Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
- بأن النبي ﷺ حدد المواقيت في حديث ابن عباس ولا يعلم لهذا التحديد فائدة إلا المنع من تجاوز هذه المواقيت بلا إحرام، فدل على هذا الحكم الإجماع والنص.
-
ثم قال ﵀:
والوقوف بعرفة إلى الغروب.
تقدم معنا الخلاف فيه وأن الوقوف واجب وهذا الوقوف والوجوب يتعلق بمن جاء إلى عرفة في النهار دون من جاء إليها بالليل.
- لأنه يجب على من جاء إلى عرفة بالنهار أن يجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة.
وتقدم معنا هذا والأدلة والخلاف والراجح، وأن مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو الصواب.
- ثم قال ﵀:
والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية: بمنى.
المبيت بمنى واجب، وتقدم معنا ذكر الخلاف وأن الراجح الذي تدل عليه النصوص إن شاء الله أنه واجب.
بقينا في مسائل:
ـ المسألة الأولى: أن القدر الواجب من المبيت هو: أن يبقى معظم الليل.
وإلى ذهب الفقهاء وقرره الحافظ بن حجر وهو واضح. أن القدر الواجب هو البقاء في منى معظم الليل.
والمقصود بمعظم الليل: الزيادة ولو يسيرة على نصفه. يعني: أن يبقى النصف مع زيادة ولو يسيرة بهذا يكون قد بقي معظم الليل سواء كان البقاء من أول أو وسط أو آخر الليل.
ـ المسألة الثانية: من لم يجد مكاناً في منى. ففي من لم يجد مسألتين:
- - المسألة الأولى: هل يجب أن يبقى في طرق وأرصفة منى ليحقق المبيت؟ أو له أن يخرج عن منى.
الراجح والله أعلم أنه لا يجب عليه بل لا ينبغي وربما نقول إذا كان معه نساء لا يمكن أن يستترن لا يجوز أن يبقى في منى على الطرق والأرصفة يؤذي الناس ويؤذي نفسه لأن الفقهاء يشترطون في البقاء في منى أن يبقى في مكان يصلح لمثله والبقاء على الأرصفة لا يصلح لكثير من الناس كما أنه يؤذي المارة.
فنقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى لا في الطرق ولا على الأرصفة ولو كانت فارغة لأن الأرصفة لم توضع لينام عليها الإنسان وإنما وضعت لتستخدم من قبل المارة في الحج وفي غير الحج.
إذاً نقول: لا يجب على الإنسان أن يبقى على الأرصفة أو على الطرقات إما أن يجد مكاناً مناسباً أو لا يجب عليه.
стр. 1227
- - المسألة الثانية: إذا قلنا لا يجب عليه فهل يجب أن يبقى على حدود منى في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه ملاصقاً لمنى من أي جهة منها؟ أو يجوز له أن يذهب ثم يبيت في أي مكان من مكة. في هذا خلاف: ... ((الأذان)).
في هذه المسألة خلاف: والحاجة إليها ماسة:
= فالقول الأول: أنه له أن يذهب فيبيت في أي مكان شاء ولا يجب أن يبقى متصلاً بالحجاج الذين في منى.
واستدل هؤلاء:
- بأن الشارع إنما أوجب المبيت في منى. فإذا لم يتمكن الإنسان منها خرج إلى أي مكان. كما أن الإنسان الذي قطعت يده لا يجب عليه أن يغسل شيئاً آخر وإنما سقط عنه وجوب المبيت كما سقط عن ذاك غسل اليد.
= القول الثاني: أنه يجب وجوباً إذا لم يجد مكاناً في منى أن يجلس في أقرب مكان يمكن أن يجلس فيه متصلاً بالحجاج في منى.
واستدل هؤلاء:
- بأن الله أوجب الجلوس في منى فإذا لم يتمكن أتى بأقل الواجب وهو الجلوس متصلاً بأهلها كما أن من لم يجد مكاناً في المسجد لا نقول له لا تجب عليك صلاة الجماعة بل نقول يجب أن تصلي في المكان الذي تتصل فيه الصفوف.
وفي المسألة إشكال وبقيت أتأمل فيها وقتاً طويلاً في الحقيقة ففيها إشكال وفي النصوص تعارض، لكن سنأخذ ثلاث نقاط تساعد على الترجيح يلتمس الإنسان من خلالها الراجح في هذه المسألة:
ـ النقطة الأولى: أن المبيت في منى وجوبه وجوباً مخففاً. بدليل أن الإمام أحمد ﵀ عنه رواية أن ترك المبيت لا شيء فيه. بينما لم يختلف قوله أن ترك الرمي كله أن فيه دم، وقرر شيخ الإسلام أن هذا مذهب أحمد وهو أن الوجوب وجوب مخفف والأدلة الدالة على هذا ولا إشكال في أن المبيت وجوبه مخفف، فهؤلاء الرعاة يتركون المبيت جملة لكن الرمي لا يتركونه وإنما يرمون في يوم عن يومين، فإذاً لا إشكال أن المبيت وجوبه وجوب مخفف.
стр. 1228
ـ النقطة الثانية: جاء في مجموعة من الآثار بعضها مرفوع إلى النبي ﷺ وبعضها موقوف على أصحاب النبي ﷺ أن الاجتماع في منى إنما شرع لأنه عيد أن أيام منى أيام عيد وفي أيام الأعياد يشرع الاجتماع وفي منى لا يمكن أن نجتمع بالنهار لأن الحجاج مشغولين بالرمي فإذا يكون الاجتماع بالليل.
وهذا قرره جماعة من السلف. ومن المعلوم أن الاجتماع للأعياد مستحي وليس بواجب.
ـ النقطة الثالثة: أنه ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعث رجالاً أن من بات خارج حدود منى يجب عليه أن يدخل إلى منى مما يدل على أن البقاء في البقعة مقصود لذاته.
- أخيراً: القياس على صلاة الجماعة فيه نظر من جهة أن وجوب الصلاة مع اتصال الصفوف إنما هو للإقتداء بالإمام وهذا المعنى غير موجود في منى، لذلك أنا أميل إلى أنه لا يجب على الحاج أن يجلس في أقرب مكان إلى منى بل له أن يبيت في أي مكان، لكن من خلال سياق الخلاف ومن خلال ما سمعتم تعلمون أنه يتأكد على الإنسان أن يجلس في أقرب مكان يتهيأ له الجلوس فيه مما يتصل بمنى. أما الوجوب ففي الحقيقة لا أرى أنه يوجد أدلة تساعد على إيجاب مثل هذا الأمر وأن من تركه جملة فعليه دم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
стр. 1229
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٦)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول المؤلف ﵀:
والمبيت.
تقدم معنا الكلام عن المبيت وعن حكم وجوب الجلوس قرب منى عند الزحام وما يتعلق به.
- ثم قال ﵀:
ومزدلفة إلى بعد نصف الليل.
المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل واجب: = عند الحنابلة. فإن جاء بعغد نصف الليل قبل الفجر فلا شيء عليه وإن جاء بعد صلاة الفجر فعليه دم.
وتقدم معنا هذا كله.
стр. 1230
ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن السقاة والرعاة أيضاً يجوز لهم ترك المبيت في ليلة مزدلفة. لأنهم منن الذين عذروا في ليالي منى فكذلك في ليلة مزدلفة.
= والقول الثاني: أنه لا يعذر أحد في المبيت ليلة مزدلفة.
يعني: المبيت الواجب الذي تقدم معنا في مقداره.
- لأن النبي ﷺ أذن لأهل الأعذار في المبيت ليالي منى ولم يأذن لهم في مزدلفة.
- ولأن وجوب المبيت ليلة مزدلفة آكد بكثير من المبيت ليالي منى حتى قيل إنه من الأركان.
- وثالثاً: لأن المبيت ليلة مزدلفة ليلة واحدة لا تشق لا على الرعاة ولا على السقاة ولا على أي أحد.
وهذا الثاني هو الأقرب أنه لا يرخص في ليلة مزدلفة كالترخيص ليالي منى. لا سيما وأن المبيت عند الحنابلة والجماهير فقط إلى منتصف الليل.
- ثم قال ﵀:
والرمي والحلاق والوداع.
الرمي والحلاق والوداع من الواجبات وتقدم معنا عدة مباحث تتعلق بكل واحد من هذه الواجبات، وقوله: (والحلاق) يعني: أو التقصير.
- ثم قال ﵀:
والباقي سنن.
أي: الأشياء التي لم تذكر مع الواجبات ولا مع الأركان فهي سنن، وهذا يشمل جميع ما ذكر في صفة الحج المفصلة مما لم يدخل ضمن الواجبات أو ضمن الأركان.
- ثم قال ﵀:
وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي.
أركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، والخلاف الذي تقدم معنا في السعي فيما يتعلق بالحج يوجد أيضاً تماماً في العمرة ولا فرق. فالخلاف فيهما واحد. وتقدم معنا الخلاف في الإحرام والسعي.
- ثم قال ﵀:
وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها.
واجبات العمرة: أن يحلق أو يقصر والثاني أن يحرم من الميقات لمن مر به أو من الحل لمن كان في مكة، وأيضاً تقدم معنا الكلام عن أحكام المواقيت وأحكام الحلق والتقصير وما يجب في تركه وما هو القدر الواجب بالنسبة للحلق وأيضاً الأحكام التي تتعلق بالإحرام.
- ثم قال ﵀:
فمن ترك الإحرام: لم ينعقد نسكه.
من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه. بدأ المؤلف ﵀ بتفصيل الكلام عن ترك هذه الواجبات والأركان والسنن، فمن ترك الإحرام لم ينعقد الحج من أصله. وهذا بالإجماع.
стр. 1231
- لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
فإذا ترك الإنسان الإحرام جملة نسياناً أو عمداً أو لأي سبب فإنه لا يدخل في الحج أصلاً ولا ينعقد له النسك.
-
ثم قال ﵀:
ومن ترك ركناً غيره أو نيته: لم يتم نسكه إلاّ به.
معنى العبارة: من ترك ركناً أو ترك نية الركن وإن أتى به فإنه لم يتم يعني: لم يصح نسكه، وهذا معنى لم يتم نسكه، أما إذا ترك الركن فلا إشكال بالإجماع أنه إذا ترك ركناً على الخلاف في الأركان لكن إذا قيل إنه ركن فترك الركن يفسد الحج بالإجماع، وأما ترك نية الركن فتقدم معنا الخلاف في النية التفصيلية لأعمال المناسك وأن من العلماء من رأى أنها واجبة وتشترط لصحة الركن، ومنهم من رأى أنه يكتفى بالنية العامة للحج، وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة.
- ثم قال ﵀:
ومن ترك واجباً: فعليه دم.
من ترك أي واجب من واجبات الحج فعليه دم، وظاهر عبارة المؤلف ﵀: سهواً أو جهلاً أو عمداً بعذر أو بغير عذر ففي الجميع يجب عليه دم، وهذا الدم نص المؤلف ﵀ – عليه، وتقدم معنا في المتن أن الدم يقصد به الشاة أو سبع البقرة أو سبع البدنة، وأيضاً تقدم معنا أنه يشترط في هذا الدم ما يشترط في الأضاحي وستأتينا قريباً، فيشترط فيه أن يتصف بالشروط المجزأة في الأضحية.
والدليل على وجوب الدم في الحج:
- ما روي عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً أنه قال: (من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً). وهذا الأثر صحيح موقوفاً وضعيف مرفوعاً.
والقول بوجوب الدم لترك الواجب هو القول الراجح بل هو قول أهل العلم فمنذ أن أفتى ابن عباس بهذه الفتوى إلى يومنا هذا الصحابة والتابعين وتابع التابعين وجميع العلماء كلهم يفتون بوجوب الدم إذا ترك الإنسان واجباً من واجبات الحج.
فهذا هو الدليل الأول.
- الدليل الثاني: أنه لم ينكر أحد على ابن عباس أنه أفتى بهذا.
- الثالث: أنه لا يعلم مخالف له وهذا بحد ذاته كاف. فلا يعلم له مخالف مطلقاً من الصحابة ولا من التابعين.
- الرابع: أنه حكي الإجماع على وجوب الدم.
стр. 1232
والإجماع متحقق في بعض الصور لا شك، كمن ترك الرمي جملة فلا يوجد خلاف وممن حكى الإجماع على وجوب الدم في ترك الرمي جملة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فوجوب الدم من حيث هو محل إجماع. لكن يختلفون في تحقيق المناط. يعني: يختلفون في مسألة هل هذا العمل يستحق أن نوجب عليه الدم أو ليس من الأنساك الكاملة التي يوجب تركها دماً. إذاً يختلفون في تحقيق المناط، أما الوجوب من حيث هو فهذا لم يختلفوا فيه، حتى أن الإنسان إذا ذهب يبحث عن الخلاف لم يجد خلافاً بين أهل العلم أن ترك الواجب فيه دم، وبهذا علمنا إن شاء الله أن هذا القول هو الراجح وأن مخالفة هذا القول الذي أطبق عليه الناس من عصر الصحابة من فتوى ابن عباس والتابعين مخالفة أشبه ما تكون بالشاذة، ولا يجرؤ الإنسان أن يخالف مثل هذه الفتوى التي أطبق عليها خيار الناس بلا حجة شرعية، فإن قيل أن إجابة الدم على الناس بلا دليل: لا يجوز. لأنه إخراج للمال المملوك للمسلم بلا دليل شرعي، فالجواب: الدليل الشرعي هو هذا. وأي دليل أكثر من أنه يجمع الناس على مثل هذه الفتوى ولا أحد يخالف ابن عباس فهذا بحد ذاته دليل قوي، والإجماع هو الأصل الرابع من أصول أهل السنة والجماعة، فوجوب الدم لا إشكال فيه إن شاء الله.
* * مسألة / قال بعض أهل العلم: يجب الدم في ترك النسك أو ترك بعض النسك. فلو ترك ليلة واحدة أو حصاة واحدة أو أي شيء من الأنساك فعليه دم.
واستدل:
- بقول ابن عباس في هذا الأثر: (من ترك نسكاً أو بعض نسك).وفي لفظ: (من ترك نسكاً أو شيئاً من نسك).
= والقول الثاني: أن الدم لا يجب إلا إذا ترك الإنسان نسكاً كاملاً كأن يترك المبيت في الليالي الثلاث. فهذا نسك كامل إذا تركه وجب الدم. وإلا فلا يجب.
- لأن اللفظ المشهور في أثر ابن عباس ليس فيه: (من ترك شيئاً من النسك) وإنما فيه من ترك نسكه أو نسيه. فالتبعيض هذا لا يوجد في كتب السنة فيما وقفت عليه.
فهذا لفظ لا أدري من أين جاء به بعض الفقهاء ليوجبوا الدم في كل ترك نسك ولو جزئي.
стр. 1233
والراجح: أن الدم لا يجب إلا إذا ترك نسكاً كاملاً: مبيت بمزدلفة أو الرمي أو رمي جمرة كاملة أو المبيت جميع الليالي أو الحلق والتقصير جملة. فالمهم أن يترك نسكاً كاملاً، وهذا القول وسط بين من يتوسع في الدماء وبين من يضيق في الدماء حتى لا يوجب الدم إلا في أشياء مخصوصة فقط.
-
ثم قال ﵀:
أو سنة: فلا شيء عليه.
إذا ترك سنة من سنن الحج فلا شيء عليه ولا حرج. لكن الحج ناقص النقص الفاضل فليس بحج تام التمام الكامل، وإن كان الحج تاماً من حيث تمام الوجوب لكنه ليس بتام من حيث تمام الأفضلية فهو ناقص بلا إشكال وينبغي أن يراعي الإنسان هذا. أن من ترك سنة من سنن الحج فإنه الحج ناقص الكمال، وبهذا انتهى الكلام عن السنن والأركان والواجبات وما يترتب على ترك كل واحد منها.
* * مسألة / لم نتكلم عن الرمي في الليل:
اختلف أهل العلم في حكم الرمي في الليل على قولين:
= القول الأول: وهو للجمهور أنه لا يجوز أن يرمي بالليل بل ينتهي وقت الرمي يوم رمي جمرة العقبة وأيام التشريق بغروب الشمس.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ لم يرم في الليل.
- وبأن اليوم ينتهي بغروب الشمس. والرمي يتعلق باليوم.
- واستدلوا أيضاً بأن الليالي شرعاً ولغة تتبع اليوم القادم لا اليوم الفائت.
= والقول الثاني: أن الرمي ليلاً جائز.
واستدلوا:
- بما روي عن النبي ﷺ أنه قال له السائل: رميت بعدما أمسيت فقال افعل ولا حرج والمساء في لغة العرب يطلق من بعد الزوال إلى غروب الشمس في قول، وإلى منتصف الليل في قول آخر.
- واستدلوا أيضاً: - بأن النبي ﷺ رخص للرعاة بالرمي ليلاً.
والجواب على الدليلين:
ـ أما الأول: فسؤال السائل عن الرمي حين قال: (رميت بعدما أمسيت) كان ضحى الرمي يوم العيد أن هذه الأسئلة كانت في الضحى. فلا شك أنه رمى بعد الزوال وقبل الغروب وسكاه مساء لأن هذا يسمى مساء في لغة العرب فلم يرم في الليل، فإذاً أجاب النبي ﷺ على السؤال على مقتضى الحال وهو أنه رمى نهاراً.
стр. 1234
ـ وأما أن النبي ﷺ رخص بالرمي للسقاة والرعاة فهذا دليل للذين قالوا لا يجوز الرمي بعد غروب الشمس لأنه إذا رخص لهؤلاء بقي الذين ليس لهم عذر بلا رخصة وأنه لا يجوز أن يرموا بعد مغيب الشمس، لكن الجواب عن هذا الحديث أنه رواه الدارقطني وإسناده ضعيف فلم يثبت أن النبي ﷺ رخص في الرمي بعد مغيب الشمس للسقاة والرعاة وإلا في الحقيقة لو صح هذا الحديث لكان دليلاً قوياً للذين يرون عدم جواز الرمي بعد غروب الشمس لكن الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
والأقرب والله أعلم: أنه يجوز للإنسان أن يرمي في الليل وإن احتاط ورمى في النهار فهو أولى ومتأكد لا سيما أن آخر النهار تكون الجمار شبه فارغة ولا حرج على الإنسان ولا ضيق ولا زحام في الرمي آخر اليوم في أيام التشريق.
لكن إن رمى بعد مغيب الشمس ولو بلا عذر ولو مع تمكنه من الرمي نهاراً فإن الرمي يكون أداءً وهو صحيح لأن النبي ﷺ بين أول الوقت ولم يبين آخره.
وأيضاً يستدل على صحة الرمي: بأن المنع منه قد يوجب ضيقاً وحرجاً على الناس والشريعة جاءت برفع الضيق والحرج.
وعلى كل حال: ما دام ليس في المسألة نص يمنع من الرمي لا إيماء ولا إشارة ولا أثر عن صحابي فالقول بأن الرمي لا يجوز فيه بعد.
ونأتي إلى باب الفوات والإحصار .
باب الفوات والإحصار
- قال ﵀:
باب الفوات والإحصار.
الفوات: هو ما يسبق فلا يدرك، فالفوات أخص من السبق المطلق إذ الشيء قد يسبق ويدرك، لكن الفوات لا يطلق إلا على الذي يسبق ولا يمكن أن يدرك يكون قد فات، هذا هو الفوات.
وأما الإحصار فهو الحبس والمنع من إتمام النسك في الحج والعمرة.
- قال ﵀:
من فاته الوقوف: فاته الحج.
بدأ المؤلف ﵀ بالفوات ثم سيختم الباب بالإحصار: من فاته الوقوف يعني في عرفة فاته الحج، والوقوف بعرفة يفوت: بطلوع الفجر يوم العيد - يوم النحر.
- لقول النبي ﷺ : (الحج عرفة فمن أدرك قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد تم حجه). مفهوم الحديث: أن من لم يدرك لم يتم حجه.
стр. 1235
- والدليل الثاني: الإجماع على أنه إذا طلع الفجر ولم يقف بعرفة فقد فات الحج.
إذاً عرفنا الآن من قوله: (من فاته الوقوف: فاته الحج) متى يفوت الوقوف وماذا يترتب على فوات الوقوف وهو: فوات الحج.
- ثم قال ﵀:
وتحلل بعمرة.
إذا فاته الوقوف بعرفة تحلل بعمرة، وهذه العمرة:
= على المذهب: عمرة مقصودة صحيحة.
واستدلوا على ذلك:
- بأنه صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أفتى رجلاً فاته الوقوف بعرفة بأن يتحلل بعمرة ويذبح ما استيسر من الهدي ويحج من العام القادم.
- وأفتى عمر ﵁ أبا أيوب الأنصاري بأن يصنع ما يصنع المعتمر.
= والقول الثاني: أن من فاته الحج يتحلل بأعمال العمرة لا بعمرة مقصودة فسخ الحج إليها، أي أن نسكه لم ينقلب من الحج إلى العمرة وإنما تحلل بهذه الأعمال التي تشبه أعمال العمرة.
واستدل هؤلاء:
- بقول عمر لأبي أيوب اصنع ما أنت صانع في عمرتك. فإذاً هي أعمال تشبه أعمال العمرة وليست عمرة.
والراجح مذهب الحنابلة وهو أن إحرام الحج يصبح عمرة، والجواب على أثر عمر أن قوله (اصنع ما أنت صانع في عمرتك) لا يعني أنها هذا النسك ليس بعمرة كما أن النبي ﷺ قال لعائشة اصنعي ما يصنع الحاج ولا يعني هذا أنها لم تحج تماماً، إذاً هذه العبارة لا يقصد منها أنها أعمال عمرة وليست بعمرة.
* * مسألة / وهذه العمرة = عند الحنابلة لا تجزئ عن عمرة الإسلام.
- لأنه لم ينوها في أول الإحرام وإنما قلب النسك إليها.
- والنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات).
فعليه أن يأتي بعمرة أخرى لعمرة الإسلام.
= والقول الثاني: أن هذه العمرة تجزئ عن عمرة الإسلام.
- لأن الصحابة عمر وغيره سموها عمرة. والأصل في الإطلاق صحة المدلول الشرعي، فإذا سماها أمير المؤمنين (عمرة) فهي عمرة والعمرة الأصل فيها أنها تجزئ عن عمرة الإسلام، كما أن من أهل بالحج مفرداً ثم أدخل عليه العمرة فأدخل نسك العمرة على نسك الحج كما تقدم معنا وهو الصورة الثالثة من صور القران تجزئ عنه هذه العمرة عن عمرة الإسلام وهو لم ينوها في أول النسك وإنما نواها بعد ذلك.
стр. 1236
هذا القول الأخير هو الراجح إن شاء الله.
- ثم قال ﵀:
ويقضي.
يعني: يجب على من فاته الحج وتحلل بعمرة أن يقضي من السنة القادمة وجوباً، فإن كان هذا الحج حج الفريضة وجب عليه أن يقضي. لأنه يجب أن يقضي هذا الفائت ولأن الحج أصلاً واجب في ذمته، ولا إشكال فيمن كان حجه الذي فات حج فريضة، وإن كان حج تطوع فكذلك
= عند الحنابلة يجب عليه أن يقضيه. وإلى هذا ذهب الجمهور وهو وجوب القضاء في الفوات.
واستدلوا بأدلة:
- الدليل الأول: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من لم يدرك فعليه دم وأن يتحلل بعمرة والحج من قابل).
هذا الحديث من مراسيل عطاء. فهو لم يثبت مرفوعاً لكن مع ذلك هذا المرسل حجه باتفاق الأئمة الأربعة لأنه احتفت به قرائن تقويه:
القرينة الأولى: أنه من مراسيل عطاء وهو أفقه التابعين بالمناسك فهذا يقويه.
ثانياً: أنه أفتى على وفق هذا الحديث المرسل ستة من الصحابة صح عنهم الإفتاء بما يوافق مرسل عطاء.
الثالث: أن هذا المرسل يتأيد بظاهر القرآن كما سيأتينا في دليل مستقل.
والمرسل إذا تأيد يمثل هذه الأمور صار حجة باتفاق الأئمة.
- الدليل الثاني: أن هذا مروي عن ستة من أصحاب النبي ﷺ .
- الدليل الثالث: أن هذا ظاهر القرآن في قوله تعالى: - (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/١٩٦] وجه أن ظاهر القرآن يؤيد هذا القول: أن الله أمر بأحد أمرين:
- إما إتمام النسك.
- أو الوقوع في الإحصار. بقي الفوات فيجب أن يتم وإذا أتمم لم يمكن أن يتم إلا بأن يأتي به في السنة القادمة.
وهذا صحيح، يعني: أن ظاهر القرآن يؤيد الوجوب.
= القول الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يقضي هذا الحج الفائت.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأمر الأول: ليس في السنة الصحيحة ما يدل على وجوب قضاء الحج الفائت بل في السنة الصحيحة ما يشير إلى عدم الوجوب وهو قوله ﷺ : (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) ولو أوجبنا قضاء الحج الفائت لأوجبنا أكثر من حج.
стр. 1237
- - الأمر الثاني: أنه صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (من فاته الحج فلا قضاء عليه).
والراجح والله أعلم: مذهب الجمهور وهو القول الأول ورجحانه رجحان ظاهر بين.
والجواب على أدلة القول الثاني:
ـ أما قوله ﷺ (الحج مرة فما زاد فهو تطوع) يعني: أنه لا يجب بأصل الشرع إلا أن يحج الإنسان مرة واحدة أما الواجبات بأسباب أخرى فلم يمنعها الحديث ولذلك لو أن الإنسان نذر أن يحج وجب عليه أن يحج ولا نقول أنه لا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة بل نقول يجب أن توفي بنذرك وأن تحج، كذلك الفائتة بسبب شرعي نقول: يجب أن تقضي هذه الفائتة.
ـ وأما فتوى الصحابي الجليل الفقيه ابن عباس فهي مرجوحة: - أولاً: أن ابن عباس لما أفتى عمر وكبار الصحابة بوجوب القضاء كان صغيراً ليس من أهل الفتوى وأجمعوا على ذلك ولا يعرف مخالف لفتاوى عمر وكبار الصحابة في ذلك الوقت ثم لما كبر ابن عباس رأى بعد ذلك أنه لا يجب قضاء الفائت ففتواهم كانت لما كان صغيراً ليس من أهل الفتوى ففتواهم ﵃ مقدمة على فتوى ابن عباس لإجماعهم واتفاقهم عليها، ثم لو فرضنا أن ابن عباس خالف في حين صدور فتوى عمر مع إجماع من مع عمر من كبار الصحابة ففتوى عمر المتوافقة مع ظاهر القرآن المتوافقة مع مرسل عطاء أقوى وهي مقدمة على فتوى ابن عباس بلا إشكال.
فالراجح إن شاء الله أن من فاته الحج لأي سبب من الأسباب ولو بعذر من الأعذار فإن عليه أن يحج من السنة القادمة وهذا يقع وكثيراً ما يقع. فيقع للمرضى الذين لا يمكن أن يقفوا ولا محمولين في عرفة. ويقع لبعض الأطباء الذين يدخلون لإجراء عملية أو لعلاج مريض طارئ من حين يبدأ الوقوف إلى أن يطلع الفجر فلا يتمكنون من الخروج من المستشفى فهذا يعتبر الحج بالنسبة لهم فائت وعليهم أن يتحللوا بعمرة وأن يقضوا من السنة القادمة.
- ثم قال ﵀:
ويهدي.
يجب عليه القضاء والهدي، ووجوب ذبح ما استيسر من الهدي أيضاً هو:= مذهب الجمهور ولم يخالف إلا الأحناف.
واستدل الجمهور:
стр. 1238
- بالآثار السابقة. فإنه في مرسل عطاء أوجب الهدي وفي فتوى عمر أوجب الهدي. فالأدلة الدالة على القضاء تدل أيضاً على وجوب الهدي.
= وقال الأحناف: لا يجب عليه هدي. بل يتحلل بعمرة وينصرف إلى أهله.
والصواب مع الجمهور وهذه المسألة تشبه مسألة القضاء فما قيل في القضاء وقوة أدلة أصحابه يقال هنا في مسألة الهدي.
* * مسألة / وهذا الهدي يذبح في السنة القادمة في حجة القضاء لا في حجة الفوات، وهذا الهدي يذبح ولو ذبح الإنسان في الحجة الفائتة ما معه من الهدي وقربه إلى الله في الحرم فإنه يجب عليه أيضاً أن يذبح هدياً آخر من السنة القادمة.
* * مسألة / وهذا الحج المقضي عن الفائت يجزئ عن حجة الإسلام. ولا يوجد دليل يمنع من أن يكون يجزئ عن حجة الإسلام.
- ثم قال ﵀:
إن لم يكن اشترط.
فإن كان اشترط فلا قضاء ولا هدي ولا يجب عليه أي شيء بل يتحلل بموجب الشرط ولا حرج عليه.
- ثم قال ﵀:
ومن صدّه عدو عن البيت: أهدى ثم حل.
بدأ المؤلف ﵀ بالإحصار فمن صده عدو عن البيت صنع ما قال المؤلف ﵀:
- سواء صده عن نسك الحج.
- أو صده عن نسك العمرة.
- وسواء كان نسك الحج تمتعاً أو قراناً أو إفراداً.
- وسواء صده عن الحج بعد التحلل الأول أو قبل التحلل الأول.
إذا صد عن الحج فإنه يعتبر من المحصرين ويتحلل.
= والقول الثاني: أن الإحصار لا يكون بعد التحلل الأول بل عليه أن يبقى محرماً إلى أن يتيسر له الطواف بالبيت لأنه بعد التحلل الأول حل من كل شيء إلا النساء فسهل عليه أن ينتظر لإتمام النسك، وإلى هذا القول الثاني مال ابن قدامة ﵀.
والصواب مع القول الأول: وهو أن الإحصار عذر بعد التحلل الأول وقبل التحلل الأول. والمشقة الموجودة بالمنع من الطواف موجودة بعد التحلل الأول وقبل التحلل الأول.
-
قال ﵀:
ومن صدّه عدو عن البيت: أهدى ثم حل.
قوله: (أهدى):
= ذهب الجماهير إلى وجوب الهدي.
- لقوله تعالى: - (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/١٩٦].
стр. 1239
- ولأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن ينحروا هديهم في عمرة الحديبية حين صد عن البيت ﷺ .
= والقول الثاني: أن الهدي لا يجب فمن كان معه هدي يذبحه ومن لم يكن معه شيء فإنه يتحلل بالحلق والتقصير وينصرف.
والصحيح وجوب الهدي والآية صريحة: - (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) -[البقرة/١٩٦]. يعني: فعليكم أن تذبحوا ما استيسر من الهدي. فلا يتحلل الإنسان إلا بالهدي أو بالإتيان ببدله كما سيأتينا في كلام المؤلف ﵀ لكن الآن: الأصل هو تقرير وجوب الهدي على المحصر.
- ثم قال ﵀:
أهدى ثم حل.
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجب عليه أن يحلق ولا أن يقصر لأنه يقول ﵀: (أهدى ثم حل).
وفي هذه المسألة خلاف:
= فالجماهير وأكثر أهل العلم رأوا وجوب الحلق أو التقصير وأنه يشترط للتحلل أن يحلق أو أن يقصر.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ أمر أصحابه بالحلق ثم أمرهم وأكد الأمر بقرائن كثيرة وغضب لما تأخروا وهذا كله يدل على وجوب الحلق.
= القول الثاني: أن الحلق لا يجب لأن الله تعالى أمر المحصر بذبح الهدي فقط والآية لم تتعرض للحلق أو التقصير فإيجابه إيجاب لشيء زائد عن الآية.
والصواب مع القول الأول: لأن ما لم يذكر في الآية ذكر في السنة وكم من الأحكام إما لم تذكر جملة في القرآن ذكرت في السنة أو ذكرت على سبيل الإجمال في القرآن وفصلتها السنة وهذا ليس بأمر مستغرب على الشرع فإيجاب الحلق والتقصير بناء على وجود السنة الصريحة فيه هو القول الصحيح.
ومن العلماء من قال: وجوب الحلق والتقصير على المحصر ينبني على مسألة: هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك ولا يتعلق بالأدلة التي ذكرها الجمهور بل ينبني على هذه المسألة الثانية وهي: هل هو نسك أو ليس بنسك؟
ونقول: إذا كانت تنبني على مسألة هل هي نسك أو ليس بنسك فتقدم معنا أن الحلق والتقصير في الحج والعمرة نسك.
بناء على هذا يجب أيضاً أن لا يتحلل المحصر إلا إذا حلق أو قصر.
- قال ﵀:
فإن فقده: صام عشرة أيام ثم حلّ.
стр. 1240
إذا فقده صام عشرة أيام ثم حل بدل عن الذبح بدلاً عن الهدي، ودليل الوجوب: - القياس على المتمتع.
= القول الثاني: أنه إذا لم يجده اشترى بقيمة الدم طعاماً ووزعه على الفقراء أو صام عن كل مد يوماً.
= القول الثالث: أنه ليس للذبح بدل فإذا لم يجد الهدي بقي محرماً إلى أن يتيسر له الهدي.
- - لأن الله ذكر في الآية الهدي ولم يذكر له بدلاً ولو كان له بدل لذكر كما ذكر البدل في جزاء الصيد.
هذه هي أقوال أهل العلم التي اطلعت عليها. لم أطلع على قول يقول: أنه إذا لم يجد الهدي سقط بلا بدل. حسب مطالعتي اليسيرة لم أجد أحداً نص على هذا وإنما أهل العلم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
- قولين في تحديد ما هو البدل.
- وقول أنه ليس له بدل. لكن هذا القول الذي يقول ليس له بدل يلزمه أن يبقى محرماً ولا يقول له أن يتحلل.
فالقول بأنه إذا لم يجد هدياً أنه يتحلل بدون شيء بدون بدل عن الدم هذا القول لم أقف عليه وهو قول يتوافق مع قواعد الشرع لكن نحتاج أولاً البحث عن قائل به.
الراجح: - إذا كان ليس في المسألة إلا هذه الثلاثة أقوال فالراجح هو: القول الثاني فإن البدل بهذا الأمر جاء في الشرع.
-
ثم قال ﵀:
وإن صدّ عن عرفة: تحلل بعمرة.
إن صد عن عرفة فإنه يتحلل بعمرة. وهذا ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يتحلل قبل خروج وقت الوقوف. فحينئذ يتحلل بعمرة.
ـ القسم الثاني: أن يصد عن عرفة ويبقى ينتظر ويرجو أن يدخل عرفة إلى أن يخرج يوم عرفة فحينئذ ينتقل إلى الفوات ولا يأخذ حكم الإحصار.
لذلك ينبغي لمن صد عن عرفة وظن أنه لن يتمكن: أن يبادر إلى التحلل. لكي لا يأخذ أحكام الفوات.
- ثم قال ﵀:
وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة: بقي محرماً إن لم يكن اشترط.
يريد المؤلف ﵀ أن يبين أن الحصر لا يكون إلا بعدو.
- لأن النبي ﷺ إنما أحصر بعدو ولم يحصر بغير ذلك. فأحكام الحصر تتعلق بالعدو فقط كما جاءت السنة.
- الدليل الثاني للحنابلة: أن ابن عباس ﵁ يقول: (لا حصر إلا بالعدو).
стр. 1241
- الدليل الثالث: أن الشارع الحكيم شرع للمريض أو لمن يخشى من عدم إتمام النسك أن يشترط كما في حديث ضباعة. ولو كان المريض الذي لا يتمكن من إتمام النسك يأخذ حكم الإحصار لم يكن للاشتراط فائدة لأنا نقول إذا لم تتمكن فأنت محصر.
= القول الثاني: أن الإحصار يحصل بالعدو وبالمرض وبكل ما يمنع الإنسان من الوصول إلى الحرم. كأن يحبس أو يمرض أو يربط فأي سبب من الأسباب.
واستدل هؤلاء أيضاً بأدلة:
- الدليل الأول: ما روي عن النبي ﷺ وصححه المتأخرون أنه قال: (من كسر أو عرج فهو محصر).
- والدليل الثاني: أن الحصر في لغة العرب يتناول المنع بالعدو وبالمرض في أصل لغة العرب. فالحصر بالمرض يدخل بالآية على وفق لغة العرب التي نزل القرآن بها، ولا دليل على إخراجه من مقتضى اللغة.
والأقرب والله أعلم الثاني. وأن الإنسان إذا منع فإنه يتحلل بأن يذبح ويحلق ويحل إذا أحصر وأن من منع بأي سبب من الأسباب فهو كمن منع بالعدو ولا فرق.
وإنما تركنا هنا أثر ابن عباس لأمرين:
- - الأول: حديث: (من كسر أوعرج .. ) فهذا حديث مقدم على فتوى صحابي.
- - والثاني: أن مع أصحاب هذا القول ظاهر القرآن.
والذين معهم ظاهر القرآن ونص أقوى من الذين تمسكوا بمجرد فتوى لصحابي جليل.
وبهذا يكون انتهى باب الفوات والإحصار.
باب الهدي والأضحية
- قوله ﵀
باب الهدي والأضحية.
الهدي: هو ما يهدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام وغيرها، فليس في مكة مما يذبح إلا وهو هدي وليس بأضحية. ومن سماه أضحية فقد أخطأ.
والأضحية: هو ما يتقرب به إلى الله من بهيمة الأنعام في أيام مخصوصة، وهي أيام عيد الأضحى.
- قال ﵀:
أفضلها: إبل ثم بقر ثم غنم.
أفادنا المؤلف ﵀ أن الأضاحي لا تكون إلا ببهيمة الأنعام.
- لقوله تعالى: - (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) -[الحج/٣٤].
- ولأنه لم ينقل لا بحديث صحيح ولا ضعيف ولا بأثر صحيح ولا ضعيف لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن التابعين أن أحداً منهم ضحى بغير بهيمة الأنعام.
стр. 1242
= والقول الثاني: أنه يجوز التضحية بكل ما يؤكل سواء مشى على الأربع أو طار بجناحه. وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀.
وهو قول شاذ مستنكر وضعيف جداً مخالف لعمل وهدي الصحابة والسلف ومخالف لظاهر القرآن. والله تعالى إنما امتن ببهيمة الأنعام ولو كان غيرها يكفي ويضحي لذكره النص.
- قال ﵀:
أفضلها: إبل ثم بقر ثم غنم.
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن الأفضل في الهدي والأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم.
ـ أما في الهدي: فهذا بلا إشكال: أن الأفضل: الإبل ثم البقر ثم الغنم.
ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف أصلاً في هذا الترتيب هذا بالنسبة للهدي لأن النبي ﷺ أهدى إبلاً فلا إشكال وذبح عن زوجاته البقر وذبح عامة أصحابه الشياه فلا إشكال في هذا من حيث أقوال أهل العلم ولا من حيث النصوص.
ـ المسألة الثانية: هذا الترتيب حتى في الأضاحي:= وإليه ذهب الجمهور: أن الأفضل الإبل البقر ثم الغنم حتى في الأضاحي.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ ذبح الإبل في مكة.
- وأيضاً استدلوا بأنها أنفس وأغلى وأنفع للفقراء.
= القول الثاني: وهو للإمام مالك أنه في الأضاحي أفضل بهيمة الأنعام (الشياه) الجذع الضأن.
- لأن النبي ﷺ ضحى به. والله يختار لرسوله ﷺ الأفضل والأحب إليه ولو كان الأفضل أن يضحي بالإبل لصنع ذلك كما صنع في الحج.
فهو يقول: جنس الغنم في الأضاحي خاصة أفضل فهو يخالف بهذا الجمهور.
في الحقيقة في هذه المسألة تردد فإذا نظر الإنسان من جهة قال: الشياه خير لاختيار الله لنبيه، وإذا نظر من جهة قال الإبل لأنها أنفع وأفضل، ففيها إشكال.
((الأذان)).
الأضاحي لا تجزئ في الشرع إلا بشروط:
- الشرط الأول انتهينا منه وهو: الجنس الذي يجزئ في الأضاحي.
- الشرط الثاني: السن. وعبر عنه:
- بقوله ﵀:
ولا يجزئ فيها: إلاّ جذع ضأن وثنيّ سواه، فالإبل خمس سنين والبقر سنتان والمعز سنة والضأن نصفها.
يشترط في بهيمة الأنعام لتجزئ أن تبلغ سناً معينة فإن لم تبلغها فإنها لا تجزئ.
والدليل على هذا الشرط:
стр. 1243
- قول النبي ﷺ : (لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن) وهذا الحديث في مسلم ولا إشكال في ثبوته.
إذاً: الحديث نص في اشتراط بلوغ سن معينة لهذه البهيمة لتجزئ في الأضاحي.
والحديث يتوافق مع ما قاله المؤلف ﵀:
- فهو يقول ﵀:
((ولا يجزئ فيها: إلاّ جذع ضأن)).
وجذع الضأن هو ما بلغ ستة أشهر.
- ثم قال ﵀:
وثنيّ سواه.
يعني سواء كان من الماعز أو من الإبل أو من البقر، فالماعز: سنة. إلا أن يكون من الضأن فستة أشهر كما تقدم، والإبل خمس سنين: ومعنى قول المؤلف ﵀: (خمس سنين): يعني: ما تم خمس سنوات ودخل في السادسة لا ما تم أربع ودخل في الخامسة بل لابد أن يتم خمس سنوات، وكذلك يقال في البقر لابد: أن يتم سنتين، وكذلك في المعز لابد أن يتم سنة، فإن نقص عن هذا السن فإنه لا يجزئ، فإن ذبحه فعليه أن يذبح آخر مكانه لعدم وجود الشروط المشترطة شرعاً، وهذا هو الشرط الثاني وهو بلوغ السن المجزئة، ونتوقف هنا ...
стр. 1244
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٧)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا آخر الدرس السابق الكلام عن السن المشترط في الأضحية لتجزئ وتبين معنا أنه يشترط في جميع الأضاحي أن تكون مسنة إلا ما يتعلق بالضأن فيجوز أن يكون جذعاً.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ولضأن نصفها) وتقدم معنا الدليل من السنة الصريحة الصحيحة في صحيح مسلم.
ثم بدأ المؤلف ﵀ ببيان ما تجزئ عنه الشاة والبدنة.
- فقال ﵀:
وتجزئ الشاة عن واحد.
يقول المؤلف ﵀ أن الشاة تجزئ عن واحد وهذا بإجماع أهل العلم، فإنه لم يخالف أحد من أهل العلم أن الشاة تجزئ عن واحد.
واستدلوا على هذا الحكم:
стр. 1245
- بما أخرجه الإمام مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ أتي بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأمر به النبي ﷺ أضحية ثم أخذه فأضجعه وذبحه وقال: (بسم الله. اللهم تقبل من محمد وآل محمد وتقبل من أمة محمد).
هذا الحديث في صحيح مسلم وهو نص في إجزاء الذبيحة عن واحد. لأنه ضحى بكبش وهو في مسلم مصرح بأنه ذبحه أضحية، ولذلك ختم الحديث بقوله: فذبحه أضحية، وتجزئ الشاة عن الشخص الواحد وعن أهل بيته:
- للحديث السابق الذي ذكرناه.
- ولما روي عن أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: كان الرجل منا يذبح الشاة عنه وعن أهل بيته.
-
ثم قال ﵀:
والبدنة والبقرة عن سبعة.
البقرة والبدنة تجزئ عن سبعة عند الجماهير من أهل العلم من طبقة الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
واستدل الجماهير على هذا الحكم:
- بقول جابر ﵁ ذبحنا ونحرنا يوم الحديبية البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة.
والهدي في الحديبية هدي واجب حكمه حكم الأضحية.
= وذهب ابن عمر إلى أن البدنة لا تجزئ إلا عن واحد والبقرة لا تجزئ إلا عن واحد. وقال: لا تكون النفس الواحدة إلا عن نفس واحدة، فالنفس الواحدة يعني من الإبل أو من البقر لا تكون إلا عن نفس واحدة، وهذا عجيب جداً من ابن عمر إن صح عجيب من جهتين:
- الجهة الأولى: أنه خالف النص.
- الجهة الثانية: أنه استعمل الأقيسة في خلاف النص وهذا بعيد عن ابن عمر ﵁ جداً.
ويبعد أن نقول أنه لم يعلم بقصة الحديبية لأنها مشهورة وواقعة عرفها كل الصحابة لما فيها من صد المسلمين عن الكعبة، فإما أن نقول أنه لم يصح عن ابن عمر أو نقول أنه في هذا الموضع رأى هذا الرأي وإن كانت ليست له بطريقة.
والراجح مذهب الجمهور بلا إشكال فإن الحديث صحيح وصريح في المسألة.
* * مسألة / سبع البدنة وسبع البقرة يجزئ عن الواحد ولو أراد البقية اللحم ولم يريدوا القربة.
والدليل على هذا:
- أن الجزء المجزئ من البقرة أو من البدنة لا ينقص بإرادة الآخرين اللحم دون القربة.
стр. 1246
= وذهب الأحناف: إلى أنه يشترط في البقر والإبل ليجزئ أن يريد الجميع بهذه الذبيحة القربة سواء كانت قربة واجبة أو قربة مندوبة.
والراجح مع الجمهور وأنه لا ترابط بين إرادة بعضهم اللحم وإرادة بعضهم التقرب إلى الله بالأضحية أو بالهدي.
-
- ثم قال ﵀
ولا تجزئ: العَوْراء.
شرع المؤلف ﵀ في بيان العيوب التي إذا اتصفت بها الذبيحة فإنها لا تجزئ في الذبح الواجب سواء كان أضحية أو هدي أو دم واجب لترك أحد واجبات الحج، فالمهم أي ذبيحة واجبة.
- يقول ﵀:
العوراء.
المقصود بالعوراء هنا: العوراء البين عورها، وهي التي أصيبت بخسف العين أو بروز العين، فهذا معنى العور البين، فإن كانت العين قائمة يعني ليست منخسفة ولا بارزة لكن البهيمة لا تبصر بها فهذه البهيمة تسمى عوراء لأنها تبصر بعين ولا تبصر بالأخرى، ومع ذلك هذه العوراء من البهائم تجزئ لأن عورها ليس عوراً بيناً، والعور المانع من الإجزاء هو العور البين، وهو يتلخص بـ: - الخسف. - والبروز. فإن كانت البهيمة عمياء لم تجزئ من باب أولى. فإذا منعنا العوراء فالعمياء من باب أولى.
والدليل على المنع:
- ما رواه البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع لا تجوز في الأضحية: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها والعجفاء التي لا تنقي).
فهذه أربعة عيوب إذا اتصفت بأحدها الذبيحة لم تجزئ في الأضحية.
- ثم قال ﵀:
والعَجْفاء.
العجفاء هي الهزيلة التي لا تنقي، فيشترط في الذبيحة لكي تعتبر عجفاء: أن تكون هزيلة ولا تنقي في نفس الوقت، ومعنى لا تنقي: يعني: لا يوجد في عظمها مخ. لأن النقي هو مخ العظام، فإن اتصفت بإحدى الصفتين فإنها تجزئ بأن كانت سمينة وليس في عظامها مخ فهذا النوع من الأضاحي يجزئ لأمرين:
- الأمر الأول: أن المقصود الأساس من الأضاحي هو اللحم. وإذا كانت سمينة فإنه لا يعنينا أن تكون العظام خالية من المخ.
- الأمر الثاني: أن العجفاء اشترط فيها أن تكوت هزيلة ولا تنقي وهذه ليس هزيلة لا تنقي وإنما سمينة وإن كانت لا تنقي.
стр. 1247
فإن قيل: النبي ﷺ نص على النقاء فقال: (العجفاء التي لا تنقي) ولم يتعرض ﷺ لمسألة أن تكون هزيلة أو سمينة.
فالجواب: والله أعلم: أن المراد بهذه العبارة أن تكون هزيلة لأنها إذا هزلت من قلة الأكل قل المخ في عظامها وأصبحت هزيلة من اللحم ومن المخ في العظام فالأظهر والله أعلم أن النبي ﷺ أراد بهذه العبارة الهزيلة، بدليل: أن معرفة ما في العظام من مخ غير متهيئ من النظرة الأولى وإنما نعرف أن العظام ليس فيها مخ إذا رأينا البهيمة هزيلة فكأنه أشار بهذا إلى أنها ليست سمينة.
- ثم قال ﵀:
والعَرْجاء.
العرجاء: يقصد بها البين عرجها، ويعرف العرج بأنه بين بما ذكره الفقهاء من أنها لا تستطيع أن تمشي مع السليمة وإنما تتخلف عنها فإذا تخلفت عنها وصلت السمينة إلى المرعى قبلها وأكلت المرعى وصار هذا سبباً في أن تكون العرجاء هزيلة هكذا يقرر الفقهاء أن هذا معنى العرجاء وأن هذا سبب المنع، وظاهر هذا التعليل من الفقهاء أنه إذا كانت العرجاء إذا وصلت إلى المرعى وجدت ما تأكل وأبقت لها السليمة ما تأكل ولم تصبح هزيلة وبقيت سمينة أنه لا حرج. هذا ظاهر تعليل الفقهاء.
والصواب: أن العرج هو بذاته عيب فإن النبي ﷺ جعله عيباً سواء تمكنا من إطعام العرجاء إلى أن سمنت وأصبحت سمينة وجيدة المظهر أو صار العرج سبباً في أن تكون هزيلة ففي الصورتين لا يجوز أن نضحي بالعرجاء.
- ثم قال ﵀:
والهَتْماء.
الهتماء هي التي سقطت ثناياها من أصولها فهذه لا تجزئ:
- لأن هذا نقصاً مخلاً بكمال الذبيحة.
= والقول الثاني: أن الهتماء تجزئ.
- لأن هذا العيب لم يذكر في حديث البراء مع أنه وارد في تعداد العيوب التي تمنع الإجزاء.
- ولأن هذا العيب ليس مقيساً على أحد العيوب المذكورة في حديث البراء.
وهذا والله أعلم هو الأقرب: أن الهتماء تجزئ.
فإن قال قائل: أن الهتماء لا تستطيع أن تأكل أكلاً جيداً فتصير عجفاء فالجواب: إذا صارت عجفاء منعناها لأنها عجفاء لا لأنها هتماء.
- ثم قال ﵀:
والجَدَّاء.
стр. 1248
الجداء هي التي نشف ويبس ضرعها، وغالباً ما يكون هذا بسبب قلة الأكل. وقد يكون بسبب كبر السن.
= والقول الثاني: أنها تجزئ.
- لأنه لا دليل على منع هذا النوع من بهيمة الأنعام من الإجزاء. والأصل في بهيمة الأنعام أنها تجزئ في الأضاحي ما لم يدل الدليل الصريح الواضح على خلاف ذلك. وليس في الأدلة ما يدل على خلاف ذلك.
والراجح: أنها تجزئ.
- ثم قال ﵀:
والمريضة.
المريضة المقصود بها البين مرضها يعني: التي يظهر على حالها علامات المرض. فهذه لا تجزئ، ومن أمثلتها: الجرباء. فإن الجرب مرض بين ومن أمثلتها: ما يسمى بالطالوع والطالوع يصيب جنساً من بهيمة الأنعام وهو الشياه النجدية وإذا رأيت الشاة النجدية التي فيها طالوع أو اثنين أو ثلاثة تجدها على أحسن ما يرام وعلى أطيب ما يكون من الشكل ثم إذا ذبحها الإنسان فوجئ بوجود الطالوع، وفي الحقيقة الفقهاء يقولون: النبي ﷺ يقول: (المريضة البين مرضها). وهذه إذا رأيتها ورأيت سمنها وحسن شكلها يخطر ببالك أنها مريضة لكن الطالوع مرض ولا إشكال في أنه مرض، وأيضاً هو مرض بين لكن يمنع من رؤيته الشعر. بمعنى: أنه يمنع من رؤيته أمر عارض وإلا فهو أمر ظاهر، ولذلك جرى كثير من الناس على أن الطواليع تمنع من الإجزاء.
وسألت بعض الأطباء البيطريين عن مسألة وهي: الطالوع هل هو عبارة عن تجمع المادة الصفراوية ولا يؤثر على لحم الذبيحة أو هو تجمع يؤثر على لحم الذبيحة ولم أأخذ جواباً واضحاً يركن إليه الإنسان لكن خلاصة كلامه أنه يميل إلى أن هذا المرض يؤثر على اللحم، فإن كان هذا المرض يؤثر على اللحم فلا إشكال أنه لا يجزئ. وقد نص الفقهاء على أن الأمراض التي تؤثر على اللحوم تمنع من الإجزاء وأنها تدخل دخولاً أولوياً في قول النبي ﷺ المريضة البين مرضها، لكن يبقى البحث الآن في ما إذا لم يثبت أن له أي تأثير على اللحم بحيث يمكن أزالته قبل الذبح ولا يؤثر على اللحم ولا ينشق أثناء الذبح وينسكب على اللحم فمثل هذه الصورة تحتاج إلى بحث إذا ثبت أنه لا يؤثر.
والأصل الآن أنه مرض يمنع من الإجزاء.
-
ثم قال ﵀:
والعضباء.
стр. 1249
العضباء هي البهيمة التي ذهب أكثر من نصف القرن أو الأذن لها.
واستدل الحنابلة على أنها هذا النوع من العيوب يمنع من الإجزاء:
- بقول علي ﵁ نهى النبي ﷺ عن أن نضحي بمشقوقة الأذن أو مكسورة القرن.
وهذا الحديث إسناده ضعيف. ولا يصح أبداً مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
= والقول الثاني: أن مكسورة القرن أو مقطوعة الأذن تجزئ.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: أن الراوي لحديث البراء قال للبراء ﵁ فإني أكره النقص في الأذن والذنب. فقال له البراء: ما كرهته فدعه ولا تضيق على الناس، وفي لفظ آخر: ما كرهته فامتنع عليه ولا تحرم على الناس مباحاً.
جواب البراء: جاء بلفظين: اللفظ الأول واللفظ الثاني والأجوبة كلها تدل على أن النقص في القرن والأذن لا يمنع من الإجزاء.
- الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لم يذكره مع الأربع التي لا تجزئ والأصل السلامة والإجزاء.
وهذا الثاني: هو الراجح. ويؤيده أن النقص في القرن والنقص في الأذن ليس له أي تأثير على اللحم. فهذا إن شاء الله هو الأقرب.
وقبل الانتقال إلى البتراء: العضباء عند الحنابلة لا تجزئ إذا كان النقص أكثر من النصف. فإن كان النصف فأقل فهي تجزئ مع الكراهة وسوف يذكر المؤلف ﵀ ما يتعلق بذلك.
- ثم قال ﵀:
بل البتراء خِلقة.
البتراء: مقطوعة الذنب، فإن كانت بتراء خلقة: أجزأت، وإن كانت بتراء قطعاً للذنب - يعني: مقطوعة الذنب من قبل الآدمي - فإنها: لا تجزئ.
= والقول الثاني: أن البتراء تجزئ خلقة أو مقطوعة.
- لأنه لا دليل على المنع.
- وروي عن ابن ﵁ السماح بذلك. أي أن البتراء تجزئ.
* * مسألة / هذا حكم الذنب. أما حكم الإلية فيختلف. وحكم الإلية:
= عند الحنابلة: كحكم الأذن تماماً. فإن كان مقطوع أكثر من النصف فإنها لا تجزئ. وإن كانت مقطوعة النصف فأقل فإنها تجزئ كالتفصيل الذي في الأذن.
= وذهب الشافعية إلى أن مقطوع الإلية إن كان خلقة فإنه يجزئ. وإن كان قطعاً فإنه لا يجزئ.
وهذا القول أقرب. فنفرق بين ما ولد بلا الإلية وبين ما ولد بإلية ثم قطعت.
- ثم قال ﵀:
стр. 1250
والجَمَّاء.
الجماء هي البهيمة التي تولد بلا قرن، وهي: تجزئ بإجماع الأئمة الأربعة.
- لأنها لم تذكر في حديث البراء.
- ولأن هذا الأمر ليس له أي تأثير على جودة وكثرة اللحم.
- ثم قال ﵀:
والخصيّ غير المجبوب.
الخصي هو ما قطعت خصيتاه أو سلتا أو دقتا يعني: ما ذهب بخصيتيه بأي طريقة ولو بغير هذه الطرق الثلاث التي ذكرها الفقهاء، فالخصي يجزئ وحكي فيه الإجماع.
والدليل على إجزائه:
- أن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوئين. والوجاء: رض الخصيتين.
- والدليل الثاني: أن الذهاب بالخصيتين بأي طريقة له أثر جميل وحسن على اللحم ولذلك قال بعض السلف: ما جاء الذبيحة من الشحم واللحم خير مما ذهب منها. يعني: من الخصيتين.
- ثم قال ﵀:
غير المجبوب.
الخصي: إذا كان مجبوباً أي مقطوع الذكر فإنه لا يجزئ.
- قياساً على قطع الأذن.
- ولأن هذا نقصاً في خلقته. وذهاب بعضو ينتفع به.
= والقول الثاني: أن مقطوع الذكر يجزئ.
- أولاً: أن المقيس عليه الأذن والأذن تقدم أنها تجزئ.
- ثانياً: لأنه لم يذكر في حديث البراء.
- ثالثاً: لأنا إذا أجزنا الخصاء فإن الذكر يبقى بلا فائدة فهو إذهاب لعضو لا فائدة فيه. فمن يجوز الخصاء يجب أن يجوز المجبوب.
- ثم قال ﵀:
وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف.
ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أنه يجزئ إذا كان أقل من النصف ولا يجزئ إذا كان النصف فأكثر، وتقدم معنا أن مذهب الحنابلة المعتمد هو أنه: إذا كان النصف فأقل فإنه يجزئ مع الكراهة. وإنما الذي لا يجزئ هو ما كان أكثر من النصف.
والدليل على كراهة هذا الأمر:
- ما روي عن أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: (أمرنا أن نستشرف العين والأذن) والاستشراف هو: تدقيق النظر تفادياً للعيوب.
وهذا الحديث اختلف فيه الحفاظ حتى المتقدمين منهم اختلفوا:
= فذهب ابن عبد البر إلى أن إسناده حسن ومقبول ويحتج به.
= وذهب الدارقطني إلى أنه موقوف ولا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ
والراجح: أنه موقوف ومع ذلك يصلح للاستدلال على كراهية ما قطع منه الأذن أو القرن.
стр. 1251
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى كيفية الذبح.
- فقال ﵀:
والسنة: نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى.
الدليل على هذا:
- ما ثبت عن ابن عمر ﵁ أنه رأى رجلاً أناخ بدنته لينحرها فقال: (أقمها قياماً معقودة أو مربوطة سنة محمد ﷺ ).
وأما الدليل على ربط اليد اليمنى وأن تقف على ثلاث:
- فما في سنن أبي داؤد أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يربطون القائمة اليسرى وحملها الفقهاء على اليد.
فالسنة إقامة البدنة على ثلاث: الرجلين واليد. والسنة أن نربط اليد اليسرى وليست اليد اليمنى.
فإن نحرها على غير هذه الصفة أجزأ إجماعاً.
* * مسألة / فإن خشي الذابح أن لا يتمكن من السيطرة عليها وهي قائمة فإن الأحسن أن يذبحها وهي جالسة لأن الضرر المتوقع منها إذا انطلقت أكبر من تحقيق السنة من ذبحها وهي قائمة.
وهذا يحصل أحياناً فينبغي إذا علم الإنسان من نفسه أنه لا يعرف الذبح أو لا يحسن الذبح قائماً أن يذبحها وهي جالسة.
- يقول ﵀:
فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
يعني: أن النحر يكون في أسفل العنق. في الوهدة التي بين العنق والصدر، وهذا هو الفرق بين النحر والذبح، فإن النحر يكون في أسفل العنق والذبح يكون في أعلى العنق، هذا الفرق بينهما فقط.
والحكمة من الذبح في هذا الموضع: لأن لا يعذب الذبيحة البدنة لأنه إذا ذبحها من أعلى العنق تأخر خروج الدم وتألمت الذبيحة إلى أن تموت. بخلاف إذا ذبحها من أسفل العنق فإن القلب يدفع الدم بسرعة مما يعجل في موت هذه الذبيحة.
* * مسألة / فإن نحرها من أعلى العنق. - رجل لا يعرف - وذبح البدنة في موضع قريب من الرأس فإن الذبيحة وصحيحة ومجزأة.
- لقول النبي ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل) فهذا أنهر الدم وذكر اسم الله فيأكل.
стр. 1252
وروي عن الإمام أحمد أنه إن ذبح ما ينحر فإنه لا يؤكل. بخلاف إن نحر ما يذبح فالأمر أسهل لكن إن ذبح ما ينحر فإنه لا يؤكل، وهو قول - في الحقيقة - ضعيف جداً ومصادم للنص ولعل الإمام أحمد ﵀ ذكره على سبيل الكراهة والاحتياط لا على سبيل التحريم والمنع فإن حديث ما أنهر الدم صريح في الجواز.
- ثم قال ﵀:
ويذبح غيرها.
أي: أن النحر للبدنة خاصة والذبح لما عداها سواء كان ما عداها من بهيمة الأنعام أو من غير بهيمة الأنعام، فالذبح يكون للشياه وللماعز وللبقر وللغزال وللأرنب ولكل ما عدا بهيمة الأنعام، وأقول أنا: تفقهاً: (لم أطلع على كلام أهل العلم). إلا الزرافة. لأنها تشبه في البعير ولأن العلل التي ذكروها تجتمع في الزرافة بل الزرافة أولى لأنها أطول على القول بجواز أكل الزرافة.
-
ثم قال ﵀:
ويجوز عكسها.
يجوز أن تذبح ما ينحر أو أن تنحر ما يذبح.
- للحديث السابق: (ما أنهر الجم وذكر اسم الله عليه فكل).
وهذا يدل على أنه إذا قطع العروق وسال الدم جاز الأكل مع التسمية بأي طريقة تمت هذه الإراقة، وهذا معنى قوله ﵀: (ويجوز عكسها).
- ثم قال ﵀:
ويقول: ((بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
يقول: بسم الله والله أكبر.
ـ أما بسم الله: فهي واجبة.
ـ وأما الله أكبر: فهي سنة.
الدليل على التسمية:
- ما تقدم معنا في حديث عائشة حيث قالت: ثم ذبحها وسمى وقال: (اللهم تقبل من محمد وآل محمد وتقبل من أمة محمد).
وأما البسملة مع التكبير فدليله:
- حديث أنس ﵁ وهو في الصحيح أن النبي ﷺ أتي بكبشين أقرنين فوضع قدمه ﷺ على صفاحهما وذبحهما وقال: (بسم الله. والله أكبر) وذبحه بيده. هكذا قال أنس ﵁ ونص على أنه ذبحه بيده.
فقال العلماء: أن التسمية واجبة. لقوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام/١٢١].
والتكبير سنة: لحديث أنس ﵁. ولعلهم أيضاً استدلوا على أنه سنة أنه مذكور في حديث أنس ولم يذكر في حديث عائشة.
-
ثم قال ﵀:
((اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ)).
стр. 1253
الأحاديث التي فيها ذبح النبي ﷺ ثلاثة:
- حديث عائشة الذي ذكرت لك وفيه: (اللهم تقبل من محمد وآل محمد .. الخ.
- وحديث أنس ﵁ وليس فيه دعاء خاص وإنما قال: بسم الله والله أكبر وذبح.
- وحديث جابر وفيه هذا الدعاء: اللهم هذا منك وإليك. لكن حديث جابر ﵁ ضعيف.
فالأقرب والله علم أنه لا يسن أن يقول: اللهم هذا منك وإليك. لأنه لا دليل على هذا وإنما يسن أن يقول: اللهم تقبل مني ومن آلي. إذا كان يذبح عن نفسه وأهل بيته، لأن هذا ثابت في صحيح مسلم بينما حديث جابر ﵁ إسناده ضعيف ولا يصح إلى النبي ﷺ ، ومعلوم أن الذبح من أعظم العبادات التي يجب أن تقيد فيها بالسنة.
- ثم قال ﵀:
ويتولاها صاحبها.
معنى: يتولاها هنا: يعني: يذبح بيده، هذا هو معنى التولي في عبارة المؤلف ﵀، وليس المقصود أن يصرف الأمر ويدبر الذبح ويأمر به وإنما المقصود أن يتولى الذبح بيده.
- وهو سنة. لما استفاض عن النبي ﷺ أنه كان يذبح بيده الشريفة ﷺ :
ـ فذبح في الحج ثلاثاً وستين من الإبل.
ـ وثبت في حديث أنس أنه ذبح بيده.
ـ وثبت في حديث عائشة أنه ذبح بيده.
فلا إشكال أن السنة المتواترة عن النبي ﷺ أن يتولى الإنسان الذبح بيده، وهذا ما فهمه أنس حيث نص ﵁ على ذلك بقوله: وذبحها بيده، فالسنة للإنسان أن يتولى ذبح الهدي والأضحية بيده ما أمكن واستطاع فإن لم يتمكن من الذبح في سنة من السنوات فإنه ينبغي أن لا يترك الذبح في كل السنوات، فإذا كان برنامجه أو من هو معهم من الحجاج أو الحملة التي هو معهم لا يتمكن معها من الذهاب إلى المسالخ والذبح ينبغي على الأقل ويتأكد أن يتولى الذبح ولو لمرة واحدة حتى يطبق هذه السنة التي استفاضت بها النصوص.
-
ثم قال ﵀:
أو يوكل مسلماً ويشهدها.
يعني: يجوز للإنسان أن يوكل غيره من المسلمين في ذبح الأضاحي والهدايا، وهو جائز بالإجماع بالنسبة لتوكيل المسلم.
стр. 1254
- لأن النبي ﷺ وكل علياً كما في الحديث الصحيح ليتم ذبح ما غبر من الهدي الذي جاء به النبي ﷺ .
ـ فإن وكل ذمياً: ففيه خلاف:
= فعند الحنابلة: يجزئ مع الكراهة.
دليل الإجزاء عند الحنابلة:
- أن الكتابي ذبيحته جائزة وإذا جاز أن يذبح في غير الأضاحي والهدايا جاز فيها.
= والقول الثاني: أنه يشترط فيمن يوكل في ذبح الهدايا والأضاحي خاصة أن يكون من المسلمين. فإن كان من أهل الكتاب وجب على من وكله أن يذبح بدلها.
واستدل هؤلاء:
- بأن هذا الذبح ذبح عبادة وتقرب إلى الله والذمي ليس من أهل العبادة.
وهذا القول هو الصواب. لأنا نقول: كما أن الكتابي لا يجوز أن ينوب عن المسلم في أي عبادة أخرى فكذلك في هذه العبادة: أنه لا يجوز أن يصوم عنه ولا أن يصلي عنه - على القول بجواز أن ينوب أحد عن أحد في الصلاة - فكذلك لا يجوز أن يذبح عنه لأن هذا عبادة ونسك كالصلاة (فصل لربك وانحر). فكيف نقول: يجزئ أن يذبح الكتابي.
فالأقرب دليلاً أنه لا يجزئ إذا ذبح الكتابي.
- ثم قال ﵀:
ويشهدها.
يعني: أن السنة لمن لم يتمكن من الذبح لعدم معرفته أو لمرضه أو لأي سبب من الأسباب فإن السنة أن يشهد الذبح وأن يحضر عند الذبح.
- لما روي عن النبي ﷺ من حديث فاطمة ﵂ ومن حديث ابن عباس ﵁ أن (من شهد أضحيته غفر له مع أول قطره). هذا الدليل من النص:
والدليل من التعليل:
- أن حضوره للذبح يستشعر معه التقرب والخضوع لله ويحصل معه مقصود العبادة.
ثم انتقل المؤلف ﵀ للكلام عن الوقت المجزئ في الذبح:
- فقال ﵀:
ووقت الذبح: بعد صلاة العيد.
قوله: (وقت الذبح). يعني: ذبح الأضاحي والهدايا.
وقوله: (بعد صلاة العيد). يعني: ولو قبل الخطبة.
فإن الواجب مضي قدر العيد فقط.
= وهذا مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز الذبح إلا بعد صلاة العيد.
واستدل الحنابلة:
- بالحديث الصريح الصحيح الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: (من ذبح قبل صلاة العيد فليذبح بدلاً عنها) وهذا نص صريح.
стр. 1255
وعلى هذا القول: الجواز يتعلق بأداء الإمام الصلاة لا بالوقت. بمعنى: لو تأخر الإمام عن أداء الصلاة فإنه لا يجوز للإنسان أن يذبح.
= القول الثاني: أن وقت جواز الذبح يبدأ بمضي قدر وقت الصلاة. يعني: ولو لم يصل.
واستدل هؤلاء بدليلين:
- الدليل الأول: أن آخر زمن الذبح حدد بالوقت فكذلك يجب أن يحدد أوله بالوقت لا بفعل الصلاة.
- الدليل الثاني: القياس على الذين لا تقام فيهم صلاة العيد فإن أهل العلم أجمعوا على أنه إذا لم تقم صلاة العيد في منطقة لأي سبب من الأسباب فإن وقت الجواز يبدأ بمضي قدر الوقت الذي تؤدى فيه الصلاة.
وهذه التعليلات قوية لكن لا عبرة بها ولا ينظر إليها في مقابلة النص الصريح الذي نص على أن البداية بعد الصلاة.
((الأذان)).
نحن بدأنا بأول الوقت فننهيه ونتوقف على آخر الوقت فيكون في الدرس القادم.
باقي في أول الوقت:
- قول المؤلف ﵀:
(أو مضي قدره).
مقصود المؤلف ﵀ بقوله: (أو قدره) خاص عند القوم الذين لا تقام فيهم الصلاة، فالقوم الذين لا تقام فيهم صلاة العيد لا يمكن اعتبار الصلاة لأنها لا توجد فاعتبر مضي قدر الوقت، فإذا مضى وقت يتسع للصلاة جاز لهم أن يذبحوا، وهذا لا إشكال فيه لأنه لا يمكن أن نعتبر الصلاة حداً في مكان لا تصلى فيه. لأن هذا يؤدي إلى أن لا يضحوا لأنا نقول لهم انتظروا إلى ما بعد ولا توجد صلاة. فإذاً هذه الصورة لا إشكال فيها.
стр. 1256
من الأسئلة:
- إذا ذبح عن غيره: يعني وكل عن غيره: فإنه لا يقول شيئاً. ولا يسمي هذا الغير وإنما ينوي فقط. والتسمية الآن تكون في المُوَكَّلِ والشروط يجب أن تتوفر في المُوَكَّلِ لا في المُوَكِّلِ.
- عندما يقول: (اللهم عن فلان وآل فلان) فيدخل في (آل فلان) أهل بيته فقط الذين يتحدون في النفقة فإذا كان له أبناء يستقلون بمنازل خاصة لهم فإن على كل واحد منهم أضحية لأنهم يتفرقون في النفقات.
- من فاته الحج بمرض ثم مات: فلا شيء عليه. ولذلك الرجل الذي وقصته الناقة لم يأمر النبي ﷺ فيه بشيء.
- ما حكم رش ماء زمزم على الجسم بقصد البركة والدواء؟
لا بأس. استخدام ماء زمزم استخداماً خارجياً واستخدامه استخداماً داخلياً لا حرج فيه لأنه ماء مبارك بالسنة الثابتة.
- هل يشرع للنساء أن يسعين السعي الشديد بين العلمين؟
لا يشرع لهن السعي بالإجماع. إلا قولاً شاذاً لا عبرة به فلا يشرع لهن السعي ولا يجوز لأمرين:
ـ أولاً: لأنه بدعة. فإنه لم ينقل عن نساء الصحابة أنها أسرعت بين العلمين.
ـ ثانياً: أن هذا السعي يؤدي إلى انكشاف المرأة.
- يشترط في الذابح شروطاً ستاتينا في كتاب الأطعمة فإن المؤلف ﵀ سينص عليها وليس من المناسب ذكرها الآن.
стр. 1257
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٨)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهى الكلام بنا بالأمس إلى بيان متى يبدأ وقت ذبح الأضحية وتوقفنا عند النهاية:
- فالمؤلف ﵀ يقول:
يومين بعده.
= ذهب الحنابلة ﵏ إلى أن أيام الذبح ثلاثة: يوم النحر، وفي يومين بعده دون اليوم الثالث عشر.
واستدلوا على هذا:
- بقول الإمام أحمد ﵀ عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ . يعني: أنهم اعتبروا وقت الذبح ينتهي باليوم الثاني عشر.
= والقول الثاني: وهو مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام بن تيمية واختيار ابن القيم: أن أيام الذبح أربعة: يوم النحر، وثلاثة بعده.
واستدلوا على هذا:
- بأنه روي عن علي بن أبي طالب التحديد بهذا.
- والدليل الثاني: استدلوا بقول النبي ﷺ : (كل أيام التشريق أيام ذبح).
- واستدلوا: بقول النبي ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وذكر لله).فالإشارة بقوله: (أكل). إلى الذبح.
- واستدلوا: بأن أيام التشريق تشترك في أحكام كثيرة: - فهي أيام للذكر. - ولا يجوز أن تصام - وهي أيام للرمي. فإذا اشتركت في أحكام كثيرة كيف تفترق في الذبح.
والجواب عن أدلة القول الثاني:
стр. 1258
- أن علي بن أبي طالب ﵁ روي عنه التحديد بأربعة أيام ولكن روي عنه أيضاً ما يوافق قول الصحابة.
- وأما حديث: (كل أيام التشريق أيام ذبح). فهو حديث ضعيف لا يثبت.
- وأما حديث: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله) فليست صريحة بجواز الذبح.
وإذا تأمل المنصف اللبيب أدلة كل قول. وجد أن أدلة القول الثاني وجيهة في الحقيقة لا سيما القياس على اتحاد الأحكام في أيام التشريق، لكن مما يحول بين الإنسان وبين الجزم بصحة هذا القول الآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ فإنها مشكلة جداً بل إن الإمام أحمد ﵀ في رواية قال: عن خمسة. وفي رواية قال: عن فلان وفلان وعدد ستة، فهؤلاء الصحابة الذين نقل عنهم هذا القول فإن الإنسان لا يجترئ العدول عن قولهم في الحقيقة، ونحن قررنا قاعدة مراراً وتكراراً: أن لقول الصحابي منزلة عندنا وأنها من أقوى المرجحات لا سيما على طريقة ابن قدامة إذا روي عنهم قول ولم يخالفوا من قبلهم. أما مخالفة علي فهي ملغاة بموافقته إياهم في الرواية الأخرى.
لذلك نقول الأحوط: ما ذهب إليه الإمام أحمد وأن الإنسان ينبغي أن ينتهي من الذبح في اليوم الثاني عشر أي قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر.
- ثم قال ﵀:
ويكره في ليلتهما.
= ذهب الحنابلة إلى أنه يجوز الذبح في الليل لكن مع الكراهة.
أما دليل الكراهة:
- فهو الخلاف في جواز الذبح ليلاً.
والحنابلة يعللون بالخلاف كثيراً. وتقدم معنا أن الخلاف ليس دليلاً شرعياً تؤخذ منه الكراهة.
وأما دليل الجواز فمن عدة أوجه:
- الوجه الأول: القياس على جواز الرمي ليلاً.
- والوجه الثاني: أن ليالي أيام التشريق داخلة في جملة وقت الجواز. لأنا نقول أن وقت الجواز ثلاثة أيام فالليالي من هذه الحيثية داخلة في جملة الوقت.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز الذبح ليلاً فإن ذبح فعليه أن يعيد. لأنه ليس وقتاً للذبح.
واستدلوا على هذا أيضاً بأمرين:
- الأمر الأول: قوله تعالى: - (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) -[البقرة/٢٠٣]. قالوا: والأيام اسم للنهار.
стр. 1259
- الأمر الثاني: أنه يغلب على الذابح في الليل عدم التمكن من توزيع اللحم فصار الذبح ليلاً يخل بمقصود أساس من مقاصد الأضحية.
والراجح: أن الذبح ليلاً جائز بلا كراهة. وإن تجنبه الإنسان احتياطاً للأضحية فهو حسن.
- ثم قال ﵀:
فإن فات قضى واجبه.
يعني: إذا خرج وقت جواز الذبح فإنه يقضي هذا الذبح.
وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يفوت وقت الذبح الواجب. كأن يكون نذر نذراً أنه يذبح. فحينئذٍ: = ذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه أن يذبح وأن يصنع في ذبيحته كما كان يصنع لو ذبح في الوقت المشروع تماماً. ويعتبر الذبح والتوزيع قضاءً وليس بأداء.
ـ القسم الثاني: أن تكون الذبيحة تطوع. فإذا كانت من التطوعات فحكمها أنه مخير بين أن يمسك فلا يذبح وبين أن يذبح وَيُوَزِّعُ: فإذا ذبح ووزع فإن اللحم الذي يوزع لحم صدقة وليس لحم أضحية.
(فصل)
- ثم قال ﵀:
(فصل) ويتعينان بقوله: ((هَذَا هَدْيٌ أَوْ أُضْحِيَةٌ)).
يريد المؤلف ﵀ أن يبين أحكام التعيين لما يترتب على التعيين من ثمرات فقهية كثيرة سيذكرها المؤلف ﵀.
- فالمؤلف ﵀ يقول:
ويتعينان بقوله: ((هَذَا هَدْيٌ أَوْ أُضْحِيَةٌ)).
إذا قال الإنسان على ذبيحة من الذبائح هذا هدي أو أضحية تعينت هذه الذبيحة للهدي أو للأضحية وصارت معينة لا يجوز التصرف فيها كما سيأتينا.
والدليل على هذا:
- أن هذا اللفظ موضوع شرعاً لإفادة هذا الحكم. فأفاده لما أطلقه. يعني: فأفاد الحكم لما أطلقه الإنسان.
واستفدنا من قول المؤلف ﵀: (بقوله) أن النية المجردة لا تعين الهدي ولا الأضحية بل لابد من التلفظ بأن يقول: هذه أضحية، فإن اشترى ذبيحة ناوياً بها الهدي أو الأضحية واكتفى بالشراء فقط فإنها لا تتعين بذلك.
- ثم قال ﵀:
لا بالنية.
النية المجردة كما قلت الآن لا تفيد التعيين إلا في صورة واحدة وهي: إذا اقترن بالنية إشعار أو تقليد.
والتقليد: هو أن يعلق على البدنة ما يدل على أنها من الهدايا.
والإشعار: هو شق سنام البعير الأيمن شقاً يسيراً حتى يدمي.
فإذا اقترن بالنية إشعار أو تقليد تعينت بذلك.
стр. 1260
والسبب: أن عند أهل العلم قاعدة مفيدة وستتكرر معنا وهي: ((أن النية مع العمل تقوم مقام اللفظ))، فإذا نوى وقَلَّد فكأنه قال: هذه أضحية أو هدي.
وهذا سيأتينا في أبواب متكررة وهي استعمال هذه القاعدة: (أإن النية مع الفعل تقوم مقام اللفظ) كما سيأتينا في الوقف مثلاً: فإن الإنسان إذا فتح باب مزرعته وجعلها مقبرة ناوياً التوقيف صارت هذه المزرعة مقبرة لا باللفظ ولكن بالعمل المقترن بالنية - كما سيأتينا في أبواب أخرى.
* * مسألة / فإن اشترى ناوياً: فقد تقدم معنا أن الذبيحة لا تتعين بالشراء بنية بدون لفظ.
= والقول الثاني: أنه إذا اشترى بنية تعينت هدياً ولو لم يتلفظ. وهذا اختيار شيخ الاسلام ﵀ ونصره: بأن هذا الشراء وهو العمل مع النية قام مقام القول.
والراجح والله أعلم مذهب الحنابلة واختيار الشيخ ﵀ هنا ليس بقوي: لأن طريقة الشارع أن الإنسان إذا هم بالصدقة ولم يخرجها فإنها لا تتعين بذلك. فلو اشترى عبداً ليعتقه فإنه لا يجب عليه بالإجماع أن يعتق هذا العبد فإذا غير نيته وأمسك العبد فلا حرج عليه، وعلى هذا تبين أن الشراء بالنية لا يقوم مقام اللفظ.
* * مسألة / النية مع الإشعار والتقليد يُعَيِّنُ الهدايا دون الضحايا. لأن من شأن الهدايا التقليد والإشعار دون الضحايا.
فتبين من هذه المسألة الأخيرة أن الأضحية لا يمكن أن تتعين إلا بالقول. إلا ما سيأتينا بعد قليل: مسألة الذبح فإن الذبح تتعين به لكن إذا ذبحت فحكمها حكم آخر، لكن الآن قبل الذبح لا تتعين الأضحية إلا بالقول فقط.
- ثم قال ﵀:
وإذا تعينت: لم يجز بيعها ولا هبتها.
هذا الحكم الأول لأنها تعينت وهو: أنه لا يجوز البيع ولا الهبة، وهذا بإجماع أهل العلم أن الأضحية أو الهدي إذا تعين لا يجوز أن يباع ولا أن يوهب ولا أن يهدى.
والدليل على ذلك:
- أنه أخرجها لله فلم يجز له الرجوع فيها.
- وثانياً: القياس الجلي على الوقف. فإن الأضحية إذا تعينت صارت من جنس الوقف.
فإن عَيَّنَ الأضحية ثم مات قبل أن تذبح فإنه لا يجوز للورثة أن يتصرفوا فيها تصرف الملاك بل يجب عليهم أن يذبحوها كأضحية لأنها تعينت والبيع والهبة حكمهما واحد.
-
стр. 1261
ثم قال ﵀:
إلاّ أن يبدلها بخير منها.
أفاد المؤلف ﵀ بقوله: (إلا أن يبدلها) أنه يجوز للإنسان أن يبدل الأضحية بخير منها وأنه لا حرج في هذا العمل.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن هذا الإبدال هو في الحقيقة زيادة في الأضحية. وهو زيادة معنوية لا حسية لأن الزيادة ليس في نفس الأضحية ولكن في أخرى.
- واستدلوا: بأن المقصود من الأضحية تحقق في الإبدال مع زيادة نفع الفقراء.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن الإبدال جائز دون البيع. فإذا أراد أن يبيع الأضحية ليشتري خيراً منها فإنه لا يجوز وإذا أراد أن يبدل جاز، فالإبدال جائز دون البيع.
= والقول الثاني: أن الإبدال والبيع كلاهما جائز. يعني: ليشتري خيراً منها.
- لأن المبادلة هي نوع من البيع.
- ولأن العلل التي ذكروها في جواز المبادلة موجودة في البيع.
وهذا القول الثاني هو الصواب: أن الإبدال والبيع يجوز إلا لمن خشي أن لا يقوم بالواجب بعد البيع، فإذا ظن أنه لن يقوم بالواجب فإنه يحرم عليه البيع. (فإذا ظن أنه سيأخذ المال ولن يشتري ذبيحة أخرى خيراً منها فإنه يحرم عليه البيع، ويحرم عليه البيع أيضاً إذا ظن أنه إذا باع وبحث لن يجد خيراً منها فإنه لا يجوز له أن يبيع، فصار الجواز مجدد في صورة واحدة وهي: أن يعلم أنه إذا باع سيشتري وسيشتري أضحية خيراً من التي باع، ففي هذه الصورة يجوز أن يبيع الإنسان أضحيته ويشتري خيراً منها.
- قال ﵀:
ويجزُّ صوفها ونحوه: إن كان أنفع لها ويتصدق به.
المؤلف ﵀ يريد أن يبين بهذه العبارة ما هي الأشياء التي يجوز لنا أن ننتفع بالأضحية بها.
وذكر مسألة واحدة وهي: جَزُّ الصوف، فنقول: يجوز للإنسان أن يركب وأن يشرب اللبن وأن يجز الصوف. فيجوز له أن ينتفع من الأضحية بهذه الثلاثة أمور.
لكن لكل واحد شرط:
- فشرط جز الصوف: أن يكون الجز أنفع لها.
- وشرط شرب اللبن أو الحليب: أن لا يضر ذلك بابنها. ولا نقول: (أن لا يضر بها) لأن أخذ الحليب من بهيمة الأنعام لا يضرها أبداً.
- وشرط الركوب: أن لا يضرها وينقص منها.
فإذا توفرت هذه الشروط جاز الانتفاع بهذه الأوجه الثلاثة.
والدليل على ذلك:
стр. 1262
- أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق هدايا فقال له: اركبها. فقال: إنها من الهدايا. فقال له النبي ﷺ : ثلاثاً – (اركبها). فدل هذا الحديث على أنه للإنسان أن ينتفع بالمعروف بالأضحية والهدي.
- قال ﵀:
ويتصدق به.
إذا جز الصوف فإنه يتصدق به لكن على سبيل الندب لا الوجوب: عند الحنابلة، فإذا جزه فله أن ينتفع هو به وله أن يتصدق به ولكن التصدق أفضل ليكون تبرع أو تصدق بجميع هذه الأضحية ليصدق عليه أنه تصدق أو تبرع بكل هذه الأضحية لكن لا يجب عليه.
ودليل عدم الوجوب:
- أن الانتفاع بالصوف من جنس الانتفاع باللبن أو الحليب ومن جنس الانتفاع بالركوب فله أن ينتفع لكن إن تصدق: فالجمهور يرون أنه أفضل.
- ثم قال ﵀:
ولا يعطى جازرها: أُجرته منها.
لا يجوز أن يعطي المضحي والهادي أجرة الجازر - وهو من يقوم بذبح الضحايا والهدايا - منها. سواء كان أعطي من اللحم أو من الجلد أو الرأس أو أي شيء من الهدايا أو الضحايا.
والدليل على عدم الجواز من وجهين:
- الوجه الأول: الإجماع. فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز أن يعطى.
- والوجه الثاني: ما أخرجه البخاري ومسلم عن علي ﵁:أن النبي ﷺ قال له: (لا تعطه منها نحن نعطيه من عندنا). فدل هذا على عدم جواز أعطائه وهذا لا إشكال فيه لأنه محل إجماع كما سمعت.
* * مسألة / ويجوز أن يعطى منها من اللحم أو من غيره على سبيل الهدية أو الصدقة لأن الجازر لا يخرج عن جملة المسلمين الذين يجوز أن يعطوا من الهدايا والضحايا على سبيل الصدقة أو على سبيل الهدية.
- ثم قال ﵀:
ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها، بل ينتفع به.
لا يجوز أن يبيع الإنسان الجلد ولا أي شيء من الهدايا أو الضحايا إلا أنه يجوز له أن ينتفع بالجلد، فيجوز له الانتفاع دون البيع.
ودليل جواز الانتفاع:
- أنه يجوز للإنسان أن يأكل من الهدي وأن يأكل من الأضحية. والانتفاع بالجلد بعد الذبح من جنس الأكل من لحمها بل إن اللحم بالنسبة للهدايا والضحايا أنفس وأفضل وأغلى من الجلد فإذا جاز الانتفاع باللحم أكلاً فالانتفاع بالجلد استعمالاً من باب أولى.
стр. 1263
فإذاً: لا إشكال في أنه يجوزك للإنسان أن ينتفع بالجلد ولا يبيع منها شيئاً.
- ثم قال ﵀:
وإن تعيبت: ذبحها وأجزأته.
إذا تعيبت ومقصود المؤلف ﵀ بعد التعيين فإنه يجوز أن يذبحها وإذا ذبحها فإنها تجزئ عنه.
وحكم هذه المسألة فيه تفصيل: وهي تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن تتعيب بتعديه أو تفريطه. فحينئذ يجب عليه وجوباً أن يستبدلها بأخرى ويذبح ما يجزئ في الأضاحي من حيث الشروط لأنه متعد مخل بالأمانة.
ـ القسم الثاني: أن تتعيب بلا تعد ولا تفريط. ففي هذه المسألة خلاف:
= فالحنابلة يرون أنه لا يضمن هذه الأضحية ويذبحها وتجزئ عنه.
- لأن يده يد أمانة ولا ضمان على يد الأمانة إلا بالتعدي والتفريط.
= والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يذبح ما يجزئ ولا تجزئه هذه المعيبة.
وهذا مذهب القائلين بوجوب الأضحية. فكل عالم يقول بوجوب الأضحية فإنه يقول: إذا تعيبت فإنه يجب أن تستبدلها بخير منها. لأنه إذا قال تجب الأضحية صارت واجبة في الذمة. وما يجب في الذمة فيجب أن يذبح سليماً من العيوب.
والراجح: أنه إذا لم يتعد ولم يفرط فإنه لا يضمن. لأن هذا مقتضى أن يده يد أمانة.
-
ثم قال ﵀:
إلاّ أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين.
إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين فإنها إذا تعيبت فيجب أن يذبح أخرى سليمة، ومثال التي تجب في الذمة قبل التعيين: كالمنذورة فإذا قال رجل: لله علي نذر أن أضحي هذه السنة وجب في ذمته أضحية سليمة بخلاف الواجبة بالتعيين فإنها لا تجب في ذمته وإنما تجب بالتعيين.
يعني: أن الوجوب يتعلق بعين هذه البهيمة بينما الواجب في الذمة فالوجوب يتعلق بذمته ولا تبرأ الذمة إلا بأداء هذا الواجب الذي في ذمته فإذا كانت واجبة في الذمة وتعيبت فيجب عليه أن يذبح أخرى سليمة لأن الذمة لا تبرأ إلا بأداء سليمة.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: القياس على من أراد أن يقضي الدين بمبلغ عينه ثم سرق.
فإذا خرج الإنسان بمبلغ يريد أداء دين عليه ثم هذا المبلغ سرق فهل يجب عليه أن يسدد دين الرجل وإلا يقول سرق المال الذي كنت ناوياً تسديدك به؟ الجواب: يجب أن يسدد. لماذا؟ لأنه واجب في الذمة.
стр. 1264
بينما إذا أودع عندك إنسان مبلغاً من المال وديعة وأصبحت يدك يد أمانة فإنه إذا ضاعت هذه الوديعة بدون تفريط ولا تعدي فإنه لا يجب عليك أن تؤدي هذا المبلغ لصاحبه.
كذلك هنا: الفرق بين الأضحية التي لا تجب في الذمة ولكنها وجبت بالتعيين وبين الأضحية التي وجبت في الذمة.
إذاً يجب أن يؤدي أخرى سليمة لتبرأ ذمته فإن ذبح فإن ذمته مشغولة ولم تبرأ ويجب عليه أن يذبح أخرى.
- ثم قال ﵀:
والأُضحية سنة.
= ذهب الجماهير من أهل العلم: الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد إلى أن الأضحية: سنة.
واستدل هؤلاء الفقهاء عليهم رحمة الله ورضوانه:
- بقول النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن من بشرته ولا من شعره شيئاً).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال: (وأراد أحدكم) فعلق الأضحية بالإرادة ولو كانت الأضحية واجبة لقال: (إذا دخلت العسر فلا يمسن أحدكم).
- الدليل الثاني: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ كانا لا يضحيان السنة والسنتين خشية أن يظن أن ذلك واجباً
- وروي عن ابن مسعود ﵁ مثل ذلك.
= القول الثاني: وهو مذهب الأحناف ونصره شيخ الإسلام ﵀ واستدل له بأدلة وهو: أن الأضحية واجبة وجوباً عينياً على كل مستطيع.
واستدل بأمور:
- الأول: أن الله تعالى قال: - (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) -[الكوثر/٢]. فقرن الصلاة بالنحر وكلاهما واجب.
- واستدل أيضاً: بأن الأضحية من شعائر الإسلام الظاهرة وشعائر الإسلام الظاهرة واجبة.
واستدل بعض القائلين بالوجوب:
- بقول النبي ﷺ : (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) وهو نص في الوجوب.
وهذا الحديث حديث منكر الإسناد واللفظ ولا يصح أبداً عن النبي ﷺ .
стр. 1265
بقينا في الراجح: الراجح والله أعلم وبوضوح: أنها سنة واختيار شيخ الإسلام في هذه المسألة ضعيف جداً، كيف نعتبر الأضحية واجبة وأبو بكر وعمر لا يضحيان، والإشكال أنهم لا يضحون دفعاً للوجوب. فإنهم صرحوا أنه خشية أن يرى أن ذلك واجب. فكيف نقول عن مثل هذا القول أنه مرجوح وشيخ الإسلام يقول: وليس مع الذين رأوا سنية الأضحية إلا ظاهر قول النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم) ونحن نقول: أن هذا الظاهر كفاية وفيه غنى وهذا الظاهر تأيد بالآثار والآثار المروية عن أفقه أصحاب النبي ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب فلا شك أن اختيار الشيخ ضعيف ولو أنه لم يخالف الآثار في مثل هذه المسألة لكان أولى وأجدر به لا سيما وأن في المسألة نص وهو يستدل بالعمومات: عموم الآية وظاهرها ودلالة الاقتران تقدم معنا أنها دلالة ضعيفة وأنه لا يؤخذ منها حكم مستقل وإنما تتأيد بالقرائن الأخرى وليس هنا قرائن أخرى. فكلام الشيخ ﵀ فيما يظهر لي في هذه المسألة ليس بقوي.
-
ثم قال ﵀:
وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
ذبح الأضحية أفضل وأولى وأحب إلى الله من الصدقة بثمنها.
لدليلين:
- الأول: أن المقصود في الأضحية إنهار الدم لله وهذا لا يحصل أبداً في الصدقة. فاستبدال الأضحية في الصدقة إخلال بالمقصود الأساس وهو التقرب إلى الله بذبح البهيمة.
- ثانياً: أن هذا مخالف لهدي النبي ﷺ وهدي أصحابه ﵃ حيث كانوا كلهم يجمعون بلا خلاف أن يضحوا ولا يعدلوا إلى الصدقة.
فمن زعم أن الصدقة بقيمة الأضحية خير من الذبح فقد صادم عمل السلف وقوله شاذ وضعيف جداً.
- يقول ﵀:
ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً.
يريد المؤلف ﵀ أن يبين كيفية توزيع لحوم الهدايا والضحايا، فالسنة أن يقسم الإنسان الهدي والأضحية إلى ثلاثة أقسام:
- قسم يأكله.
- وقسم يتصدق به.
- وقسم يهديه.
واستدلوا على هذا التقسيم بأمرين:
- الأمر الأول: أن هذا التقسيم جاء منصوصاً مصرحاً به عن اثنين من فقهاء الصحابة: ابن مسعود وابن عمر ﵄.
следующие страницы →