غير محدودة على قدم المساواة من الرجال، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمراً مألوفاً، وتختفي البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس، لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقي الزراعي، ولم يعد العالم المدني يحكم به.
ولسنا نرى مقدار الشر الاجتماعي الذي يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولاً عنه، ولا في أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهذب، لأن الطبيعة لم تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة، ويرجع بعضها الآخر إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملال الذي يحسونه في حصار قلعة مستسلمة، ولكن معظم هذا الشر يرجع في أكبر الظنون في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعي للحياة الزوجية، وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعدد قبله، وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالمٍ خلقه الإنسان، وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر، غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، وهي تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوفة، تلك التي تحاول كسب المال واستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين -وهم في حمَّى الفوضى الصناعية- من حمَّى الزواج ورعايته للصحة.
ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة، لأن كل رجل يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر، ويجد الرجل بإرضاء غرائزه في هذه الفترة من التأجيل نظاماً دولياً مجهزاً بأحدث التحصينات، ومنظماً بأسمى دروب الإدارة العلمية، ويبدو أن
стр. 422
العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها (١).
وأكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية، وحين اكتشف الشبان والفتيات -وقد أكسبهم المال جرأة- أن الدين يشهر بملاذهم، التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين، وأدى التزمت في حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل في الأدب وعلم النفس صوَّر الجنس مرادفاً للحياة، وقد كان علماء اللاهوت قديما يتجادلون في مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنبا؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول: أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها؟! لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة.
وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل في هذا التغيير؛ ذلك أن الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين في ظل الصناعة والتجارة، وعودت الجنود الوحشية والإباحية، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم، فكانوا بؤرة للفساد الخلقي، وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رءوس، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية، وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية، وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة، ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه في أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقي، وأصبحت الحكومات في واد والشعب في واد آخر، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها، واستهدفت الصناعات الربح
стр. 423
بصرف النظر عن الصالح العام، وتجنب الرجال الزواج خشية المسئولية، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية كاملة وإلى طفيليات فاسدة، ورأى الشباب نفسه قد منح حريات جديدة، تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية في الماضي، وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية في الفن والحياة.
حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار اندفعت إلى عالم لم يسبق له مثيل في تيار المغامرات الواهية، فهي واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا في نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية.
وأخيراً تجد الرفيق الذي يطلب يدها للزواج، ويعقد عليها لا في الكنيسة، لأنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين، ولم يعد للقانون الخلقي الذي ظل جاثماً على إيمانهما المهجور أثر في قلبهما، إنهما يتزوجان في قبو المكتب البلدي الذي يفوح منه عبير السياسة، ويستمعان إلى تعاويذ العمدة، إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف بل بعقد من المصلحة، لهما الحرية في أي وقت في التحلل منه، فلا مراسيم مهيبة ولا خطبة عظيمة ولا موسيقى رائعة ولا عمق نشوة في الانفعال، تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن، ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكاً، ويتوجهان إلى البيت في صخب.
إنه ليس بيتاً! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة، بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلاً في زنزانة سجن، ليس هذا المسكن شيئاً روحياً كالبيت الذي كان يتخذ مظهراً ويكسب روحاً قبل ذلك بعشرين عاماً، بل مجرد شيء مادي فيه من الجفاف والبرودة ما تجده في مارستان، فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد.
стр. 424
وتصاب المرأة بخيبة أمل، فهي لا تجد في هذا البيت شيئاً يجعل جدرانه تحتمل في الليل والنهار، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تهجره في كل مناسبة، ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر، ويخيب أمل الرجل.
ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبه تلك التي كان يعيش فيها وهو أعزب، وأن علاقاته مع زوجته تشبه شبهاً عادياً تلك العلاقات غير البريئة التي كان يعقدها مع المستهترات من النساء.
ولما كان زواجهما ليس زواجاً بالمعنى الصحيح لأنه صلة جنسية -لا رباط أبوة- فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه ومقومات الحياة، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع، وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان، وتنتهى الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر، وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية في التنويع، حين تؤدي الألفة إلى الاستخفاف، فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته.
ويتوقع ديورانت آنذاك هذه الكوارث: "لا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر، حيث لا يكون النسل مقصوداً، وسيزداد الزواج الحر مباحاً كان أم غير مباح، ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل، فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شراً من عزلة عقيمة تقضيها في أيام لا يغازلها أحد، سينهار المستوى المزدوج، وستحث المرأة الرجل بعد تقليده في كل شيء على التجربة قبل الزواج، سينمو الطلاق وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحرمة، ثم يصاغ نظام الزواج بأسره في صور جديدة أكثر سماحة، وعندما يتم تصنيع المرأة ويصبح ضبط الحمل سراً شائعاً في كل طبقة يضحى الحمل أمراً عارضاً في حياة المرأة أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية
стр. 425
الأطفال محل عناية البيت ... وهذا كل شيء" (١).
ولقد تحقق كل ما توقع وأعظم منه، ونجم عنه الشقاء المستديم للمرأة وللمجتمع كله، وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة، لكي تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت - أو أجبرتها الظروف - في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها وثمن طعامها وغسيل ملابسها، بل تدفع رسماً معيناً مقابل اتصالاتها الهاتفية (٢).
وإذا حظيت الطريدة بأي عمل فإنها تستشعر دوماً تهديد البطالة والأزمات الاقتصادية، وتظل خاضعة لاستغلال الرأسماليين أو عبودية الدولة -إن كانت شيوعية- ويؤدي إرهاقها المستمر وقلقها الدائم، إلى أن تفقد طبيعتها الأنثوية، وتضحى عرضة للأمراض العصبية، وفي بعض الأحيان لا تجد وسيلة للخلاص من هذا الكابوس الرهيب أفضل من الانتحار، وقد تضخمت المشكلة وتعقدت، وسرت آثارها في كيان المجتمع كله، حتى لم يعد من الممكن الرجوع إلى الحالة السوية إلا بتغيير جذري يقتضي بناء المجتمع من أساسه وهذا التغيير بعيد الاحتمال في المجتمع الغربي اللاهث نحو الهاوية، بل إن الصيحات التي يطلقها الكثيرون ممن ذاقوا مرارة التجربة من النساء والرجال لا تجد لها صدى يذكر.
تقول أجاثا كريستى أشهر كاتبة إنجليزية للمؤلفات البوليسية: "إن المرأة الحديثة مغفلة؛ لأن مركزها في المجتمع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فنحن النساء نتصرف تصرفاً أحمق، لأننا بذلنا الجهد الكبير في
стр. 426
السنين الماضية لحصول على حق العمل والمساواة في العمل مع الرجال، والرجال ليسوا أغبياء، فقد شجعونا على ذلك معلنين أنه لا مانع مطلقاً من أن تعمل الزوجة، وتضاعف دخل الزوج، ومن المحزن أن نجد بعد أن أثبتنا نحن النساء أننا الجنس اللطيف أننا نعود اليوم لنتساوى في الجهد والعرق الذي كان من نصيب الرجل وحده" (١).
وفي استفتاء لمعهد غالوب في أمريكا:
إن المرأة متعبة الآن، ويفضل (٦٥%) من نساء أمريكا العودة إلى منازلهم، كانت المرأة تتوهم أنها بلغت أمنية العمل، أما اليوم وقد أدمت عثرات الطريق قدمها واستنزفت الجهود قواها، فإنها تود الرجوع إلى عشها لاحتضان فراخها (٢).
ولكن المرأة الغربية المنكوبة إذ تحاول الرجوع إلى البيت ووظيفة الأمومة لا تستطيع، لأن المشكلة اتسع نطاقها إلى درجة تتعذر معها العودة الحقيقية، ولو حصل شيء من ذلك فإن المجتمع الذي تعود الانحلال والاختلاط يستنكره ويأباه، بل أصبح الزواج رغم هشاشته مصدر إزعاج للقائمين على تلك المجتمعات فقد طلعت الصحافة الغربية يوماً بخبر يقول: "انزعجت السلطات التعليمية في اسكتلندا بسبب موجة الزواج التي تعصف بالمدرسات، فقد تبين أنه من خلال عام (١٩٦٠م) عينت (١٥٦٣م) مدرسة في سكتلندا، وفي نهاية العام الدراسي تركت ألف منهن الوظيفة للزواج، وقالت السلطات إن الزواج يهدد النظام المدرسي" (٣).
стр. 427
وحيال ذلك: ماذا في وسع المرأة أن تفعل؟ بأي شيء تواجه المجتمع النكد الذي يلهب ظهرها بالسياط، ويقطع عليها طريق العودة إلى فطرتها، ليس هناك إلا أحد سبيلين: إما الانتقام من هذا المجتمع الظالم بترويعه وتعكير صفوه، كما جاء في التقرير الذي نشرته الصحف من أنه بلغت عدد سرقات المتاجر الكبيرة في إنجلترا خلال عام (١٩٦٠م) نحو (٣٢١٩٤) سرقة، هذا عدا الحالات التي لم تبلغ لإدارة البوليس، والغريب أن (٦٠%) من هذه السرقات ارتكبتها نساء جاوزن سن البلوغ، و (٣٠%) ارتكبها ذكور أقل من السابعة عشرة، وتقول الإحصائيات: إن كل السارقات من النساء لم يكنَّ في حاجة للمال، (١) نعم إنها ليست الحاجة للمال، ولكنها الرغبة في الانتقام وتفريغ السخط.
وإما الانتقام من نفسها بالانتحار كما فعلت الممثلة الشهيرة مارلين مونرو، التي كتبت قبيل انتحارها نصيحة لبنات جنسها تقول فيها: "احذري المجد ... احذري من كل من يخدعك بالأضواء ... إنى أتعس امرأة على هذه الأرض ... لم أستطع أن أكون أماً ... إني امرأة أفضل البيت ... الحياة العائلية الشريفة على كل شيء ... إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية، وتقول في النهاية: لقد ظلمني كل الناس ... ، وأن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة".
وليس غريباً أن تؤكد الإحصائيات العالمية أن نسبة محاولات الانتحار عند النساء أكثر منها عند الرجال، يقول تقرير كتبه أحد
стр. 428
الأطباء الاجتماعيين في فيينا: وقد لوحظ أن النساء أكثر محاولة من الرجال، ففي عام (١٩٤٨م) كان عدد المحاولات في النساء (٣٨١) وهذا يوافق (٥٨.٦١%) من المجموع، وفي عام (١٩٥٦م) كان العدد (٥٩٠) أي بنسبه (٥٦.٧٣%)، وفي عام (١٩٥٩) كانت النسبة (٥٥.٩٢%)، كما لوحظ أن نسبة المحاولات في الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين (١٤) عاماً و (٢٠) عاما ترتفع باستمرار، فعند الفتيان كانت النسبة في عام (٤٨م) - (٦.٥%)، وفي عام (١٩٥٦م) (٦.٥٣%)، وفي عام (١٩٥٩م) (٦.٨١%)، وأما عند الفتيات فالتصاعد مخيف، ففي عام (١٩٤٨م) حاولت (٥٠) فتاة الانتحار، وهذا يشكل نسبة (٧.٦٩%) من مجموع محاولات الانتحار في ذلك العام، وفي عام (١٩٥٦م) حاولت (٨٩) فتاة الانتحار، وهذا يشكل نسبة (٨.٥٥%) وفي عام (١٩٥٩م) حاولت (١٥٠م) فتاة الانتحار، وهذا يعني نسبة (١٤.٢٠%) وهذا يعني أن كل تسعة أيام توجد ست محاولات انتحار، أربع منها من جانب الفتيات، واثنتان من جانب الفتيان (١).
وهذا غير المصائب التي يوقعها المجتمع بالمرأة، والتي هي في الواقع معاول تهدم المجتمع بكامله؛ إذ لا انفصام بين مشكلة المرأة في ذاتها ومشكلة المجتمع الذي تعيش فيه، من ذلك ما نشرته الصحف الأمريكية في (١٩٧٧م) من أن فتاة أمريكية في إحدى الولايات الوسطى بالقرب من مدينة غير مشهورة وجدت مقتولة، وقد طرحت جثتها في الغابة، وحمل البوليس الجثة إلى المستشفى، ونشر إعلانا يتضمن سن الفتاة وصفاتها الجسدية لكي يحضر قريبها لتسلم الجثة، فماذا كانت النتيجة؟ ... تقول الصحف: إن المستشفى تلقى (١٢٠٠) مكالمة من أناس كل منهم يشك في أنها قريبتة، ويستوضح بعض صفات
стр. 429
لفتاة أخرى، بينما حضر إلى المستشفى شخصياً قرابة (٥٠٠) شخص لمعاينة الجثة (١).
وهذا يعني أن هؤلاء فقدوا فتيات يحملن نفس تلك الصفات، وفي السن نفسه، فكيف بمن يحملن صفات أخرى وفي مراحل من العمر أخرى؟! وإذا كان هذا على مستوى المدينة أو الولاية فكيف بالولايات كلها؟! والأغرب من ذلك كيف يقع هذا كله في أمريكا بلد الإباحية المطلقة؟!
ومن ذلك أيضاً نسب الطلاق المرتفعة باطراد، حيث كانت نسبة الطلاق في أمريكا سنة (١٨٩٠م) (٦%)، وأخذت تزداد حتى وصلت سنة (١٩٤٨م) إلى (٤٠%)، ولم تنخفض عن ذلك إذ أن تلك النسبة هي نسبة الطلاق لسنة ١٩٧٨م (٢).
أما المفاسد والشرور الاجتماعية الناتجة عن خروج المرأة عن فطرتها فأكثر من أن تحصر، وسنحاول إيجازها فيما يلي:
١ - فساد التربية: فبعد أن أصبحت عودة المرأة لوظيفتها الأساسية مستحيلة، ولم يعد عملها موضع نقاش، كان لابد من إيجاد محاضن ودور لتربية الأطفال، وعنها يقول أليكس كاريل: "لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسيمة باستبداله تدريب الأسرة بالمدرسة (كذا) استبدالاً تاماً، ولهذا تترك الأمهات أطفالهن لدور الحضانة حتى يستطعن الانصراف إلى أعمالهن أو مطامعهن المجتمعة أو مباذلهن أو هوايتهن الأدبية أو الفنية أو اللعب بالبريدج أو ارتياد السينما، وهكذا يضيعن أوقاتهن في الكسل، إنهن مسئولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعياتها، التي يتصل فيها الطفل بالكبار، فيتعلم منهم أموراً كثيرة.
إن الكلاب
стр. 430
الصغيرة التي تنشأ مع جراء من نفس عمرها في حظيرة واحدة لا تنمو نمواً مكتملاً كالكلاب الحرة التي تستطيع أن تمضي في أثر والديها، والحال كذلك بالنسبة للأطفال الذين يعيشون وسط جمهور من الأطفال الآخرين، وأولئك الذين يعيشون بصحبة راشدين أو أذكياء. لأن الطفل يشكل نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي طبقا للقوالب الموجودة في محيطه، إذ أنه لا يتعلم إلا قليلاً من الأطفال الذين هم في مثل سنه، وحينما يكون وحده فقط في المدرسة فإنه يظل غير مكتمل، ولكي يبلغ الفرد قوته الكامنة، فإنه يحتاج إلى عزلة نفسية واهتمام جماعة اجتماعية محددة تتكون من الأسرة" (١).
٢ - جنوح الأحداث: وهو نتيجة طبيعية لفساد التربية وفقدان الأسرة، ولنأخذ مثلاً لذلك الإحصائيات التي أوردها رئيس شرف الرابطة الدولية لقضاة الأحداث: بلغ عدد الأحداث المحكومين في فرنسا سنة (١٩٣٩م): (١٢١٦٥) وبلغ سنة (١٩٦٨م): (٤٤٠١٦) حسب جدول إحصائي ... وقد صار هذا التزايد في عدد الأحداث المنحرفين منذراً بأوخم العواقب، إذ بلغت أرقامه ضعفيها تقريباً في مدى ثماني سنوات. سنة (١٩٦٠ - ٢٦٨٩٤).
ونسجل للمناسبة أن الارتفاع التي كانت سنة (١٩٥٩=١٥.٢) بالألف لفئة الصبيان المنحرفين (١٦ - ١٧) سنة بلغت (٢٥.٧٨) بالألف سنة (١٩٦٥م) وفي الولايات المتحدة نجد أن نسبة ازدياد حالات الانحراف بين الأحداث الذين تقل أعمارهم عن ١٨ سنة قد بلغت (١٧%)، بينما لم يزد عدد السكان في الأحداث الذين تقل أعمارهم عن (١٨) سنة إلا (٣%).
стр. 431
وبلغت نسبة ارتفاع عدد الفتيات المنحرفات سنة ١٩٦١م (١٨.٦%) عن سنة ١٩٦٠م، بينما لم يبلغ هذا الارتفاع أكثر من (١٤.٢%) عند الفتيان للسنة نفسها.
ولابد لمن يريد أن يكون فكرة دقيقة عن مشكلة الانحراف في واقعها الراهن أن يضيف إلى المنحرفين المعروفين رسمياً عدداً آخر من المنحرفين لم تكتشفه السلطات بعد، ولا بد كذلك أن نضيف عدداً آخر، لم يتخذ بحقهم أكثر من إجراء إخضاعهم لدورات تثقيفية وإصلاحية ... وعلينا أن نضيف عدداً آخر من الأحداث المشردين باعتبار أن القانون الفرنسي لا يعتبر تشرد الأحداث جرماً يعاقب عليه القانون.
وليس الجديد هو هذه الإحصائيات فما أكثرها، ولكن الجديد هو أن جان شازال حاول تعليل أسباب الانحراف، فذكر من جملتها أن الأطفال الذين يحرمون من عناية الأم وعطفها، والذين لا يمكنهم أن يشعروا بحرارة المشاركة العميقة مع الأم، يعبرون عن اختباراتهم العاطفية على شكل ردات فعل من النوع العدائي والمعارض، وتعطش مفرط إلى المتعة، وحاجة طاغية إلى التسلط، وهكذا تكون على طريق الجنوح (١)، أي: أن رئيس شرف الرابطة الدولية لقضاة الأحداث أدرك الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان.
والحق أن المجتمع الذي تقوم قيمه وأسسه الأخلاقية على اللادينية أياً كانت الفلسفة التي يؤمن بها هو بيئة مناسبة للإجرام والجنوح؛ إذ ليس لديه ما يعوض التربية الأسرية المفقودة، ولذلك وصلت الحال في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، ولنكتف بالتقرير الذي أصدره النائب الاتحادي العام في الولايات المتحدة عن الجرائم
стр. 432
الأمريكية المسجلة رسمياً.
وتقع جريمة قتل كل ٤٣ دقيقة، وتقع جريمة اغتصاب امرأة كل (١٩) دقيقة، وجريمة سطو على السيارات كل (٤٨) ثانية، وجريمة اختطاف كل (٢٠) ثانية، وجاء في مجلة الجيش الأمريكي عدد فبراير (١٩٧٦م) أنه وقعت ضمن نطاق الجيش الأمريكي (٥٥٢١٠) جريمة اغتصاب في عام (١٩٧٤م) أي بزيادة قدرها (٩%) عن عام (١٩٧٣م) (١).
هذا مع العلم أن النسب آخذة في الارتفاع باطراد.
٣ - فساد الفطرة: يقول مؤلف كتاب الثورة الفرويدية: "إن مثل الولايات المتحدة أو ما نعرفه على الأقل من الحياة الجنسية في هذه البلاد يوضح لنا أن تحرر المرأة المتزايد من خلال التطرف في المعاصرة يمكن أن يعطل المحتوى الجنسي للعلاقة ما بين الرجل والمرأة تعطيلاً خطراً، ففي المرحلة الأولى فإن العراقيل التي تحول دون طغيان الشهوانية تزول، وفي المرحلة الثانية فإن ما يصيب المرأة من ذكورة جزئية يؤدي إلى بعض فقدان الرجولة في الرجل" (٢).
أي: أننا بغض النظر عن الإباحية الحيوانية في ميدان العلاقة الجنسية الطبيعية بين الرجال والنساء نجد إحصاءات محيرة عن الشذوذ الجنسي لدى الجنسين تبلغ نسبها حسب تقرير كنزي (٢٠%) فإذا فرضنا أن تلك النسبة لم تزدد خلال العشرين سنة الأخيرة - وهو افتراض خاطئ، وعلمنا أن سكان أمريكا (٢٤٠) مليوناً، فمعنى ذلك أن (٤٨) مليوناً من الأميركيين شاذون جنسياً!!
وأغرب من ذلك أن (٢٠) مليوناً منهم يمارسون الشذوذ بصفة تنظيمية علنية، فقد نشرت الصحف أن وفداً يبلغ تعداده عشرين
стр. 433
شخصاً يمثلون منظمات اللواطة والسحاق في الولايات المتحدة الأمريكية قاموا بمقابلة السيدة مارغريت مساعدة الرئيس كارتر للعلاقات العامة للمطالبة بحق حرية العمل في المؤسسات العسكرية، وللسماح بمزيد من اللواطة في مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية، ومنح صفة معفى من الضرائب لمنظماتهم، وقال رئيس الوفد: "إن هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي رأينا فيها أن الرئيس كارتر مناسب للاعتراف بحقوق ومتطلبات عشرين مليون أمريكي من الجنسين يمارسون عملية اللواط والسحاق والشذوذ الجنسي بأنواعه" (١).
وأسوأ من هذا أن تطالب البرلمانات في دول الشمال (اسكندنافية) باعتبار عقد الرجل على الرجل عقداً قانونياً مشروعاً يقام في الكنيسة، بل لقد تم عقد فعلي في إحدى الكنائس بولاية كاليفورنيا (٢).
أما صلة ذلك بخروج المرأة من البيت وتفكك الأسرة، فقد اعترف بها أيضاً جان شازال، وإن كان جرى في تعبيره عنها على المصطلحات الفرويدية، يقول في كتابه المشار إليه: "إذا تعقد الطفل بمشاعر أوديبية من تأثير التفكك العائلي أو الأخطاء السيكولوجية العميقة، فقادته هذه المشاعر إلى التعلق بأمه والإحساس تجاه والده بالعدائية تختلط بها الحاجة إلى التمثل به، فإنه يستطيع أن يعبر عن طريق الجنوح عن اضطراب واقعه الانفعالي العاطفي، وحين يتعلق بأمه يصير خجولاً وسلبياً، وقد يتطور بسرعة خلال مراهقته نحو الاستمناء والصداقات الخاصة واللواط، يخشى المرأة حين لا تمثل بالنسبة إليه
стр. 434
صورة الأمومة، ويكون ذوقه أنثوياً ومشبعاً بالتصنع أحياناً، وقد تلاحقه صورة الأب، وقد يرغب عندئذ في مرافقة رجال ناضجين، وقد يجذبه لسوء الحظ بعض المصابين بالشذوذ الجنسي، والولد الذي يتعلق بأمه يشمل بعدوانية كل الذين يظهر له أن وجودهم يسلبه عطف الأمومة" (١).
٤ - الأمراض العقلية والعصبية: جاء في تقرير لمنظمة الصحة العالمية أعدته لاجتماعها السنوي في جنيف لسنة (١٩٧٨م):
يعاني حوالي (٤٠) مليون شخص من أمراض عقلية أكيدة في العالم، وهناك أكثر من (٨٠) مليوناً ممن يعانون تخلفاً خطيراً من جراء الإفراط في تعاطي الأدوية والمخدرات والمشروبات، بالإضافة إلى مائتي مليون شخص يعانون من اضطرابات عقلية أقل خطراً، ولكنها تعرضهم للتخلف العقلي أيضاً (٢)
أما الولايات المتحدة بصفة خاصة فتقول الإحصائيات:
إن المرض العقلي يشكل أخطر تهديد لصحة أبناء شعبها إذ يشير تقرير المعهد القومي للصحة العقلية الصادر في يوليو (١٩٥٤م): أن عدد المرضي الذين ترعاهم مستشفيات الأمراض العقلية يناظر مرضى المستشفيات الأخرى مجتمعة على اختلاف أنواعها، ولا يندرج بطبيعة الحال في هذا الإحصاء عشرات الآلاف من الحالات المرضية التي لم تقصد المستشفيات، وإنما تولى علاجها -إذا قدر لها أن تحظى بالعلاج- أطباء الأمراض العقلية (٣).
стр. 435
وقد فطن بعض الباحثين إلى أن السبب في تدهور أخلاق وصحة الجيل الحاضر لا سيما الصحة العقلية ليس هو تعاطي المخدرات والمسكرات، فهذه أعراض للمشكلة الحقيقية، وهي فقدان رعاية الأم وما تمنحه من التوازن النفسي، فقد نشرت الدكتورة: ايدا إيلين بحثاً بينت فيه أن سبب الأزمات العائلية وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة، فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق، وتنادي الخبيرة الأمريكية بضرورة عودة الأمهات فوراً إلى البيت، حتى تعود للأخلاق حرمتها، وللأبناء والأولاد الرعاية التي حرمتهم منها رغبة الأم في أن ترفع مستواهم الاقتصادي، وقالت الدكتورة إيلين: إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل من التدهور الذي يسير فيه (١).
نبذة عن المجتمع الشيوعي:
كان ما سبق لمحة عن البهيمية الهابطة والمعيشة الضنك والحياة النكدة التي يصلى سعيرها المجتمع الغربي المعاصر، وهي سحابة مظلمة تغطي سماء أوروبا كلها، وترسل صواعقها وشواظها على كل ركن من أركانها، ولكن الرفاق في موسكو يزعمون أن ذلك الوجه الكالح خاص بالمجتمعات البورجوازية، وأن شرور الغرب الاجتماعية مردها إلى طبعتة الطبقية ونظامه الرأسمالي، لذلك فهم يزعمون أن المجتمع العمالي البروليتاري مجتمع سليم متكافئ ذو أخلاق من النوع الذي تحدث عنه إنجلز سلفاً.
ولعل فيما أوردنا سابقاً عن الوضع السياسي والاقتصادي داخل الستار الحديدي غني في الرد على هذه المزاعم، فمجتمع ركيزته الحقد
стр. 436
وقوامه التجسس وطابعه الذعر والإرهاب لا يمكن بحال أن يكون مجتمعاً إنسانياً سليماً، وأنى يكون كذلك وهو يهدر قيمة الإنسان وكرامته في مقابل زيادة الإنتاج؟! ويجعل الغرض الأساسي لوجوده هو الكدح في معسكرات العمل أو المزارع الجماعية؟!
إن الحزب الشيوعي الذي يتحكم في أقوات الناس ويعلق سيفه الرهيب فوق رءوسهم، يملك فرصة أكبر للتحكم في أخلاقهم وعاداتهم ويعتمد أن يصوغ البشر في قوالب معينة حصيلتها النهاية إفساد الإنسانية وتحطيمها، فالفرد في ظل الأنظمة الحمراء مجبر على أن يحشر هو وكامل أفراد أسرته في غرفة واحدة هي غرفة جلوسهم ونومهم ومطبخهم، ثم هي غرفة في مجتمع إسكاني ضخم غير متجانس، فالشقة التي تتكون من ست غرف يكون معدل سكانها ثلاثين نسمة ينتمون لست أسر، منها أسرة من البلد نفسه، ومنها أسرة تعرض ربها للنقل التأديبي من إحدى الجمهوريات النائية، وثالثة تسكنها -مثلاً- أسرة قادمة من إحدى الدول الديمقراطية الشعبية التابعة لموسكو ... وهكذا، ويشترك سكان الشقة في دورة مياه واحدة، بالإضافة إلى أن دورات المياه العامة قد تكون بنيت بلا أبواب منذ إنشائها، وإذا كانت الغرفة لاتحتوي إلا على سرير واحد فردي، فإن الأبوين ينامان عليه حين ينام الأبناء ذكوراً وإناثاً حتى من البالغين على المنضدة متلاصقين، وهي المنضدة التي يستعملونها للمطبخ بالنهار، (١) وهذا بالطبع غير المساكن العمالية الملحقة بالمصانع، والتي حشر فيها العمال والعاملات الذين يصلون إلى عدة آلاف في المصانع الكبرى.
ويبلغ تعمد الإفساد في الدول الشيوعية حداً يجعل السياح العاديين الذين يتاح لهم التجول في البلاد الشيوعية يرونه بوضوح.
стр. 437
يقول سائح سويسري: "لقد انحطت القيم الأخلاقية في أكثر بلاد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن الفرق بين ما هي عليه الحالة في البلاد الشيوعية وما هي عليه في البلاد الأخرى هو أن الحكومات الشيوعية هي التي تسعى إلى إفساد الأخلاق وتحث عليه، كما أن أوضاع الناس وفقرهم ونظام حياتهم الذي فرضته عليهم الشيوعية كل أولئك تدعو إلى إفساد الأخلاق وتشجعه، فماذا ينتظر المجتمع من أناس تحشر الأسرة كلها الأب والأم والفتيات والفتيان الكبار والصغار في غرفة واحدة هي غرفة نومهم وجلوسهم ومطبخهم.
إن هذا النوع من الحياة والفقر وانعدام الوازع النفسي والديني كلها أمور تحض فساد الأخلاق حتى ولو لم تتيسر الأسباب، فكيف والحكومة هي التي تيسر كل شيء لفساد المجتمع؟! ففي أكثر البلاد الشيوعية وفي أمهات المدن بصورة خاصة أوجد الشيوعيون أماكن خاصة للفساد، ولست أقصد بذلك بيوت الدعارة، بل أقصد بذلك تلك الحدائق الواسعة ذات الخمائل الوارفة التي يتواري بها الفجار عن أعين الناس أو يرتكبون الفاحشة علىعين الناس بلا حرج ولا مبالاة، أو هي شوارع تترك بلا نور ليلاً لتسهل الدعارة، وقد صرح الماريشال تيتو في إحدى خطبه موجهاً كلامه للشعب قائلاً: لقد تركنا لكم الخمر والنساء، فخذوهما واتركوا لنا السياسة"
والمرأة -التي هي ميزان الأخلاق- أرخص سلعة في البلاد، وهي ترمي بنفسها على الرجل، ولا سيما على الغريب، وكل ما تطلبه هو أن يتزوجها ولو مؤقتاً، لكي يتسنى لها الفرار من البلاد والخلاص من جحيم الشيوعية، وبالتالي فإني رأيت الناس يعيشون في البلاد الشيوعية كما تعيش البهائم، وإني لأخشى إذا طال-لا قدر الله- عمر الشيوعية أن يظهر إلى عالم الوجود أناس يختلفون عن البشر،
стр. 438
ويرجعون بالمدنية التي وصلنا إليها بآلاف السنين إلى حياة الغاب.
لذا فإني أرى بأن العالم سيظل قروناً بعد القضاء على الشيوعية حتى يستعيد كرامته وإنسانيته، إذ لابد من تربية جديدة صالحة حتى يكون إنساناً صالحاً (١).
أما فيما يتعلق بالزواج، فإن الزواج المعترف به من الوجهة النظرية في الغرب الرأسمالي باعتباره العلاقة المشروعة بين الجنسين لا يحظى بذلك هناك، فالشيوعية تعد الزواج وما ينشأ عنه من الأسرة وتربية الأطفال أثراً من آثار البورجوازية وبقية من تقاليد العصر الإقطاعي لا تليق بالمجتمع العمالي الحديث.
فالبيان الشيوعي يقول: "إن الأسرة البورجوازية سوف تختفي بشكل طبيعي باختفاء رأس المال، أما التهريج البورجوازي عن الأسرة وأهميتها في التربية وعن أهمية العلاقة بين الولد وأبويه فهو مما يثير الاشمئزاز، إن تقدم الصناعة الحديثة سوف يقطع كل الصلات العائلية بين أفراد الطبقة العاملة" (٢).
ويتحدث آرثر كستلر -العضو السابق للحزب الشيوعي- عن المعادلة الشيوعية الصعبة فيقول: "أما بخصوص الدافع الجنسي فقد كان مقرراً ومعترفاً به إلا أنا كنا في حيرة بشأنه، كان نظام الأسرة كله عندنا أثراً من آثار النظام البورجوازي ينبغي نبذه، لأنه لا ينمي إلا الفردية والنفاق والاتجاه إلى اعتزال الصراع الطبقي، بينما الزواج البورجوازي لم يكن في نظرنا إلا شكلاً من أشكال البغاء يحظى برضاء المجتمع وموافقته، إلا أن السفاح والاتصال الجنسي العابر كان يعتبر أيضاً شيئاً سيئاً غير مقبول، من هذا نرى أن الفضيلة البورجوازية
стр. 439
كان شيئاً سيئاً، كما أن السفاح كان سيئاً كذلك، أما الموقف الصائب الذي ينبغي أن نتخذه نحو هذا الدافع الجنسي فهو الفضيلة العمالية التي تتلخص في أن الإنسان ينبغي له يتزوج، ويخلص لزوجته وينجب أبناء عماليين، فإذا تساءلت: أليست هذه الفضيلة البورجوازية التي استنكرناها من قبل؟ قيل لك: إن هذا التساؤل أيها الرفيق يدل على أنك لازلت تفكر بالطريقة الآلية لا بالطريقة الجدلية، إن نظام الزواج الذي يعتبر في المجتمع الرأسمالي مظهراً من مظاهر الفساد والتحلل يتحول منطقياً إلى عكس ذلك في المجتمع العمالي السليم، فهل فهمت أيها الرفيق أم تحب أن أعيد عليك جوابي بطريقة محكمة أكثر من هذه؟ " (١).
وما تحدثنا عنه من التفكك الأسري والتفسخ الاجتماعي في الغرب موجود بعينه في الدول الشيوعية مع إضافة شيء آخر أكثر خطورة، وهو الشعور الدائم بالهلع والرقابة البوليسية والشك والحذر من كل إنسان، حتى أفراد الأسرة والواحد لا يمكن أن يقوم بينهم تواد وتفاهم كاملان كما يكون بين خلق الله الآخرين، وخير شاهد على ذلك قصة الطفل البطل الذي وشى بوالده إلى الحكومة فحكمت عليه بعشرة أعوام من السجن والعمل سخرة (٢).
والمرأة -خاصة- تعاني شقاءً لا حدود له، فهي لا تملك أن تبث شكواها فضلاً عن المطالبة بشيء من حقوقها، حتى زميلاتها في المصنع أو المزرعة لا تستطيع أن تفاتحهن بكل ما يعتلج في صدرها، لأن احتمال تسرب ذلك إلى الإدارة ماثل للعيان، وعقوبته لا يطاق تصورها، وهى عاملة بحكم طبيعة النظام وصرامته، ولذلك فهي محرومة من إرضاء
стр. 440
غرائز الأمومة وعواطفها الأنثوية مقهورة مكبوتة، أما الأطفال فالمحاضن التي تقيمها لهم الدولة أكثر منها في الغرب، كما أنها أردأ منها في أساليب التربية ووسائل المعيشة، وهذا يضاعف البلاء الاجتماعي ويزيد المجتمع انحداراً إلى الهاوية.
وذلك الوضع لا تدعو إليه الظروف الاجتماعية فحسب، بل هو جزء من الفلسفة الشيوعية، فقد ذكر إنجلز أن من التدابير التي يجب على البروليتاريا أن تتخذها تربية جميع الأولاد منذ أن يصبحوا قادرين على الاستغناء عن عناية الأمهات في مؤسسات عامة تابعة للدولة وعلى حساب الأمة ... ، والحق المتساوي في الإرث للأولاد الشرعيين وغير الشرعيين (١).
وصفوة القول أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة سواء من الناحية الأخلاقية أومن ناحية الطمأنينة النفسية والسعادة الاجتماعية، فهو مجتمع منحل مذعور يخيم عليه كابوس شقاء مطبق إلى حد أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في أمل حقيقي للخلاص.
وهذا التفسخ الفظيع والشقاء المريع الذي تعاني منه أوروبا اللادينية بشقيها الرأسمالي والشيوعي، هو النتيجة الطبيعية والعقوبة العاجلة لكفرها بالله وتنكرها لدينه والاحتكام إلى أهواء البشر وتخرصات المضللين، وإنه لمن سنن الله في خلقه أنه إن لم تعد إلى الله وتتمسك بهداه، فإن المستقبل سيكون أمر وأنكى.
стр. 441
- الفصل الخامس: علمانية الأدب والفن:
توطئة:
الأدب -ومثله الفن -مجال رحب وميدان فسيح تنوء به الدراسات المتخصصة المستفيضة، فضلاً عن البحوث المنهجية الدراسية، والأدب الأوروبي -خاصة- له قصته الطويلة وتاريخه السحيق، فوق أن معظم قضاياه كانت وستظل مثار نزاع، ومدار جدل شديد بين الباحثين والنقاد، وتلعب الاتجاهات السياسية والخلافات القومية والمذهبية دورها في ذلك.
وإذا وافقنا الرأي القائل بأن الأدب هو (صورة الحياة وانعكاسها الواضح)، فما بالك بصورة حياة كحياة أوروبا حائرة مضطربة متهافتة متناقضة؟!!
وهذه الأمور وغيرها - مما لا يخفى على المطلعين - تجعل البحث في هذا المجال محفوفاً بالمتاعب، وتستنفد جهد الباحث دون أن يستطيع أن يخرج بخلاصة متناسقة، تعبر على الأقل عن مدى جهده، إن لم تعط الصورة المطلوبة للموضوع.
ومن الجلي أننا لا نبحث في الأدب من حيث هو أدب، وإنما ننظر إليه من خلال المنظار العام للموضوع، أي: من جهة علاقته بالدين، كما
стр. 442
أننا مقيدون بالحجم الذي لا ينبغي أن يتجاوزه هذا الجانب من جوانب الحياة البشرية.
ومراعاة ذلك تستدعي عرض الموضوع، وصياغته ضمن منهج خاص يتميز بأمور:
١ - التركيز على ماله صلة قوية بموضوع بحثنا، وعرضه بما يتناسب مع مقتضى الحال حجماً وأسلوباً.
٢ - البعد -ما أمكن - على الخلافات حول المذاهب الأدبية، وتصنيف المدارس والانتماءات وتقويم المواد والشخصيات.
٣ - البعد عن الغموض الذي يكتنف الدراسات العصرية، والذي سيظهر طرف منه - رغم إرادتنا - عند الحديث عن مدارس الضياع.
وهذا وسنراعي كالعادة - التسلسل التاريخي في عرض المعالم الكبرى لعملية التحول إلى العلمانية التي بلغت ذروتها في الأدب والفن المعاصرين.
أولاً: عصر النهضة الأوروبية .. الكلاسيكية الجديدة:
يقترن مسمى عصر النهضة الأوروبية بالحركة التي نشأت في إيطاليا -المركز الحضاري الإسلامي الثاني في أوروبا- واستهدفت بعث الآداب الإغريقية القديمة التي أطلق عليها اسم الآداب الإنسانية، (١) تمييزاً لها عن كتابات رجال الكنيسة اللاهوتية!
стр. 443
لقد فوجئت أوروبا الغارقة في سبات القرون المظلمة بنور الحضارة الإسلامية، فانبهرت به وأحست بواقعها المرير تحت ضغط الكنيسة التي جثمت على فكرها وشعورها وسلوكها، وأفقدتها الإحساس بإنسانيتها.
وهذه اليقظة المفاجئة أوقعت النفسية الأوروبية في مأزق حرج، إذ تصادم في داخلها دافع ومانع قويان: الأول دافع الاستمتاع بنور الإسلام والدخول في فردوس حضارته حيث التوازن الفريد بين الدنيا والآخرة، وبين الروح والجسد، ففي ظله تنطلق إنسانيتهم لتعبر عن ذاتها بعيداً عن أغلال الرهبانية وشطط الكنيسة.
والآخر مانع التعصب المقيت والعداوة الحاقدة للإسلام وحضارته تلك التي عمقتها الحروب الصليبية، وبلغت أقصى مداها في المد الإسلامي الذي قام به المجاهدون الأتراك.
وكان المانع أقوى من الدافع فخرجت أوروبا من ذلك التناقض النفسي بالبحث عن وسيلة تتيح لها الخلاص من براثن السلطة الكهنوتية الطاغية دون أن تتخلى عن تعصبها وعداوتها للإسلام وأهله، ولم تكن تلك الوسيلة سوى عملية اجترار الماضي ببعث تراثها الوثني الإغريقي والالتصاق به لاسيما جوانبه الشهوانية البهيمية!
وهذا الاتجاه -بطبيعة الحال- أزعج الكنيسة، وإن كان أفضل لديها بكثير من احتمال إقبال أتباعها على الإسلام، وحاولت جهدها أن تسير الموجة لصالحها، وتسيطر على الوضع بحيث تبقى عقائدها وتصوراتها تصبغ الأدب وتوجهه، وتظل بصماتها بارزة في فنه المنحوت والمرسوم.
ولكن عوامل التحرر والانطلاق كانت أقوى من حواجزها، واستطاع عصر النهضة أن يخطو خطوات كبيرة وجريئة للوصول إلى
стр. 444
علمانية كاملة للأدب والفن، عليها قام الأدب العلماني الحديث وارتكز.
ونستطيع أن نستعرض بعض ملامح الأدب والفن في ذلك العصر معتمدين على بحوث وتحليلات بعض المفكرين الأوروبيين، فنجد أن أبرزها ما يلي:
١ - بعث التراث الوثني الإغريقي: هذه هي الخطوة الأولى نحو الانفلات من سلطة الكنيسة، والانقضاض على فكر وتقاليد القرون الوسطى، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء وفنانو النهضة النفاذ إلى عالم آخر خارج من مألوف عصرهم ولا أثر فيه لشيء من اللاهوتيات، لقد نفذوا أول الأمر من كوة صغيرة، لكنها ظلت تتسع حتى انتقض بناء الكنيسة والتقاليد من أساسه، وطلعوا على الفكر الأوروبى بمفهومات جديدة ومعايير مغايرة سبقوا بها النهضة الفكرية العقلانية، وذلك ما يعده الفكر الحديث أعظم مآثر النهضة.
يقول برنتن:
إنه طالما كانت العصور الوسطى في الواقع عصوراً دينية، وطالماً أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة، فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة، أما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية، وهذه هي حقيقة الأمر، وكان النحاتون والرسامون في ذروة عصر النهضة يقلدون العري الكلاسيكى كما يقلدون كل شيء كلاسيكي آخر، فالفنان بدأ يقود شيئاً يشبه نوع الحياة وحشياً فاحشاً مجازفاً، ولكنه عظيم الأهمية، ومن المفروض أنه لا يزال يقوده.
لقد كان فنانو عصر النهضة الذين كرسوا جل حياتهم الفنية لغرض جعل المعتقدات المسيحية واضحة تبدو في أجمل مظاهرها
стр. 445
للعيان يستمرون في القيام بالأعمال التي ورثوها عن الرواد السابقين للعصور الوسطى، هذا وقد تحول الفن في العصور الحديثة إلى فن علماني تقريباً، حتى أن الفن الديني كاد يختفي أو بالأحرى أصبح في الدرجة الثانية استنتاجياً وتقليدياً.
إن الكتاب الخياليين هم الفنانون القريبون من قلب الوضع الإنسانى نحو الحياة، إن بترارك ورابله وشكسبير وسرفانتس والرسامين والنحاتين والموسيقيين الذين لا نزال نعلم أسماءهم هم نوع من الرجال الذين ينشدون طريقاً وسطاً بين المسيحية التقليدية كما خلفتها العصور الوسطى، وبين العلمانية الحديثة التي يبدو أنها تقلع جذور السحر والسر من الكون!!
كان هؤلاء الفنانون في تمرد مدرك كثيراً ضد التقليد المسيحي خلال العصور الوسطى، لقد أنكروا مستنداً، وبات عليهم - وهذا أكثر أهمية - أن يبحثوا بل يقيموا مستنداً آخر، فقبول هؤلاء العلماء المجرد لأي شيء كتبه قدماء اليونانيين والرومانيين لم يكتف به رجال الفكر، وككل شخص ألمَّ بكل ما له علاقة بالعقل عاد هؤلاء الفنانون إلى اليونانيين والرومانيين، وكانوا بذلك كالمهندسين المعماريين حيث أعادوا تجديد موادهم (١).
٢ - الاهتمام بالحياة الدنيا والوجود الإنسانى فيها: وذلك الاهتمام نشأ رد فعل لتركيز الكنيسة على عالم الآخرة وحصر كل النشاط الفكري والفني لاتباعها في مجال الحديث عن الثالوث والقديسين والملائكة والمعجزات، وكبت المشاعر والأحاسيس الإنسانية أياً كانت ما لم تكن في حدود دائرتها اللاهوتية، ومن هنا أطلق على الحركة بكاملها وصف الإنسانية.
وقد قام دانتي (ت:١٣٢١م) في هذا المجال بمثل ما قام به
стр. 446
مكيافيللي في مجال السياسة، فقد خرج على الكنيسة خروجاً صريحاً، وناقض تقاليدها ومقاييسها، وابتداءً منه أخذ الأدب الأوربي يحل الإنسان شيئاً فشيئاً محل الإله، فالاهتمام بالإنسان الذي نبه إليه دانتي ومعاصروه كان المنطلق لمحاولة تأليه الإنسان وتصويره على أنه إله حقيقي، وهي المحاولة التي بدأت في القرن التاسع عشر، واكتملت على يد سارتر وأشياعه في هذا القرن مروراً بتأليه الطبيعة الذي دعا إليه عصر التنوير، يقول داونز:
((يقف دانتي كما وقف صديقه ومعاصره المصور الرسام جيوتو على رأس حقبة جديدة في تطور الفكر البشري، ولما كان كلاهما فناناً عظيماً فإنهما عبرا أصدق تعبير عن ذلك الشيء الجديد الذي ربما كان يجيش في صدور الكثير من معاصريهم، ولكنهم لم يستطيعوا الإفصاح عنه كما أفصحا.
وهذا الشيء الجديد هو الإنسانية، هو الاهتمام بشئون الإنسان في الحياة الدنيا، ونستطيع أن نتفهم خطورة هذا الجديد الذي يزاحم القديم إذا قارناه بالعقائد المسيطرة على أذهان الناس في ذلك العصر عن الحياة والكون، ومؤداها أن الحياة الدنيا ليست إلا تمهيداً لاستقبال الحياة الأخرى، وقد هيمن هذا الاعتقاد على الناس في القرون الوسطى جيلاً بعد جيل تحت سطوة الكنيسة وسيطرتها العاتية على جميع نواحي النشاط الإنساني، وجميع المؤسسات الاجتماعية، بينما كان علم العلماء كله يدور حول المبادئ الدينية والعقائد الكنسية)).
((ثم جاء عقب ذلك عصر الاستنارة، وهو أول تبدل جديد طرأ على الناس في نظرتهم للحياة، فاتجهوا إلى أحضان الطبيعة يسوحون منها أسرار الكون ووضعوا ثقتهم المطلقة في مقدرة العقل الإنساني)).
((وقد نادى بهذا نفر من عباقرة ذلك العصر، ... كان مجالهم الفكري
стр. 447
في ناحية الاهتمام بشئون الإنسان في هذه الدنيا وترك الاهتمام بشئون الآخرة)).
وأما جيوتو فكان فنان هذه النهضة كما كان دانتي شاعرها، فقد أخذ جيوتو يرسم على جدران كنائس مدينة (أسيزي) صوراً وأقاصيص لحياة القديس فرانسيس عرض بها رسوماً من الناس، والطبيعة والطير والحيوان والزهور من واقع الحقيقة والمشاهدة، وهو حدث جديد في الفن وخروج عن التقليد القديم في تصوير العذراء والطفل وتصوير القديسين.
((إن ملحمة الكوميديا (١) كانت حدثاً جديداً في الأدب، حدثاً ضخماً لم يسبق له مثيل، فليس إذن من العجب أن يدعوها الناس بلقب الإلهية، لأنهم شعروا عند ظهورها أن أدبا أوروبياً جديداً قد انبثق فجره)).
((إن الناس كانوا يعتقدون ما علمتهم الكنيسة إياه من أن كل إنسان يكفر بالمسيحية جزاؤه جهنم، وأما من يؤمن بها فمآله إلى الجنة، وجاء دانتي فخرج على تلك العقيدة القديمة، وأقام موازين جديدة للعقاب والثواب على أساس من الأخلاق، وعندما ننظر اليوم إلى الوراء نجد شاعراً يوزع بالقسطاس العقاب والثواب بدلاً من أن يوزعها البابا، فإننا لا نرى في عمله شيئا خارقاً غير أنه بالقياس إلى عصره كان لا شك انقلاباً خطيراً)).
((وقد صدق الشاعر بوب عندما عبر عن فلسفة القرن التالي (١٨) بقوله: "إن خير دراسة يقوم بها البشر هي دراستهم للإنسان" وقد كان شكسبير قبله خير من قام بهذه الدراسة، والحق أن شكسبير
стр. 448
يمثل أرقى ما بلغت إليه حركة النهضة الأوروبية بأجمعها، وهي في لبابها تتلخص في اكتشاف الجنس البشري لقيمته، وأهميته التي كانت قد ضاعت على مر العصور)) (١).
وجدير بالذكر أن دانتي في ملحمته قد أدخل البابوات كلهم قاع جهنم إلا باباً واحداً أدخله الجنة، ودلالة ذلك لا تخفى، (٢)
٣ - العودة إلى الإباحية الرومانية: رد فعل للرهبانية والتزمُّت المغالي اللذين كانا يسيطران على الحياة الاجتماعية الأوروبية في ظل الكنيسة قام رواد النهضة بتجديد شباب الكلاسيكية، وبعث المذهب الأبيقوري في التمتع بضروب الملذات والانغماس في الشهوات الجسدية، ومن هنا أهمل أولئك أو كادوا جانب الآلهة وأساطيرها وصراعها من التراث الكلاسيكي الإغريقي والروماني، وانصب اهتمامهم على الجانب الإباحي، فليس مرد ذلك إلى قوة إيمانهم بالعقيدة المسيحية بقدر ما كان الرغبة في إشباع نزواتهم المكبوتة وميولهم العاطفية قبل أي شيء آخر.
وهكذا كان عصر النهضة يتسم بطابع كلاسيكي خاص، يقدس الجسد ويعبد اللذة في وقت لا تزال الرهبانية فيه هي المثل الأعلى، ووجه زعماء ذلك العصر أنظار الناس إلى مثالب الرهبانية بحجة منافاتها للإنسانية، وهو الوصف الذي كانوا يتسترون به.
يقول مؤلف تكوين العقل الحديث: "الحقيقة أن هذا الاهتمام بالإنسانية عاش بصورة قوية واضحاً منذ العصور التي سبقت غزوة المسيحية للبرابرة، فالحياة التي صورها
стр. 449
هوميروس في الملاحم الوثنية تعكس لنا الوجود الإنساني ... ، وجل ما استطاع التقليد المسيحى هو أن يشوه سمعتها، وقد انتشر خلال القسم المتأخر من القرون الوسطى تيار من الأغانى المبتذلة تمجد التمتع الصريح بالحياة وملذاتها، وكانت هذه الأغاني كثيرة التحرر مفرطة في وصف النواحي الحيوانية".
((على النحو التالي:
نحن في تجوالنا مغتبطون مشرقون ...
نأكل حتى الشبع، نشرب حتى الثمالة ...
نمرح إلى الأبد، ننهل من الجحيم ...
تلتصق صدور بعضنا ببعضنا ... )).
وحالما نشأ أدب علماني عامي فقد صدر نفس التمتع الوثني بخيرات الحياة الرفيع منها والوضيع، فالشعراء المغنون التروبادور حولوا الفروسية المسيحية إلى تمجيد للحب الإنساني، ومن الجدير بالملاحظة أن أكثر هذه القصائد صراحة وواقعية نشأت من الثقافة البرجوازية في المدن، فالأقاصيص الفرنسية البذيئة وصفت بصورة حاذقة التمتع بضروب الحياة كما كان يحصل في الواقع، وتميزت بشغف خاص بسرد قصص الماكرين الأوغاد ومثالب الكهنة، كما نجد ذلك في قصائد شوسر، ومعرض صور الأوغاد التي رسمها بوكاشيو.
((والحقيقة أنه ابتداءً من القرن الثاني عشر فما بعده زاد احتدام هذا الموقف وهذه الاهتمامات، ويتحدث الفن عن نفس القصة التي يتحدث عنها الأدب، فالعذراوات والقديسون والأقدمون، يتحولون إلى رسوم واقعية، وتنقلب صور العذراء التقليدية البيزنطية إلى فتيات قرويات إيطاليات.
ولكن أهم ما أخذ العلماء الإنسانيون عن الإغريق كان
стр. 450
التمتع السعيد الطبيعي السليم بخيرات الحياة في حضارة رفيعة.
ووجدوا هنا أن اللذات غير الضارة والميول الطبيعية تعتبر الوسائل التي بواسطتها ينظم العقل حياة صالحة، وأنها ليست من الشيطان، فلا داعي إذن إلى اعتبارها ذنباً إما أن يقهر بعون إلهي أو ينهل منه في خجل وشعور بالعار ... )).
((أدى كل هذا بالطبع إلى ثورة على الأخلاق المسيحية، فبدلاً من المحبة حل الفرح باستعمال الإنسان للقوى التي وهبه الله إياها، وحلت الحرية والمسئولية بتوجيه العقل محل الخضوع لإرادة الله، وأخذ البحث الفكري الجريء يحتل بالتدريج مكان الإيمان.
وانفجرت العاصفة بكامل عنفها على رأس الراهب، ذلك أن فشل الراهب في تحقيق الطهارة التي بشر بها جعلت أدب القرون الوسطى منذ ولادته يعطي لزلات الراهب صورة أكثر بشاعة، وصورته بأنه أكثر حيوانية من سواه، وجاء أحذق الإيطاليين وأجرؤهم إطلاقاً لورنزفالا ... ، فأنكر في كتابه حياة الرهبانية كل قيمة للتقشف والقداسة وذهب أبعد من ذلك في رسالته عن اللذة التي يتفق فيها مع المذهب الأبيقوري، فأعلن أن المرأة المتزوجة بل المستهترة أيضا هي أفضل من الراهبة، لأنها تسعد الرجل أما الراهبة فهى تعيش في تبتل لا فائدة منه، وينعت موت الإنسان في سبيل بلاده أو من أجل أي مثل أعلى بأنه لا يقره العقل)).
((هذا التحول المفاجئ يوحي في بعض الأحيان بالرجوع إلى ما يشبه الوثنية الخالصة، ويمثل الفن الإيطالي أحسن تمثيل المزج الكامل بين المسيحية والوثنية، فلو ألقينا نظرة على بعض الرسوم الشهيرة هل نستطيع التفريق بين الله والملاك والعذراء والصبي وكيوبيد والقديس ..... )).
стр. 451
ثار الإيطاليون على الأخلاق المسيحية واستبدلوا بها مجرد التمتع بالملايين من أشكال الجمال، لكن الشعوب الشمالية وجدت في الحياة أكثر من الجمال، وقد مثل هذه الروح فيما كتب رابليه الكبير ...
وتتجسم روح ثورة النهضة في مقطع يطلب منا رابليه فيه أن نهرب من أولئك الرعاع ذوي العقول الزائفة الماكرين والقديسين المزورين الوقوري الهيئة المرائين مدعي الإيمان، الإخوان الخشنين الرهبان الذين يلبسون النعال ... اهرب من هؤلاء الرجال عليك بكراهيتهم واحتقارهم قدر ما أكرههم أنا، وإنني لأقسم لك أنك إن فعلت فستجد نفسك أفضل حالاً (١).
هكذا كان عصر النهضة ثورة على المسيحية التقليدية وإعلاناً للعودة إلى الوثنية، وهذه وإن كانت في الواقع عملية سلبية إلا أنها خطوة لا بد منها لكل حركة جديدة، فمن الطبيعي أن تنصب أنظار رواد النهضة إلى هدم كيان الواقع الذي خضعت له أوروبا ألف عام قبل أن يفكروا في ماهية الواقع الجديد.
ثانياً: العصر الحديث:
(أ) الرومانسية:
لسنا في حاجة إلى إعادة القول بأن: حياة أوروبا هي عبارة عن خط بياني متذبذب تحكمه ردود الفعل المتناقضة، فقد أصبح ذلك حقيقة مقررة بعد أن رأينا شواهده في كل مجال، وهنا في مجال الأدب نلمس تلك الحقيقة بوضوح:
فالغبطة الكلاسيكية لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما جرت عليها سنة أوروبا في الارتداد، وإذا كان أعظم ايجابياتها هو الاهتمام
стр. 452
بالإنسانية وإيقاظ العقل الأوروبى المطمور ليأخذ مركز التوجيه في الحياة، فإنه حتى هاتان لم تستقرا دون تطوير أو تغيير.
وكان التطوير من نصيب الأولى، أما الأخرى فكان نصيبها التغيير بل الثورة، ومن هذين انبثق المذهب الجديد الذي عرف بالرومانسية، والذي يقترن تاريخياً بمسمى عصر التنوير.
أولا - تطور النزعة الإنسانية:
لعل أصدق تعبير عن هذا التطور هو ما قاله مؤلفو كتاب ثلاثة قرون من الأدب: "إن القرن الثامن عشر لم يخصص للدين، وإنما خصص للعلم والسياسة، فلم يعد زعماؤه قسساً مسيحيين، بل فلاسفة طبيعيين ... ، لقد كان التغير عميقاً، ومن نواحٍ عدة كان القديم والجديد على طرفي نقيض، فالتطلع إلى ما وراء أشياء هذا العالم قد تراجع أمام التطلع إلى أشياء هذا العالم، لقد أصبح القديس الدائر حول محور الله عالماً إنسانياً محوره الإنسان، والحياة التي كانت تسير بهدي الكتاب المقدس، ولم يعد العالم مكاناً حيث العناية الإلهية دائمة الحضور والفعل تضبط وتدير كل ما يحدث حتى التافه منه (!) فلعين العقل صار العالم الآن جزءاً من آلة الكون التي وقد أخذت تدور مرة استمرت في الدوران لنفسها وبنفسها (!) حتى الله ذاته لم يعد شخصياً أباً يحب ويرهب، بل أصبح قوة عاقلة سحيقة البعد لا شخصية، علة أولى أدارت الآلة وتركتها تعمل بنظام كامل وفق نواميس رياضية وفيزيائية، ويسوع ابن الله أصبح يسوع ابن الإنسان (؟!).
(لم يعد موضوع البحث للجنس البشري هو الله، بل الإنسان).
стр. 453
(وتحسين حال الإنسان يمكن توقعها، لا عن طريق الدين بقدر ما يمكن توقعها عن طريق العلم والتربية والسياسة التي بها يستطاع إصلاح المجتمع) (١).
وهكذا أصبحت ثورة عصر النهضة المبهمة تملك منهجاً عقلياً ومساراً محدداً، وبذلك تواجهنا صورة وثنية جديدة أكثر وضوحاً.
وهذا هو المميز الأول للرومانسية، وعنه نشأ تأكيدها على سيادة القلب وحياة النفس الداخلية بمعنى حصر كل الاهتمامات في حدود الكائن البشري، بل في أعماق النفس الفردية، وينتقد الرومانسيون الأدب الكلاسيكى بأنه كان الهدف منه تصوير البشر، لا كما هم فعلياً ولكن كما هم مثالياً، (٢) مما جعل الأدب تقليداً وليس تعبيراً، ولذلك فقد أهمل الرومانسيون الملاحم وحوروا المسرحيات، ونحوا بالأدب منحىً شخصياً داخلياً، فالكتابة الفنية تأتى في صورة اعترافات أو سيرة ذاتية، والشعر يصبح غنائياً عاطفياً يعبر عن المعاني الوجدانية للبشر، كالعشق والفرح والألم، ويبتغى - بالدرجة الأولى - إثارة السامع وامتاعه.
وكان من أبرز العوامل الاجتماعية المهيأة لذلك: طابع الفروسية التي كانت في ريعان شبابها، إذ احتضنت الرومانسية حتى اندمجت في كيانها، وأصبح الرومانسيون اللسان المعبر عن الحياة الفروسية بخصائصها وفضائلها (٣).
وقد أفصح بعض زعماء المذهب عن علاقة رد الفعل القائمة
стр. 454
بين الاتجاه الرومانسي والمسيحية، فالمسيحية كما عرفوها تكبت الإنسان وتصيبه بالميلانخوليا، ومن ثم فهي مسئولة عما أصاب الإنسانية من الانطواء والكآبة، وقد عزا الناقد الرومانسي الألماني شليجل الكآبة إلى الدين المسيحي الذي جعل الإنسان منفياً يشتاق إلى وطنه البعيد (١)
وانطلاقاً من ذلك وتمشياً مع التركيز على التعبير عن الذات جهد أولئك في أن يحولوا الشوق الصوفي المسيحي الذي كان يتجه إلى الله أو يسوع إلى حب عذري أو إباحي يعبر عنه في أسلوب غنائي، ويتجه إلى الجمال الخارجي للمحبوب الذي كان في الغالب امرأة وأحياناً الطبيعة.
ثانياً: الثورة على العقلانية التي سادت القرنين (١٧ - ١٨):
سبق أن عرفنا كيف فاجأ عصر التنوير أوروبا المسيحية بتلك الكلمتين المقدستين لديه (الطبيعة والعقل)، وجعل الأولى رمزاً خفياً للوثنية يحل محل اسم الله في المسيحية، والثانية وسيلة إلى فهم الإله الجديد بدلاً من وسيلة المسيحية الوحي.
ولقد وثق الهاربون من طغيان الكنيسة العلمي في مقدرة العقل وثوقاً أعمى، وكان لكشف كوبرنيكس، وقوانين جاليلو ونيوتن ومبادئ بيكون وديكارت العقلية أعظم الأثر في تمجيد العقل بل عبادته، ولما كان جل همم إغاظة الكنيسة والانتقام من عبوديتها فقد اشتطوا وغلوا في ذلك إلى أبعد الحدود.
لكنهم ما كادوا يلتقطون أنفاسهم وتستقر أعصابهم من مطاردة الكنيسة حتى بدأ بعضهم يبحث عما إذا كان إله العقل جديراً بما أعطي من قيمة وتقديس أم لا؟
стр. 455
وكانت النتيجة مرة، وهي أن العقل عاجز حقاً عن تفسير الطبيعة، وإذ كان كذلك فهو أعجز عن تفسير النفس الإنسانية وفهمها.
وتساءل أولئك: أليس من طريق للثورة على الكنيسة والوصول إلى فهم الطبيعة والإنسانية إلا طريق العقل وحده؟
واستطاعوا أن يكتشفوا طريقاً آخر أرحب من العقلانية بمنطقها الجامد وقوالبها المحددة، وأقوى من العقل اختراقاً للأسرار وتبديداً للغموض، ألا وهي الشعور العاطفي، ذلك الشعور الذي يمتطي آفاق الخيال الواسعة، فيسبر أغوار الذات الإنسانية العميقة، ويستجلي جمال الطبيعة، وهكذا أخذ الرومانسيون يرتفعون رويداً رويداً عن الأرض ويحلقون في الفضاء السحيق، ولكن إلى غير الله ومن غير طريق المسيحية.
كانوا يتحدثون عن الحب، ويبحثون عن الجمال ويفلسفونهما في أساليب ضبابية كثيفة، كما كانوا يتحدثون عن الشياطين والملائكة والسحر والعوالم المجهولة في محاولات دائبة ويائسة لاستكناه أسرار الكون وتحقيق السعادة الداخلية.
وأصبحوا ينقبون عن الحقائق الأبدية لا في الكتاب المقدس ولا في المؤلفات العقلية، ولكن في صفحة الطبيعة الخلابة ومناظرها الحالمة، وكل هذا أفضى بهم بالطبع إلى مثالية مغرقة جوفاء أعظم في بعض جوانبها من تلك التي انتقدوها على الكلاسيكيين.
ونتيجة أخرى مهمة هي أن الرومانسية باعتقادها أن غاية النشوة وقمة السعادة تكمن في أن يطلق الإنسان عنان نفسه لتذوب في حب الطبيعة وتفنى فيها كما يفني الصوفي في معبوده، ولذا أحلت الطبيعة محل الله والشعور محل العقل -بهذا الاعتقاد- تكشفت عن صورة
стр. 456
وثنية جديدة (وكل الكلام الجميل المعسول الذي قيل لتبرير هذه الوثنية: أن الطبيعة محراب الله وأن الجمال صورة الله، إننا نعبد الله في خلقه ... إلى آخر هذه الجمل الرومانتيكية البراقة، كل هذا الكلام لا يستطيع أن يخفي تلك الروح الوثنية الغارقة في الوثنية التي تعبد المحسوس في حقيقة الأمر، لأنها تعجز عن إدراك الله بالروح، والروح غنية عن المحسوسات) (١)
ولقد عبر روسو -رائد الرومانسية- عن ذلك أوضح تعبير في راهب سافوي الذي هو صورة لذاته، إنه راهب بالفعل، ولكنه يختلف جذرياً عن رهبان الكنيسة، فهو راهب في صومعة الطبيعة يسبح بحمدها ويقدس لها.
وفي كتابات روسو (الاعترافات مثلاً) وقصائد بوب (مقال عن الإنسان) وجوته (فاوست)، وكذلك كيتس ولامارتين وأضرابهم نماذج واضحة للمذهب الرومانسى في أوج مجده.
ولما كان أعظم أثر للرومانسية ينحصر في رد الفعل الذي نجم عنها بولادة الأدب الواقعي اللاديني الحديث، فلن نفيض في الحديث عنها أكثر من هذا.
(ب) الواقعية:
كانت الرومانسية بخيالها الجانح صورة صادقة لعصرها عصر الهروب، الهروب من طغيان الكنيسة، الهروب من نير الإقطاع البغيض، الهروب من تقاليد الماضي المرير، (٢) وجاءت الثورتان الفرنسية والصناعية، وجاءت الحروب الدينية والقومية، وتغيرت ملامح الحياة تغيراً بارزاً، فكان لا بد لصورة الحياة الأدبية أن تتغير كذلك.
стр. 457
كانت أوروبا الكلاسيكية والرومانسية قد عادت كما أسلفنا إلى الوثنية، وعبدت الإنسان أو الطبيعة بطريقتها الخاصة، أما الآن فالصورة تتخذ مظهراً أخر فلم ينحصر الاهتمام بالإنسان دون الإله فحسب، بل اقتصر - من الإنسان- على وضعه الدنيوي ومكانته الاجتماعية، على واقعه المعيشي وجزء معين من نزواته ورغباته والظروف المحيطة به التي يتأثر بها سلباً وإيجاباً.
هذا التحول من الإنسانية بمفهومها الكلي عند الكلاسيكيين، ومن الطبيعة والمثالية الفردية عند الرومانسيين إلى الإنسان العادي المشخص سيتخذ سريعاً صورة وثنية جديدة تعبد الإنسان وتحل محله الإله.
وكعادة أوروبا -لا تعرف الطريق السوي ولا الموقف الوسط- سقطت سقوطاً مفاجئاً من الفضاء السحيق إلى الوحل الهابط.
كانت الرومانسية تحاول تصوير أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من القوة والمثالية في مواجهة تحدي الإله أو الطبيعة أو حتى نزواته وأهوائه، فجاءت الواقعية لتصوره في أدنى ما يمكن أن يصل إليه من الهبوط في لحظات الضعف القاتلة.
كان يصارع الأقدار ويحاول إخضاع الطبيعة، فإذا به ينهزم بضعف أمام نزوة عابرة ولذة ساقطة.
لقد أخذ الواقعيون على الرومانسيين مآخذ -ليست بعيدة عن الحقيقة- فهم ينكرون عليهم إهمالهم لشئون الجماهير، وإغفالهم لحقوق الإنسان المهدرة، وسكوتهم عن المظالم التي يعج بها المجتمع في حين كانوا محلقين بأحلامهم بحثاً عن الجمال والروعة والمثالية، جاعلين هدفهم الأسمى الفناء في الطبيعة.
بل قالوا -والتاريخ يسعفهم بشيء من الأدلة- إن الرومانسيين كانوا من الطبقات الأرستقراطية أو من المقربين إليها، وكانوا شعراء
стр. 458
البلاطات وندماء الأباطرة، فهم وأدبهم جزء من ذلك الواقع الظالم الذي يجب رفضه إلى الأبد.
وأخذ عليها أنها في كل أعمالها الفنية كانت تقتصر على تصوير الإنسان المثالي واللحظة المثالية والمنظر المثالي، متناسية أن البشر المثاليين هم قلة نادرة في الناس، ومتخلية تماماً عن الإنسان السوي والحياة العادية بكل مشاكلها ومظاهرها إلى آخره، ما أخذوا وما نقدوا، فبالاعتماد على مثل هذه المبررات رفض أولئك الرومانسية وعابوا فنانيها، لكنهم لم يرفضوها -بالطبع- لأنها حركة وثنية متسترة، بل إن المتأمل لا يجد في تلك المبررات العديدة ما يشير إلى ذلك.
ولذلك فبديهي أن ينتقل الفن من انحراف إلى انحراف، ومن وثنية إلى أخرى شاء ذلك الواقعيون أم أبوا، ولعل في تتبعنا لخطوات الواقعية الأولى وملامحها ما يلقي الضوء على ما نقول.
الأهداف الأولى للحركة الواقعية:
شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التي انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسي بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع، وهذا ليس انحرافاً - بالطبع - بل هو أمر مطلوب، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذي اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية - هذا إذا سلمنا أن هدفهم هو تصوير المشكلة وعرضها، وليس شيئاً في أنفسهم يريدون تقديمه من خلال ذلك التصوير، (١) وهذا الموقف الذي يضعنا على أول الطريق إلى الوثنية المعاصرة - تركز في قضيتين متقاربتين:
стр. 459
الأولى: الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية، وذلك قد لا يعدو في الحقيقة أن يكون جزءاً من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً، وإذا كان بلزاك (١٨٥١) هو أحد الرواد للواقعية، فلنقتطف شاهداً على ما نقول من إحدى رواياته؛ وهو محاورة بين قسيس عجوز وامرأة لم توفق في حياتها الزوجية: "قال العجوز: على أي حال يا سيدتي الماركيزة، هل فكرت قليلاً في كتل الآلام البشرية؟ هل رفعت عينيك نحو السماء؟
قالت: لا يا سيدي إذ تثقل القوانين الاجتماعية بشدة على قلبي وتمزقه لي تمزيقاً، حتى لا أستطيع الارتفاع بنفسي إلى السموات، ولعل القوانين ليست في قسوة آداب المجتمع. أوه! المجتمع!
- علينا يا سيدتي: أن نطيع هذه وتلك، فالقانون هو الكلمة، والآداب هي أفعال المجتمع.
عادت تقول الماركيزة مبدية حركة اشمئزاز: طاعة المجتمع؟ هيه! يا سيدي: إن شرورنا جميعاً تنشأ عنه، لم يضع الله أي قانون للشقاء، ولكن عندما تجمع الناس بعضهم مع بعض أفسدوا عمله، (١) ونحن (نحن النساء) لقد عاملتنا المدنية بأسوأ مما عاملتنا الطبيعة به، فالطبيعة تفرض علينا الآلام البدنية التي لم تخففوها في حين أضافت المدنية المشاعر التي تخونونها باستمرار، إذ تخنق الطبيعة الكائنات الضعيفة على حين تحكمون عليها أنتم بأن تعيش كي تقوموا بتسليمها إلى شقاء دائم، ويؤدي الزواج - وهو نظام يرتكن إليه المجتمع - إلى إشعارنا نحن وحدنا بأثقاله، فللرجل الحرية، وللمرأة الواجبات، علينا أن نهبكم حياتنا بأكملها، وليس عليكم من حياتكم
стр. 460
نحونا إلا لحظات نادرة، ثم إن الرجل يختار هناك حيث نرضخ نحن عن عمى، أوه! يا سيدى لعلي أستطيع أن أقول لك كل شيء، فالزواج على نحو ما يطبق اليوم يبدو لي دعارة مشروعة منه تنبع كل آلامنا، وبعد أخذ ورد تعود الماركيزة فتقول للقسيس: " .. إنكم تفضحون المخلوقات المسكينة التي تبيع نفسها في مقابل بعض الدراهم لرجل عابر، فالجوع والحاجة تحللان هذه العشرة العابرة، هذا في حين يغفر المجتمع ويشجع الزيجات المباشرة برغم بشاعتها بين فتاة ساذجة ورجل لم تره أكثر من ثلاثة أشهر، فتباع طول حياتها، لا شك أن الثمن مرتفع إذا كنتم عندما تسمحون لها بالمكافأة على آلامها تقومون بتشريفها، ولكن لا ... إذ أن المجتمع يفتري على أفضل الفاضلات من بيننا! ذلك مصيرنا في وضوح من كلا وجهيه: الدعارة العامة والخزي والفضيحة، أو الدعارة الخفية والشقاء" (١).
والآن نستطيع أن نحكم بما إذا كانت واقعية بلزاك تهدف إلى تصوير مأساة بعض النساء أم تهدف إلى تصوير إفلاس رجل الدين وتهافت وفظاعة التقاليد، وليس غريباً بعد ذلك أن تصر معظم الروايات الواقعية على تصوير المجتمع في صورة العدو اللدود الذي يكبل الفرد ويحد حريته وتطلعاته.
الثانية: الهجوم المباشر على حقائق الدين: منذ بدء حركة النهضة نجد روح الكراهية للدين من قبل الأدباء والفنانين واضحة في إنتاجهم الشعري والفنى، إلا أن هذه الروح كانت تعبر عن نفسها من خلال الهجوم على رجال الدين، وفي القليل تجرأت على الهجوم المباشر على حقائقه، من ذلك ما رأينا في كوميديا دانتي وما سبق من قول