← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96612

العلمانية - نشأتها وتطورها

سفر الحوالي

Полный текст (715 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وثنية جديدة (وكل الكلام الجميل المعسول الذي قيل لتبرير هذه الوثنية: أن الطبيعة محراب الله وأن الجمال صورة الله، إننا نعبد الله في خلقه ... إلى آخر هذه الجمل الرومانتيكية البراقة، كل هذا الكلام لا يستطيع أن يخفي تلك الروح الوثنية الغارقة في الوثنية التي تعبد المحسوس في حقيقة الأمر، لأنها تعجز عن إدراك الله بالروح، والروح غنية عن المحسوسات) (١) ولقد عبر روسو -رائد الرومانسية- عن ذلك أوضح تعبير في راهب سافوي الذي هو صورة لذاته، إنه راهب بالفعل، ولكنه يختلف جذرياً عن رهبان الكنيسة، فهو راهب في صومعة الطبيعة يسبح بحمدها ويقدس لها. وفي كتابات روسو (الاعترافات مثلاً) وقصائد بوب (مقال عن الإنسان) وجوته (فاوست)، وكذلك كيتس ولامارتين وأضرابهم نماذج واضحة للمذهب الرومانسى في أوج مجده. ولما كان أعظم أثر للرومانسية ينحصر في رد الفعل الذي نجم عنها بولادة الأدب الواقعي اللاديني الحديث، فلن نفيض في الحديث عنها أكثر من هذا. (ب) الواقعية: كانت الرومانسية بخيالها الجانح صورة صادقة لعصرها عصر الهروب، الهروب من طغيان الكنيسة، الهروب من نير الإقطاع البغيض، الهروب من تقاليد الماضي المرير، (٢) وجاءت الثورتان الفرنسية والصناعية، وجاءت الحروب الدينية والقومية، وتغيرت ملامح الحياة تغيراً بارزاً، فكان لا بد لصورة الحياة الأدبية أن تتغير كذلك.

стр. 457

كانت أوروبا الكلاسيكية والرومانسية قد عادت كما أسلفنا إلى الوثنية، وعبدت الإنسان أو الطبيعة بطريقتها الخاصة، أما الآن فالصورة تتخذ مظهراً أخر فلم ينحصر الاهتمام بالإنسان دون الإله فحسب، بل اقتصر - من الإنسان- على وضعه الدنيوي ومكانته الاجتماعية، على واقعه المعيشي وجزء معين من نزواته ورغباته والظروف المحيطة به التي يتأثر بها سلباً وإيجاباً. هذا التحول من الإنسانية بمفهومها الكلي عند الكلاسيكيين، ومن الطبيعة والمثالية الفردية عند الرومانسيين إلى الإنسان العادي المشخص سيتخذ سريعاً صورة وثنية جديدة تعبد الإنسان وتحل محله الإله. وكعادة أوروبا -لا تعرف الطريق السوي ولا الموقف الوسط- سقطت سقوطاً مفاجئاً من الفضاء السحيق إلى الوحل الهابط. كانت الرومانسية تحاول تصوير أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من القوة والمثالية في مواجهة تحدي الإله أو الطبيعة أو حتى نزواته وأهوائه، فجاءت الواقعية لتصوره في أدنى ما يمكن أن يصل إليه من الهبوط في لحظات الضعف القاتلة. كان يصارع الأقدار ويحاول إخضاع الطبيعة، فإذا به ينهزم بضعف أمام نزوة عابرة ولذة ساقطة. لقد أخذ الواقعيون على الرومانسيين مآخذ -ليست بعيدة عن الحقيقة- فهم ينكرون عليهم إهمالهم لشئون الجماهير، وإغفالهم لحقوق الإنسان المهدرة، وسكوتهم عن المظالم التي يعج بها المجتمع في حين كانوا محلقين بأحلامهم بحثاً عن الجمال والروعة والمثالية، جاعلين هدفهم الأسمى الفناء في الطبيعة. بل قالوا -والتاريخ يسعفهم بشيء من الأدلة- إن الرومانسيين كانوا من الطبقات الأرستقراطية أو من المقربين إليها، وكانوا شعراء

стр. 458

البلاطات وندماء الأباطرة، فهم وأدبهم جزء من ذلك الواقع الظالم الذي يجب رفضه إلى الأبد. وأخذ عليها أنها في كل أعمالها الفنية كانت تقتصر على تصوير الإنسان المثالي واللحظة المثالية والمنظر المثالي، متناسية أن البشر المثاليين هم قلة نادرة في الناس، ومتخلية تماماً عن الإنسان السوي والحياة العادية بكل مشاكلها ومظاهرها إلى آخره، ما أخذوا وما نقدوا، فبالاعتماد على مثل هذه المبررات رفض أولئك الرومانسية وعابوا فنانيها، لكنهم لم يرفضوها -بالطبع- لأنها حركة وثنية متسترة، بل إن المتأمل لا يجد في تلك المبررات العديدة ما يشير إلى ذلك. ولذلك فبديهي أن ينتقل الفن من انحراف إلى انحراف، ومن وثنية إلى أخرى شاء ذلك الواقعيون أم أبوا، ولعل في تتبعنا لخطوات الواقعية الأولى وملامحها ما يلقي الضوء على ما نقول. الأهداف الأولى للحركة الواقعية: شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التي انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسي بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع، وهذا ليس انحرافاً - بالطبع - بل هو أمر مطلوب، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذي اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية - هذا إذا سلمنا أن هدفهم هو تصوير المشكلة وعرضها، وليس شيئاً في أنفسهم يريدون تقديمه من خلال ذلك التصوير، (١) وهذا الموقف الذي يضعنا على أول الطريق إلى الوثنية المعاصرة - تركز في قضيتين متقاربتين:

стр. 459

الأولى: الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية، وذلك قد لا يعدو في الحقيقة أن يكون جزءاً من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً، وإذا كان بلزاك (١٨٥١) هو أحد الرواد للواقعية، فلنقتطف شاهداً على ما نقول من إحدى رواياته؛ وهو محاورة بين قسيس عجوز وامرأة لم توفق في حياتها الزوجية: "قال العجوز: على أي حال يا سيدتي الماركيزة، هل فكرت قليلاً في كتل الآلام البشرية؟ هل رفعت عينيك نحو السماء؟ قالت: لا يا سيدي إذ تثقل القوانين الاجتماعية بشدة على قلبي وتمزقه لي تمزيقاً، حتى لا أستطيع الارتفاع بنفسي إلى السموات، ولعل القوانين ليست في قسوة آداب المجتمع. أوه! المجتمع! - علينا يا سيدتي: أن نطيع هذه وتلك، فالقانون هو الكلمة، والآداب هي أفعال المجتمع. عادت تقول الماركيزة مبدية حركة اشمئزاز: طاعة المجتمع؟ هيه! يا سيدي: إن شرورنا جميعاً تنشأ عنه، لم يضع الله أي قانون للشقاء، ولكن عندما تجمع الناس بعضهم مع بعض أفسدوا عمله، (١) ونحن (نحن النساء) لقد عاملتنا المدنية بأسوأ مما عاملتنا الطبيعة به، فالطبيعة تفرض علينا الآلام البدنية التي لم تخففوها في حين أضافت المدنية المشاعر التي تخونونها باستمرار، إذ تخنق الطبيعة الكائنات الضعيفة على حين تحكمون عليها أنتم بأن تعيش كي تقوموا بتسليمها إلى شقاء دائم، ويؤدي الزواج - وهو نظام يرتكن إليه المجتمع - إلى إشعارنا نحن وحدنا بأثقاله، فللرجل الحرية، وللمرأة الواجبات، علينا أن نهبكم حياتنا بأكملها، وليس عليكم من حياتكم

стр. 460

نحونا إلا لحظات نادرة، ثم إن الرجل يختار هناك حيث نرضخ نحن عن عمى، أوه! يا سيدى لعلي أستطيع أن أقول لك كل شيء، فالزواج على نحو ما يطبق اليوم يبدو لي دعارة مشروعة منه تنبع كل آلامنا، وبعد أخذ ورد تعود الماركيزة فتقول للقسيس: " .. إنكم تفضحون المخلوقات المسكينة التي تبيع نفسها في مقابل بعض الدراهم لرجل عابر، فالجوع والحاجة تحللان هذه العشرة العابرة، هذا في حين يغفر المجتمع ويشجع الزيجات المباشرة برغم بشاعتها بين فتاة ساذجة ورجل لم تره أكثر من ثلاثة أشهر، فتباع طول حياتها، لا شك أن الثمن مرتفع إذا كنتم عندما تسمحون لها بالمكافأة على آلامها تقومون بتشريفها، ولكن لا ... إذ أن المجتمع يفتري على أفضل الفاضلات من بيننا! ذلك مصيرنا في وضوح من كلا وجهيه: الدعارة العامة والخزي والفضيحة، أو الدعارة الخفية والشقاء" (١). والآن نستطيع أن نحكم بما إذا كانت واقعية بلزاك تهدف إلى تصوير مأساة بعض النساء أم تهدف إلى تصوير إفلاس رجل الدين وتهافت وفظاعة التقاليد، وليس غريباً بعد ذلك أن تصر معظم الروايات الواقعية على تصوير المجتمع في صورة العدو اللدود الذي يكبل الفرد ويحد حريته وتطلعاته. الثانية: الهجوم المباشر على حقائق الدين: منذ بدء حركة النهضة نجد روح الكراهية للدين من قبل الأدباء والفنانين واضحة في إنتاجهم الشعري والفنى، إلا أن هذه الروح كانت تعبر عن نفسها من خلال الهجوم على رجال الدين، وفي القليل تجرأت على الهجوم المباشر على حقائقه، من ذلك ما رأينا في كوميديا دانتي وما سبق من قول

стр. 461

رابليه، وكذلك هناك مسرحيتا موليير المتزمت وطرطوف، والأخيرة تصور نفاق رجل الدين وجشعه (١) ومثلها قصة صاحب الطاحون لشوسر، يقول مؤلف قصة الفكر الغربي: "يرد كثيراً في الأدب الشعبي الوسيط ذكر القسيس الجشع والقسيس الفاسق والقسيس المغرور الذي تشغله أمور الدنيا، وكذلك لا يعطينا شوسر صورة طيبة عن رجال الدين، ومع ذلك فلم يكن في كل هذا إلا قليل من المرارة، وإنما كان يرمي إلى إنزال القسيس إلى المستوى البشري العام، ولم يقصد إلى تحدى بناء المسيحية الفلسفي والديني أي: نظرتها الشاملة إلى الكون، كما قصد إلى تحديها في أيام فولتير وتوم بين ... " (٢). تم تطور الأمر أكثر من ذلك في كتابات عصر التنوير إلا أن رجل الدين - بمفاسده - لا يزال هو المنفذ إلى مهاجمة الدين، ويظهر ذلك جلياً في قصة الراهبة لديدرو زعيم الموسوعيين الفرنسيين التي مثلت في الستينات بباريس تحت اسم المتدينة بناءً على اعتراض الكنيسة (٣). وجاءت الواقعية فاتخذت دور الهجوم المباشر على حقائق الدين مقرونة بالتشهير برجاله أو منفردة عنها، وبدأ ذلك مبكراً وصريحاً، وها هو ذا جوستاف فلوبير يعطي الشاهد على ذلك في روايته مدام بوفاري التي حوكم بسببها آنذاك: ففي أحد فصولها: تسأل ربة النزل القسيس عما إذا كان يريد

стр. 462

جرعة من النبيذ فيتعذر وينصرف، وما أن اطمأن الصيدلي إلى أنه لم يعد يسمع وقع قدمي القس، حتى أبدى رأيه في مسلكه فوصفه بأنه ناب، فقد بدأ رفضه أبغض ألوان الرياء، إذ أن القساوسة يحتسون الخمر في الخفاء، ويحاولون أن يستعيدوا الأيام التي كانت الكنيسة تتقاضى فيها الضرائب من رعاياها. صاحبة النزل: إنه رغم قولك يستطيع أن يطوي أربعة من أمثالك على ركبتيه، لقد ساعد رجالنا على تخزين العشب الجاف. الصيدلى: مرحى، أرسلو بناتكم إذن ليعترفن أمام رجال من هذا الصنف (!)، لو كنت في مركز الحكم لأمرت بأن يفصد القساوسة في كل شهر، في سبيل مصلحة البوليس والأخلاق. - كف عن هذا يا مسيو هوميه، فأنت كافر لا دين لك. - بل لي دين، ديني الخاص، وإن لدى من التقوى ما يفوق ما لدى هؤلاء .. رغم نفاقهم ودجلهم، إنني على العكس أعبد الله، أؤمن بالكائن الأعلى، أؤمن بوجود خالق كيفما يكن كنهه، ولكني في غير حاجة لأن أذهب إلى الكنيسة ... لأسمن من مالي رجالاً لا يصلحون لشيء، إن المرء ليستطيع أن يهتدي إلى الله في غابة أو في حقل أو حتى بمجرد تأمل قبة الأثير .. إن إلهى هو إله سقراط وفرنكلين وفولتير وبيرانجيه، إنني من أنصار الإيمان الذي دعا إليه قس سافوا (روسو)، ومن المؤمنين بمبادئ ثورة (١٧٨٩م) الخالدة، ولا أستطيع أن أعبد إلهاً مزعوماً يسير في حديقته، وعصاه في يده، ويودع أصدقاءه أجواف الحيتان، ويموت صارخاً، ثم يبعث بعد ثلاثة أيام، هذه جميعاً في حد ذاتها سخافات تناقض تماماً كل قوانين الطبيعة. وفي هذا ما يوضح لنا ضمناً كيف أن القسس ظلوا دائماً متشبثين بجهل صلد

стр. 463

لا يلين، يحاولون أن يدفنوا البشر معهم في جوفه (١). على مثل هذا نمت الحركة الواقعية وترعرعت مصورة ومواكبة الحياة الأوروبية التي أخذت تتحلل من عقائد المسيحية الكنسية وأخلاقها شيئاً فشيئاً. ثالثاً: الأدب المعاصر من الواقعية إلى اللامعقول: إن أي باحث في الأدب المعاصر لا بد أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة وقوية أدت به إلى الحال الراهنة، وميزته عن المدارس والاتجاهات السابقة. وليس ضرورياً -بالطبع- أن تكون هذه المؤثرات أدبية محضة، فما دام الأدب هو صورة الحياة فإن كل التحولات التي طرأت على الحياة الأوروبية سوف يصحبها تحول مماثل في الفن والأدب، ويرى أحد النقاد الغربيين أن هناك أربعة من المفكرين يعود إليهم الفضل في الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة، هم داروين، وماركس، وفريزر، وفرويد (٢). والحق أن لداروين وفرويد خاصة أعظم الأثر في ذلك: أما الداروينية فإن الفلسفة الحيوانية التي بنيت عليها ولدت في النفسية الأوروبية شعورين عميقين لا يمكن للأدب الأوروبي مهما تعددت مدارسه ومناهجه إلا أن يكون تعبيراً عن أحدهما: ١ - حيوانية الإنسان التي تلغي المشاعر الروحية تماماً، وتجعل الكائن

стр. 464

البشري كتلة من اللحم كأي حيوان آخر، لا هم له إلا إرواء غرائزه البهيمية والحصول على أكبر قسط من المتاع الجسدي المحض. ٢ - والشعور بتفاهة الحياة وحقارتها، ونفي أية غاية سامية لوجودها، وهو الشعور الذي عبرت عنه مدارس الضياع المختلفة تحت أسماء وشعارات شتى. وأما الفرويدية فقد عمقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض، وصاغته في فلسفة نظرية منمقة تجعل الوصال الجنسي هو الغاية والوسيلة، وهو محور الحياة ومحور البحث ومناط التفكير وعلة العلل. وعمقت كذلك الشعور بالضياع والحيرة، فقد تركزت فلسفتها الجنسية حول الجوانب المجهولة - إن لم نقل المختلفة - كالعقل الباطن واللاوعي واللاشعور والأنا المثالية إلخ، وكأنها بذلك قدمت العوض المعاكس للإيمان والإحساس الروحي. وهناك غير ما سبق عوامل ومؤثرات كثيرة: فهناك الحربان العالميتان، وهما الكارثة التي حطمت القيم والأعراف والقوانين، وأذهلت بفظائعها المروعة عقول البشر، ولا يزال التهديد الذري واحتمال نشوب حرب ثالثة يسيطر على مخيلة الناس ويؤرق شعورهم. وهناك التفسخ الاجتماعي، حيث الأسرة محطمة، والمشاعر النبيلة مفقودة، والتنافس الضاري على أشده، مما جعل الإنسان يعيش في دوامة رهيبة من القلق لا يجد موطئ قدم تسكن نفسه إليه منذ ولادته حتى مماته.

стр. 465

وهناك -أيضاً- النظريات العلمية الجديدة لا سيما النسبية ودورها يتجلى في أنها أفقدت الناس قيمة الأحكام المطلقة والإيمان والثقة في أية أسس ثابتة وعامة، ثم إنها تستعمل في بحوثها عن الكون والإنسان أرقاماً مذهلة يعجز العقل عن تصورها، وتتكلم بلغة محيرة مربكة تجعل المرء فريسة تناقض حاد بين إيمانه الوثيق بعلميتها وصدقها وبين عجزه عن إدراك مدلولاتها وتفسير معمياتها. وهناك الوسائل الفنية الجديدة، كالسينما والتليفزيون والصحافة المتطورة ودور النشر الكبيرة، تلك التي جعلت تعميم المادة الأدبية وذيوعها أمراً ميسوراً للغاية وخلقت جواً من التنافس بين المؤلفين والمنتجين والرسامين: بهذه المؤثرات جميعاً تأثر الأدب المعاصر وانفصل بالتالي عن الدين انفصالاً حاسماً ومهما قيل في تعداد مدارسه ومذاهبه، فإنه يتذبذب بين اتجاهين رئيسين هما: الإباحية والضياع، ويطلق النقاد على الأدب المعاصر في الجملة مسمى اللامعقول، وهو إطلاق له ما يبرره لاسيما في مدارس الضياع، ولا يرون أي تناقض بين ذلك وبين وصفه بأنه أدب واقعي، فإن واقعية القرن العشرين تتجلى في لا معقوليته. والواقع أن الارتداد من الواقعية إلى اللامعقول يشبه الانتقال من الكلاسيكية إلى الرومانسية مع اختلاف صوري فقط، على أن رباط الوثنية يظل هو الرباط المشترك بين الجميع. أولاً: الاتجاه الإباحي: في كل مراحل التاريخ الأدبي الأوروبي لم ينفك الفن عن الإباحية، إلا أن صورها كانت تختلف وتسير متطورة ولكن إلى أسفل، وما أصدق قول برنتن:

стр. 466

إن الخشونة والفحش من الصفات الدائمة تقريباً في ثقافتنا الغربية (١) فالأغاني البذيئة والمسرحيات الوضعية في عصر النهضة تعقبها عبادة اللذة والجمال في الرومانسية، ثم تصبح الدعوة صريحة إلى الفجور والفاحشة في الأدب الواقعي، وتظل صورتها تكبر وتسفل حتى تصل إلى الأدب المكشوف. وبذلك بعدت الشقة جداً بين رهبانية الكنيسة والفن، وصار بينهما هوة لا قرار لها، وإذا عرفنا أنه ما تزال نسبة تمثال افروديت إلهة الحب! عند الإغريق هي المقياس لأجساد ممثلات هوليود، (٢) فلن يخفى علينا ارتكاس هذا الاتجاه إلى الوثنية. ولنبدأ بالطريق من أوله -متجاوزين عصر النهضة- لنجد تلك المجموعة من الأدباء في العصر الحديث الذين كرسوا فنهم وحياتهم للإباحية. فهناك الفريددي موسيه شاعر الليالي الذي كان أبيقورياً بأوسع معاني الكلمة، ومعاصروه أمثال بروسبير صاحب قصة كولومبيا وألكسندر دوماس الكبير والصغير، والأخير مشهور بقصة غادة الكاميليا وفلوبير صاحب مدام بوفاري ومعهم الكاتبة العربيدة جورج ساند صاحبة ليليا وأنديانا وينبغي ألا ننسى ستندال صاحب الأسود والأحمر وأوسكار وايلد (٣). وكل أدب هؤلاء محصور في تمجيد الرذيلة وتبرير أعمال العاهرات والإشفاق عليهن، ودخل هذا الاتجاه مرحلة أتم بالمدرسة

стр. 467

الطبيعية التي يتزعمها الكاتب اليهودي إميل زولا صاحب الأرض والبهيمة وغيرها، وهي مدرسة إباحية متخصصة. وعن هذا الاتجاه يقول أحد عظماء الأدب الأوروبى تولستوي سنة ١٨٩٨: أصبح المقياس الوحيد للفن الجيد والفن الرديء هو اللذة الشخصية، فالخير هو ما يبعث اللذة في نفوسهم وهذا هو الجميل، وبذا ارتدوا إلى تصور الإغريق البدائيين الذين أدانهم أفلاطون، وطبقاً لهذا الفهم في الحياة تكونت نظرية في الفن ويقول: (١) ويقول: "إننا نشبه الفن المعاصر - مع غرابة هذا التشبيه - بامرأة تبيع جسدها لإرضاء الذين يبتغون اللذة بدلاً من أن تجعله مستودعاً للأمومة، فالفن المعاصر يشبه العاهر في أدق التفاصيل، فهو مثلها ليس وقفاً على عصر معين، وهو مثلها مبهرج، وهو مثلها قابل للبيع دائماً، وهو مثلها كله إغراء وكله هدم" (٢) س. ثم جاء فرويد، وجاءت الحرب الأولى، فاكتسب هذا الاتجاه قوة، واستشرت رذائله في الأوساط العامة وانهال الإقبال على إنتاجه الرخيص، ووجدها الهدامون والمتكسبون فرصةً لنفث سمومهم واستغلال مشاعر الناس واللعب بعواطفهم وإثارة غرائزهم، ويبرز هنا اسم ديفيد هربرت لورانس ١٩٣٠، الذي كتب عدة روايات منها: أبناء وعشاق وعشيق ليدي تشارلي والأخيرة أثارت ضجة كبرى في إنجلترا بسبب جرأتها المتناهية في تصوير العسلاقات الجنسية ولم تنشر كاملة إلا مع بداية الستينات (٣).

стр. 468

وبعده طلع ولسن بمذكرات مقاطعة هيكث سنة ١٩٤٦ التي صادرتها محكمة القضايا الخاصة بعد أن بيع منها خمسون ألف نسخة في نحو أربعة أشهر، وهى تصور بالتفصيل الدقيق كما قال هايمان: عشرين دوراً من أدوار العملية الجنسية يقوم بها أربع عاهرات ... !! (١) وهناك عدد لا يحصى ممن تفننوا في تصوير أعمال الدعارة والعهر مبررين ومسوغين، وأوقفوا حياتهم الأدبية لذلك، حيث الجمهور يتلهف لقراءتها والمنتجون يتسابقون لإخراجها مشاهد حية، ولا غرابة في أن أكثر الروايات الأدبية العالمية انتشاراً هي أكثرها إسفافاً ورذيلة. وهذا كله في نطاق الأدب الجاد أو الهادف الذي يعد جزءاً من التراث الحضاري البشري والذي تكتبه شخصيات أدبية مرموقة، وترصد له الجوائز والمسابقات الدولية والقومية، ويكتب له النقاد والمعلمون. أما ما يسمى أدب الجنس أو الأدب المكشوف الذي لا يصح أن يسمى أدباً بحال، فهو في كل العالم الغربي ملء السمع والبصر، يملأ الحوانيت، ويستنفذ الصحافة، ويسيطر على دور العرض السينمائي، ويستغرق أوقات الملايين من الناس، حتى الأطفال تكتب لهم مسلسلات جنسية وروايات جنسية ومسرحيات جنسية. ثانياً: الاتجاه الضائع: لم تستطع كل المذاهب الفكرية والفلسفات الاجتماعية أن

стр. 469

تعطي الإنسان المعاصر -أو القرد حسب تعبير كامو- أي نوع من أنواع الثقة والاطمئنان. بل على العكس كان دورها الفعال ينحصر في اجتثاث موروثات الكنيسة الهشة، التي كانت رغم هشاشتها تقدم شيئاً من الاستقرار والثقة في المصير. وكانت العوامل النفسية والاجتماعية التي أشرنا إليها سلفاً تهدم كل أمل في الوصول إلى السعادة والإيمان بالقيم المجردة أياً كانت. وأمام العملاق الميكانيكى الرهيب وسيطرة الآلة الطاغية شعر الإنسان بأنه قد سحق وأن وجوده قد تضاءل إلى حد أدنى مما كان عليه وهو يواجه جبرية الكنيسة واضعاً مصيره بين يدي قدرها المحتوم. وهنا تحققت نبوءة شبنجلر وتكهنات أورويل عن مستقبل الجنس -أو القطيع- البشري، وأصبح مشكلة الإنسان العظمى في الحياة هي وجوده حياً، فالكلمة التي قالها أوغسطين: أصبحت أنا نفسي مشكلة بالنسبة لنفسي، لم تعد خاصة بالفلاسفة بل باتت ترددها شفاه الفرد العادي من أجيال الضياع! ويتساءل الأديب المعاصر: هل لحياتنا معنى؟ ما هو؟ ما هو مكان الإنسان في العالم؟ هنا يظهر حالاً لماذا كانت الأغراض البلزاكية مطمئنة أنها تنتمي إلى عالم يكون الإنسان فيه سيداً وهذه الأغراض كانت أموالا وأملاكاً لا هم إلا امتلاكها والاحتفاظ بها ...... وكانت ثمة هوية ثابتة بين هذه الأغراض ومالكها، صورة بسيطة هي في الوقت ميزة ووضعية

стр. 470

اجتماعية، كان الإنسان سبب كل شيء مفتاح الكون وسيده الطبيعي بالحق الإلهي، أما اليوم فلم يبق الكثير من كل هذا. ومع ذلك فهو يتبجح قائلاً: "إننا لا نؤمن أبداً بالمعاني الجامدة الجاهزة التي يقدمها النظام الإلهي القديم للإنسان وعلى أثره نظام القرن التاسع عشر العقلاني، ولكننا نضع كل أملنا في الإنسان، إن الأشكال التي خلقها هي التي تستطيع إعطاء العالم معنى" (١) وهذا هو دستور اللامعقول. إن الأدب المعاصر يرفض الإيمان بالمعاني المحددة والقيم الثابتة المجردة تبعاً لعدم إيمانه بهدف كوني ثابت، إنه لا يريد أن يؤمن بذلك الهدف سواء في صورة القدر بالشكل الذي تقرره لاهوتيات الكنيسة، أو في صورة المثال كما تخيله أفلاطون وفلاسفة الاغريق، ففي نظر أدباء الضياع ينبغي ألا يكون هنالك إرادة تسير الحياة الإنسانية على خطة مرسومة إلى هدف مقصود، كما أنه ليس هناك نموذج سامٍ يفوق الإدراك تكون الحياة الحسية انعكاسه وصورته الموازية له. والسبب الذي دفعهم لإنكار ذلك هو توهمهم أن الإيمان بشيء منه يتعارض مع ما زعموه حرية الإنسان من جهة، ومع ما يظهر في الكون من تناقض وتقلب تعجز عقولهم عن تفسيره من جهة أخرى. ولم يظل هذا الاعتقاد فكرة مجردة، بل بني عليه الدستور العلمي للفن الذي ينص على أن الفن للفن، يقول يعضهم تحت عنوان: الالتزام الوحيد الممكن للكاتب هو الأدب: ليس من الصواب الزعم أننا نخدم في رواياتنا قضية سياسية مهما كانت قضية تبدو لنا عادلة، وحتى لو كنا في حياتنا السياسية نحارب

стр. 471

في سبيل انتصارها، إن الحياة السياسية تضطرنا دون انقطاع إلى افتراض معاني (كذا) معروفة: معاني تاريخية، معاني أخلاقية، إن الفن أكثر تواضعاً أو أكثر طموحاً، ففى نظره ليس هناك من شيء، معروف مسبقاً، وقبل العمل لا يوجد شيء، لا يقين ولا قضية ولا رسالة، فالظن أن عند الروائي شيئاً يريد أن يقوله، وأنه يبحث بعد ذلك كيف يقوله يمثل أخطر عمل مناقض للحقيقة (١). هذا الإحساس بالضياع وعدم الانتماء في عالم يعج بالمعضلات الحضارية والمآسي الإنسانية، جعل الرواية المعاصرة تتخذ بطلها من نوع آخر ملائم لاتجاهها، ويستطيع المرء أن يعد نوعية البطل مؤشراً حقيقياً لتحديد الانتماء الفني وتطوره، فالأدب الكلاسيكي كان بطله هو ما يدل عليه المعنى الأصلي لكلمة بطل، ثم حولت الرومانسية بطلها إلى العاشق أو الصوفي، أما بطل الرواية الواقعية فهو غالباً الشهواني أو المادي، وفي أدب الضياع المعاصر نجد أن البطل هو الصعلوك أو المتشرد، أو هو -إجمالاً- ذلك الإنسان الذي مصيره الخيبة والدمار. أمثلة من أدب الضياع (٢): تصور أزمة إنسان عادي كان يعيش حياة طبيعية كسائر الناس يفاجأ برجال شرطة غريبين يلقون القبض عليه ويحاول عبثاً أن يعرف السبب، ويحدث أن تحال قضيته إلى محكمة غريبة في أشخاصها

стр. 472

وقانونها وبنائها، ويظل يترافع مدافعاً عن نفسه دون أن يعرف ماهية القضية، ويظل رهن الاعتقال إلا أنه اعتقال غير مألوف، فهو حر مأسور في آن واحد، يخضع للملاحقة والمتابعة في كل مكان، ويظل يشكو حاله لمعارفه وأصدقائه ويبحث عن محام قدير، لكنه يكتشف -يا للمصيبة- بأن معارفه كلهم أعضاء مجهولون في المحكمة الغريبة! حتى رجل الدين الذي لقيه صدفة في إحدى الكنائس، هو أيضاً عضو في المحكمة، وبعد فصول طويلة معقدة من المحاكمة ومع أنه لا يزال يجهل التهمة تنتهى حياة المتهم (١) بأن يقتاده مجهولان ويغتالانه خارج البلدة، وكانت آخر كلمة قالها (مثل الكلب) يعني: نفسه. وتنتهى صفحات الرواية وفصول المحاكمة مبتورة، والموضوع لا يزال معلقاً فهي في الحقيقة لم تتم ولا يريد كافكا أن تتم! والقضية، في حقيقتها، هي قضية الوجود الإنساني على هذه الأرض، قضية الحياة ذاتها كما تبدو للإنسان اللامنتمي، فمن خلال رؤيته يبرز إلى الوجود دون سابق استشارة، ويظل رهن الحياة تتقاذفه أقدارها ويطويه الليل والنهار، وهو قابع في متاهة يلهث ويتحسر حتى يداهمه الفناء المحتوم، دون أن يعرف السر في وجوده والقضية التي لأجلها جاء ثم ذهب واضمحل! ٢ - الشيخ والبحر "همنغواي": هنا يأتى اللامنتمى بنموذج آخر لتصوير المأساة الإنسانية وتجسيد المعضلة والمنعطف للحضارة البشرية، حيث تكون الكارثة والخسارة الفادحة هي النتيجة والثمرة من عمر طويل وخبرة كافية وصراع مرير في الأعماق!

стр. 473

فالشيخ الصياد أفنى عمره في منازلة أقدار البحار، وقد توغل هذه المرة في أعماق المحيط لا تنقصه الخبرة ولا يعوزه السلاح، غير أنه يظل متشبثاً بإصرار مميت على أن تفوز شبكته بأكبر نصيب، وبعد معاناة قاسية ومغامرات مضنية يظفر بما يروي أحلامه، ويجنح بزورقه طالباً بر الأمان، لكنه يفاجأ بعقبات ومهاجمات شتى تجعل الاحتفاظ بالصيد أعظم مخاطرة من الحصول عليه، وينفذ زاده وتتحطم بقايا سلاحه وتخور قواه والتماسيح والقرشان العظيمة لا تكف غاراتها الشرسة على زورقه، وأخيراً وبعد جهد جهيد وجراح بالغة يصل إلى الشاطئ وليس لديه من الصيد الثمين إلا هيكله العظمي في حين قد فقد كل شيء!! وكما صور همنغواي أزمة الحضارة البشرية وأزمته الشخصية فقد تقمص شخصية الشيخ الخاسر، وآثر أن يغادر الحياة بعد أن ظهرت له أعراض الكارثة، ولم يجد وسيلة إلا أن يبادرها بالانتحار (١). ٣ - الساعة الخامسة والعشرون: رواية طويلة ألفها الكاتب الروماني كونستانتان جيورجيو وهي من أعظم الأعمال الأدبية التي تناولت بالتحليل المستفيض والتصوير الدقيق مأساة الضياع المتمثل في انهيار الحضارة الغربية وسحق إنسانية الإنسان، يقول فيها: إنني أشعر أن حدثاً خطيراً قد وقع حولنا، إنني أجهل أين انفجر ومتى بدأ وكم يدوم؟ لكنني أشعر بوجوده، لقد أخذنا في الدوامة ولسوف تمزق هذه الدوامة جلودنا وتحطم عظامنا الواحد تلو الآخر، إنني أشعر بهذا الحدث الهائل شعوراً لا يضاهيه إلا إحساس

стр. 474

الجرذان المسبق الذي يدعوهم إلى هجر مركب على وشك الغرق، لن يكون لنا أي مأوى في أي مكان في العالم (١). ويصور جورجيو سبب المأساة بأن التقدم الآلي المجرد من القيم وتفوق الآلة الطاغي على الإنسان وذبول إنسانيته أمامها، كل هذا سيفضي بالمجتمع البشري إلى نهاية مرعبة، إذ يظهر سلالات من نوع خاص لا هي بشرية ولا هي آلية، أسماها المؤلف الرقيق التكني وبحكم كثرة الرقيق التكني، فإنه سوف يثور للسيطرة على العالم وسينتصر فعلاً، ويعود البشر الحقيقيون أقلية ضئيلة على الأرض: المجتمع الحديث الذي يحوي على رجل واحد مقابل كل ثلاثين عبداً تكنياً، ينبغي أن ينظم وأن يعمل حسب النظم التكنية لأنه مجتمع خلق وبني على احتياجات ميكانيكية وليست إنسانية، وهنا تبدأ الفاجعة (!!) إن المخلوقات البشرية مرغمة على الحياة والتصرف وفق قوانين تكنية غريبة عن القوانين الإنسانية (٢). وعندما يثور العبيد الآليون فماذا ستكون النتيجة؟ إن هذه الثورة ستحدث على سطح الأرض كلها، ولن نستطيع الاختفاء لا في الغابات ولا في الجزر ولا في أي مكان، لن تستطيع أمة في العالم أن تحمينا (!!) سوف تشكل جيوش العالم كله من مأجورين يناضلون ويكافحون من أجل تدعيم المجتمع الآلي الذي لن تعيش فيه الفردية، ولعل هذا العصر هو الفترة الأكثر ظلمة في تاريخ البشرية، إذ لم يحدث لحد الآن أن احتقر الإنسان إلى هذا الحد. والحياة البشرية لم تعد لها قيمة إلا بوصفها مصدر حركة، والقياسات

стр. 475

أضحت علمية محضة، وهذا هو قانون بربريتنا الآلية المظلمة ولسوف نصبح بعد النصر الكلي عبيداً آليين (١). ثم يتحدث المؤلف عن سلالة المواطنين في الشرق والغرب، في أمريكا وروسيا في ظل الشيوعية والديمقراطية على حد سواء فيقول: "إن الانسان لم يستطع السيطرة على كل الحيوانات المفترسة، غير أن حيواناً جديداً ظهر على سطح الأرض في الآونة الأخيرة، وهذا الحيوان الجديد اسمه المواطنون، إنهم لا يعيشون في الغابات ولا في الأدغال ولكن في المكاتب، ومع ذلك فإنهم أشد قسوة ووحشية من الحيوانات المتوحشة في الأدغال، لقد ولدوا من اتحاد الرجل مع الآلات، إنهم نوع من أبناء السفاح (!!) وهم أقوى الأصول والأجناس الموجودة الآن على سطح الأرض، إن وجههم يشبه وجه الرجل، بل إن المرء غالباً ما يخلط بينهم، ولكن لا يلبث المرء حتى يدرك بعد حين أنهم لا يتصرفون كما يتصرف الرجال بل كما تتصرف الآلات، إن لهم مقاييس وأجهزة تشبه الساعات بدلاً من القلوب وأدمغتهم نوع من الآلة، فهم بين الآلة والإنسان، ليسوا من هذه ولا ذاك، إن لهم رغبات الوحوش الضارية مع أنهم ليسوا وحوشاً ضارية بل إنهم مواطنون ... إنها سلالة اكتسحت الأرض". والنتيجة التي يستخلصها المؤلف من وجود هذه السلالة هي: أن كلمة مواطن لم تعد مرادفة لمعنى إنسان (٢) ويتعرض المؤلف في روايته الطويلة لضروب الإفلاس والضياع التي ستمنى بها البشرية في كل ناحية، في الاجتماع والسياسة، في

стр. 476

الإبداع والشعر في الإنسانية. في كل شيء، ويقول: "إن كل ما تستطيع الحضارة تقديمه للإنسان: الأصفاد" (١). وينبغي أن نشير هنا إلى عدة أعمال فنية في الاتجاه نفسه لا تقل عما ذكرنا: قلعة أكسل لأدموند ولسن، البحث عن الزمن الضائع لبروست، والعالم الطريف آلدوس هكسلي وكوكب القردة لبيريل بيل ورحلة في دنيا المستقبل لويلز. وعلى مستوى المسرحية تجد البيت المحطم للقلب، وهي إحدى مسرحيات شو ويعرض فيها إفلاس حضارتنا الحديثة كما تجلَّى عقب الحرب الكبرى (٢). أما الشعر فيلمع اسم اليوت وقصيدته اليباب أو الأرض القفر ( The Waste Land) وقد كان لهذه القصيدة أثر كبير في الشعر الحديث، وهى تصور مشكلة الإنسان المعاصر الذي يبدو للشاعر تافهاً مشلول القوة محطم الإرادة يعيش في عالم يستحق الفناء. نماذج من مدارس الضياع: ١ - الوجودية: ليست الوجودية - كما حددها سارتر في الوجودية مذهب إنساني (٣) سوى صورة من صور الضياع، وحتى إن صدقنا زعمها أنها ثورة الإنسانية ضد كل ما هو لا إنساني فهي ليست إلا ثورة سلبية يائسة، لم تستطع أن تشخص الداء فضلاً عن تقديم الدواء، وكل ما تستطيع أن تقول بصدق إنها قدمته للإنسانية هو عرض وإبراز

стр. 477

بعض جوانب المأساة البشرية، تلك المأساة التي تعبر عنها جملة واحدة (البحث عن الإله) فهي ترفض الإيمان بالله كما تصوره الأديان ولكنها لا تجد البديل، والإنسان الذي تحاول تأليهه محصور مقهور أمام القدر الكوني وأمام سيطرة الآلة وأمام وضعه التاريخي المحدد، وحول إيجاد مخرج من هذا التناقض تأتي الفلسفات الوجودية بشعارات شتى، كالحرية عند سارتر والعبث عند البير كامو. وما دامت الوجودية أولاً وأخيراً تعبيراً عن الضياع والإفلاس، فلنأخذ أحد أبطال البير كامو نموذجاً للإنسان الوجودي المتمثل في كامو نفسه: "إننى لأفكر أحياناً بما سيقوله عنا مؤرخو المستقبل، فعبارة واحدة تكفي لوصف الإنسان الحديث، كان يجامع ويقرأ الصحف، وبعد هذا التعريف لن يكون ثمة مجال لمزيد من البحث" (١)، "كان وجودي يتألف من الجسد بصورة خاصة، وهذا يفسر توافقي الداخلي وتلك السهولة في تصرفاتي التي كان الناس يشعرون بها .... " كن واثقاً من أنني أتصرف بسهولة في كل شيء ولكنني في الوقت نفسه لم أكن لأقنع بشيء، كانت كل غبطة تجعلني أشتهي أخرى، وقد تنقلت من بهجة إلى بهجة، وكنت في بعض المناسبات أرقص ليالي كاملة ويزيد جنوني أكثر فأكثر بالناس والحياة، وفي بعض الأحيان حين يتأخر الوقت على تلك الليالي وحين يملؤني الرقص والنشوة الخفيفة وحماستي الوحشية وانطلاق الجميع بعنف بنشوة ذاهلة تعني، كان يلوح لي في اللحظة التي أكون فيها منهوكاً وبسرعة البرق، أنني كنت أفهم سر المخلوقات والعالم، ولكن التعب كان يختفي في

стр. 478

اليوم التالي ويختفى معه السر وأعود إلى الاندفاع من جديد (١). والمرء حين يكون صاحياً مزوداً بالقليل من المعرفة الذاتية، غير قادر على العثور على سبب واحد لإسباغ الخلود على هذا القرد الشهواني (يعني: نفسه) عليه أن يبحث عن بديل لذلك الخلود، ولأنني كنت أحن إلى الحياة الأبدية، كنت أذهب إلى الفراش مع البغايا وأشرب الخمر ليالي بكاملها (٢). آه يا عزيزي، إن عبء الأيام مخيف بالنسبة لمن هو وحيد بدون إله، بدون سيد، ولهذا يجب على المرء أن يختار سيداً، إلهاً بدون مميزاته المألوفة، ثم إن تلك الكلمة قد فقدت معناها ولم تعد تستحق أن يجازف المرء بصدم أحد بها (٣). ٢ - الرمزية: مدرسة ظهرت أصلا في القرن التاسع عشر رد فعل للنزعة الميكانيكية التي ادعت الإحاطة بفهم الكون وتفسيره عن طريق العقل والعلم، وأنكرت كل ما يندرج تحت سلطة المنطق وإدراك الحواس، إذ اعتقد الرمزيون أن تلك النزعة قاصرة عن تفسير الواقع فضلاً عن العوالم المجهولة في الكون والنفس، وحملهم ذلك إلى الشعور بأن وراء الإمكان الإيجابي سراً لم يكشف ومجهولاً لم يستكنه، وإلى جانب هذه النزعة إلى المجهول أدلى علم السكيولوجيا بأن في الإنسان حالتين: واعية ويدركها العقل والإيجاب، وغير واعية قصر العقل عنها، وقد تكون هذه الزاوية في الإنسان هي الحقيقة، وقد يكون الواقع

стр. 479

الموضوعي سراباً (١) على هذا الأساس قام الأدب الرمزى محاولاً تطويع اللغة. والأحداث للتعبير عن الحقائق المجهولة التي تلح الفطرة عليها بينما هي -في نظرهم- ستظل مجهولة إلى الأبد ولا وسيلة قط إلى تقريبها إلا هذا الأسلوب، ومن أشهر زعمائها بودلير ورامبو. ٣ - السريالية: مدرسة حديثة تهتم أكثر بالشعر والرسم، تبتدئ من الخط الذي تبتدئ منه الوجودية، ولكنها تفترق عنها في الإيغال في اللامعقول والإعراض عن الخوض في حقائق التاريخ والمشادات الفكرية والبحث المنطقي فيما يفوق الإدراك إلى الخوض في أعماق المجهول بلا موضوعية. والأصل في هذه الحركة هو نظرية فرويد عن العقل الباطن، فالسريالية تريد أن تجعل من العقل الباطن الحقيقة النفسية بالذات، وتحول الفن إلى كتابة آلية لإيضاحه. ولم يكن مطمعها الأول أن تؤسس نزعة إنسانية جديدة، أي: أن تعطي العالم تلاحماً (إتجاهاً)، لقد كانت على العكس تعارض كل تلاحم بحالة سخط لتغيير الحياة وبلوغ ما فوق الواقع الذي يلغي التناقضات التي مزقت الإنسان: واعٍ ولا واعٍ، أنا وعالم، طبيعي وما فوق الطبيعي (كذا). أشهر شعرائها بريتون وأراغوان، وقد حدد بريتون الطريق الوحيد للبحث عن المطلق بأنه: إملاء الفكرة في غياب كل رقابة يمارسها العقل (٢).

стр. 480

٤ - أدب التفسخ: نوع من أدب الضياع يميل إلى التشاؤم والابتذال، ويتميز بأن أبطاله هم نوع من الكائنات التي فقدت الثقة بنفسها وبمستقبلها، والتي لا تؤمن أبداً بإمكان قيامها اليوم بحياة إنسانية. وقد جعل روائيوه عملهم في الوسوسة الفيزيولوجية واستغلال بؤس البهيمة البشرية، كأنهم جعلوا شعارهم شعار أبطال ريمون: غير أن ليست الخليقة شيئاً إلا بالأحشاء التي تقودها، كأنه لا يوجد على الأرض شيء يرتاد أجمل من أمعاء إنسانية كلها حيوانية ومن بالوعات المدن الكبرى!! (١) ٥ - أدب المستحيل: اتجاه حديث ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثراً بفظائعها، ترتكز فلسفته على الإلحاد القانط واعتقاد أن الإنسان هو ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه. يقول معجم الأدب المعاصر: والمستحيل وأساطيره لم تسيطر عبثاً منذ عشرين سنة (أي:١٩٤٥) على أدب قد نما تحت لواء الدعوى فإذا كان كتاب كامو هو الكتاب المفتاح لعام ١٩٤٧ فلأنه كان يحمل آنذاك، تلك الفكرة القائلة: أن كل مجتمع في هذه الأيام يحمل جحيمه في نفسه، وأن كل مدينة يمكن أن تموت بالطاعون، إن أجيال ما بعد الحرب لا تزال تبدو تحت ضرب عاقبة جرح السنوات الأربعين، ما فائدة الصراع والصلاة والتأمل والإيمان؟! فالعالم الذي تتعذب فيه الناس ويموتون هو نفسه العالم الذي يتعذب فيه النمال وتموت، عالم طاغ وغير مفهوم. عشرون سنة ودخان هيروشيما يعلمنا أن العالم ليس جدياً

стр. 481

ولا دائم البقاء - إن ملاحظة روجيه نيميه هذه قد أبداها جيل بكامله جيل أبناء المستحيل (١). ٦ - الأدب العدمي: نوع آخر أكثر تشاؤماً وقنوطاً، إنتاجه هو عبارة عن ذلك العمل المؤلم الذي يصرخ بصوت عال في كل صرخة من صرخاته المبتورة إن الإنسان قد مات، وحيث ما من شيء ولا شخص ولا لغة على الخصوص تستطيع إغاثة ذرة الوجود تلك التي انكمشت في استحالتها الأساسية، وتعلن أنها تنتمى إلى العدم وأنها ستعود إليه وإلى الأبد، وأنها لا تتخيل نهاية أخرى سوى نهاية القذارة التي تنتظر صيد الماء؟ (٢) ٧ - أدب الهروب والحلم: صورة أخرى من صور الضياع يقول عنها المصدر السابق: إنه أدب لا يرفض أخلاق وغيبية أبائنا فقط، ولكنه يرفض الحقيقة النفسية وواقعية ملاحظته، يرفض فهم الأجهزة الآلية للروح؛ لأنه ليس هناك إيمان بعمل النفس يراد التقاط الحياة في منبعها والجثوم مباشرة على الزخم الحيوي وإمساك جذور الوجود المعقدة، إنها صوفية بدون إله. أشهر رواده بلانشو وباتاي والأخير: كان يحلم بشعر ينكر الطبيعة وبمطلق يستغني عن القيم (٣). هذا وهناك مدارس واتجاهات أخرى كالتكعيبية والمستقبلية ... إلخ، لا تختلف في جوهرها عما سلف.

стр. 482

- الفصل السادس: ماذا بقي للدين: ماذا بقي للدين؟ هذا هو السؤال الذي يراودنا الآن بعد تلك الرحلة الطويلة! لقد رأينا كيف استؤصلت جذور الدين من كل مجال من مجالات الحياة: في السياسة والاقتصاد، وفي الاجتماع والأخلاق، وفي العلم والفن، فماذا بقي للدين بعد ذلك؟ هل بقي له شيء يذكر سواء على الصعيد النظري أو في واقع الحياة؟ (١). أما على المستوى العلمي والفكري فإن أوروبا -شرقها وغربها- قد استبعدت بصفة مطلقة أن تكلف نفسها البحث في أية قضية من القضايا منطلقة من الدين أو متأثرة به، وأن تستفتي الدين في أي شأن من الشئون. فالعداوة التقليدية المريرة بين الكنيسة والعلم قضت على كل احتمال من ذلك، والمبدأ الأساسي الذي قامت عليه الحياة الأوروبية المعاصرة هو عبادة الهوى وتحكيمه من دون الله، فالإنسان المعاصر الذي شب عن الطوق واستغنى عن الإله لم يعد بحاجة إلى الرجوع إليه ..

стр. 483

ليكتب أي باحث ما شاء: نظرية، نقداً، خرافة، لغواً ساقطاً، مجوناً، وفحشاً ... إلخ أي شيء، وليبد رأيه بكل حرية ما دام لا ينبع من المنطقة المحرمة: منطقة الدين، منطقة الحلال والحرام. ومن هنا جاءت كلمة: جورج سانتياتا وهو يلخص المزاج الثقافي للعصر: "إن حياتنا بكاملها وعقلنا قد تشبعا بالتسرب البطيء الصاعد لروح جديدة هي روح ديمقراطية دولية متحررة وغير مؤمنة بالله" (١). وهكذا نجد الباحثين العلميين -حتى من كان منهم يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد- يكتبون في كل التخصصات من منطلق العداوة العمياء للدين: فالذي يتحدث في علم النفس يقول: إن الدين كبت ينبغي أن يحطم لكي لا يؤذي الكيان النفسي للفرد! والذي يتحدث في الاقتصاد يقول: إن الاقتصاد الصناعي يحتاج إلى مجتمع متحرر من القيود الموروثة من المجتمع الزراعي ومن بينها كذلك احتجاز المرأة لمهمة الأمومة (إذ ينبغي -في المجتمع الصناعي- أن تخرج المرأة لتعمل! والذي يتحدث في الاجتماع ينظر بعين السخرية إلى تلك السذاجة التي كانت تخيل للناس أن الدين فطري وأنه شيء منزل من السماء، ألا يعلم الناس أن البشر هم الذين ابتدعوا الدين أيام جهالتهم وسذاجتهم؟! انظروا إلى المجتمعات المتأخرة التي ما تزال تعيش في الأحراش في أفريقيا وأستراليا ... وستجدون بذرة الدين

стр. 484

هناك في الجهل والسذاجة والخرافة والأسطورة ... ثم انظروا إلى التقدم الحضاري في القرن العشرين! أما تستحون من أن يكون في ضمائركم ووجداناتكم بقية مما ورثتموه عن سكان الغابات والأحراش؟! والذي يتحدث عن العلوم ... العلوم البحتة، لا ينسى الدين كذلك! إنه يذكر الناس بيوم كان الناس متدينين، فكانوا لجهالتهم الشديدة ينسبون ما يحدث في الكون كله إلى الله! يا لجهالتهم! لم يكونوا يعرفون القوانين الطبيعية التي تحكم الكون ... أما نحن العلماء في القرن العشرين. والذي يتحدث في الفن ... يزري بتلك الأيام التي كان التحدث عن الجنس فيها يعتبر عيباً تأباه الأخلاق! تباً لكم أيها المتأخرون! كم كنتم تحجبون من ألوان الجمال الممتع البهيج الأخاذ! انظروا إلينا نحن المتحررين! اليوم نحن نجعل الجنس فناً قائماً بذاته .. لحظة الجنس كون كامل ... تعالوا نتتبعه من جميع أقطاره ... تعالوا نصفه داخل النفوس وفي واقع الحياة ... تعالوا نكشف متعه ومباهجه ... تعالوا نُعري الناس ذكوراً وإناثاً، ونطلقهم ينشطون نشاط الجنس ... ونمسك الكاميرا للتسجيل (١). والذي يتحدث في السياسة يرثى لحال الإنسان أيام القرون الأولى حين كان يحتكم ويخضع لقوانين غيبية لا يد له في وضعها، وكان محروماً باسم الطاعة الإلهية من كل حقوقه وحرياته!! إلى آخر من يكتبون ويبحثون. هذا على صعيد الفكر والبحث، فماذا على صعيد الحياة العملية؟

стр. 485

إن الشرق الشيوعي يعترف صراحة بأنه قد قضى أو في سبيل القضاء على كل شكل من أشكال العبادة والمظاهر الدينية حتى الشخصي منها، ولذا فلا حاجة للحديث حوله، أما الغرب الرأسمالي الذي يقول: "إن علمانيته من الطراز اللاديني ( Non-Religious) وليست من الطراز المضاد للدين ( Anti -Religious) فإن الأمر في ظاهره يبدو مختلفاً بعض الشيء" إن دعاة اللادينية من المخادعين والمخدوعين هناك يقولون: إنه لا ضرر على الدين من قيام الحياة على اللادين!! فالكنائس ستظل مفتوحة، بل إن عددها ليزداد، وهناك يوم الأحد حيث تقفل الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها في حين يكون وعاظ الكنائس ومنشدوها في ذروة نشاطهم، وهناك الحرية الشخصية التي لا تضع على حرية العقيدة أي قيد، وتتيح لأي متحمس للدين أن ينضم إلى سلك الرهبانية أو يشترك في جمعية خيرية أو يسافر ضمن بعثة تبشيرية إلى الخارج، وله الحق أن يوصي عند احتضاره بكل تركته وقفاً على الكنيسة. كما أن من حق الكنيسة أن تقيم طقوسها ومراسمها وحفلاتها بلا اعتراض من الدولة، بل إن رجال الحكومة أحياناً يتشرفون بحضورها. أما الزواج فلا تزال غالبية الجماهير ترى ولو نظرياً أن إقامة طقسه في الكنيسة أفضل من العقود المدنية أو الزواج بلا عقد. وكل هذه الأمور -في نظرهم- تجعل الدين يحتفظ بمكانته ونفوذه -ضمن دائرته الخاصة بطبيعة الحال- وتتيح له أن يوجه أتباعه -في نطاق هذه الدائرة- كما يشاء، ومعنى ذلك أن المخاوف

стр. 486

التي يبديها بعض الناس على الدين من جراء تعميم الإجراءات التطبيقية اللادينية على مستويات الحياة عامة لا مبرر لها إطلاقاً! ومن نافلة القول أن نقول: إن الدين كما أنزله الله لا يصح بحال أن ينعزل في زاوية من زوايا الحياة أياً كانت، لكننا نقول بالنسبة لأوروبا: إنه حتى هذه الزاوية التي يوهم دعاة اللادينية الناس بأنهم تركوها للدين لم تظل دينية خالصة، بل طغت عليها موجة التحلل من الدين حتى أفقدتها معناها، وتركتها مظاهر صورية جوفاء لا أثر لها في مشاعر الناس ولا في سلوكهم. وليس ذلك بغريب فإن طبيعة التصور والتطبيق العلماني تقوم على أن: ((ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم)) كما أن طبيعة الحياة -بل سنة الله فيها- وطبيعة النفس البشرية لا تسمح أبداً بأن يعيش الدين واللادين، وينمو باطراد في مجتمع واحد أو نفس واحدة. ولذلك فإن المجتمع الغربي منذ مطلع القرن العشرين قد تخلى حقيقة عن الدين، فقد كان مفهوم الدين نفسه قد حط من مقامه، وأصبح لا يعني سوى واحد من أمرين: الطقوس المتحجرة التي كان يتبعها أولئك الذين كانوا متمسكين عن طريق العادة -والعادة فقط- بتراثهم الديني، أو اللامبالاة الساخرة من قبل أولئك الذين كانوا أحراراً بدرجة أكبر، والذين كانوا يعتبرون الدين خرافة عتيقة يمكن للمرء في بعض المناسبات أن يمتثل لها خارجياً، ولكنه يخجل منها في سره كما يخجل من شيء لا يمكن أن يدافع عنه عقلياً)) (١). وقد أراد أحد الصحفيين الأميركيين أن يعبر عن مدى طغيان المادية وانحسار الدين فقال:

стр. 487

"إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع، ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة" (١). لكن الواقع أن الأمر أشد من ذلك، فإن الذين يذهبون يوم الأحد إلى الكنيسة هم قلة ضئيلة، ثم إن هذه القلة لا تجد من الدين في الكنيسة ما يمس شغاف قلوبها، بل ربما وجدت من مظاهر الفساد ودواعي اللذة ما لا تجده في الأماكن المعدة لذلك. لننظر إلى اليوم -أو على الأصح الساعة التي يمن اللادينيون على الدين أنهم تركوها له ما مقدار أثرها وعطائها؟ يقول الأديب الأميركي الشهير أمرسن (١٨٨٢): "إن يوم الدين قد فقد الآن عند القسيس سناء الطبيعة، إنه يوم بغيض يسرنا انقضاؤه ... إننا ننكمش عندما تبدأ الصلاة التي لا تسمو بنا، وإنما تقضي علينا وتسيء إلينا وإنّا حينئذ نتوق أن نلتف في أرديتنا، ونلتمس مكاناً معتزلاً لا نستمع فيه إلى أحد، أصغيت مرة إلى واعظ فأغراني بشدة إلى أن أقول وإني لن أقصد الكنيسة مرة أخرى، فالناس كما ظننت يذهبون إلى ما ألفوا الذهاب إليه وإلا لما قصد أحد المعبد في المساء" (٢). ويقول: "إن الدعوات .. بل والعقائد الثابتة في كنائسنا أشبه شيء بالبرج الفلكي في دندرة أو الآثار الفلكية عند الهندوس تنعزل انعزالاً تاماً عن أي شئ مما يوجد اليوم في حياة الناس وأعمالهم". واحسرتاه على الرجل التعس الذي يدعي إلى اعتلاء المنصة للوعظ، ولا يعطي خبز الحياة، إن كل ما يقع تهمة له، هل يطلب المعونة للإرساليات الأجنبية والداخلية؟ أم هل يحث الناس على طريقة

стр. 488

ربانية للعيش، وهل يستطيع أن يطلب إلى زميل له أن يأتي إلى الاجتماعات الدينية يوم السبت في حين أنه وهم جميعاً يعرفون أن أقصى ما يتوقعونه هناك ضئيل؟ وهل يدعوهم دعوة خاصة للعشاء الرباني؟ إنه لا يجرؤ على ذلك، وإذا كان القلب لا يدفئ هذه الشعائر فإن صوريتها الجوفاء الجافة الصارخة تصبح واضحة، فلا يستطيع أن يجابه رجلاً ذا فطنة ويدعوه بغير وجل، وماذا عساه قائلاً في الشارع للقروي الجريء الذي يكفر بالله؟ إن القروي الكافر يرى الخوف في وجه القسيس وهيئته ومشيته. لا أحسب أحداً يستطيع أن يقصد إحدى كنائسنا وأفكاره معه دون أن يحس أن ما كان للكنيسة من سلطان على الناس قد ولى أو هو في سبيل الانتهاء، لقد فقدت الكنيسة سيطرتها على عواطف الأخيار ومخاوف الأشرار، وأصبحت نصف الدوائر الدينية تنشد لمجرد النشيد، وبدأت البوادر تدل على أن الأخلاق والدين تختفي من الاجتماعات الدينية، سمعت رجلاً متديناً يقيم لليوم الديني وزنه، يقول في مرارة القلب: يبدو أنه من الإثم أن يقصد المرء الكنيسة يوم الأحد (١). ولقد مضى على وفاة أمرسن قرابة قرن من الزمان، فماذا عساه أن يكتب لو عاش في هذا العقد، حيث وصلت الكنائس إلى الحد الذي يتحدث عنه من رصده عن كثب فقال: وبعد أن انتهت الخدمة الدينية في الكنيسة، واشترك في التراتيل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدى الآخرون الصلاة، دلفنا من باب جانبي إلى ساحة الرقص الملاصقة لقاعة الصلاة ... يصل بينهما باب ... وصعد الأب إلى مكتبه وأخذ كل فتى بيد فتاة، وبينهم

стр. 489

وبينهن أولئك الذين واللواتي كانوا وكن يقومون بالترتيل ويقمن، وكانت ساحة الرقص مضاءة بالأنوار الحمراء والأضواء الزرقاء وقليل من المصابيح البيضاء، وحمي الرقص على أنغام الجرامفون، وسالت الساحة بالأقدام والسيقان، والتفت الأذرع بالخصور، والتقت الشفاه والصدور، وكان الجو كله غراماً، حين هبط الأب من مكتبه وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن في المكان، وشجع الجالسين والجالسات ممن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا، وكأنما لحظ أن المصابيح البيضاء تزيد نسبتها، فتفسد ذلك الجو الرومانسي الحالم، فراح في رشاقة الأمريكاني وخفته، يطفئها واحداً واحداً وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص أو يصدم زوجاً من الراقصين في الساحة، وبدأ المكان بالفعل أكثر رومانسية، ثم تقدم إلى الجرامفون ليختار اسطوانة للرقص تناسب ذلك الجو، وتشجع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه، واختار .. اختار أغنية أميركية مشهورة اسمها ( But Baby it is Cold outside) ( ولكن الجو - يا صغيرتي - بارد في الخارج). وهي تتضمن حواراً بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد احتجزها الفتى في داره، وهي تدعوه أن يدعها تمضي لتعود إلى دارها، فقد تأخر الليل وأمها تنتظرها، وكلما تذرعت بحجة أجابها بتلك اللازمة، (ولكن الجو يا صغيرتي بارد في الخارج). وانتظر الأب حتى رأى خطوات بناته وبنيه تنساب على موسيقى تلك الأغنية المثيرة، وبدا راضياً مغتبطاً، وغادر ساحة الرقص إلى داره تاركاً لهم ولهن إتمام هذه السهرة اللذيذة البريئة، على أن يسلم مفتاح الكنيسة في داره آخر زوج ينصرف من الكنيسة، فالانصراف يكون تباعاً حسب مزاج كل زوج!!! (١)

стр. 490

هكذا اضطرت الكنيسة إلى مسايرة الواقع بعد أن رأت الفتور المتزايد في إقبال الناس عليها، فقد أصبحت الحفنة التي تقصدها هي مجموعة من العجائز الجاهلات والمتسولين وشواذ الناس. وقد أقلقت هذه الحالة المتردية بعض المشفقين على الدين من الكتاب الاجتماعيين حتى قال اثنان منهم في كتاب أصدراه: "قد يحسب البعض أنه ليس هناك من صلة مباشرة بين الحياة اليومية ومشاكل العيش من جهة وبين الدين من جهة ثانية، ولكن هذا الرأي كان يبدو غريباً لو عرض في القرون الوسطى -مثلاً- بل لعله كان يعد كفراً أو دعوة إلى الكفر في رأي الكنيسة آنذاك، لأن مجال الكنيسة كان يتناول كل ما قد يصدر عن الإنسان من قول أو عمل، أما أبناء هذا العصر الذين بلغوا من حياتهم ما بلغوا بفضل فلسفات تحل العقل والمنطق فوق كل شيء فقد يصعب عليهم أن يفهموا فهماً تاماً تلك الحقبة من الزمن التي كان يعيش فيها الإنسان ضمن دائرة رسمتها له الكنيسة وقوانينها ونظمهاً. أجري منذ زمن قريب استفتاء عن الدور الذي يلعبه الدين في حياتنا اليومية، فكانت النتيجة أن الدين لا يلعب دوراً كبيراً على الأقل على المستوى الشعوري- في قرارات الآلاف من الأشخاص، وليس السبب أن هؤلاء غير متدينين فكثيرون منهم من رواد الكنائس، بل السبب أنهم لا يرون صلة بين تصرفاتهم اليومية وبين تدينهم، وأكثرهم يعترف بأن الدين لا ينفذ إلى أعماقهم، وطالما آلمت هذه الظاهرة الكثيرين خصوصاً رجال الكنيسة الذين ينتبهون إلى أنهم لم يبلغوا إلاَّ القشور من الإنسان، وأنهم عجزوا عن إيصال الدين إلى صميم الإنسان وأعماقه" (١).

стр. 491

يقول الفيلسوف الإنجليزي جود: "سألت عشرين طالباً وتلميذةً كلهم في أوائل العقد الثاني من أعمارهم: كم منهم مسيحي بأي معنى من معاني الكلمة؟ فلم يجب بنعم إلا ثلاثة فقط، وقال سبعة منهم: إنهم لم يفكروا في هذه المسألة أبداً، أما العشرة الباقية فقد صرحوا أنهم معادون للمسيحية" (١). فإذا كان الدين قد فقد قيمته في قرارات النفوس ومشاعر الجمهور بهذه الصفة فهل يليق بأحد أن يسأل بعد عن دوره في واقع الحياة الغربية؟ وهل يمكن أن يكون ذلك إلا نتيجة العلمانية التي أطبقت على نواحي الحياة وتسربت في كيان الأفراد والجماعات؟ إن هذا المجتمع الذي يزعم أن علمانيته من النوع غير المضاد للدين هو نفسه الذي تجري فيه هذه الاستفتاءات، وهو نفسه الذي قال أحد كتابه التربويين يصف العنت الذي لقيه من جراء حمله للكتاب المقدس، لا تديناً بل هواية الاطلاع فقط: "لقد قرأت الكتاب المقدس في العشرينات من عمري، وليس ذلك أمراً عادياً إلا في تقليد الأسر المتدينة، حيث تكون قراءة الكتاب المقدس طقساً من الطقوس (!)، لقد كانت محنة أن أحمله معي في طريقي للعمل وفي عودتي على مدى أشهر، وقد تغلبت على المشكلة، فلففته بالورق كما لو كان كتاباً من الكتب المدرسية، وبذلك أخفيته عن الأنظار كأنما هو شيء شائن (!)، ومع ذلك فلم أكن لأفتحه في طريقي للعمل إلا أن من جلس بجواري استطاع أن يكتشفه، فنظر إلي

стр. 492

شزراً كأنما كنت أمارس وضع أحمر الشفاه (!)، وغالباً ما يظنك الناس قسيساً أو داعية دينياً متعصباً" (١). فإذا كان هذا هو الحال والدين، شيء شخصي محدود حسب المزاج فقط، فهل بقى له بعد ذلك من شيء؟!

стр. 493

- الباب الرابع: العلمانية في الحياة الإسلامية: الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي. أولاً: انحراف الأمة الإسلامية. ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي. الفصل الثاني: مظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية: أولاً: في الحكم والتشريع. ثانياً: في التربية والثقافة. ثالثاً: في الاجتماع والأخلاق.

стр. 494

- الفصل الأول: أسباب العلمانية في العالم الإسلامي: أولاً: انحراف الأمة الإسلامية: الحديث عن تأخر الأمة الإسلامية وانحطاطها في القرون الأخيرة طويل ومتشعب، ولكن السمة البارزة في ذلك التأخر تلك التي تجعله يتدنى عن مستوى فترات الانحطاط السابقة هي الانحراف عن فهم الإسلام نفسه، وانحسار مفهوماته التصورية في معانٍ ضيقة ومدلولات محدودة، وهذا الانحراف هو نتيجة وسبب في آن واحد. نتيجة للوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية ((حب الدنيا وكراهية الموت)) والذل الذي ابتليت به عقوبة على ترك الجهاد بالمفهوم الواسع للكلمة، ومعلوم من فقه التربية الإيمانية أن الله يعاقب على الذنب بالذنب، وهي أقسى صنوف العقوبات. وهكذا عوقبت الأمة الإسلامية على انحرافها العملي والسلوكي بانحراف أشد منه في العقيدة والتصور. وهو سبب لما تلاه من أحداث جسام ومخاطر جمة اجتاحت الرقعة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، نذكر منها على سبيل التمثيل: الركود العلمي، العام الذي هيمن على الحياة الإسلامية في عصر كانت أوروبا فيه قد نفضت غبار الماضي وحثت الخطا على طريق

стр. 495

والاكتشاف، والضعف المادي والمعنوي الذي جعل البلاد الإسلامية لقمة سائغة للكفار، وجعل أوروبا تلتهمها قطعة قطعة، حتى كادت تسيطر على الحرمين الشريفين! ولقد كانت هزيمة العثمانيين في (سان جونار)، وتقهقر المماليك السريع أمام نابليون مؤشراً واضحاً على هذين -أي: الركود العلمي والضعف المادي والمعنوي- وبداية خطرة لنهاية الزعامة الإسلامية ليس على العالم بل على أرض الإسلام! وحين نقول: إن هذا الانحراف هو سبب التدهور والانحطاط، فإننا لا ننسى العوامل الخارجية المتمثلة في تفوق الكفار علمياً وعسكرياً والحقد الصليبي الأعمى الذي بث سراياه الفكرية المضللة جنباً إلى جنب مع السرايا الاستعمارية، لكن المنطق الإسلامي الثابت يؤكد أنه مهما بلغت القوة الخارجية، ومهما كان التخطيط المضاد، فإن المسلمين لن يؤتوا إلا من قبل أنفسهم، حسب القاعدة المطردة التي سنها الله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) [الأنفال:٣٥]، وأوضحها الرسول ﷺ : ﴿ودعوت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم حتى يقاتل بعضهم بعضاً﴾. ولذلك من الطبيعي أن يكون حديثنا عن أثر هذا الانحراف في انتشار العلمانية في العالم الإسلامي أسبق وأولى من الحديث عن التخطيط -اليهودي- النصراني الذي لا ننكر دوره في نشرها، والذي لا يصح أن نغفل عنه أو نقلل قيمته. وعلى سبيل الإجمال نستطيع أن نقول: كما أن العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لتحريف الدين النصراني، فقد ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة انحراف المسلمين.
следующие страницы →