وحج في عام ستة وخمسين وستمائة، وعاد ولم يزل منوها مخططا إلى أن توفي مأخوذا عنه ﵀، وكانت وفاته بتونس ظهر يوم الأحد السادس والعشرين لجمادي الأخيرة عام أحد وستين وستمائة، ودفن ظهر يوم الاثنين بعده بحومة المصلى من غربيها، وكانت جنازته مشهود وأهيب شعار الصالحين بين يديه، ومولده في حيز الثمانين وخمسمائة ﵁.
стр. 308
١٠٢ - أبو محمد عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي
... ٦٣٦هـ
... ١٢٣٩م
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه الجليل، الكاتب المحصل، الفاضل الأديب، أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن نعيم الحضرمي القرطبي، نشأ بتونس وتوفي بقسنطينة عام ستة وثلاثين وستمائة.
أحد الأشياخ المنتصبين للتدريس والرواية، قرأ عليه ناس وسمعوا منه، منهم شيخنا أبو عبد الله التميمي وغيره.
وأخبرني أبو عبد الله المذكور، إنه شرع في شرح "مقامات الحريري" وإنه كتب على خطبتها نحوا من خمسة عشر كراسا بالقالب الكبير، وكان يذكر عنه إنه كان في علم الأدب مستبحرا، وكان مشرفا ببجاية في مدة السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن، وكان المشارف في ذلك الزمان على سنن العدل، والتزام طرق الفضل. ولما أخذت البلاد من يد السيد ابن عمران من بني عبد المؤمن على ما عرف وأخذت حاشيته معه، فكان الفقيه أبو محمد أحد المأخوذين ومن جملة المعتقلين، ولما كان بعد ليلة أو ليلتين من اعتقاله، رأى محل الإمارة العلية برد الله ضريحه، النبي ﷺ ، في المنام وأمره أن يسرح أبا
стр. 309
محمد ابن نعيم من اعتقاله، فاستيقظ وبعث إليه الفتيان في بقية ليله، فارتاع كل من كان في الثقاف في ذلك الموضع واستشعروا شرا، فاستدعى أبو محمد ابن نعيم من بينهم وسيقت له بغلة وكسوة وسرح وأحسن إليه. فسئل ﵀ عن السبب في ذلك فقال: إنه لم يكن له سبب سوى إنه خمس القصيدة الجيمية عند دخوله السجن، وهي المعروفة بالشيخ أبي الفضل بن النحوي ﵀، وهو تخميس حسن لا بأس به، وها هو يذكر مع القصيدة التماسا لبركاتهما وإظهارا لمزيتهما ﵄ ونفعنا بهما وبأمثالهما آمين:-
لا بد لضيق من فرج ... والصبر مطية كل شج
وبدعوة أحمد فأبتهج ... اشتدي أزمة تنفرجي
فد آذن ليلك بالبلج
يا نفس رويدك لا حرج ... وثقي بالله عسى فرج
وكذا ما ضاق له فرج ... وظلام الليل له سرج
حتى يغشاه أبو السرج
فلكل محاولة قدر ... وقضى لا يدفعه حذر
ورجوعك عن هذا غرر ... وسحاب الخير لها مطر
فإذا جاء الإبان تجي
стр. 310
في لطف الله لنا أمل ... لا يدني مطلبه عجل
ولكل محاولة أجل ... وفوائد مولانا جمل
لسروج الأنفس والمهج
ما أن خلق الإنسان سدى ... والعقل بذاك لنا شهدا
وإذا هبت أرواح هدى ... ولها أرج محي أبدا
واقصد محيا ذاك الأرج
وتلاف هديت حيا حيا ... أن أنت ظفرت به تحيا
واقصد بالجد لما أحيا ... فلربتما فاض المحيا
ببحور الموج من اللجج
فعليك بصافي مورده ... لتكون الفائز في غده
والله مصرف مقصده ... والخلق جميعا في يده
فذوو سعة وذوو حرج
خطت في اللوح جموعهم ... وأصولهم وفروعهم
ونزيلهم ورفيعهم ... ونزولهم وطلوعهم
فعلى درك وعلى درج
قد حاز الخير مراقبهم ... ونجا في الحشر مصادقهم
واستقلت فيه مناقبهم ... ومعائشهم وعواقبهم
ليست في المشي على عوج
فهناك معان قد كتمت ... ولقد كشفت حتى فهمت
لعقول صافية سلمت ... حكم نسجت بيد حكمت
ثم انتسجت بالمنتسج
стр. 311
وانظر لأمور قد وشجت ... لما مزجت ثم امتزجت
وبأول عنصرها لهجت ... فإذا اقتصدت ثم انعرجت
فبمقصد وبمنعرج
لا يصحب ذا علم لجج ... والعلم تفيض له لجج
فلكم مرت لهم حجج ... شهدت لعجائبها حجج
قامت بالأمر على الحجج
تفويضك للرحمن رجا ... كم جاء صباح بعد دجا
ويكون الصبر له درجا ... ورضى بقضاء الله حجى
فعلى مركوزته فعج
فتحر بما تلقى رشدا ... لا يمضي عمرك عنك سدى
واقطع أيامك مجتهدا ... وإذا انفتحت أبواب هدى
فأعجل لخزائنها ولج
وتلق بعزم رايتها ... واقرأ وتدبر آيتها
فلعلك تبلغ غايتها ... وإذا حاولت نهايتها
فاحذر إذ ذاك من العرج
لا تلف لعين الدين قذا ... فتكون بظهر منتبذا
فأصدع بالحق إذا نفذا ... لتكون من السباق إذا
ما جئت إلى تلك الفرج
قامت في العالم حجته ... وبدت للخلق محجته
فإذا انفتحت لك فرجته ... فهنالك العيش وبهجته
فلمبتهج ولمنتهج
стр. 312
طوبى لنفوس قد سعدت ... فعلت وزكت لما زهدت
فأتهم آمالك أن فقدت ... وهج الأعمال إذا ركدت
فإذا ما هجت إذا تهج
ظلمات النفس محاجتها ... احذر تغشاك لجاجتها
فتغشى النور زجاجتها ... ومعاصي الله سماجتها
تزدان لذي الخلق السمج
فحذار تلم بساحتها ... فتكون رهينة راحتها
والله يمن براحتها ... ولطاعته وصباحتها
أنوار صباح منبلج
لا تقرب أمرا مشتبها ... ودع الدنيا لتقلبها
واضرب عن لذة مشربها ... من يخطب حور العين بها
يظفر بالحور وبالغنج
فاجعل مهرا الحورآ أرقا ... بقيام الليل وزد فرقا
واسلك بالجد لها طرقا ... وكن المرضي لها بتقى
ترضاه غدا وتكون نجي
يلج الأنوار على نفذ ... فلها عوذ أسنى العوذ
وتحر مقالة كل بذي ... واتل القرآن بقلب ذي
حزن وبصوت فيه شجي
تأخير التوبة آفتها ... وتميت القلب سلافتها
وحياة النفس مخافتها ... وصلاة الليل مسافتها
فاذهب فيها بالفهم وجي
стр. 313
فإذا أبصرت مبانيها ... فانظر إذ ذاك معانيها
واذكر بالفكر غوانيها ... وتأملها ومعانيها
تأت الفردوس وتنفرج
ومتى ما فزت بمنظرها ... فاستنشق ريح معطرها
وأعجب لجمال معصفرها ... واشرب تسنيم مفجرها
لا ممتزجا وبممتزج
أنفاسك قد ذهبت صعدا ... وذنوبك لا تحصى عددا
بجيوش العقل اجعل مددا ... مدح العقل الآتية هدى
وهو متول عنه نهج
ألهوى أسبتك عضاضته ... وظننت تقيك مفاضته
حتى عضتك مضاضته ... وكتاب الله رياضته
لعقول الخلق بمندرج فالخلق جرت عاداتهم = يدعون بهم ساداتهم وهم في الحشر لذاتهم = وخيار الخلق هداتهم وسواهم من همج الهمج
خذها من قول من احتفلا ... ودعا لنصيحته الجبلا
واحذر من نجمك أن أفلا ... وإذا كنت المقدام فلا
تجزع في الحرب من الرهج
دع عنك أخا يبدي لذذا ... أجرى في الغي لغير مدى
واصحب من فازو من رشدا ... فإذا أبصرت منار هدى
فاظهر فردا فوق الثبج
стр. 314
بأبي نفسي لما انفردت ... فعلى الرحمن قد اعتمدت
وحداها الشوق لما قصدت ... وإذا اشتاقت نفس وجدت
ألما بالشوق المعتلج
أيام العمر مماحكة ... وثغور الحق مضاحكة
وليالي الغفلة حالكة ... وثنايا الحسنى ضاحكة
وتمام الضحك على الفلج
أعلام الدين قد ارتفعت ... ونجوم العلم به طلعت
وحمام الموت لنا سجعت ... وعياب الأسرار اجتمعت
بأمانتها تحت الشرج
العجب يطيش براكبه ... فتجنب ذروة غار به
والصبر عليك بلا حبه ... والرفق يدوم لصاحبه
والخرق يصير إلى الهرج
فاصدع لإلهك بالحمد ... فيما تخفيه وما تبدي
فلقد أذكى سرج السعد ... صلوات الله على المهدي
الهادي الناس إلى النهج
وعلى السادات وعترته ... وعلى الأنصار وعشرته
وعلى من فاز بعشرته ... وأبي بكر في سيرته
ولسان مقالته اللهج
ومن استهدى بإماماته ... وغدا في ظل غماماته
وجنى من زهر كماماته ... وأبي حفص وكراماته
في قصة سارية الخلج
стр. 315
وعلى من جاء على بين ... يبغي الإسلام بلا مين
خوفا من غاسية الحين ... وأبي عمرو ذي النورين
المستحي المستحيا البهج
وعلى من بمقالتهم أخذا ... وتحامى الهدى حين حذا
ومعالي نثرته نبذا ... وأبي حسن في العلم إذا
وافى بسحائبه الخلج
وما زالت هذه القصيدة معلومة الإفادة، ظاهرة الزيادة. وهذا التخميس قد ظهر من أمره ومن العناية بمنشئه ما دل على خلوص نيته، وصلاح طويته. وهذه القصيدة التي هي الأصل مع وصيته ﵀، أرويها عن الشيخين أبي عبد الله ابن رحيمة الباني وأبي العباس ابن خضر الصدفي رحمهما الله، والوصية هي:-
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الحفيظ، هذا ما أروع العبد يوسف الرب الذي خلق الأشياء، ورزق الأحياء، وملك العالمين، وحفظ السموات والارضين، أودعه جميع ولد أبيه، وأهله وأهل أخيه، وجميع ما خولهما من نعمه، وملكهما من قسمه، ظاهرا وباطنا، وصير ذلك إلى أمانته، وأسلمه إلى رعايته، واستحفظه في ذلك كله، وتبرأ إليه من حوله وقوته، ولم يلج سوي فضله وطوله، هو الحفيظ الذي لا يهمل، الوكيل الذي لا يغفل، العليم الذي لا يجهل، الجواد الذي لا يبخل، الأول الذي ينعم ويتطول، هو الأخير الذي لا يزال ولا يتحول، السالم من سلمه، والغانم من عصمه، والمفلح من كرمه، قد رضيه مستودعا، ووثق به مستحفظا، ولم يحتج معه إلى ما يحتاج إليه من الأمانات، وتحصيل التقبيضات، وانتقال المآلات، في ضروب التصريفات،
стр. 316
فإن الكل تحت قبضته، والخلق عبيد ربوبيته، فالتبرؤ تفويض، والثقة تسليم، والركون إليه إقرار بالملك، والرجاء إيذان بالنجح، وذلك بعد أن ثبت لديه الشهادات الصادقة، واتضحت لديه البراهين الصادعة، على ألسنة الدلالات، وفي أمكنة الاحتجاجات، بحضرة العدول، من صحة العقول، ولما كشفت عن وجهها مسفرة، وتبدت ضاحكة مستبشرة، قبلها بقلبه، ونفذ قضيتها بعزمه، وأمكن وثيقتها بحزمه، ومن المودع المحمود، أول الخير وآخره، وباطن الجود وظاهره، بصدق جميل جزائه، ويلحق جزيل عطائه، لم يشارك في جود، ولم يماثل في الوجود، ومن التجأ إليه فقد رشدت مساعيه وسعدت أمانيه، واستحكمت تدبيراته، واستكملت تمييزاته، وحسن النظر لنفسه، وبلغ العرض بحسه، اشهد العبد يوسف المذكور على هذا الإيداع الموصوف الرب المودع وحده، فلا شاهد بعده، وأمضى على نفسه حكمه، فلا يخاف أحد ظلمه، قد رضيه ربا، وعبده عبدا. وذلك بعد أن قرأ ما سطره، وعرف سره وجهره. وهو صحيح العقل، جيد النقل، نافذ الميز في تاريخ لا ينساه المودع، ولا يتعداه في ساعة المراد، من يوم الرشاد، في شهر التوفيق، من عام التحقيق، وحسب المودع في وديعته من أودعه، وعليه أوقف رغبته وتضرعه، ولم يشارك أحدا معه، بل افرده وصرف إليه الهم أجمعه. أسأل الله أتم الصلاة وأزكاها، واعم البركة وأنماها، لرسوله محمد المصطفى وآله وسلم تسليما.
стр. 317
١٠٣ - أبو علي حسن بن الفكون
-أول القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، علي حسن بن الفكون من الأدباء الذين تستظرف أخبارهم، وتروق أشعارهم. غزير النظم والنثر، وكأنهما أنوار الزهر. رحل إلى مراكش وامتدح خليفة بني عبد المؤمن وكانت جائزته عنده من أحسن الجوائز.
وله "رحلة" نظمها في سفرته من قسنطينية إلى مراكش، ووافق في مقامه بمراكش طلوع الخليفة لزيارة قبر الإمام المهدي ﵁ فنظم في ذلك.
وله ديوان شعر، وهو موجود بين أيدي الناس ومحبوب عندهم.
وهو من الفضلاء النبهاء، وكان مرفع المقدار، ومن له الحضوة والاعتبار. وكان الأدب له من باب الزينة والكمال، ولم يكن يحترف به لإقامة أود أو إصلاح حال. واصله من قسنطينة من ذوي بيوتاتها، ومن كريم اروماتها. وتواشيحه مستحسنة ومن مليح شعره:-
دع العراق وبغداد وشامها ... فالناصرية ما أن مثلها بلد
بر وبحر وموج للعيون به ... مسارح بان عنها الهم والنكد
حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع ... حيث الغنى والمنى والعيشة الرغد
стр. 318
والنهر كالصل والجنات مشرفة ... والنهر والبحر كالمرآة وهو يد
فحيثما نظرت راقت وكل نوا ... حي الدار للفكر للأبصار تتقد
أن تنظر البر فالأزهار يانعة ... أو تنظر البحر فالأمواج تطرد
يا طالبا وصفها أن كنت ذا نصف ... قل جنة الخلد فيها الأهل والولد
ومن نظمه ﵀، هذه القصيدة القافية، والقطعة الميمية التي تذكر بعدها، نظمها في بعض سادات بني عبد المؤمن رحمهم الله تعالى. قال في سياق ذكره وقد ذكروا جمال قصر الربيع:-
عشونا إلى نار الربيع وإنما ... عشونا إلى نار الندى والمحلق
ركبنا بواديه جياد زوارق ... نزلنا إليها عن ضوامر سبق
وخضنا حشاه والأصيل كأنه ... بصفحته تبدى مروق زنبق
وسيدنا قد سار فيه لأنه ... بزورقه إنسان مقلة أزرق
فقلت وطرفي يجتلي كل عبرة ... وزورقه يهوى به ثم يرتقي
أيا عجبا للبحر عب عبابه ... تجمع حتى صار في بطن زورق
ولما نزلنا ساحة القصر راعنا ... بكل جمال مبهج الطرف مرتق
فما شئت من ظل وريف وجدول ... وروض متى تلمم به الريح يعبق
وشادي مغاني الحسن في نغماته ... يطارحه هدر الحمام المطوق
فيا حسن ذاك القصر لا زال آهلا ... ويا طيب ريا نشره المتنشق
رتعنا به في روضة الأنس بعدما ... هصر نابه غصن المسرة مورق
ويضحكنا طول الوصا وربما ... يمر على الاوهام ذكر التفرق
فتضحى موصونات الدموع هدالة ... ونحن على طرف من الدهر أبلق
لمثلهما من منزه ونزاهة ... يجرر ذيل الذيل كل موفق
стр. 319
فله ساعات مضين صوالح ... عليهن من زي الصبا أي رونق
خلعنا عليها النسك إلا أقله ... وان عاودت، نخلع عليها الذي بقي
ولما نضب ماء الأصيل، ورق نسيمه العليل، وهم العشي بانصرام، وودع النهار بسلام، وأرخى الليل فوقنا سدوله، وجرر على الأفق ذيوله، عدنا إلى زورقنا ذلك، ومحيا الجو غير محتجب، ووجه الأفق غير متلفع بثوب الغمام ولا منتقب، وقد تشكلت الكواكب في الماء، فكأنما يجري بنا زورقنا في السماء، فأمروا أعزهم الله بوصف تلك الحالة، فبادرتهم بهذه العجالة:
وليل مسرة ما زلت منها ... أمر على صراط مستقيم
لبست ثيابه عزا إلى أن ... تحدرت الرجوم من النجوم
فنهر كالسجلجل قد تراءت ... على شطيه جنات النعيم
يسر النفس في نظر وشيم ... من المرأى الوسيم أو النسيم
تشكلت الكواكب فيه حتى ... جرت في قعره شهب الرجوم
وأشكل منظرا علوا وسفلا ... من الفلك الأثير إلى التخوم
فما تمتاز أرض من سماء ... وحوت الماء من حوت النجوم
﵁ آمين.
стр. 320
١٠٤ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري
-أواسط القرن السابع الهجري-
ــ
ومنهم، الشيخ الفقيه، الكاتب الأديب البارع، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد الاريسي المعروف بالجزائري: هو حفيد الفقيه الجليل أبي عبد الله الأريسي المتقدم ذكره في هذا الكتاب من أدباء الكتاب وهو من نظراء شيخنا أبي عبد الله التميمي في علم النظم والقريض ومن أصحابه، كان حسن النظم والنثر، مليح الكتابة حسن الوراقة في البطاقة، وكان سهل الشعر، وكان كثير التجنيس يأتيه عفوا من غير تكلف، ولأجل ذلك حسن نظمه. وكان مليح التواشيح، أن طال في شعره أعرب، وان اقتصر واقتصد أعجب. وكان شيخ كتبه الديوان ببجاية. وله شعر كثير في كل فن من فنون الشعر، ومن نظمه ﵀:
يا من على جوده المعهود أتكل ... ويا ملاذي إذا ضاقت بي الحيل
غرقت في بحر آثامي فخذ بيدي ... وامنن بعفو فاني خائف وجل
وله أيضا:-
أدرها فقد هب نسيمة دارين ... ونم بسر الروض نشر الرياحين
وقام خطيب الورق يدعو هزيله ... وغنى فأغنى عن ضروب التلاحين
следующие страницы →