← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الأخير هو: خمس خمس الغنيمة الذي هو لله ولرسوله. فهذا يصرف في مصالح المسلمين، ويجب على الإمام وجوباً إذا أراد أن يصرف هذه الأموال التي ذكرها المؤلف ﵀ كالجزية والخراج والخمس وغيرها مما يدخل إلى مخزون الدولة فيجب عليه كما صرح الفقهاء أن يبدأ بالأهم فالأهم ولا يجوز أن يقدم المفضول على الفاضل بل يجب أن يبدأ بالأهم فالأهم سواء فيما يصلح الدين أو فيما يصلح الدنيا، فما يتقاضاه القضاة أهم مما يتقاضاه الكتاب فيجب أن يبدأ بالقضاة لأن موضوع القضاء فصل المنازعات بينما الكتاب يؤدون مهمة يالإمكان الاستغناء عنها، فالمهم أنه يبدأ بالأهم فالأهم، قال الفقهاء: فإن غطى جميع حاجات الدولة وبدأ بالأهم فالأهم فإن الباقي يصرف على المسلمين بالتساوي، وتقدم معنا أن لأبي بكر الصديق ﵁ طريقة في العطايا ولعمر بن الخطاب طريقة في العطايا، فأبو بكر الصديق ﵁ يسوي بين الناس مهما كانت سابقتهم وفضلهم في الدين والعلم لأنه يرى أن الدنيا ليست بشيء ينظر إليه فهي حقيرة ولذلك يقول هو أمر تافه لا نريد أن نفاضل بين الناس فيه، فلما جاء عمر ﵁ لم يسو بين الناس بل عرف لكل إنسان أسبقيته وغناه وفضله وهجرته وصار يفاضل بين الناس بهذه الموازين ﵁ وأرضاه -. باب عقد الذمة وأحكامها - قال ﵀: باب عقد الذمة وأحكامها الذمة في لغة العرب: هي العهد والأمان. وفي الاصطلاح: هي إقرار بعض الكفار على دينهم بشرط دفع الجزية والدخول في حكم الملة. يعني: أن يدخلوا تحت أحكام الإسلام. وقوله: (إقرار بعض الكفار) هذا على المذهب وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة. فالخلاصة: أن عقد الذمة في الاصطلاح هو: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط دفع الجزية والدخول تحت أحكام الإسلام. وعقد الذمة: مشروع بالإجماع. فإنه لم يخالف أحد من الفقهاء في جواز عقد الذمة وهذا في الجملة وسيأتينا الخلاف في بعض الكفار. ودل على ذلك: - الكتاب. والسنة.

стр. 1297

- فالكتاب: قوله تعالى: - (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩].فهذا نص: أن منتهى القتال أن يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون. - وأما السنة: فإنه قد تواترت الأحاديث أن النبي ﷺ كان إذا أرسل أميراً على جيش أوصاه أن يخير من يقدم عليهم بين ثلاثة أمور: - الأمر الأول: أن يدخلوا في الإسلام. - والأمر الثاني: أن يبقوا على دينهم ويخضعوا للمسلمين بدفع الجزية والانقياد لأحكام الإسلام. - والأمر الثالث: القتال. ففي هذا دليل على جواز إقرار الكفار على كفرهم متى بذلوا الجزية وأقروا بأحكام الإسلام. - ثم قال ﵀: ولا يعقد: لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم. المجوس وأهل الكتاب: هذان الصنفان هما فقط من يجوز أنه يعقد لهم الذمة، فإذا جاء ملحد فلا يجوز أن نعقد له الذمة بل نخيره إما أن يسلم أو نقاتله. الدليل على ذلك: والمؤلف ﵀ بدأ بالمجوس ولو أنه بدأ بأهل الكتاب لأنهم هم الأصل والمجوس تبع لهم لكنه ﵀ بدأ بالمجوس. فدليل المجوس: - حديث عبد الرحمن بن عوف في الصحيح أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر وسن بهم سنة أهل الكتاب. أما الدليل على قبول الذمة وفرض الجزية على أهل الكتاب: - - فالآية: - (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩]. فإن الله تعالى نص على أهل الكتاب. - وقول المؤلف ﵀: ومن تبعهم. يعني: ومن دان بدينهم وأخذ بكتابهم من الطوائف الأخرى. ((الأذان)). إذاً تبين معنا أن الحنابلة يرون أنه لا تقبل الجزية ولا تعقد الذمة إلا لطائفتين فقط: ١ - المجوس. ٢ - وأهل الكتاب. فقط. ومن عداهم فيجب أن يسلم أو يقاتل. = القول الثاني: أنها تقبل - أي الجزية - وتعقد - أي الذمة - لكل كافر. بلا تفريق مهما كان كفره. واستدلوا على هذا:

стр. 1298

- بأن النبي ﷺ لما كان يبعث الأمراء وقادة الجيوش كان يأمرهم بتخيير الناس بين ثلاثة أمور ولم يفصل بين أن يكونوا من أهل الكتاب والمجوس أو من غيرهم بل خرجت الأحاديث مخرج العموم، وأما ذكر أهل الكتاب في الآية فهو خرج مخرج الغالب لأن كثيراً ممن حول المدينة وفي الجزيرة كانوا من أهل الكتاب فليس المقصود بذكرهم في الآية تخصيص الحكم بهم وحصره عليهم. - والدليل الثاني: أن المقصود من عقد الذمة وفرض الجزية عند بعض الفقهاء ترغيب هؤلاء بالإسلام وأن يروا عن قرب وكثب عدل الإسلام وخيريته وهذا المطلب ينبغي تحقيقه في أهل الكتاب وفي غيرهم من الكفار. وهذا القول الثاني هو الصواب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وهو اختيار سديد ووجيه وقوي وتدل عليه عموم النصوص التي جاءت في السنة.

стр. 1299

شرح كتاب الجهاد الدرس رقم (٣) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا الكلام عن أول باب عقد الذمة ووصلنا إلى: - قوله ﵀: ولا يعقدها إلاّ إمام أو نائبه. أي أن عقد الذمة لأهل الكتاب أو المجوس على المذهب أو للكفار جميعاً على القول الصواب ليست إلا للإمام فقط أو لمن أنابه الإمام ليقوم مقامه. = وهذا مذهب الجماهير وحكي إجماعاً ولم يخالف في هذه المسألة إلا الأحناف فقط أما جمهور فقهاء المسلمين فإنهم يرون أن هذا من اختصاصات الإمام. والدليل: - أن في هذا - أي في عقد الذمة - مصالح عامة للمسلمين يختص بالنظر فيها الإمام فإنه أعلم بتقدير المصلحة: هل تكون في عقد الذمة؟ أو في عدم عقده؟ مما لا يناسب أن يكون إلا من الإمام. - ثم قال ﵀: ولا جزية: على صبي. لما قرر أن الجزية واجبة كما تقدم معنا أراد أن يبين من يستنثنى من أهل الكتاب فلا يؤخذ منه جزية. - فقال ﵀: ولا جزية على صبي ولا امرأة.

стр. 1300

أجمع أهل العلم على أنه لا جزية على الصبي ولا على المرأة ولا على المجنون، فهؤلاء لا جزية عليهم. - لأن النبي ﷺ أمر معاذاً ﵁ أن يأخذ عن كل حالم ديناراً. فنص على أنه يجب أن يكون بالغاً وإلا لم يؤخذ منه. فإذاً يستثنى المرأة والصبي والمجنون بالحديث. - والدليل الثاني على استثناء هؤلاء الثلاثة: الإجماع. - ثم قال ﵀: ولا عبد. العبد ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: عبد كافر لمسلم. - والقسم الثاني: عبد كافر لكافر. ـ فالعبد الكافر الذي لمسلم: فقد أجمع أهل العلم أنه لا يؤخذ منه الجزية بلا إشكال وأمره واضح وحكمه ظاهر. ـ وأما العبد الكافر للكافر: = فذهب الجماهير: إلى أنه لا تؤخذ عليه جزية وإنما يكتفى بالجزية التي تؤخذ على سيده لأنه من جملة مال سيده. = والقول الثاني: أن على العبد الكافر تحت الكافر الجزية تؤخذ منه كما تؤخذ من الأحرار. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. - والثاني: أنه رجل كبير قوي مكتسب فناسب أن تؤخذ منه الجزية. ورجح ابن قدامة القول الأول وهو المذهب. وهذا القول وهو المذهب قول قوي أنه: كأن العرف والعمل على أن العبيد الذين تحت أيدي الكفار في الدولة الإسلامية كانت لا تؤخذ منهم الجزية إلا إن صح الأثر عن عمر ﵁ ففتوى عمر تكون فاصلة في الموضوع. - ثم قال ﵀: ولا فقير يعجز عنها. إذا كان في أهل الذمة فقير يعجز عن دفع الجزية فإنها تسقط عنه. - لقوله تعالى: - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) -[البقرة/٢٨٦]. - ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فرض الجزية على طبقات الناس وجعل أدنى الطبقات الفقير المعتمل. يعني: العامل. فإذا كانت هذه أدنى طبقة فإذاً الفقير الذي لا يعمل لا جزية عليه وهو المقصود بمن يعجز عنها، إذاً: من عجز عنها من أهل الكتاب فإنها تسقط عنه ولا يلزم بشيء لا يستطيع أن يؤديه. - ثم قال ﵀: ومن صار أهلاً لها: أُخذت منه. من صار أهلاً: بأن بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن الجزية تؤخذ منه.

стр. 1301

ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: (أخذت منه) أي: بلا حاجة إلى تجديد عقد الذمة. والدليل على هذا: - أنه تواتر عن الخلفاء بداية من أمير المؤمنين عمر ومن تبعه من الخلفاء الراشدين وخلفاء المسلمين أنهم لم يكونوا يجددون العقد لمن يبلغ من أهل الكتاب ولا لمن يفيق من المجانين ولو كانوا يجددون العقد لنقل هذا نقلاً متواتراً لكثرة من يبلغ من الكفار وهذا أمر معلوم أنه في كل فترة يبلغ مجموعة من صبيان الكفار ولم ينقل عن أصحاب النبي ﷺ أنه لابد من تجديد العقد لهم. - ثم قال ﵀: في آخر الحول. يعني: أنه إذا بلغ فإنا لا ننتظر به حولاً جديداً من حين بلغ بل تؤخذ منه على رأس الحول ولكن تؤخذ منه بالحساب. ـ فإن بلغ في نصف السنة أخذت منه نصف الجزية. ـ وإن بلغ بعد مضي ربع السنة أخذت منه ثلاثة أرباع الجزية. وهكذا .. والدليل على أنا لا ننتظر به حولاً: - أنا لو انتظرنا في صبي وفي كل بالغ حولاً لأصبح أهل الكتاب لكل واحد منهم حول مستقل. وفي حساب حول كل واحد من أهل الكتاب ما فيه من المشقة والعنت على ولي الأمر وعلى من يقوم بأخذ الجزية على رؤس الكفار. فلاشك أنه يجب وجوباً ولو لم يحل عليه الحول أن تؤخذ منه الجزية على رأس الحول لكن بالحساب فلا يُظلَم ولا يَظلِم.: - لا يُظْلَم بأن يؤخذ أكثر منه. - ولا يَظلِم بأن يوجب الانتظار لمدة سنة كاملة لأن هذا يجعل لكل شخص حولاً مستقلاً وتتفاوت أحوالهم. - ثم قال ﵀: ومتى بذلوا الواجب عليهم: وجب قبوله وحرم قتالهم. إذا بذلوا الواجب المطلوب منهم فإنه يجب أن نقبل منهم ويجب أن نكف عن قتالهم. - لأن النبي ﷺ قال لبريدة لما أرسله: (فإن هم أطاعوك فاقبل منهم - يعني: الجزية - وكف عنهم - يعني عن قتالهم -).

стр. 1302

فهذا النص صريح بأن الكفار إذا أجابوا لإحدى الخصال فإنه يجب على أمير الجيش وجوباً أن يقبل منهم هذه الخصلة وأن يكف عن قتالهم ويأخذ منهم الجزية، وكما يترتب على قبول الكفار لخصلة الجزية أنه تؤخذ منهم ويكف عن قتالهم أيضاً يجب تبعاً لذلك أن يدافع عنهم، فإنهم أصبحوا تحت حماية المسلمين بدفعهم الجزية فلا يقاتلون ولا يسلمون للأعداء لأنهم دفعوا الجزية وصاروا تحت ظل وحكم المسلمين فوجب عليهم أن يدافعوا عنهم. - ثم قال ﵀: ويمتهنون عند أخذها، ويطال وقوفهم، وتجر أيديهم. يجب: = عند الحنابلة أن يتقصد آخذ الجزية إهانة الكافر. - لقوله تعالى: - (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩]. والصغار يدل على تقصد إهانتهم فمن ذلك: ـ أنه يجب أن يأتي بنفسه بالجزية فإن أرسل بها موليه أو رسولاً من الأحرار فإنها ترد ويقال له يجب أن تسلم الجزية بنفسك. ـ ومنها أنه يجب أن يطول انتظاره لكي يسلموا الجزية. ـ ومنها: أنه يجب أن يطول انتظارهم أثناء تسليم الجزية، فيقف الإنسان وقوفاً طويلاً ينتظر أن يسلم الجزية وإذا دخل وأراد أن يسلم الجزية أيضاً ترك فترة طويلة وإذا مد يده بالجزية ترك فترة طويلة ثم بعد هذه السلسلة من الإهانات تؤخذ منه مع جذب يده، فكل ذلك: تحقيقاً للصغار المذكور في الآية، وإلى هذا ذهب الحنابلة كما ترون وهو مذهب الإمام أحمد ﵀. = والقول الثاني: أن هذه الممارسات لا تدل عليها الآية ولا يدل عليها عمل الصحابة بل الواجب أن تؤخذ منهم أخذاً هيناً طبيعياً بلا إكرام ولا إهانة. والدليل على هذا: - أن أصحاب النبي ﷺ وأمراء الأجناد ومن يوليهم الخلفاء على البلدان التي فيها أهل الذمة كانوا يأخذون الجزية من أهل الكتاب بطريقة سليمة وبطريقة طبيعية ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يمارسون هذه الممارسات لإذلال الكفار، وإن كان إذلال الكفار مقصد شرعي بلا شك لكن أخذ الجزية منهم بهذه الطريقة وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل. وأما الآية: فالجواب عنها: أن الصغار المقصود بالآية يتحقق بأمرين: - الأمر الأول: أن يدفعوا الجزية: فدفعهم الجزية بحد ذاته صغار.

стр. 1303

- والأمر الثاني: أن يدخلوا تحت أحكام الملة. فدخولهم تحت أحكام ملة غير ملتهم هو بحد ذاته صغار. والمنصف إذا تأمل القولين وجد أن القول الثاني ينسجم مع آثار الصحابة ولو كانت هذه التفصيلات التي ذكرها الفقهاء تفعل في القرن الأول والثاني والثالث لنقلت إلينا لأنه شيء غريب يستحق النقل. ولذلك الراجح القول الثاني وهو اختيار الحافظ ابن القيم ﵀. (فصل) - قال ﵀: (فصل) ويلزم الإمام: أخذهم بحكم الإسلام. تقدم معنا أنه يحرم عقد الذمة إلا بشرطين: ـ الأول: بذل الجزية. ـ والثاني: الدخول تحت أحكام الإسلام. فهذا معنى قول المؤلف ﵀ هنا (فصل يلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام). والمراد بالحكم هنا: أن يلزموا بأحكام العقود والجنايات والإتلافات والحدود فيما يحرم عليهم كما سيأتينا إذاً يلزمون بأحكام الإسلام ويلزمون أيضاً بدفع الجزية. ولما ذكر المؤلف ﵀ هذه القاعدة العامة وهي: إلزام أهل الكتاب بدفع الجزية ذكر التفصيل: - فقال ﵀: ويلزم الإمام: أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض. يلزم أن نأخذهم بحكم الإسلام بهذه الأمور: - النفس. - والمال. - والعرض. بدليل: - أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها فقتله النبي ﷺ . فقد أقام عليه الحد وأخذه بحكم الإسلام ﷺ . - والدليل الثاني: أن رجلاً وامرأة من أهل الكتاب زنيا فأقام النبي ﷺ عليهما الحد. وهذه الأحاديث في الصحيح فلا إشكال في ثبوتها، ففي هذه الأحاديث دليل على أن أحكام الإسلام تجري عليهم لكن بالقيد الذي سيذكره المؤلف ﵀ لاحقاً وهو أنه يكون من الأعمال التي يرون هم تحريمها في ملتهم. - يقول ﵀: وإقامة الحدود عليهم: فيما يعتقدون تحريمه. ما يعتقدون تحريمه يجب أن نقيم عليهم فيه الحد مثل: - الزنا. فهو محرم في كل ملة. - والقتل: وهو كذلك. - والقذف: وهو كذلك. فهذه الأشياء التي هي محرمة في دين أهل الكتاب نأخذهم بها. والدليل على أنه يجب أن نأخذهم بها: - أنهم يقرون بتحريمها. وقد التزموا حكم الإسلام.

стр. 1304

فنتج عن هاتين المقدمتين وجوب إقامة الحد عليهم. * * مسألة / يؤاخذون وتقام عليهم الحدود فيما يرون تحريمه ولو لم يترتب عليه حد في دينهم وإنما يكتفى بأنه محرم في دينهم ولا يشترط أن يضاف مع ذلك أن يرتب عليه حد في دينهم. فقط إذا كان محرماً فإنه تقام عليهم الحدود. - ثم قال ﵀: دون ما يعتقدون حلّه. الأعمال التي يعتقدون أنها حلال لا تقام عليهم فيها الحدود. مثال ذلك: ـ شرب الخمر. فهو ليس بمحرم عندهم. ـ وأكل الخنزير. فهو ليس بمحرم عندهم. ـ ونكاح المحارم عند المجوس. لأنه ليس بمحرم في دينهم. فهذه الأعمال التي يرون هم أنها مباحة لا تقام عليهم فيها الحدود ولو كانت محرمة في شرعنا. والدليل على هذا: - أن أهل الكتاب يقرون على كفرهم وهو أعظم من هذه الأعمال فإذا أقروا على الكفر فهو أعظم معصية فمن باب أولى أن يقرون على الأعمال التي هم يرون أنها مباحة ونحن نرى أنها محرمة، لكن اشترط الفقهاء لذلك: أن لا يظهروا هذه الأعمال. فإن أظهروها كما سيأتينا: انتقض عهدهم، فيجب أن يسروا ويكتموا شرب الخمور وأكل الخنازير ونكاح المحارم فإن أظهروه عاقبناهم بنقض العهد. - ثم قال ﵀: ويُلزمهم التّميز عن المسلمين. يجب وجوباً على الإمام أن يلزم اهل الذمة بالتميز عن المسلمين. والتميز يحصل بأربعة أمور: - الأمر الأول: وهو الأهم بلباسهم. فيجب أن يلزموا بلباس يخالف لباس المسلمين لا سيما من حيث اللون بحيث إذا رآهم الإنسان عرف أنهم من أهل الذمة. - والأمر الثاني: بشعورهم. فيجب أن يمنعوا من الفرق لأنه سنة المسلمين وأن تجز نواصيهم ليعرف أنهم من أهل الذمة. - والأمر الثالث: بركوبهم. والركوب فَصَّلَ فيه المؤلف ﵀ لأنه من أشهر العلامات التي يعرف فيها أنه من أهل الذمة. - والأمر الرابع: بكناهم. فإنه لا يجوز أن يمكنوا من التكني بكنى المسلمين فلا يسمى أحدهم أبو عبد الله ولا أبو عبد الرحمن ولا أبو محمد ولا غيرها مما يختص به المسلمون. ولا بالألقاب العلمية التي اختص بها المسلمون مثل: نور الدين. وتقي الدين .... وإلى آخره. إذا قيل: أن التسمي بهذه الألقاب جائز.

стр. 1305

* * مسألة / ويجوز أن يتكنوا بغير هذه الأشياء مما لا يختص بالمسلمين. فإن الإمام أحمد ﵀ رأى طبيباً نصرانياً وقال: يا أبا إسحاق. فهذه الكنية لا تتعلق بالمسلمين وإطلاق الإمام أحمد ﵀ بهذه الكنية يدل على أنه ﵀ لا يرى المنع المطلق من التكني لكنه يرى المنع من التكني الخاص بالمسلمين، ومن جمع من الحنابلة بين روايات الإمام أحمد ﵀ بهذا الجمع بأن النفي المطلق والجواز المطلق يجمع على هذا الجمع فقد أصاب وعلى هذا تحمل الروايات المختلفة عن الإمام أحمد. ثم انتقل ﵀ إلى مسألة الركوب: - فقال ﵀: ولهم ركوب غير خيل بغير سُرُج بإكاف. بالنسبة للركوب: فيجب أن يتميزوا بعدة أمور: ـ الأمر الأول: لا يجوز أن يركبوا الخيل والفرس مطلقاً لأن في ركوب الفرس عزة ومنعة وعلو. ـ والأمر الثاني: يجوز أن يركبوا البغال والحمير والإبل بشرط أن يستخدموا السرج. لأن السرج فيه أيضاً عزة ومكانة ورفعة. ـ والأمر الثالث: أن يركبوا على جهة بأن يسدل أحدهم رجليه من جهة ويعطي ظهره للجهة الأخرى ولا يركب معتدلاً. فكل ذلك ليتميز أهل الكتاب من الذميين عن المسلمين ولتحقيق الانفصال التام الجسدي والحسي الذي يتبعه الانفصال التام المعنوي وما يتعلق بالتشبه. وقوله ﵀: (بإكاف) الإكاف هو: البرذعة وهي قماش أو قطن يلقى فوق ظهر المركوب إياً كان ويركب، فكل ما ليس بسرج فهو إكاف. الدليل على هذه الأمور الأربع: - الآثار الصحيحة المروية عن أمير المؤمنين عمر ﵁ حينما اشترط على أهل الذمة مجموعة من الشروط منها: المخالفة في هذه الأشياء الأربع. - ثم قال ﵀: ولا يجوز: تصديرهم في المجالس. لا يجوز أن يجلس الذمي في صدر المجلس. لدليلين: - الدليل الأول: أن من شرط أمير المؤمنين عمر ﵁ عليهم: أن إذا قدم المسلم قاموا له من مكانهم، فإذا كان يلزمهم القيام من المكان لحضور المسلم فكيف يمكنون من الجلوس في صدر المجلس. - والدليل الثاني: أن في جلوسهم في صدر المجالس عزة لهم وتعظيماً وهو خلاف مقصود الشارع في الكافر مطلقاً وفي الذمي خصوصاً.

стр. 1306

فإذاً لا يجوز أن نمكنهم من الجلوس في صدر المجالس. - ثم قال ﵀: ولا القيام لهم. لا يجوز أن نقوم لهم لما تقدم. فإن الأدلة الدالة على عدم تصديرهم في المجالس دالة كذلك على أنه لا يجوز أن نقوم لهم. ولا يخفى على أي طالب علم أن هذه الأشياء المذكورة في الكتاب إنما نص عليها المؤلف ﵀ لأمرين: ـ أولاً: أن كثيراً منها جاءت في شروط عمر بن الخطاب ﵁. ـ وثانياً: أنها كثيرة الوقوع. وإلا فإنه لا يقتصر في إذلال الذمي على هذه الأمثلة بل يشمل كل ما يمنع مما فيه إعزاز للذمي أو تصديراً له أو رفعاً من شأنه. فهذه هي القاعدة العامة وإنما ما ذكره المؤلف ﵀ إنما هو أمثلة اختارها لكثرة وقوعها ولأنها جاءت في شروط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. - قال ﵀ ولا بداءتهم بالسلام. لا يجوز أن نبدأ أهل الكتاب بالسلام. - لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تبدؤوهم بالسلام). فهذا نص: (وإذا رأيتموهم في طريق فاجعلوهم في أضيقه). وهذا نص صريح بأنه لا يجوز أن نبدأهم بالسلام. * * مسألة / أما قول: كيف حالك. وصباح الخير. ومساء الخير. فالأقرب: الجواز. حيث لا يوجد دليل على المنع وليس في هذه التحايا شيء من التعظيم وليست في معنى السلام فإن السلام دعاء. فالأقرب الجواز إلا: إذا علم من حال الذمي أنه إن خوطب بمثل هذه تكبر ورأى أنه اعتز فحينئذ يجب أن لا تلقى عليه لا هذه التحية ولا غيرها من التحايا. * * مسألة / رد السلام يجوز. لكن يجب أن يكون بقول الراد: (وعليكم) لقول النبي ﷺ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: (وعليكم)، وهذا الحديث عام يشمل جميع الصور. فأي ذمي يسلم فإنا نقول له: (وعليكم). = والقول الثاني: في المسألة: أنا إذا علمنا على وجه القطع واليقين أنه قال: (السلام عليكم) صريحة ولم يقل: (السام عليكم) أو لفظة أخرى فيها سب أو دعاء. يعني: إذا علمنا أنه سلم سلاماً صحيحاً فإنه يجوز أن نرد التحية بمثلها. - لعموم الآية: - (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) -[النساء/٨٦].

стр. 1307

- ولأن الحديث إنما ورد على سبب وهو قول اليهود: (السام عليكم). وإلى هذا القول ذهب ابن القيم وانتصر له وهو أنه لا يجب دائماً أن نقول: (وعليكم) بل يجوز أن نقول: (وعليكم السلام) إذا علمنا أنهم سلموا سلاماً خالياً من الإساءة. أي القولين أرجح؟ الذي يظهر لي بعد التأمل - والمسألة تحتمل - يظهر لي أن المذهب أصح. لأنه وإن كان فتوى النبي ﷺ خرجت مخرجاً مترتباً على علة وهي قول اليهودي إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وكم من فتوى من النبي ﷺ خرجت بسبب وتعاملنا معها تعاملاً عاماً، مع ذلك ما ذكره ابن القيم وجيه وخلاف قوي فمن أخذ بهذا أو بهذا فهو في سعة وأنا أرى أنه ما يزيد على قوله: (وعليكم) كما أن في هذا مصلحة وهي: تربية الإنسان على معاملة غير المسلم بما يستحق وفيه تربية على مسألة الوقوف مع النص. - ثم قال ﵀: ويمنعون: من إحداث كنائس وبيع. لا يجوز تمكين أهل الذمة من بناء الكنائس، وعلى القول بأن عقد الذمة يجوز لكل الكفار فلا يجوز لأي كافر أن يمكن من إقامة بيت للعبادة. والدليل: من ثلاثة أوجه: - الأول: الإجماع. فهذا محل إجماع: أنهم لا يمكنون من إقامة كنائس مهما كان السبب. - الثاني: أن أمير المؤمنين عمر ﵁ شرط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة. - الثالث: أن في تمكينهم من بناء الكنائس إظهار لشعائر الكفر بعد أن لم تكن وليست داخلة في العقد - يعني: في عقد الذمة. وهذه الثلاث أدلة: الإجماع وغيره من أقوى الأدلة على منع مسألة إقامة إحداث كنيسة جديدة. نأتي إلى المسألة الثانية: وهي إذا كانت الكنيسة موجودة ثم انهدمت: - قال ﵀: وبناء ما انهدم منها ولو ظلماً. ويمنعون من بناء ما انهدم منها ولو كان انهدامه على سبيل الظلم. ولذلك نقول: انهدام الكنائس ينقسم إلى قسمين: ـ القسم الأول: أن ينهدم بنفسه. فإذا انهدمت الكنيسة بنفسها فإنه لا يجوز إعادة إعمارها. بدليل: - أن عمر بن الخطاب ﵁ شرط عليهم أن يجددوا ما خرب من كنائسهم. ـ والقسم الثاني: ما انهدم ظلماً بأن اعتدي على الكنيسة وهدمت: = فالمذهب: كذلك لا تجدد.

стр. 1308

- لأن الأرض للمسلمين ولا يقام عليها دور عبادة للكافرين. = والقول الثاني: أنها إن انهدمت ظلماً جاز بنائها. - لأن الشرع جاء بنفي الظلم عامة: الواقع على المسلم وعلى المعاهد. وهذا القول اختاره ابن مفلح ﵀. وهو القول الصحيح فإذا اعتدي على كنائسهم فإن من تمام العقد والأمان الذي أعطوا أن تجدد ما دام اعتدي عليها ظلماً. * * مسألة / انهدام بعض الكنيسة كانهدام الكنيسة: فالكلام في انهدام بعض الكنيسة كالكلام في انهدام الكنيسة. فإذا سقط نصف الكنيسة: = فعند الحنابلة: لا يجوز الإعمار. بل يبقون في النصف الذي لم يسقط سواء كان سقوطه ظلماً أو كان سقوطه بنفسه. وما ذكر من خلاف وترجيح هو نفسه في انهدام بعض الكنيسة. - ثم قال ﵀: ومن تعلية بنيان على مسلم. يمنع أهل الذمة أن يبنوا بنياناً عالياً عن الجار ولو كان الجار ليس من الملاصقين ما دام جاراً فإن الذمي لا يمكن من رفع البنيان فوق مستوى بنيان المسلم. والدليل من وجهين: - الوجه الأول: أن عمر شرط عليهم أن لا يطلعوا على بيوت المسلمين وفي تعلية البنيان تمكين لهم من مخالفة هذا الشرط. - والوجه الثاني: أن في إعلاء البنيان على بنيان المسلم إعزاز للكافر وهو خلاف مقصد الشارع. فإن بنا بناء عالياً على بناء المسلم فيجب وجوباً أن ينقض الزائد. * * مسألة/ فإن لم يبن الذمي بيتاً أعلى من بيت المسلم ولكن اشتراه ففي هذه المسألة خلاف: = فمن الفقهاء من يقول: أنه إذا اشترى ولم يعمره هو فإنه يمكن البقاء. - لأن العلو لم يكن بصنعه ولا بيده. = ومن الفقهاء من قال: بل إذا اشترى بيتاً يعلو بيت المسلم فإنه ينقض الزائد كذلك. واستدلوا على ذلك: - بأن العلل الموجودة في البنيان العالي الذي تولى هو بنايته موجودة في البنيان الذي اشتراه تماماً وإذا وجدت العلة فيجب أن يوجد الحكم. وهذا القول الثاني هو الأقرب. - ثم قال ﵀: لا مساواته له. أي: فيجوز. فإنه بنا بنياناً مساوياً لبنيان المسلم فإنه يجوز ولا يجب عليه أن ينقض من بنيانه ما ينزل به عن مستوى المسلم. = والقول الثاني: أنهم لا يمكنون من مساواة بنيان المسلم.

стр. 1309

- لأنه إذا كان عمر ﵁ أمر بعدم التساوي في المركوب والملبوس والشعور والكنى فمن باب أولى في البنيان فلا يمكنون من المساواة بينهم وبين بنيان المسلمين. والذي يبدو لي أنه لا حرج وأنه لا يلزم بالهدم وأنه لا بأس بالمساواة لأن المساواة في البنيان ليست كالمساواة في ما عداها من الملبوس والمركوب وغيره بل بينهما فرق ظاهر. - ثم قال ﵀: ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس، وجهر بكتابهم. لا يمكن الذمي من إظهار شعائره في المطعم والملبس والعبادة. بل يجب أن يكتم هذه الأمور وأن يسر بها. والدليل على ذلك: - أن في تمكينهم من هذا الأمر إيذاء للمسلمين. لأنهم إذا أخذوا يشربون الخمور في الشوارع ويأكلون في نهار رمضان يطبخون الخنازير ويدقون الننواقيس صار هذا من أعظم الإيذاء للمسلم والمؤمن الذي يغيضه معصية الله. - والدليل الثاني: أن منعهم من إظهار الشعائر محل إجماع. فلا يجوز أبداً أن يمكنوا من إظهار الشعائر. - ثم قال ﵀: وإن تهود نصراني أو عكسه: لم يقر. ولم يقبل منه إلاّ الإسلام أو دينه. إذا تهود النصراني أو تنصر اليهودي: فعن الإمام حمد ﵀ ثلاث روايات: = الرواية الأولى: أنه إذا تنصر اليهودي أو تهود النصراني فإنه لا يقر ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل. - لأنه مقر بفساد الدين الآخر فلا يقر على دين فاسد. = الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ وهي المذهب: أنه يقال له: إما أن ترجع إلى دينك أو تسلم ولا يقر على الملة التي انتقل إليها. إذاً تتفق الرواية الثانية مع الرواية الأولى في عدم إقراره على الملة التي انتقل إليها لكن تختلف الروايتين بالخيار الآخر. = الرواية الثالثة: أنه يقر. - لأن انتقال اليهودي إلى النصرانية أو العكس لم يخرج به عن أن يكون من أهل الكتاب فإنه ما زال من أهل الكتاب فانتقاله داخل أديان أهل الكتاب لا محذور فيه. * * مسألة / نحن ذكرنا أنه لا يقر في الرواية الأولى وفي الراية الثانية. فما هي صيغة عدم الإقرار؟ أسلوب عدم الإقرار؟ فيه خلاف: = القول الأول: أن عدم الإقرار يكون بتخييره بين القتل أو الإسلام مثلاً على الرواية الأولى.

стр. 1310

- لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). = القول الثاني: أن صيغة عدم الإقرا تكون بالحبس والجلد والتعزير والتعذيب إلى أن يرجع إلى دينه - أو يسلم على المذهب أو إلى أن يسلم على الرواية الأولى. (فصل) - ثم قال ﵀: فإن أبى الذمي: بذل الجزية، أو إلتزام حكم الإسلام .. انتقض عهده. هذا الفصل خصصه المؤلف ﵀ للأشياء التي تنتقض بها عهود أهل الذمة وعقودهم، فإذا رفض بذل الجزية أو الإلتزام بأحكام الإسلام فإن عهده ينتقض، وإنما بدأ المؤلف ﵀ ببذل الجزية والالتزام بأحكام الإسلام لأنها أبرز شعائر إلزام أهل الذمة. والدليل على ذلك: - قوله تعالى: - (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) -[التوبة/٢٩]. وتقدم معنا: أن التفسير الصحيح لقوله: (وهم صاغرون) هو أن يبذلوا الجزية وأن يلتزموا بأحكام الإسلام. فإذا رفضوا فإن العهد انتقض وسيأتينا ماذا يترتب على انتقاض العهد. ـ الثالث مما ينتقض به عهدهم: - قوله ﵀: أو تعدى على مسلم بقتل أو زنا. ـ إذا تعدى على مسلم بقتل أو على مسلمة بزنا فإن عهده ينتقض. والدليل على هذا: - أن عمر بن الخطاب ﵁ شرط عليهم في كتابه أن يضربوا مسلماً عمداً. فإذا كان الشرط بيننا وبينهم أن لا يضربوا مسلماً عمداً فكيف بالقتل العمد العدوان. ولذلك نحن نقول: مقصود المؤلف ﵀ بالقتل هنا الذي ينتقض به العهد هو ما يكون عمداً. ـ وأما الزنا: فكذلك تنتقض به عهودهم وعقودهم. - لأن ذمياً سعى في أمر امرأة ليزني بها ورفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما على هذا عاهدناكم اصلبوه. فصلب في بيت المقدس. فهذا دليل على أنه إذا حاول الزنا بالمسلمة - وإذا قيل الزنا هنا - يعني بالمسلمة - فإن عهده ينتقض، وعمر ﵁ في ذلك الذمي اختار القتل ولذلك صلبه لأن هذا الذمي حاول عبثاً أن يهتك عرض مسلمة فكأنه عامله معاملة المحارب أو معاملة قطاع الطرق المهم أنه صلبه تعزيراً ﵁، الذي يعنينا من الصلب: القتل. فلو قتله فقط لتبين بذلك أن عهده انتقض. - ثم قال ﵀:

стр. 1311

أو قطع طريق، أو تجسيس أو إيواء جاسوس. إذا فعل أيا من هذه الثلاث فإن عهده ينتقض لأن في هذا العمل ما فيه من الإيذاء والإغراء بالمسلمين، وإذا أوقع الضرر والإيذاء بالمسلمين انتقض عهده وهذا أمر ظاهر. - قال ﵀ أو ذكر اللَّه أو رسوله أو كتابه بسوء .. أي: ينتقض عهده. وهو أعظم أنواع الانتقاض وقد يكون أعظم من الامتناع عن بذل الجزية والدخول تحت أحكام المسلمين. والدليل على انتقاض العهد بذلك: - أن يهودية كانت تقع بالنبي ﷺ وتسبه ﷺ فقام إليها رجل وقتلها فلما رفع إلى النبي ﷺ أهدر دمها. فدل ذلك على أن العهد انتقض في خصوص هذه المرأة بسبب أنها سبت النبي ﷺ . قال شيخ الإسلام: ومن سب النبي ﷺ فإنه يقتل ولو أسلم. فإذا بادر الذمي وأسلم بعد أن سب النبي ﷺ نقبل منه الإسلام ونعامله معاملة المسلم ولكن مع ذلك: يقتل. - ثم قال ﵀: ذاكراً الحكم العام: انتقض عهده. وتقدم معنا انتقاض العهد في كل واحد من هذه الخمس التي ينتقض بها عهد الذمي. - ثم قال ﵀: دون نسائه وأولاده. الإسلام دين عدل. فإذا أتى يهودي أو نصراني بناقض من نواقض العهد فإن الانتقاض يختص به دون نسائه وأبنائه وعبيده .. إلى آخرهم. ودليل ذلك: - أن النقض وجد منه فاختص الحكم به. وأما عهود الباقين فهي على وجهها ولا يجوز لنا أن نمسهم بسوء وإنما هذا الذي انتقض عهده بأي ناقض من النواقض السابقة فإنه يعامل معاملة من انتقض عهده دون بقية أهله. - - ثم قال ﵀: وحلّ دمه وماله. إذا انتقض عهد الذمي فولي الأمر مخير فيه كما هو مخير بالأسير: - إن شاء قتل. - وإن شاء مَنَّ. - وإن شاء فداه. وهذا القول: وهو أن الذمي الذي انتقض عهده يعامل معاملة الأسير ويرجع إلى رأي الإمام هو أعدل الأقوال. وعليه تدل تصرفات عمر بن الخطاب ﵁. وبهذا تم كتاب الجهاد ولله الحمد ونبدأ إن شاء الله تعالى بكتاب البيوع.

стр. 1312

من الأسئلة: * أخونا يسأل عن مسألة نسيت أن أنبه عليها وتلحق بالشرح فإنه لابد منها: وهي: أن قول المؤلف ﵀: (لا يجوز بناء كنيسة) يفهم من عبارة المؤلف ﵀ أن الكنائش التي وجدت وقام العهد والعقد وهي موجودة فإنه يجب أن تبقى ولا يجوز لولي الأمر أن يهدمها وهذا هو الصحيح: أن ما وجد سابقاً من حين العقد فإنه يجب أن يبقى. والدليل على هذا: - أن أصحاب النبي ﷺ الذين عاهدوا وعاقدوا أهل الذمة لم يهدموا أي كنيسة دخلوا البلاد وهي فيها. وإنما لا يجددون ما انهدم منها أما الموجود من حين فتح المسلمين للبلاد فإنه يبقى كما هي سيرة الصحابة ﵃ فهذا يلحق عند قول المؤلف ﵀: (وبناء ما انهدم منها).

стр. 1313

شرح كتاب البيع الدرس رقم (١) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - قال المؤلف ﵀: - كتاب البيع. = جرى جمهور الفقهاء: على تقسيم الكتب إلى أربعة أو خمسة أقسام فيذكرون في: الأول: كتب العبادات. ثم البيوع وما يتعلق بها. ثم النكاح وما يتعلق به. ثم الجنايات وما يتعلق بها. ثم القضاء وما يتعلق به. وإنما قدموا البيوع على النكاح لأمرين: - الأول: كثرة تعامل الناس بالبيوع بالنسبة للنكاح. - الثاني: شدة الحاجة لمعرفة أحكام البيوع بالنسبة للنكاح. فإن البيع يقع من غالب الناس والنكاح يقع في الناس أقل منه في البيوع. = وذهب الأحناف إلى: أن النكاح ينبغي أن يقدم على البيوع فيذكر بعد الحج مباشرة هو وتوابعه ثم يذكر بعد ذلك كتاب البيوع. واستدلوا على هذا الترتيب: - بأن كلاً من الحج والنكاح يشترك في خصائص واحدة وهي أنها عبادة لابد فيها من البدل والمال وهذا التشابه يقتضي أن نجعل النكاح بعد الحج. - وأيضاً أن النكاح من الفقهاء من قال: هو سنة. ومنهم من قال: هو واجب بينما لم يوجب أحد من أهل العلم البيع. بناء على هذا قالوا: يجب أن يكون النكاح بعد الحج وقبل البيع. ولا يخفى على طالب العلم أن هذا الترتيب أمر اصطلاحي وأنه فيه سعة: فمن رأى تقديم بعض الأبواب على بعض فهو جيد ولكن لو أن الأحناف وافقوا الجمهور لكان أسهل من حيث أن الفقهاء الأربعة يكون ترتيب الفقه عندهم على نسق واحد. - قال ﵀: - كتاب البيع. البيع: مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. ـ فأما الكتاب: فقوله تعالى - ( ... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... ) -[البقرة/٢٧٥] وهو نص في المسألة. ـ وأما السنة: فجملة عظيمة كثيرة من النصوص المروية بالأسانيد الثابتة عن النبي ﷺ في جواز البيع: - منها: قوله ﷺ في الصحيحين: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).

стр. 1314

ـ وأما الإجماع: فقد حكاه أكثر من واحد من أهل العلم. على أن البيع جائز ولم يخالف فيه أحد. - قال ﵀: - وهو: مبادلة. البيع لم يتعرض المؤلف ﵀ لتعريفه في اللغة. والبيع في اللغة: هو أخذ شيء وإعطاء شيء. وقيل - وهو أجود -: أن البيع لغة هو مطلق المبادلة. والبيع: مشتق في اللغة من المبايعة. وهي: المطاوعة. وقيل: مشتق من الباع لأن كلاً من البائع والمشتري يمد باعه للآخر لتسليم السلعة وأخذ الثمن. ولعل المعنى الأول أقرب. والاعتراض عليه أقل. والبيع من الأضداد الذي يطلق على كل من المتعاقدين إلا أنه عند الاطلاق في العرف واللغة ينصرف إلى باذل السلعة لا إلى باذل الثمن. والمؤلف ﵀ ذكر تعريف البيع في الاصطلاح: - فقال ﵀: - وهومبادلة .... إلى آخره .. لم يتابع المؤلف ﵀ الأصل فهذا مختصر عن المقنع لكنه لم يتابع الأصل في التعريف: لأن تعريف الأصل عليه مؤاخذات كثيرة فعدل المؤلف ﵀ عنه واختار تعريفاً ذكره المرداوي ﵀ ورأى المرداوي أن هذا التعريف أسلم التعاريف ويكاد يخلو من الانتقاد والاعتراض فذكره. وقد أجاد ﵀ بأنه ذكر تعريفا سليماً من الاعتراضات. - قال ﵀: - وهو مبادلة. المبادلة هي: دفع شيء وأخذ آخر عوضاً له. فكل جملة من التعريف مقصود: فلابد أن يكون فيه دفع. ولا بد أن يكون فيه أخذ. ولابد أن يكون الأخذ مبني على أنه عوض عما دفع فإن لم يكن عوضاً وإنما إعطاء جديد فليس بمبادلة. وهذا كله تعريف للمبادلة في اللغة. ولعلك تلمس أن تعريف المبادلة في اللغة قريب من تعريف البيع لأن البيع أيضاً مبادلة ففي الحقيقة بين البيع والمبادلة في لغة العرب تقارب عظيم جداً. ولذلك عرفوه به. يعني: عرفوا البيع بالمبادلة. - قال ﵀: - وهو مبادلة مال ولو في الذمة. المال في الشرع لا يطلق إلا على كل عين مباحة النفع لا لحاجة. وكل عين لا ينطبق عليها هذا التعريف فليست مالاً في الشرع ولو اعتبرها الناس من الأموال. فيشترط في المال: أن يتضمن نفعاً فإن لم يكن فيه نفع فليس بمال شرعاً.

стр. 1315

ويشترط في النفع: أن يكون مباحاً. فإن كان محرماً فليس بمال شرعاً. ويشترط في هذه المنفعة المباحة: أن تكون مباحة إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة. فمثال المباح للحاجة: الكلب. فإنه مباخ النفع لكن للحاجة. يعني: يشترط لجوازه وجود الحاجة: ككلب الماشية والرعي ... إلى آخره. ومثال العين المباحة النفع للضرورة: الميتة. فإن الميتة في حال الضرورة مباحة. لكنها مباحة بهذا القيد وهو الضرورة. وسيخصص المؤلف ﵀ شرطاً كاملاً من شروط البيع في تحديد ماهية العين التي يجوز أن تباع وتشترى ويعتبر من أهم شروط البيع - كما سيأتينا. - قوله ﵀: - وهو مبادلة مال ولو في الذمة. يعني: ولو كان المبيع موصوفاً في الذمة. فلا يشترط في المبيع أن يكون من الأعيان بل يجوز أن يكون موصوفاً في الذمة. والعين الموصوفة في الذمة غالباً ما يسميه الفقهاء: الدين - كما سيأتينا. فإذاً المبيع ربما يكون عيناً قائمة مشاهدة موجودة. وربما يكون موصوفاً في الذمة ولا يوجد حال العقد. مثال الموصوف في الذمة: أن أقول: بعت عليك كتاباً عنوانه كذا ومطبوع في كذا وصفته كذا وكذا وإن لم يكن الكتاب موجوداً حال إجراء العقد. لكن بشروط ستأتينا في كتاب البيع. - ثم قال ﵀: - أو منفعة مباحة. قوله: (أو منفعة مباحة). يعني: إما أن يكون المبيع عيناً سواء كان في الذمة أو مشاهد أو يكون منفعة. ويشترط في هذه المنفعة ما يشترط في العين: وهي: أن تكون هذه المنفعة مباحة وإباحتها إباحة مطلقة لا لحاجة ولا لضرورة. فشراء المنفعة المحرمة باطل شرعاً وليس مما يجوز إجراء العقد عليه - أي المنفعة. مثل المؤلف ﵀ للمنفعة: - بقوله ﵀: - كممر دار. في الحقيقة التمثيل لو كان أدق لكان أحسن. لأن العقد يقع على منفعة المرور لا على الممر لأن الممر عين وهي قطعة من الارض والعقد لا يقع على هذه العين وإلا لكان من الأعيان ولدخل في النوع الأول وإنما هو يريد ﵀ بقوله: (كممر) يعني: كمنفعة ممر.

стр. 1316

فيجب أن يقع العقد على المنفعة لا على الممر وهذا مراده ﵀. وغيره من الحنابلة وضح هذا الأمر. وهو في الحقيقة كان ينبغي أن لا يمثل بكلمة ممر لأن الممر من الأعيان فلو قال: كمنفعة ممر. - ثم قال ﵀: - بمثل أحدهما. قوله: (بمثل أحدهما) الجار والمجرور يتعلق بقوله: (مبادلة) فالمبادلة تكون: للأعيان المباحة أو للمنافع المباحة. لكن المؤلف ﵀ قسم الأعيان إلى: أعيان مشاهدة وأعيان في الذمة. فصارت الأشياء التي يجوز إجراء عقد البيع عليها ثلاثة: ١ - العين المباحة. ٢ - وما في الذمة. وهو الدين. ٣ - والمنفعة. ويستطيع الإنسان أن يوجد من هذه الثلاث أشياء تسع صور تجوز في البيع. ومعلوم أنه إذا بادلت بين هذه الثلاثة أشياء فسيكون عندنا تسع صور. ونأخذ ثلاث صور. ثم أنت تستطيع أن تأخذ ست صور بإجراء نفس العملية. ـ الصورة الأول: بيع عين بعين. بأن نبيع هذا الكتاب بهذه العشرين ريال الموجودة حال إجراء العقد. فهذا بيع عين بعين. ـ الصورة الثانية: بيع عين بدين. وهو الذي يسميه المؤلف ﵀: (ما في الذمة). بأن أقول: اشتريت منك الكتاب أو بعت عليك الكتاب الذي اسمه كذا وصفته كذا بعشرين ريالاً. فأنت تعطيني العشرين ريال الآن والكتاب موصوف في الذمة يسلم لاحقاً وفي موعد يتفق عليه. ـ الصورة الثالثة: بيع عين بمنفعة. بأن أشتري منك منفعة هذا الممر وليس الممر. فالممر لا يجوز لي أن أبيعه ولا أن أتصرف فيه لكن منفعة هذا الممر هي التي وقع عليها العقد. ثم تستطيع أن توجد ست صور بإجراء نفس العملية إلا أنه في الصورة التاسعة وهي: (بيع ما في الذمة بما في الذمة) يشترط لصحة العقد تسليم أحد العوضين في مجلس العقد لكي لا يدخل تحت بيع الدين بالدين وهي الصورة التي اتفق الفقهاء ﵏ على تحريمها. فيما عدا هذه الصورة التاسعة وهي بيع ما في الذمة بما في الذمة فالصور جميعاً جائزة بلا شرط إضافي عدا الشروط الأصلية لصحة إجراء عقد البيع. - ثم قال ﵀: - على التأبيد. أراد أن يخرج بقوله: (على التأبيد): عقدين: - الأول: الإجارة. فإن الإجارة وإن كان شراء منافع إلا أنها: شراء منافع مؤقتة.

стр. 1317

- والثاني: العارية. لأنها ليست بتمليك للمنفعة وإنما هي على اسمها: عارية مؤقتة وترجع. فإذاً هذا القيد أخرج هذين العقدين. وبهذا القيد: استغنى المؤلف ﵀ عن قيد آخر ذكره الفقهاء وهو: قوله بعضهم (على سبيل التمليك): مبادلة مال بمال على سبيل التمليك. فلا نحتاج إلى هذا القيد إذا وضعنا التأبيد لأن التأبيد يخرج الصور التي ليس فيها تمليك. - ثم قال ﵀: - غير ربا وقرض. لو تأملت: فستجد ن التعريف المذكور: ينطبق على الربا تماماً. وينطبق عهلى القرض تماماً. لكن الربا والقرض ليسا من عقود البيع ولذلك استثناه المؤلف ﵀. ـ أما الربا فهو مستثنى لأنه محرم: - ( .. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... ) -[البقرة/٢٧٥] وهو أمر اتفقت عليه الأمة ودلت عليه النصوص المتواترة. ـ وأما القرض: فليس من البيع لأن الملحوظ فيه في الأكثر هو الارفاق لا التمليك. ومعلوم أنه إذا كان يقصد به الإرفاق لا التمليك فليس من البيوع لأن البيوع يقصد فيها المعاوضة على سبيل التمليك. أما القرض فليس كذلك. ويدل على أنه ليس من البيوع: أن القرض نوع من الربا إلا أن الشارع أباحه وأجازه للحاجة إليه وهو من محاسن الشرع وإلا فإن القرض مبادلة مال بمال مع التأخير لكنه جاز للإجماع ولحاجة الناس إليه وليس من البيوع في شيء لأنه يشترط في البيع أن يخلو العقد من الربا ونحن لا نشترط في القرض أن يخلو من الربا ولا من صورة الربا الذي ليس فيه زيادة ولذلك هو فيه نسيئة لكنه جاز بالإجماع كما قلت لحاجة الناس إليه. إذاً تبين معنا لماذا نص المؤلف ﵀ على الربا والقرض: لأنهما لو لم يخرجا لدخلا في تعريف البيع. - ثم قال ﵀: - وينعقد .... ينعقد الييع في الشرع بصورتين فقط: ومعنى (ينعقد) يعني: يوجد. ـ الصورة الأولى: قولية. ـ والصورة الثانية: فعلية. وإنما بدأ المؤلف ﵀ بالصورة القولية: لأنه متفق على جوازها وأخر الفعلية لما فيها من الخلاف بين أهل العلم فقدم المتفق عليه على المختلف فيه. - قال ﵀: - ينعقد بإيجاب وقبول. - الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع.

стр. 1318

- والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري. ويجب أن يكون الإيجاب من البائع والقبول من المشتري وجوباً. إلا ما سيستثنيه المؤلف ﵀. - يقول ﵀: - بإيجاب وقبول بعده. الأصل: أن القبول يجب أن يكون بعد الإيجاب مباشرة. فإذا أوجب البائع فيجب أن يقبل المشتري مباشرة. وهذا هو الأصل: وهو ان يكون القبول بعد الإيجاب. وهذه الصورة التي بدأ بها المؤلف ﵀ إنما بدأ بها لأنها الأصل. - ثم قال ﵀: - وقبله. يعني: ويصح أن يكون القبول قبل الإيجاب. بشرط: أن لا يوجد في الإيجاب ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد. أو بعبارة أخرى: بشرط أن يكون الإيجاب بلفظ الأمر أو الماضي الخالي عن الاستفهام. إذاً: يشترط في الإيجاب إذا تقدم على القبول ان لا يقترن به ما يدل على عدم إرادة إيقاع العقد. فإن اقترن به ما يدل على ذلك: لم يتم العقد. فإذا قال: أتبيع علي؟ فهذا ليس بإيجاب مقبول ولو قال البائع: نعم. فإن العقد باطل. لأنه يشترط في حال تقدم الإيجاب أن لا يقترن بما يدل على عدم إرادة العقد. إذاً: يجوز: = عند الحنابلة تقدم القبول لكن بهذا الشرط. فإن تقدم القبول بغير هذا الشرط فإن العقد باطل ولو استوفى أركانه. = والقول الثاني: أن الإيجاب والقبول يصح بأي صيغة وبأي كيفية بلا مراعاة للترتيب ولا للصيغة ما دام العاقدان يريدان إيقاع العقد. فما داموا يريدون أيقاع العقد فالعقد صحيح بلا شرط ولا قيد: - تقدم الإيجاب أو تأخر القبول وحصل العكس أو احتف به ما يدل على التردد فما دام أن كلاً من العاقدين يريد إيقاع العقد فالعقد صحيح. وإلى هذا: ذهب شيخ الإسلام ﵀ وانتصر له بأدلة كثيرة ويمكن أن يفهم هذا القول أيضاً من تعليلات الشيخ الفقيه ابن قدامة ﵀ كما سيأتينا. فتعليلات الشيخ ﵀ تدل أيضاً على أنه يميل إلى هذا القول. - ثم قال ﵀: - ومتراخياً عنه في مجلسه. يعني: يجوز أن يقع القبول متراخياً عن الإيجاب بشرط أيقع ذلك في المجلس. فإن وقع القبول بعد المجلس فإن العقد باطل ولابد من إعادة العقد من جديد بإيجاب وقبول جديدين.

стр. 1319

فإذا قال زيد لعمرو: بعتك السيارة. ولم يجب عمرو حت قاموا من المجلس ووصل كل واحد منهما إلى بيته فاتصل وقال: قبلت. = فعلى المذهب: العقد باطل ولابد من إجراء العقد من جديد. بأ يقول البائع: بعتك السيارة. فيقول: المشتري: قبلت. فإن قال المشتري: قبلت. بدون إيجاب جديد فالعقد باطل. لماذا؟ لأن الحنابلة يشترطون مع التراخي أن يكون الإيجاب في المجلس. دليلهم: - قالوا: الدليل على ذلك: أن المجلس في معنى العقد. يعني: ما دام المجلس موجوداً كأن العقد وهو العرض موجود وهو الإيجاب فإذا انفض المجلس فكأن المشتري رد البيع وإذا رد المشتري لبيع لم يمكن أن يعقد إلا بإيجاب جديد لأن القبول وقع من غير إيجاب لأن الإيجاب الأول رد في المعنى. = والقول الثاني: أن الإيجاب يصح مع التراخي ولو في غير المجلس ولو تراخى الأمر وقتاً طويلاً. - لأنه لا يوجد دليل على اشتراط البقا في المجلس مع التراخي. وإلى هذا أيضاً: ذهب شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. وهو القول الصواب. * * فإن قيل يلزم من هذا أن نلزم الموجب الذي هو البائع بعقد قد يكون رجع عنه؟ فإذ قال شخص: - زيد لعمرو - بعتك السيارة وجاء عمرو بعد ست ساعات فقال: نعم. فنكون ألزمنا البائع بأن يبيع وقد يكون صرف النظر عن البيع؟ فالجواب: أن هذا ليس بصحيح. لأنه إذا جاب المشتري وقال: قبلت. صار هذا مجلس العقد الجديد ومجلس العقد للبائع والمشتري فيه الخيار فللبائع أن يقول: عدلت عن البيع. فليس في تأخير الإيجاب أي نوع من أنواع إلزام البائع لأن له بمقتضى خيار المجلس أن يرفض البيعة. - ثم قال ﵀: - فإن اشتغلا بما يقطعه: بطل. هذا هو الشرط الثاني: أن يكون في المجلس ويضاً أن لا يشتغل بما يقطع الرد. فإن أوجب البائع واشتغل المشتري بشيء خارج عن موضوع العقد ثم ىجاب بعد ذلك فالبيع باطل ويحتاج كل منهما إلى إعادة العقد بأن يعيد الإيجاب ويعيد المشتري القبول. والدليل: - هو الدليل الأول: أن في تشاغل المشتري ما يدل على الإعراض والرد. فالإيجاب الأول مردود فيحتاج القبول الثاني إلى إيجاب جديد.

стр. 1320

والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألتين السابقتين تماماً إذ لا دليل على هذا التفصيل وما زال المسلمون يتبايعون هذه المبايعات ولو اشتغلوا بغير العقد الذي تكلموا فيه وتتم هذه البيوع ولم ينقل عن أحد من السلف الإبطال بمثل هذه الانقطاعات. فالصواب أنه جائز ولا حرج فيه والعقد صحيح بلا حاجة إلى إجراء عقد صوري جديد. - ثم قال ﵀: - وهي الصيغة القولية. يعني: وما تقدم من الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية. - ثم قال ﵀: - وبمعاطاة وهي الفعلية. الصورة الثانية لإيجاد العقد في الشرع: الصيغة الفعلية وهي: المعاطاة. = ذهب الحنابلة والمالكية والأحناف والجماهير إلى أن عقد المعاطاة: صحيح ونافذ. واستدلوا على هذا: - بأن عقد البيع جاء في القرآن والسنة مطلقاً غير مقيد بشيء. ولم يبين القرآن ولا السنة كيفية تفصيلية لإجراء عقود البيع. وكل عقد جاء في الشرع ولم يحدد بصفة وكيفية معينة فإنه يرجع في كيفيته إلى العرف. وإذا رجعنا إلى العرف فإن العرف يقر إجراء العقود بالمعاطاة والمبادلة ولو لم يكن في أثناء هذه المبادلة صيغة قولية. = والقول الثاني: للشافعية. وهو أنه لا يمكن إجراء عقد البيع إلا بصيغة قولية. والسبب: أن الشافعي ﵀ لا ينظر إلى حقيقة العقود بقدر ما ينظر إلى صيغ وأشكال العقود. فهو يقول: وإن كان قصد كلاً من المتبايعين إيقاع العقد إلا أنا لا ننظر لهذا القصد وأنا ننظر إلى الشكل الظاهر وهو لم يوجد صيغة قولية تفيد إرادة البيع.

стр. 1321

وهذا المبدأ عند الشافعي من أضعف المباديء وهو أنه ينظر للصورة لا للحقيقة. فإن هذا المبدأ عند الإمام الشافعي أدى به إلى المنع من العقود الجائزة وأدى به في نفس الوقت إلى إجازة عقود باطلة فهو في الحقيقة من أضعف أصول الشافعي وهو أصل ليس عند الإمام أحمد ﵀ ولا عند مالك ﵀ لكنه من أصول الشافعي التي يستغرب الإنسان من الشافعي أن يؤصل مثل هذا الأصل وهو: أن العبرة عنده بظاهر وشكل العقد لا بحقيقته. وكما قلت لكم: أدى به إلى المنع من شيء واضح الجواز: كمسألتنا هذه وإلى جواز صور هي من الحيل الظاهرة التي يكاد جميع الفقهاء فيما عدا الشافعي يحرمها إلا هو نظراً منه إلى ظاهر العقد - كما سيأتينا في كتاب البيوع أمثلة كثيرة. والراجح: كما هو واضح هو مذهب الجماهير. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى مبحث من أهم المباحث وهو: الشروط. - فقال ﵀ - ويشترط ... اشترط الفقهاء لصحة عقثد البيع سبعة شروط. لا يصح العقد إلا إذا توفرت. ولعل المؤلف ﵀ رتب هذه الشروط حسب الأهمية فسيأتينتا أن الشرط الثاني من أهم الشروط إلا أن الشرط الأول هو مبدأ إجراء العقد فبدأ به المؤلف ﵀. الشرط الأول: - قال ﵀: - (١) التراضي منهما. يشترط لصحة البيع التراضي. والتراضي هو: أن يقع العقد باختيار كل من الطرفين. فإذا فقد الاختيار فقد التراضي. والدليل على هذا الشرط: - قوله تعالى: - ( ... إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ... ) -[النساء/٢٩]. فنصت الآية على أنه لابد من التراضي في التجارة. = وذهب إلى اشتراط التراضي: الجماهير. فكلهم رأى أن العقد لا يصح إلا بالتراضي. والخلاف الذي يوجد في التراضي هو من وجهة نظري خلاف شاذ فيما يتعلق بإسقاط هذا الشرط. أما ما يتعلق بتصحيحه مع بقاء الخيار للعاقدين فهذا خلاف قد يكون معتبراً لكنه يؤول إلى اشتراط التراضي فلا حاجة للتطويل به. أما القول: بأن التراضي ليس بشرط وأنه نكتفي بظاهر قبول وإيجاب العاقدين فهو قول شاذ بعيد عن مقاصد الشرع والنصوص الفقهاء المحققين. - قال ﵀: - فلا يصح من مكره بلا حق.

стр. 1322

الإكراه نقيض التراضي تماماً. ولذلك نص عليه المؤلف ﵀. والإكراه ينقسم إلى قسمين: - إكراه بغير حق. وهو المقصود بالبحث والذي ذُكِرَتْ له الأدلة في إبطال العقد إذا جرى معه - يعني: مع الإكراه الذي بغير حق. - القسم الثاني: الإكراه بحق وهذا يصح معه العقد. لأنا إنما أبطلنا رضى البائع بحق. وإذا سقط الشرط بحق صح العقد. ومن أمثلة هذا السقوط: أن يُلزِم الحاكم المدين ببيع أحد أمتعته أو مملوكاته لوفاء الدين الذي عليه - أي لوفاء الدين الحال الذي عليه. فهذا العقد ولو كان مع عدم رضى البائع فهو عقد صحيح نافذ تنبني عليه كل فروع صحة عقد البيع. * * مسألة / ذكرها العلماء: وهي مفيدة في وقتنا هذا: - إذا أكره الإنسان على دفع مال فباع متاعه ليدفع المال: فحكم هذا العقد: = عند الحنابلة: أنه صحيح مع الكراهة. ـ أما أنه صحيح عند الحنابلة: فلأن الإكراه وقع على دفع المال لا على البيع. وإذا كان الإكراه لا يتعلق بالعين المباعة التي جرى عليها العقد: فالعقد صحيح. وهذا دليل الصحة. ـ وأما الكراهة فدليلها: أن هذا المكره غالباً سيبيع السلعة بأقل من ثمنها. ولذلك قالوا: هو مكروه. = القول الثاني: أن هذا البيع صحيح بلا كراهة. وهو قول تبناه شيخ الإسلام ﵀. دليله: - أن القول بكراهة هذا العقد قد يؤدي إلى عدم الشراء من هذا المضطر فنوقع هذا المضطر في ضرر زائد. وهذا العقد يسمى عند الفقهاء: بيع الاضطرار. وهذا العقد يقع في وقتنا هذا كثيراً فيما يستخدمه الناس بالتورق فتجد الشخص يشتري سيارة بقيمة مؤجلة ثم يبيع هذه السيارة بقيمة حاضرة أقل قطعاً من القيمة المؤجلة بل هي أقل من سعر المثل. فهل هذه الصورة المعاصرة تدخل في بيع المضطر؟ ـ على الخلاف فيه. ومن وجهة نظري: أنه ينقسم إلى قسمين:

стр. 1323

- القسم الأول: أن يشتري السيارة بالتقسيط - يعني: بثمن مؤجل زائد - بغرض التجارة. فهذا ليس من بيع المضطر لأنه ليس بمضطر إلى أن يجري هذا العقد وإنما يريد التزيد والتجارات. فهذا ليس من بيع المضطر في شيء ولا يأخذ أي حكم من أحكام بيع المضطر. - وأنتم الآن سمعتم الخلاف في بيع المضطر ومن أحكام بيع المضطر المتفق عليها: أنه ينبغي لمن استطاع أن يراعي المضطر أن يراعيه بأن يشتري بسعر المثل وليس من المراعاة أن لا يشتري لأنه يوقع هذا المضطر في إحراج لكن من المراعاة أن يشتري بسعر المثل. إذاً: القسم الأول ليس من بيع المضطر وإن كانت صورته صورة بيع الضطر لأن الإنسان لا يمكن أن يشتري ويجعل في ذمته مبلغاً أكثر من قيمة البيع الحال إلا وهو مضطر. - القسم الثاني: أن يفعل ذلك اضطراراً. كأن يريد أن يتزوج أو يريد أن يسدد ديناً حالاً اضطر إليه أو أن يريد العلاج كما يصنعه بعض الناس. فهذا القسم الثاني من بيع المضطر وتتنزل عليه الأحكام التي ذكرها الفقهاء لبيع المضطر. - ثم قال ﵀: - (٢) أن يكون العاقد جائز التصرف. الشرط الثاني لصحة العقد: أن يكون العاقد جائز التصرف. وجائز التصرف هو: الحر المكلف الرشيد. فيشترط أن يكون حراً وأن يكون بالغاً عاقلاً وأن يكون رشيداً يحسن التصرف في الأموال. ومقصود الفقهاء بقولهم (يحسن التصرف في الأموال) أي: فلا يقع في السفاهات والتصرفات التي يحكم عليه بها أنه سفيه ولا يقصدون بقولهم (يحسن التصرف) أن يكون تاجراً متميزاً عارفاً بالصنعة فإن هذا لا يشترط: فمن الناس من يحسن التجارة ومنهم من لا يحسن التجارة. ومن لا يحسن التجارة: لا يمنع من البيع والشراء. فإذاً مقصودهم هو هذا: أن لا يكون أخرقاً يقع في السفاهات وسيأتينا مزيد إيضاح في كتاب الحجر فهو مبحث مهم من مباحث كتاب الحجر. الدليل على اشتراط هذا الشرط: - قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) -[النساء/٦] فلابد أن يبلغ النكاح. يعني: أن يبلغ وأن يكون رشيداً.

стр. 1324

لما ذكر المؤلف ﵀ هذا الشرط وذكرنا الآن دليل هذا الشرط وأن العقد لا يصح إلا بتوفر أهلية العاقد ذكر ما يشبه الاستثناء: - فقال ﵀: - فلا يصح تصرف صبي وسفيه: بغير إذن ولي. تصرف الصبي والسفيه: معلوم أنه لا يصح من الشرط الأساسي وإنما أعاده المؤلف ﵀ ليبين أنه يستثنى بحكم وهو: جواز تصرف الصبي والسفيه بشرط: إذن الولي. وهذا الحكم خاص بالصبي والسفيه. فالمجنون: لا يجوز أن يعقد ولو أذن له الولي. فإنه ليس بأهل للعقود. إذاً: يستثنى من هذا الشرط الصبي والسفيه إذا أذن لهما الولي. والدليل على أنه يستثنى إذن الولي: - قوله تعالى: - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... ) -[النساء/٦] وابتلاء اليتامى لا يكون إلا بتمكينهم من إجراء بعض العقود لينظر هل يحسنوا العقد أو لا؟ فدلت الآية على أن لولي الصبي والسفيه أن يأذن لهما بإجراء العقود. ويشترط في إذن الولي شرطان: - الأول: أن لا يأذن لهما إلا بما فيه مصلحة. فإن أذن لهما بما لا مصلحة فيه فإذنه باطل والعقد باطل. - والثاني: أن يأذن لهما إذناًً مقيداً لا مطلقاً بأن يأذن لهما بإجراء عقد أو أكثر من عقد لكنها معلومة معينة مقيدة أما الإذن المطلق فهو ينتنافى مع اشتراط أهلية العاقد. * * مسألة / فإذا أذن لهما الولي فإنه يجوز إجراء العقد من قبل الصبي في الكثير والقليل. لو يأذن لهما ببيع - مهما كان من الأعيان - الباهضة في الثمن فالعقد صحيح ما دام أنه جرى بإذن الولي. لأنا نفترض أن الولي لن يأذن إلا بما فيه مصلحة للصبي. * * مسألة/ وإذا أذن الولي للصبي فللصبي أن يباشر العقد ولا يشترط أن يباشر العقد الولي. * * مسألة/ الصبي والسفيه: لا يجوز لهما إجراء العقود بلا إذن الأولياء إلا فيما كان يسيراً فإذا كان الشيء الذي يباع أو يشترى شيئاً يسيراً فإنه يصح العقد. والدليل على ذلك: - أن صبيان الصحابة والناس ما زالوا يبيعون ويشترون فيما خف وسهل من الأمور. فدل هذا على أن الشارع أجاز مثل هذه الأمور إذ لم ينقل عن أحد من الصحابة منع الصبيان من إجراء العقود التي جرى العرف بها مما هو يسير.

стр. 1325

الأمر الثاني: أن اليسير أمره خفيف ولا مضرة فيه ظاهرة على الصبي وفيه تمرين عليه فجاز لتحقيق هذه المصالح. وبهذا انتهى الشرط الثاني ونبدأ إن شاء الله في الدرس القادم بالشرط الثالث.

стр. 1326

شرح كتاب البيع الدرس رقم (٢) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا الكلام عن شروط البيع وأخذنا الشرط الأول والثاني ونبدأ اليوم بالشرط الثالث. - قال ﵀: - وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة. الشرط الثالث: أن تكون العين المباعة مالاً شرعاً. أي: أن تعتبر من الأموال في الشريعة. والمال في الشرع: هو كل عين فيها منفعة مباحة لغير حاجة. وخرج بهذا القيد: العين التي ليس فيها منفعة: كالحشرات. فإنها أعيان لكن لا منفعة فيها فهي ليست مالاً في الشرع. وخرج بهذا القيد: الأعيان التي فيها منفعة لكنها محرمة: كالخمر. فإنه ليس بمال في الشرع. وخرج أيضاً: الأعيان التي فيها منفعة مباحة لكن عند الضرورة: كالميتة. فهذه ليست بمال شرعاً. وخرج أيضاً: الأعيان التي فيها منفعة مباحة للحاجة: كالكلب. فهذه ليست مالاً شرعياً. إذاً يشترط في المبيع ليجوز بيعه وشرائه: أن يكون مالاً شرعياً. والمال الشرعي هو: ما اتصف بالصفات السابقة. ولما بين المؤلف ﵀ القاعدة العامة ذكر أمثلة لهذه القاعدة لكنه راعى في الأمثلة أن ينوع في المسائل ليشمل أجناس الأعيان التي يجوز أن تشترى وتباع: - فقال ﵀: - كالبغل والحمار. البغل والحمار من الأموال الشرعية. يعني: مال في الشرع فيجوز أن يباع وأن يشترى. وأشار المؤلف ﵀ بهذا المثال إلى أن الأعيان التي يجوز أن تباع وتشترى لا يشترط أن يتفق على طهارتها بل هي من الأموال الشرعية ولو اختلف في طهارتها كالخمار والبغل: = فمن الفقهاء ﵏ من يرى أنها طاهرة. = ومن الفقهاء ﵏ من يرى أنها نجسة. والدليل على جواز بيع وشراء البغل والحمار من وجهين:

стр. 1327

- الوجه الأول: أن الحمار عين مباحة الاقتناء بلا حاجة وفيها نفع مباح. - والوجه الثاني: الإجماع. فإن الأمة ما زالت من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا وهي تبيع وتشتري الحمير والبغال بلا نكير من أحد. فهو إجماع. والمؤلف ﵀ بدأ بالبغل والحمار لأنا سنقيس عليها أشياء ولأنه متفق في الجملة على جواز بيعه. - ثم قال ﵀: - ودود القز وبزره. دود القز: هو الدود الذي ينتج القز. والقز هو: أفخم أنواع الحرير. فهذا النوع من الحشرات يجوز أن يباع ويشترى. والدليل على جواز بيعه وشرائه: - أن هذه العين عين طاهرة فيها نفع مباح. وهذا الدليل هو قاعدة الشرط الثالث. وهو أن يكون المبيع فيه نفع مباح. فإذاً هذه الدودة التي تنتج هذا النوع لا بأس ببيعها وشرائها لما تقدم من أنها عين طاهرة وأيضاً مباحة النفع. وبزره: هو الدود قبل أن يبدأ بالدب يعني: صغيره. وإنما نص المؤلف ﵀ عليه: ليفيد أن ما يجوز بيعه لنفعه يجوز وإن كان النفع سيأتي في المستقبل ولا يشترط في المبيع أن يكون النفع الذي يرجى منه موجود في الحاضر ولذلك نص على بزره. - ثم قال ﵀: - والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد. - الفيل: حيوان معروف. وينتفع به في أمرين: ـ الأمر الأول: في الحرب فهو من أعظم الدواب التي يقاتل بها. ـ والأمر الثاني: في نقل الأمتعة وغيرها. هذا بالنسبة للفيل. - الثاني: سباع البهائم. أيضاً سباع البهائم يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط: وهو أن تصلح للصيد. فإن كانت لا تصلح للصيد فلا يجوز أن تباع أو أن تشترى لأنه لا فائدة فيها. = ذهب الجماهير وأكثر أهل العلم - بل إن بعض الفقهاء حكاه إجماعاً: إلى جواز بيع وشراء الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد. واستدلوا على هذا الحكم: - بأن فيها نفعاً مباحاً. - وبأنه يجوز أن تقتنى بلا حاجة. - وبالقياس على الحمار. = والقول الثاني: أن سباع البهائم لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع. وإليه ذهب عدد قليل من أهل العلم. واستدلوا بأمرين: - الأمر الأول: أنها أعيان نجسة. - والأمر الثاني: القياس على الكلب. وسيأتينا حكم بيع وشراء الكلب.

стр. 1328

والراجح والله أعلم جواز بيع سباع البهائم التي ينتفع بها في الصيد والفيلة التي تستخدم استخدامات نافعة ومباحة. وهو مذهب الجماهير: لأن القياس على الكلب قياس فيه نظر من وجهين: - الوجه الأول: أن إلحاق السباع بالحمار أقرب. لأن الحمار وإن كان نجساً: جاز بيعه وشرائه فكذلك سباع البهائم. فالنجاسة لا تمنع دائماً من البيع والشراء. - والوجه الثاني: أن الشارع الحكيم خص الكلب بجملة من الأحكام. فالكلب يغسل من ولوغه سبعاً وأمر في أول الإسلام بقتله والأسود منه يقطع الصلاة. فخصه الشارع بجملة من الأحكام فلا يقاس عليه غيره من الأعيان الأخرى يعني: من البهائم. والخلاصة: أن الراجح جواز بيع وشراء سباع البهائم بهذا الشرط. * * مسألة/ الذي يظهر لي: أن الفقهاء ﵏ إنما نصوا على أن يكون مما يصلح للصيد: لأن هذا العمل هو الذي ينتفع به بسباع البهائم في وقتهم. فإن أمكن أن ينتفع بسباع البهائم بشيء غير الصيد كما هو في وقتنا الحاضر: ينتفعون به بأشياء كثيرة فإنه أيضاً يجوز لأن العلة والمناط هو أن ينتفع به في شيء مباح. فإذا حصل الانتفاع جاز ولو لغير الصيد. - ثم قال ﵀: - إلاّ الكلب. يعني: فلا يجوز أن يباع ولا أن يشترى. = ذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الفقهاء ﵏ إلى أن بيع وشراء الكلب: محرم. - لما ثبت في الصحيحين: بأسانيد صحيحة ثابتة: أن النبي ﷺ : نهى عن ثمن الكلب. - ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ثمن الكلب خبيث). - ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال في بائع الكلب: (فإن جاء يوماً يطلب الثمن فاملأ كفه من التراب). وهذه الأحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في السنن ومجموعها يدل دلالة واضحة على أن الشارع نهى وأبطل بيع الكلب. = القول الثاني: أن الكلب يجوز أن يباع وأن يشترى. - لأن فيه نفعاً مباحاً بل نفعه أكبر من غيره من الحيوانات. وهو أطوع وأقبل للتعليم. وإلى هذا ذهب الأحناف.

стр. 1329

وهذا القول: قول شاذ ضعيف وأحسن ما يقال في من ذهب إليه: أنه لم تبلغهم النصوص وإلا فإنه ليس للإنسان أن يخالف هذه النصوص الصريحة الصحيحة مع عمل السلف لمجرد علل يصادم بها النصوص. = والقول الثالث: أنه يجوز بيع الكلب المعلم دون غيره. - لما رواه النسائي في سننه أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. والجواب: أن الإمام النسائي نفسه ﵀ لما أخرج هذا الحديث قال: وهو حديث منكر. فهذا الاستثناء ضعيف ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ . والراجح: القول الأول وهو مذهب الجماهير الذي يتفق مع النصوص الصريحة الصحيحة. - ثم قال ﵀: - والحشرات. يعني: ولا يجوز أن تباع الحشرات. - لأنه يشترط في المبيع أن يكون له نفع. والحشرات ليس لها نفع فالعقد عليها باطل لأنها ليست من الأموال الشرعية. وعلم من تعليل الفقهاء أنه لو كان لبعض الحشرات التي ليس لها نفع في السابق نفع في اللاحق أو في وقتنا هذا المعاصر فإنها تصبح من الأموال. فلو جمع الإنسان حشرات بكميات كبيرة وباعها على المختبرات فإن العقد عقد صحيح لأنه عقد على عين فيها منفعة وإنما أبطل الفقهاء ﵏ البيع في الحشرات لأنه ليس لها في وقتهم أي نفع لا مباح ولا غير مباح. - ثم قال ﵀: - والمصحف. = المصحف لا يجوز أن يباع ولا يشترى عند الحنابلة. وقد انتقد كثير من الشراح كون المؤلف يعطف المصحف على الحشرات. ولو أنه أعاد الفعل مع حرف العطف وجعل منع بيع المصحف في جملة مستقلة لكان أولى وأحسن وأكثر أدباً مع المصحف. = ذهب الحنابلة إلى أنه لايجوز أن يباع المصحف ولا يكره أن يشرى استنقاذاً. إذاً مذهب الحنابلة لا يصح ولا يجوز بيع المصحف ولا يكره أن يشترى إذا كان على سبيل الاستنقاذ. واستدلوا على هذا الحكم بدليلين: - الدليل الأول: أن ابن عكر ﵁ وددت أن الأيدي تقطع فيه. يعني: في بيع المصحف. - والدليل الثاني: احتراماً وتقديراً ورفعةً للقرآن أن يكون من السلع التي تباع وتشترى. = القول الثاني: أنه لا بأس ببيعه ولا حرج. - لأن العقد يقع على الورق والحبر لا على كلام الله.

стр. 1330

- ولأن الحاجة تدعو إلى مثل هذا. - ولأنه ما زال المسلمون يتبايعون على المصاحف من غير نكير. والعمل على القول الثاني. - ثم قال ﵀: - والميتة. يعني: ولا يجوز بيع الميتة. وبيع الميتة: محرم بالإجماع. - لحديث جابر ﵁ في الصحيح أنه قال: إن الله ورسوله يحرمان بيع الميتة والخنزير والأصنام والخمر. فدل النص والإجماع على تحريم بيع الميتة. - والتعليل يدل على ذلك: لأنها نجسة. فإذاً: لا يجوز بيع ولا شراء الميتة وهذا أمر واضح ومجمع عليه. وقوله (والميتة). يستثنى من ذلك: ميتتان وهما: - السمك. - والجراد. لأن ميتة السمك وميتة الجراد طاهرة ويجوز أن ينتفع بها: فجاز بيعها وشرائها. - ثم قال ﵀: - والسرجين النجس. السرجين: كلمة فارسية معربة. ومعناها: الروث أو السماد. وقوله: (النجس) يعني: الأرواث النجسة وهي أرواث غير مأمولة اللحم من الحيوان. فالأرواث النجسة لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى. لدليلين: - الأول: أنها نجسة. - والثاني: قياساً على الميتة. = والقول الثاني: أنه يجوز أن تباع وأن تشترى. - لأن عمل الناس ما زال على ذلك. والراجح والله أعلم: أنه لا يجوز أن تباع ولا تشترى. لأن عمل الناس لا يؤخذ به إذا صادم النص أو معنى النص. ولأن عمل الناس إنما يعتد به ويعتبر إذا صدر ممن هو أهل لاعتباره كعمل الصحابة أو السلف وأما عمل العوام فلا عبرة به. فإذاً لا يجوز أن يشتري الإنسان سماد الحمار ولا البغل ولا الفيل ولا الإنسان ولا كل ما حكمنا على روثه بأنه نجس. - ثم قال ﵀: - والأدهان النجسة. لا يجوز بيع ولا شراء الأدهان النجسة. لأنها نجسة. وهي تقاس قياساً جلياً على شحم الميتة المجمع على تحريمه. فإذاً الأدهان النجسة لا يجوز أن تباع ولا يجوز أن تشترى لأنها نجسة وأيضاً كما قلت قياساً على شحم الميتة. - ثم قال ﵀: - ولا المتنجسة. سقط على المحقق وفقه الله حرف الواو وهي ثابتة في كل النسخ كأنها سقطت منه وهماً فالذي معه هذه النسخة يضيف (ولا المتنجسة). الأدهان المتنجسة يقصد بها الأدهان التي هي في الأصل طاهرة ثم تنجست بوقوع نجاسة فيها.

стр. 1331

= فعند الحنابلة: لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع. - قياساً على الشحم في الميتة. - وقياساً على الأدهان نجسة الأعيان. وهي المسألة السابقة. = والقول الثاني: أن الأدهان المتنجسة يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط أن يمكن تطهيرها. فإذا أمكن أن تطهر جاز أن تباع. واستدلوا على ذلك: - بأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذا كانت هذه الأدهان ستؤول إلى الطهارة فإذاً زالت علة المنع. وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من أهل العلم. والراجح والله أعلم في هذه المسألة: مذهب الحنابلة. والسبب: أن الأدهان المتنجسة هي عرف الشرع نجسة وإن كان أصلها طاهراً لكنها الآن نجسة. ويقولون: الحكم يدور مع علته. نقول: صحيح الحكم يدور مع علته فهي الآن نجسة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وإذا كان يمكن أن تطهر فلتطهر قبل البيع. فالذي يظهر لي بوضوح: أن الأدهان إذا كانت متنجسة وإن كانت في الأصل طاهرة الأعيان إلا أنها الآن نجسة فيجب أن تطهر قبل أن تباع أو أن تشترى. - ثم قال ﵀: - ويجوز الإستصباح بها. الضمير في قوله: (بها) يعود على: المتنجسة دون النجسة. فيجوز الاستصباح يعني: استخدام هذا الدهن في إشعال الضوء. ولا يجوز الاستصباح بالنجسة. إذاً: نحتاج إلى دليلين: - الأول: على جواز الاستصباح بالمتنجسة. - والثاني: وعلى المنع من النجسة. ـ أما جواز الاستصباح بالمتنجسة: فالدليل عليه: القياس على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغة فإن جلد الميتة بعد الدباغة يبقى نجساً عند الحنابلة ومع ذلك يجوز الانتفاع به فنقيس عليه الأدهان المتنجسة. ـ وأما الدليل على المنع من النجسة فحديث جابر المتقدم حيث ذكر فيه: أن الله ورسوله حرم الميتة والخنزير والأصنام والخمر فقالوا: أرأيت يا رسول الله شحم الميت فإنه تطلى به السفن وتدهن به الجلود ويستصبح به الناس فقال النبي ﷺ (لا. هو حرام).قال الحنابلة يعني: الانتفاع حرام. فدل الحديث بنصه على أن الانتفاع بالنجسة لا يجوز لا بالاستصباح ولا بدهن الجلود ولا السفن ولا بغير ذلك من أنواع الانتفاع. = والقول الثاني: أنه يجوز الانتفاع بالنجسة والمتنجسة.

стр. 1332

- لأن قوله ﷺ : (لا. هو حرام) ينصرف إلى المسئول عنه وهو البيع لا إلى الانتفاع الذي ليس هو موضوع السياق. وهذا القول أقرب إن شاء الله: أن الانتفاع بالأعيان النجسة لا بأس به وله نظائر في الشرع فهذا الكلب لا يجوز أن يباع ولا أن يشترى ويجوز ان ينتفع به: بالصيد أو الحراسة أو الزرع أو بغير ذلك مما أجازه الشارع. وإذا كان لهذا الحكم نظير في الشرع صاغ لنا أن نحكم به. المسألة الثانية: - يقول ﵀: - في غير مسجد. يجوز الاستصباح بالمتنجسة لكن لا يجوز أن يكون ذلك في المسجد. - لأن الدخان الذي يخرج بعد الإحراق نجس فلا يجوز أن ندخله إلى المسجد. وهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل الاستحالة تطهر بها العين النجسة أو لا تطهر؟ وتقدمت معنا في كتاب الطهارة وأن الراجح إن شاء الله: بلا إشكال أن الاستحالة تطهر الأعيان النجسة لأنها تقلب العين النجسة من عين إلى عين أخرى تختلف في الصفات والشارع الحكيم إنما يربط الأحكام بالعلل والأوصاف وأوصاف هذه العين النجسة زالت وأصبحت عيناً أخرى طاهرة. فإذاً الأقرب أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة. فبناءً على ذلك: يجوز الاستصباح في المسجد وفي غير المسجد. - ثم قال ﵀: - وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه. الشرط الرابع من شروط البيع: أن يصدر العقد من مالك السلعة أو ممن يقوم مقامه من وكيل أو غيره. فإن صدر من غير المالك فالعقد باطل. الدليل على هذا الشرط: - قوله ﷺ في حديث حكيم بن حزام ﵁: (لا تبع ما ليس عندك). وجه الاستدلال: أنه لا يمكن حمل الحديث إلا على أحد معنيين: ـ المعنى الأول: لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع مالك الغائب. ـ أو لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع ماليس مملوكاً لك. ولا يمكن حمله على المعنى الأول: لأن أهل العلم أجمعوا على جواز العين المملوكة الغائبة أجمعوا على جوازها. إذاً: لم يبق إلا أن يحمل على: (لا تبع ما ليس مملوكاً لك). وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث وهو ظاهر كما رأيت فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بغير ملكه.

стр. 1333

- الدليل الثاني: أن ما لا يملك الإنسان هو ملك لغيره والنبي ﷺ يقول: (لا يجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). فليس للإنسان أن يتصرف في مال غيره شرعاً. الدليل الثالث: أن هذا الشرط في الجملة مجمع عليه فيما عدا مسائل ستأتينا أما في الجملة فإنه مجمع عليه أنه ليس للإنسان أن يبيع ما لا يملك. - قال ﵀ - فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بلا إذنه: لم يصح. إذا باع ملك غيره، أو اشترى ملك غيره بغير ماله: فالعقد باطل. لوجهين: - الوجه الأول: ما تقدم معنا من حديث حكيم. والأدلة الدالة على تحريم بيع ما لا يملك الإنسان. - والوجه الثاني: أنه لا يقدر على تسليم هذه العين لأنها ليست من أملاكه. فإذاً دل على هذا الحكم هذان الدليلان. = القول الثاني: في هذه المسألة - أن الإنسان إذا باع أو اشترى بغير ملكه فإن العقد يكون صحيحاً ويوقف على إجازة المالك فإن أجاز صح العقد وإلا بطل. واستدل أصحاب هذا القول: - بحديث عروة ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري شاةً فاشترى بالدينار شاتين ثم وهو راجع إلى النبي ﷺ باع إحداهما فرجع إلى النبي ﷺ بدينار وشاة فقال له النبي ﷺ : (بارك الله لك في صفقة يمينك). والدعاء من النبي ﷺ إقرار له على عمله. فهذا الصحابي الجليل تصرف وتصرف بالبيع والشراء ففي العقد الأول: اشترى من دون إذن المشترى له وفي العقد الثاني: باع من دون إذن مالك السلعة ومع ذلك صحح النبي ﷺ العقدين بل ودعا له. وهذا القول: هو القول الراجح لأن الحديث صريح فيه ولا يمكن الخروج عن هذا الحديث الصريح الذي فيه إقرار بيع وتصرف الفضولي إذا أجازه المالك. - ثم قال ﵀: - وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد: صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكاً. هذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي يصحح فيها الحنابلة تصرف الفضولي. فتصرف الفضولي وهو: من لا يملك. يصح عند الحنابلة بشرطين:

стр. 1334

- الشرط الأول: أن يشتري في الذمة. ولا يشتري بعين ماله ولا بعين مال الآخرين. - والشرط الثاني: أن لا يسمي من اشترى له في العقد. فإذا وجد الشرطان صح العقد. فإن أجاز المشترى له: تم العقد وأصبحت السلعة ملكاً له. وإن رفض: لزمت السلعة من اشتراها لأنه لم يسم أثناء العقد أحداً. فلزمته السلعة وليس له أن يرد السلعة إلى البائع إذا لم يجز المشترى له. = والقول الثاني: أنه يجوز أن يشتري لغيره. سواء في الذمة أو بمعين. وسواء كان المعين من مال نفسه أي: المشتري المتصرف تصرف الفضولي. أو من مال المشترى له. وسواء سماه أي من اشترى له أو لم يسمه ففي جميع الصور يصح ويجوز العقد بشرط إجازة المالك. واستدل أصحاب هذا القول: - بالأدلة المذكور في المسألة السابقة. فيجوز استدلالاً بحديث عروة ﵁. ولا إشكال أنه يجوز إن شاء الله في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية. - ثم قال ﵀: - ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة: كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر. قوله: (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة). أولاً: يقصد المؤلف ﵀ الأراضي التي فتحت عنوة ولم تقسم. ولو أنه ذكر هذا القيد لكان أوضح. إذاً هو يقصد الأراضي التي لم تقسم كأرض الشام ومصر والعراق. الأراضي المفتوحة عنوة التي رأى الإمام أن لا يقسمها بين المجاهدين وإنما يجعلها وقفاً على عموم المسلمين هذه الأراضي لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى. لأنها أوقاف والوقف لا يجوز أن يباع ولا يوهن ولا يشترى ولا يتصرف فيه بأي تصرف. والدليل على تحريم بيع هذه الأراضي: - أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أوقف هذه الأراضي على المسلمين وجعل عليها خراجاً بمنزلة الأجرة يدفع للمجاهدين. وإذا كان أوقفها على المسلمين فلا يجوز أن تباع ولا تشترى. - الدليل الثاني: أن بعض الصحابة باع واشترى في أراضي الشام والعراق فأبطل عمر بيعه وأبطل شرائه. =القول الثاني: أنه يجوز أن تباع وتشترى. يعني: الأراضي التي فتحت عنوة. ونحن نتكلم عن الأراضي التي فتحت عنوة لا عن البيوت والمساكن فالبيوت والمساكن سيأتي الحديث عنها.

стр. 1335

إذاً القول الثاني جواز بيع وشراء الأراضي التي فتحت عنوة بشرط أن يلتزم المشتري بدفع الخراج. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ نصرها وأطال في تقريرها شيخ الإسلام ﵀. الجواب: عن أن هذه الأراضي وقف عند أصحاب هذا القول: قول شيخ الإسلام ﵀: أن هذه الأراضي ليست وقفاً من كل جهة بل هي عقد مستقل. بدليل: أن العلماء أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. وبدليل: جواز هبة هذه الأراضي والوقف لا يوهب. فيقول الشيخ ﵀: هذه الأراضي التي أوقفها الخلفاء ليست وقفاً من كل جهة بل هي وقف من جهة ومحررة من جهة أخرى. ونظير ذلك: بيع المنافع الذي تقدم معنا في أول الباب فبيع المنافع ليس بيعاً من كل وجه وليس إجارة من كل وجه فهو إجارة من حيث أنه بيع منافع لأن المنافع موضوعها في الإجارة وهو بيع من حيث التأبيد فهو عقد بين البيع وبين الإجارة لكنهم ذكروه في البيع لأن عقد التأبيد غلب عليه. فإذاً يوجد في الشرع عقود هي بين عقدين: فبيع المنافع بين عقد البيع وبين عقد الإجارة والأراضي التي لم تقسم: بين الأراضي الموقوفة والأراضي المحررة. ولاشك أن هذا التقرير بديع جداً من شيخ الإسلام ﵀ وفيه توضيح وجمع بين النصوص التي تدل على جواز هذه الأراضي وشراؤها وبين النصوص التي تدل على المنع. والأقرب والله أعلم: أنه يجوز أن تباع وتشترى: - أولاً: لأنه وقع من الصحابة. - وثانياً: لأن في المنع من مثل هذا حرج شديد. - وثالثاً: لأن مقصود الخلفاء حين أو قفوا هذه الأراضي هو أن تضرب على رقابها أي: على الأرض نفسها: خراج بمنزلة الأجرة فإذا ضمن هذا الخراج وهذه الأجرة واستمر فلا حرج من البيع ولا مفسدة من تصحيح العقد. وكما قلت هذا القول إن شاء الله عليه العمل وهو أسهل للمسلمين وفيه فقه وفهم للنصوص التي جاءت عن الصحابة. * * فإن قيل: لماذا عمر بن الخطاب ﵁ أبطل العقد؟ فالجواب: لأنه خشي من ضياع الأجرة التي هي الخراج وخشي أن يفهم المسلمون أن الأرض إذا انتقلت إلى مسلم أن الخراج يسقط ولذلك منع من ذلك وأبقى الأراضي في يد أهل الذمة ليبقى الخراج.
следующие страницы →