← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إذاً خلاصة هذه المسألة أن الراجح إن شاء الله أنه لا يتحلل الإنسان إلا بالرمي والحلق وأنه لا يكتفى برمي جمرة العقبة. - ثم قال ﵀: إلا النساء. المقصود بالنساء هنا عند الحنابلة ما يشمل عدة أمور: - الأول: الوطء. - والثاني: المباشرة. - والثالث: اللمس بشهوة. - والرابع: التقبيل. - والخامس: عقد النكاح. والمقصود بلا شك التمثيل فكأن الحنابلة يقولون: كل ما يتعلق بالمرأة مما هو من جنس الرفث فهو ممنوع عنه قبل أن يتحلل التحلل الأول. = والقول الثاني: أن المراد بالنساء هنا وهو رواية عن الإمام أحمد: الوطء خاصة. وما عدا الوطء فهو جائز. - لأن الوطء هو المحذور الأكبر في الحج فيتعلق المنع به فقط. والأقرب والله أعلم القول الأول لأن التقبيل واللمس بشهوة والمباشرة تؤدي غالباً إلى الوطء لا سيما بعد طول انقطاع وهي الأيام التي بقي فيها الحاج محرماً، ثم إنه في الأحاديث قال: فقد حل له كل شيء إلا النساء. وكلمة إلا النساء عامة تشمل جميع هذه الممارسات، كما أن المباشرة والتقبيل من محظورات الإحرام وهي داخلة في معنى الرفث فيبقى الإنسان ممنوعاً منها إلى أن يحل من جنس هذا الأمر وهو ما يتعلق بالنساء. بناء عليه: الأقرب والله أعلم أن الإنسان إذا تحلل التحلل الأول ولبس الثياب وتطيب فإنه ينبغي عليه ويتأكد أن يجتنب الكلام فيما يتعلق بالنساء سواء كان على سبيل المزاح أو على سبيل الجد. ولم أر أحداً من الفقهاء نص على مسألة التحدث في أمور النساء وما يتعلق بهن سواء كان بالنكاح أو بالجماع أو .. لم ينص الفقهاء على المنع منه لكنهم مثلوا بأشياء أخرى تقع كثيراً وهي هذه الخمسة التي ذكرت لك. فهذا الأمر الذي يقع من بعض إخواننا أحياناً يظهر والله أعلم أنه داخل في المنع وإن كان بلا شك أنه أهون من التقبيل والوطء والمس بشهوة والمباشرة التي ذكرها الفقهاء لكنه داخل في المعنى العام مع أني أقول هو أهون منها لكن ينبغي على الإنسان أن يجتنب مثل هذه الأشياء: أي: يجتنب كل ما يتعلق بالنساء إلى أن يتحلل التحلل الثاني. - ثم قال ﵀: والحلاق والتقصير: نسك.

стр. 1192

نسك: يعني عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه وليس إطلاقاً من محظور كما يقول بعض أهل العلم ولعل المؤلف ﵀ أن يرد على الذين قالوا أن الحلق والتقصير مجرد إطلاق من محظور كأنه كان ممنوعاً منه ثم أذن له فيه كما أنه كان ممنوعاً من الصيد ثم أذن له بالصيد وهكذا. فالمؤلف ﵀ يريد أن يبين أن الحلق أو التقصير نسك يتعبد الإنسان به إلى ربه. وهذا القول هو الصواب الذي تدل عليه النصوص لا سيما والنبي ﷺ في الحديث الصحيح دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة وهذا إنما يكون في العبادات لا في المباحات. - ثم قال ﵀: لا يلزم بتأخيره دم. لا يلزم من تأخير الحلق أو التقصير دم، وظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه ليس لهذا التأخير حد بل له أن يؤخر إلى ما شاء ولو انتهت أشهر الحج، وهذا هو = مذهب الحنابلة: أن له التأخير ما شاء ولو انتهت أشهر الحج إذ لا دليل يدل على التوقيت. = والقول الثاني: أن له التأخير إلى نهاية أشهر الحج. واستدل هؤلاء: - بأنه إذا تقرر أن الحلق أو التقصير عبادة وهي عبادة خاصة بالحج فإن مناسك الحج يجب أن تؤدى في وقته وفي زمنه وزمن الحج ينتهي بأشهره. وهذا القول هو الصواب بلا شك إن شاء الله: أنه لا يجوز له التأخير عمداً إلى أن تنتهي أشهر الحج. - ثم قال ﵀: ولا بتقديمه على الرمي والنحر. يعني: أنه يجوز للإنسان أن يقدم ويؤخر في أعمال اليوم العاشر: وهي: الرمي والنحر والحلق والطواف. فله أن يقدم بعضها على بعض. والدليل على ذلك: - ما ثبت في الأحاديث المشتهرة أو النقول المتواترة التي جاءت عن أكثر من صحابي في الصحيح وخارج الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن أعمال اليوم العاشر عن التقديم فيها والتأخير وهذا بعض ألفاظ الأحاديث (عن التقديم فيها والتأخير) فقال: (افعل ولا حرج). فهذا نص في جواز تقديم بعض الأعمال على بعض وأنه لا محظور في ذلك ولا يترتب على من فعله دم. - ثم قال ﵀: فصل. هذا الفصل مخصص للكلام عن باقي أركان الحج وباقي أعمال الحج. فالأركان: الطواف والسعي. والأعمال: المبيت والرمي. - يقول ﵀:

стр. 1193

ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة. هذا الطواف الذي يسمى طواف الإفاضة أو طواف الزيارة ركن من أركان الحج التي أجمع أهل العلم على أنه ركن فيها ولا يصح حج الإنسان إذا لم يأتي به. وقوله ﵀: (ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة: طواف الزيارة.) ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه يطوف طواف الإفاضة ولا يشترط أن يطوف طواف القدوم قبل أن يطوف طواف الإفاضة. = والمذهب على خلاف ما ذكره المؤلف ﵀ وهو أن من جاء من عرفة ومزدلفة وأراد أن يطوف عليه أن يطوف طواف القدوم إن كان متمتعاً أو قارناً. لكن إن كان متمتعاً فإنه يطوف طواف القدوم بلا رمل وإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يطوف طواف القدوم مع الرمل هذا إذا لم يكن طاف طواف القدوم بالنسبة للقارن والمفرد، فغاية ما يستفاد من كلام المؤلف ﵀ أنه يريد أن يبين أنه يطوف ولا يجب عليه أن يأتي بطواف القدوم قبل ذلك. وقول المؤلف ﵀ هنا (ويطوف القارن والمفرد) لا معنى له بل يجب أن يقول: ويطوف القارن والمفرد والمتمتع، إنما خص المؤلف ﵀ القارن والمفرد لأنهما عليهما الرمل في طواف القدوم دون المتمتع. يعني في هذه الصورة، ولذلك تجد أن غير المؤلف ﵀ من أهل العلم والفقهاء الحنابلة ينصون على القارن والمفرد والمتمتع فاقتصار المؤلف ﵀ على القارن والمفرد هنا ليس له معنى في الحقيقة وكان الواجب أن يذكر الجميع لأن الحكم يتناول الجميع. تلخيص ما سبق: = الحنابلة يرون أن القارن والمفرد والمتمتع إذا أراد أن يطوف طواف الإفاضة فعليه أن يطوف طواف القدوم أولاً ثم يطوف طواف الإفاضة. إنما الفرق بين المتمتع والقارن والفرد هو: أن هؤلاء يرملون وهو لا يرمل. = والقول الثاني: أنه ليس عليهم جميعاً لا المفرد ولا القارن ولا المتمتع أن يطوفوا طواف القدوم بل يطوفوا طواف الإفاضة مباشرة. وهذا القول: الثاني هو الصواب.

стр. 1194

والقول الأول وهو: أنهم يطوفون طواف القدوم أولاً قول في الحقيقة تفرد به الإمام أحمد ﵀، ومن أضعف ما مر عليَّ من أقوال الإمام أحمد ﵀ هذا القول ولذلك لم يوافق الإمام ﵀ أحد على مشروعية هذا الطواف، فالقول بأنه يطوف طواف قدوم قول ضعيف حتى أصحاب الإمام أحمد ﵀ أو كثير من أصحاب الإمام أحمد لم يوافقوه على هذا القول. - ثم قال ﵀: وأول وقته بعد نصف ليلة النحر. أول الوقت الذي يجوز فيه أن يطوف الإنسان فيه بعد منتصف ليلة النحر، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف تماماً في مسألتين تقدمتا: وهما: - متى يجوز للإنسان أن يخرج من مزدلفة؟ - ومتى يجوز للإنسان أن يبدأ برمي جمرة العقبة؟ فالخلاف المذكور في هاتين المسألتين هو نفسه الخلاف الذي وجد في مسألة متى يبدأ وقت جواز طواف الإفاضة؟ تقدم معنا أن: - الجماهير يرون أنه من بعد منتصف الليل فإذا انتصفت ليلة مزدلفة فللإنسان أن يخرج من مزدلفة مباشرة إلى الحرم ويطوف طواف الإفاضة. وأن القول الراجح جواز تقدم الخروج من مزدلفة والرمي والطواف خاص بالضعفة. - ثم قال ﵀: ويسن في يومه. يسن أن يقع طواف الإفاضة في يوم العيد، ويسن أن يكون بعد الرمي والحلق والنحر، ولو أن المؤلف ﵀ أشار إلى هذا لكان حسناً. لأن السنة الكاملة هي أن يقع في يوم العيد وأن يقع بعد هذه الأعمال، فإذاً السنة أن يؤخر الإنسان الطواف إلى أن ينتهي من أعمال يوم العيد الأخرى وهي الرمي والنحر والحلق ثم يطوف ويجعل هذا الطواف في يوم العيد، إذاً هذا معنى قول المؤلف ﵀ ويسن في يومه. - ثم قال ﵀: وله تأخيره. يعني: وله تأخير طواف الإفاضة. واختلف أهل العلم في الحد الذي يجوز أن يؤخر الإنسان إليه طواف الإفاضة: = فالحنابلة يرون أن له أن يؤخر تأخيراً غير محدود بزمن ولو أخرجه عن أشهر الحج. = والقول الثاني: أنه له أن يؤخر إلى نهاية أيام التشريق فقط. = والقول الثالث: أن له أن يؤخر إلى نهاية أشهر الحج فقط.

стр. 1195

وهذا القول الأخير هو القول الصواب إن شاء الله وهو أنه يشترط أن لا يؤخر إلى أكثر من نهاية أشهر الحج لأنه عبادة بل هو ركن الحج بل هو من أعظم العبادات في الحج بعد الوقوف في عرفة فكيف نخرج هذا العمل وهذا النسك العظيم عن أشهر الحج التي هي زمان أداء أعمال الحج؟ - ثم قال ﵀: ثم يسعى بين الصفا والمروة: إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم ٠ ثم قد حلّ له كل شيء. بعد الطواف يقوم الحاج بالسعي، والسعي ركن من أركان الحج، وسيأتينا الخلاف في مسألة حكم السعي. لكن الذي يعنينا الآن مسائل أخرى: - المسألة الأولى: أنه إذا سعى فقد تحلل التحلل الثاني. بإجماع أهل العلم. - المسألة الثانية: أن المتمتع يلزمه سعيان: o السعي الأول: في العمرة. o والسعي الثاني: في الحج. وإلى هذا: = ذهب الجماهير. أنه يلزم المتمتع أن يسعى مرتين: السعي الأول: للعمرة. والسعي الثاني: للحج. واستدل الجمهور بأدلة: - منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵁ أنه ذكر شأن المتمتعين ووصف حجهم ثم قال: ثم سعوا بين الصفا والمروة مرة أخرى وهذا نص في المقصود. وأجيب عن الحديث: بأنه حديث ضعيف وأنه معلول وأن البخاري ﵀ لم يخرجه مسنداً وإنما أخرجه معلقاً. والصواب أن الحديث صحيح وقد تأملت العلل التي ذكروها للحديث فلم أجد فيها على تثبت وهم ذكروا أشياء لكنها لا تثبت ومنهم شيخ الإسلام حاول أن يضعف هذا الحديث لكن لم يأت بشيء مقنع في تضعيف هذا الحديث. - الدليل الثاني: أن عائشة ﵂ ثبت عنها في الصحيح أنها وصفت حج المتمتع والمفرد والقارن ونصت على أن المتمتعين طافوا بين الصفا والمروة مرة أخرى. وهذا نص في المسألة. وأعل بأن هذا التفصيل المذكور في آخر حديث عائشة مدرج من كلام الزهري. وأنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ . والأقرب والله أعلم: أن الحديث صحيح مرفوعاً وبهذا يشعر صنيع البخاري ﵀ فإنه أخرجه مرفوعاً كاملاً. ولم يذكر شيخ الاسلام ﵀ سبباً في الحكم على الحديث بالإدراج. هذا أولاً.

стр. 1196

ثانياً: تقدم معنا مراراً وتكراراً أن الحافظ الفقيه الإمام الزهري إذا وصف شيئاً أنه من السنة فقوله له ثقل ويصلح أن يستدل به الإنسان لأنهم شهدوا له جميعاً بمعرفة السنة استقراءً، فلو فرضنا أن هذا الكلام من كلام الزهري وأنه يثبت أن الصحابة الذين تمتعوا سعوا مرتين فهذا بحد ذاته دليل قوي، هذا إذا سلمنا بأن الحديث مدرج من كلام الزهري ﵀. = والقول الثاني: أن المتمتع يجزئه سعي واحد ولا يلزم أن يسعى مرتين وهو رواية عن الإمام أحمد انتصر لها شيخ الاسلام ﵀. واستدل بحديث صحيح صريح وهو: - أن جابر ﵁ قال: أن أصحاب النبي ﷺ لم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة. ومن المعلوم أن أكثر أصحاب النبي ﷺ - جملة الصحابة - حجوا متمتعين وأن الذين حجوا بنسك قران نفر معدود وحسبوا فمنهم من قال خمسة أو كثر أو أقل وبكل حال هم نفر معدود فهم جماعة قليلة من أصحاب النبي ﷺ ، وإذا كان جابر ﵁ يقول: إن أصحاب النبي ﷺ لم يسعوا إلا سعياً واحداً بين الصفا والمروة فمن أول ما يدخل في كلام الصحابي الجليل جابر المتمتعون من أصحاب النبي ﷺ . وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن المقصود فقط القارنين للتوفيق بين النصوص وللجمع بينها فإن عائشة وابن عباس يثبتون سعياً آخر وجابر ينفيه نفياً عاماً، والمثبت مقدم على النافي ولكي نحفظ على جابر ما ذكر نجمع بينه وبين ما قالت عائشة وابن عباس بأن يحمل كلامه على القارنين فقط. والراجح والله اعلم القول الأول. ولو سلم لشيخ الإسلام تضعيف حديث ابن عباس وتضعيف حديث عائشة لكان قوله قوي جداً ومتوجه لكن الإشكال أن هذه الأحاديث التي أعلها شيخ الإسلام ﵀ في الواقع ليست معلولة بل ثابتة وصحيحة، وهذا يقدح في استدلاله ﵀ وقوة قوله. فنقول الراجح مع الجماهير من الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء المسلمين الذين رأوا أن المتمتع عليه أن يسعى مرتين الأولى للعمرة والثانية للحج.

стр. 1197

ومن أدلة شيخ الاسلام: أن النبي ﷺ قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة). قال وفي هذا دليل على أن المناسك التي أداها الإنسان في العمرة تجزئ عنه في الحج وإنما تحلل بين النسكين تسهيلاً عليه والشريعة إنما جاءت سمحة سهلة فمن اليسر على الإنسان أن يتحلل بين النسكين ليأخذ قسطاً من الراحة ويتمتع بهذا التحلل وإلا فإن نسك العمرة والحج شيء واحد حتى بالنسبة للمتمتع. لكن نقول: ما دام معنا حديث صحيح عن ابن عباس ﵁ وحديث صحيح آخر عن عائشة ﵂ فإنه لا يمكن العدول عن هذا القول ويكون إن شاء الله هو القول الراجح. - ثم قال ﵀: ثم يسعى بين الصفا والمروة: إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم في هذا دليل على أن القارن والمفرد إذا سعوا مع طواف القدوم فإن هذا السعي يجزئهم عن سعي الحج ويكون هو ركن الحج ولو كان مقدماً على الوقوف بعرف. والدليل على هذا: - ما أخرجه الإمام مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (طوافك بين الصفا والمروة يجزئك عن حجك وعمرتك). وهذا نص صريح في إجزاء السعي بالنسبة للقارن والمفرد الأول عن سعي الحج، فإذا سعى فإنه يكتفى بذلك عن السعي في الحج. بل نقول: أن السنة للقارن والمفرد أن يصنعا ذلك لأن النبي ﷺ وأصحابه الذين وافقوه في نسك القران صنعوا ذلك. وهو: أن يقدم الإنسان السعي مع طواف القدوم. * * مسألة / هل يستطيع أهل مكة إذا كان الحاج منهم مفرداً أو قارناً أن يقدموا السعي كما يقدمه الآفاقي؟ أو أن هذا الحكم خاص بالآفاقي. الجواب: أن الأقرب والله أعلم أن هذا الحكم خاص بالآفاقي. - لأنه يشترط كما تقدم معنا أن يكون السعي بعد طواف مسنون ونسك. والطواف المسنون والنسك هنا هو: طواف القدوم وطواف القدوم لا يشرع لأهل مكة إذ ليس لهم طواف قدوم، ولذلك ذهب الجماهير وحكي إجماعاً حكاه بعضهم إجماعاً أن هذا الحكم خاص للآفاقي ولا يتناول المكي. - ثم قال ﵀: ثم قد حلّ له كل شيء. وهو التحلل الثاني وذكرنا أنه بعد أن يطوف ويسعى فقد تحلل التحلل الثاني بالإجماع. -

стр. 1198

ثم قال ﵀: ثم يشرب من ماء زمزم: لما أحب. - ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما سعى ذهب إلى زمزم وشرب ﷺ . وهذا هو الموضع الثاني في حديث جابر فيه الشرب من ماء زمزم. وهو الموضع الوحيد الموجود في صحيح مسلم، وأخرج الإمام أحمد ﵀ أن النبي ﷺ لما طاف طواف القدوم وقبل أن يسعى ذهب إلى زمزم وشرب منها، إذاً في حديث جابر الشرب من زمزم مرتين. الثاني منهما ثابت في مسلم والأول منهما لم يخرجه مسلم وهو ثابت في مسند الإمام أحمد فقط، الأول منهما: الأظهر والله أعلم أنه شاذ لأنه تفرد به رجل وصف بأنه يهم أحياناً. فليس من السنة بعد طواف القدوم سواء كان هذا الطواف لطواف العمرة أو لطواف القدوم بالنسبة للمفرد والقارن ليس من السنة أن يذهب ويشرب من زمزم إنما السنة أنه إذا طاف يوم العيد يعني بعد طواف وسعي الحج يذهب إلى زمزم ويشرب منه كما ثبت في الحديث الصحيح. إذاً الموضع الأول ليس من السنة. - ثم قال ﵀: لما أحب. يعني أنه يستحب للإنسان حال شرب زمزم أن ينوي به تحقيق ما أحب. - لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس ﵁: (ماء زمزم لما شرب له). هذا الحديث عامة المتأخرين على تصحيحه فحسنه الحافظ بن حجر وظاهر عبارة الحافظ ابن القيم أيضاً تحسينه ونقل بعضهم تصحيح ابن عيينة له. فإن كان ابن عيينة صححه فإليه المنتهى في التصحيح وهو إمام من أئمة العلل ومن أئمة أهل الحديث فإذا صححه فإليه المنتهى، وعلى كل حال هذا الحديث إن شاء الله ثابت يعني: صححوه ونقل تصحيحه عن ابن عيينة فهو إن شاء الله ثابت. فالأحسن أن الإنسان إذا أراد أن يشرب أن يشرب زمزم بنية تحقيق ما يحب، ويستحب أن ينوي أمراً من أمور الآخرة وأن لا ينويً من أمور الدنيا لأن الاشتغال بتحقيق مصالح الآخرة أنفع للعبد من الاشتغال بتحقيق مصالح الدنيا. - ثم قال ﵀: ويتضلع منه. يعني: ويستحب إذا شرب من ماء زمزم أن يشرب إلى أن يتضلع أي إلى أن يمتلئ ما بين أضلاعه من ماء زمزم.

стр. 1199

واستدلوا على سنية أن يشرب هذه الكمية ولو لم يكن بحاجة إليها: - بحديث ابن عباس أن آية ما بيننا وبين المنافقين أنا نتضلع من زمزم. وهذا الحديث حديث ضعيف ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ فالأقرب والله أعلم أن هذا لا يسن. بل إذا أتى الإنسان إلى زمزم فإنه يشرب قدر حاجته ويكتفي، وهذا كما أنه لا دليل عليه أيضاً هو ظاهر السنة فإن المنقول عن النبي ﷺ أنه استقي له من ماء زمزم فأخذه وشربه ولم يشر لا جابر ولا غيره من أصحاب النبي ﷺ أنه تقصد هذه القضية وهو أن يملأ ما بين أضلاعه من الماء ولو لم يكن بحاجة إلى شرب هذا الماء، فالأصل والسنة أن يشرب الإنسان على طبيعته وليس من السنة أن يتضلع منه. - ثم قال ﵀: ويدعو بما ورد. روي أن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء) لكن هذا الحديث روي من حديث ابن عباس وهو حديث ضعيف. لكن لعله يصح موقوفاً. وأنا لم أنظر في الإسناد موقوفاً أما مرفوعاً فلا إشكال أنه لا يصح مرفوعاً لكنه قد يصح موقوفاً. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ماء زمزم يستعمل في الشفاء في قوله: (وشفاء من كل داء). ففي هذا الأثر إشارة إلى استخدام ماء زمزم صرفاً في الدواء أو ممزوجاً مع غيره أمر له أصل في السنة. بالإضافة إلى ما وصفت به هذه العين من البركة. - ثم قال ﵀: ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال. المبيت بمنى ثلاث ليال مسنون ثابت عن النبي ﷺ واختلفوا في حكمه: والخلاف إنما هو في المبيت: في الليلة الأولى والثانية أما الليلة الثالثة فبالإجماع المبيت فيها سنة إن شاء الإنسان أن يتأخر بات فيها وحقق السنة وإن شاء أن يتعجل فلا حرج عليه، إذاً الخلاف في المبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر. = فذهب الجماهير وأكثر أهل العلم إلى أن المبيت في منى ليالي التشريق واجب من واجبات الحج الذي يجبر بالدم إذا ترك - كما سيأتينا تفصيل متى يجبر بالدم في كلام المؤلف ﵀. لكن الذي يعنينا الآن أن المبيت واجب عن الجماهير. واستدلوا على هذا بدليلين:

стр. 1200

- الدليل الأول: أن جابر ﵁ وصف حج النبي ﷺ وبين أنه لما صلى الظهر في منى وعلى رواية لما صلى الظهر في مكة رجع إلى منى وبات فيها وقال: (خذوا عني مناسككم). - فعلى الرواية الأولى أنه صلى في مكة الدليل بقوله: (خذوا عني مناسككم). - وعلى الرواية الثانية: لأن الصحابة اختلفوا أين صلى النبي ﷺ الظهر يوم العيد على الرواية الثانية أنه صلى في منى فالدليل من قوله: (خذوا عني مناسككم) وأيضاً من مبادرة النبي ﷺ في الرجوع إلى منى وترك الصلاة في المسجد الحرام، ففي هذا إشارة إلى أن المبيت فيها متأكد. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أذن للعباس كما في صحيح البخاري وغيره أن يبيت في مكة ويترك المبيت في منى ورخص له في ذلك لأنه مشغول بالسقاية. وقوله: (رخص) دليل على أن البقاء عزيمة لأن الرخصة لا تأتي إلا من عزيمة. = والقول الثاني: أن المبيت فيها ليالي التشريق سنة فإن فعل الإنسان فقد أحسن ويؤجر وإن تركه فلا حرج عليه ولا دم وهذا هو مذهب الأحناف. واستدلوا على هذا: - بقولهم: إن المبيت في منى إنما شرع فقط ليتسنى للإنسان الرمي أيام التشريق وإلا المبيت ليس بمقصود لذاته وإنما شرع فقط ليسهل على الحاج الرمي أيام التشريق وإذا كان شرع لهذا الغرض فقط فهو سنة وليس بواجب إذ ليس مقصوداً هو بذاته. وهذا قول غاية في الضعف وغاية في البعد ومن تأمل السنة علم أن النبي ﷺ قصد المبيت فيها لا سيما وأنه سيأتينا آثار عن الصحابة في أنهم أفتوا بجزاء معين سيأتينا إما إطعام أو دم على من ترك ليلة أو أكثر وهذا يشعر أنهم ﵃ وأرضاهم كانوا يرون أن المبيت أمر متحتم. - ثم قال ﵀: فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً. ثم الوسطى مثلها. ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها. يفعل هذا: في كل يوم من أيام التشريق.

стр. 1201

هذا الوصف الذي ذكره المؤلف ﵀ مروي في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح البخاري وهو أنه ﵁ جاء فرمى الجمرة الصغرى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم أخذ ذات اليمين ووقف يدعو وفي حديثه يدعو طويلاً وفي الآثار الأخرى المروية عن غيره ﵁ أنها بقدر سورة البقرة لكن التقدير بسورة البقرة ليس في البخاري ثم أنه رمى الوسطى وأخذ ذات الشمال ودعا دعاء طويلاً وكذلك نص على طول الدعاء بلا تقدير وقدر في روايات أخرى أنه بمقدار قراءة سورة البقرة ثم رمى العقبة وانصرف ولم يقف. وهذا التفصيل الذي ذكره المؤلف ﵀ هو المذكور في حديث ابن عمر ﵁ ولما صنع ﵁ ذلك قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع. فهذه الكيفية كيفية ثابتة في الأحاديث الصحيحة ويتأكد على الحاج أن يتحراها بأن يرمي على هذه الصفة مقتدياً بالنبي ﷺ كما أنه يتأكد عليه أن يدعو دعاء طويلاً فإن هذا سنة من سنن الرمي المتأكدة، وكما قلت لكم أن هذا الطول حدد بسورة البقرة، وفي بعض الروايات بقراءة نحو مائتي آية .. ((الأذان)) ... نكون توقفنا عند هذا الحد وغداً إن شاء الله يكون الكلام عن قوله (رماها بسبع حصيات) والخلاف في من نقص حصاة أو حصاتين أو ثلاث أو أربع وكلام أهل العلم فيما يتعلق بالنقص مما لا يتسع الوقت لذكر الخلاف فيه الآن.

стр. 1202

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٤) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا أن هذه الكيفية التي ذكرها المؤلف ﵀ بقوله: (يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات ويجعلها عن يساره ويتأخر قليلاً ... إلى آخر الصفة .. تقدم معنا أن هذه الصفة جاءت صريحة في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح البخاري وأنه لما صنع هذه الكيفية في الرمي قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل وهذا تقدم معنا في الدرس السابق. - بقينا في قول المؤلف ﵀: بسبع حصيات. في هذه العبارة دليل على أنه يشترط لصحة الرمي أن يستكمل الرامي سبع حصيات فإن نقص حصاة واحدة أو أكثر بطل الرمي. - لأن النبي ﷺ رمى بسبع حصيات وقال: (خذوا عني مناسككم) ولا يجوز أن ننقص في أداء النسك عما صنعه النبي ﷺ . = والقول الثاني: أنه يجوز أن ينقص الإنسان حصاة واحدة. واستدل هؤلاء: - بقول بن عمر ﵁ لا أبالي بسبع رميت أو بست. وهذا الأثر فيه ضعف وانقطاع. = والقول الثالث: أنه يجوز أن ينقص حصاة أو حصاتين. واستدلوا: - بحديث سعد بن مالك أنه قال ﵁: رجعنا من الحج وبعضنا يقول رميت بست وبعضنا يقول رميت بخمس. ومن رمى بخمس فقد نقص رميه بحصاتين، وهذا الحديث أيضاً أعل بالانقطاع وضعفوه. فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أنه لابد من سبع. أنه لابد من ست. أنه لابد من خمس. ومن سياق هذا الخلاف تعلم أن الفقهاء لم يجيزوا الرمي إذا نقص العدد عن ثلاث. يعني: إذا نقص ثلاث فأكثر لم يجيزوه إنما الخلاف في حصاتين فأقل. وهذا هو الواقع فإني لم أجد خلافاً فيما اطلعت عليه من كلام أهل العلم فيمن نقص من الحصا قدر ثلاث إنما الخلاف في نقص واحدة أو نقص ثنتين. والراجح والله أعلم أنه لا يجوز النقص أبداً لعدم صحة الآثار ولأنه لا مستند للذين قالوا بجواز النقص عن حصاتين.

стр. 1203

وإن كانت هذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى جمع الآثار أكثر والتثبت من قضية عدم وجود فتاوى عن الصحابة تفيد جواز نقص حصاة أو حصاتين. نعم. هذه الآثار التي ذكرت الآن فيها ضعف لكن مثل هذا الباب يحتاج إلى تتبع أكثر وحسب ما بحثت لم أجد آثار أو فتاوى لكن يقع في ذهني أنه لو تتبعت هذه المسألة تتبعاً دقيقاً لوجد الإنسان فتاوى إما عن الصحابة أو عن التابعين ينسبونها إلى الصحابة تفيد جواز النقص. وعلى كل حال هو ما سمعتم من الخلاف فبحسب كلام الفقهاء يجوز النقص على قول: حصاة وعلى قول حصاتين ولا يجوز النقص ثلاث مطلقاً. - ثم قال ﵀: يفعل هذا: في كل يوم من أيام التشريق. يعني: أن هذه الكيفية لا تختص باليوم الأول بل تفعل في كل أيام التشريق على نفس الهدي الذي ذكره الصحابي الجليل الفقيه ابن عمر ﵁. - ثم قال ﵀: بعد الزوال. يعني: أن الرمي لا يجوز قبل الزوال. = وهذا مذهب الحنابلة وإليه ذهب الجماهير من الفقهاء وأغلب أهل العلم على هذا القول: أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال. واستدلوا بأدلة كثيرة: من أقواها: - الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا نتحين الزوال ثم نرمي بعده. وهذا الحديث نص في المسألة لأنهم كانوا ينتظرون بدأ وقت الجواز كما كانوا ينتظرون الزوال لصلاة الظهر. - الدليل الثاني: حديث جابر في الصحيح أنه قال: رمى النبي ﷺ جمرة العقبة ضحى ثم لم يرم بعد إلا بعد الزوال. وهذا نص في أنه فرق بين ما يرمى في الضحى وبين ما يرمى بعد الزوال. - الدليل الثالث: صح عن ابن عمر ﵁ النهي عن الرمي قبل الزوال. - الدليل الرابع: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ النهي عن الرمي قبل الزوال. - الدليل الخامس: أن النبي ﷺ رخص في مواضع من الحج عديدة في ليلة مزدلفة وفي مبيت ليالي التشريق وفي الرمي أيام التشريق. فهذه الرخص التي جاءت عن النبي ﵁ تدل على أن مناط الترخيص هو في ما جاء عنه ﷺ دون ما حفظ أنه لم يرخص فيه وإلا لم يكن لمواطن الترخيص فائدة. فهذه خمسة أدلة.

стр. 1204

= القول الثاني: جواز الرمي قبل الزوال في جميع أيام التشريق. واستدل هؤلاء: - بأن النبي ﷺ ليس عنه نص صريح في المنع قبل الزوال. - والدليل الثاني: القياس على رمي جمرة العقبة. - والدليل الثالث: أنه صح عن عبد الله بن الزبير لما كان أميراً للمؤمنين أنه كان يرمي قبل الزوال. والجواب على هذه الأدلة: - أن النصوص الأخرى دلت على المنع فكيف نقول ليس في المسألة نص. - وأما القياس على رمي جمرة العقبة فهو قياس مع الفارق الكبير. كيف نقيس أيام التشريق على رمي جمرة العقبة وجابر ﵁ ينص على الفرق بينهما؟ يقول: رمى العقبة الضحى وفيما بعد ذلك رمى بعد الزوال. فهذا قياس مصادم للنص ولا عبرة به مطلقاً. = القول الثالث: جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر الثاني. واستدل هؤلاء: - بأنه روي عن بعض الصحابة كابن عباس ﵁ تخصيص جواز الرمي قبل الزوال باليوم الثالث عشر. - واستدلوا كذلك: بأن اليوم الثالث عشر يجوز ترك الرمي فيه جملة فمن باب أولى التقديم قبل الزوال. واشترط هؤلاء الفقهاء الذين أجازوا الرمي في اليوم الثالث عشر اشترطوا لجواز الرمي قبل الزوال أن لا ينفر إلا بعد الزوال، فقالوا: يجوز الرمي قبل الزوال. لكن لابد أن يبقى إلى ما بعد الزوال، نص على هذا الشرط لهؤلاء الفقهاء ابن قدامة ﵀. =القول الرابع والأخير: جواز الرمي قبل الزوال في يوم التعجل وهو اليوم الثاني عشر فقط، وأيضاً اشترط الفقهاء الذين أجازوا الرمي في هذا اليوم أن لا ينفر إلا بعد الزوال، فأجازوا الرمي قبل الزوال ولكن يبقى إلى ما بعد الزوال. واستدل هؤلاء: - بأنه روي عن بعض الصحابة جواز الرمي قبل الزوال فنقيس عليه في اليوم الثاني عشر. - والدليل الثاني: الحاجة الماسة إلى تجويز الرمي قبل الزوال دفعاً لضرر الزحام الشديد. - الدليل الثالث: أن الله تعالى أمر بذكره في أيام معدودات والأيام المعدودات هي أيام التشريق والذكر يجوز قبل الزوال وبعد الزوال والرمي نوع من الذكر. لأن المقصود من الأنساك ذكر الله كما في الحديث الصحيح: (إنما جعل الطواف والرمي لإقامة ذكر الله).

стр. 1205

والجواب: أن الآية دلت أن الذكر في كل الأيام والسنة خصت ذكر الرمي بما بعد الزوال، ولا يصلح الاستدلال بالعمومات مع وجود نصوص خاصة في المسألة. والأقرب والله أعلم الذي تدل عليه النصوص ومقاصد الشرع وفتاوى الصحابة فيما عدا ابن الزبير وابن الزبير كان يخالفه ابن عمر في نفس السنة فكان الناس ينتظرون ابن عمر فكان ابن الزبير يخرج من خبائه ويرمي قبل الزوال وكان ابن عمر ينتظر ويرقبه الناس حتى تزول الشمس ثم يخرج فيرمي فكأنه يريد أن يبين أن السنة في هذا لا ما كان يصنعه ابن الزبير ثم ابن الزبير خالف ابن عمر وابن عمر أفقه منه وأكثر إتباعا للسنة وخالف عمر وليس بينهما أي وجه للمقارنة في الفقه والفهم عن الله وعن رسوله وبهذا صارت فتوى ابن الزبير لا تقاوم النصوص مع الآثار السابقة. إذاً الراجح إن شاء الله أنه لا يجوز الرمي في جميع أيام التشريق إلا بعد الزوال. وأما الزحام الذي يلحظ في الحج ليس سببه المنع من الرمي قبل الزوال إنما سببه جهل بعض المسلمين بكيفية الرمي أو إلزام بعض أصحاب الحملات الحجاج أن يرموا في وقت معين، المهم أنها أمور خارجة عن مسألة قبل أو بعد الزوال وتعود غالباً إلى جهل الناس، ولذلك مما يغلب على الظن أن الرمي لو قدم بعد الزوال لوجد الزحام كما وجد بعد الزوال تماماً، وسيكون الزحام عند أول ساعة يجاز فيها الرمي فإذاً الزحام لن ينتهي بتقديم الرمي أو تأخيره عن الزوال إنما يحل بطرق أخرى، ومن المشاهد أنهم بعدما أوجدوا هذه التوسعة المباركة للرمي وهي توسعة مفيدة جداً ووسعت على الناس بشكل ملحوظ أنه بعد هذه التوسعة خف الزحام بشكل ملحوظ لأن مكان الرمي صار واسعاً وصار الناس يتمكنون من أن ينتشروا في مكان واسع من الأرض ليرموا هذه الجمرة سواء بعد الزوال في اليوم الثاني عشر أو بعد الزوال في اليوم الحادي عشر. فالأقرب إن شاء الله للنصوص فيما يظهر لي بوضوح أنه لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال. - ثم قال ﵀: مستقبل القبلة. يعني أنه يرمي ويدعو مستقبل القبلة إذا أمكن، واستقبال القبلة أثناء الدعاء هذا ثابت في حديث ابن عمر في البخاري: أنه كان يستقبل القبلة ويدعو.

стр. 1206

ولو لم يأت استقبال القبلة في حديث ابن عمر لكانت السنة الواضحة أن يستقبل القبلة لأنه من قواعد الشرع فإن من آداب الدعاء العامة استقبال القبلة وهذا يتناول الدعاء بعد رمي الأولى والوسطى ويدخل في عموم نصوصه. - ثم قال ﵀: مُرَتِّبَاً. يعني: أنه يشترط لصحة الرمي أن يبدأ بالصغرى ثم يثني بالوسطى ثم ينتهي بالكبرى. فإن أخل بهذا الترتيب فإن الرمي لا يصح وعليه أن يستدرك الترتيب. فإذا عكس مثلاً وبدأ بالكبرى ثم الوسطى ثم الصغرى فعليه أن يرمي مرة أخرى الوسطى ثم الكبرى ليكون الترتيب منسجماً مع ما صنع النبي ﷺ . واستدل: = الجماهير من أهل العلم على وجوب الترتيب: - بأن النبي ﷺ رمى مرتباً وقال: (خذوا عني مناسككم). فهذه عبادة جاءت على صفة معينة لا يجوز الخروج عنها. = والقول الثاني: أن الترتيب سنة فإذا رمى الوسطى ثم الصغرى ثم الكبرى أو الكبرى ثم الصغرى ثم الوسطى أو بأي ترتيب شاء فإنه لا حرج عليه ورميه صحيح. واستدل هؤلاء بدليلين: - الدليل الأول: أن المقصود رمي الجمار الثلاث وهذا حصل. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: (افعل ولا حرج) فيما قدم وأخر يوم النحر. فدل على أن التقديم والتأخير في مناسك الحج لا حرج فيه. والجواب على الاستدلال (بإفعل ولا حرج): أنه استدلال ضعيف جداً لأن النبي ﷺ أجاز التقديم والتأخير في المناسك التي هي عبادة مستقلة: النحر عبادة مستقلة والحلق عبادة مستقلة والرمي عبادة مستقلة فلا بأس في التقديم والتأخير بين هذه العبادات المنفصلة أما العبادة الواحدة فإنه لا يجوز الإخلال بالترتيب فيها كما في الرمي. والقول بأن الترتيب سنة مذهب الأحناف وهو غاية في الضعف والبعد عن النصوص التي جاءت عن النبي ﷺ مما يدل على عنايته بالترتيب، والكيفية التي جاءت في البخاري عن ابن عمر ﵁ تدل دلالة واضحة أن النبي ﷺ أراد أن تؤدى العبادة على هذه الصفة: نعم الوقوف للدعاء وأخذ ذات اليمين ليس بواجب لأن هذا محل إجماع.

стр. 1207

أما باقي الصفة وهي الترتيب فهذا واجب عند الأئمة الثلاثة وهو إن شاء الله الصواب. - ثم قال ﵀: إن رماه كله في الثالث: أجزأه. = ذهب الحنابلة: إلى أنه يجوز تأخير الرمي إلى اليوم الثالث عشر بما في ذلك رمي يوم النحر. وهذا الحكم عند الحنابلة بلا نزاع داخل المذهب. فلا يوجد خلاف عند الحنابلة في جواز تأخير الرمي كله إلى اليوم الثالث عشر، ونص الحنابلة على أن الرمي إذا أخر فهو أداء وليس بقضاء، إذاً الآن تصورنا مذهب الحنابلة وهو: أنهم يرون أن أيام التشريق مع يوم العيد كلها وقت للرمي إن شاء أخر فلا حرج عليه بما في ذلك رمي جمرة العقبة. وإلى هذا = ذهب الجمهور. فأجازوا أن يرمي في نفس يوم الرمي أو يؤخره إلى ما بعده من الأيام ويجمع يوم في يومين أو يومين في اليوم الثالث أو ثلاثة أيام في اليوم الرابع، فالحاج مخير في ذلك كله. واستدل الجمهور على ذلك: - بأن أيام الرمي وقت واحد لعبادة واحدة وهي الرمي. فإذا كان وقتاً واحداً لعبادة واحدة جاز أن يأتي بالرمي في أول هذا الوقت أو في آخره لأنه وقت واحد. وأنا نبهتكم أن بعض الفقهاء يستدلون أحياناً بنفس الدعوى. هم يقولون يجوز الرمي في اليوم الثالث عشر لأن اليوم الثالث عشر والثاني عشر والحادي عشر كله وقت للرمي، ونحن نريد الدليل على أنها كلها وقت للرمي. فهم يستدلون بنفس الدعوى وهذا يقع من بعض الفقهاء. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أذن للسقاة أن يرموا يوم النحر ثم يرموا غداً ومن بعد غد في اليوم الذي يليه ثم يرموا اليوم الأخير. فترخيص النبي ﷺ للسقاة والرعاة بتأخير رمي يوم إلى ما بعده دليل على أن هذه الأيام الثلاثة كلها وقت للرمي. واختلف الشراح في معنى الحديث هل النبي ﷺ أذن لهم أن يرموا رمي اليوم الحادي عشر والثاني عشر في اليوم الثالث عشر، أو أذن لهم أن يرموا يوم الحادي عشر مع اليوم الثاني عشر ثم يأتوا في الثالث عشر، أو أذن لهم أن يرموا في اليوم الثاني عشر رمي جمرة العقبة واليوم الحادي عشر. اختلف الشراح على ثلاثة أو أربعة أقوال في معنى هذا الحديث؟

стр. 1208

لكن لا يعنينا هذا مطلقاً: لأن الجميع متفق على أنه ﷺ أذن لهم بأن يؤخروا رمي يوم إلى الذي [يليه] سواء المؤخر الحادي عشر أو الثاني عشر فهذا لا يشكل قضية في جواز التأخير. = والقول الثاني: أنه لا يجوز تأخير رمي يوم إلى الذي يليه. فإن فعل فقد أخل بواجب وهو تخصيص الرمي بيومه. واستدل هؤلاء: - بأن النبي ﷺ رخص للسقاة والرعاة والرخصة يعبر بها في مقابل العزيمة. فدل على أن غير هؤلاء المعذورين لا يوجد لهم رخصة وإنما الرخصة لهؤلاء الصنف فقط. والباقي عزيمة وهي أن يأتي برمي كل يوم في يومه. = والقول الثالث: أن رمي جمرة العقبة لابد أن يكون في يومه ويجوز تأخير بعض أيام التشريق إلى بعض. واستدل هؤلاء: - بالحديث فقالوا: في الحديث قوله: (إذا هم رموا جمرة العقبة أن يرموا من بعد غد لغد وما بعده) فنص الحديث على أنهم إذا رموا جمرة العقبة لهم أن يؤخروا رمي غد إلى ما بعده. فقالوا: إذاً العقبة لا تؤخر وما بعدها من الأيام يجوز أن يؤخر الإنسان رمي يوم إلى ما يليه. والراجح والله أعلم أنه لا يجوز تأخير رمي يوم إلى رمي اليوم الذي بعده. إلا لمعذور. فإذا كان الإنسان معذوراً جاز له أن يؤخر رمي يوم إلى يوم آخر. وهذا العذر الذي يجوز تأخير الرمي فيه: لا يشترط فيه أن يكون لمصلحة عامة بل ولو كان لمصلحة خاصة، فالمصلحة العامة مثل من أذن لهم النبي ﷺ الرعاة والسقاة فهؤلاء يقومون على خدمة الناس، والمصلحة الخاصة مثل أن يكون الإنسان مريضاً أو كبيراً أو معه عائلة كثيرة ويسكن في آخر منى أو يشق عليه المجيء لرمي كل يوم في يومه لأي سبب من الأسباب. إذاً سواء كان العذر خاصاً أو عاماً. ولا يشترط أن يكون العذر عاماً. وإلى هذا ذهب - أي: أن لا يشترط أن يكون العذر عاماً - ذهب عدد من الصحابة منهم ابن عمر ﵁ وهو ظاهر اختيار ابن القيم. وهو ظاهر فتاوى الإمام أحمد: أن العذر الذي يرخص فيه عام لا يتعلق بخدمة الحجيج العامة وإنما يتعلق به وبغيره من الأعذار الخاصة. - ثم قال ﵀: ويرتبه بنيته.

стр. 1209

هذا الحكم مفرع على جواز التأخير. فإذا أخر فإن عليه أن يرتب الرمي وأن يرتب بنيه. فإذا أخر رمي اليوم الحادي عشر إلى الثاني عشر فعليه أن ينوي أنه يرمي رمي اليوم الحادي عشر أولاً فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى بنية الرمي عن اليوم الحادي عشر ثم يرجع ويرمي عن اليوم الثاني عشر وهو يومه الذي هو فيه بنفس الترتيب الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى. ولا يجزئ أن يرمي الصغرى عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر ثم يرمي الوسطى عن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والأخيرة كذلك هذا لا يجزئ بل يجب أن يرتب الرمي بنيته عن كل يوم بيومه. فإن رمى الصغرى عن يومين والوسطى والكبرى كذلك فرميه عن اليوم الأول صحيح وعليه أن يرجع ويرمي عن اليوم الثاني. فيكون الرمي المشترك عن اليوم الأول والرمي المفرد الثاني عن اليوم الثاني. ولا يجزئه أن يجمع بين اليومين. - قال ﵀: فإن أخره عنه ... فعليه دم. الرمي: رمي أيام التشريق ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر بإجماع أهل العلم. فقد حكي الإجماع من عدد من الفقهاء. فإذا غربت الشمس من اليوم الثالث عشر وهو لم يرم فقد أساء وتعدى ولا يشرع ولا يسن أن يرمي بل عليه أن يتوب وأن يذبح شاة مكان ترك هذا الواجب. والمؤلف ﵀ بين حكم ترك الرمي جملة. ولم يبين حكم ترك الرمي جزءاً. وحكمه كما يلي: - إن ترك حصاة واحدة ففيه إطعام مسكين. - وإن ترك حصاتين ففيه إطعام مسكينين. - وإن ترك ثلاثاً ففيه دم. وعنه: ليس في ترك الحصاة والحصاتين شيء. وعلم مما تقدم أنه إذا ترك رمي يوم أو جمرة كاملة فإنه من باب أولى أن عليه دم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج إنما الخلاف في رمي جمرة أو حصاة أو حصاتين. والراجح والله أعلم أنه كما قال الحنابلة إن ترك رمي حصاة فعليه إطعام مسكين أو حصاتين فمسكينين أو ثلاث فشاة، وهذا الذي كان يفتي به الإمام أحمد ﵀. - ثم قال ﵀: أو لم يبت بها: فعليه دم. تقدم معنا ذكر حكم المبيت في منى وأن الراجح أنه واجب، فإذا تركه جملة: ترك المبيت في الليالي الثلاث فعليه دم يذبح في مكة ويوزع على فقراء الحرم.

стр. 1210

وكما قلنا في الرمي وأيضاً في المبيت إذا فات الوقت فإنه لا يشرع المبيت ولا يسن وعليه أن يتوب وأن يذبح شاة لتركه الواجب. أما ترك بعض الليالي ففيه خلاف: = فالحنابلة يرون أنه إذا ترك ليلة فكذلك: فإطعام مسكين. وإذا ترك ليلتين: فإطعام مسكينين. وإذا ترك الثلاث: فعليه شاة، وقالوا: إن ترك الليلة والليلتين لا يوجب شاة لأنه ليس منسكاً كاملاً مستقلاً وإنما المنسك الكامل المستقل هو: ترك المبيت في الليالي الثلاث لمن تأخر وترك المبيت في ليلتين لمن تعجل. إذاً: إذا ترك ليلتين وهو يريد أن يقيم الثالثة فعليه إطعام مسكينين، أما إذا ترك ليلتين وهو سيتعجل فعليه شاة لأنه ترك المبيت جملة، فالتفصيل السابق: الأصل فيه: أنه في المتأخر. يعني: يطعم مسكين إذا ترك ليلة ويطعم مسكينين إذا ترك ليلتين وعليه شاة إذا ترك الثلاث هذا في المتأخر أما المتعجل فإذا ترك ليلتين فعليه شاة وإذا ترك ليلة فعليه إطعام مسكين. = وعنه: ليس في ترك المبيت ولو لثلاثة ليال شيء. بل أساء وعليه التوبة ولا شيء عليه وهو رواية عن الإمام أحمد. والراجح: الرواية الأولى. وهي المشهورة عن الإمام أحمد وهي المذهب وعليها تدل فتاوى الصحابة كما سيأتينا في أثر ابن عباس ﵁. - ثم قال ﵀: ومن تعجل في يومين: خرج قبل الغروب. يعني أنه يجوز للإنسان أن يتعجل: - لقوله تعالى: - (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) -[البقرة/٢٠٣]. وهذا القدر وهو جواز التعجل مجمع عليه لصريح الآية ولم يلزم أحد من الفقهاء أحداً من الحجاج أن يتأخر مع صراحة الآية وكونها نص في المسألة.

стр. 1211

أما قوله ﵀: (خرج قبل الغروب). ففي هذا تحديد للوقت الذي إذا خرج قبله لم يلزمه المبيت ولا الرمي، والتحديد بالخروج قبل الغروب ليس في شيء من النصوص المرفوعة إلى النبي ﷺ لكن صح عن عمر وابنه ﵄ التحديد بذلك، وهذه الفتوى التي جاءت عن عمر وابنه ﵄ مؤيدة بظاهر القرآن. لقوله تعالى: - (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) -[البقرة/٢٠٣] واليوم في لغة العرب الأصل أنه يطلق على النهار لا على الليل فإذا أدركه الليل فلم يتعجل في يومين، فتبين بهذا أن من أراد أن يتعجل عليه أن يخرج قبل غروب الشمس. فإن تأخر وبقي إلى غروب الشمس فهو ينقسم إلى قسمين: -[القسم الأول]: أن يبقى متهاوناً. أو متشاغلاً بغير ما يتطلبه الخروج. فهذا عليه أن يبقى ويبيت ويرمي في اليوم الثالث عشر. - القسم الثاني: أن يتأخر لانشغاله بالخروج كتحميل الأمتعة والاستعداد للخروج أو لعدم تمكنه من الخروج بسبب الزحام. فهذا القسم الثاني: = عند الحنابلة يجب عليه أن يبيت ويرمي. - لأن أثر عمر وابنه ﵄ عام فيمن أدركه المغيب بعذر أو بغير عذر. = والقول الثاني: أنه إذا أدركه المغيب بعذر من هذه الأعذار التي ذكرنا فإنه لا حرج عليه في الخروج لأنه لم ينو البقاء وإنما بقي بغير إرادته. وهذا القول الثاني. أرفق بالناس لكن على الإنسان الذي يريد أن يتعجل أن يحتاط تماماً ويتقدم ليتمكن من الخروج قبل غروب الشمس. - ثم قال ﵀: وإلاّ لزمه المبيت والرمي من الغد. تقدم معنا الدليل على هذه الأحكام وهي الآثار عن عمر وابنه ﵄. - ثم قال ﵀: فإذا أراد الخروج من مكة: لم يخرج حتى يطوف للوداع. طواف الوداع فيه مسائل كثيرة: - المسألة الأولى: حكمه. طواف الوداع: = واجب عند الجماهير: أحمد والشافعي وعند الإمام أبي حنيفة. إلا في رواية في المذهب لكن المذهب الوجوب، فالجماهير يرون وجوب طواف الوداع. واستدل الجماهير:

стр. 1212

- بالسنة الصحيحة الثابتة وهي: ما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت وخفف عن الحائض). وهذا في الصحيح. - وأيضاً صح عن النبي ﷺ أنه لما رأى الناس يخرجون من كل جهة في اليوم الأخير قال: (لا يخرجن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت). فهذه النصوص صريحة وفيها الأمر الصريح وفيها استخدام الصحابي للفظ: (أمرنا) وهو عند الجماهير وعلى الصحيح يعنى به النبي ﷺ . = القول الثاني: وهو للمالكية أن طواف الوداع سنة. واستدل المالكية: - بأن النبي ﷺ رخص للحائض. - وبأن أهل العلم أجمعوا أن أهل مكة لا طواف عليهم. فهذان صنفان من الناس لا يجب عليهم الطواف: الحائض وأهل مكة - يعني: طواف الوداع، فاستثناء هؤلاء دليل على أن الأمر شرع على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب لأن واجبات الحج لا تسقط بالأعذار. والجواب على هذا الدليل: أن واجبات الحج لا تسقط بالأعذار أو تسقط إلى بدل لكن طواف الوداع ليس بواجب أصلاً على الحائض حتى يسقط أو لا يسقط ولا على أهل مكة، فاستدلال المالكية في غير مكانه. والأقرب هو مذهب الجمهور واختاره عدد كبير جداً من المحققين من أهل العلم وهو كما قلت مقتضى النصوص الصريحة. - المسألة الثانية: على من يجب طواف الوادع؟ يجب على كل إنسان يريد الخروج من مكة ومنزله خارج الحرم. فإن كان منزله داخل الحرم فلا طواف وداع عليه، وسواء كان منزله عن الحرم مسافة قصر أو أقل من ذلك فيجب عليه طواف الوداع، إنما الشخص الذي لا يجب عليه طواف الوداع هم فقط أهل مكة وأهل الحرم. - المسألة الثالثة: وهي مسألة مهمة: هل طواف الوداع من مناسك الحج؟ أو يجب على كل خارج من مكة. هذه المسألة فيها خلاف: = فذهب الجماهير من أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من الفقهاء إلى أن طواف الوداع من مناسك الحج خاصة وواجب من واجبات الحج ولا يتعلق بكل خارج من الحرم. واستدل هؤلاء بأدلة:

стр. 1213

- الدليل الأول: أن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر أحداً من الناس بطواف الوداع إلا في حجة الوداع لما رأى الناس يخرجون أمرهم أن لا يخرج أحد منهم إلا وقد طاف طواف الوداع. - الدليل الثاني: أنه صح عن عمر ﵁ أن طواف الوداع آخر المناسك. هكذا قال ﵁ وعبر بالمناسك. - الدليل الثالث: أنه صح عن ابن عمر ﵁ أنه رأى أن طواف الوداع آخر المناسك. - الدليل الأخير: أن طواف الوداع لو كان يتعلق بكل خارج من مكة لبين النبي ﷺ ذلك بياناً ظاهراً واضحاً ليعلم الناس أن كل من خرج فعليه أن يطوف سواء كان من الحجاج أو من المعتمرين أو من التجار أو من الزائرين أو من أي صنف كان. = القول الثاني: أن طواف الوداع يتعلق بكل خارج من الحرم ولو لم يكن من الحجاج ولا من المعتمرين. وهو مذهب لبعض الفقهاء اختاره شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله -. وذكروا أن الخارج من الحرم عليه الطواف ولو لم يكن من أصحاب المناسك. واستدلوا على هذا: - بأن مقصود النبي ﷺ أن يكون آخر عهد الإنسان حين الخروج الطواف وهذا يستوي فيه الحاج والمعتمر والتاجر والزائر وكل من خرج من الحرم. والراجح والله أعلم مذهب الجماهير ولم يذكر شيخ الإسلام ولا ابن القيم دليلاً يعتمد عليه ويركن إليه في وجوب الطواف على كل خارج. ((الأذان)). علم من الخلاف السابق أن أهل العلم انقسموا إلى فريقين: - فريق يرى وجوب طواف الوداع على الحاج. - وفريق يرى وجوب طواف الوداع على كل خارج. إذاً: ليس من الفقهاء أحد قال: يجب طواف الوداع على الحاج والمعتمر فقط فهذا القول لم ينقل عن أحد من الفقهاء إلا عن فقيه واحد وهو رجل من الأحناف خلافه غير معتبر وهو رجل وصف أيضاً بقلة الدين. على كل حال: رجل واحد من الأحناف ذكر وجوب طواف الوداع على المعتمر. أما ما عداه من الفقهاء فهم: - إما أن يقولوا يجب طواف على كل خارج لا يتعلق بالأنساك أصلاً. - أو يجب على الحاج فقط كنسك من الأنساك.

стр. 1214

أما القول أنه يجب على الحاج والمعتمر دون كل خارج فهذا لم يقل به أحد، وبهذا علمنا حكم مسألة طواف الوداع في العمرة، وفي الدرس القادم: نأخذ إن شاء الله بعض الأدلة التفصيلية للقول بوجوب طواف الوداع في العمرة والجواب عليها.

стр. 1215

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٥) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قبل أن نستكمل الحديث عن طواف الوداع أحد زملائكم سأل سؤالاً مفيداً: عن أنه إذا كان يجوز أن نؤخر رمي يوم إلى ما بعده ونجمع في اليوم الثاني عشر فهل يجوز لنا أن نقدم فنرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن الثاني عشر؟ وهو سؤال مفيد وقد يحتاج إليه الآن. والجواب على هذا: - أنه فيما يظهر من النصوص يجوز والله أعلم أن يقدم أو يؤخر. والدليل على هذا: - أن الإمام مالك ﵀ أخرج حديث الترخيص للسقاة والرعاة في أن يرموا في يوم عن يومين وفي لفظه قال: (ثم يرموا عن اليومين في أيهما). قال الإمام مالك ﵀ أظنه قال: (في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر). فالحديث نص في جواز الرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن اليوم الثاني عشر. فإذاً: يتلخص أنه كما قررنا جواز التأخير كذلك يجوز التقديم والنص دل على جواز الأمرين. - يقول المؤلف ﵀: في إكمال ما يتعلق بطواف الوداع: فإن أقام أو اتجر بعده: أعاده. إذا أقام أو اتجر ومكث مكثاً طويلاً فإنه يجب أن يعيد طواف الوداع ويعتبر الطواف الأول لاغياً. والدليل على هذا: - قوله ﷺ : (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف)، ومن اتجر أو أقام لم يكن آخر العهد الطواف بالبيت.

стр. 1216

أما إن اشتغل بما يتعلق بالسفر من تجهيز أو إعداد فإنه يخرج ولو بقي وقتاً طويلاً ما دام لم يشتغل إلا بالإعداد للسفر. مثل أن يقوم بربط العفش أو أن تخرب السيارة فيسعى في إصلاحها، فمثل هؤلاء يرخص لهم في الخروج، ويرخص أيضاً بالبقاء وقتاً قصيراً وشراء سلع تتعلق بالخارج ولو لم تتعلق بالسفر ما دام الشراء والبقاء في وقت قصير فلا بأس ولو أنه أخذ سلعاً لا تتعلق بالسفر كأن يقتني هدايا أو كتب أو أي شيء لا يتعلق بالسفر. - ثم قال ﵀: وإن تركه غير حائض: رجع إليه. فإن شق أو لم يرجع: فعليه دم. في هذه العبارة مسائل: ـ المسألة الأولى: الترخيص للحائض في ترك طواف الوداع: - لما ثبت في الحديث الصحيح وقد تقدم معنا أنه خفف عن الحائض (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن الحائض). فإن همت بالخروج ثم طهرت: فينقسم إلى قسمين: ـ إن طهرت قبل أن تغادر البنيان وجب عليها أن تبقى وترجع وتغتسل وتطوف للوداع. ـ وإن طهرت بعد أن جاوزت البنيان ولو بشيء يسير فإنها تمضي ولا يجب عليها الرجوع. * * مسألة / هل يقاس على الحائض غيرها من الذين لا يتمكنون من طواف الوداع من أصحاب الضرورات كالمرضى الذين لا يستطيعون بحال أن يطوفوا؟ أو هذا الحكم خاص بالحائض فقط. قل من تعرض لهذه المسألة من أهل العلم. وبحثها بشكل موسع، لم أجده في كتب أهل العلم لكن شيخ الإسلام ﵀ ذكر ما يشبه القاعدة فقال: - في سياق كلام له - (كما يرخص في ترك طواف الوداع للضرورة). فظاهر هذا السياق أن هذا الحكم لا يختص بالحائض وإنما يتناول كل حاج لم يستطع أن يطوف لمرض أو أي مانع آخر. وربما نقول هذا الحكم خاص بالحائض لأن النبي ﷺ حج معه عدد كبير من الناس ليتأسوا به ولا شك أن فيهم المريض الذي لم يتمكن من الطواف ومع ذلك لم ينقل الترخيص إلا للحائض. والراجح والله أعلم أنه لا يتعلق بالحائض ولا يختص بها بل يتناول كل حاج لا يستطيع أن يطوف للضرورة إلا إن كان هناك إجماع على أنه يتعلق بالحائض فإن لم يكن هناك إجماع فلا شك أن هذا القول الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو القول الصواب.

стр. 1217

ـ المسألة الثانية / يقول ﵀: (وإن تركه رجع إليه). إذا ترك الحاج طواف الوداع فإنه ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن يرجع بعد مسافة بعيدة. - والقسم الثاني: أن يرجع بعد مسافة قريبة. وسيأتينا حد المسافة البعيدة والمسافة القريبة. * فإن رجع بعد مسافة بعيدة فيجب عليه أن يصنع أمرين: الأول: أن يأتي معتمراً وجوباً. الثاني: أن يذبح دماً. * وإن رجع من قريب فلا شيء عليه. = والقول الثاني: أنه إن رجع من قريب أو بعيد فلا شيء عليه. - لأنه أدى ما أمر به فلا يلزمه شيء. والدليل على أصل الرجوع بعد أن انتهينا من مسألة التفريق بين البعيد والقريب: الدليل على أصل وجوب الرجوع من وجهين: - الوجه الأول: أن طواف الوداع واجب. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا تركه فيجب وجوباً أن يرجع. - الوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر برد رجل خرج بلا طواف للوداع وردوه من مر الظهران. ومر الظهران تبعد عن مكة نحواً من خمس وعشرين كيلاً. فهذان دليلان على وجوب الرجوع. * * مسألة / الضابط في استقرار الدم: عند:= الحنابلة: ـ أنه إن رجع من بعيد استقر الدم ولو رجع وطاف. ـ وإن رجع من قريب لم يستقر عليه الدم الواجب بسبب ترك طواف الوداع. والقريب والبعيد عند الحنابلة مسافة القصر على الخلاف الذي أخذناه في كتاب الصلاة. = القول الثاني: أن القريب والبعيد يتعلق بالحرم. ـ فمن رجع قبل أن يخرج من الحرم فهذا رجع من قريب. ـ ومن رجع بعد أن تعدى حدود الحرم فهذا رجع من بعيد. ونحن نحتاج إلى مسألة القريب والبعيد إذا أردنا أن نوجب الدم على من رجع من بعيد. أما على القول الراجح الذي لا يوجب الدم على أي راجع ما دام أنه رجع وأدى الواجب فالخلاف المذكور هنا لا ينتفع منه على القول الراجح. * * مسألة / ظاهر كلام = الحنابلة: أن من رجع من قريب فإنه لا يستقر عليه الدم سواء كان هذا القريب هو محل الإقامة أو بلد آخر. وعلى هذا إذا ذهب أهل الطائف وأهل جدة إلى منازلهم ثم رجعوا إلى طواف الوداع فلا حرج عليهم. هذا ظاهر مذهب الحنابلة فإنهم لم يفرقوا في القريب بين أن يذهب إلى بلده أو أن يذهب إلى بلد آخر. = والقول الثاني: وهو للمالكية:

стр. 1218

ـ أن هذا القريب إذا كان هو موطن السكن فإن الدم يستقر ولو كان قريباً. ـ وإن كان هذا القريب بلداً آخر فإن الدم لا يستقر. والراجح بوضوح إن شاء رجحاناً بيناً مذهب المالكية وهو أن الإنسان إذا خرج إلى منزله وبلده ولو كان قريباً فإنه الدم يستقر. فإذا خرج الرجل إلى مدينة الطائف أو إلى مدينة جدة وترك طواف الوداع فإن كان سكنه في هذه المدينة استقر عليه الدم وإن كان سكنه في مدينة أخرى وخرج إليها لقضاء حاجة فلا دم عليه ولا حرج عليه من الخروج. وقلنا أن مذهب المالكية هو الراجح لأن الإنسان إذا رجع إلى بلده فقد ترك طواف الوداع ولو كان البلد قريباً ولأنه لو قلنا بظاهر مذهب الحنابلة لأدى هذا إلى أن جميع الذين يسكنون بمكان قريب من مكة يؤجلون طواف الوداع إلى أن يخف الزحام وهذا يؤدي إلى ترك طواف الوداع. على كل حال هذا القول إن شاء الله هو الراجح. - ثم قال ﵀: فإن شق أو لم يرجع: فعليه دم. يعني: لترك الواجب. وسيأتينا قريباً دليل إيجاب الدم في ترك الواجب. - ثم قال ﵀: وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج: أجزأ عن الوداع. إذا أخر الإنسان طواف الإفاضة إلى خروجه ثم طاف فإنه يجزئ عن طواف الوداع. سواء: - طاف بنية الإفاضة فقط أولم ينو الوداع. - أو طاف بنية الإفاضة والوداع. فإنه في الصورتين يجزئ عن الوداع. لأنه يصدق عليه أنه آخر عهده بالبيت. بقينا في الصورة الثالثة وهي محل الإشكال: - إذا طاف بنية طواف الوداع فقط ولم يكن طاف قبل ذلك طواف الإفاضة ثم خرج. ففي هذه المسألة خلاف: = فالحنابلة يرون أن هذا الطواف الذي نوى به الوداع دون الإفاضة لا يجزئ عن الإفاضة ويعتبر ما زال محرماً ولم يتحلل التحلل الثاني ويجب عليه أن يرجع ويطوف. واستدلوا: - بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). وهذا نوى الوداع ولم ينو الإفاضة. = والقول الثاني: أن هذا الطواف يجزئه عن طواف الإفاضة ولو لم ينو. وابن رشد في بداية المجتهد ينسب هذا القول - الثاني - للجمهور. وهو أنه إذا طاف ناوياً الوداع ولم ينو الإفاضة كفاه عن الإفاضة. واستدل الجمهور - بحسب نسبة ابن رشد -:

стр. 1219

- بأن هذا الرجل طاف بالبيت وصادف وقت الوجوب فوقع عنه. - واستدلوا: بأن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة كما تقدمت معنا هذه المسألة مراراً. لكن الإشكال في هذه المسألة أنه وإن قلنا أن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة إلا أن الإشكال أن هذا الرجل نوى الوداع كأنه خصه بالنية ولو كان طاف طوافاً عاماً بلا نية لقلنا أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية لكن هذا الرجل طاف بنية الوداع وعين النية وهذا مما يضعف القول بأن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة. ولذلك الأقرب والله أعلم والذي تبرأ به الذمة أنه يجب أن يطوف طوافاً آخر للإفاضة. بناء على هذا يتحتم على طالب العلم تنبيه الناس الذين يؤخرون طواف الإفاضة أن ينووا الإفاضة. فهذا هو أهم شيء: أن ينووا الإفاضة سواء نووا معه الوداع أو لم ينووا فإنه يكفيهم بالإجماع لكن الإشكال إذا لم ينووا طواف الإفاضة. - ثم قال ﵀: ويقف غير الحائض: بين الركن والباب. يقف الحاج إذا أراد أن يخرج: بين الركن والباب وهو الملتزم. ويبسط عليه كفيه ويضع خده على هذا الملتزم. وروي في السنن أن النبي ﷺ كان يصنع هذا والحديث ضعيف ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه صنع هذا العمل: أي أنه التزم الملتزم، لكن صح عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يفعلون ذلك، لكن الإشكال أن المروي عن أصحاب النبي ﷺ إنما هو عند القدوم لا عند الخروج، لكن الفقهاء قالوا: ما داموا صنعوا هذا العمل فهو مستحب عند القدوم وعند الخروج، وجعلوه عند الخروج ليكون آخر عهده بالبيت الابتهال إلى الله والتضرع إليه، وما دام هذا العمل مروي عن أصحاب النبي ﷺ فلا بأس به. وظاهره أنه لا يشرب من زمزم وذهب بعض أهل العلم ومنهم الإمام الكبير مجاهد ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية إلى أنه يشرع أن يشرب من ماء زمزم كذلك في هذا الموضع، وبعد التتبع لم أجد للإمام مجاهد ولا لشيخ الإسلام دليلاً على استحباب تخصيص هذا الموضع بشرب زمزم. فالأصل أنه لا يستحب. - ثم قال ﵀: وتقف الحائض ببابه. وتدعو بالدعاء.

стр. 1220

ظاهره أن الحائض كذلك تقف عند الباب لأنها ممنوعة من دخول المسجد وتصنع من حيث الدعاء ما يصنعه من يقف عند الملتزم. = والقول الثاني: أنه لا يشرع للحائض أن تقف هذا الموقف ولا أن تصنع هذا العمل ولا أن تدعو بالدعاء الوارد. - لأن صفية ﵁ كانت حائضاً ولم يأمرها النبي ﷺ ولم تصنع هي من نفسها هذا العمل مما يؤكد عدم مشروعية هذا العمل بالنسبة للحائض. - ثم قال ﵀: ويستحب زيارة: قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄. يستحب إذا انتهى الإنسان من الحج أن يقصد إلى المدينة المنورة ويزور قبر النبي ﷺ ويزور قبر صاحبيه ﵄. واستدل الحنابلة على استحباب هذا العمل: - بقوله ﷺ : (من حج فزار قبري فكأنما زارني حياً) أو (فكأنما زارني في حياتي). والأشبه والله أعلم أن هذا الحديث موضوع. ولم يثبت في مسألة زيارة قبر النبي ﷺ بخصوصه أي حديث صحيح. لا في فضلها أو ثوابها ولا في الحث عليها. وممن قرر هذه القاعدة عدد كبير من الحفاظ من أحسنهم تقريراً وتوضيحاً الحافظ ابن عبد الهادي فإنه ﵀ بحث هذه المسألة بحثاً طويلاً وقرر أنه ليس في السنة أي حديث صحيح يدل على خصوص مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ . أما حكم زيارة قبر النبي ﷺ فهو: سنة. والدليل على أنه سنة: - الأحاديث العامة. فقبر النبي ﷺ يدخل في النصوص العامة التي فيها الحث على زيارة المقابر. * * مسألة/ ولا يجوز شد الرحال قاصداً الإنسان زيارة قبر النبي ﷺ ، فإن فعل وشد الرحال بقصد زيارة قبر النبي ﷺ فهو: مبتدع بهذا العمل وآثم بهذا الصنع. وأما إن شد الرحال بقصد زيارة مسجد النبي ﷺ ثم زار قبره ﷺ فلا حرج عليه. - ثم قال ﵀: وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل، من مكي ونحوه.

стр. 1221

بدأ المؤلف ﵀ بذكر صفة العمرة لما أنهى الكلام عن صفة الحج، فصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات يعني: إن مر به، فإن لم يمر بالميقات أحرم من أدنى الحل. وتقدم معنا الكلام عن المواقيت وحكم إحرام المكي بالعمرة ومن أين يحرم .. إلخ. وتبين معنا مما سبق أن العمرة يجب أن يحرم بها الإنسان المكي وغير المكي إما من الميقات إن مر به أو من الحل إن لم يمر بالميقات، وتقدم معنا تفصيل هذا بشكل موضح. - ثم قال ﵀: لا من الحرم. يعني: لا يجوز أن يحرم من الحرم، - فإن أحرم من الحرم انعقدت العمرة - وهو آثم إن فعل ذلك عمداً - وعليه دم إن فعل ذلك عمداً أو سهواً أو جهلاً كما سيأتينا، فالإثم يتعلق بالقصد والعلم، والدم يجب مطلقاً ولو مع الجهل أو النسيان، هذا كله تفصيل حكم من أحرم بالعمرة من الحرم. - ثم قال ﵀: فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر: حلّ. ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن المعتمر لا يجوز له أن يتحلل إلا بعد إتمام جميع مناسك العمرة بأن يحلق بعد الطواف والسعي، فإن حل قبل ذلك فعمله ملغى ولا زال محرماً. = والقول الثاني: أن المعتمر إذا طاف وسعى حل: حلق أو لم يحلق. - لأنه أتى بأركان العمرة. وهذه المسألة مبينة على مسألة سابقة وهي هل الحلق والتقصير نسك أو إطلاق من محظور، وتقدم معنا الخلاف وأن الراجح أنه نسك، وإذا كان الراجح أنه نسك فالراجح أيضاً في هذه المسألة أنه لا يحل إلا إذا حلق بعد الطواف والسعي. - ثم قال ﵀: وتباح كل وقت. قوله: (وتباح في كل وقت) عبر المؤلف ﵀ هنا بكلمة تباح مع أننا في سياق الكلام عن العبادات، والسبب في ذلك أنه أراد دفع قول من يقول أن العمرة تكره في بعض أيام السنة: كقول بعضهم تكره يوم عرفة أو في أيام التشريق أو في يوم النحر أو في أشهر الحج، فدفعاً لهذا عبر بقوله: (تباح). لكن مع ذلك في الحقيقة ليس بمناسب مطلقاً أن نقول عن العمرة أنها تباح، بل العمرة: ـ إما أن تكون سنة: - إذا قلنا: أنها مشروعة واستوفت الشروط والأركان والواجبات والمشروعية. - أو نقول: لا تجوز إذا أخذت على صفة غير مشروعة.

стр. 1222

أما أن نعبر عن عبادة من العبادات بقولنا (تباح) فهذا من وجهة نظري ليس بمناسب وكان ينبغي أن لا يعبر بمثل هذا التعبير عن عبادة عظيمة كعبادة العمرة. - قوله ﵀: تباح في كل وقت. ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه لا بأس بالموالاة بين العُمَرِ، ولا يشترط أن يفصل بينها بأي فاصل كان، والموالاة بين العمر ينقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: أن يقصد بالموالاة أن يأخذ في السنة الواحدة أكثر من عمرة. فهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم بل فيها خلاف بين السلف الصالح من التابعين، والذي يظهر لي أن هذا الخلاف موجود في عصر الصحابة. واختلفوا ﵏ على قولين: = القول الأول: أنه لا يشرع أن يأخذ الإنسان في السنة إلا عمرة واحدة كما في الحج. واستدل أصحاب هذا القول: - بقول إبراهيم النخعي ﵀: (ما كانوا يأخذون في السنة إلا عمرة واحدة). = والقول الثاني: أنه يشرع للإنسان أن يأخذ في سنة واحدة أكثر من عمرة. واستدل هؤلاء: - بآثار عن ثلاثة أو أربعة من أصحاب النبي ﷺ بل عبر بعضهم بأن عليه عمل الصحابة، أنهم يأخذون في السنة الواحدة أكثر من عمرة. وهذا القول الثاني: وهو جواز أخذ أكثر من عمرة في السنة هو القول الصواب إن شاء الله وعليه عمل الصحابة. وتقدم معنا أن قول إبراهيم النخعي أو الزهري: (كانوا) أنه مهم جداً ويعبر عن طبقة من الصحابة أو من كبار التابعين وأنه يصلح للاعتماد عليه، لكن لم نأخذ به هنا لأنه مصادم بالآثار الصحيحة عن أصحاب النبي ﷺ . ـ القسم الثاني: الموالاة بين العمرة بمعنى أن يأخذ عمراً متعدد في وقت قريب كأن يأخذ في كل يوم أو في كل أسبوع. فهذا أيضاً فيه خلاف: = القول الأول: أن هذا مشروع ولا حرج فيه بل مستحب. - لقوله ﷺ : (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). فدل الحديث على أنه من شأن العمرة أن تكرر ومن شأن الحج أن يكون في السنة مرة واحدة. = القول الثاني: أنه لا يشرع للإنسان أن يكرر العمرة بهذا المعنى بأن يأخذ في كل يوم أو في كل أسبوع. واستدل أصحاب هذا القول:

стр. 1223

- بأن السلف الصالح أطبقوا على كراهية هذا العمل. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: (أن النصوص المطلقة والعامة يجب أن تفهم على ضوء فهم السلف الصالح). ونحن نجد أن السلف الصالح الذين رووا لنا حديث (العمرة إلى العمرة كفارة) كانوا يكرهون الموالاة بين العمر بهذا الاعتبار. وهذا القول هو الراجح. بقينا في ضابط الفاصل بين العمر لنخرج من هذه الكراهة. فيه خلاف: وهو على أقوال كثيرة نأخذ منها قولين: = القول الأول: أن الضابط أن يفصل بينهما بنحو عشرة أيام وهي المدة التي يخرج فيها الشعر. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀. واستدل: - بأن أنس ﵁ كان إذا أخذ عمرة لا يأخذ أخرى حتى يحمم رأسه أي حتى يسود. إشارة إلى طلوع الشعر، وهذا يحصل بنحو عشرة أيام. = والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يأخذ في شهر واحد عمرتين. والراجح: القول الأول لأن معه أثر عن أصحاب النبي ﷺ . - ثم قال ﵀: وتجزئ عن الفرض. أي أن العمرة التي يأخذها الإنسان مهما كان نوعها تجزئ عن الفرض، سواء كانت عمرة مفردة أو عمرة التمتع أو عمرة القران وسواء كانت عمرة مأخوذة من الميقات أو عمرة مأخوذة من أدنى الحل، فأي عمرة صحيحة فإنها تجزئ عن الفريضة. - ثم قال ﵀: وأركان الحج. أركان الحج: هي أجزائه التي لا يتم ولا يصح إلا بها. وهي أربعة: ـ الأول: الإحرام. فالإحرام هو الركن الأول من أركان الحج. واستدلوا على أنه من أركان الحج: - بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). - وبأن الإنسان لا يدخل في الحج إلا به فهو ركنه. والمقصود بالإحرام هنا نية دخول النسك. = والقول الثاني: أن الإحرام واجب. - لقول النبي ﷺ : (الحج عرفة). وإلى هذا مال - فيما نقل - ابن قدامة ﵀. = والقول الثالث: أنه شرط. - قياساً على الطهارة مع الصلاة. والقول المنسوب لابن قدامة فيه ضعف ظاهر إن ثبتت النسبة. والراجح: إما أنه ركن أو شرط. والمؤدى واحد. فالنتيجة من حيث الحكم والثمرة واحدة وهو عدم صحة الحج إذا فقد. ـ الثاني: الوقوف. الوقوف من أركان الحج بالنص والإجماع.

стр. 1224

- أما النص فقوله ﵀: (الحج عرفة). - وقد أجمع أهل العلم على أنه ركن الحج ولا إشكال فيه. ـ الثالث: طواف الزيارة. وطواف الزيارة: ركن من أركان الحج بالنص والإجماع. - أما النص فقوله: - (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) -[الحج/٢٩]. - وأيضاً قوله: - (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) -[آل عمران/٩٧] وزيارة البيت هي أول ما يدخل في هذه الآية. - وأجمع أهل العلم على أنه ركن من أركان الحج ولا إشكال فيه. ـ الرابع: السعي. السعي ركن من أركان الحج وفيه خلاف قوي: = فذهب الحنابلة والجمهور إلى أن السعي ركن من أركان الحج. واستدلوا على هذا بأدلة كثيرة نأخذ أقواها: - منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: ""ما أتم الله حج رجل لم يطف بين الصفا والمروة"". وهذا في مسلم ولا إشكال في ثبوته. - الدليل الثاني: قوله ﷺ : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) ومعنى كتب: أي فرض، وهذا الحديث في ثبوته خلاف كبير من أهل العلم منهم من ضعفه كالإمام ابن حزم ومنهم من صححه كالذهبي وابن عبد الهادي ومنهم من اختلف قوله فصححه تارة وضعفه تارة مثل الذهبي، والأقرب أنه مقبول وأنه يمكن الاستدلال به. - الدليل الثالث والأخير: - (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) -[البقرة/١٥٨]. فمن تعظيم هذه الشعائر وجوب الطواف بينها. = القول الثاني: أن السعي سنة. واستدلوا بأدلة: - الدليل الأول: أن هذا مذهب ابن عباس وأنس وابن الزبير. - الدليل الثاني: قوله تعالى: - (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) -[البقرة/١٥٨]. فرفع الجناح يدل على الإباحة أو السنية. والجواب عن الاستدلال بالآية: أن رفع الجناح في الآية لرفع الكراهة التي كانت موجودة عند الأنصار حيث كان على الجبلين الصف والمروة صنمان فكانوا يتحرجون من السعي بينهما فبينت الآية أنه لا حرج على من سعى بينهما، وليست الآية لبيان حكم السعي وإنما لرفع هذا التوهم الخاص.

стр. 1225

- الدليل الثالث: أنه في مصحف أبي وابن مسعود: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا).يعني: إن لم يطف فلا جناح عليه، وهذه قراءة ثابتة. قالوا: فإن كانت من القرآن فهي دليل وإن لم تكن من القرآن فلا أقل من أن تكون بدرجة خبر الآحاد. فإنه لم يكن لابن مسعود أن يجزم بمثل هذا اللفظ في مصحفه إلا أن تكون قرآناً أو عن النبي ﷺ . واختار القول بأنه سنة عدد من الفقهاء وليس قولاً شاذاَ. = القول الثالث والأخير: أنه واجب. واستدلوا: - بالجمع بين نصوص الذين قالوا أنه ركن وبين نصوص الذين قالوا أنه سنة، فقالوا هو واجب وليس بركن. واختار أيضاً هذا القول عدد من المحققين منهم الشيخ الفقيه ابن قدامة ﵀. ومنهم تلميذ شيخ الاسلام ﵀ ابن قاضي الجبل ﵀ ومنهم رجل من كبار الحنابلة وهو القاضي أبو يعلى ﵀ وغيرهم ممن رجح أن السعي واجب جمعاً بين النصوص. والذي تدل عليه النصوص في الحقيقة وتدل عليه الآثار أنه واجب وليس بركن. والإنسان إذا استعرض الأدلة ينساق إلى هذا القول بسبب قوة الأدلة كيف وقد روي عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه سنة فنحن نقول: القول بأنه واجب هذا هو القول الذي تدل عليه النصوص، ولذلك من ترك السعي في الحج أو العمرة فإن الإنسان لا يجرؤ أن يقول ترك ركناً وأنه ما زال محرماً ويجب أن يرجع ويطوف ويسعى ... إلى آخره. بل ترك واجباً وعليه دم. المهم لا يعنينا الآن ماذا يترتب على القول بقدر ما يعنينا أي الأقوال أرجح وبينا أنه القول بأنه واجب. - ثم قال ﵀: وواجباته. الإحرام من الميقات المعتبر له، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية: بمنى، ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرمي والحلاق والوداع. واجبات الحج سبعة ذكرها المؤلف ﵀ مرتبة: ـ الأول: الإحرام من الميقات المعتبر له. الإحرام من الميقات واجب. وتقدم معنا أن أهل العلم أجمعوا بلا خلاف أن من مر على الميقات وهو يريد النسك ثم تعداه فهو آثم وقد خالف واجباً من واجبات الشرع. واستدلوا على هذا:

стр. 1226

- بأن النبي ﷺ حدد المواقيت في حديث ابن عباس ولا يعلم لهذا التحديد فائدة إلا المنع من تجاوز هذه المواقيت بلا إحرام، فدل على هذا الحكم الإجماع والنص. - ثم قال ﵀: والوقوف بعرفة إلى الغروب. تقدم معنا الخلاف فيه وأن الوقوف واجب وهذا الوقوف والوجوب يتعلق بمن جاء إلى عرفة في النهار دون من جاء إليها بالليل. - لأنه يجب على من جاء إلى عرفة بالنهار أن يجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة. وتقدم معنا هذا والأدلة والخلاف والراجح، وأن مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو الصواب. - ثم قال ﵀: والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية: بمنى. المبيت بمنى واجب، وتقدم معنا ذكر الخلاف وأن الراجح الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله أنه واجب. بقينا في مسائل: ـ المسألة الأولى: أن القدر الواجب من المبيت هو: أن يبقى معظم الليل. وإلى ذهب الفقهاء وقرره الحافظ بن حجر وهو واضح. أن القدر الواجب هو البقاء في منى معظم الليل. والمقصود بمعظم الليل: الزيادة ولو يسيرة على نصفه. يعني: أن يبقى النصف مع زيادة ولو يسيرة بهذا يكون قد بقي معظم الليل سواء كان البقاء من أول أو وسط أو آخر الليل. ـ المسألة الثانية: من لم يجد مكاناً في منى. ففي من لم يجد مسألتين: - - المسألة الأولى: هل يجب أن يبقى في طرق وأرصفة منى ليحقق المبيت؟ أو له أن يخرج عن منى. الراجح والله أعلم أنه لا يجب عليه بل لا ينبغي وربما نقول إذا كان معه نساء لا يمكن أن يستترن لا يجوز أن يبقى في منى على الطرق والأرصفة يؤذي الناس ويؤذي نفسه لأن الفقهاء يشترطون في البقاء في منى أن يبقى في مكان يصلح لمثله والبقاء على الأرصفة لا يصلح لكثير من الناس كما أنه يؤذي المارة. فنقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى لا في الطرق ولا على الأرصفة ولو كانت فارغة لأن الأرصفة لم توضع لينام عليها الإنسان وإنما وضعت لتستخدم من قبل المارة في الحج وفي غير الحج. إذاً نقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى على الأرصفة أو على الطرقات إما أن يجد مكاناً مناسباً أو لا يجب عليه.

стр. 1227

- - المسألة الثانية: إذا قلنا لا يجب عليه فهل يجب أن يبقى على حدود منى في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه ملاصقاً لمنى من أي جهة منها؟ أو يجوز له أن يذهب ثم يبيت في أي مكان من مكة. في هذا خلاف: ... ((الأذان)). في هذه المسألة خلاف: والحاجة إليها ماسة: = فالقول الأول: أنه له أن يذهب فيبيت في أي مكان شاء ولا يجب أن يبقى متصلاً بالحجاج الذين في منى. واستدل هؤلاء: - بأن الشارع إنما أوجب المبيت في منى. فإذا لم يتمكن الإنسان منها خرج إلى أي مكان. كما أن الإنسان الذي قطعت يده لا يجب عليه أن يغسل شيئاً آخر وإنما سقط عنه وجوب المبيت كما سقط عن ذاك غسل اليد. = القول الثاني: أنه يجب وجوباً إذا لم يجد مكاناً في منى أن يجلس في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه متصلاً بالحجاج في منى. واستدل هؤلاء: - بأن الله أوجب الجلوس في منى فإذا لم يتمكن أتى بأقل الواجب وهو الجلوس متصلاً بأهلها كما أن من لم يجد مكاناً في المسجد لا نقول له لا تجب عليك صلاة الجماعة بل نقول يجب أن تصلي في المكان الذي تتصل فيه الصفوف. وفي المسألة إشكال وبقيت أتأمل فيها وقتاً طويلاً في الحقيقة ففيها إشكال وفي النصوص تعارض، لكن سنأخذ ثلاث نقاط تساعد على الترجيح يلتمس الإنسان من خلالها الراجح في هذه المسألة: ـ النقطة الأولى: أن المبيت في منى وجوبه وجوباً مخففاً. بدليل أن الإمام أحمد ﵀ عنه رواية أن ترك المبيت لا شيء فيه. بينما لم يختلف قوله أن ترك الرمي كله أن فيه دم، وقرر شيخ الإسلام أن هذا مذهب أحمد وهو أن الوجوب وجوب مخفف والأدلة الدالة على هذا ولا إشكال في أن المبيت وجوبه مخفف، فهؤلاء الرعاة يتركون المبيت جملة لكن الرمي لا يتركونه وإنما يرمون في يوم عن يومين، فإذاً لا إشكال أن المبيت وجوبه وجوب مخفف.

стр. 1228

ـ النقطة الثانية: جاء في مجموعة من الآثار بعضها مرفوع إلى النبي ﷺ وبعضها موقوف على أصحاب النبي ﷺ أن الاجتماع في منى إنما شرع لأنه عيد أن أيام منى أيام عيد وفي أيام الأعياد يشرع الاجتماع وفي منى لا يمكن أن نجتمع بالنهار لأن الحجاج مشغولين بالرمي فإذا يكون الاجتماع بالليل. وهذا قرره جماعة من السلف. ومن المعلوم أن الاجتماع للأعياد مستحي وليس بواجب. ـ النقطة الثالثة: أنه ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعث رجالاً أن من بات خارج حدود منى يجب عليه أن يدخل إلى منى مما يدل على أن البقاء في البقعة مقصود لذاته. - أخيراً: القياس على صلاة الجماعة فيه نظر من جهة أن وجوب الصلاة مع اتصال الصفوف إنما هو للإقتداء بالإمام وهذا المعنى غير موجود في منى، لذلك أنا أميل إلى أنه لا يجب على الحاج أن يجلس في أقرب مكان إلى منى بل له أن يبيت في أي مكان، لكن من خلال سياق الخلاف ومن خلال ما سمعتم تعلمون أنه يتأكد على الإنسان أن يجلس في أقرب مكان يتهيأ له الجلوس فيه مما يتصل بمنى. أما الوجوب ففي الحقيقة لا أرى أنه يوجد أدلة تساعد على إيجاب مثل هذا الأمر وأن من تركه جملة فعليه دم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...

стр. 1229

شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٦) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - يقول المؤلف ﵀: والمبيت. تقدم معنا الكلام عن المبيت وعن حكم وجوب الجلوس قرب منى عند الزحام وما يتعلق به. - ثم قال ﵀: ومزدلفة إلى بعد نصف الليل. المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل واجب: = عند الحنابلة. فإن جاء بعغد نصف الليل قبل الفجر فلا شيء عليه وإن جاء بعد صلاة الفجر فعليه دم. وتقدم معنا هذا كله.

стр. 1230

ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن السقاة والرعاة أيضاً يجوز لهم ترك المبيت في ليلة مزدلفة. لأنهم منن الذين عذروا في ليالي منى فكذلك في ليلة مزدلفة. = والقول الثاني: أنه لا يعذر أحد في المبيت ليلة مزدلفة. يعني: المبيت الواجب الذي تقدم معنا في مقداره. - لأن النبي ﷺ أذن لأهل الأعذار في المبيت ليالي منى ولم يأذن لهم في مزدلفة. - ولأن وجوب المبيت ليلة مزدلفة آكد بكثير من المبيت ليالي منى حتى قيل إنه من الأركان. - وثالثاً: لأن المبيت ليلة مزدلفة ليلة واحدة لا تشق لا على الرعاة ولا على السقاة ولا على أي أحد. وهذا الثاني هو الأقرب أنه لا يرخص في ليلة مزدلفة كالترخيص ليالي منى. لا سيما وأن المبيت عند الحنابلة والجماهير فقط إلى منتصف الليل. - ثم قال ﵀: والرمي والحلاق والوداع. الرمي والحلاق والوداع من الواجبات وتقدم معنا عدة مباحث تتعلق بكل واحد من هذه الواجبات، وقوله: (والحلاق) يعني: أو التقصير. - ثم قال ﵀: والباقي سنن. أي: الأشياء التي لم تذكر مع الواجبات ولا مع الأركان فهي سنن، وهذا يشمل جميع ما ذكر في صفة الحج المفصلة مما لم يدخل ضمن الواجبات أو ضمن الأركان. - ثم قال ﵀: وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي. أركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، والخلاف الذي تقدم معنا في السعي فيما يتعلق بالحج يوجد أيضاً تماماً في العمرة ولا فرق. فالخلاف فيهما واحد. وتقدم معنا الخلاف في الإحرام والسعي. - ثم قال ﵀: وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها. واجبات العمرة: أن يحلق أو يقصر والثاني أن يحرم من الميقات لمن مر به أو من الحل لمن كان في مكة، وأيضاً تقدم معنا الكلام عن أحكام المواقيت وأحكام الحلق والتقصير وما يجب في تركه وما هو القدر الواجب بالنسبة للحلق وأيضاً الأحكام التي تتعلق بالإحرام. - ثم قال ﵀: فمن ترك الإحرام: لم ينعقد نسكه. من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه. بدأ المؤلف ﵀ بتفصيل الكلام عن ترك هذه الواجبات والأركان والسنن، فمن ترك الإحرام لم ينعقد الحج من أصله. وهذا بالإجماع.
следующие страницы →