← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

- أنه إذا احتقن الإنسان في الأمعاء الغليظة وانت المادة المحقونة فيها ماء أو مواد غذائية فإنه يفطر لأن الأمعاء الغليظة من الأماكن التي يمتص فيها الماء والغذاء. فإذا امتصت الماء أو الغذاء تقوى الجسد وهذا سبب الفطر. - وإن حقن في الدبر أدوية ليس فيها ماء ولا غذاء: إن تصور هذا - فإنها لا تسبب الفطر. هذا القول هو الصواب وأظن أن شيخ الاسلام لو علم من خلال الطب الحديث أن الأمعاء الغليظة محل لامتصاص الماء لم يتوقف في التفطير - أظن هذا - وعاى كل حال سواء صار هذا أو لم يصر فالصواب أنه إذا دخل ماء أو مواد غذائية أن الإنسان يفطر. وفي الغالب لن يخلو من ماء لأن المقصود من الحقنة الشرجية التنظيف أو خفض الحرارة أو غيره من الأغراض. وفي الغالب مع ذلك إلى الماء فلابد من الماء. فإذا حقن بماء فهو يفطر وعليه أن يقضي هذا اليوم لأن الأمعاء ستمتص هذا الماء. • ثم قال ﵀: أو اكتحل بما يصل إلى حلقه. إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه يعني: بما يستطعم حلقه فإنه يفطر. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ نهى عن الإثمد للصائم. وهذا الحديث ضعيف جداً. = واالقول الثاني: أن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه. - لأن الاكتحال ليس بأكل ولا شرب ولا يحصل للجسد منه أي نوع من أنواع النشاط والتقوية فلا سبب شرعي للتفطير به. وهذا هو الصواب. أن الكحل لا يفطر. لعدم وجود المقتضي الدال على التفطير به. • ثم قال ﵀: أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله. أراد المؤلف ﵀ في نهاية المسائل التي يفطر بها الإنسان أن يقعد قاعدة وهي تتعلق بما يوجب الفطر من الأشياء التي تدخل البدن. لو لاحظت معي: فإن المؤلف ﵀ قسم المفطرات إلى قسمين: - مفطرات تدخل البدن. - ومفطرات تخرج من البدن. فالقسم الأول: المفطرات التي تدخل البدن - لاحظ معي في المتن -: الأكل والشرب والاستعاط والاحتقان والاكتحال فهذه تدخل البدن. والقسم الثاني: المفطرات التي تخرج من البدن وهي في قوله: استقاء استمنى باشر أنزل ... الخ. فالمؤلف يريد الآن أن يقرر قاعدة للأشياء التي تفطر إذا دخلت:

стр. 982

• فقال ﵀: أو أدخل إلى جوفه شيئاً. إذاً قاعة المذهب: أن كل ما يدخل إلى الجسد إلى جوف فيه يصل إلى المعدة فإنه يفطر. سواء دخل من المدخل المعتاد كالفم أو من غير المعتاد كما ذكر الأنف والعين أو الجاحات والجروح الغائرة أو من أي منفذ. وسواء كان هذا الداخل مما يتغذى به الجسم أو مما لا يتغذى به الجسم. ففي الجميع يجب على من دخل إلى جوفه مما يصل إلى المعدة شيء أن يقضي ذلك اليوم. هذه هي قاعدة المذهب. = والقول الثاني: - من حيث القاعدة - أنه لا يفطر شيء مما يدخل البدن إلا ما يدخل إلى المعدة أو إلى موضع يمكن أن تمتص منه المواد الغذائية والماء سواؤ كان من المدخل الطبيعي وهو الفم أو من غيره من المداخل بشرط أن يكون الداخل مغذياً. ((إذاً مرة أخرى كل ما يدخل إلى ما ينتفع به الجسم أو يمكن أن يمتص فيه مما يغذي)). وفي الحقيقة ما يمكن أن ينتفع به الجسم هما موضعين فقط: المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة فقط. وباقي الأشياء التي في البدن مما يدخلها مواد لا يمكن أن ينتفع بها الإنسان من حيث القوة والنشاط. يضاف إلى مسألة المعدة والأمعاء الغليظة والدقيقة فقط مسألة المغذيات التي تدخل للدم. فهذه تفطر لأنها في معنى الطعام والشراب وفيما عدا الإبر المغذية الضابط: ما يدخل إلى المعدة أو الإثنا عشر الغليظ أو الدقيق مما ينتفع به الجسم فهذا هو الضابط. • ثم قال ﵀: غير إحليله. = ذهب الجمهور. إلى أن ما يدخل الإحليل فإنه لا يسبب الفطر. واستدلوا على هذا: - بأنه ليس بين الإحليل والجوف منفذ. وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب لأنه أولاً ليس بين الإحليل والجوف منفذ. ثانياً: أن ما يوضع في الإحليل لا يمكن أن يسبب نشاطاً ولا قوة للجسم. - ثم هو ليس في معنى الطعام ولا في معنى الشراب. • ثم قال ﵀: أو استقاء. استقاء يعني: قاء عمداً. فمن قاء عمداً وجب عليه أن يقضي هذا اليوم. وحكى عدد من أهل العلم الإجماع على هذا الحكم منهم الخطابي وغيره - عدد من أهل العلم حكوا الإجماع. واستدلوا على هذا الحكم:

стр. 983

- بحديث: أبي هريرة: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء) وهذا الحديث معلول والصواب أنه موقوف. ((الأذان)). والصواب ما عليه الجماهير الذي حكي إجماعاً أن من استقاء عمداً فعليه القضاء: - أولاً: للإجماع المحكي. - وثانياً: للآثار الموقوفة عن أبي هريرة وابن عمر ﵄. ومن ذهب إلى أنه لا يفطر فقوله ضعيف بمقابل ما عليه جماهير أهل العلم أو حكي إجماعاً. انتهى الدرس

стр. 984

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. مازال المؤلف ﵀ في سياق الكلام عن الأشياء التي إذا خرجت من البدن سببت فساد الصوم فذكر منها من استقاء عمداً وتحدثنا عنها في الدرس السابق. • ثم قال ﵀: أو استمنى. الاستمناء هو: استدعاء المني باليد أوم بغيره مما يستدعى به المني. فإذا استدعى المني بأي طريقة كانت فهو ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن لا ينزل. فإن لم ينزل فعمله محرم وصيامه صحيح. - القسم الثاني: أن ينزل. فإن أنزل فإن صومه يفسد. واستدل العلماء على فساد الصوم بالإستمناء بدليلين: - الأول: أنه إذا كان الصوم يفسد بالقبلة التي تؤدي إلى الإنزال فبالإستمناء من باب أولى. - الثاني: قوله ﷺ : (يدع شرابه وطعامه وشهوته) وهذا لم يدع شهوته. = والقول الثاني: أن الصيام لا يفسد وإليه ذهب الظاهرية. وذكروا أنه لادليل على فساد الصوم. والصواب أن الصوم يفسد وسيأتينا مزيد إيضاح في مسألة المباشرة. لأنهم قاسوا الإستمناء على المباشرة - كما سمعتم -. • قال ﵀: أو باشر فأمنى ... فسد. المباشرة يقصد بها: أن يباشر امرأته بما دون الفرج. فالمباشرة والتقبيل واللمس حكم هذه الثلاث مسائل واحد. = فذهب الجماهير من السلف والخلف وحكي إجماعاً أن الإنسان إذا باشر أوقبل أو لمس فأنزل فإن صيامه يفسد. واستدلوا على هذا بأدلة: - الأول: قوله ﷺ : (يدع شرابه وطعامه وشهوته) فإنه لم يدع شهوته.

стр. 985

- الثاني: ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه. يعني يملك نفسه وشهوته عن الإنزلاق إلى المحرم. وجه الاستدلال: أن مفهوم حديث عائشة أن من لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يقبل أو يباشر لأن هذا يؤدي إلى الإنزال الذي يؤدي إلى فساد الصوم. - الثالث: القياس على الجماع. ووجه القياس: أن غاية ما يطلب في الجماع الإنزال. وقد حصل له بالمباشرة أو التقبيل. وقد حكى ابن قدامة الإجماع فيصلح أن نجعله أيضاً دليلاً. ولم يخالف إلا الظاهرية وهم أصحاب: = القول الثاني: فذهبوا إلى أنه لا يفسد الصيام إلا بالجماع لعدم الدليل. وقد سمعت الأدلة. - - مسألة: فإن باشر أو قبل أو لمس ولم ينزل فالصواب أن هذا جائز إذا أمن نفسه. وفي المسألة - مسألة مباشرة الصائم أقوال هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه مفهوم حديث عائشة المتقدم. واعلم أن هذه المسألة كالأصل لمسائل الإنزال والمباشرة. فأخذنا قبل قليل أن مسألة الاستمناء باليد أو بغيرها تقاس على مسلة التقبيل والآن هذه المسائل - المباشرة والتقبيل واللمس - وهذا الخلاف الذي حكيناه في المباشرة يعتبر كالقاعدة لمسائل التعامل مع الزوجة فيما يتعلق بالشهوة. • ثم قال ﵀: أو أمذى. إن باشر فأمذى ولم ينزل فسد صيامه أيضاً. والدليل على ذلك: - القياس على المني. ووجه القياس: أن في كل منهما خروج السائل بشهوة. = والقول الثاني: أن المذي لا يوجب فساد الصوم. - لأن المذي ليس كالمني , بدليل وجوب الغسل في المني دون المذي فلا يصح أن نلحق المذي به. وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وهو الصواب إن شاء الله. فإذا باشر الإنسان فأمذى فإن صومه صحيح. إلا عند الحنابلة فإن صومه فاسد على ما سمعت من الخلاف والترجيح. • ثم قال ﵀: أو كرر النظر فأنزل. = ذهب الحنابلة إلى أن الصائم إذا كرر النظر على سبيل الشهوة فأنزل فإن صيامه يبطل. واستدلوا على هذا: - بأن تكرير النظر يشبه المباشرة في استدعاء المني. فأفسد الصيام كالمباشرة. ولهذا قلت لكم أن المباشرة أصل في مسائل هذا الباب.

стр. 986

= القول الثاني: أن تكرير النظر وإن أدى الإنزل فإنه لا يفسد الصيام. - لأنه ليس منه مباشرة فيقاس على من تفكر فأنزل. والجواب: أن هناك فرق كبير بين من تفكر وبين من كرر النظر فإنه من كرر النظر قصد النظر إلى المحرم وكرر ذل على سبيل الشهوة حتى أنزل وأما من تفكر فإن التفكر يخرج عن إرادة الإنسان فهو شيء يخطر بالبال يصعب دفعه فاختلفا من هذه الجهة. ولذلك الراجح إن شاء أن من كرر النظر وأنزل فإنه يفسد صيامه كما قلنا في المباشرة تماماً وفيمن استمنى. وعلم من كلام المؤلف أن من نظر نظرة واحدة فأنزل: أن صيامه صحيح. لأنه قيد الذي يفسد بأن يكرر. والسبب في أن صيامه صحيح: أن النظرة الأولى: جائزة. ولا يترتب على المأذون محذور. وتبين أيضاًَ من كلام المؤلف أن من كرر النظر فأمذى فإن صيامه صحيح حتى عند الحنابلة. فتبين أن الحنابلة يفرقون بين المذي الذي يكون سببه المباشرة وبين المذي الذي يكون سببه تكرار النظر. فالمذي الأول: يفسد الصيام. والمذي الثاني: لا يفسد الصيام وهذا مما يضعف القول بإفساده في مسألة المباشرة. • ثم قال ﵀: أو حجم أو احتجم وظهر دم. قال: أو حجم أو احتجم. وقيد ذلك بقوله: وظهر دم. إذا حجم أو احتجم فإن الحجامة تفسد الصيام. = وهذا مذهب الإمام أحمد. ونصره شيخ الاسلام بن تيمية بقوة. واستدلوا: - بقول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم). وهو حديث صحيح فقد صححه عدد من الأئمة. وهذا الحديث هو عمدة القائلين بإفساد الصيام بالحجامة. وذهب إلى هذا الإمام أحمد وكثير من فقهاء أهل الحديث كإسحاق لابن راهويه ﵀. = القول الثاني: وإليه ذهب جماهير العلماء من اليلف والخلف. أن الحجامة لا تفسد الصيام. واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم. وأجاب شيخ الاسلام ﵀ عن هذا الحديث: بأنه منسوخ بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم). - الدليل الثاني: ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: رخص رسول الله ﷺ في الحجامة. قال الداقطني: رجاله ثقات.

стр. 987

- الدليل الثالث: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ مر على جعفر بين أبي طالب وهو يحتج فقال: أفطر هذان يعني الحاجم والمحجوم. قال أنس: ثم رخص النبي ﷺ بالحجامة وكان أنس يحتجم. قال الداقطني: لا أعلم له علة. والراجح والله أعلم: أن الحجامة لا تفطر والسبب في ترجيح هذا القول: ما ذكره ابن حزم ﵀ أن قول الصحابي رخص لا يكون إلا بعد منع. فتبين من هذا أن آخر الأمرين من النبي ﷺ أنه لا يفطر من احتجم. وكما قلت أن لفظ الترخيص الذي جاء في حديث أنس وفي حديث أبي سعيد الخدري صريح في أن آخر الأمرين من النبي ﷺ أن الحجامة لا تفطر. أما حديث: أفطر الحاجم والمحجوم فهو صحيح لكنه يعتبر منسوخاً بهذه الأدلة. لأنه لا نعقل من كلمة رخص إلا هذا وما ذكره ابن حزم صحيح وقوي. وهو أقوى مما ذكره شيخ الاسلام على قوة كلامه ﵀ في العلة التي من أجلها يفطر الصائم إذا احتجم لكن مع وجود هذه الأحاديث الصحيحة فإنه لا مفر من القول بها ولعله بهذا ذهب إليه الجماهير من الصحابة فمن بعدهم فهم لا يرون التفطير بالحجامة. • ثم قال ﵀: عامداً ذاكراً لصومه: فسد. هذه الشروط ترجع إلى المفطرات السابقة جميعاً. ولذلك لو أن المحقق وفقه الله جعل عامداً ذاكراً لصومه في سطر مستقل لتشمل جميع ما تقدم من المفسدات. يشترط في الإفساد بهذه المفطرات: ١ - أن يكون الإنسان عالماً. ٢ - وأن يكون ذاكراً. ٣ - وأن يكون عامداً. فإن اختل أحد هذه الشروط فإنه لا يبطل الصيام. والدليل على هذا النصوص العامة والنصوص الخاصة. - فالنصوص العامة: كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا﴾ [البقرة/٢٨٦] وكقوله ﷺ : (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). - والنصوص الخاصة: كقول النبي ﷺ : (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).

стр. 988

فإذاً دل على هذه القاعدة نصوص عامة ونصوص خاصة مما لا يدع مجالاً للشك أن من أكل أو شرب أو تعاطى أي مفطر من المفطرات المذكورة فإن صيامه صحيح إذا كان ذلك تم منه جهلاً أو نسياناً أو إكراهاً. ثم بدأ المؤلف ﵀ بتعداد الأشياء التي لا تفطر عند الحنابلة. • فقال ﵀: لا ناسياً أو مكرهاً. تقدم معنا. فإن هذا كالتأكيد للشرط السابق. فإن الأدلة الدالة على اشتراط أن يكون عامداً ذاكراً هي الأدلة الدالة على أن الناسي والمكره لا يبطل صيامهما. • ثم قال ﵀: أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار. هاتان مسألتان حكمهما واحد. إذا إلى حلقه غبار أو ذباب أو نحو هذه الأشياء فإن صيامه صحيح. - لأنه فعل هذا من غير قصد. فإذا فعله من غير قصد بقي صيامه صحيحاً لما تقدم من اشتراط العمد في تناول هذه المفطرات. • ثم قال ﵀: أو فكر فأنزل. إذا فكر الإنسان فأنزل فإن صيامه = عند الحنابلة صحيح ولا يفسد ولو أنزل بالتفكر. واستدلوا على هذا: - بأن التفكر أمر خارج عن الإرادة لا يستطيع الإنسان أن يدفعه. وإذا كان كذلك لم يؤاخذ الإنسان بما يترتب عليه. = والقول الثاني في هذه المسألة: أن الإنسان إذا فكر حتى أنزل فإن صيامه فاسد. واستدلوا على هذا: - بأن الله أثنى على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ولا يثني الله على عمل إلا وهو داخل في الإرادة فدلت الآية على أن التفكر ممكن من بني آدم وأنه في مقدورهم أن يتفكروا أو أن لا يتفكروا. = والقول الثالث: وهو مذهب الإمام مالك وهو جميل جداً: وهو الراجح: أنه إن تفكر فانساق وراء هذه الأفكار ولم يمنع نفسه أفطر وإن تفكر فمنع نفسه وصرفها واشتغل بغيرها ولم يستطع دفع هذه الأفكار فأنزل فإن صيامه لا يفسد. فإنه في الحقيقة بهذا التفصيل تجتمع الأدلة وتنسجم وتتوافق. وأيضاً من جهة المعنى واالنظر فإنه تفصيل دقيق وجميل من الإمام مالك ﵀. وهو كما قلت - إن شاء الله - الراجح. • ثم قال ﵀: أو احتلم. أي: فإنه لا يفسد صيامه إذا احتلم. وتعليل ذلك: يشبه التعاليل السابقة وهو:

стр. 989

- أن الاحتلام أمر خارج عن الاختيار والإرادة ولا يملك الإنسان دفعه. فإذا احتلم صح صيامه ولو كان في وسط النهار. وأمر الاحتلام واضح وهو محل إجماع. • ثم قال ﵀: أو أصبح في فيه طعام فلفظه. إذا استيقظ الإنسان من النوم ووجد في فيه طعام فإنه ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: الطعام اليسير المختلط بالريق. فإن هذا لا يفسد الصيام ولو ابتلعه. وقد حكي الإجماع على هذا الحكم. - القسم الثاني: أن يكون الطعام كثيراً فإنه ينقسم إلى قسمين: - إن أخرجه ولفظه صح صيامه. لأن الفم في حكم الظاهر لا في حكم الباطن. - وإن ابتلعه بطل صيامه. وتعليل البطلان: أنه أكل طعاماً عامداً ففسد صيامه. وبهذا التفصيل يكمل حكم هذه المسألة التي قد تكثر عند بعض الناس بسبب أنه يتسحر ثم ينام مباشرة فإذا استيقظ اكتشف أن في فمه بقايا طعام فحكمه على هذا التفصيل الذي ذكرت. ثم قال ﵀ في مسائل لها حكم واحد: أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر. • قال ﵀: أو اغتسل ... فدخل الماء حلقه. أو تمضمض .. فدخل الماء حلقه. أو استنثر .. فدخل الماء حلقه. هذه المسائل حكمها واحد لكن من الظاهر أن المؤلف ﵀ وهم بقوله: أو استنثر. وأن الصواب: أو استنشق. ولذلك جاءت على الواب في المقنع الذي هو أصل هذا الكتاب وفي غيره من كتب الحنابلة جاءت على الصواب ولعل المؤلف ﵀ جاء في ذهنه الاستنثار فكتبه والمعنى ولله الحمد واضح. إذا اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل إلى حلقه الماء وابتلعه فإن صيامه صحيح - لأن هذا وقع منه بغير إرادة. وتقدم معنا أن الإنسان إذا شرب أو أكل بغير إرادته فإن الصيام صحيح. • ثم قال ﵀: أو زاد على الثلاث، أو بالغ ((يعني في الاستنشاق)) فدخل الماءُ حلقه: لم يفسد. هاتان مسألتان لهما حكم واحد. فالمسألة الأولى: زاد على الثلاث. والمسألة الثانية: إذا بالغ في الاستنشاق. فإذا زاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق فإن صيامه: = عند الحنابلة صحيح. - لأن الماء ذهب إلى حلقه من غير إرادة ولا قصد فلم يؤاخذ عليه.

стр. 990

= والقول الثاني: أنه إذا زاد على الثلاث أو بالغ في الاستنشاق ثم دخل إلى حلقه الماء فسد صومه ولو كان بغير قصد منه. وعللوا هذا: - بأن دخول الماء كان بسبب تعد منه للأحكام الشرعية فضمن ما ترتب على ذلك. فإن الإنسان منهي في الوضوء أن يزيد على ثلاث ومنهي في الوضوء إذا كان صائماً عن أن يبالغ. فهو خالف الأمر وأدت هذه المخالفة إلى دخول الماء ففسد صومه. والراجح والله أعلم الأول. لأن كون المتوضيء يخطيء ويزيد عن الحد الشرعي فهذه مسألة يحاسب عليها وعمله محرم أو مكروه لكن مسألة أخرى وهي صيامه يبقى صحيحاً لأنه دخل الماء بغير قصد والربط بين المسألتين ليس بصحيح فيما أرى. فنقول: زيادتك وتعديك للحكم الشرعي تأثم عليها. ومسألة دخول الماء بغير قصد لا يترتب عليه حكم فيبقى صيامك صحيحاً. • ثم قال ﵀: ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر: صح صومه. يعني: إذا شك الإنسان هل طلع الفجر أو ما زال في الليل ثم أكل فإن صيامه صحيح. وتعليل ذلك: - أن الأصل بقاء الليل. ومع ذلك لا يكره أن يأكل ويشرب ولا يفسد صومه. - لأن الأصل بقاء الليل وإذا كان الليل باقياً جاز للإنسان أن يأكل ويشرب بلا كراهة لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة/١٨٧] فأجاز الله إلى طلوع الفجر. ولا دليل مع من قال بالكراهة إذا شك. وهذه المسألة - وهذا مما ينبغي أن تتنبه إليه - مفروضه فيما إذا لم يتبين له بعد ذلك أن الفجر طلع. فإن تبين له فهي المسألة بعد الثالية. فنحن الآن نتكلم على شخص شك ولم يتبين له. فصيامه صحيح لأن الأصل بقاء الليل ولدلالة الآية. • ثم قال ﵀: لا إن أكل شاكاً في غروب الشمس. إذا أكل وهو يشك بغروب الشمس فإن صيامه باطل عند جميع الأئمة. - لأن الأصل بقاء النهار وعدم دخول الليل. فهو أفطر في حال لا يجوز له أن يفطر فيها. - - فإن أكل شاكاً في غروب الشمس ثم تبين أنها قد غابت فعلاً. فالحكم: أنه آثقم وعليه التوبة وصيامه صحيح. - لأنه حين أكل أكل متعدياً للأحكام الشرعية فهو آثم وصيامه صحيح لأنه تبين من الواقع أن عمله وافقه المشروع حيث لم يأكل إلا بعد غروب الشمس.

стр. 991

• ثم قال ﵀: أو معتقداً أنه ليل فبان نهاراً. هذه العبارة تشمل مسألتين: - - المسألة الأولى: إذا أكل يظن غروب الشمس فبانت لم تغرب. - - والمسألة الثانية: إذا أكل يظن عدم طلوع الفجر فبان طالعاً. فعبارة المؤلف ﵀ تشمل المسألتين. = فعند الحنابلة: أن من صنع ذلك بطل صيامه. واستدلوا على ذلك: - أولاً: بأنه ثبت عن عمر أنه قضى. حيث أنه ﵁ أفطر وكان يظن أنم الشمس قد غابت ثم تبين أنها لم تغب. - وثانياً: قياساً على من أكل وهو شاك بغروب الشمس. = والقول الثاني في هذه المسألة التي تكثر جداً بين الناس: أن صيامه صحيح في المسألتين. واستدلوا بأدلة: - أولاً: أنه جاء عن عمر ﵁ أيضاً أنه فعل ذلك ولم يقض. فيكون المنقول عن عمر ﵁ روايتين. ولا أعرف أيهما أصح لأني لم أنظر في أسانيد هذين الأثرين لأن في المسألة نصوص فلا نحتاج في الحقيقة إلى هذه الآثار. - ثانياً: حديث أسماء ﵂ أنهم في زمن النبي ﷺ تلبدت السماء بالغيوم فأفطروا ظانين أن الشمس غربت فلما انكشف الأمر خرجت الشمس. وليس في الحديث أنه أمرهم بالقضاء. فلو كان القضاء واجباً لبين لهم ﷺ وجوبه. - ثالثاً: حديث عدي بن حاتم ﵁ أنه لما سمع الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة/١٨٧] جعل تحت وسادة عقالاً أسود وأبيض ثم صار ينظر إليه ولا يمسك حتى يتبين له الأبيض من الأسود فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ قال له: إن وسادك إذاً لعريض الأبيض والأسود بياض الليل وسواد النهار ولم يأمره بالقضاء. وهذا القول: الثاني: هو الأقرب إن شاء الله والذي تدل عهليه النصوص. فإذا أخطأ الإنسان فإن صيامه صحيح وعليه بعد أن يتبين له أن يمسك إلى أن تغرب الشمس. فصل [فيما يتعلق بالجماع في نهار رمضان] • قال ﵀: (فصل) ومن جامع. خص المؤلف ﵀ أحكام الجماع في نهار رمضان بفصل خاص لأمرين: - الأول: كثرة الأحكام المتعلقة بهذا المفطر.

стр. 992

- الثاني: للدلالة على أنه من أعظم الذنوب التي يقترفها الصائم. • قال ﵀: من جامع في نهار رمضان في قبل أو دبر. المقصود بقوله: في قبل أو دبر. أي لا بد أن يكون في فرج أصلي سواء كان من حي أو من ميت. فإن لم يكن فرجاً أصلياً فإنه لا تترتب عليه الأحكام المذكوة في هذا الفصل. فلو افترضنا أن خنثى أو لج في امرة أو رجل أولج في خنثى فإنمها لا تترتب أحكام الجماع في نهار رمضان لاحتمال أن يكون هذا العضو زائداً وليس بأصلي. وإذا كان زائداً فإنها لا تترتب عليه الأحكام المذكورة في النمصوص. إذاً عرفنا الآن أن قصده لافي قبل أو دبر يعني أن يكون أصلياً. ومفهوم قوله: في قبل أو دبر: أي: سواء كالن هذا القبل أو الدبر محرم أو مباح أي من زوجة أو من أجنبي أو من رجل فإن هذه البارة عامة تشمل الجميع. • ثم قال ﵀: مبيناً ما يترتب على الجماع في نهار رمضان: فعليه القضاءُ. إذا جامع الإنسان في نهار رمضان فعليه: = عند الجماهير القضاء. يجب عليه مع الكفارة التي سيذكرها المؤلف أن يقضي ذلك اليومن. واستدلوا بدليلين: - الأول: أن الأمر العام بهذا اليوم ما زال قائماً وهو في ذمته لابد أن يؤديه. - الثاني: أنه في حديث أبي هريرة ﵁ في حديث الأعرابي المجامع والذي سيأتينا في بعض ألفاظه: (وأمره أن يقضي يوماً مكانه). وهذه الفظة شاذة وإن حاول بعضهم تصحيحها فإنها في الحقيقة الصواب فيها أنها ضعيفة لأنها مخالفة لرواية الثقات. = القول الثاني: وإليه ذهب الإمام الشافعي ونصره ابن حزم: أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة دون القضاء. واستدلوا على ذلك: - بأن النبي ﷺ لم يأمر المجامع أن يقضي. - وبأن المجامع أفطر عمداً وسيأتينا أن من أفطر عمداً لا يقبل منه القضاء وعليه بالتوبة والاستغفار والإكثار من العمل الصالح. وهذا القول الثاني هو الأقرب إن شاء الله. • ثم قال ﵀: والكفارة. دلت عبارة المؤلف على أن من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة أنزل أو لم ينزل. فبمجرد أن يجامع تجب عليه الكفارة والقضاء على المذهب.

стр. 993

والدليل على ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد أن رجلاً دخل على النبي ﷺ فقال يا رسزول الله هلكت فقال وما أهلكك قال وقعت على امرأتي في رمضان فقال له النبي ﷺ هل تجد رقبة قال لا قال هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال هل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً قال لا. فجلس ولم يأمره النبي ﷺ بالذهاب ثم جاء النبي ﷺ مكتلاً فيه تمر فقال خذه وتصدق به فقال على أفقر مني يا رسول الله فضحك رسول الله ﷺ وقال: أطعمه أهلك. وقوله: أطعمه أهلك أيضاً في الصحيحين. فدل هذ الحديث على وجوب الكفارة وهو نص في وجوبها. وستأتينا إن شاء الله في كلام المؤلف ﵀ أحكام الكفارة. • ثم قال ﵀: وإن جامع دون الفرج فأنزل. .. أفطر ولا كفارة. المجامعة دون الفرج هي المباشرة. وتقدم معنا أن المباشرة فيها القضاء فقط. فإذا جامع الإنسان بما دون الفرج كأن يكون بين الفخذين أو أن يستمتع بأي جزء من أجزاء زوجته فإن الواجب عليه أن يقضي هذا اليوم فقط دون الكفارة ولو أنزل. والدليل على هذا: - أن النص إنما جاء بكفارة في الجماع فقط وهذا لا يسمى جماعاً في الشرع إنما الجماع ما يصير فيه إيلاج أما المباشرة فيما دون الفرج فإنها لا تسمى جماعاً في الشرع فلا يجب بناء على ذلك كفارة. • ثم قال ﵀: أو كانت المرأة معذورة. يعني إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان فإنه لا يجب عليها الكفارة = عند الحنابلة ويجب عليها القضاء. = والقول الثاني: أنه لا قضاء ولا كفارة ما دامت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه. وهذا القول - الثاني - هو الصواب لأنه تقدم معنا أنه يشترط للمفطر أن يتم مع الذكر والعمد وهذه نفترض أنها معذورة بجهل أو نسيام أو إكراه. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن المرأة إذا لم تكن معذورة فيجب عليها هي أيضاً كفارة. واستدلوا على ذلك: - بحديث أبي هريرة فإنه دل على أن من جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة ما دام عمداً قصداً.

стр. 994

= والقول الثاني: أن المرأة ليس عليها كفارة. أو أن كفارة الرجل عنه وعنها ومؤدى القولين واحد أنه ليس على المرأو كفارة. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ لم يأمر المرأة أن تكفر ولم يرشد السائل لذلك. والجواب عليه من وجهين: - الأول: أن النبي ﷺ إنما سأله الرجل دون المرأة. فأفتى من سأل وسكت عمن لم يسأل. - الثاني: أن الظاهر في قصة الرجل - من بعض الألفاظ - أنها مكرهة يدل عليه أمران: - الأمر الأول: ما رواه الداقطني أنه قال: يارسول الله هلكت وأهلكت. فقوله: أهلكت دليل على أنها مكرهة. - الأمر الثانمي: أن الرجل لما طلب منه النبي ﷺ الصيام قالا لا أستطيع وفي لفظ وهل أوتيت إلا من الصيام فيدل هذا اللفظ على أن الرجل لا يصبر عن الجماع وأن هذا ربما كالن مسوغاً لإجبار الزوجة على الجماع. فدل هذا اللفظان على أن ظاهر الحال أن المرأة مكرهة. ونحن لا نجزم بهذا لكن كما قال بعض الفقهاء: ظاهر الحال أن المرأة كانت مكرهة فلم يأمرها النبي ﷺ بالكفارة. وبكل حال عدم ذكر الكفارة بالنسبة للمرأة لا يدل على عدم الوجوب. وهذا هو القول الراجح إن شاء الله. = ومفهوم عبارة المؤلف أن الرجل لو طكان ناسياً فإنه يجب عليه أيضاً الكفارة. - لأنه نص على عذر المرأة دون الرجل. = والقول الثاني: أن الرجل إذا كان ناسياً أو مكرهاً فإنه أيضاً لا كفارة ولا قضاء عليه. - لما تقدم في حق الزوجة. فما ذكرناه من تعليل في عدم وجوب الكفارة والقضاء بالنسبة للزوجة المكرهة أو المعذورة هو نفس التعليل بالنسبة للرجل. • ثم قال ﵀: أو جامع من نوى الصوم في سفره: أفطر ولا كفارة. إذا نوى المسافر الصوم أو نوى المريض الذي يجوز له الفطر الصوم ثم جامع فلا كفارة. والدليل على هذا: - أن إتمام الصوم بالنسبة لهؤلاء لا يجب. وإذا لم يجب الإتمام لم يجب في إفساده كفارة. فمعلوم أن المسافر لا يجب عليه أن يتم الصيام وكذا المريض الذي يجوز له أن يفطر. وعليه القاء: فتقدم معنا أن المسافر والمريض يجب القضاء عليهما بالإجماع.

стр. 995

= والقول الثاني: أنه لا يجوز له أن يجامع - المسافر والمريض -. - لأنه شرع في صوم واجب. والأقرب كما هو ظاهر القول الأول وهو مذهب الحنابلة. • ثم قال ﵀: وإن جامع في يومين .... فعليه كفارتان. يعني إذا جامع الإنسان في اليوم الأول من رمضان ثم جامع في اليوم الثاني من رمضان فإنه يجب عليه كفارتان. وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يجامع في اليوم الأول ويكفر. ثم يجامع في اليوم الثاني فهذا بالإجماع عليه كفارتان ولا إشكال وأمره واضح. لكن الإشكال والذي يريده المؤلف: -[في القسم الثاني] إذا جامع فيب اليوم الأول ولم يكفر ثم جامع في اليوم الثاني فيجب عليه كفارتان = عند الحنابلة. الدليل: قالوا: الدليل على هذا: - الأول: أن كل يوم من أيام رمضان يعتبر يوماً مستقلاً. وهو عبادة مفردة تترتب عليها الأحكام فإذا جامع في يومين وجبت عليه كفارتان. - الثاني: وهو قوي إذا تأملت قياساً على ما إذى جامع في يومين من رمضانين ولم يكفر. فمثلاً لو أن أحدهم جامع في رمضان سنة ١٤٠٠ ولم يكفر ثم جامع في رمضان من سنة ١٤٠١ فإنه يجب عليه كفارتين. = القول الثاني: في هذه المسألة بعد أن حكينا الإجماع في القسم الأول ونحن نتكلم في القسم الثاني. أنه تجب عليه كفارة واحدة. - لأنهما كفارتان من جنس واحد فاكتفي بأحدهما. وهذا القول الثاني: - الاكتفار بكفارة واحدة - فيما أرى ضعيف جداً ليس له حظ من النظر ولذلك نجد أن الشيخ الفقيه المجد بن تيمية رجح القول الأول ونصره مما يدل على أنه قوي عنده وهو كذلك في الحقيقة فإني لا أعلم وجهاً مقنعاً للاكتفاء بكفارة واحدة مع كونه انتهك حرمة يومين من رمضان. هذا فضلاً عن أن المناسب في حق مثل هذا الشخص أن يؤدب بإيجاب كفارتين ونحن لا نقول بوجوب كفارتين من باب التأديب فإن الأحكام الشرعية لا تنبني فقط على مسألة التأديب بل الأدلة تدل أن عليه كفارتان ومع ذلك هو من باب التأديب. • ثم قال ﵀: أو كرره في يوم ولم يكفر: فكفارة واحدة في الثانية وفي الأُولى اثنتان. لو أن المؤلف ﵀ جعل حكم كل مسألة بجوارها.

стр. 996

وإن جامع في يومين فعليه كفارتان أو كرره في يوم واحد فكفارة واحدة. لكنه فصل بينهما وليس له مبرر من وجهة نظري. المهم: إذا كرره في يوم ولم يكفر فكفارة واحدة في الثانية. يعني: لو جامع في أول النهار في رمضان ثم جامع في آخر النهار في رمضان قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة. - لأنه انتهك حرمة يوم واحد. فعليه كفارة واحدة. • ثم قال ﵀: وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه: فكفارة ثانية. هذا القسم الثاني: للمسألة السابقة. رجل جامع في يوم الأول من رمضان مثلاً ثم كفر ثم جامع فهذا الرجل اختلف فيه الفقهاء: = فمنهم من يقول: عليه كفارتان. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية. قال: لأنه انتهك المحرم مرتين فوجبت عليه كفارتان. = والقول الثاني: وهو للجماهير بل حكاه ابن عبد البر إجماعاً أنه إذا جامع ثم كفر ثم جامع فلا تجب عليه كفارة أخرى. واستدلوا: - بأن هذا الذي جامع وكفر فسد صومه وأصبح من المفطرين فلا تجب عليه كفارة أخرى فإنه الآن مفطر. ولا يوجد دليل على إيجاب كفارة أخرى عليه. وربما نستدل بالإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. وهذه الإجماعات كما أشرت مراراً يستأنس بها ويستدل بها فإن كانت محكمة فهي دليل مستقل وإن كانت غير محكمة بأن يوجد مخالف فلا أقل من أن يستأنس بها ويقوى القول التي هي معه. لأنه لا شك أنه يحكى إجماع في قول فإن هذا يقويه. • ثم قال ﵀: وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع. من يلزمه الإمساك في رمضان ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: من يلزمه الإمساك لكون البينة جاءت في وسط النهار أو لكونه صار أهلاً في وسط النهار. - والقسم الثاني: من يلزمه الإمساك من نحوحائض طهرت ومريض صح ومسافر قدم. ففي القسم الأول: إن جامع وجبت عليه الكفارة ولا إشكال إن شاء الله. - لأنه انتهك حرمة اليوم. وهويجب عليه الإمساك. والقسم الثاني: تقدم معنا ذكر الخلاف في أنه: هل الحائض إذا طهرت والمريض إذا صح والمسافر إذا قدم وما أشبه هؤلاء هل يجب عليهم أن يمسكوا أو لا يجب؟ فإن قيل بوجوب الإمساك فعليهم كفارة. وإن قيل أن الإمساك لا يجب غلا كفارة عليهم.

стр. 997

وتقدم معنا أن الراجح أنه لا يجب عليهم أن يمسكوا وبناء على هذا فالراجح أنه لا كفارة عليهم. إذاً الخلاف في وجوب الكفارة يرجع إلى الخلاف في وجوب الإمساك. • ثم قال ﵀: ومن جامع وهو معافى، ثم مرض أو جن أو سافر: لم تسقط. يعني: رجل مقيم مكلف يجب عليه الصيام جامع ثم لما جامع زال عنه التكليف. بأن سافر لا حيلة أو جن أو بأي سبب يزول معه التكليف. = فقال الحنابلة: تجب عليه الكفارة ولو ارتفع عليه التكليف في أثناء اليوم. واستدلوا على هذا: - بأن وجوب الكفارة سابق لزوال التكليف. = والقول الثاني: أن مثل هؤلاء لا تجب عليهم الكفارة. - لأنه تبين أنهم ليسوا من أهل الصيام في ذلك اليوم. فأي القولين أرجح؟ الجواب: أن هذا يرجع إلى مسألة متى تجب الكفارة في الذمة؟ هل يشترط مضي وقت أو بمجرد الجماع؟ الجواب: بمجرد الجماع. ولذلك لو جامع. ومات أخرجنا الكفارة من تركته. فالأقرب والله أعلم الوجوب. • ثم قال ﵀: ولا تجب الكفارة: بغير الجماع في صيام رمضان. الكفارة الكبرى لا تجب إلا بشرطين: - أن يكون الفطر بالجماع. - وأن يكون هذا الجماع في نهار رمضان. فإن تخلف أي شرط من هذه الشروط لمتجب الكفارة. والدليل على هذا: - أن حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر المجامع نص على وجوب الكفارة فيمن أفطر في نهار رمضان وما عدا هذه الصورة لا نص فيها ولا إجماع. = والقول الثاني: أنها تجب الكفارة فيمن جامع في قضاء رمضان. = والقول الثالث أنها تجب الكفارة بأي مفطر من المفطرات ولو بغير الجماع. فالقول الثاني: أخل بشرط نهار رمضان. والقول الثالث: أخل بشرط أن يكون الفطر بالجماع. والصواب القول الأول وعليه الجماهير وعليه تدل النصوص أنه لا يجب عليه الكفارة إلا بهذين الشرطين. • ثم قال ﵀: وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت دل كلام المؤلف ﵀ على أن الكفارة تجب على الترتيب لا على التخيير. = وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير ورأوا أنه لا ينتقل من خصلة إلى أخرى إلا إذا يستطع الأولى. واستدلوا:

стр. 998

- بأنه في حديث أبي هريرة رتب الكفارات بقوله: فإن لم تجد أو أتجد ولم ينتقل عن واحدة إلى أخرى إلا إذا قال لا أستطيع. = والقول الثاني: وهو مذهب لبعض الفقهاء أن الكفارة على التخيير. - لما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال في حديث أبي هريرة عليك عتق رقبة أو صيام أو إطعام. وأو تأتي بلغة العرب للتخيير ولا تدل على الترتيب. الصواب أن الترتيب واجب وأن الرواية الصحيحة فيها الترتيب ولذلك نقل بعض الحفاظ أن الزهري روى عن ثلا ثين راوياً أنهم نقلوا الترتيب فالترتيب المذكور في االصحيحين هو اللفظ الصحيح وهو يدل على وجوب عدم الانتقال من واحدة إلى أخرى إلا عند العجز. المسألة الثانية: قوله: وهي عتق رقبة فإن لم يجد: • قوله : فإن لم يجد: أي فإن لم يجد الرقبة ولا ثمن الرقبة فإنه حينئذ ينتقل إلى النوع الثاني من الكفارة. • قال: فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. المرتبة الثانية في الكفارة أن يصوم شهرين. ويشترط في هذين الشهرين أن يكونا متتابعين. وإذا شرع في الصيام ثم وجد الرقبة فإنه لا يجب عليه أن ينتقل إلى الصيام نص عليه الإمام أحمد ﵀. والدليل على ذلك: - أنهى شرع في الكفارة المجزأة فلا يجب عليه أن ينتقل إلى غيرها. فإن انتقل فهو الأولى. وقد أحسن وأجاد. • ثم قال ﵀: فإن يستطع فإطعام ستين مسكيناً. إطعام ستين مسكيناً. الخلاف الذي ذكرناه في السابق حول الإطعام لمن أفطر من حيث المقدارهو نفسه الخلاف هنا فيكرر كما تقدم تماماً هل هو نصف صاع أو مد وهل هو من البر أو من غيره وهل يقدر أو لايقدر؟ على الأقوال الثلاثة. التي ذكرتها في الدرس قبل السابق. • ثم قال ﵀: فإن لم يجد سقطت. = ذهب الحنابلة إلى أنه إذا لم يجد جمبع أنواع الكفارات فإنها تسقط. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ لما جاءه المكتل من التمر أعطاه للرجل وأمره أن يتصدق فلما قال على أفقر مني قال خذه وأطعمه أهلك وإطعام هذا الرجل التمر لأهله عند الحنابلة ليس على سبيل الكفارة ونصر هذا من العلماء المحققين اثنان: ابن دقيق العيد والصنعاني.

стр. 999

أي أن هذا الأعرابي أخذ الطعام لا على أنه كفارة وإنما على أنه صدقة لأهله. وإذا كان الرجل أخذ هذا الطعام لا على أساس أنه كفارة ولم يأمره النبي ﷺ أن يكفر لا حقاً دل هذا على سقوط الكفارة. والحنابلة يرون والإمام أحمد أن الكفارة التي تسقط هي فقط كفارة الجماع في نهار رمضان دون الكفارات الأخرى - ككفارة القتل وكفارة الحج - فهذه الكفارات وغيرها لا تسقط عند العجز إنما الذي يسقط فقط هذه الكفارة لأنها التي دل النص فيها على السقوط. = والقول الثاني: أن الكفارة تبقى في ذمته وكون النبي ﷺ لم يقل له كفر فقد اكتفى بكونه قال له في صدر الحديث أعتق رقبة صم شهرين أطعم ستين مسكيناً فهذا الأمر يكفي في بقاء الكفارة في ذمته وكونه أعطاه هذا التمر صدقة لأهله لحاجته لا يعني أنه لا تجب عليه الكفارة. - - مسألة: قوله: فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. كيف يكون هذا الأعرابي لا يستطيع وهويصوم رمضان؟ الجواب على هذا: أن هذا الأعرابي قال كما تقدم: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام وهل أوتيت إلا منه - الالفاظ مختلفة. فدل على أن هذا الرجل لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين بدون أن يقع في الجماع فاعتبر النبي ﷺ هذا عذراً. فنقول لمن لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين خشية الوقوع في الجماع أن هذا عذر كما عذر النبي ﷺ هذا الأعرابي ويجوز له بناء على هذا أن ينتقل إلى الخصلة الثانية وهي الإطعام. وفي مثل هذه الأمور يدين الإنسان فلو قال لا أستطيع أن أصوم لمرض أو لشدة الرغبة في الجماع فهذا شيء بينه وبين الله يدين فإن كان صادقاً سلم وإن كان كاذباً أثم. انتهى الدرس

стр. 1000

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. انتهينا من الفصل السابق ما عدا مسألة بقيت في من أراد أن يكفر بالصوم فسيصوم شهرين متتابعين. والمسألة التي بقيت هي: كيفية هذا الصيام: نقول: كيفية هذا الصيام تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: إذا بدأ الصيام من أول الشهر فإنه يصوم شهرين كاملين سواء تم الشهران ثلاثين يوماً أو نقص. وسواء نقص أحدهما أو نقص كلاهما فإنه إذا انتهى الشهر الثاني فإنه يعتبر قد أدى ما عليه من الكفارة ما دام أنه بدأ من أول الشهر. وهذا واضح ولا إشكال في لأن الشهر في الشرع تارة يكون ثلاثين يوماً وتارة يكون تسعة وعشرين يوماً. - القسم الثاني: أن يبدأ من وسط الشهر فسيصوم بعض الشهر الأول وكل الشهر الثاني وبعض الشهر الثالث.

стр. 1001

وسيصوم من الشهر الثالث ما يكمل به عدد الأيام التي صامها من الشهر الأول. فالشهر الثاني لا إشكال فيه أنه هلالي. لأنه سيبدأ من الأول فيصوم حسب عدد أيام ذلك الشهر سواء تم أو نقص. بقينا إذا أراد أن يكمل من الشهر الثالث فإنه الفقهاء ﵏ قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: = القول الأول: أنه يتم ثلاثين يوماً فإذا كان صام من الشهر الأول عشرة أيام فسيصوم من الشهر الثالث عشرين يوماً. لأنهم قالوا: لا يمكن اعتبار هذين شهرين بالأهلة لأنهما مفترقان فوجب الرجوع إلى العدد. والأحوط فيه ثلاثين يوماً. = القول الثاني: أن يصوم بحسب الشهر الأول: - فإن كان الشهر الأول تاماً أكمل من الشهر الثالث ثلاثين يوماً. - وإن كان الشهر الأول ناقصاً أكمل من الشهر الثالث تسعة وعشرين يوماً. والراجح والله أعلم: - أنه إن كان الشهر الأول والثالث كلاهما ناقص صام تسعة وعشرين يوماً. - وإن كان أحدهما تاماً أكمل ثلاثين يوماً احتياطاً. وبهذا القول إن شاء الله تجتمع الأقوال ويحصل الاحتياط في مسألة أداء الكفارة. باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء • ثم قال ﵀: باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء خصص المؤلف ﵀ هذا الباب كما قال لبيان: - الأشياء التي يكره للصام أن يأتيها. - والأشياء التي تستحب. - وكيفية القضاء. • وقوله ﵀: باب ما يكره. إنما ذكره تغليباً وإلا فإنه ﵀ سيذكر أشياء محرمة. • قال ﵀: يكره: جمع ريقه فيبتلعه. قوله: فيبتلِعُهُ. شيخنا ﵀ ضبط هذه الكلمة بالفتح والمحقق هنا ضبطها بالضم ولعل الأقرب ما ذكره شيخنا ﵀.

стр. 1002

= على المذهب: يكره بلا نزاع عند الحنابلة أن يجمع ريقه ويبتلعه. فإذا فعل هذا الأمر فقد فعل شيئاً مكروهاً. = والقول الثاني: أن جمع الريق ثم ابتلاعه لا يكره بل هو جائز مباح بلا كراهة لأمرين: - الأمر الأول: أن هذا مما يعتاد ويفعله الصائمون ولم يأت شيء في الشرع يدل على النهي عنه. - والأمر الثاني: أن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل. وإذا تأملت فستجد كل واحد من الأمرين يكمل الآخر. والأقرب والله أعلم القول الثاني. لكن الاحتياط في عدم فعل ذلك جيد بسبب أن هذه المسألة عند الحنابلة لا خلاف فيها كأن دليلها واضح عندهم. وفهم من قول المؤلف ﵀: (يره جمع ريقه) أنه إذا ابتلع الريق بلا جمع فإنه جائز بلا كراهة ولا يفطر وهذا مما أجمع عليه الفقهاء. فإذا بلغ ريقه بلا جمع فلا حرج عليه ولا كراهة ولا إفطار بإجماع أهل العلم لعدم وجود مقتضي الكراهة أو التحريم. • قال ﵀: ويحرم: بلع النخامة. النخامة. وأحياناً تسمى النخاعة: هي ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء سواء كانت هذه النخامة أو النخاعة نازلة من الأعلى أو صاعدة من الجوف. فبلعها لا يجوز عند المؤلف ﵀ لأنه مستقذر والأشياء المستقذرة لا يجوز للإنسان أن يبتلعها. وظاهر عبارة المؤلف: أن بلع النخامة أو النخاعة محرم على الصائم وعلى المفطر. لأنه لم يقيد بل قال: (ويحرم بلع النخامة). وهذا هو الصواب أنه يحرم بلع النخامة لا ستقذارها سواء كان الإنسان صائم أو مفطر. = والقول الثاني: أن بلعها مكروه. والذي يتوافق مع قواعد الشرع التحريم. فإذا استطاع الإنسان أن يخرج هذه النخامة وأن يلفظها فهو الواجب وإذا غلبه الأمر فإن شاء الله لا حرج عليه لأنه في هذه الحالة أن يخرجها. • ثم قال ﵀: ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه. يعني: أنه يفطر ببلع النخامة دون بلع الريق ولو جمعه وهذا معنى قوله فقط: يعني لإخراج الريق. فدل كلام المؤلف ﵀ على أن الإنسان إذا بلع النخامة فإنه آثم وقد أفطر. والدليل على أنه أفطر: - أنه بلع شيئاً من خارج الفم يمكنه التحرز منه فأشبه الأكل. = والقول الثاني: أن بلع النخامة لا يفطر.

стр. 1003

- أولاً: لأنه مما يعتاد فأشبه بذلك الريق. ووجه الشبه أن كلاً منهما معتاد. - وثانياً: أن هذا مما تمس حاجة الناس إليه ويكثر فيهم ولو كان من الفطرات لبينه الشارع. والقول الثاني أقرب.: أنه لا يفطر إن شاء الله. • ثم قال ﵀: ويكره: ذوق طعام بلا حاجة. ظهر من كلام المؤل ﵀ أن ذوق الطعام ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يكون بلا حاجة: = فحكمه عند الحنابلة مكروه. وليس بمحرم. ودليل الكراهة: - أنه بذلك يعرض صومه للفساد. إذ ربما ذهب شيء إلى جوفه. - القسم الثاني: أن يكون لحاجة. فحينئذ يجوز بلا كراهة. والدليل على هذا: - أن الإمام أحمد والبخاري ذكروا أن ابن عباس أفتى بذلك. فدل على أنه يجوز بلا كراهة. وهذا التفصيل هو الراجح. التفريق بين أن يكون بحاجة وبغير حاجة وأن الذي ليس بحاجة لا يصل إلى أن يكون محرماً بل هو مكروه. • ثم قال ﵀: (ويكره) مضغ علك قوي. العلك القوي: هو العلك الذي إذا مضغ لا يتفتت إلى أجزاء وإنما يزيده المضغ صلابة. فهذا النوع من العلك يكره. ودليل الكراهة تعليلان: - الأول: أن مضغ هذا العلك يؤدي إلى العطش وإلى تجمع الريق. وتقدم معنا: أن تجميع الريق ثم بلعه حكمه: مكروه. - الثاني: أنه يؤدي إلى اتهام الماضغ لأن من رآه ظن أنه مفطر. = القول الثاني: أن مضغ هذا العلك إذا أمن بلع أي جزء منه فجائز بلا كراهة. - لأن الفم في حكم الظاهر فما وصله لا يعتبر من المفطرات. فإذا أمنا عدم نزول شيء إلى الجوف لم يبق دليل على الكراهة. والراجح أنه مكروه. لأدلة الحنابلة. وأدلتهم وجيهه لا سيما وأنه يؤدي في الغالب إلى الاستهانة بالصيام وذهاب حرمة اليوم فلا شك أنه ليس من صفات الصائم الجاد. • ثم قال ﵀: وإن وجد طعمهما في حلقه: أفطر. = يعني: إن وجد طعم العلك أو وجد طعم الطعام الذي ذاقه في حلقه فإنه يفطر. - لأنه أوصل إلى جوفه شيئاً فأفطر كما لو أكل. = والقول الثاني: أن مجرد وجود الطعم في الحلق لا يؤدي إلى الفطر.

стр. 1004

- لأن وجود الطعام في الحلق لا يستلزم نزول الشيء إلى المعدة. بدليل: أن الإنسان لو وطئ حنظلة برجله لوجد كعمها في حلقه مع أنه قطعاً لا يوجد في الحلق شيء نزل إلى المعدة. وهذا القول الثاني هو الراجح إذا لم يعلم قطعاً أنه وصل إلى معدته شيء. وإنما كان هذا القول راجح لما ذكرت من الأدلة ولأنه غالباً نزول الطعان الذي ذاقه بغير إرادة ونحن أخذنا أن أي شيء يصل إلى المعدة بغير قصد لا يكون من المفطرات. • ثم قال ﵀: ويحرم: العلك المتحلل إن بلع ريقه. العلك المتحلل هو: عكس العلك القوي وهو الذي يزيده المضغ تفتتاً. فهذا النوع من العلك يحرم إجماعاً. - لأنه يؤدي إلى إفساد الصيام. إذ الإنسان إذا علك ما يتفتت فإن هذه الأجزاء المتفتتة من العلك ستنزل إلى المعدة وهو يعلم بذلك فصار مفسداً لصومه عمداً فهو محرم. ويستثنى من هذا إذا علك العلك ولم يبلعه بل لفظه. استثنى هذه الصورة عدد من أهل العلم من الحنابلة ومن غيرهم. والصواب والله أعلم أن هذه الصورة لا تستثنى لأن الإنسان لا يمكن أن يلفظ جميع أجزاء العلك المتفتت بل سيبقى بغير إرادته شيء في الفم. فالأقرب والله أعلم أن العلك المتفتت غير القوي لا يجوز أن يعلك في نهار رمضان وهو محرم. فإن ذهب شيء إلى حلقه: أفطر. وإلا فلا. فالتحريم شيء والفطر شيء آخر. • ثم قال ﵀: وتكره: القُبلة لمن تحرك شهوته. القبلة بالنسبة للشخص الذي تحرك القبلة شهوته: = تكره عند الحنابلة فقط. وتعليل الكراهة: - أن هذا العمل ربما أدى إلى فساد الصوم بخروج المني. وهذه المسألة فيها خلاف. فمع وجود النصوص فيها إلا أن أهل العلم اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً جداً. = فالقول الأول: للحنابلة: أنها تكره لمن خشي على نفسه وتباح لغيره. = القول الثاني: أنها تكره مطلقاً. = القول الثالث: أنها تحرم. = القول الرابع: أنها مستحبة. وهذا مذهب ابن حزم ﵀. = القول الخامس: أنها مباحة. وتحرم إن علم من نفسه الإنزلاق في شهوته. وتكره إن ظن ذلك. إذاً هي إما أن تكون مباحة أو مكروهه أو محرمة. وهذا القول الخامس هو القول الصواب إن شاء الله.

стр. 1005

وأما القول بالتفريق بين الشيخ والشاب فهو أضعف الأقوال. والدليل على رجحان القول الخامس: - حديث عائشة الذي تقدم معنا في البخاري أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم قالت: ولكنه كان أملككم لإربه. فعللت عائشة ﵂ فعل النبي ﷺ بأنه كان من الذين يملكون أنفسهم. - الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح أن رجلاً قبل امرأته ثم قال: اسألي رسول الله ﷺ عن ذلك. فسألت رسول الله ﷺ فقال: (أفعله أنا وهذه). فلما رجعت إلى زوجها. قال زوجها: رسول الله ﷺ : رجل غفر له ذنبه. فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً وقال: (إني لأخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي). فدل هذا الحديث على أن النبي ﷺ أراد أن يبين أن التقبيل جائز ما دام أن الإنسان يملك نفسه. وإذا جمعت بين حديث عائشة وحديث الرجل الذي قَبَّل خرج معك التفصيل المذكور في القول الخامس. • ثم قال ﵀: ويجب: اجتناب كذب وغيبة وشتم. قوله: (ويجب) مراده ويتأكد الوجوب. لأن اجتناب هذه الأشياء واجب للصائم ولغير الصائم. الكذب هو: الإخبار بخلاف الواقع. سواء كان عن أمر سلف أو سيأتي. والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. وقول العلماء: ذكرك: لا يعني تقييد الغيبة بالذكر فقد تكون الغيبة بالإشارة أو بالغمز أو بأي وسيلة تؤدي إلى ذكر أخاك بما يكره. فهذه الأشياء محرمة على غير الصائم ويتأكد التحريم في حق الصائم. لقول النبي ﷺ (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه). ولقوله ﷺ (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفض ولا يفسق وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم). فدل الحديثان صراحة على أنه يتأكد في حق الصائم أن يدع هذه الأشياء وما هو من جنسها. • ثم قال ﵀: وسن لمن شتم قوله: ((إِنِّي صَائِمٌ)). يسن لمن شتم أن يقول للشاتم: إني صائم. والدليل على هذا: - حديث أبي هريرة ﵁ السابق حيث نص على أنه إذا سبه أحد أو قاتله يقول: إني صائم.

стр. 1006

ولم يبين المؤلف ﵀: هل يقول هذا الشيء جهراً أو سراًَ؟ وهل يفرق بين صوم الفرض أو النفل؟ وهذا التقسيم هو خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال: = القول الأول: أنه يقول هذا القول - إني صائم - جهراً في صوم رمضان وفي غيره يعني في الفرض والنفل. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. واستدل على هذا القول: - بأن القول في الشرع في اللغة لا يصدق إلا على المنطوق المسموع ولا يصدق على ما إذا تحدث به الإنسان في نفسه. وأما قول النبي ﷺ : (عفي لأمتي عن ما حدثت به أنفسها) فسمى حديث النفس حديثاً فهو مقيد بحديث النفس. يعني: لا يمكن أن يأتي الحديث والقول الذي لا يراد به النطق إلا مقيداً كما في حديث عفي عن أمتي. = القول الثاني: أنه يقوله جهراً في رمضان وسراً في النفل. وإلى هذا ذهب المجد وذلك: - بعداً عن الرياء. إذاً يجهر فيه في رمضان لأنه لا رياء لأن الجميع صائم. وسراً في النفل خشية الوقوع في الرياء. وكما قلت لك إلى هذا ذهب المجد جد شيخ الإسلام. = والقول الثالث: يقوله سراً في النفل والفرض. واستدلوا: - بأن مراد النبي ﷺ بهذا الحديث أن يقول الصائم ذلك وعظاً لنفسه وتذكيراً لها لا للآخرين. فوعظ النفس وتذكيرها يحصل بحديث النفس. والأقوال مرتبة حسب القوة فأقواها الأول ثم الثاني وأضعفها الثالث. والراجح من حيث الدليل كما قلت الأول أن الإنسان يقول ذلك القول سواء كان في رمضان يعني في الفرض أو في غيره يعني في النفل. • ثم قال ﵀: وتأخير سحور. السُحور: بالضم. يعني: نفس فعل الأكل. والسَّحور هو نفس الأكل. فبالضم الفعل وبالفتح ما يؤكل. والسَّحُور هي أكلة آخر الليل. وفي السَّحور مسألتان: - الأولى: حكمه: هو مستحب بإجماع أهل العلم. لقول النبي ﷺ : (تَسَحَّرُوا فإن في السَّحُوْرِ بركة). - الثانية: أنه يستحب تأخيره إلى قبيل الأذان. لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتَسَحَّرُ ثم يقوم للصلاة. قيل للصحابي: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية.

стр. 1007

وقراءة خمسين آية من الآيات المتوسطة لا يأخذ وقتاً طويلاً مما يدل على قرب الأكل من الأذان. وتأخير السحور محل إجماع. • ثم قال ﵀: وتعجيل فطر. يعني: ويستحب أن يعجل الفطر إذا تيقن أو غلب على ظنه غروب الشمس. والدليل على استحباب ذلك: - قوله ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). - ولأن مسروق ﵀ جاء إلى عائشة ﵂ وقال: رجلان من أصحاب النبي ﷺ أحدهما يعجل الفطر والصلاة والآخر يؤخر الفطر والصلاة. قالت: أيهما الذي يعجل. قال: عبد الله. يعني: ابن مسعود. قالت ﵂: هكذا كان رسول الله ﷺ . ولم تسأل عن الآخر وهذا من الأدب أدب عائشة ﵂ ولم يذكر اسمه مسروق وأيضاً هذا من أدبه ﵀. إذاً التعجيل ثابت بالنص: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) , وبالإجماع. فدل عليه النصوص والإجماع. ثم بين ما يفطر عليه الصائم: • فقال ﵀: على رطب فإن عدم فتمر فإن عدم فماء. السنة: أن يفطر الإنسان إذا كان يجد ويتيسر له: على رطب. فإن لم يجد فعلى تمر. وهو اليابس من ثمر النخيل. فإن لم يجد فعلى ماء. والدليل على هذا التفصيل: - حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليفطر أحدكم على رطب فإن لم يجد فعلى تمر فإن لم يجد حسا حسوات من ماء). وهذا الحديث صحيح إن شاء الله وممن صححه الإمام الكبير الدارقطني. فهو حديث ثابت وهو نص في سنية هذا الترتيب: أن يكون أولاً على رطب. ثم على تمر. ثم على ماء. (((وهل تتحقق السنية بإخراج الرطب من الثلاجة؟ أو لابد من أن يكون مجتنى حديثاً من النخلة؟ هذه المسألة ترجع لأي شيء؟ يعني: كيف نرجح بناء على ماذا نرجح؟ ننظر في اللغة. يعني: هل التمر الذي يخرج من الثلاجة رطب أو تمر؟ الجواب: رطب لأن الرطب هو التمر اللين من ثمرة النخيل. إذاً تتحقق به السنة. ولعل بعض الناس يذهب ذهنه إلى أن الرطب هو الذي يجنى حديثاً من النخلة. ولا يظهر ذلك بل متى أخرجه من الثلاجة وصدق عليه أنه رطب فهو رطب وتتحقق به السنة. • ثم قال ﵀: وقول ماورد.

стр. 1008

يعني: ويشرع له أن يقول ماورد في السنة مما يشرع للصائم عند فطره أن يقوله: - كقوله: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت). - وكقوله: (ابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله). وله ألفاظ. والأحاديث التي رويت في دعاء الإفطار كلها ضعيفة لا يثبت منها حديث. لكن بعض العلماء يرى أن هذه الأحاديث بمجموعها تصبح صحيحة. وبعضهم يقول: لم يثبت في دعاء الفطر حديث. ومما يشكل في الحقيقة على ثبوت هذه الأحاديث أن النبي ﷺ لو كان يقول هذا الذكر في كل يوم من رمضان لمدة تسع رمضانات لنقل. ولنقل بإسناد صحيح. والسبب في أنه يفترض في مثل هذا أن ينقل بإسناد صحيح كثرة وقوعه وحاجة الناس إليه لأنه يومياً يفطر ﷺ هذا عدا أنه ﷺ ثبت في الأحاديث الصحيحة كما سيأتينا أنه يصوم ثلاثة أيام ويصوم الإثنين والخميس وعاشوراء وعرفة إذا لم يحج وأشياء كثيرة مما يصومه ﷺ ولم ينقل بإسناد صحيح أنه قال هذه الأذكار. مما يرجح عدم ثبوتها. وبعض العلماء يقول: أنها أذكار أسانيدها ليست ضعيفة ضعفاً شديداً فتقبل ويقوي بعضها بعضاً. ٠ وفيها تردد. ومما يلحق بهذا مسألة إجابة الدعاء فإنه جاء في الحديث أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن دعوة الصائم عند فطره مجابة. وهذا الحديث أيضاً ضعيف والأحاديث التي فيها إجابة الدعاء عند الفطر أيضاً ضعيفة وما قيل في أذكار الافطار يقال تماماً في أن دعوة الصائم مجابة عند الفطر. • قال ﵀: ويستحب: القضاء متتابعاً. يعني: ويستحب أن يقضي ما عليه من أيام متتابعة. أي: ولا يجب. = وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة: أن قضاء مافات الإنسان ما أفطره في رمضان متتابعاً سنة وليس بواجب. واستدلوا: - بقوله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة/١٨٤] وليس في الآية ما يدل على تقييد ذلك بأن تكون متتابعة. وأما الدليل على أنه يستحب أن تكون متتابعة: - فالقاعدة المتفق عليها: (أن القضاء يحكي الأداء). ولولا الآية لكان الأصل وجوب قضاء هذه الأيام متتابعة. ثانياً: دلت الآية وفتاوى الصحابة على أن القضاء يجوز ولو لم يكن متتابعاً.

стр. 1009

= وذهب ابن حزم إلى أنه يجب أن نقضي ما علينا من أيام رمضان متتابعة. واستدل: - بقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ... ﴾ [آل عمران/١٣٣] وفي قضائها متتابعة مسارعة في تحصيل الرحمة والمغفرة. والصواب مع الجماهير الذين معهم ظاهر القرآن وفتاوى الصحابة. • ثم قال ﵀: ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر. يجوز للإنسان أن يؤخر القضاء. بشرط: أن لا يدركه رمضان الثاني قبل أن يقضي ما عليه من رمضان الأول. فإن أَخَّر فهو آثم ويجب عليه أن يتوب وسياتينا هل يلزمه شيء آخر أو لا؟ والدليل على أنه يحرم تأخيره إلى بعد رمضان الآخر: - حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان يكون عليَّ القضاء من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان وذلك لمكان رسول الله ﷺ مني. فدل أثر عائشة على أنها كانت تقول أنه كان يكون عليَّ من رمضان وأؤخر رمضان إلى درجة أن أقضي في آخر الوقت الممكن وهو شعبان. هذا الذي يفهم من الأثر وهذا الفهم الذي يفهم من هذا الأثر فهمه جمهور الأئمة: فقد فهموا من الحديث عدم جواز تأخير رمضان إلى ما بعد رمضان التالي. = وذهب بعض المحدثين إلى أن الحديث لا يدل على التحريم وهو قول ضعيف جداً ودلالة حديث عائشة على التحريم واضح جداً. • ثم قال ﵀: فإن فعل: فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم. فإن فعل: أي أَخَّرَ بلا عذر فعليه مع القضاء أن يطعم عن كل يوم أَخَّرَهُ مسكيناً. = وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة: أحمد والشافعي ومالك. واستدلوا على هذا: - بالآثار الصحيحة الثابتة عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ وهم: ١ - ابن عباس. ٢ - وابن عمر. ٣ - وأبو هريرة. ﵃ أجمعين وهم من علماء الصحابة ولا يعلم لهؤلاء مخالف لا من الصحابة ولا فيما أعلم من التابعين. أما من الصحابة فلا شك. وأما من التابعين فهذا الذي يظهر لي الآن أنه ليس لهم منهم مخالف فتلاميذ هؤلاء الأئمة أخذوا بفتاويهم. = والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة واختاره عدد من المحققين أنه لا يجب على الإنسان إلا أن يقضي. واستدلوا على هذا:

стр. 1010

- بأنه ليس في السنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي ﷺ ما يدل على الوجوب والأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم. • ثم قال ﵀: وإن مات ولو بعد رمضان آخر. قوله: (وإن مات). أي: إذا مات وقد ترك صيام رمضان فليس عليه إلا الإطعام. وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين: ــ القسم الأول: أن يترك الإنسان القضاء بعذر ويستمر هذا العذر إلى الموت فهذا: لا يجب عليه شيء لا إطعام ولا غيره. والدليل على ذلك: - أن الصيام من الواجبات التي تجب لله فإذا عجز عنها ثم مات سقطت كالحج. وهذا لا إشكال فيه: أن من ترك القضاء لعذر ثم مات فإنه لا شيء عليه ولا يجب على الورثة أن يخرجوا من التركة ما يطعمون به إطعام مساكين عن هذا الميت. ــ القسم الثاني: أن يترك الصيام بلا عذر ثم يموت. فهذا على الورثة أن يطعموا. ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: (وإن مات) يعني: أنه يجب أن يطعموا ولا يشرع أن يصوم الأولياء. ففهم من كلام المؤلف أنه لا يشرع أن يصوم أحد عن أحد فرض الصيام إذا مات وعليه صيام. = وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة وعامة أهل العلم. واستدلوا: - بأن هذا مذهب عائشة وابن عباس الصحيح الثابت عنهما ﵄ مع أن عائشة ﵂ وابن عباس ﵁ هما اللذان رويا قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه). فدل على أنهما فهما أن هذا الحديث في صوم النذر دون صوم الواجب. - الدليل الثاني: أن حديث ابن عباس ﵁ في صحيح البخاري فُسِّرَ في رواية: بأنه سأل النبي ﷺ عن رجل نذر أن يصوم ثم مات. فقال: صُمْ عنه. فدلت هذه الرواية على أن الصيام الذي يقوم به الولي عن الميت صيام النذر دون الواجب بأصل الإسلام. - الثالث: قول ابن عباس ﵁ لا أحد يصوم عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد. قال شيخ الإسلام ﵀: وقد ضَعَّفَ بعض الناس هذا القول ولم يعرف غوره وهو قول الصحابة. = والقول الثاني: أنه إذا مات الإنسان وعليه صيام صام عنه وليه ولو كان من رمضان. وإلى هذا ذهب بعض الشافعية وأبو ثور وكثير من المتأخرين. واستدلوا:

стр. 1011

- بعموم حديث عائشة ﵂: (من مات وعليه صيام صام عنه وَلِيَّه). والحديث عام ليس فيه تخصيص صيام دون صيام. واستدلوا: - بحديث ابن عباس. وهو كحديث عائشة في اللفظ الأول في الرواية الأولى أنه أمره بأن يصوم عنه ولم يقيد ذلك بالنذر. والأقرب والله أعلم قول الأئمة الأربعة. وليس من المناسب في مثل هذه المسألة فيما أرى - ليس من المناسب أن نقول العبرة بما روى لا بما رأى. وجه ذلك: أن عائشة وابن عباس من أكابر الصحابة وأكثرهم علماً وفقهاً بالذات عائشة وابن عباس فيبعد جداً أن يخالفا الحديث بمجرد الرأي بل الأقرب أنهم فهموا أن هذا مراد النبي ﷺ من دلالة الحال. وليس لعائشة ولا لابن عباس أن يخصصوا هذا الحديث برأيهم المجرد فإن هذا يبعد جداً. ولهذا: لعل هذا الذي أقول - لعله - هو الذي يشير إليه شيخ الإسلام ﵀. وكذلك هكذا فهم الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين - فهموا أن هذا الحديث يحمل على النذر دون ما وجب بأصل الإسلام وهو صيام رمضان. • ثم قال ﵀: ولو بعد رمضان آخر. يعني أنه لا يجب عليه إذا ترك القضاء إلى الرمضان التالي ثم تركه أيضاً إلى الثاني أو إلى الثالث أو إلى الرابع أو إلى أكثر لا يجب عليه إلا إطعام مسكين واحد عن كل يوم. واستدلوا على هذا: - بأن ما وجب بسبب التأخير لا يزيد مع زيادة التأخير. كما إذا أَخَّرَ الحج سنين فليس عليه إلا أن يحج مع أنه آثم في كل سنة يؤخر فيها الحج إذا كان مستطيعاً. كذلك هنا نقول: الواجب عليك إطعام مسكين ولا يزيد هذا الواجب ولو أَخَرْتَهُ إلى أكثر من رمضان. • ثم قال ﵀: وإن مات وعليه صوم ... استحب لوليه قضاؤه. إن مات وعليه صوم يعني: منذور. فإن مات وعليه صوم منذور فصام عنه وليه. = وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وكثير من فقهاء الحديث. واستدلوا: - بقوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صان عنه وليه). وإذا لم نحمل هذا الحديث على صيام النذر ولا على صيام الفريضة بقي لا معنى له. ولا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ كلام لا معنى له فوجب حمله على النذر.

стр. 1012

- الدليل الثاني: أنه صح عن عائشة وابن عباس أنه إذا نذر الإنسان ومات قبل أن يفي بلا عذر صام عنه وليه. قالوا: والفرق بين: الصيام الواجب بالنذر والصيام الواجب بأصل الإسلام أن الأصل في الصيام الواجب بالنذر أنه لا يجب وإنما أوجبه المكلف على نفسه وبهذا أشبه الدين فصار مما تدخله النيابة. وهذا كلام جيد وصحيح: أن الصيام الواجب بالنذر الأصل عدم وجوبه إنما وجب بإيجاب الإنسان له على نفسه فأشبه بذلك الدين وإذا أشبه الدين صارت النيابة تدخله. بالإضافة إلى تفريق الصحابة وهو في الحقيقة العمدة. فالعمدة أن الصحابة فرقوا بين النذر وغير النذر. وهذا القول الأول: من مفردات الحنابلة. = القول الثاني: وهو مذهب الأئمة الثلاثة أنه لا يقضي أحد عن أحد صيام النذر وإنما يطعم فقط. - لعموم قوله تعالى: ﴿ ... ولا تزر وازرة وزر أخرى ... ﴾ [الأنعام/١٦٤]. - وعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النازعات/٣٥]. - ولعموم أثر ابن عباس: (لا يصم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد) وهذا يشمل الواجب بالنذر وبغيره. والراجح مذهب الإمام أحمد لصحة حديث عائشة ﵂. ومن العجائب أن الأئمة الثلاثة ﵏ لم يأخذوا بحديث عائشة لا بالنذر ولا بما وجب بأصل الشرع أما الإمام أحمد ﵀ فعمله ليس بعجيب لأنه وافق الصحابة فأخذ بأقوالهم وفهم النصوص كما فهموها. بينما الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة لم يأخذوا بحديث عائشة وابن عباس جملة وتفصيلاً لا في النذر ولا فيما وجب بأصل الإسلام وهو رمضان وهو غريب وأنا أتعجب من أنه الأئمة الثلاثة لم يأخذوا بهذا الحديث مع صحته ووضوحه فالنبي ﷺ يقول: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه). فهو نص صريح في المسألة. • ثم قال ﵀: أو حج. يعني: إذا نذر الإنسان أن يحج ثم مات حج عنه وليه. - لما ثبت في الصحيح: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وقالت إن أمي نذرت أن تحج وماتت ولم تحج أفأحج عنها فقال ﷺ : (حجي عن أمك). وبالنسبة للحج يجوز للإنسان أن يحج عن غيره سواء كان الحج واجباً بالنذر أو كان حجة الإسلام.

стр. 1013

- لأن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: إن فريضة الله أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال النبي ﷺ : (حج عن أبيك). فدل الحديثان على أن النيابة تدخل الحج فيما كان منذوراً وما كان واجباً وهو حجة الإسلام. • ثم قال ﵀: أو اعتكاف. يعني: يجوز للإنسان أن يعتكف عن غيره إذا نذر هذا الغير أن يعتكف ثم مات قبل أن يعتكف. والدليل على ذلك: - القياس على الصيام. فقط هذا هو الدليل: كما أنه يجوز ذلك في الصيام كذلك يجوز في الاعتكاف. • ثم قال ﵀: أو صلاة نذر. فإذا نذر اإنسان وقال: لله عَلَيَّ نذر أن أصلي ثم مات ولم يصلي: = فعند الحنابلة وهو الرواية الأول عن الإمام أحمد ﵀ أنه يصلي عنه. واستدلوا: - أيضاً: بالقياس على الصيام. والجامع بينهما أن كلاً منهما عبادة. = والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ أنه لا يشرع أن يصلي أحد عن أحد ولو نذر الصلاة ومات ولا نقول: ولو فنحن نتكلم الآن عن الصلاة المنذورة أصلاً. إذاً القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا يصلي أحد عن أحد الصلاة التي نذرها. واستدلوا على ذلك: - بأنه يوجد فرق بين الصلاة والصيام وهذا الفرق هو أن الصلاة عبادة بدنية محضة لا يدخلها المال بخلاف الصوم فإنه عبادة بدنية قد يدخلها المال فيما إذا لم يستطع أن يصوم فإنه يمكنه أن يطعم. فافترقا من هذه الجهة. والفرق الثاني: بين الصلاة والصيام: أن الصلاة أجمع الفقهاء على أن الصلاة المفروضة لا يصليها أحد عن أحد بينما الصيام تقدم معنا أن الصيام المفروض فيه خلاف فدل على أن بينهما فرقاً. وفي الحقيقة فيها إشكال: مسألة الصلاة: يعني لو أن إنساناً قال لله عليَّ نذر أن أصلي ثم مات فيها إشكال فالأقوال فيها متقاربة. والأقرب والله أعلم: أنه لا يصلي لأنه لم يعهد من الشارع أبداً النيابة في الصلاة بينما تنجد الحج فيه نصوص والصيام فيه نصوص واضحة أما الزكاة فأمرها أوضح من هذا بكثير.

стр. 1014

فإذا وجدنا النصوص في الصيام وفي الحج ولك نجد في الصلاة أي دليل يدل على عدم النيابة مع وجود أثر ابن عباس: (لا يصلي أحد عن أحد) يجعل الإنسان يميل إلى أنه لا يصلي أحد عن أحد لا النذر ولا الفريضة. باب صوم التطوع . • ثم قال ﵀: باب صوم التطوع. • قال بعده ﵀: يسن صيام أيام البيض. أيام البيض ... (((الأذان))) ... بعد الأذان))). قال الشارح حفظه الله: • قال المؤلف ﵀ باب صوم التطوع. أراد المؤلف ﵀ أن يبين أحكام صيام التطوع بهذا الباب وما يتعلق بأيهم أفضل؟ وما يكره من الصيام. وما يتعلق بهذه الأحكام. يقول ﵀ يسن صيام أيام البيض. صيام أيام البيض سنة = عند الجمهور. والأيام البيض هي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وسميت بهذا الاسم لشدة ضوء القمر. وصيام أيام البيض نتكلم عنه في مسألتين: ــ المسألة الأولى: صيام ثلاثة أيام بغض النظر عن أن تكون في البيض أو في غيرها. فهذا سنة بالإجماع والنصوص المستفيضة تدل على أنه ثابت: - كحديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (أوصاني خليلي ﷺ أن أوتر قبل أن أنام وأن أصلي سبحة الضحى وأن أصوم من كل شهر ثلاثة أيام). - وأيضاً ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام. - وأيضاً ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قيل لها ﵂ في أي الأيام يصوم؟ قالت كان ﷺ لا يبالي أي الأيام صام. فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على أنه يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. ــ المسألة الثانية: أن يجعل الإنسان هذه الأيام الثلاثة توافق البيض وهي اليوم: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وجاء في هذا الباب وهو استحباب صيام البيض أحاديث كثيرة نحو أربعة أحاديث منها: - حديث أنس ﵁. - ومنها حديث جرير ﵁. وكل الأحاديث المروية في صيام الأيام البيض - كلها ضعيفة. لكن ضعف هذه الأحاديث ضعف يسير وليس بالضعف الشديد:

стр. 1015

= فمن العلماء من يصححها وهم عامة المتأخرين بمجموع الطرق والألفاظ والشواهد يصححون مشروعية صيام ثلاثة أيام. ومنهم من يرى أن هذا الباب لا يثبت فيه حديث لضعف الأحاديث. وفي الحقيقة صيام ثلاثة أيام - صيام البيض أحاديث البيض تقبل التقوية إلا أنه يشكل عليها حديث عائشة ﵂ وهي أنها ذكرت أن النبي ﷺ لم يكن يبالي أي الأيام يصوم. يعني: لم يكن يحرص على موافقة البيض. فهذا الحديث يشكل على الأحاديث التي في الباب. فإما أن يقال أنها لم تقف ﵂ على أنه ﷺ كان يحب أن يوافق الأيام البيض أو أن مشروعية صيام الأيام البيض جاء متأخراًَ أو أي جواب ممكن أن يجاب به عن حديث عائشة متى أردنا أن نصحح أحاديث الأيام البيض. والأمر في هذا يسير لأنه ما دام ثابتاً فإنه ﷺ يصوم ثلاثة أيام فكون الإنسان يجعل هذه الثلاثة أيام توافق الأيام البيض لا يضر ويحصل على فضيلة موافقة هذه السنة من غير ضرر. • ثم قال ﵀: والاثنين والخميس. أولاً: الاثنين: صيام يوم الاثنين ثابت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويقول: هو يوم ولدت فيه. وأشار الإمام مسلم في صحيحه إلى أن رواية كان يصوم الاثنين والخميس في هذا الحديث ضعيفة. ثانياً: صيام يوم الخميس: يوم الخميس جاء فيه أحاديث كثيرة منها: حديث أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين والخميس ويقول هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم. وهذا الحديث يقبل أنه حديث حسن إن شاء الله بمجموع طرقه وبشواهده الكثيرة يقبل التحسين. لكن يجب أن تعلم أن حديث الاثنين في مسلم بينما حديث الخميس في السنن وهو صحيح بشواهده وطرقه. فثبت بهذا أن صيام يوم الاثنين والخميس مشروع إن شاء الله. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... انتهى الدرس،،،

стр. 1016

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • قال المؤلف ﵀: وست من شوال. صيام الست من شوال سنة استحبها جماهير أهل العلم. - لقول النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر). وفضيلة صيام الست تحصل سوتء صامها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لإطلاق الحديث إلا أن عدداً من السلف استحب أن يبادر بها لأن لا يشتغل عنها فتفوته. - - مسألة: اختلف أهل العلم هل يشترط في صيام الست أن يكون أتم صيام رمضان؟ اختلفوا فيها على قولين: = القول الأول: أنه لا يصوم الست إلا إذا أتم رمضان. - لقوله ﷺ : (من صام رمضان) , ومن أفطر بعض رمضان لا يصدق عليه أنه صام رمضان بل صام بعض رمضان. = والقول الثاني: أنه لا يشترط بل إذا صام الإنسان رمضان جملة وإن أفطر بعضه جاز له أن يؤخر القضاء وأن يبدأ بصيام الست. واستدلوا على ذلك: - بأن من صام رمضان وأفطر منه يوماً أو يومين فإنه يصدق عليه بأنه صام رمضان. - وبحديث عائشة الذي تقدم معنا وهو قولها ﵂ كان يكون علي قضاء من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان. ووجه الاستدلال أنه يبعد أن عائشة ﵂ لم تكن تصوم الست من شوال فإذا كانت تصوم الست من شوال فهي تصوم قبل القضاء. والأقرب لظاهر الحديث أن الإنسان لا يصوم إلا بعد القضاء. • ثم قال ﵀: وشهر المحرم. يعني: ويسن أن يصوم الإنسان شهر الله المحرم. - لقول النبي ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم). فدل هذا الحديث على أن صيامه مندوب إليه مستحب. • ثم قال ﵀: وآكده العاشر. أي آكد أيام الشهر المحرم اليوم العاشر وهو يوم عاشوراء. فتعريف عاشوراء أنه اليوم العاشر من الشهر المحرم. ودليل (الاستحباب): - قوله ﷺ : (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) وهو حديث صحيح. والسنة أن يصوم الإنسان اليوم العاشر ويوماً قبله ويوماً بعده وإلا يصوم العاشر ويوماً قبله أو بعده ويجوز أن يفرد العاشر بالصيام.

стр. 1017

وجواز إفراد العاشر بالصيام = مذهب الحنابلة فيجوز بلا كراهة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم - رحمهما الله -. - لعموم الحديث حيث فيه أن من صام العاشر فإنه يغفر له السنة التي قبله. • ثم قال ﵀: ثم التاسع. صيام اليوم التاسع من شهر المحرم متأكد يأتي في المرتبة الثانية بعد العاشر. بناء على هذا من أراد أن يصوم العاشر ويوماً فقط فالأحسن أن يصوم التاسع بدل أن يصوم الحادي عشر لأن اليوم التاسع يأتي في الأفضلية والآكدية بعد اليوم العاشر. والدليل على استحباب اليوم التاسع: - ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ لما صام عاشوراء قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود فقال: لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع. يعني مع العاشر. فهذا دليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يصوم العاشر أن يجمع إليه التاسع. فإن جمع معهما الحادي عشر فهو أطيب وأكمل. • ثم قال ﵀: وتسع ذي الحجة. يعني: ويسن أن يصوم الإنسان تسع ذي الحجة أي من اليوم الأول إلى اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. - لقول النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من العشر قالوا: يا رسول الله ولا المجاهد في سبيل الله قال ولا المجاهد في سبيل الله إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشء). فقوله: (ما من أيام العمل الصالح) دليل على أفضلية الصيان في هذه الأيام لأن الصيام من جملة العمل الصالح. = وإلى مشروعية الصيام ذهب الجماهير. فإن قيل: أنه ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت ما صام رسول الله ﷺ العشر قط. فالجواب: أن الإمام أحمد ﵀ سلك مسلكين في الجواب عن هذا الحديث: - الأول: قال ﵀:أن حديث عائشة هذا فيه اختلاف ورواه بعضهم مرسلاً وروي عن حفصة إثبات الصيام. فكأن الوجه الأول يشير فيه الإمام أحمد إلى نوع ضعف ولا يظهر من عبارة الإمام أحمد أبداً أنه يضعف الحديث لكن يشير إلى أنه فيه ضعف.

стр. 1018

- الثاني: قال الإمام أحمد ﵀ أن المراد في حديث عائشة نفي استغراق العشر في الصيام: يعني: أنه لم يصم جميع العشر ﷺ فأرادت نفي جميع العشر. والمثبت في حديث حفصة صيام بعض العشر. وبهذا يكون ﵀ جمع بين حديث حفصة وبين حديث عائشة. بناء على هذا - على الجمع الأخير: نقول لا ينبغي استغراق العشر صياماً. فلا ينبغي أن يستغرق الإنسان جميع أيام العشر بالصيام. هذا إذا أردنا أن نجمع بالجمع الثاني وأنا أرى أنه وجيه وجيد وهو أقوى من الوجه الأول الذي ذكره الإمام أحمد ﵀. • ثم قال ﵀: ويوم عرفة لغير حاج بها. يشرع للإنسان الذي لم يحج أن يصوم يوم عرفة. - لقول النبي ﷺ عن صيام يوم عرفة: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده). فدل الحديث على مشروعية الصيام بالنسبة لغير الحاج وأنه يوم أحب الشارع فيه أن يصبح الإنسان صائماً. • ثم قال ﵀: لغير حاج بها. أي: لا يشرع أن يصوم الإنسان في يوم عرفة. والدليل على هذا: - ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أوتي بقدح من لبن في يوم عرفة فشربه والناس ينظرون. - - مسألة: الحكمة من النهي عن صيام يوم عرفة للحاج: اختلفوا فيها: - الأول: ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن الحكمة أن يوم عرفة عيد وكل عيد لا يصام. - الثاني: أن العلة في النهي عن صيام يوم عرفة ليتقوى الحاج على عبادة الله والدعاء والابتهال والتضرع. والأقرب والله أعلم أن الحكمة مركبة من الأمرين ولا مانع. فهو لا يصام لأنه عيد وليتقوى فيه الحاج. - - مسألة: حكم الصيام: اختلفوا في حكم الصيام - بعد أن عرفنا أنه ليس بمشروع اختلفوا فيه: = [القول الأول]: فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستحب أن يصوم الإنسان يوم عرفة. = والقول الثاني: أنه جائز بلا كراهة. = والقول الثالث: أنه مستحب ما لم يضعف الحاج. = والقول الرابع: أنه مكروه. والقول بالكراهة قريب من القول من أنه لا يستحب وهو مذهب الحنابلة - مسألة: أنه لا يستحب هو مذهب الحنابلة.

стр. 1019

عرفنا من الخلاف أن الجماهير لا يرون أن الصيام محرم فليس في الأقوال أنه محرم فلم يذهب إلى التحريم إلا عالم واحد من السلف وهو يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: لا يجوز أن يصوم الإنسان يوم عرفة , أما عامة علماء الأمة فأقوالهم تدور بين الكراهة والإباحة. والراجح والله أعلم. أنه يدور بين الكراهة والتحريم. • ثم قال ﵀: وأفضله: صوم يوم وفطر يوم. أفضله: الضمير يعود إلى: صوم التطوع. فأفضل الصوم الذي للتطوع أن يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً. والدليل على هذا: - ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً). وصيام يوم وإفطار يوم هو أفضل أنواع صيام التطوع من حيث الأصل وقد تصبح مفضولة عند بعض الناس كمن يعوقه الصيام عن أداء الواجبات أو عن أداء عبادة هي أفضل من الصيام يوماً والإفطار يوماً. كأن تتعلق به مصالح عامة أو يتعلق به بيان الناس وإرشادهم ووعظهم. ولعله لهذا الأمر لم ينقل أن النبي ﷺ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. أي لأنه يقوم بما هو أفضل وأعظم من صيام يوم وإفطار يوم. وربما أن السبب في عدم صيام النبي ﷺ يوم وإفطار يوم لكي لا يدخل المشقة على الناس لأنه لو كان يفعل ذلك لحرص كثير من الناس على الاقتداء به فدخل عليه المشقة. لأن الناس يحبون الاقتداء بما فعله ﷺ أكثر مما قاله ولم يفعله. وبعد أن بين الأيام التي يسن ويحب الشارع أن تصام انتقل إلى المكروهات وبعدها سيذكر المحرمات. • فقال ﵀: ويكره: إفراد رجب ... بصوم. يكره للإنسان أن يفرد شهر رجب بالصوم لأمرين: - الأول: أن في هذا تشبهاً بالجاهليين لأنهم كانوا يعظمون هذا الشهر. - والثاني: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى عن ذلك. - والثالث: أنه لم يثبت في حديث صحيح ولا حسن أن الشارع حث على صومه وجميع الأحاديث التي في الباب ضعيفة جداً أو موضوعة. - - مسألة: وتزول الكراهة بأحد أمرين: - الأول: أن لا يستكمل شهر رجب بالصيام. يعني: أن يصوم بعض الأيام ويفطر بعض الأيام فتزول الكراهة.

стр. 1020

- الثاني: أن يصوم مع شهر رجب شهراً آخر سواء كان هذا الشهر الثاني يلي رجب أو هو شهر بعيد عن رجب فلا يشترط فالمهم أن لا يفرد شهر رجب من بين شهور السنة بالصيام. إذاً تلخص عندنا أن الكراهة تزول بأن يصوم ويفطر في شهر رجب أو أن يصوم رجب كاملاً ويصوم معه شهراً آخر. - - مسألة: لم يتطرق المؤلف إلى غير شهر رجب هل يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر في غير شهر رجب؟ اتفق الفقهاء أنه لا يكره إلا في شهر رجب. أما ما عداه من الشهور فإنه يستحب ولا يكره أن يصوم الإنسان جميع الشهر لأن هذا الصيام يدخل في العمومات التي تحث المسلم على الصيام مالم يعتقد أن للشهر الفلاني الذي صامه مزية معينة شرعية فحينئذ يحرم الصيام لأنه يكون بدعة. وعرفنا من هذا التفصيل أن الإنسان يحرم عليه أو يكره له أن يصوم جميع شهر رجب ولو بدون اعتقاد فهذا الشهر لايستكمل صياماً لما فيه من التشبه. • ثم قال ﵀: والجمعة. يعني: ويكره أن يفرد الإنسان الجمعة بالصيام. - لقول النبي ﷺ : (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده). - وقوله في صحيح مسلم: (إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم). يعني: إذا وافق الجمعة صيام أيام اعتاد الإنسان أن يصومها فلا بأس أن يصومها. وتزول الكراهة بأن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. - - مسألة: فهم من الأحاديث أن المنهي عنه هو تقصد الجمعة بالصيام. فإن صام الجمعة لا قصداً وإنما لأنه هو المتيسر فقد أفتى الإمام أحمد أن من صام الجمعة بلا قصد فلا بأس. وفي الحقيقة أن هذا يفهم من الأحاديث لأن الشارع الكريم أجاز أن يصوم الإنسان الجمعو مفرداً إذا كان في صوم يصومه الإنسان مما يدل على أن الإنسان إذا صامه لا قصداً له وإنما لكونه صادف وقتاً متيسراً له أو صادف صوماً هو اعتاد أن يصومه فلا بأس بذلك. بناء عليه: الذين يشتغلون طيلة أيام الأسبوع في دوام لا يتمكنون معه من الصيام لمشقة العمل أو لأي أمر آخر فإنه لا حرج عليهم فيما أرى أن يصوموا يوم الجمعة لكونه هو المتيسر لا لأنه يوم الجمعة. بدليل: - أن إجازة هذا الموظف لو وافقت غير الجمعة لصامه أيضاً مما يدل على أنه لم يتقصد يوم الجمعة.
следующие страницы →