Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ثم قال ﵀:
إلاّ أن يبدلها بخير منها.
أفاد المؤلف ﵀ بقوله: (إلا أن يبدلها) أنه يجوز للإنسان أن يبدل الأضحية بخير منها وأنه لا حرج في هذا العمل.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن هذا الإبدال هو في الحقيقة زيادة في الأضحية. وهو زيادة معنوية لا حسية لأن الزيادة ليس في نفس الأضحية ولكن في أخرى.
- واستدلوا: بأن المقصود من الأضحية تحقق في الإبدال مع زيادة نفع الفقراء.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن الإبدال جائز دون البيع. فإذا أراد أن يبيع الأضحية ليشتري خيراً منها فإنه لا يجوز وإذا أراد أن يبدل جاز، فالإبدال جائز دون البيع.
= والقول الثاني: أن الإبدال والبيع كلاهما جائز. يعني: ليشتري خيراً منها.
- لأن المبادلة هي نوع من البيع.
- ولأن العلل التي ذكروها في جواز المبادلة موجودة في البيع.
وهذا القول الثاني هو الصواب: أن الإبدال والبيع يجوز إلا لمن خشي أن لا يقوم بالواجب بعد البيع، فإذا ظن أنه لن يقوم بالواجب فإنه يحرم عليه البيع. (فإذا ظن أنه سيأخذ المال ولن يشتري ذبيحة أخرى خيراً منها فإنه يحرم عليه البيع، ويحرم عليه البيع أيضاً إذا ظن أنه إذا باع وبحث لن يجد خيراً منها فإنه لا يجوز له أن يبيع، فصار الجواز مجدد في صورة واحدة وهي: أن يعلم أنه إذا باع سيشتري وسيشتري أضحية خيراً من التي باع، ففي هذه الصورة يجوز أن يبيع الإنسان أضحيته ويشتري خيراً منها.
- قال ﵀:
ويجزُّ صوفها ونحوه: إن كان أنفع لها ويتصدق به.
المؤلف ﵀ يريد أن يبين بهذه العبارة ما هي الأشياء التي يجوز لنا أن ننتفع بالأضحية بها.
وذكر مسألة واحدة وهي: جَزُّ الصوف، فنقول: يجوز للإنسان أن يركب وأن يشرب اللبن وأن يجز الصوف. فيجوز له أن ينتفع من الأضحية بهذه الثلاثة أمور.
لكن لكل واحد شرط:
- فشرط جز الصوف: أن يكون الجز أنفع لها.
- وشرط شرب اللبن أو الحليب: أن لا يضر ذلك بابنها. ولا نقول: (أن لا يضر بها) لأن أخذ الحليب من بهيمة الأنعام لا يضرها أبداً.
- وشرط الركوب: أن لا يضرها وينقص منها.
فإذا توفرت هذه الشروط جاز الانتفاع بهذه الأوجه الثلاثة.
والدليل على ذلك:
стр. 1262
- أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق هدايا فقال له: اركبها. فقال: إنها من الهدايا. فقال له النبي ﷺ : ثلاثاً – (اركبها). فدل هذا الحديث على أنه للإنسان أن ينتفع بالمعروف بالأضحية والهدي.
- قال ﵀:
ويتصدق به.
إذا جز الصوف فإنه يتصدق به لكن على سبيل الندب لا الوجوب: عند الحنابلة، فإذا جزه فله أن ينتفع هو به وله أن يتصدق به ولكن التصدق أفضل ليكون تبرع أو تصدق بجميع هذه الأضحية ليصدق عليه أنه تصدق أو تبرع بكل هذه الأضحية لكن لا يجب عليه.
ودليل عدم الوجوب:
- أن الانتفاع بالصوف من جنس الانتفاع باللبن أو الحليب ومن جنس الانتفاع بالركوب فله أن ينتفع لكن إن تصدق: فالجمهور يرون أنه أفضل.
- ثم قال ﵀:
ولا يعطى جازرها: أُجرته منها.
لا يجوز أن يعطي المضحي والهادي أجرة الجازر - وهو من يقوم بذبح الضحايا والهدايا - منها. سواء كان أعطي من اللحم أو من الجلد أو الرأس أو أي شيء من الهدايا أو الضحايا.
والدليل على عدم الجواز من وجهين:
- الوجه الأول: الإجماع. فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز أن يعطى.
- والوجه الثاني: ما أخرجه البخاري ومسلم عن علي ﵁:أن النبي ﷺ قال له: (لا تعطه منها نحن نعطيه من عندنا). فدل هذا على عدم جواز أعطائه وهذا لا إشكال فيه لأنه محل إجماع كما سمعت.
* * مسألة / ويجوز أن يعطى منها من اللحم أو من غيره على سبيل الهدية أو الصدقة لأن الجازر لا يخرج عن جملة المسلمين الذين يجوز أن يعطوا من الهدايا والضحايا على سبيل الصدقة أو على سبيل الهدية.
- ثم قال ﵀:
ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها، بل ينتفع به.
لا يجوز أن يبيع الإنسان الجلد ولا أي شيء من الهدايا أو الضحايا إلا أنه يجوز له أن ينتفع بالجلد، فيجوز له الانتفاع دون البيع.
ودليل جواز الانتفاع:
- أنه يجوز للإنسان أن يأكل من الهدي وأن يأكل من الأضحية. والانتفاع بالجلد بعد الذبح من جنس الأكل من لحمها بل إن اللحم بالنسبة للهدايا والضحايا أنفس وأفضل وأغلى من الجلد فإذا جاز الانتفاع باللحم أكلاً فالانتفاع بالجلد استعمالاً من باب أولى.
стр. 1263
فإذاً: لا إشكال في أنه يجوزك للإنسان أن ينتفع بالجلد ولا يبيع منها شيئاً.
- ثم قال ﵀:
وإن تعيبت: ذبحها وأجزأته.
إذا تعيبت ومقصود المؤلف ﵀ بعد التعيين فإنه يجوز أن يذبحها وإذا ذبحها فإنها تجزئ عنه.
وحكم هذه المسألة فيه تفصيل: وهي تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن تتعيب بتعديه أو تفريطه. فحينئذ يجب عليه وجوباً أن يستبدلها بأخرى ويذبح ما يجزئ في الأضاحي من حيث الشروط لأنه متعد مخل بالأمانة.
ـ القسم الثاني: أن تتعيب بلا تعد ولا تفريط. ففي هذه المسألة خلاف:
= فالحنابلة يرون أنه لا يضمن هذه الأضحية ويذبحها وتجزئ عنه.
- لأن يده يد أمانة ولا ضمان على يد الأمانة إلا بالتعدي والتفريط.
= والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يذبح ما يجزئ ولا تجزئه هذه المعيبة.
وهذا مذهب القائلين بوجوب الأضحية. فكل عالم يقول بوجوب الأضحية فإنه يقول: إذا تعيبت فإنه يجب أن تستبدلها بخير منها. لأنه إذا قال تجب الأضحية صارت واجبة في الذمة. وما يجب في الذمة فيجب أن يذبح سليماً من العيوب.
والراجح: أنه إذا لم يتعد ولم يفرط فإنه لا يضمن. لأن هذا مقتضى أن يده يد أمانة.
-
ثم قال ﵀:
إلاّ أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين.
إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين فإنها إذا تعيبت فيجب أن يذبح أخرى سليمة، ومثال التي تجب في الذمة قبل التعيين: كالمنذورة فإذا قال رجل: لله علي نذر أن أضحي هذه السنة وجب في ذمته أضحية سليمة بخلاف الواجبة بالتعيين فإنها لا تجب في ذمته وإنما تجب بالتعيين.
يعني: أن الوجوب يتعلق بعين هذه البهيمة بينما الواجب في الذمة فالوجوب يتعلق بذمته ولا تبرأ الذمة إلا بأداء هذا الواجب الذي في ذمته فإذا كانت واجبة في الذمة وتعيبت فيجب عليه أن يذبح أخرى سليمة لأن الذمة لا تبرأ إلا بأداء سليمة.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: القياس على من أراد أن يقضي الدين بمبلغ عينه ثم سرق.
فإذا خرج الإنسان بمبلغ يريد أداء دين عليه ثم هذا المبلغ سرق فهل يجب عليه أن يسدد دين الرجل وإلا يقول سرق المال الذي كنت ناوياً تسديدك به؟ الجواب: يجب أن يسدد. لماذا؟ لأنه واجب في الذمة.
стр. 1264
بينما إذا أودع عندك إنسان مبلغاً من المال وديعة وأصبحت يدك يد أمانة فإنه إذا ضاعت هذه الوديعة بدون تفريط ولا تعدي فإنه لا يجب عليك أن تؤدي هذا المبلغ لصاحبه.
كذلك هنا: الفرق بين الأضحية التي لا تجب في الذمة ولكنها وجبت بالتعيين وبين الأضحية التي وجبت في الذمة.
إذاً يجب أن يؤدي أخرى سليمة لتبرأ ذمته فإن ذبح فإن ذمته مشغولة ولم تبرأ ويجب عليه أن يذبح أخرى.
- ثم قال ﵀:
والأُضحية سنة.
= ذهب الجماهير من أهل العلم: الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد إلى أن الأضحية: سنة.
واستدل هؤلاء الفقهاء عليهم رحمة الله ورضوانه:
- بقول النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن من بشرته ولا من شعره شيئاً).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قال: (وأراد أحدكم) فعلق الأضحية بالإرادة ولو كانت الأضحية واجبة لقال: (إذا دخلت العسر فلا يمسن أحدكم).
- الدليل الثاني: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ كانا لا يضحيان السنة والسنتين خشية أن يظن أن ذلك واجباً
- وروي عن ابن مسعود ﵁ مثل ذلك.
= القول الثاني: وهو مذهب الأحناف ونصره شيخ الإسلام ﵀ واستدل له بأدلة وهو: أن الأضحية واجبة وجوباً عينياً على كل مستطيع.
واستدل بأمور:
- الأول: أن الله تعالى قال: - (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) -[الكوثر/٢]. فقرن الصلاة بالنحر وكلاهما واجب.
- واستدل أيضاً: بأن الأضحية من شعائر الإسلام الظاهرة وشعائر الإسلام الظاهرة واجبة.
واستدل بعض القائلين بالوجوب:
- بقول النبي ﷺ : (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) وهو نص في الوجوب.
وهذا الحديث حديث منكر الإسناد واللفظ ولا يصح أبداً عن النبي ﷺ .
стр. 1265
بقينا في الراجح: الراجح والله أعلم وبوضوح: أنها سنة واختيار شيخ الإسلام في هذه المسألة ضعيف جداً، كيف نعتبر الأضحية واجبة وأبو بكر وعمر لا يضحيان، والإشكال أنهم لا يضحون دفعاً للوجوب. فإنهم صرحوا أنه خشية أن يرى أن ذلك واجب. فكيف نقول عن مثل هذا القول أنه مرجوح وشيخ الإسلام يقول: وليس مع الذين رأوا سنية الأضحية إلا ظاهر قول النبي ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم) ونحن نقول: أن هذا الظاهر كفاية وفيه غنى وهذا الظاهر تأيد بالآثار والآثار المروية عن أفقه أصحاب النبي ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب فلا شك أن اختيار الشيخ ضعيف ولو أنه لم يخالف الآثار في مثل هذه المسألة لكان أولى وأجدر به لا سيما وأن في المسألة نص وهو يستدل بالعمومات: عموم الآية وظاهرها ودلالة الاقتران تقدم معنا أنها دلالة ضعيفة وأنه لا يؤخذ منها حكم مستقل وإنما تتأيد بالقرائن الأخرى وليس هنا قرائن أخرى. فكلام الشيخ ﵀ فيما يظهر لي في هذه المسألة ليس بقوي.
-
ثم قال ﵀:
وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
ذبح الأضحية أفضل وأولى وأحب إلى الله من الصدقة بثمنها.
لدليلين:
- الأول: أن المقصود في الأضحية إنهار الدم لله وهذا لا يحصل أبداً في الصدقة. فاستبدال الأضحية في الصدقة إخلال بالمقصود الأساس وهو التقرب إلى الله بذبح البهيمة.
- ثانياً: أن هذا مخالف لهدي النبي ﷺ وهدي أصحابه ﵃ حيث كانوا كلهم يجمعون بلا خلاف أن يضحوا ولا يعدلوا إلى الصدقة.
فمن زعم أن الصدقة بقيمة الأضحية خير من الذبح فقد صادم عمل السلف وقوله شاذ وضعيف جداً.
- يقول ﵀:
ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً.
يريد المؤلف ﵀ أن يبين كيفية توزيع لحوم الهدايا والضحايا، فالسنة أن يقسم الإنسان الهدي والأضحية إلى ثلاثة أقسام:
- قسم يأكله.
- وقسم يتصدق به.
- وقسم يهديه.
واستدلوا على هذا التقسيم بأمرين:
- الأمر الأول: أن هذا التقسيم جاء منصوصاً مصرحاً به عن اثنين من فقهاء الصحابة: ابن مسعود وابن عمر ﵄.
стр. 1266
- والأمر الثاني: قوله ﷺ : (كلوا وتصدقوا وادخروا).
نعم. الإهداء ليس مذكوراً في الحديث لكن عمل عليه الصحابة فهؤلاء اثنين من الصحابة ولا يعلم لهما مخالف.
= القول الثاني: أن لحوم الأضاحي والهدايا السنة فيها أن تقسم إلى قسمين:
- نصف يؤكل.
- ونصف يتصدق به.
وهو مذهب للشافعي أظنه القديم - لكن نسيت الآن -.
واستدل:
- بقوله تعالى: - (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) -[الحج/٣٦].
فقسم الله الهدي والأضاحي إلى قسمين.
والقانع هو: السائل. والمعتر هو: الذي يتعرض لأخذ الصدقة ولكنه لا يسأل.
= القول الثالث: أنه ليس في تقسيم الهدي والأضاحي شيء مخصوص ولا حد مقدر بل يصنع كيفما تيسر وكيفما أراد وهو مذهب الإمام مالك.
- لأنه ليس في النصوص ما يدل على التقسيم.
والراجح: الأول. لأن معهم ظواهر النصوص المؤيدة بالآثار عن الصحابة. وهو أقوى مما استدل به أصحاب القول الثاني والثالث.
- قوله ﵀:
وإن أكلها إلاّ أُوقية تصدق بها.
أفادنا المؤلف ﵀ أنه يجوز للإنسان: أن يأكل جميع الأضحية وجميع الهدي إلا مقدار الأوقية وأنه لو استغرقها أكلاً إلا هذا المقدار فلا بأس.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن الله تعالى قال: - (فَكُلُوا مِنْهَا) -[الحج/٣٦].فأطلق ولم يقيد. وهذا يتناول كل الذبيحة إلا مقدار أوقية.
فإن أكلها ولم يبق شيئاً وجب عليه أن يخرج ما يقع عليه الاسم. يعني: اسم الصدقة. لأن الله أمر بالأكل والصدقة وأقل ما يقع عليه الاسم: أوقية، والأوقية مذكورة على سبيل التمثيل، يعني: أن يخرج نحواً من هذا المقدار وهو أقل ما يقع عليه اسم الصدقة.
والدليل هو ما قلت لك:
- أن الله أمر بالأمرين : الأكل والصدقة.
-
قال ﵀:
وإن أكلها إلاّ أُوقية تصدق بها. جاز وإلاّ ضمنها.
يعني: إن أكلها كلها ولم يخرج منها شيء ضمن هذا المقدار وهو: الأوقية.
- لأن الله أمر بالصدقة ولم يفعل هو.
- ولأن ظاهر الآثار: أنه لابد من الصدقة.
стр. 1267
* * مسألة/ والواجب عند الصدقة التمليك لا الإطعام. (الواجب إذا أراد الإنسان أن يتصدق من الهدايا والضحايا التمليك لا الإطعام.
فإن أخذ اللحم وطبخه وأطعمه الفقراء فإنه لا يجزئ بل يجب أن يملك الفقراء اللحم نيئاً.
- لأنه إذا أطلق التمليك فإنه ينصرف إلى ذلك. والتمليك شيء والإطعام شيء آخر.
ولا يخفى على أحد أن التمليك أنفع للفقير من الإطعام وهو أنفع بكثير.
- ثم قال ﵀:
ويحرم على من يضحي. أن يأخذ في العَشر: من شعره أو بشرته شيئاً.
إذا دخلت العشر وأراد الإنسان أن يضحي أو دخلت العشر وأراد في أثنائها أن يضحي ففي الصورتين فإنه يحرم عليه أن يمس شيئاً من شعره وبشرته وأظفاره.
وإلى هذا: = ذهب الجمهور.
واستدلوا:
- بالحديث الصحيح الذي تقدم ذكره وهو أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن من شعره ولا بشرته) وفي رواية في مسلم (ولا أظفاره شيئاً).
فهذه ثلاثة أشياء لا يجوز للإنسان أن يمسها إذا أراد أن يضحي.
= القول الثاني: أنه لا يجب الإمساك عن هذه الأشياء لمن أراد أن يضحي بل يجوز له أن يفعل ما يفعل غيره ممن لم يرد الأضحية
واستدل على ذلك:
- بأن المضحي لا يمنع من تغطية الرأس ولا من الطيب ولا من لبس المخيط فكذلك لا يمنع من تقليم الأظافر وحلق الشعر.
وهو استدلال غاية في الضعف والتهافت. كيف نعارض النصوص بمثل هذه الأقيسة.
= والقول الثالث: أن الأخذ مكروه ولا يحرم. وهذا تبناه الإمام الشافعي.
واستدل على الكراهة دون التحريم:
- بأنه ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يرسل الهدي إلى مكة ولا يحرم عليه شيئاً كان جائزاً قبل الإرسال.
وقرر الاستدلال بقوله: أن إرسال الهدايا إلى مكة أعظم من الأضحية فإذا لم يجب الإمساك عند إرسال الهدايا ففي الأضحية من باب أولى. فقال: نجمع بين النصين بأن النهي إنما هو للكراهة لا للتحريم.
والراجح والله أعلم أنه يحرم.
والجواب عن استدلال الإمام الشافعي ﵀: أن القاعدة الفقهية الأضبط من قاعدة الشافعي هي: (أنه يجب أن نستعمل النصوص كل نص في موضعه).
стр. 1268
فنحن نقول: من أرسل الهدايا لا يجب عليه أن يمسك. ومن أراد أن يضحي فيجب عليه أن يمسك. فنستعمل كل نص في موضعه ولا نضرب النصوص بعضها ببعض ولا نرى أنها متعارضة. فإن هذا التعارض إنما وجد في ذهن هذا الفقيه أو ذاك دون حقيقة الأمر.
كذلك هنا نقول: لا تعارض بين حديث إرسال الهدايا وبين حديث وجوب الإمساك للمضحي.
فالراجح إن شاء الله أنه لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من هذه الثلاثة أشياء إذا أراد أن يضحي.
* * مسألة / فإن أخذ فهو آثم وعليه التوبة ولا كفارة. ويجوز له ويجزئ أن يضحي. لأن هذا الإمساك ليس شرطاً في صحة الأضحية.
(فصل)
- ثم قال ﵀:
(فصل).
خصص المؤلف ﵀ هذا الفصل لبيان أحكام العقيقة.
- يقول ﵀:
فصل تسن العقيقة.
العقيقة في اللغة: القطع والشق.
وفي الإصطلاح: هي الذبيحة التي تذبح عند قدوم المولود شكراً لله.
وأجمع العلماء ﵏ على مشروعيتها.
واختلفوا في حكمها:
= فالقول الأول: أنها سنة. وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا:
- بقول النبي ﷺ (من أحب أن ينسك نسيكة فليذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة).
- وقول النبي ﷺ : (أمرنا النبي ﷺ أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة).
وإذا جمعنا بين الحديثين دلَّا على أن الأمر للندب لا للوجوب.
= والقول الثاني: أنه يجب وهو مذهب الظاهرية وبعض الفقهاء.
واستدلوا:
- بأن النبي ﷺ في حديث عائشة قالت: (أمرنا).
- واستدلوا: بقول النبي ﷺ في البخاري: (اذبحوا عنه ذبيحة وأميطوا عنه الأذى). فقوله: (اذبحوا) أمر.
= والقول الثالث: أن العقيقة مباحة.
- لقول النبي ﷺ : (من أحب منكم أن ينسك .. ).
وإذا تأملت وتدبرت فستجد إن شاء الله أن القول الأول هو الراجح وأن القول الأخير ضعيف جداً.
-
ثم قال ﵀:
عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة.
стр. 1269
تقدم معنا في حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (أن النبي ﷺ أن يذبحوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة).فدل هذا على أن السنة أن نذبح عن الغلام هذا المقدار وعن الجارية هذا المقدار.
* * مسألة/ ويجوز أن نذبح عن الغلام شاة واحدة.
- لحديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ : (ذبح عن الحسن والحسين شاة شاة).
لكن الاستدلال بحديث ابن عباس فيه نظر لأنه في رواية في سنن النسائي: (شاتين شاتين). ثم الحديث في أصله في ثبوته خلاف.
لكن مع ذلك الراجح أنه يجوز أن نذبح عن الغلام شاة. لقول النبي ﷺ : (كل غلام مرتهن بذبيحته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى) وإذا كان مرتههن بذبيحته فإن ذبح شاة واحدة يفي بفك الارتهان.
وإلى هذا القول - وهو جواز الاكتفاء بشاة واحدة - ذهب ابن القيم وهو القول الصحيح إن شاء الله.
- ثم قال ﵀:
تذبح يوم سابعه.
تذبح يوم سابعه:
- لحديث سمرة ﵁ أنه قال: (كل غلام مرتهن بذبيحته تذبح عنه يوم سابعه). وحديث سمرة حديث صحيح ثابت إن شاء الله. وهو يدل على أن الذبح يكون في اليوم السابع.
* * مسألة / ويدخل في حساب اليوم السابع يوم الولادة. والأحوط أن لا يحسب إذا كان مولوداً في الليل أما إذا كان مولوداً في النهار فإنه يحسب في السبعة أيام وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد.
* * مسألة / ويسن أن يسمى في اليوم السابع إلا إن كان الأب أعد في نفسه اسماً قبل الولادة فإن السنة أن يسميه في يوم الولادة
إذاً على هذا التفصيل:
- إن كان لم يعد اسماً ويبحث فإنه يسن أن يؤخر التسمية إلى اليوم السابع.
- وإن كان أعد اسماً فإنه يسميه في يوم الولادة. لأن النبي ﷺ سمى ابنه إبراهيم في يوم ولادته.
* * مسألة / التسمية واجبة بالإجماع وهي واجبة على الأب وهي في نفس الوقت حق من حقوق الأب فإذا تنازع الأب والأم أو الأب والجد أو الأب والجدة فإن الأب هو الأحق بالتسمية.
فهي واجبة عليه وهي حق من حقوقه.
- ثم قال ﵀:
فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين.
стр. 1270
الدليل على اعتبار الأسبوع الثاني والأسبوع الثالث:
- أن هذا جاء منصوصاً مروياً عن عائشة ﵂ فإنها ذكرت أنه في اليوم السابع أو في الأسبوع الثاني أو في الأسبوع الثالث.
قال ابن قدامة ﵀: ولا يكون هذا منها إلا توقيفاً ثم إذا تعدى الاسبوع الثالث فإنه يذبح في أي يوم كان ولا يراعي التسبيع.
* * مسألة / إذا فات اليوم السابع: فاختلف الفقهاء هل يعق أو لا يعق:
= فذهب الجمهور إلى أن وقت العقيقة يستمر ولا ينتهي بفوات اليوم السابع.
واستدلوا على هذا:
- بأنه لا دليل على التوقيت وإنما ذكره النبي ﷺ على سبيل الاستحباب بدليل أن التوقيت باليوم السابع لم يذكر في حديث عائشة. ولم يذكر في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
= وذهب الإمام مالك إلى أنه بغياب شمس اليوم السابع انتهى وقت العقيقة. فإن ذبحها فهو كمن ذبح الأضحية في اليوم الخامس عشر فلا عبرة بها ولا ينظر إليها.
والراجح: مذهب الجمهور وهو اختيار ابن القيم إذ لا دليل على التحديد بل ظواهر النصوص الاطلاق.
* * مسألة / على القول بأنه لا يتحدد باليوم السابع فإلى متى ينتهي؟
= ذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم إلى أنه يستمر إلى البلوغ. فإذا بلغ فقد انتهى وقت العقيقة.
فإن أراد أن يعق عن نفسه بعد البلوغ صارت مسألة أخرى: وهي مسألة: هل يعق الكبير عن نفسه أو لا يعق وهي مسألة في خلاف وفيها أقوال:
== فالقول الأول: أنه يستحب له أن يعق حتى ولو كان كبيراً ومقصودهم بالكبير هنا: ما بعد البلوغ مباشرة فإنه يعتبر كبيراً. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية:
- لأنه لا دليل على التأقيت.
- ولأن هذا الغلام مرتهن. فلكي يفك الرهن عن نفسه فليذبح ولو كان كبيراً.
== والقول الثاني: أنه لا يصح ولا يجزئ أن يذبح من كان كبيراً.
- لأن ذبح العقيقة واجب على الأب ولا يصح من غيره.
والأقرب: القول الأول وهو أنه له أن يضحي ولو كان كبيراً إذ لا دليل على المنع وظواهر النصوص تؤيد الاستمرار ولو كان الإنسان كبيراً في السن.
* * مسألة/ ويسن أن يحلق المولود: وحلق المولود موجود في الأحاديث الصحيحة فلا إشكال في ثبوته في البخاري وغيره.
стр. 1271
لكن هل يشرع إذا حلق أن يتصدق بوزنه فضة؟
فيه خلاف:
= القول الأول: أنه يشرع.
- لأنه نقل عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك.
= والقول الثاني: أنه لا يشرع.
- لأنه لم يصح عن النبي ﷺ حديث ثابت في وزن شعر الصبي والتصدق به فضة.
= والقول الثالث: وهو الذي مال إليه الإمام أحمد: أنه لا بأس به. قال الإمام أحمد: قيل أن فاطمة حلقت رأس الحسن وتصدقت به فضة. وهذا الحديث مرسل حتى عن فاطمة. يعني ولا يثبت ولا عن فاطمة لكن الإمام أحمد يقول: قيل أنها فعلت هذا. ثم قال الإمام أحمد ﵀: ولا بأس أن يتصدق الإنسان.
وهذا القول هو الراجح: أنه لا بأس. فلا نقول أنه سنة ولا نقول أنه لا يشرع ولكن نقول: لا بأس.
((الأذان)).
- ثم قال ﵀:
وينزع جُدولاً ولا يكسر عظمها.
معنى جدولاً: أي أعضاء. فنأخذ اليد ونأخذ الرجل ولا نكسر عظماً للعقيقة.
والدليل على هذا:
- أنه روي عن عائشة ﵂ أنها نهت عن كسر العظام.
والحديث الذي فيه النهي عن كسر العظام هو نفس الحديث الذي فيه التوقيت في الأسبوع الثاني والثالث. يعني السابع والأربع عشر والأسبوع الثالث.
لكن هذه الزيادة مدرجة من قول عطاء ولم تفت بها عائشة. وصدر الأثر الذي فيه التوقيت بالأسبوع الثاني والثالث ثابت وأما النهي عن كسر العظام فهو مدرج ولا يثبت عن عائشة.
لذلك:
= القول الثاني: للإمام مالك أنه لا بأس بكسر عظم العقيقة.
لأمرين:
- الأمر الأول: أنه لم يثبت النهي لا بأثر صحيح ولا بحديث مرفوع.
- الأمر الثاني: أن في كسر العظام مصلحة أكثر وانتفاع بالعقيقة على وجه أكمل. فلذلك جاز ولا حرج فيه.
وهذا القول الثاني: وهو مذهب مالك هو الصواب.
- ثم قال ﵀:
وحكمها كالأُضحية.
حكم العقيقة كالأضحية في كل شيء: في التثليث - تثليث اللحم وفي أنه لابد من شروط الإجزاء في مسألة جواز البيع أو عدم جوازه والتفصيل الذي قيل في الأضحية يقال تماماً في العقيقة.
- ثم قال ﵀:
إلاّ أنه لا يجزئ فيها شرك في دم.
= ذهب الجمهور: إلى أنه لا يجزئ الاشتراك في العقيقة وأن سبيلها ليس كسبيل الأضحية والهدايا.
واستدلوا على هذا:
стр. 1272
- بأن المقصود من العقيقة هي فداء النفس وفداء النفس يكون بالنفس مقابل النفس. هذا أمر.
- والأمر الآخر وهو الأقوى: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم أجازوا التشريك في العقيقة وإن كان جاء عنه ﷺ وعن أصحابه التشريك في الأضحية.
فدل هذا على أن بينهما هذا الفرق في الحكم.
- ثم قال ﵀:
ولا تسن: الفَرَعة، ولا العتيرة.
- الفرعة هي: نحر أول ولد للناقة. وكانوا ينحرونه تقرباً لأوثانهم فنهى عنه الشارع.
- والعتيرة هي: ذبيحة العشر الأول من رجب.
والدليل على النهي:
- أن النبي ﷺ قال: (لا فرع ولا عتيرة) فنهى عنهما.
لكن الجمهور يرون أن هذا النهي لا للكراهة وإن أراد أن يذبح لا تقرباً للأصنام ولكن تقرباً لله ولا قصداً لهذا الزمان بعينه يعني: رجب فإنه لا بأس بالذبح في هذا المكان.
أخيراً: ذهب الجمهور إلى أن الأفضل في العقيقة أن يذبح شاتاً ثم بدنه ثم بقرة على خلاف الترتيب الذي مر علينا في الأضحية.
وبهذا انتهى كتاب المناسك.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1273
شرح كتاب الجهاد الدرس رقم (١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتاب الجهاد.
في الدرس السابق انتهينا من كتاب المناسك ولله الحمد وتطرق الماتن ﵀ إلى بعض سنن المولود وذكرت بعضاً منها مما اتسع له الوقت وما لم يتسع لم أذكره، ووزعنا عليكم الآن هذه الورقة التي فيها الآداب ذكرت فيها ما ذكره الفقهاء من الآداب وعقبت على ما رأيت أنه لا يثبت في السنة منه شيء. وإنما ذكرته وإن لم يثبت في السنة ليعلم حكمه وأنه وإن ذكره الفقهاء فليس عليه دليل صحيح.
- قال المؤلف ﵀:
كتاب الجهاد.
هذا الكتاب هو آخر كتاب في قسم العبادات، والحنابلة ﵏ جعلوا كتاب الجهاد آخر كتاب العبادات لأنه أفضل ما يتطوع به الإنسان بالبدن، وعن الإمام أحمد ﵀ روايات كثيرة صرح فيها أن أفضل الطاعات البدنية المندوبة هو الجهاد في سبيل الله، فلذلك جعلوه آخر العبادات.
-
قوله ﵀:
كتاب الجهاد.
الجهاد: مصدر مشتق مأخوذ من جاهد جهاداً، وهو مشتق من: جهد إذا بالغ في قتال عدوه، وهو في اللغة: بذل الوسع والطاقة.
وأما الجهاد في الاصطلاح فهو: قتال الكافر الحربي لتكون كلمة الله هي العليا، فالجهاد في الشرع إذا أطلق فهو ينصرف إلى هذا المعنى في الأحكام وفي النصوص الحاثة.
- قال ﵀:
وهو فرض كفاية.
قوله: (وهو فرض كفاية) أجمع أهل العلم بلا خلاف على مشروعية الجهاد. وأنه مندوب إليه.
واستدلوا على هذا:
- - بقول النبي ﷺ : (من مات ولم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على شعبة من النفاق) وهذا الحديث في مسلم.
وبعد اتفاقهم على أن الجهاد مشروع في الجملة:
= ذهب الجماهير والجم الغفير إلى أنه: فرض كفاية.
وفرض الكفاية هو: العبادة التي إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وإن لم يقم بها أحد أثموا أجمعين.
والدليل على أن الجهاد فرض كفاية:
стр. 1274
- قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء/٩٥]. فالآية صريحة بأنه فضل المجاهدين لكن الكل موعود إن شاء الله بالحسنى.
وهذا نص بأن الجهاد فرض كفاية.
ثم لما بين المؤلف ﵀ أن الجهاد فرض كفاية انتقل للصور التي يكون فيها الجهاد فرض عين:
- فقال ﵀:
ويجب إذا حضره.
هناك صور ذكرها الفقهاء يكون الجهاد فيها فرض عين:
ـ الصورة الأولى: إذا حضر الصف وأوشكوا على البدء بالقتال فحينئذ يحرم الانصراف وهو من كبائر الذنوب:
- وقد أجمع على هذا أهل العلم.
- وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ جعل التولي يوم الزحف من السبع الموبقات.
- ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال/١٥].
فدل على تحريم الإنصراف في المصافة: الكتاب والسنة والإجماع.
وإنما شدد الشارع فيه لأن فيه فتاً في عضد المجاهدين وتخذيلاً لهم، إلا أنه يجوز الانصراف عن الصف في ثلاث صور:
- الصورة الأولى: أن ينصرف متحرفاً لقتال. ومعنى ذلك: أن ينسحب عن صف المعركة ليرجع باستعداد أو بطريقة أخرى تكون أنكى في العدو. فإذا خرج ليعود فلا بأس.
- الصورة الثانية: أن يتحيز إلى فئة. أي يخرج من الصف لينظم إلى فئة أخرى إما لضعفها أو لتكالب الأعداء عليها أو لأي سبب أو لأمر الأمير - القائد للجيش - أو لأي سبب.
- الصورة الثالثة: يجوز له أن ينصرف إذا قابله من العدو ثلاثة فأكثر. وما دون ذلك فإنه لا يجوز أن ينصرف، وفهم من كلام الفقهاء أنه لا يجوز الانصراف عن واحد ولا عن اثنين مهما بلغت القوة فيهما أو فيه، وليس من مسوغات الانصراف قوة الخصم أثناء المبارزة.
الثاني مما يجب هو:
- قوله ﵀:
أو حصر بلده عدو.
стр. 1275
إذا حصر البلد العدو وحضر لقتالها فإنه يحرم الانصراف ويصبح الجهاد من فروض الأعيان، وهذا محل إجماع بين الفقهاء، قال الفقهاء: والقتال حينئذ هو أعظم واجبات صد العدو. وهو أعظم أنواع دفع الصائل لأن تمكين الأعداء من دخول البلاد يعني الفساد التام وتعذر إقامة الحدود والشعائر ومفاسده لا تحصى ولا تعد. - مفاسد تمكين الأعداء من دخول بلاد المسلمين لا تحصى ولا تعد - ولذلك جعله الفقهاء من أعظم صور دفع الصائل.
-
ثم قال ﵀:
أو استنفره الإمام.
الاستنفار هو: طلب الخروج للجهاد، فإذا طلب الإمام من فئة أو من شخص معين الخروج للقتال وجب على جميع الذين طلب منهم الخروج أن يخرجوا وجوباً عينياً. ومن تخلف منهم فقد ترك واجباً عينياً وهو آثم.
والدليل على ذلك:
- - قوله ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا استنفرتم فانفروا).
فهذه ثلاث صور يصبح الجهاد فيها واجباً عينياً ويضاف إليها:
- صورة رابعة: وهي إذا احتيج إلى شخص معين للخروج. كأن يكون ماهراً في الرماية أو في استخدام آلات الحرب أو في التخطيط ولو لم يكن شجاعاً في المقاتلة. المهم إذا احتيج إلى شخص معين لأي سبب صار الجهاد في حقه واجباً عينياً.
فتحصل عندنا الآن أربع صور يصبح الجهاد فيها واجباً عينياً.
- ثم قال ﵀:
وتمام الرباط: أربعون يوماً.
الرباط هو: ملازمة الثغر للجهاد والدفع عن المسلمين.
والثغر: هو الموضع المخوف الذي تحيط به الأعداء.
إذاً الثغور ليست هي الحدود ولكن الثغور هي الأماكن التي يخشى من دخول الأعداء إليها.
والمرابطة مشروعة بإجماع العلماء. وهو من أعظم الطاعات والقربات.
- لقول النبي ﷺ : (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها).
وهذا الحديث يبين بوضوح وجلاء حقارة الدنيا في نظر الشارع، فإن رباط يوم أربع وعشرين ساعة في مكان واحد مخوف أفضل من الدنيا وما عليها.
وقوله: (من الدنيا). يشمل من آدم ﵇ إلى قيام الساعة.
و: (ما عليها) يشمل جميع أنواع ملاذ الدنيا.
فهذا الحديث من أصح الأحاديث في حقارة الدنيا في نظر الشارع ويجب أن يكون نظر المسلم تبعاً لنظر الشارع.
стр. 1276
- قال ﵀:
أربعون ليلة.
تمام الرباط: أن يبقى الإنسان في الثغر: لمدة أربعين ليلة.
- لقول النبي ﷺ : (تمام الرباط أربعون ليلة). لكن هذا الحديث ضعيف ولا يثبت إلى النبي ﷺ . لكن روي هذا التحديد عن عمر وابنه وأبي هريرة ﵃. فهم جعلوا تمام الرباط أن يبقى الإنسان لمدة أربعين ليلة.
وأما أقل الرباط: فساعة. ومقصود الفقهاء ﵏ بقولهم: (ساعة): يعني: أن الرباط يحصل ولو بزمن قليل ولا يريدون الساعة المعاصرة بالتحديد الذي نعرفه الآن وإنما يريدون أنه وإن بقي الإنسان وقتاً قصيراً فإنه يعتبر مرابطاً في سبيل الله.
-
ثم قال ﵀:
وإذا كان أبواه مسلمين: لم يجاهد تطوعاً إلاّ بإذنهما.
لا يجوز للإنسان أن يخرج للجهاد في سبيل الله تطوعاً إلا بإذن والديه إذا كانا مسلمين.
- لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم: أن رجلاً خرج للجهاد فقال له النبي ﷺ : (ألك أبوان؟) قال: نعم. قال: (ففيهما فجاهد). فهذا الحديث نص على أنه لا يجوز له أن يخرج إل بإذنهما ما داما من المسلمين.
- والدليل الثاني: أن بر الوالدين من فروض الأعيان وجهاد الطاعة من فروض الكفايات ولا يجوز للإنسان أن يقدم فروض الكفايات على فروض الأعيان.
- وقول المؤلف ﵀:
وإذا كان أبواه مسلمين.
يدل على أنه إذا كانا الأبوان من غير المسلمين فإنه يجوز أن يخرج بلا طاعة ولا إذن ولو كان الجهاد تطوعاً، وهذا صحيح. فإنه لا إذن للأبوين الكافرين.
واستدلوا على هذا:
- بأن عدداً من أصحاب النبي ﷺ كانوا يخرجون للجهاد بلا إذن الوالدين لأنهما لم يكونا من المسلمين منهم: أبو بكر الصديق ﵁.
إذاً لا يلزم أن يستأذن الأب الكافر ولا الأم الكافرة وإنما الإذن للمسلمين.
-
ثم قال ﵀:
ويتفقد الإمام: جيشه عند المسير.
يعني: وجوباً. فيجب على الإمام وجوباً قبل الخروج والمسير أن يتفقد الجيش.
والدليل على هذا:
стр. 1277
- أن النبي ﷺ في معركة أحد استعرض الجيش وظاهر هذا اللفظ أنه استعرض جميع الجيش. كل فرد من أفراد فلما وصل إلى ابن عمر ﵁ لم يأذن له بالخروج لأنه لم يبلغ.
- واستعرض النبي ﷺ كل الجيش في بدر وأيضاً أخرج جملة من الصحابة منهم أسامة ﵁ لأنه لم يبلغ.
فهذا دليل على أن القائد العام للجيش يجب عليه وجوباً قبل أن ينطلق الجيش للجهاد أن يتفقد الجيش.
- وقول المؤلف ﵀:
يتفقد.
هذه العبارة تدل على عموم التفقد:
o فيشمل الجيش من حيث الرجال: صلاحية الأفراد. وسنهم. وملائمة كل فرد لمكانه.
o ويشمل كذلك الآلات والمعدات من حيث: صلاح الآلة. ومناسبتها لهذا الخروج وبعدها عن الأعطال وعدم مضرتها للقائمين عليها
o ويشمل أيضاً: المؤونة وأنها تكفي للجيش من الخروج وأثناء الطريق والرجوع.
o ويشمل كل ما يتعلق بالجيش مما قيل أو لم يقل فإنه يجب أن يتفقد هذا الإمام جيشه تفقداً تاماً على سبيل الوجوب.
- قال ﵀:
ويمنع المخذل.
وهذا من جملة التفقد، والمخذل: هو الذي يسعى في منع الناس من الخروج بذكر العلل المهبطة:
o كقوله: (الأعداء أقوياء).
o وكقوله: (الجو حار لا يطاق).
o وكقوله: (الجو بارد يقتل).
o وكقوله: (أرض المعركة بعيدة) وما جرى مجرى هذه الأمثلة.
فأي كلام يقصد منه تخذيل المجاهدين ومنعهم من الخروج فمن يقوله من المخذلين فإنه يجب على الإمام والقائم على الجيش أن يطرده من الجيش ولا يسمح له بمصاحبة المجاهدين.
- ثم قال ﵀:
والمرجفة.
لو أن المحقق - وفقه الله - اختار النسخة التي في ثلاث نسخ خطية وهي: (المرجف) وهي التي تتوافق مع باقي كتب الحنابلة لكان أسهل وأوضح.
فالمرجف: أوضح من المرجفة والمعنى واحد.
المرجف: هو الذي يقول:
o ( هلك المسلمون).
o ( انقطع المدد).
o ( لا طاقة لنا بهم اليوم). وما جرى مجرى هذه الأمور مما يرجف بالجيش.
فالمخذل والمرجف يجب وجوباً على قائد الجيش أن يمنعهم من الخروج.
- وقوله ﵀:
المخذل والمرجف.
стр. 1278
أراد المؤلف ﵀ التمثيل. أي: وعليه منع كل من في خروجه ضرر على المسلمين والمجاهدين بأي طريقة من الطرق.
* * مسألة / هل من ذلك: منع خروج الأحمق خشية أن يفشي الأسرار أو أن يؤذي باقي الجيش؟
فيه تفصيل:
ـ إن كان هذا الأحمق يعهد منه الإفساد وخلخلة الجيش ونقل ما لا ينبغي نقله للأعداء فيجب وجوباً أن يمنع.
ـ وإن كان أحمقاً لكن لا يقع منه مثل هذه التصرفات فإنه يسمح له بالخروج لأنه لاشك أنه كان مع جيوش المسلمين من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا من يوصف بالحمق ولم يمنع من الخروج.
إذاً: وصف الحمق المجرد لا يعني المنع من الخروج. لكن إذا احتف به قرائن تدل على احتمالية وقوع الأذى على المسلمين وجب منعه.
-
قوله ﵀:
ويمنع المخذل والمرجف.
الدليل على ذلك:
- قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة/٤٧].
(ما زادوكم إلا خبالاً). الخبال هو الفساد: الفساد في الجيش ونشر الأراجيف، وقوله: (ولأوضعوا خلالكم) يعني: لسعوا في الفساد بينكم بالنميمة أو بالطرق الأخرى.
وإذا تأملت الآية تأملاً دقيقاً وجدت أنها تركز على مسألة واحدة وهي: أن الاختلاف إذا وقع في الجيش بسبب المرجف أو المخذل صار هذا من أعظم أسباب نكوص الجيش وهزيمته، فالاختلاف شر في كل مكان وأعظم ما يكون إذا وقع في الجيوش فإن الاختلاف بين الجيش يذهب قوة الجيش، ولذلك ركزت الآية على منع الاختلاف ومنع كل من يتسبب به.
ثم بدأ ﵀ بالأحكام التي تتأتى بعد خروج الجيش مع الإمام:
- فقال ﵀:
وله أن ينفل في بدايته.
التنفيل: هو إعطاء المجاهد فوق السهم الواجب له، فهذا التنفيل يقول عنه المؤلف ﵀: (له أن ينفل في بدايته)، يعني أنه يجوز للإمام أن يعطي فئة معينة - كما سيأتينا - نفلاً وهو زيادة على نصيبه المقرر شرعاً وهو: سهم للراجل وثلاثة للفارس - كما سيأتينا.
لكن هذا يخضع للتفصيل التالي:
- يقول ﵀:
الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعده.
إذاً:
ـ في البدأة: الربع.
ـ وفي الرجعة: الثلث.
والبدأة هي: بداية دخول الإمام والجيش لدار الحرب.
стр. 1279
والرجعة: الرجوع من دار الحرب.
فمعنى قوله المؤلف ﵀: (الربع بعد الخمس): يعني: أن الجيش إذا دخل أرض العدو ذاهباً للمعركة فإن الإمام إذا أرسل سرية في البدأة فإن له أن ينفلهم الربع.
ومعنى هذا: أنها إذا رجعت السرية ومعها غنائم أخرج من الغنائم: الخمس ثم أعطى هؤلاء أصحاب هذه السرية الربع ثم قسم الباقي على الجيش بما فيهم أصحاب السرية.
إذاً: إذا ذهبوا وأتوا بالغنائم:
ـ أخذ من الغنائم الخمس لله ولرسوله.
ـ ثم أعطى أصحاب السرية في البدأة الربع ثم قسم الباقي على الجيش بمن فيهم أصحاب السرية.
هذا التنفيل في البدأة وهو يتعلق بالربع.
والثلث: في الرجعة.
فإذا رجع الجيش وخرج من أرض العدو ورأى الإمام والقائد العام للجيش أن يرسل سرية تتعقب الأعداء أو تكشف حال الأعداء بعد انتهاء الحرب فلهم الثلث ويقسم الثلث كما قسم الربع تماماً.
وإنما صار نصيب أصحاب البدأة أقل من الرجعة لأن الخروج في الرجعة وبعد انتهاء الحرب أشق وأصعب بمراحل من بعث السرية في بداية المعركة. لاشك. وهذا لا يشك فيه فقيه: أن إرسال السرية في أول المعركة أسهل من إرسال السرية بعد انتهاء المعركة:
ـ أولاً: لأنه قد أخذ منهم التعب والجهد ما أخذ.
ـ ثانياً: لأنهم يتشوفون إلى انتهاء المعركة.
ـ وثالثاً - وأخيراً -: لأن الغالب أن فيهم جراح.
إذاً: له أن ينفل في بدايته الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعده.
والدليل على ذلك:
- أن النبي ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة. وهو حديث صحيح.
* * مسألة / ظاهر الحديث وهو المتوافق مع كلام الفقهاء ﵏: أنه لا يجوز للإمام أن ينفل أكثر من ذلك بل له فقط: الثلث أو الربع، الربع في الدخول والثلث في الخروج ولا يجوز أن يزيد على هذا المقدار.
وهذا صحيح لأن الحديث أجاز التنفيل بهذا المقدار وماعداه من الغنائم تبقى حق لجميع المجاهدين لا يجوز للإمام أن ينقصهم عنها، وهذا صحيح.
стр. 1280
* * مسألة / ظاهر النص: أنه يجوز أن ينفل أقل من ذلك: في البدأة والرجعة إذا رأى أن الأمر يستحق أن يخفض عن ذلك فله أن يخفض عن الثلث أو الربع بحسب حال الجهاد وملابسات المعركة، وهذا صحيح: أن له أن ينقص، فإذاً: له أن ينقص وليس له أن يزيد.
-
ثم قال ﵀:
ويلزم الجيش: طاعته.
يجب على الجيش: أن يطيع الإمام. وطاعة الجيش للإمام قوام المعركة.
والدليل على وجوب الطاعة:
- قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء/٥٩]. وهذه الآية عامة في طاعة ولي الأمر وأشد ما تكون حال المعركة وهو أولى المواضع دخولاً تحت الآية.
والدليل على ذلك أيضاً:
- ما جاء عن عدد من الصحابة أنهم قالوا: أمرنا بالسمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا.
والنصوص الدالة على وجوب طاعة ولي الأمر في حال السلم وفي حال الحرب كثيرة جداً بلغت مبلغ التواتر.
* * مسألة / ولا طاعة لولي الأمر في المعصية.
- لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف).
- ولأن ولي الأمر إنما اكتسب وجوب الطاعة من قبل الشارع فلا يطاع فيما خالف فيه الشارع.
فإذا أمر بمعصية لله فإنه لا يطاع ولا تقدم طاعة المخلوق مهما كان على طاعة الخالق ، وهذا محل إجماع.
فدل عليه النص والإجماع.
وقوله ﵀: (ويلزم الجيش طاعته) يعني: ولو رأوا أن المصلحة في خلاف ما أمر به ولو تثبتوا وتأكدوا من ذلك فإنه يجب عليهم أن يطيعوا مهما كان الأمر لأن في ذهاب كل فرد من الجيش برأيه مفسدة عظيمة وانتشار للجيش وانفلال لأمره، فلاشك أنه من أعظم المعاصي: الإخلال أثناء المعركة بطاعة ولي الأمر مهما كان رأي الفرد أن هذا الأمر خطأ فليس عليه أكثر من أن يبين وينصح أما الطاعة فهي واجبة لا سيما أثناء اشتداد أمر الحرب.
- ثم قال ﵀:
والصبر معه.
الصبر مع الإمام واجب ولو اشتدت الحرب.
ويدل على ذلك:
- قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا﴾ [آل عمران/٢٠٠].
ويدل عليه:
- جميع النصوص التي تدل على تحريم التولي يوم الزحف. فإن الثبات من الصبر.
стр. 1281
ويجب على الفرد من الجيش بنفسه أن يطيع ولو كلفه قائد الجيش بشيء صعب فيجب عليه أن يصبر ويمتثل.
-
ثم قال ﵀:
ولا يجوز الغزو إلاّ بإذنه.
الغزو من حقوق ولي الأمر العامة والتي ليس لأحد من أفراد المسلمين أن يفتات عليه فيها.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: النصوص الدالة على وجوب الطاعة.
- والثاني: أن ولي الأمر عادة أعلم بالمصالح العامة وبما يناسب من أمر القتال أو تركه.
- وثالثاً: لأن إقدام غير الإمام على الجهاد قد يدخل جميع المجاهدين في ما لا تحمد عقباه.
فلا يجوز الجهاد إلا إذا أذن الإمام.
- ثم يقول ﵀:
إلاّ أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه.
(كلبه) يعني: شره وفساده وشدته.
فإذا فجأهم العدو فإنه لا يحتاج الأمر إلى إذن أحد لا إمام ولا أب ولا أم ولا دائن ولا أي شخص بل يجب على جميع المسلمين أن ينفروا نفرة واحدة.
- لأن في تمكين الأعداء إذا فاجأوا المسلمين في بلادهم من الدخول والقتل ما فيه من المفاسد التي تذهب بمصالح الدين والدنيا.
وهذا محل إجماع: أنه إذا فجأ العدو البلد وأوشك على الدخول وجب على الناس أن ينفروا. وويستثنى من ذلك:
ما إذا أراد الإمام أن ينظم تنظيماً معيناً لا يتأتى مع الغوغاء وخروج الناس بلا قائد فإنه يجب على المجموعة التي أراد منها الإمام أن تتنظم تنظماً معيناً فيجب وجوباً الطاعة:
- لأن في هذا التنظم مصلحة تعود على جميع المسلمين.
- ثم قال ﵀:
وتملك الغنيمة: بالإستيلاء عليها في دار الحرب.
الغنيمة: هي الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار الحربيين على سبيل القهر والغلبة، فهذه تسمى غنيمة.
والغنيمة لم تبح لأحد قبل هذه الأمة. وثبت في الحديث الصحيح أن الغنائم في الأمم السالفة كانت تنزل عليها النار فتحرق هذه الغنيمة. وهذا في مسلم وأبيحت لأمة محمد ﷺ .
فالمؤلف ﵀ يقول: (وتملك الغنيمة: بالاستيلاء عليها في دار الحرب.). إذا استولى الجيش على أموال الكفار وهي الغنائم الموصوفة في التعريف السابق أصبحت بذلك مباشرة من أملاك المسلمين.
لدليلين:
- الأول: أنه بالاستيلاء عليها زال عنها ملك الكفار.
стр. 1282
- والثاني: أن سبب الملك هو الاستيلاء التام وقد وجد.
إذاً بالاستيلاء على أموال الكفار في دار الحرب تصبح من أموال المسلمين ولا يشترط أن تنتهي المعركة بل إذا استولوا على بعض أموال الكفار أثناء الحرب فهي ملك للمسلمين للدليلين السابقين سواء انتهت المعركة أو لم تنته.
والاستيلاء على الغنائم وأنها ملك للمسلمين شيء وتقسيمها ومتى يستحقها أفراد الجيش شيء آخر سينص عليه المؤلف ﵀.
-
ثم قال ﵀:
وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال.
الغنيمة حق لمن شهد المعركة ممن هو من أهل القتال وهو المسلم الذكر البالغ سواء قاتل أو لم يقاتل. فما دام حضر المعركة ليقاتل فالغنيمة له.
والدليل على ذلك:
- قول عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الغنيمة لمن حضر الوقعة).
فالمجاهدون الذين يحضرون أرض المعركة ويحضرون الوقعة لهم أن يتملكوا من الغنائم ولهم حق في الغنيمة سواء كانت أو لم يقاتلوا لأي سبب. فما داموا حضروا ليقاتلوا، ويشمل هذا الحكم عند الإمام أحمد ﵀: من خرج مع الجيش ليقاتل ويتاجر. ومن خرج مع الجيش ليقاتل ويعمل بصنعته كالخياط والحداد قال الإمام أحمد ﵀: إنما هم من الغزاة، فكون الإنسان يخرج ليقاتل في سبيل الله وليتاجر إذا وجد فرصة فهذا لا يخرجه عن أن يكون من جملة المجاهدين الذين لهم حق في الغنيمة.
= والقول الثاني: أن من خرج مع المسلمين من التجار والصناع ونحوهم لاحظ له في الغنيمة.
- لأنه لم يخرج ليقاتل فقط.
والصواب مع الإمام أحمد ﵀ لأن هذا من الغزاة كما أن الحاج من الحجاج ولو خرج تاجراً، فإذا خرج الإنسان وقصده ونيته الحج ومع ذلك سيتاجر فهو من الحجاج الذين يرجى لهم المغفرة.
- ثم قال ﵀:
فيخرج
بدأ المؤلف ﵀ في تفصيل تقسيم الغنائم:
- قال ﵀:
فيخرج الخمس.
يجب على الإمام قبل إخراج الخمس: أن يدفع لأهل الأسلاب أسلابهم فالأسلاب لا تخمس.
والسلب: هو ما يدفع للرجل إذا قتل رجلاً من المشركين.
والدليل على أن السلب لمن قتل رجلاً من المشركين:
- قوله ﷺ : (من قتل قتيلاً فله سلبه).
стр. 1283
واختلف الفقهاء ﵏ في تحديد السلب:
والذي يعنينا رأي الحنابلة ﵏ لأن الخلاف متقارب جداً:
= فالحنابلة يرون أن السلب يشمل: الفرس وآلة الفرس وما معه من نقود ونفقه والثياب، فهذا هو السلب، يعني: كل ما مع المقاتل المشرك أو الكافر مما يلبس أو يحمل أو يركب:
ـ ولو كان ما معه باهض الثمن.
ـ ولو كان ما معه يشكل نصف الغنائم.
= والقول الثاني: أنه إذا كان السلب فيه عيناً باهضة الثمن فإن للإمام أن يرضي المجاهد عنها.
والأقرب: أنه من قتل قتيلاً فله سلبه مطلقاً وهذا حكم من النبي ﷺ لا يمكن أن نخصصه لا بفتوى صحابي ولا بغيره. وفي هذا ما فيه من التشجيع على القتل والمجاهدة والمبارزة.
* * مسألة / تتعلق بالأسلاب:
يجوز عند الجماهير والجم الغفير أن يخرج الإنسان منفرداً للمبارزة بل ويندب إذا علم من نفسه القوة.
وله إذا خرج أن يخدع خصمه الكافر بكلمة أو بحركة.
- لقول النبي ﷺ : (الحرب خدعة).
- ولأن علي بن أبي طالب ﵁ لما خرج خدع مقابله وقتله فقال خدعتني قال ﵁ الحرب خدعة.
((انتهى الدرس)).
стр. 1284
شرح كتاب الجهاد الدرس رقم (٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- يقول ﵀:
فيخرج الخمس.
ونحن ذكرنا في الدرس السابق أنه يجب على الإمام قبل التخميس أن يخرج الأسلاب. وعرفنا حكم الأسلاب وما هي وماذا تشتمل عليه.
- قوله ﵀:
فيخرج الخمس.
الخمس يجب أن يخرج من الغنيمة قبل أن تقسم على الجيش.
- لقوله تعالى: - (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) -[الأنفال/٤١].
فالآية نصت على أن الخمس يخرج قبل تقسيم الأربعة أخماس على المجاهدين.
ـ فسهم الله ورسوله يصرف في: مصالح المسلمين.
стр. 1285
ـ وسهم ذوي القربى: لبني هاشم وبني المطلب. وجاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ خصهم بهذا السهم دون بطون قريش. فقط. بني هاشم وبني المطلب.
ـ وسهم اليتامى: يصرف:
= عند الحنابلة على فقراء اليتامى. فيشترط فيمن يعطى من اليتامى أن يكون فقيراً.
= والقول الثاني: أن سهم اليتامى يعطى لليتيم سواء كان من الفقراء أو من الأغنياء.
- لأن الله ذكر في الآية اليتامى وذكر المساكين مما يدل على أنهم صنفان.
وإلى هذا ذهب الشيخ الفقيه ابن قدامة أي: أنه لا يشترط في اليتامى أن يكونوا من الفقراء بل هم سهم قائم برأسه لا علاقة له بالفقر.
واليتيم هو: من مات أبوه قبل أن يبلغ. فكل إنسان مات أبوه قبل أن يبلغ فله حظ في غنائم المسلمين يقسمها عليهم الإمام.
ـ والمساكين هم: الفقراء.
ـ وابن السبيل هو: المنقطع.
وسهم المساكين يدخل فيه الفقراء لأنه تقدم معنا قاعدة في الزكاة: أنه: ((إذا أطلق المسكين دخل فيه الفقير وإذا أطلق الفقير دخل فيه المسكين)).
وكيفية صرف سهم المسكين وابن السبيل من الغنيمة تماماً: ككيفية إعطائه من الزكاة فما قيل في كتاب الزكاة من تفصيلات حول ابن السبيل وما يعطى والقدر الذي يكفية وما قيل حول المسكين ومن هو وكم يعطى يأتي معنا هنا تماماً فيعطى كما أعطيناه في كتاب الزكاة.
* * مسألة / السنة أن الإمام يقسم الغنائم قبل أن يرجع إلى البلد. فإن صبر حتى رجع إلى البلد فقد خالف صريح السنة فقد تواتر أن النبي ﷺ لم يقسم غنيمة قط في المدينة وإنما كان ﷺ يقسم في دار الحرب، فالسنة هكذا أن تقسم الغنائم قبل أن يقدم الجيش والوالي إلى المدينة التي خرجوا منها.
- ثم قال ﵀:
ثم يقسم باقي الغنيمة.
إذا أخرج الخمس يقسم باقي الغنيمة: الأربعة أخماس.
لكن يجب قبل أن يقسم الأربعة ألأخماس أن يخرج نصيب صنفين من المجاهدين:
ـ الأول: النفل.
فيجب أن يخرج النفل قبل أن يقسم الأربعة أخماس وتقدم معنا هذا: التنفيل في البدأة وفي الرجعة.
ـ والثاني: الرضخ.
فيجب أن يخرج الرضخ قبل أن يقسم الأربعة أخماس على المجاهدين.
стр. 1286
والرضخ: هو كل ما يعطى من الغنيمة لمن ليس من أهل الأسهم. كالمرأة والصبي والعبد .. إلى آخره. فهؤلاء ليس لهم نصيب في الغنائم لكن لهم نصيب في الرضخ.
والرضخ ليس له حد في الشرع. إنما يرجع فيه إلى رأي الإمام ومقدار غناة الذين سيرضخ لهم من النساء والصبيان، إلا أنه لا يجوز أن يبلغ بالرضخ نصيب السهم مهما كان غناء هذا المرضوخ له من النساء والصبيان والعبيد إلا في صورة واحدة إذا رضي جميع الجيش فإذا أذن الجيش كلهم أن هذا الرجل يستحق زيادة على الرضخ بما يصل معه إلى السهم أو أكثر فلا بأس أما بدون ذلك فإنه لا يجوز لا للإمام ولا لقائد الجيش أن يزيد عن أن يصل إلى سهم المجاهد.
-
قال ﵀:
ثم يقسم باقي الغنيمة.
أجمع أهل العلم بلا خلاف أن المجاهدين هم أصحاب الأربعة أخماس وأنها لهم بعد إخراج خمس الغنيمة ولا يشاركهم فيه أحد.
والدليل على ذلك:
- الإجماع الذي ذكرته.
- والآية. لأنه قوله تعالى: - (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) -[الأنفال/٤١]. يدل على أن ما عدا هذا الخمس فهو للمجاهدين.
ثم بين المؤلف ﵀ نصيب كل مجاهد:
- فقال ﵀:
للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم.
ـ الراجل من المجاهدين له سهم. وهذا بالإجماع فلم يخالف أحد من أهل العلم أن الراجل له سهم. وستأتينا النصوص الدالة على ذلك.
ـ وللفارس ثلاثة أسهم. سهم له وسهمان للفرس.
والدليل على هذا:
- ما ثبت في الصحيح في البخاري وغيره عن ابن عمر أن النبي ﷺ يوم خيبر أعطى الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهم واحد.
وهذا متواتر في السيرة أن النبي ﷺ كان يعطي الفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان للفرس والراجل يعطيه سهم واحد يعني من مجموع الغنيمة.
= وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وأخذوا بالسنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ .
* * مسألة/ يشترط في الفرس ليعطى سهمين أن يكون فرساً عربياً أصيلاً: الأب والأم، فإن كان هجيناً بأن كان أحد أبويه ليس عربياً ومن باب أولى إذا كان جميع الأبوين ليسا عربيين فإنه يعطى سهم واحد.
والدليل على هذا من وجهين:
стр. 1287
- الوجه الأول: أن غناء الفرس العربي وإعطاءه في الحرب أكبر وأعظم من غيره من الهجين.
- والوجه الثاني: أن أميراً لعمر بن الخطاب لما أراد قسمة الغنائم أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهم واحد فلما رفعت القضية لعمر بن الخطاب أمضاها بل وأبدى إعجابه بهذا التقسيم ﵁.
= والقول الثاني: أن حديث ابن عمر عام وأن النبي ﷺ في جميع معاركه لم يفرق بين العربي والهجين. أي أن القول الثاني: أن يعطى الفرس العربي والفرس الهجين سهمان ولا يفرق بينهما.
والراجح والله أعلم أنه يشترط في الفرس أن يكون عربياً:
- أولاً: لأن هذا مروي عن عمر.
- ثانياً: لأنه بالفعل لا يمكن أن يستوي العربي والهجين في الغناء والأداء أثناء الكر والفر في الحرب.
وأما قولهم: إن النبي ﷺ في خيبر وفي غيرها لم يفرق بين العربي والهجين: فالجواب عليه:
أن الهجين لم يوجد لا في خيبر ولا في غير خيبر وإنما وجد الهجين بعد الفتوح التي فتحها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فهذا يدل على أن الهجين لم يوجد في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أبي بكر الصديق ﵁، فهذا الاستدلال ليس في محله بل هو استدلال بوقعة ليس فيها فرس هجين وإنما فيها أفراس عربية، فهذا والله أعلم: أقرب وهو أن نفرق بين الفرس الهجين والفرس العربي.
* * مسألة / لا يعطى المجاهد نصيب أكثر من فرسين:
- فإذا كان معه فرسان أعطي أسهم أربعة.
- وإذا كان معه خمسة وستة وسبعة وأكثر فإنه لا يعطى إلا نصيب فرسين.
- لأنه مروي عن عمر بن الخطاب أنه أعطى إلى فرسين.
= والقول الثاني: أنه لا يعطى إلا نصيب فرس واحد ولو كان قدم إلى الحرب بعشرات الخيول العربية الأصيلة فإنه لا يعطى إلا نصيب فرس واحدة. فله سهم. ولأفراسه كلها سهمين.
والصواب مع القول الأول وهو أن نبلغ بهم إلى فرسين ثم نتوقف ولا نعطيه أكثر من ذلك.
- ثم قال ﵀:
ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم.
ما غنم الجيش دون السرايا وما غنمت السرايا دون الجيش فإنه في نهاية المعركة يجمع جميعاً ويقسم بالاشتراك بين السرايا والجيش:
стр. 1288
ـ سواء كانت غنائم السرايا أولاً أو غنائم الجيش أولاً.
ـ وسواء كان غناء الجيش أعظم أو كان غناء السرية أعظم.
ففي كل الأحوال نسوي بينهم ونجمع الغنائم جمعاً واحداً ويقسمها الإمام على ما تقدم معنا.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: أن النبي ﷺ في غزوة هوازن شرك بين السرايا والجيش. وهذا نص لا يمكن العدول عنه.
- الوجه الثاني: هو أن الجيش والسرايا جيش واحد فلا يمكن التفريق بينهما وإن أدى كل منهم ما عليه من القتال في ظروف معينة وفي وقت معين وفي مكان معين إلا أن الجميع جيش واحد.
فالجميع يشترك في الغنائم ولا ينظر إلى مقدار ما أتت به السرية ولا إلى مقدار ما أتى به الجيش إلا أن ظاهر كلام الفقهاء أن التنفيل بالربع والثلث يكون مما أتت به السرية وأنه لا يكون التنفيل من مجموع الغنائم وإنما يكون مما أتت به السرية.
هذا ظاهر كلام أهل العلم وإذا تأمله الإنسان وجد أنه وجيه لأنهم تسببوا في إحضار هذه الغنائم المعينة فاستحقوا أن يخصوا بالثلث أو الربع.
- ثم قال ﵀:
والغال من الغنيمة: يحرق رَحله كله، إلاّ السلاح والمصحف وما فيه روح.
الغال هو: الذي يكتم شيئاً من الغنائم ولا يطرحه أمام الأمير في جملة الغنائم.
وحكمه: أنه محرم بل من كبائر الذنوب نسأل الله العافية والسلامة.
والدليل على ذلك:
- قوله تعالى: - (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) -[آل عمران/١٦١]. فالآية نص على أن هذا العمل من الكبائر وهو محرم.
ـ المسألة الثانية: عقوبة الغال.
تنقسم عقوبة الغال إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يتولى الإمام معاقبة الغال بما يراه مناسباً من الحبس أو الضرب أو غير ذلك، وهذا مشروع وجائز بالإجماع. فللإمام أن يعاقبه بما يراه مناسباً. وللإمام أن يتركه فإن هذه العقوبة عقوبة تعزيرية.
- القسم الثاني: ما ذكره المؤلف ﵀ وهو التحريق. بأن يقوم الإمام باحريق متاع هذا الغال كله إلا ما استثنى المؤلف ﵀.
= وإلى هذا ذهب الحنابلة وهو من المفردات.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ثم قال ﷺ أمر بتحريق مال الغال أو متاع الغال.
стр. 1289
فأخذ الحنابلة بهذا النص.
والجواب عليه: أنه لا يثبت حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ فيه الأمر بالتحريق. بل ولا عن أصحابه فيما اطلعت عليه ولا عن أصحابه. إنما هناك أثر يروونه ويقولون رواه سعيد بن منصور ولا يوجد له أثر في سنن سعيد بن منصور.
= والقول الثاني: أن التحريق لا يشرع وأن الإمام يعاقب بما دون التحريق.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أنه ثبت في صحيح البخاري أن رجلاً أو رجلين وقعا في الغلول في معركة فتح خيبر ولم يحرق النبي ﷺ أمتعتهم.
- الدليل الثاني: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال. وتحريق متاع الغال من إضاعة المال.
= والقول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ أن التحريق ليس حداً وإنما تعزيراً فلا يتحتم على الإمام أن يحرق بل يعزر به إن رأى ذلك وإلا فيعاقب بعقوبة أخرى وإلا يتركه بلا عقوبة.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام ﵀.
والقول الثاني هو مذهب الجماهير.
والراجح والله أعلم القول الثاني.
واختيار الشيخ ضعيف. ووجه الضعف:
- أولاً: أنه لا يصلح أن نسوغ للإمام أن يعاقب بما نهى عنه الشارع فإن الشارع نهى عن إضاعة المال فكيف نسوغ للإمام أن يعاقب بأمر نهى عنه الشارع.
- ثانياً: ما دام ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ لم يحرق متاع الغال فكيف نوجد مثل هذه العقوبة التي ليس لها نظير في الشرع ونحكم بأن للإمام أن يصنعها تعزيراً أو حداً.
стр. 1290
فالذي يظهر لي أن هذه المسألة التي هي من مفردات الحنابلة ضعيفة وإن كان تقدم معنا مراراً أن مفردات الحنابلة في الغالب قوية لأن الإمام أحمد ﵀ لا ينفرد عن الأئمة إلا وقد اعتمد على نص صحيح. لكن في هذه المسألة يظهر لي أنه فيه ضعف بل ضعفه واضح لأنه لا فائدة من تحريق المتاع، فإن أراد الإمام أن يعزر بأخذ المال فهو جائز. وجائز بالإجماع لأن للإمام أن يعزر بما شاء من حبس وضرب وأخذ للمال، لكن أن يحرق المتاع ولا سيما أنهم في الحرب وأثناء المعركة فأرى أن هذا القول فيه ضعف واضح ويؤيد أو يقوي هذا الضعف مصادمته للنصوص الصحيحة التي فيها الغلول وليس فيها التحريق.
ثم ذكر المؤلف ﵀ ما يستثنى على مذهب الحنابلة:
- فقال ﵀:
إلا السلاح.
فإنه لا يجوز أن يحرق ولا أن يدخل في النار.
- لأن السلاح يحتاج إليه في الحرب فلا يجوز أن نحرق سلاح المقاتل بل يؤخذ منه ويدفع لغيره أو يبقى معه ليجاهد هو به في سبيل الله.
- ثم قال ﵀:
والمصحف.
كذلك لا يجوز أن يحرق المصحف.
- لما له من حرمة.
- ثم قال ﵀:
وما فيه روح.
لا يجوز تحريق ما فيه روح إذا افترضنا أن من متاع الغال شيء فيه روح فإنه لا يجوز أن يحرق.
لوجهين:
- الوجه الأول: أن الحيوان له حرمة. فأي حيوان مأكول له حرمة. ولذلك نهى الشارع عن تعذيب الذبيحة وعن إيذاء الحيوان وما ذلك إلا لأن له حرمة.
- والوجه الثاني: أن النبي ﷺ نهى عن التعذيب بالنار وقال: (لا يعذب بالنار إلا رب النار).
إذاً: السلاح والمصحف والحيوان - يعني: وكل ما فيه روح: فلا يجوز أن يحرق على القول بالتحريق.
يضاف إلى هذا إلى ما لا يجوز أن يحرق:
- النفقة.
- وكتب أهل العلم.
- وثيابه التي عليه. فإنه لا يجوز أن يترك عرياناً.
ولعل المؤلف ﵀ لم يذكرها لأنه معلوم: فالثياب لا يجوز أن يبقى عرياناً والنفقة ليرجع إلى أهله وكتب أهل العلم لحرمتها على كل حال صارت الآن المستثنيات ستة أمور.
- ثم قال ﵀:
стр. 1291
وإذا غنموا أرضاً فتحوها بالسيف: خيّر الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده.
الأراضي المفتوحة تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: ما فتحت عنوة.
ـ والقسم الثاني: ما فتحت صلحاً.
والمؤلف ﵀ فَصَّلَ تماماً وذكر أحكام الأراضي التي فتحت عنوة ولكنه لم يتطرق للأراضي التي فتحت صلحاً وفي الحقيقة كان من الأجدر أن يتطرق لهذا النوع من الأراضي.
ونبدأ بالعنوة:
- يقول ﵀:
وإذا غنموا أرضاً فتحوها بالسيف: خيّر الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين.
= ذهب الحنابلة والجمهور والجم الغفير من أهل العلم إلى أن الإمام إذا فتح أرضاً عنوة فإنه مخير بين أن يقسمها بين المجاهدين أو يجعلها وقفاً على جميع المسلمين ويضرب عليها الخراج.
واستدلوا على هذا التخيير وأنه من حق الإمام:
- بما صح عن النبي ﷺ أنه تارة قسم كما في خيبر وتارة لم يقسم كما في جميع الفتوحات الأخرى فإنه لم يثبت أن النبي ﷺ قسم إلا في خيبر فقط أما باقي الفتوحات فإنه لم يقسمها النبي ﷺ .
واستدلوا أيضاً:
- بأن عمر ﵁ لما فتح الشام أراد أن يقسم الأراضي بين المجاهدين فدخل عليه معاذ وهذا من فقهه ﵁ وقال له: إن فعلت ذلك بقيت الأراضي الكثيرة تؤول إلى الشخص الواحد إذا مات أقربائه ثم لا تجد من يدفع للمجاهدين ويقوم بمؤونتهم. والرأي عندي أن تجعلها وقفاً على المسلمين.
стр. 1292
فرأى عمر ﵁ وجاهة هذا القول وأنه خير من أن يقسم بين المجاهدين ثم عزم على هذا الأمر فدخل عليه بلال ﵁ وقال: يا أمير المؤمنين اقسم فإن هذه الأراضي من حق المجاهدين خذ الخمس واقسم الباقي. فتكلم معه عمر بن الخطاب ﵁ وبين له المصلحة في إبقاء الأرض وقفاً لتفتح الأراضي التي تليها ولتكون عوناً للمجاهدين فقال: يا أمير المؤمنين خذ الخمس واقسم ثم دخل هو وجماعة وقال: يا أمير المؤمنين خذ الخمس واقسم. فقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: اللهم اكفني بلالاً وذويه. قال الراوي فما حال الحول وفيهم عين تطرف.
وإنما استجيب له - والله أعلم - لأن غرضه ﵁ كان صحيحاً وكان يريد أن تبقى هذه الأراضي وقفاً ينتفع بها المجاهدون ويفتحون الأراضي التي تليها وهذا ما وقع وصار فإنها صارت عوناً وردأً للمجاهدين وصارت غلات هذه الأراضي من أعظم ما يعين على الجهاد.
ففي تصرف عمر ﵁ أولاً: هم بالقسمة ثم رجع إلى الوقف مما يدل على أن الأمرين مخير فيهما الإمام.
- قال ﵀:
ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده.
إذا اختار الأمير أن لا يقسم وأن يجعلها وقفاً فإن هذه الأرض تصبح من أوقاف المسلمين وتضرب عليها الخراج ويكون الخراج بمنزلة الأجرة ويبقى الخراج يؤخذ من الأراضي ولو أسلم من هي في يده ولو انتقلت إلى مسلم فإن هذا الخراج يبقى دائماً وأبداً لأنها من الأوقاف التي يؤخذ منها الأجرة وتصرف في مصالح المسلمين.
إذاً: فكرة الخراج هي أن تؤخذ على هذه الأراضي التي أقرت في أيدي أهلها وتستمر ولو كان الذي يتولى الأرض من المسلمين. فإنها بمنزلة الأجرة وليست بمنزلة الجزية كما سيأتينا.
إذاً: هذا هو الخراج.
وعمر بن الخطاب ﵁ صار في الفتوح الأخيرة كلها يسلك هذا المسلك فلما فتح الشام أوقف أراضيه ولما فتح مصر أوقف أراضيه ولما فتح العراق أوقف أراضيه. فصار ﵁ يوقف الأراضي بعد أن رأى وجاهة هذا القول وهو ﵁ أخذ بسنة النبي ﷺ .
- قال ﵀:
стр. 1293
والمرجع في الخراج والجزية: إلى اجتهاد الإمام.
يعني: والمرجع في تقدير قيمة الخراج والجزية يرجع فيها إلى الإمام ولا يلزم أن نبقى على التقدير الذي قدره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. بل للإمام أن يزيد عن تقدير أمير المؤمنين أو ينقص ولا يعتبر التقدير الذي قاله عمر بن الخطاب ﵁ وقفاً لا يجوز الزيادة ولا النقص عليه.
والدليل على ذلك:
- أن تقدير الجزية والخراج مما يرجع فيه للإمام لأنه يتعلق بالمصالح العامة وهي تختلف باختلاف الأماكن والأزمان فما يصلح في وقت وفي أرض فقد لا يصلح في وقت وأرض آخرين.
ولذلك نقول هذا هو الصواب. وهو: أنه يرجع إلى تقدير الإمام الذي باشر القضية ولا نلتزم بتقدير عمر ﵁.
لكن بالنسبة للأراضي التي قدر فيها عمر ﵁ الجزية أو الخراج وكذلك بالنسبة للأراضي التي فتحها إمام من أئمة المسلمين وقدر فيها خارجاً معيناً وجزية معينةً فلا يجوز في هاتين الصورتين العدول عن تقدير الإمام لأن هذا تقديراً مؤبداً ثابتاً لا يجوز تغييره.
لكن ما يفتح من الأراضي فنحن لا نلتزم بتقدير أمير المؤمنين عمر بل للإمام أن يتخير مبلغاً معيناً يرى أنه أنسب.
وقبل أن ننتقل فقد نسينا القسم الثاني:
ـ القسم الثاني: ما فتح صلحاً.
وهو القسم الذي لم يذكره المؤلف ﵀.
وما فتح صلحاً ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يصالح الكفار عليه على أن يبقى في أيديهم وهو ملك للمسلمين، فهذا حكمه حكم الأراضي التي فتحت عنوة تماماً. فيكون وقفاً مستمراً كالأجرة على هذه الأرض، فإن أسلم الذين فتحت أرضهم صلحاً بقيت الأجرة. وإن انتقلت الأرض إلى مسلم بقيت الأجرة.
ـ القسم الثاني: ما صولحوا عليه على أنه لهم، فهذا:
- حكم الأرض: أنها ملك لأهلها تباع وتوهب وتورث.
- وحكم ما يؤخذ منها: حكم الجزية. فيسقط إذا أسلم أهل الأرض أو انتقلت إلى مسلم.
стр. 1294
إذاً: القسم الثاني: إذا صالحنا الكفار على أنه يؤخذ منهم قدراً معينا مما ينتج من الأرض والأرض ملك لهم فهذا كما قلت حكمه حكم الأملاك وهو لهم يتوارثونه ويبيعونه كيف شاؤوا وإذا أسلموا أو انتقلت إلى مسلم سقط الخراج لأن الخراج هنا بمنزلة الجزية.
-
ثم قال ﵀:
ومن عجز عن عمارة أرضه: أُجبر على إجارتها أو رفع يده عنها.
إذا لم يستطع الإنسان أن يعمر أرضه بالزراعة أو بالبناء والإيجار فإنه يجبر إجباراً على أحد أمرين:
- إما أن يقوم بالواجب عليه. بأن يزرع أو يعمر.
- أو يدفعها إلى غيره:
ـ إما على سبيل التأجير.
ـ أو على سبيل الانتقال.
- أو تنزع منه الأرض.
فليس هناك خيار رابع فهو مخير بين أحد هذه الثلاثة أمور: إما أن يعمر هو ويزرع أو يدفعها دفعاً مجانياً أو بأجرة إلى غيره ليعمل أو تنزع منه. فيقوم الإمام بنزع هذه الأرض وإعطائها لمن يقوم بالعمل فيها.
والدليل على ذلك:
- أن في هذه الأرض حقاً للمسلمين يضيع لو لم نفعل ذلك. ولا يجوز تضييع حقوق المسلمين بتركه وما يشاء بدون عمل.
- ثم قال ﵀:
ويجري فيها الميراث.
يعني: أنها تنتقل إلى الورثة انتقال الميراث.
والوارث حكمه حكم المورث فكل ما قيل في أحكام المرث تنطبق على الوارث تماماً سواء كانت أرض صلح أو أرض عنوة.
-
ثم قال ﵀:
وما أُخذ من مال مشرك بغير قتال كجزية وخراج ...
بدأ المؤلف ﵀ بالكلام عن مال الفيء ولو أنه وضع فصلاً أو تنبيه لأنه بدأ بالكلام عن مال الفيء لكان أوضح في التنظيم.
والفيء: هي الأموال التي تؤخذ من الكفار بغير قتال.
وذكر المؤلف ﵀ أمثلة هذه الأموال.
- فيقول ﵀:
وما أُخذ من مال مشرك بغير قتال كجزية.
هذا النوع الأول من أموال الفيء وهي الجزية.
والجزية هي: الأموال المضروبة على رؤوس أهل الذمة، تؤخذ من كل رأس منهم حسب ما يقدره الإمام، والنبي ﷺ في حديث معاذ قدر جزية الكفار بدينار على كل رأس، فهذه الجزية تتعلق بالرؤوس ولا تتعلق بالأراضي.
- ثم قال ﵀:
وخراج.
الخراج هو: ما يؤخذ من الأراضي التي أقرت في أيدي أصحابها كأجرة.
стр. 1295
وتقدم معنا تفصيل ما يتعلق بالخراج وأنه لا يسقط بحال.
-
ثم قال ﵀:
وعشر.
العشر هو: ما يأخذه ولي الأمر من التجار من أهل الذمة أو من الحربيين الذين يجتازون حدود الدولة الإسلامية مفابل تركهم وتأمين الطريق لهم. يؤخذ منهم عشر الأموال فنحصي جميع الأموال التي مروا بها ونأخذ منهم العشر.
- قال ﵀:
وما تركوه فزعاً.
ما تركوه فزعاً فكذلك هو من الفيء ويصرف مصارف الفيء.
- لأنه أخذ بغير قتال.
وظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن ما تركوه فزعاً سواء كان بخبر أو بسماع قدوم جيش أو بغير ذلك. ففي الكل يعتبر فيئاً وليس غنيمة.
= والقول الثاني: أن ما تركوه فزعاً بسبب الجيش يعتبر غنيمة ولو لم يحصل قتال.
فإن:
- اعتبرناه فيئاً فيصرف مصارف الفيء.
وإن اعتبرناه غنيمة فيصرف مصارف الغنيمة التي تقدمت معنا الآن مفصلة.
-
ثم قال ﵀:
وخُمس خمس الغنيمة: ففيء يصرف في مصالح المسلمين.
стр. 1296
الأخير هو: خمس خمس الغنيمة الذي هو لله ولرسوله. فهذا يصرف في مصالح المسلمين، ويجب على الإمام وجوباً إذا أراد أن يصرف هذه الأموال التي ذكرها المؤلف ﵀ كالجزية والخراج والخمس وغيرها مما يدخل إلى مخزون الدولة فيجب عليه كما صرح الفقهاء أن يبدأ بالأهم فالأهم ولا يجوز أن يقدم المفضول على الفاضل بل يجب أن يبدأ بالأهم فالأهم سواء فيما يصلح الدين أو فيما يصلح الدنيا، فما يتقاضاه القضاة أهم مما يتقاضاه الكتاب فيجب أن يبدأ بالقضاة لأن موضوع القضاء فصل المنازعات بينما الكتاب يؤدون مهمة يالإمكان الاستغناء عنها، فالمهم أنه يبدأ بالأهم فالأهم، قال الفقهاء: فإن غطى جميع حاجات الدولة وبدأ بالأهم فالأهم فإن الباقي يصرف على المسلمين بالتساوي، وتقدم معنا أن لأبي بكر الصديق ﵁ طريقة في العطايا ولعمر بن الخطاب طريقة في العطايا، فأبو بكر الصديق ﵁ يسوي بين الناس مهما كانت سابقتهم وفضلهم في الدين والعلم لأنه يرى أن الدنيا ليست بشيء ينظر إليه فهي حقيرة ولذلك يقول هو أمر تافه لا نريد أن نفاضل بين الناس فيه، فلما جاء عمر ﵁ لم يسو بين الناس بل عرف لكل إنسان أسبقيته وغناه وفضله وهجرته وصار يفاضل بين الناس بهذه الموازين ﵁ وأرضاه -.
باب عقد الذمة وأحكامها
- قال ﵀:
باب عقد الذمة وأحكامها
الذمة في لغة العرب: هي العهد والأمان.
وفي الاصطلاح: هي إقرار بعض الكفار على دينهم بشرط دفع الجزية والدخول في حكم الملة.
يعني: أن يدخلوا تحت أحكام الإسلام.
وقوله: (إقرار بعض الكفار) هذا على المذهب وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة.
فالخلاصة: أن عقد الذمة في الاصطلاح هو: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط دفع الجزية والدخول تحت أحكام الإسلام.
وعقد الذمة: مشروع بالإجماع. فإنه لم يخالف أحد من الفقهاء في جواز عقد الذمة وهذا في الجملة وسيأتينا الخلاف في بعض الكفار.
ودل على ذلك:
- الكتاب. والسنة.
стр. 1297
- فالكتاب: قوله تعالى: - (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩].فهذا نص: أن منتهى القتال أن يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون.
- وأما السنة: فإنه قد تواترت الأحاديث أن النبي ﷺ كان إذا أرسل أميراً على جيش أوصاه أن يخير من يقدم عليهم بين ثلاثة أمور:
- الأمر الأول: أن يدخلوا في الإسلام.
- والأمر الثاني: أن يبقوا على دينهم ويخضعوا للمسلمين بدفع الجزية والانقياد لأحكام الإسلام.
- والأمر الثالث: القتال.
ففي هذا دليل على جواز إقرار الكفار على كفرهم متى بذلوا الجزية وأقروا بأحكام الإسلام.
- ثم قال ﵀:
ولا يعقد: لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم.
المجوس وأهل الكتاب: هذان الصنفان هما فقط من يجوز أنه يعقد لهم الذمة، فإذا جاء ملحد فلا يجوز أن نعقد له الذمة بل نخيره إما أن يسلم أو نقاتله.
الدليل على ذلك: والمؤلف ﵀ بدأ بالمجوس ولو أنه بدأ بأهل الكتاب لأنهم هم الأصل والمجوس تبع لهم لكنه ﵀ بدأ بالمجوس.
فدليل المجوس:
- حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيح أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر وسن بهم سنة أهل الكتاب.
أما الدليل على قبول الذمة وفرض الجزية على أهل الكتاب:
- - فالآية: - (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩]. فإن الله تعالى نص على أهل الكتاب.
- وقول المؤلف ﵀:
ومن تبعهم.
يعني: ومن دان بدينهم وأخذ بكتابهم من الطوائف الأخرى.
((الأذان)).
إذاً تبين معنا أن الحنابلة يرون أنه لا تقبل الجزية ولا تعقد الذمة إلا لطائفتين فقط:
١ - المجوس.
٢ - وأهل الكتاب. فقط.
ومن عداهم فيجب أن يسلم أو يقاتل.
= القول الثاني: أنها تقبل - أي الجزية - وتعقد - أي الذمة - لكل كافر. بلا تفريق مهما كان كفره.
واستدلوا على هذا:
стр. 1298
- بأن النبي ﷺ لما كان يبعث الأمراء وقادة الجيوش كان يأمرهم بتخيير الناس بين ثلاثة أمور ولم يفصل بين أن يكونوا من أهل الكتاب والمجوس أو من غيرهم بل خرجت الأحاديث مخرج العموم، وأما ذكر أهل الكتاب في الآية فهو خرج مخرج الغالب لأن كثيراً ممن حول المدينة وفي الجزيرة كانوا من أهل الكتاب فليس المقصود بذكرهم في الآية تخصيص الحكم بهم وحصره عليهم.
-
والدليل الثاني: أن المقصود من عقد الذمة وفرض الجزية عند بعض الفقهاء ترغيب هؤلاء بالإسلام وأن يروا عن قرب وكثب عدل الإسلام وخيريته وهذا المطلب ينبغي تحقيقه في أهل الكتاب وفي غيرهم من الكفار.
وهذا القول الثاني هو الصواب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وهو اختيار سديد ووجيه وقوي وتدل عليه عموم النصوص التي جاءت في السنة.
стр. 1299
شرح كتاب الجهاد الدرس رقم (٣)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن أول باب عقد الذمة ووصلنا إلى:
- قوله ﵀:
ولا يعقدها إلاّ إمام أو نائبه.
أي أن عقد الذمة لأهل الكتاب أو المجوس على المذهب أو للكفار جميعاً على القول الصواب ليست إلا للإمام فقط أو لمن أنابه الإمام ليقوم مقامه.
= وهذا مذهب الجماهير وحكي إجماعاً ولم يخالف في هذه المسألة إلا الأحناف فقط أما جمهور فقهاء المسلمين فإنهم يرون أن هذا من اختصاصات الإمام.
والدليل:
- أن في هذا - أي في عقد الذمة - مصالح عامة للمسلمين يختص بالنظر فيها الإمام فإنه أعلم بتقدير المصلحة:
هل تكون في عقد الذمة؟ أو في عدم عقده؟ مما لا يناسب أن يكون إلا من الإمام.
-
ثم قال ﵀:
ولا جزية: على صبي.
لما قرر أن الجزية واجبة كما تقدم معنا أراد أن يبين من يستنثنى من أهل الكتاب فلا يؤخذ منه جزية.
- فقال ﵀:
ولا جزية على صبي ولا امرأة.
стр. 1300
أجمع أهل العلم على أنه لا جزية على الصبي ولا على المرأة ولا على المجنون، فهؤلاء لا جزية عليهم.
- لأن النبي ﷺ أمر معاذاً ﵁ أن يأخذ عن كل حالم ديناراً.
فنص على أنه يجب أن يكون بالغاً وإلا لم يؤخذ منه.
فإذاً يستثنى المرأة والصبي والمجنون بالحديث.
- والدليل الثاني على استثناء هؤلاء الثلاثة: الإجماع.
- ثم قال ﵀:
ولا عبد.
العبد ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: عبد كافر لمسلم.
- والقسم الثاني: عبد كافر لكافر.
ـ فالعبد الكافر الذي لمسلم:
فقد أجمع أهل العلم أنه لا يؤخذ منه الجزية بلا إشكال وأمره واضح وحكمه ظاهر.
ـ وأما العبد الكافر للكافر:
= فذهب الجماهير: إلى أنه لا تؤخذ عليه جزية وإنما يكتفى بالجزية التي تؤخذ على سيده لأنه من جملة مال سيده.
= والقول الثاني: أن على العبد الكافر تحت الكافر الجزية تؤخذ منه كما تؤخذ من الأحرار.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
- والثاني: أنه رجل كبير قوي مكتسب فناسب أن تؤخذ منه الجزية.
ورجح ابن قدامة القول الأول وهو المذهب.
وهذا القول وهو المذهب قول قوي أنه: كأن العرف والعمل على أن العبيد الذين تحت أيدي الكفار في الدولة الإسلامية كانت لا تؤخذ منهم الجزية إلا إن صح الأثر عن عمر ﵁ ففتوى عمر تكون فاصلة في الموضوع.
-
ثم قال ﵀:
ولا فقير يعجز عنها.
إذا كان في أهل الذمة فقير يعجز عن دفع الجزية فإنها تسقط عنه.
- لقوله تعالى: - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) -[البقرة/٢٨٦].
- ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فرض الجزية على طبقات الناس وجعل أدنى الطبقات الفقير المعتمل. يعني: العامل.
فإذا كانت هذه أدنى طبقة فإذاً الفقير الذي لا يعمل لا جزية عليه وهو المقصود بمن يعجز عنها، إذاً: من عجز عنها من أهل الكتاب فإنها تسقط عنه ولا يلزم بشيء لا يستطيع أن يؤديه.
- ثم قال ﵀:
ومن صار أهلاً لها: أُخذت منه.
من صار أهلاً: بأن بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن الجزية تؤخذ منه.
следующие страницы →