← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

= فعند الحنابلة: لا يجوز أن تشترى ولا أن تباع. - قياساً على الشحم في الميتة. - وقياساً على الأدهان نجسة الأعيان. وهي المسألة السابقة. = والقول الثاني: أن الأدهان المتنجسة يجوز أن تباع وأن تشترى بشرط أن يمكن تطهيرها. فإذا أمكن أن تطهر جاز أن تباع. واستدلوا على ذلك: - بأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذا كانت هذه الأدهان ستؤول إلى الطهارة فإذاً زالت علة المنع. وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من أهل العلم. والراجح والله أعلم في هذه المسألة: مذهب الحنابلة. والسبب: أن الأدهان المتنجسة هي عرف الشرع نجسة وإن كان أصلها طاهراً لكنها الآن نجسة. ويقولون: الحكم يدور مع علته. نقول: صحيح الحكم يدور مع علته فهي الآن نجسة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وإذا كان يمكن أن تطهر فلتطهر قبل البيع. فالذي يظهر لي بوضوح: أن الأدهان إذا كانت متنجسة وإن كانت في الأصل طاهرة الأعيان إلا أنها الآن نجسة فيجب أن تطهر قبل أن تباع أو أن تشترى. - ثم قال ﵀: - ويجوز الإستصباح بها. الضمير في قوله: (بها) يعود على: المتنجسة دون النجسة. فيجوز الاستصباح يعني: استخدام هذا الدهن في إشعال الضوء. ولا يجوز الاستصباح بالنجسة. إذاً: نحتاج إلى دليلين: - الأول: على جواز الاستصباح بالمتنجسة. - والثاني: وعلى المنع من النجسة. ـ أما جواز الاستصباح بالمتنجسة: فالدليل عليه: القياس على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغة فإن جلد الميتة بعد الدباغة يبقى نجساً عند الحنابلة ومع ذلك يجوز الانتفاع به فنقيس عليه الأدهان المتنجسة. ـ وأما الدليل على المنع من النجسة فحديث جابر المتقدم حيث ذكر فيه: أن الله ورسوله حرم الميتة والخنزير والأصنام والخمر فقالوا: أرأيت يا رسول الله شحم الميت فإنه تطلى به السفن وتدهن به الجلود ويستصبح به الناس فقال النبي ﷺ (لا. هو حرام).قال الحنابلة يعني: الانتفاع حرام. فدل الحديث بنصه على أن الانتفاع بالنجسة لا يجوز لا بالاستصباح ولا بدهن الجلود ولا السفن ولا بغير ذلك من أنواع الانتفاع. = والقول الثاني: أنه يجوز الانتفاع بالنجسة والمتنجسة.

стр. 1332

- لأن قوله ﷺ : (لا. هو حرام) ينصرف إلى المسئول عنه وهو البيع لا إلى الانتفاع الذي ليس هو موضوع السياق. وهذا القول أقرب إن شاء الله: أن الانتفاع بالأعيان النجسة لا بأس به وله نظائر في الشرع فهذا الكلب لا يجوز أن يباع ولا أن يشترى ويجوز ان ينتفع به: بالصيد أو الحراسة أو الزرع أو بغير ذلك مما أجازه الشارع. وإذا كان لهذا الحكم نظير في الشرع صاغ لنا أن نحكم به. المسألة الثانية: - يقول ﵀: - في غير مسجد. يجوز الاستصباح بالمتنجسة لكن لا يجوز أن يكون ذلك في المسجد. - لأن الدخان الذي يخرج بعد الإحراق نجس فلا يجوز أن ندخله إلى المسجد. وهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل الاستحالة تطهر بها العين النجسة أو لا تطهر؟ وتقدمت معنا في كتاب الطهارة وأن الراجح إن شاء الله: بلا إشكال أن الاستحالة تطهر الأعيان النجسة لأنها تقلب العين النجسة من عين إلى عين أخرى تختلف في الصفات والشارع الحكيم إنما يربط الأحكام بالعلل والأوصاف وأوصاف هذه العين النجسة زالت وأصبحت عيناً أخرى طاهرة. فإذاً الأقرب أن الاستحالة تطهر بها الأعيان النجسة. فبناءً على ذلك: يجوز الاستصباح في المسجد وفي غير المسجد. - ثم قال ﵀: - وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه. الشرط الرابع من شروط البيع: أن يصدر العقد من مالك السلعة أو ممن يقوم مقامه من وكيل أو غيره. فإن صدر من غير المالك فالعقد باطل. الدليل على هذا الشرط: - قوله ﷺ في حديث حكيم بن حزام ﵁: (لا تبع ما ليس عندك). وجه الاستدلال: أنه لا يمكن حمل الحديث إلا على أحد معنيين: ـ المعنى الأول: لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع مالك الغائب. ـ أو لا تبع ما ليس عندك يعني: لا تبع ماليس مملوكاً لك. ولا يمكن حمله على المعنى الأول: لأن أهل العلم أجمعوا على جواز العين المملوكة الغائبة أجمعوا على جوازها. إذاً: لم يبق إلا أن يحمل على: (لا تبع ما ليس مملوكاً لك). وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث وهو ظاهر كما رأيت فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بغير ملكه.

стр. 1333

- الدليل الثاني: أن ما لا يملك الإنسان هو ملك لغيره والنبي ﷺ يقول: (لا يجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). فليس للإنسان أن يتصرف في مال غيره شرعاً. الدليل الثالث: أن هذا الشرط في الجملة مجمع عليه فيما عدا مسائل ستأتينا أما في الجملة فإنه مجمع عليه أنه ليس للإنسان أن يبيع ما لا يملك. - قال ﵀ - فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بلا إذنه: لم يصح. إذا باع ملك غيره، أو اشترى ملك غيره بغير ماله: فالعقد باطل. لوجهين: - الوجه الأول: ما تقدم معنا من حديث حكيم. والأدلة الدالة على تحريم بيع ما لا يملك الإنسان. - والوجه الثاني: أنه لا يقدر على تسليم هذه العين لأنها ليست من أملاكه. فإذاً دل على هذا الحكم هذان الدليلان. = القول الثاني: في هذه المسألة - أن الإنسان إذا باع أو اشترى بغير ملكه فإن العقد يكون صحيحاً ويوقف على إجازة المالك فإن أجاز صح العقد وإلا بطل. واستدل أصحاب هذا القول: - بحديث عروة ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري شاةً فاشترى بالدينار شاتين ثم وهو راجع إلى النبي ﷺ باع إحداهما فرجع إلى النبي ﷺ بدينار وشاة فقال له النبي ﷺ : (بارك الله لك في صفقة يمينك). والدعاء من النبي ﷺ إقرار له على عمله. فهذا الصحابي الجليل تصرف وتصرف بالبيع والشراء ففي العقد الأول: اشترى من دون إذن المشترى له وفي العقد الثاني: باع من دون إذن مالك السلعة ومع ذلك صحح النبي ﷺ العقدين بل ودعا له. وهذا القول: هو القول الراجح لأن الحديث صريح فيه ولا يمكن الخروج عن هذا الحديث الصريح الذي فيه إقرار بيع وتصرف الفضولي إذا أجازه المالك. - ثم قال ﵀: - وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد: صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكاً. هذه الصورة هي الصورة الوحيدة التي يصحح فيها الحنابلة تصرف الفضولي. فتصرف الفضولي وهو: من لا يملك. يصح عند الحنابلة بشرطين:

стр. 1334

- الشرط الأول: أن يشتري في الذمة. ولا يشتري بعين ماله ولا بعين مال الآخرين. - والشرط الثاني: أن لا يسمي من اشترى له في العقد. فإذا وجد الشرطان صح العقد. فإن أجاز المشترى له: تم العقد وأصبحت السلعة ملكاً له. وإن رفض: لزمت السلعة من اشتراها لأنه لم يسم أثناء العقد أحداً. فلزمته السلعة وليس له أن يرد السلعة إلى البائع إذا لم يجز المشترى له. = والقول الثاني: أنه يجوز أن يشتري لغيره. سواء في الذمة أو بمعين. وسواء كان المعين من مال نفسه أي: المشتري المتصرف تصرف الفضولي. أو من مال المشترى له. وسواء سماه أي من اشترى له أو لم يسمه ففي جميع الصور يصح ويجوز العقد بشرط إجازة المالك. واستدل أصحاب هذا القول: - بالأدلة المذكور في المسألة السابقة. فيجوز استدلالاً بحديث عروة ﵁. ولا إشكال أنه يجوز إن شاء الله في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية. - ثم قال ﵀: - ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة: كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر. قوله: (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة). أولاً: يقصد المؤلف ﵀ الأراضي التي فتحت عنوة ولم تقسم. ولو أنه ذكر هذا القيد لكان أوضح. إذاً هو يقصد الأراضي التي لم تقسم كأرض الشام ومصر والعراق. الأراضي المفتوحة عنوة التي رأى الإمام أن لا يقسمها بين المجاهدين وإنما يجعلها وقفاً على عموم المسلمين هذه الأراضي لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى. لأنها أوقاف والوقف لا يجوز أن يباع ولا يوهن ولا يشترى ولا يتصرف فيه بأي تصرف. والدليل على تحريم بيع هذه الأراضي: - أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أوقف هذه الأراضي على المسلمين وجعل عليها خراجاً بمنزلة الأجرة يدفع للمجاهدين. وإذا كان أوقفها على المسلمين فلا يجوز أن تباع ولا تشترى. - الدليل الثاني: أن بعض الصحابة باع واشترى في أراضي الشام والعراق فأبطل عمر بيعه وأبطل شرائه. =القول الثاني: أنه يجوز أن تباع وتشترى. يعني: الأراضي التي فتحت عنوة. ونحن نتكلم عن الأراضي التي فتحت عنوة لا عن البيوت والمساكن فالبيوت والمساكن سيأتي الحديث عنها.

стр. 1335

إذاً القول الثاني جواز بيع وشراء الأراضي التي فتحت عنوة بشرط أن يلتزم المشتري بدفع الخراج. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ نصرها وأطال في تقريرها شيخ الإسلام ﵀. الجواب: عن أن هذه الأراضي وقف عند أصحاب هذا القول: قول شيخ الإسلام ﵀: أن هذه الأراضي ليست وقفاً من كل جهة بل هي عقد مستقل. بدليل: أن العلماء أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث. وبدليل: جواز هبة هذه الأراضي والوقف لا يوهب. فيقول الشيخ ﵀: هذه الأراضي التي أوقفها الخلفاء ليست وقفاً من كل جهة بل هي وقف من جهة ومحررة من جهة أخرى. ونظير ذلك: بيع المنافع الذي تقدم معنا في أول الباب فبيع المنافع ليس بيعاً من كل وجه وليس إجارة من كل وجه فهو إجارة من حيث أنه بيع منافع لأن المنافع موضوعها في الإجارة وهو بيع من حيث التأبيد فهو عقد بين البيع وبين الإجارة لكنهم ذكروه في البيع لأن عقد التأبيد غلب عليه. فإذاً يوجد في الشرع عقود هي بين عقدين: فبيع المنافع بين عقد البيع وبين عقد الإجارة والأراضي التي لم تقسم: بين الأراضي الموقوفة والأراضي المحررة. ولاشك أن هذا التقرير بديع جداً من شيخ الإسلام ﵀ وفيه توضيح وجمع بين النصوص التي تدل على جواز هذه الأراضي وشراؤها وبين النصوص التي تدل على المنع. والأقرب والله أعلم: أنه يجوز أن تباع وتشترى: - أولاً: لأنه وقع من الصحابة. - وثانياً: لأن في المنع من مثل هذا حرج شديد. - وثالثاً: لأن مقصود الخلفاء حين أو قفوا هذه الأراضي هو أن تضرب على رقابها أي: على الأرض نفسها: خراج بمنزلة الأجرة فإذا ضمن هذا الخراج وهذه الأجرة واستمر فلا حرج من البيع ولا مفسدة من تصحيح العقد. وكما قلت هذا القول إن شاء الله عليه العمل وهو أسهل للمسلمين وفيه فقه وفهم للنصوص التي جاءت عن الصحابة. * * فإن قيل: لماذا عمر بن الخطاب ﵁ أبطل العقد؟ فالجواب: لأنه خشي من ضياع الأجرة التي هي الخراج وخشي أن يفهم المسلمون أن الأرض إذا انتقلت إلى مسلم أن الخراج يسقط ولذلك منع من ذلك وأبقى الأراضي في يد أهل الذمة ليبقى الخراج.

стр. 1336

وإذا عرفنا مقصود عمر ﵁ عرفنا لماذا أبطل البيع. أي: أنه لم يبطله لأن الأرض وقف وإنما لهذا الاعتبار فإذا ضمنا استمرار اخراج والأجرة فلا حرج إن شاء الله. وعلى هذا العمل اليوم ومنذ قرون أن أراضي الشام ومصر والعراق أنها تباع وتشترى بلا حرج. * * مسألة / فإن قيل اعتراضاً على الحنابلة: كيف تقولون إن الأراضي التي فتحت عنوة لا تباع ولا تشترى ومكة فتحت عنوة بلا إشكال وتباع وتشترى؟ الجواب: أن مكة - شرفها الله - لا شك أنها فتحت عنوة وهذا مذهب كثير من المحققين وداخلها النبي ﷺ بالجيش فاتحاً. لكن النبي ﷺ خطب فيها وأقر أهلها كل في بيته وأعطاهم بيوتهم ولم يقسم مكة بين المهاجرين ولا بينهم وبين الأنصار وإنما أقرها بأديدي أهلها وصاروا يبيعون فيها ويشترون بمحضر النبي ﷺ والصحابة. فيدل على أنها خصصت في هذا الحكم. = هذا مذهب الحنابلة. فهم يجيبون عن مكة بمثل هذا. أن مكة مخصوصة من بين الأراضي التي فتحت عنوة بهذا الدليل وهو أن النبي ﷺ لما فتحها أقرها في أيدي أهلها. وعلى القول الراجح لا إشكال ويكون تصرف أهل مكة ببيوتهم وأراضيهم دليل لأصحاب القول الثاني. - ثم قال ﵀: - ولا يباع غير المساكن. تحدثنا عن الأراضي وباقي المساكن. فالمساكن يجوز أن تباع عند الحنابلة وعند غيرهم. - وذلك أن أصحاب النبي ﷺ اقتطعوا خططاً وبنوا فيها مساكن وباعوا واشتروا فيها من غير نكير: في الشام وفي العراق وفي مصر لا سيما في البصرة والكوفة فإنهم أخذوا خططاً كثيرة وبنوا فيها مساكن وتبايعوا ﵁. فإذاً لا إشكال في المساكن وإذا باع الإنسان المسكن فالبيع عند الحنابلة يقع على المسكن لا على أرض المسكن. - ثم قال ﵀: - ولا يصح: بيع نقع البئر. نقع البئر: هو الماء المتجمع في قعر البئر. ومثله العيون التي تنبع. فهذه المياه لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى. ويجوز أن يبيع الإنسان الأرض التي فيها النبع والبئر بمعنى الحائط - جدر البئر. أما الماء نفسه فإنه لا يجوز أن يباع ولا يشترى.

стр. 1337

= وإلى هذا ذهب الجمهور. واستدلوا: - بما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الماء الفاضل. - واستدلوا: بقول النبي ﷺ (المسلمون وفي لفظ: الناس: شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار). فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع الماء الفاضل عن حاجته وإنما يجب عليه وجوباً أن يبذل الماء الفاضل عن حاجته. = القول الثاني: أن الماء الذي في البئر والمتبقي من العين النابعة الفاضل عن حاجته: يجوز أن يباع وأن يشترى. - لأن هذا الماء نابع من أرضه فحكمه حكم الأرض ومن يملك الأرض يملك ما ينتج عن الأرض. وحملوا الحديث: على الماء الذي في غير الأرض المملوكة. والراجح والله أعلم: القول الأول. لأن الحديث نهى عن بيع الماء بلا تفصيل بين أن يكون في الأرض المملوكة أو في الأرض غير المملوكة.

стр. 1338

شرح كتاب البيع الدرس رقم (٣) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا في الدرس السابق الكلام عن حكم بيع الماء وذكر الخلاف في ذهه المسألة وأن الراجح فيما يظهر والله أعلم أنه لا يجوز بيع الماء الزائد عن الحاجة مطلقاً وتقدمت الأدلة والمناقشات. ونبدأ اليوم بمسائل تتعلق بهذه المسألة وهي: حكم بيع الماء. ـ المسألة الأولى: حكم الماء إذا حيز: إذا حاز الإنسان ماء سواء كانت هذه الحيازة في وعاء أو في بركة أو في خزان فإنه لا يجب عليه أن يبذل هذا الماء بل هو ملك له له أن ينتفع به بما شاء وله أن يبيعه: - لأنه بالحيازة أصبح ملكاً. - ولأن النبي ﷺ أمر رجلاً أن يحتطب ليستغن عن الناس والحديث في الصحيح. وحكم الحطب حكم الماء. فهذا الرجل إذا حاز الحطب فإنه سيبيع الحطب وكذلك الماء إذا حيز بوعاء أو غيره مما ذكرت فهو ملك لمن حازه فله أن يتصرف فيه تصرف الملاك.

стр. 1339

ـ المسألة الثانية: إذا تقرر أن من وجد الماء في أرضه في بئر أو عين أنه يجب أن يبذل ما زاد عن حاجته فإنه مع ذلك نقول: هو أولى وأحق الناس بهذا الماء. فإذا كانت له حاجة بهذا الماء فهو مقدم على غيره ولا يجوز لغيره أن يعتدي على الماء الذي يحتاجه صاحب الأرض وإنما يجب بذل الزائد عن الحاجة فقط أما ما يحتاجه صاحب الأرض فهو له. بناء على ذلك: ما يقع الآن في وقتنا من تعبئة السيارات بالماء وبيعها حكمه فيه تفصيل: ـ إن كان صاحب البئر يملأ السيارات من البئر مباشرة فهو لا يجوز حسب ما قررنا. لأنه باع الزائد عن حاجته بيعاً والإنسان لا يجوز له أن يبيع ما زاد عن حاجته ولو تكلف في إخراجه لأن البئر أيضاً يتكلف الإنسان في إخراج الماء منها ومع ذلك لا يجوز أن يبيعه. ـ وأما إن كان يضع الماء في خزانات كبيرة أو في برك أو ما أشبه هذه الأمور ثم يعبي السيارات منها فهذا جائز وعمله مباح. ومن هنا يجب أن يتنبه الذين يتاجرون ببيع الماء أن لا يبيعوه من البئر مباشرة بل يحوزوه أولاً في برك أو خزانات ثم بعد ذلك يتصرفون فيه تصرف الملاك. - ثم قال ﵀: - ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك. الكلأ والشوك: حكمه حكم الماء. فالتفصيل الذي ذكر في الماء تماماً ينطبق على حكم بيع الكلأ الذي ينبت في أرض الإنسان. والراجح في تلك المسألة هو الراجح في هذه المسألة. * * مسألة / فإن كان الكلأ أنبته الإنسان في أرضه باعتنائه واختياره. فهو ملك له ولا يدخل في المنع وله أن يتصرف فيه تصرف الملاك. لأنه نبت بعمله والأصل في الكلأ الذي لا يجوز أن يحوزه الإنسان بعد حاجته - الأصل فيه الكلأ والنبات الذي خرج بأمر الله. وما خرج بفعل الإنسان وبدون فعله كله بأمر الله لكن المقصود ما خرج بلا تدخل من صاحب الأرض فإن زرعه هو أو أبقى الأرض بلا زرع لينبت فيها الكلأ فكذلك هو ملك له يتصرف فيه تصرف الملاك. - ثم قال ﵀: - ويملكه آخذه.

стр. 1340

تبين معنا مما سبق أن الماء الزائد عن الحاجة والكلأ الزائد عن الحاجة مباح وهو لمن أخذه ولذلك إذا وجد في أرض مملوكة فيجوز للإنسان أن يدخل في هذه الأرض وأن يأخذ هذا الماء الزائد عن حاجة مالك الأرض والكلأ الزائد عن حاجة مالك الأرض ولا حرج عليه في ذلك. وإذا أخذه تملكه بمجرد الأخذ لأن هذا شأن المباحات فإن المباحات تملك بالأخذ لكن يشترط في دخوله الأرض أن لا يكون في دخوله أذى على صاحب الأرض وأن يستأذن قبل الدخول. ومن جهة أخرى يحرم على صاحب الأرض أن يمنع دخول الداخل بلا ضرر فإذا استأذنه ولا ضرر عليه فإنه يحرم عليه أن يمنعه. * * مسألة / فإن منع صاحب الأرض الناس من الدخول إليها بلا ضرر: فهو آثم. لكن هل يجوز للناس أن يدخلو قسراً وقهراً بالقوة؟ =من الفقهاء من قال: نعم. لهم أن يدخلوا ليستنقذوا حقهم الذي أباحهم الله إياه، ولأن المانع ظالم لأنه منع بلا حق. = ومن الفقهاء من قال: بل إذا منع بلا حق فهوآثم لكن لا يجوز الدخول إلى أرضه لما في هذا من الضرر ومن إيقاع الفوضى ومن المفاسد التي تعلم عند التأمل. وهذا القول الثاني هو الصحيح. - ثم قال ﵀: - (٥) وأن يكون مقدوراً على تسليمه. يشترط في المبيع أن يقدر على تسليمه فإن كان المبيع مما لا يستطيع البائع تسليمه للمشتري فإن العقد باطل. لأن هذه الشروط كما تقدم معنا شروط صحة. والدليل على هذا الشرط من وجهين: - الوجه الأول: أن الإمام مسلم أخرج في صحيحه أن النبي ﷺ :نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. فهذا حديث ثابت يفيد المنع من الغرر وعدم القدرة على التسليم من أعظم الغرر. - والوجه الثاني: أن المعجوز عن تسليمه كالمعدوم والمعدوم لا يجوز أن يباع بلا إشكال. فدل على هذا الشرط النص والاعتبار الصحيح. فهو شرط ثابت لا إشكال فيه وإذا تخلف هذا الشرط عن عقد البيع فهو باطل. ثم لما قرر الشرط بدأ بالتفصيل: - فقال ﵀: - فلا يصح بيع آبق. المقصود بالآبق هنا: العبد الهارب الذي لا يقدر عليه فهذا هو الآبق. فالآبق لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يشترى لأمرين:

стр. 1341

- الأمر الأول: أنه روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن شراء العبد الآبق. - الأمر الثاني: النهي عن الغرر وتقدم معنا الحديث الذي في مسلم. = والقول الثاني: أنه يجوز أن يباع العبد الآبق. - لأنه عين مملوكة فجاز لصاحبها البيع. وهو مذهب ابن حزم. = القول الثالث: أنه يجوز بيع العبد الآبق على من استطاع أخذه ورده. واستدل هؤلاء: - بأن المنع من بيع العبد الآبق إنما هوم للغرر والعجز عن التسليم وهو منتف في حق من يستطيع أن يرده ويأخذه. وهذا القول الثالث: هو الصواب. أنه يجوز البيع بشرط أن يكون المشتري ممن يقدر على أخذه ورده. * * مسألة/ فإن اشترى العبد الآبق يظن أنه يستطيع أن يرده أو أن يأخذه ثم لم يستطع وفاته: = فمن الفقهاء من قال: يبطل العقد من الأصل. = ومن الفقهاء من قال: بل يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء. وهذا القول الثاني هو الصحيح. أنه يخير بين الفسخ والإمضاء. - ثم قال ﵀: - وشارد. يعني: ولا يجوز بيع الجمل الشارد. والخلاف في الجمل الشارد كالخلاف تماماً في العبد الآبق من حيث التفصيل فإن الأحكام متطابقة تماماً. - ثم قال ﵀: - وطير في هواء. أي ولا يجوز للإنسان أن يبيع الطير الذي في الهواء ولو كان الطير ملكاً له ولو اعتاد الطير الرجوع إلى مكانه. - لأنه معجوز عن تسليمه الآن. * * فإن قيل / الطير الذي في الهواء المملوك لصاحبه الذي اعتاد الرجوع يشبه تماماً ملك الإنسان الغائب عنه وملك الإنسان الغائب يجوز أن يباع وأن يشترى. ـ فالجواب: بل إن بينهما فرق ظاهر: لأن الملك الغائب يرجع بإرادة المالك والطير الذي في الهواء يرجع بإرادة نفسه وليس للمالك أن يجبره على الرجوع متى شاء بل يرجع بإرادة نفسه. فبينهما فرق واضح من هذه الجهة. = والقول الثاني: أنه يجوز بيع الطير في الهواء إذا كان من الطيور التي تعتاد الرجوع إلى مكانها. - لأن هذا الطير يقدر على تسليمه وإن تأخر التسليم إلى الرجوع.

стр. 1342

- ولأن الناس اعتادوا على بيع الحمام الطائر ووصفه للمشتري أثناء طيرانه وإتمام الصفقة وقد جرى على هنذا عمل الناس بل إن من الناس من لا يشتري الطير إلا إذا طار ليتأكد من كيفية الطيران المطلوبة عنده أو من صفة في الطير خاصة. وهذا القول الثاني ظاهر القوة والرجحان وهو أولى بالقبول. فإذا كان الطير معتاد الرجوع فلا بأس ببيعه ولو كان لا يمكن تسليمه الآن وإنما لاحقاً. - ثم قال ﵀: - وسمك في ماء. لا يجوز للإنسان أن يبيع السمك المملوك له في الماء. - لأنه لا يستطيع أن يسلم هذا السمك فهو غير مقدور على التسليم وفي هذا من الجهالة ما يبطل العقد. = القول الثاني: جواز بيع السمك في الماء. وذكروا للجواز شروطاً: ويغني عن هذه الشروط التي ذكرها الفقهاء والتفصيلات أن نقول بكل بساطة: أن يمكن اصطياده. وباقي الشروط في الحقيقة تطويل من وجهة نظري أنها شروط تطويلية لا فائدة منها لأنها شروط أرادوا منها الاستيثاق من إمكان الاصطياد فنحن نقول: يشترط في السمك إمكانية اصطياده فقط بلا تطويل. فإن أمكن أن يصاد سواء لكونه في بركة كحصورة أو لكونه في بركة يرى منها لشفافية الماء أو لأي سبب من الأسباب فمادام يمكن أن يصاد ومقدور عليه فيجوز أن يباع. وهذا القول الثاني بهذا الشرط المختصر هو الصواب: أنه إذا أمكن أن يصاد أو يباع فلا حرج في ذلك. - ثم قال ﵀: - ولا مغصوب من غير غاصبه. لا يجوز للإنسان أن يبيع المغصوب. للعلل السابقة وهي: الجهالة بسبب عدم القدرة على التسليم. لأن العين المغصوبة في تصر ف الغاصب وليست في تصرف المغصوب الذي عقد العقد ولهذا عقده باطل. وهذا أمر واضح. - ثم قال ﵀: - من غير غاصبه وقادر على أخذه. أي: لا يجوز بيع المغصوب إلا إذا بيع على الغاصب أو على رجل يأخذ أو يستطيع أخذ العين من الغاصب. أما الغاصب: فلكون العين في يده. فالتسليم متحقق من قبل العقد. وأما من استطاع أن يأخذ العين من الغاصب: فلأن الجهالة والغرر منتفية في حقه لكونه يستطيع أن يسترد العين المغصوبة من الغاصب. وهذا صحيح: أنه يجوز بيع المغصوب من غاصبه أو ممن يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب.

стр. 1343

* * مسألة/ فإن ظن أنه يستطيع أن يأخذ العين من الغاصب ثم تبين له أنه لا يستطيع. فالكلام فيها كالكلام في الجمل الشارد والعبد الآبق تماماً. الشرط السادس: - يقول ﵀: - (٦) وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة. الشرط السادس: العلم بالمبيع. ولا يمكن العلم بالمبيع إلا من طريقين: ـ الرؤية. ـ أو الوصف. فإن تم العقد بلا علم بالمبيع: = فذهب عامة أهل العلم: إلى أن العقد باطل. واستدلوا على ذلك: - بنهي النبي ﷺ عن الغرر. وقالوا الجهل بالمبيع من أعظم الغرر. = والقول الثاني: أن البيع بلا علم بالمبيع جائز وصحيح. فإذا رأى المشتري السلعة فهو بالخيار إن شاء أتم وأمضى العقد وإن شاء فسخ. وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء واختاره شيخ الإسلام ﵀. والراجح والله أعلم: أنه لا يصح العقد بدون معرفة المبيع وأن هذا من أوضح صور الغرر التي تدخل في حديث: النهي عن الغرر. وشيخ الإسلام ﵀ نفسه تردد في هذه المسألة: فتارة رجح قول الجمهور وأن العقد باطل وتارة رجح أن العقد صحيح وللمشتري الخيار وتردده ﵀ يدل على أن المسألة محل إشكال وتردد ونظر وأنه لم يتثبت في اختياره. والقول ببطلان العقد هو اختيار ابن قدامة وهو كما قلت واضح بالنسبة لي أنه هو القول الراجح وأنه لا يمكن تصحيح عقد مع الجهل التام بالسلعة فإن هذا غالباً ما يفضي إلى الشقاق والنزاع وهو أيضاً من الغرر الواضح لأن السلعة أحد أركان عقد البيع فكيف نصحح العقد مع الجهل بالسلعة التي وقع عليها العقد؟ وأنا أتعجب من الذين يصححون هذا العقد. الجمهور: لا يصححون العقد لكن في الحقيقة: أرى أن في ترجيح القول بصحة العقد مع عدم العلم بالسلعة مطلقاً لا رؤية ولا وصف أنه بعيد عن مقاصد الشرع. معنى هذا: أني لو قلت لك: عندي شيء. تشتري شيئاً عندي. فينبغي على القول الثاني أنهم يصححون هذا العقد وأي غرر أعظم من أن أقول لك: تشتري شيئاً عندي. ماهو هذا الشيء؟ فإن الإشياء تتراوح من أشياء عظيمة جداً إلى أشياء بخيسة جداً. المهم: رأيي في المسألة: هو رأي الجمهور وأنه هو الصواب وأن رجحانه ظاهر. - ثم قال ﵀:

стр. 1344

- فإن اشترى ما لم يره أو رآه وجهله ... لم يصح. المقصود بالرؤية هنا: الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع: - سواء كانت الرؤية مقارنة للعقد. - أو كانت الرؤية سابقة للعقد ولم يتغير المبيع. إذاً: المقصود بالرؤية هنا: لا أي رؤية. بل الرؤية التي يحصل معها معرفة المبيع. يحقق هذا التقرير قول المؤلف ﵀ هنا: (أو رآه وجهله). إذا رأى الإنسان المبيع ولكن مع كون المشتري رأى المبيع إلا أنه يجهل المبيع: - إما لأنه رآه عن بعد فلم يتثبت ولم يره على الوجه المطلوب. - أو رآه وهو مستتر بما لا يتمكن معه من التثبت في رؤيته. - أو لأي سبب من الأسباب. إذا رآه وهذه الرؤية لم تفيد المعرفة وإنما بقي يجهل المبيع فإن هذه الرؤية تعتبر لا شيء وكأنه لم ير المبيع. فالمؤلف ﵀ يريد أن يحقق أن الرؤية يجب أن تكون الرؤية التي يحصل بها معرفة المبيع على الوجه المطلوب. - ثم قال ﵀: - أو وصف له بما لا يكفي سلماً: لم يصح. ذكرت أن أحد طريقي معرفة المبيع: الوصف. واعتبار الوصف أحد طريقي معرفة المبيع هو: = مذهب الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله. ورجحانه ظاهر بما يغني عن سياق الخلاف بالنسبة للذين لا يرون أن الوصف قائم مقام الرؤية في البيع ومذهبهم ضعيف ونكتفي بالإشارة إلى هذا وأن الصواب أن الوصف يقوم مقام الرؤية إذا كان وصفاً شرعياً. والوصف الشرعي هو: الوصف الذي يحصل معه بيان صفات المبيع بما يكفي في عقد السلم، والذي يكفي في عقد السلم - إجمالاً وسيأتينا إن شاء الله التفصيل والذي يعنينا في هذا الباب - هو بيان الصفات التي يختلف بها الثمن. أن يبين من الصفات أو أن يبلين جميع الصفات التي يختلف فيها الثمن. فإن وصف المبيع بما لا يجزئ في السلم فالوصف هنا باطل ولم يتحقق شرط معرفة المبيع. * * مسألة/فإن وصف البائع السلعة للمشتري وصفاً دقيقاً يجزئ في السلم وجاءت السلعة مطابقة للمواصفات: = فإن الجمهور: يرون أنه ليس للمشتري الخيار ولو أنه اشترى بالوصف بدون الرؤية. بل إذا جاءت السلعة مطابقة للوصف ثبت البيع ولا خيار للمشتري.

стр. 1345

= والقول الثاني: أن المشتري إذا اشترى عن طريق الوصف بلا رؤية فإن له الخيار بعد الرؤية ولو كان الوصف مطابقاً للسلعة. ... وإلى هذا ذهب الأحناف. والأقرب للصواب - والله تعالى أعلم - مذهب الجمهور. لأن الغرض من تصحيح البيع بالوصف أن لا يثبت للمشتري الخيار إذا طابقت السلعة الأوصاف. وإذا جعلنا له الخيار فأي فائدة في الوصف. إذاً نقول يشترط الرؤية ونرجع إلى مسألة: هل يشترط الرؤية أو الوصف؟ المهم نقول: إن شاء الله أن الأقرب أنه إذا رأى السلعة فإنه لا خيار له ما دامت الأوصاف مطابقة لما اتفق عليه في العقد. - ثم قال ﵀: - ولا يباع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين. ـ لا يباع حمل في بطن: فإذا قال البائع للمشتري: بعت عليك هذا الحمل الذي في بطن هذه الفرس وعين الفرس وأشار إلى الحمل الموجود في بطن الفرس: فإن البيع باطل: بالإجماع. لعدة أمور: - الأمر الأول: أن هذا الحمل غير مقدور على تسليمه. - والأمر الثاني: أن الحمل في البطن مجهول الوصف والحياة فهو مغرق في الجهالة. - والأمر الثالث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الملاقيح والمضامين. والملاقيح: ما في البطون. والمضامين: مافي أصلاب الفحول. وهذا الحديث فيه ضعف لكن تشهد له النصوص العامة. وتشهد مقاصد الشريعة. إذاً دل على بطلان بيع الحمل: الإجماع والنص الضعيف والاعتبار الصحيح. - ثم قال ﵀: - ولبن في ضرع. اللبن في الضرع لا يجوز أن يباع. فإن بيع فالعقد باطل. والدليل على هذا أيضاً من أوجه: - الوجه الأول: أن النبي ﷺ نهى عن بيه الصوف على الظهر واللبن في الضرع. وهذا الحديث روي مرفوعاً وموقوفاً ومرسلاً. والصواب من هذه الأوجه أنه صحيح موقوفاً على ابن عباس وثابت وصحيح ثابت مرسلاً عن عكرمة وضعيف مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وتقدم معنا مراراً: أن الحديث المرسل الذي صح إلى قائله وتأيد بفتاوي الصحابة الثابتة وبأصول الشرع أنه يصلح للاحتجاج. فهذا الحديث ينطبق على القاعدة التي تكررت معنا مراراً: وأن شيخ الإسلام يرى أن الأئمة الأربعة يحتجون بمثل هذه المراسيل.

стр. 1346

- الوجه الثاني: النهي عن الغرر. لأن هذا اللبن الموجود في الضرع مجهول تماماً: مجهول من حيث الكمية ومجهول من حيث الصفة والجودة. فهو مجهول من أكثر من اعتبار. - والوجه الثالث: أن اللبن في الضرع يتجدد فيجتمع في الضرع ما وقع عليه العقد وما استجد مما ليسمن ملك المشتري والفصل بين المستجد وما وقع عليه العقد لا يمكن وهذا المعنى يؤكد الجهالة واختلاط المبيع بغيره. = القول الثاني: أن بيع اللبن في الضرع صحيح وجائز. - لأن اللبن في الضرع مشاهد ويستطيع أهل الخبرة تقدير ما في الضرع من لبن. وهذا القول: ساقط جداً وضعيف. = القول الثالث: في المسألة - تفصيل وهو: - أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى أقسام: ـ القسم الأول: أن يبيع اللبن المشاهد في الضرع فهذا: لا يجوز. وهو المقصود بالحديث. ـ القسم الثاني: أن يبيع آصاع معلومة معينة من هذه الشاة. فهذا أيضاً باطل لأنه يشبه بيع الثمر قبل بدو الصلاح. ـ القسم الثالث: بيع آصاع موصوفة في الذمة مطلقة يشترط أن تكون من هذه الشاة. وهذا النوع الثالث أجازه شيخ الإسلام ﵀. إذاً: القول الثالث: التفصيل الذي سمعت وهو أن بيع اللبن في الضرع ينقسم إلى هذه الثلاثة أقسام: - القسم الأول والثاني: لا يجوز ولا يصح. - والقسم الثالث: قسم منعه الجمهور. وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. * * مسألة / لا يجوز عند الجمهور استئجار البهيمة لحلبها بأن يستأجر البقرة لمدة خمسة أيام ليحلبها لأن العقد وقع في الحقيقة على اللبن. = وذهب شيخ الإسلام: إلى أن استئجار الدابة للحلب لمدة معلومة: جائز. بل إنه ﵀ صنف مصنفاً مستقلاً خاصاً في هذه المسألة نصرة للقول بالجواز وأنه يتوافق مع أصول الشرع. - ثم قال ﵀: - منفردين. أي أن تحريم بيع الحمل في حمل الدابة وتحريم بيع اللبن في الضرع: إنما يكون إذا بيعا على سبيل الانفراد والاستقلال. أما إذا بيعا تبعاً فالعقد صحيح: بالإجماع. فإذا باع الشاة وفيها لبن: أو وهي حامل: فالعقد صحيح: بالإجماع. والدليل على صحة هذا العقد:

стр. 1347

- أن النبي ﷺ صحح بيع المصراة. وسيأتينا الكلام عنها وعن تفصيلها. لكن الذي يعنينا هنا أن المصراة بيعت وفيها لبن ومع ذلك صحح النبي ﷺ العقد وجعل للمغرور الخيار. - ثم قال ﵀: - ولا مسك في فأرته. = لا يجوز عند الحنابلة: أن يبيع الإنسان المسك في الفأرة. وفأرة المسك هي: الوعاء الذي يكون من جلد الغزال فيه المسك. واستدل الحنابلة على المنع من بيع الفأرة التي فيها المسك: - بأنه مجهول: لا تعرف كميته ولا جودته. = والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح ونافذ. - لأن الفأرة بالنسبة للمسك كالوعاء الحافظ فهي تشبه الثمرة المغطاة بالقشرة. وهذا القول الثاني هو الصحيح: لأن إخراج المسك من الفأرة قد يؤدي إلى فساده. ولأن فأرة المسك بالفعل هي كالقشر الذي يغطي اللب في الفواكة التي أجمع العلماء جواز الشراء والبيع فيها. فالأقرب والله أعلم. القول الثاني. - ثم قال ﵀: - ولا نوى في تمر. بيع النوى داخل التمر: لا يجوز. بالإجماع. - لعظم الجهالة في وصفه. فقد يكون قليلاً أو صغيراً. وقد يكون كبيراً وهو مجهولٌ تماماً. فهو داخل في نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر. وأمره واضح. - ثم قال ﵀: - وصوف على ظهر. = الجماهير: يرون تحريم بيع الصوف على الظهر. واستدلوا على هذا بأمرين: - الأول: ان الصوف على الظهر معجوز على تسليمه. - والثاني: أن الصوف على الظهر إذا بيع يختلط بما ينبت بعد العقد. وهذا يؤدي إلى جهالة المبيع حيث يختلط ماهو من ملك المشتري الذي وقع عليه العقد وماهو من ملك البائع مما نبت بعد العقد. = والقول الثاني: أنه يجوز بيع الصوف على الظهر بشرط: الجز في الحال. وأن لا يؤدي إلى إيلام أو إيذاء البهيمة. وهذا القول مال إليه ابن القيم ورجحه صراحة المرداوي.

стр. 1348

والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر: لأن الحديث الذي تقدم معنا نص في المسألة فإنه ﷺ نهى عن بيع الصوف على الظهر. ولأن إدراك هذا أمره سهل بأن يقال: جز الصوف ثم بعه. لأن جز الصوف لابد أن يتم بعد العقد فليجعل قبل العقد. وإلى هذا: أي إلى المنع: وهو قول الجمهور: ذهب الشيخ الصنعاني ﵀ ونصره وهو الصواب إن شاء الله. - ثم قال ﵀: - وفجل ونحوه قبل قلعه. المقصود بنحوه: كل نبات كان المقصود منه مستتر تحت الأرض كالبصل والثوم وأشباه هذه النباتات التي يكون المقصود منها مستتر تحت الأرض. وعلة المنع: الجهالة. فربما كانت الثمرة المستترة قليلة صغيرة وربما كانت كبيرة وربما أصيبت بمرض وربما لم تصب. فالجهالة موجودة. = والقول الثاني: أن بيع ما المقصود منه مستتر تحت الأرض جائز وصحيح. وإلى هذا ذهب ابن القيم وشيخ الإسلام ونصروه نصراً كثيراً بأدلة كثيرة من أهمها: - أن هذه البقولات إذا ألزم المزارع بإخراجها قبل البيع ربما تفسد قبل أن يتم بيعها. - ثانياً: أنه ما زال الناس يبيعون هذه الأشياء وهي في باطن الأرض بدون اشتراط للقلع. والراجح والله أعلم: مذهب الجمهور. وإذا كان العرف في وقت الشيخ أنها تباع في الأرض فالعرف في وقتنا أنها تباع بعد القلع. فهل أحد منكم يعرف أن البصل يباع قبل القلع؟ فإن كل ما أعرفه من العرف الآن أن مثل هذه الأشياء: البصل والثوم والفجل لا يباع إلا بعد القلع. وهو الأكثر. على كلٍ: الراجح والله أعلم أنه لا يباع إلا بعد القلع ونحن نعرف مشاكل كثيرة وقعت بسبب أن المزارع باع الثمار قبل القلع فتبين أنها مصابة بمرض أو صغيرة أو لا تصلح لسوق معين ... إلى آخره. فنقول: مذهب الجمهور في هذه المسألة قوي ووجيه ويؤيده النهي عن بيع الغرر. - ثم قال ﵀: - ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة. ـ الملامسة: هو أن يقول الرجل: أي ثوب لمست فهو لك بكذا. وفسر أبو هريرة ﵁ الملامسة بأمر آخر وهو: أن يلمس كل من الرجلين ثوب صاحبه ليتبايعا من غير تدقيق ولا نظر في الثوبين. وفسر بتفسيرات كثيرة تدور حول هذه المعنى.

стр. 1349

ـ والمنابذة: هي أن يقول المشتري للبائع أي ثوب نبذت إلي فهو علي بكذا. وبيع الملامسة والمنابذة: باطل. بإجماع الفقهاء. لما فيه من الجهالة. ولأن النبي ﷺ في صحيح البخاري ومسلم: نهى عن بيع الملامسة والمنابذة. ولأن هذا البيع في شبه من القمار. فالبائع والمشتري كل منهما إما غارم أو غانم. فإن كان الثوب من الثياب الرفيعة المستوى والثمن قليل صار الكاسب هو المشتري وإن كان العكس فالكاسب هو البائع. على كل حال هذه علل تقوي الحكم ونحن معنا نص في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ : نهى عن هذين البيعين. - ثم قال ﵀: - ولا عبد من عبيده ونحوه. لا يجوز أن يبع الإنسان عبداً من عبيد بدون تحديد. وقوله: (ونحوه) كأن يبيع شاة من قطيع. أو نخلة من بستان بلا تحديد. فهذه البيوع باطلة. - لأن النبي ﷺ نهى عن الغرر. وهذا الحديث العظيم الذي تستنبط منه جملة من الأحكام ولذلك يقول النووي ﵀: (هو حديث عظيم تقوم عليه جملة من الأحكام الشرعية). إذاً بيع عين غي محدده لامن جملة أعيان: باطل. للنهي عن الغرر. وهذا البيع باطل سواء كانت أقيام هذه الأعيان متساوية أو كانت متفاوتة. فإذا كان عنده في الشبك عشر من الشياه قيمها متساوية تماماً: فإنه إذا باع عليه شاة من هذا المكان فإن هذا العقد باطل. وإذا باع عليه عين من بين أعيان فالعقد باطل ولو كان العدد قليلاً. ولو كان لا يوجد في الشبك إلا ثلاثة. فقال: بعت عليك شاة من هذه الثلاث فإن البيع باطل. والعلة: كما تقدم: الجهالة. فإنه لا تعرف أي واحدة من هذه الأعيان المباعة هي المقصودة بالعقد. - ثم قال ﵀: - ولا استثناؤه إلاّ معيناً. لا يصح بيع مبيع واستثناء شيء منه إلا أن يكون هذا الشيء معيناً. فإن استثنى مجهولاً فالبيع باطل. فإذا قال: بعت عليك هذا القطيع من الشياه إلا واحدة ولم يبين أي واحدة هي المستثناة فالبيع كله باطل. فإن قال: بعت عليك هذا القطيع إلا هذه وأشار إليها فالبيع صحيح بالإجماع. نرجع إلى مسألة: إذا استثنى ولم يبين المستثنى: فالبيع قلنا أنه: باطل. الدليل:

стр. 1350

- أولاً: ما أخرجه أبو داود في سننه: أن النبي ﷺ : نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. - وأيضاً: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ : نهى عن الثنيا. ويحمل النهي على ما لم يعلم. - ثالثاً: أن استثناء المجهول يجعل المبيع والمستثنى كلاهما مجهول. لأن المبيع لا يمكن أن يعرف إلا إذا عرف المستثنى والمستثنى مجهول إذاً لن نعرف لا المبيع ولا المستثنى. فإذاً استثناء المجهول يصير الصفقة كلها مجهولة. والقاعدة عند أهل العلم: (أنه لا يجوز استثناء إلا ما يجوز إفراده بالعقد). وتقدم معنا أنه لا يجوز الإفراد بالعقد إلا للمعلوم. - ثم قال ﵀: - وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح. يعني وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه: صح. إذا استثنى البائع أثناء البيع رأس وأطراف وجلد الشاة المأكولة: صح الاستثناء وصح البيع. والدليل على ذلك: - أن هذه المستثنيات معلومة بالمشاهدة (الأذان). قال شيخنا حفظه الله: نتم هذه المسألة: إذا استثنى البائع جلد ورأس وأطراف المبيع: صح الاستثناء وقلنا أن سبب الصحة هو: أن المبيع معلوم بالمشاهدة. فهذا الاستثناء صحيح. والدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهي الآن معلومة. ثم إذا استثنى هذه الأشياء: الرأس والجلد والأطراف. فإن كان اشترط على المشتري الذبح: فيجب على المشتري أن يذبح وأن يعطي المستثني ما استثناه. وإن كان البائع لم يشترط على المشتري الذبح: فحينئذ لا يجب على المشتري أن يذبح بل له أن يبقي الشاة حية ولكن يبعطي المستثني قيمة الرأس والأطراف والجلد - قيمة ما استثنى ولا يلزمه أن يذبح. * * مسألة / - نسيناها بالأمس - تلحق بحكم بيع الكلب: والمسألة هي: حكم بيع الهر. = ذهب الجماهير - جمهور أهل العلم: الأئمة الأربعة: إلى أن بيع الهر جائز. واستدلوا على هذا: - بأن الهر حيوان طاهر مباح النفع يجوز اقتنائه بلا حاجة , وهذه الأوصاف كلها تدل على جواز البيع. = والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم ومال إليه ابن مفلح واختاره المرداوي: أن بيع الهر لا يجوز.

стр. 1351

- لما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكلب والهر. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث الصحيح الذي في مسلم الصريح في منع البيع: بعدة أجوبة: - الجواب الأول: أن هذا الحديث وإن كان في مسلم فهو ضعيف فإنه ممن ضعفه من الآئمة الترمذي لأنه حكم عليه بالإضطراب في السنن وممن ضعفه من الأئمة ابن عبد البر حيث قال: ولا يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ . - الجواب الثاني: أن الحديث محمول على الهر الذي لا نفع فيه. - الجواب الثالث: أن الحديث محمول على الكراهة لا على التحريم. والراجح في هذه المسألة: ينبني تماماً على تحقيق الحديث ولم يتسن لي جمع طرق الحديث والنظر فيه ولماذا صححه مسلم ولماذا ضعفه الترمذي. فهذا يحتاج إلى وقت طويل. لكن إن صح الحديث فلا كلام أن اختيار ابن القيم ورواية عن الإمام أحمد هو الصواب وإن لم يصح الحديث فقول الجمهور واضح القوة تماماً. هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1352

شرح كتاب البيع الدرس رقم (٤) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم الكلام عن بيع مأكول اللحم واستثناء الرأس والجلد والأعضاء والأطراف وأن الصواب: صحة هذا الاستثناء، وانتهينا من هذه المسألة. وكنا تكلمنا على مسألة: (ولا عبد من عبيد ونحوه). وذكرت ما يتعلق بهذه المسألة وأن بيع عبد من عبيد لا يجوز ولو تساوت القيمة ولو قل العدد، وباقي مسألة من مسائل هذه العبارة وهي من مسائل قوله: (ولا عبد من عبيد ونحوه). وهي: إذا صار العبيد أو الشياه أو أي شيء مما سبق التمثيل به متساوي القيمة ومتساوي أيضاً من جهة الصفة بحيث تتطابق أوصاف هذه الأشياء التي بيع واحد منها. ففي هذه الصورة: لا بأس بقوله: (بعت عليك واحداً من هذه الأشياء). لأن الغرر في هذه الصورة منتف تماماً. وغالباً ما يقع هذا في الجامدات والمصنوعات ونحوها فهي تتطابق في الصفة وتتطابق في القيمة.

стр. 1353

أما الأشياء الحية من بهائم الأنعام أو العبيد أو ما شابه هذه الأشياء فيكاد يتعذر أن تطابق الأوصاف تماماً والقيمة، وقد تتطابق القيمة مع اختلاف في الأوصاف وتتطابق القيمة لاعتبارات أخرى لكن الأوصاف تختلف. فقد تجد مثلاً من الماعز الذكر ما قيمته تساوي الأنثى لاختلاف السن أو لرغبة المشتري بالذكر دون الأنثى: فهنا تطابقت القيمة لكن مع اختلاف بين في الوصف بل إن هذا ذكر والآخر أنثى. فإذاً: الخلاصة أنه يصعب أن تتطابق الصفات في الأعيان الحية لا سيما بهيمة الأنعام ولكن قد يحصل هذا في المصنوعات والمنتوجات الجامدة وهو كثير. فمثلاً: السيارات الجديدة اليوم: متطابقة تماماً. وتختلف في شيء واحد وهو: اللون. فبالنسبة للسيارات التي من طبقة واحدة في الصفة لا تختلف إلا في اللون. فإذا وجدت سيارة من نفس الموديل جديدة بنفس اللون وبنفس المواصفات: فإنه لا يوجد أي فرق بين السيارتين. فإذا قال: بعت عليك سيارة مما في المعرض وكل الذي في المعرض من موديل واحد ونوع واحد ولون واحد وصفة واحدة: فهذا على الصواب يجوز وإن كانت عبارة المؤلف ﵀ أن هذا البيع لا يجوز لأنه عمم. لكن كما قلت: هذا يجوز. إذاً: انتهينا من مسألة استثناء المعين من مسألة استثناء رأس وجلد وأطراف الحيوان المأكول وبقينا في مسألة اليوم: - قال ﵀: - وعكسه الشحم. معنى قوله: (وعكسه الشحم) أي: فلا يجوز أن يستثنى. والسبب: أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. وتقدير الشحم في الحيوان المأكول اللحم لا يمكن أن يضبط. فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة واستثنيت ما فيها من لحم: فالبيع باطل. لأن المستثنى مجهول ولا يمكن معرفة المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى. فالبيع باطل. إذاً: الشحم يأخذ عكس حكم استثناء الرأس والجلد والأطراف. * * مسألة / فإن استثنى نوعاً معيناً من الشحم وهو الإلية فقط فإن هذا الاستثناء جائز لأنها مشاهدة معلومة مقدرة وليست مجهولة في داخل الجسم. فاستثناء هذا النوع من الشحم فقط: جائز ولا حرج فيه فإذا انتفت الجهالة صح العقد. - ثم قال ﵀: - والحمل. يعني ولا يصح أن يستثني الحمل.

стр. 1354

فإذا قال: بعت عليك هذه الشاة وأستثني حملها. فإنه: لا يصح. للجهالة. وما قيل في الشحم يقال في الحمل حيث لا يمكن معرفة صفة هذا الحمل ولا هل هو حي؟ أو ميت؟ فهو مجهول. =والقول الثاني: أن استثناء الحمل: جائز. - لأن عبد الله بن عمر ﵁ باع أمة واستثنى حملها. والقول الراجح إن شاء الله: أن استثناء الحمل: لا يجوز. والجواب على أثر ابن عمر: أن لفظه الصحيح: (أنه أعتق جارية واستثنى حملها) ومن المعلوم أن العتق ليس من عقود المعاوضة فلا بأس فيه باستثناء المجهول. ومما يدل على رجحان مذهب الحنابلة: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحمل منفرداً. وتقدم معنا بالأمس قاعدة وهي أنه: (لا يصح استثناء إلا ما يجوز بيعه منفرداً) وتقدم في نص المؤلف ﵀ أنه لا يجوز بيع الحمل منفرداً. إذاً: هذا مما يؤيد مذهب الحنابلة ﵏. والشيء الثالث: إن قيل أن استثناء الحمل هو: عبارة عن استبقاء وليس بيعاً جديداً فلا يأخذ هذه الأحكام إنما هو استبقاء للحمل على ملك البائع. فالجواب: أن كلمة استبقاء تعني: الاستثناء واختلاف العبارة لا يعني اختلاف المعنى والنبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم فالاستبقاء هو استثناء. فإذاً: إذا اعتبرنه عقداً جديداً فهو محرم وإذا اعتبرناه استثنائي واستبقاء فهو أيضاً محرم ولذلك لا أرى ي وجه لتصحيح استثناء الحمل. فهو باطل ومجهول وربما كان الحمل واحد أو اثنان أو ربما كان أنثى أو ذكر أو ربما كان حي أو ميت وربما كان بصحة جيدة أو ربما كان بصحة سيئة وهذه كلها أشياء موغلة في الجهالة وتقدم معنا حكم بيع الحمل وما قيل فيه من نصوص وآثار فهو كذلك ينطبق على هذه المسألة. فاستثناء الحمل الذي قد يمارسه بعض الناس اليوم في بيع بهيمة الأنعام: لا يجوز. ويجب أن يبطل العقد وأن يقال: إما أن تشتريها بالحمل أو أن تنتظر إلى أن تلد ثم تشتري الشاة حائلاً ليست حاملاً. - ثم قال ﵀: - ويصح بيع ما مأكوله في جوفه: كرمان وبطيخ.

стр. 1355

بيع ما مأكوله في جوفه: جائز بالإجماع. ولا مجال للخلاف في هذه المسألة بسبب أن إخراج هذا المأكول من جوف القشر إفساد للسلعة. وهل يتصور أحد أن يبيع البيض بلا قشره؟ هل هو ممكن؟. لا يمكن أبداً. إذاً: ما مأكوله في جوفه يجوز أن يباع في جوفه بالإجماع لأنه إذا أخرج فسد فلا إشكال في هذه المسألة. - ثم قال ﵀: - وبيع الباقلاء ونحوه في قشره والحب المشتد في سنبله. يعني: صحيح. الباقلاء هو: الفول. فبيع الباقلاء والجوز واللوز والحب داخل السنبل وكل ما شابه هذه الأعيان: جائز وصحيح. لدليلين: - الأول: أنه مستتر في قشره الأصلي. - والثاني: أن هذه الأعيان تقاس على ما مأكوله في جوفه. - الثالث - وينبغي أن يكون الأول -: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد. ومفهوم الحديث أنه إذا اشتد الحب: جاز بيعه ولو في سنبله. فمفهوم الحديث يدل على الجواز. = والقول الثاني: أن هذه الأشياء لا يجوز أن تباع لا الجوز ولا اللوز ولا الحب في سنبله ولا الفول قبل أن يقشر وكل ما شابه هذه الأمور. - لأن هذه الأعيان مستتره وهذا الاستتار يؤدي إلى الجهالة والجهالة تمنع من صحة البيع. وكأن هذا القول نظري ولا أظن أنه عمل بهذا القول من بداية الناس بالبيع والشراء لأننا ما علمنا أن الجوز واللوز يباع بدون قشره. فيبدو لي أن الجوز واللوز والفستق والفول: ما زال الناس يبيعونه بقشره الأصلي. فالراجح والذي عليه العمل هو القول الأول ولا أظن القول الثاني كما قلت إلا قول نظري لا يمكن تطبيقه. - ثم قال ﵀: - وأن يكون الثمن معلوماً. يشترط أن يكون الثمن معلوماً: - من جهة القدر. - ومن جهة الصفة. - ومن جهة النوع. والمقصود بكونه معلوماً: أن يعرف البائع كل ما يتعلق بالثمن. والدليل: - أن الثمن أحد طرفي العوض فوجب أن يبين. ـ وأما كيفية معرفة الثمن: فالتفصيل الذي قيل في معرفة السلعة يأتي معنا هنا تماماً في معرفة الثمن من حيث الرؤية ومن حيث الوصف وكل ما قيل من مسائل تتعلق بمعرفة المبيع تأتي في معرفة الثمن تماماً ولا فرق لأن العقد اشتمل على سلعة وثمن فالكلام فيهما واحد.

стр. 1356

ولو أن الفقهاء ﵏ جعلوا هذا الشرط شرطاً واحداً فقالوا: يشترط معرفة السلعة والثمن. كان أوضح. لكن هم ﵏ رأوا التفصيل لزيادة التوضيح وللتأكيد على كل شرط بحد ذاته ليعلم أن الثمن لابد أن يعرف والسلعة لابد أن تعرف. إذاً: لا نحتاج إلى إعادة الكلام فيما يتعلق بكيفية معرفة الثمن لأنه يكون بالرؤية والوصف على ما تقدم. - ثم قال ﵀: - فإن باعه برقمه. المرقوم هو: المكتوب. يعني: فإن باع السلعة بثمنها المكتوب عليها. ومقصود الفقهاء: يعني وجهلاه. أما الثمن المكتوب عليه والذي قرأ وعرف فهذا غير داخل في مسألتنا. إذاً: هم يريدون المرقوم الذي جهله البائع والمشتري. فهذا لا يجوز العقد عليه: لأن الثمن مجهول. ومعرفة الثمن شرط لصحة العقد. صورة المسألة: أن يقول زيد لعمرو: بعت عليك هذه السيارة فيقول: عمرو بكم؟ فيقول: بالسعر المكتوب عليها وهو لا يعرف السعر المكتوب عليها. بأن تكون السيارة غائبة أو بعيدة أو مستترة. فهذه الصورة لا تجوز. = القول الثاني: أن بيع الشيء بسعره المرقوم عليه جائز. - لأنه إن لم يعرف الآن عرف إذا رأي الرقم. وإلى ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد. والأقرب والله أعلم: المنع. لأنه تقدم معنا مراراً أنه لابد من معرفة السعر ومعرفة المبيع في الحال لا في المآل لأن الشقاق إنما يحصل عند المعرفة بعد مجلس العقد. فلابد قبل أن يتم العقد أن يعرف الثمن ولا نكتفي بقوله: بسعرها المكتوب عليها. بل إني أقول: أنه غالباً لا يقول البائع مثل هذا اللفظ يعني: ولا يصرح بالسعر إلا ويريد إخفاء شيء على المشتري وإلا لو كان الأمر على ظاهره لقال: بكذا ولم يقل: بالمكتوب عليه. وعلى كل حال: الأمر سهل ومذهب الحنابلة أوضح. نقول: إذا أردت أن تبيع فصرح بالثمن ولا تقول بالمكتوب ولو كان المكتوب سيتضح عند الوصول إلى السيارة أو إلى السلعة أياً كانت فنقول: صرح بالمكتوب بسعره في مجلس العقد ليدخل البائع على بينة وليكون أيضاً المشتري على بينة. فالصواب إن شاء الله مع الحنابلة وأنه لا يجوز البيع بالرقم إلا أن يعلم للمشتري والبائع. وغالباً سيكون معلوماً للبائع والجاهل هو المشتري.

стр. 1357

وقد يحصل أن البائع والمشتري يجهلان وذلك بأن يضع السعر على السلعة من وقت طويل ثم لا يذكر كم السعر الآن فيقول: مثلاً: بعت هذه السلعة عليك بالسعر المكتوب ولا أذكر الآن كم وضعنا سعر هذه السلعة لكن ننظر إذا وصلنا إلى السلعة. فعلى كل حال: إن كان السعر مجهولاً للبائع أو المشتري أو لأحدهما فإنه لا يجوز. - ثم قال ﵀: - أو بألف درهم ذهباً وفضة. يعني: لا يجوز أن يكون الثمن ألف درهم: بعضه ذهب وبعضه فضة ولم يبين البائع مقدار الذهب ومقدار الفضة. وعلة المنع: أن مقدار الذهب والفضة من مجموع القيمة مجهول، والجهالة تمنع صحة البيع. = القول الثاني: أنه إذا قال: بعت عليك هذه السلعة بألف درهم ذهباً وفضة فإن الثمن يكون مناصفة: نصفها ذهب ونصفها فضة. - لأن الإطلاق هذا يفهم منه المناصفة. = والقول الثالث: أنه إذا قال: بعت عليك بألف درهم ذهباً وفضة: صح مطلقاً. علمنا مقدار الذهب والفضة من مجموع الثمن أو لم نعلم. واستدل هذا القائل: - بأن السعر الآن معلوم وهو: ألف درهم. فحيثما سدد المشتري ألف درهم: جاز. مهما سدد فالسعر في الأخير معلوم سواء سدد بثلاثة أرباعه فضة وربعه ذهب أو بالعكس أو بالمناصفة ففي الأخير والمآل سيكون الثمن: ألف درهم. فإذاً العقد جائز. وهذا القول: وجيه جداً وصحيح وراجح. بشرط: أن لا يكون للناس نظرة وتفريق بين الذهب والفضة. فإذا كان للناس رغبة زائدة في الدنانير أو رغبة زائدة في الدراهم في وقت من الأوقات أو في ملابسات معينة فإنه يجب وجوباً أن يبين مقدار الدراهم ومقدار الدنانير. يعني: مقدار الذهب ومقدار الفضة، فهذا يجب وجوباً. وأما في وقتنا هذا الآن فيتعين البيان فلو قال: بعت عليك بألف ريال دنانير وأريل. فالبيع لا يجوز لأن الدينار الآن عملة موجودة في بلد وفي بلد آخر وفي ثالث. فهو مسمى لعملة في أكثر من بلد والدينار في البلد الفلاني يختلف تماماً قوة ومقداراً وقوة في الشراء عن الدينار في البلد الآخر. فإذاً: نقول في وقتنا هذا لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال ونقول الألف ريال معروفة ولكن تحضر قيمة الألف ريال بعضها من الأريل وبعضها من الدنانير.

стр. 1358

كذلك لا يصلح أن يقول: بعت عليك بألف ريال: أريل ودولارات مثلاً. فهذا لا يصلح لأن الناس يفرقون اليوم بين الدولار ويرون أن له قيمة أكثر مثلاً من معادلة من بعض العملات الأخرى ولو كانت تعادله في القيمة إلا أنهم يرغبون في الدولار أكثر لرواجه وقوته ولأنه يباع في أي سوق أو لأي سبب آخر. الخلاصة: أنه إذا جمع بين نوعين من النقد فيشترط لصحة العقد أن لا يكون عند الناس عرف ورغبة في أحد النوعين أكثر من الآخر فحينئذ لابد من البيان وإلا إذا لم يكن هذا واقعاً بين الناس فإن القول الثالث الذي يقول: أن الألف درهم معروفة كيفما سددت هذه الألف: جاز. فهذا قول وجيه وهو من حيث المعنى قوي. - ثم قال ﵀: - أو بما ينقطع به السعر. إذا باع عليه بما ينقطع به السعر. أي: بالمبلغ الذي يقف عليه السعر بلا زيادة فإنه جائز. لكن في الحقيقة بعد التأمل والنظر وجدنا أنه فيه اختلاف في تعريف ما ينقطع به السعر. ـ فالمعنى المتبادر: أن البيع يكون بما ينقطع عليه السعر أثناء البيع مزايدة. فيقول: بع هذا مزايدة وما ينقطع عليه السعر فهو لي بكذا. هذه الصورة هي المتبادرة للذهن وكثير من الشراح يفرع على هذه الصورة. ـ الصورة الثانية: أن يقول الرجل لبائع السلع قبل أن يبدأ بالبيع: اشتريت منك هذه السلعة بمثل ما تبيع به نظيرها. وهذا يكون غالباً في افتتاح السوق قبل أن يبدأ بالبيع ولا يدري بكم سيبيع فهنا لا يوجد حراج ولا مزايدة لكن لا يدري هو بكم سيبيع فيقول: أنا شتري منك بما ينقطع به السعر كيفما بعت هذه السلعة فأنا أريد التي نشبهها بنفس الثمن. ـ الصورة الثالث: وهي الصورة التي: ذكرها ابن القيم وشيخ الإسلام أن يأخذ الإنسان من البقال تباعاً كل مثلاً - كيلو بكذا. والذي ينقطع به السعر هو في النهاية عند المحاسبة. هذه ثلاث صور: تختلف تماماً في الحقيقة إذا تأملت ذلك. - فالصورة الأولى: وهو البيع مزايدة: الأقرب أنه لا يصح. إذ ربما يرتفع الثمن بسبب ملابسات المزايدة ارتفاعاً لا يرضاه المشتري مطلقاً ثم يحصل بعد ذلك الشقاق والنزاع بقوله: ما كنت أظن أن يبلغ السعر هذا المبلغ.

стр. 1359

- والصورة الثانية: الأقرب فيها الصحة. لأن السعر سيكون متصوراً ومعروفاً ومحدوداً بين سعرين متقاربين وليس هناك مزايدة تخرج عن الظن أحياناً وإنما تحديد متقارب بين سعرين متقاربين فهذا لا إشكال فيه وغالباً ما يقع في السلع اليسيرة الرخيصة. - الصورة الثالثة: هذه الصورة لا بأس بها. بل إن شيخ الإسلام وابن القيم يزعمون أن هذه الصورة بالناس إليها ضرورة ون أكثر معاش الناس لعله في زمنهم يكون على وفق هذه الصورة ولا يمكن أن يمنع الشارع صورة الناس بحاجة إليها حاجة ماسة أو ضرورة. وعلى كل حال: سواء كانت حاجة الناس لمثل هذه الصورة ماسة أو ليست بماسة ضرورية أو ليست بضرورية فهي جائزة ولا محظور فيها. وبهذا كمل صور البيع بما ينقطع عليه السعر. - ثم قال ﵀: - أو بما باع زيد وجهلاه أو أحدهما: لم يصح. إذا قال: بعت عليك بما باع به زيد: فإنه لا يصح. - لأن ما باع به زيد: مجهول، وجهالة السعر تبطل العقد. = والقول الثاني: أنه إذا باع بما باع به زيد: فهو صحيح وجائز. - لأن الناس غالباً لا يستعملون هذه الصيغة إلا بتعليق السعر على رجل له خبرة بأسعار مثل هذه السلع. - ولأن عمل الناس فيما يجهلون من أسعار السلع يكون غالباً كذلك. فيقول: أبيع عليك بمثل ما باع فلان سيارته أو بيته أو غلته أو ثماره .. إلى أخره. والأقرب والله أعلم أنه لا يجوز كما قال الحنابلة. لأن حاجة الناس في مثل هذه الصور تندفع بأن يعرف ما باع به زيد ثم يتم العقد ولا حرج في ذلك. إما بأن يعده أن لا يبيع السلعة أو بأخذ عربون أما إتمام الصفقة تماماً والعقد وإنهاء الأمر على أساس أن سعر السلعة هو بمثل ما باع به زيد. فهذه جهالة واضحة جداً لأن السعر مجهول تماماً إلى أن يبيع زيد فإن باع زيد ربما رضي المشتري أو البائع بما باع به زيد وربما سخط ما باع به زيد ثم وقع بينهما الشقاق والنزاع. وهذه الصورة ما تمس الحاجة إليها ولا يوجد معنى لتصحيحها. يعني: لا يوجد مقصد شرعي يجعل الفقيه يصحح مثل هذه الصورة لأن الحاجة تندفع كما قلت لكم بأن يؤجل إتمام الصفقة إلى ما بعد معرفة السعر الذي باع به زيد. - ثم قال ﵀:

стр. 1360

- وإن باع ثوباً أو صبرة أو قطيعاً كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح. يعني: نلاحظ أن المؤلف ﵀ يأتي بصور ممنوعة ثم يأتي بصور جائزة ثم يرجع للصورة الممنوعة ثم يتكلم عن الصور الجائزة. فبدأ: ولا يصح بيع الملابسة والمنابذة. ثم: ويصح ما مأكوله في جوفه. إذاً انتقل إلى العيان التي تصح. ثم رجع فقال: فإنه باعه برقمه ... إلى آخره. قال: لم يصح. ثم رجع مرة أخرى وقال: وإن باع ثوباً أو صبرة ... صح. فهذا في الحقيقة يخالف الترتيب المنطقي والمتبادر للذهن أن يجعل العقود الصحيحة جملة واحدة ثم يجعل العقود الغير الصحيحة جملة واحدة لكن المؤلف ﵀ إنما فرق هذا التفريق ليبين المسائل المتشابهة التي بعضها يصح وبعضها لا يصح. فيجعل المسائل المتشابهة جميعاً في مكان واحد التي تصح والتي لا تصح. فمثلاً: يبين مسائل الثنيا في مكان واحد فيذكر ما يصح من الثنيا وما يحرم من الثنيا ثم ينتقل لمسائل المستتر فيبين ما يصح وما لا يصح ثم الآن انتقل إلى مسائل بيع الصبرة غير معروفة العدد وسيبين ما يصح وما لا يصح وهو بدأ الآن بالأشياء التي تصح: - فيقول ﵀: - وإن باع ثوباً أو صبرة أو قطيعاً كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم: صح. = ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يبيع الإنسان الثوب: كل ذراع بكذا والصبرة كل قفيز بكذا والقطيع كل شاة بكذا. ولو جهل مقدار الصبرة ومقدار الثوب وعدد الشياه. واستدلوا على هذا: - بأن الصبرة مشاهدة معلومة والقطيع مشاهد معلوم فهو تحت نظر المشتري. وما الثمن فهو يعلم بمعرفة عدد الأذرع والأقفزة وعدد الشياه، فصار كل من المبيع السلعة والثمن معلوماً معروفاً وليس بمجهول. ولذلك ذهب الجمهور إلى تصحيح هذا العقد. وهذا صحيح فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم فلا إشكال لأنه لن يسلم الدراهم إلا بعد معرفة كم قفيز في هذه الصبرة. فإذاً تم معرفة الثمن بمعرفة عدد الأقفزة في هذه الصبرة ولا إشكال إن شاء الله في هذه المسألة. ثم انتقل المؤلف إلى ما لا يجوز: - فقال ﵀: - وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم ... لم يصح. إذا باع الصبرة كل قفيز بدرهم: صح.

стр. 1361

وإذا باع من الصبرة كل قفيز بدرهم: لم يصح. لماذا؟ لأن من هذه للتبعيض وهو يقول: كل قفيز من هذه الصبرة بدرهم ونحن لا نعلم هذا المبعض ما مقداره. فهذا وجه الجهالة الذي أبطل العقد لأن هذا المستثنى والمبعض غير معلوم. فإذا قال البائع للمشتري: هذه صبرة طعام لك منها: كأنه قال: لك بعضها كل قفيز بدرهم. كم المبيع الآن؟ لا يمكن أن يعلم. لماذا؟ لأنه ليست هذه الصبرة المشاهدة كلها مبيعة وإلا لدخلت في المسألة الأولى ولكن بعض هذه الصبرة هو المبيع وهذا البعض مجهول. = والقول الثاني: أن هذا البيع صحيح وجائز. - لأن قيمة كل جزء من هذه الصبرة معلوم وبقدر ما يأخذ من الأجزاء ينعقد البيع. والقفيز معلوم. فالمشتري يأخذ من هذه كل قفيز بدرهم فالآن سعر القفيز معلوم وهو الدرهم والكمية معلومة وهي أنه: كل قفيز قل أو كثر. والذي يظهر والله أعلم: أن هذا صحيح وأن القول الثاني أقوى. لأن الجهالة غير موجودة الآن. فإن كلاً من العوض والمعوض معلوم ويتبين بمجرد الاستلام يعني بمجرد الوزن. - ثم قال ﵀: - أو بمائة درهم إلاّ ديناراً وعكسه. إذا قال: بعت عليك بمائة دينار إلا درهم. فإن العقد باطل. أو قال: بعت عليك بمائة درهم إلا ديناراً: فإن العقد باطل. لأن قيمة الدينار مجهولة واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً. لأنه كما تقدم لا يمكن أن يعلم المستثنى منه إلا بمعرفة المستثنى والمستثنى مجهول فصار كل من المستثنى والمستثنى منه مجهول. =والقول الثاني: أن البيع صحيح ويخصم من المائة درهم قيمة الدينار الواحد وقيمة الدينار ليست بمجهولة بل هي معلومة لغالب الناس وإذا كان المستثنى معلوم صار الثمن كله معلوم. فإذا باع عليه مائة درهم إلا ديناراً وقيمة الدينار عشرة دراهم فالثمن: تسعين. إذاً ليس بمجهول. والقول الثاني: هو الصواب. ولا شك أن طالب العلم إذا قرأ القول الثاني وتعليل القول الثاني علم أنه إذا قال: بعت عليك بمائة ريال إلا دولار وأنت ما تعرف قيمة الدولار فإن هذا العقد باطل حتى على القول الثاني. لأن هذا معلوم من التعليل فإذاً إذا كانت العملة المستثناة مجهولة المقدار للبائع أو المشتري فإن الثمن مجهول والعقد باطل.

стр. 1362

فإذاً طالب العلم ما يأخذ الأقوال جامدة وإنما يأخذ القول ويعلم متى يخرج من هذا القول إذا لم تتحقق فيه الشروط. - ثم قال ﵀: - أو. هذه زائدة أيضاً تشطب لأنها ليست في النسخ. - ثم قال ﵀: - أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح. في هذا الموضع من أصل المتن وهو المقنع قال ابن قدامة ﵀: (فصل في تفريق الصفقة) فإذاً المؤلف ﵀ الآن بدأ في مسائل تفريق الصفقة وكأن الماتن ﵀ ما أراد أن يكثر من الفصول فلم يعقد لهذه المسائل فصلاً خاصاً لكنه في المقنع فصل. فإذاً بدأ المؤلف ﵀ بالكلام عن مسائل تفريق الصفقة. والعقد الذي فيه تفريق الصفقة تعريفه هو: بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه بعقد واحد بثمن واحد. فإذا باع على هذه الصفة فهي من مسائل تفريق الصفقة. فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة وهذه السيارة بمائة ألف فليست من مسائل تفريق الصفقة لأنه لم يجمع بين ما يجوز وبين ما لا وإنما جمع بين ما يجوز وما يجوز. ومسائل تفريق الصفقة لها ثلاث صور: بدأ بالصورة الأولى: - بقوله ﵀: - أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا: لم يصح. إذا جمع في الصفقة الواحدة بالسعر الواحد بين: معلوم ومجهول. فالعقد: باطل. مثاله: أن يقول: بعت عليك هذه السيارة التي تراها أمامك وسيارة أخرى. سعر السيارتين: مائة ألف. والسيارة الأخرى مجهولة تماماً. = فعند الحنابلة: هذا العقد لا يصح. تعليل البطلان: - أنه في مثل هذه الصورة لا يمكن تقسيط الثمن على السلعتين لأن تقسيط الثمن يشترط له معرفة قيمة السلعة المجهولة لإمكانية التقسيط فإذا جهلت قيمة السلعة المجهولة لم يمكن مع ذلك التقسيط. فبطل العقد لأن الثمن مجهول. وهذا صحيح بلا إشكال. إذاً: تعليل المنع: أن تقسيط الثمن على السلعتين لا يمكن إلا بمعرفة قيمة السلعة المجهولة. وإذا لم يعرف الإنسان قيمة السلعة المجهولة لم يمكن تقسيط الثمن وإذا لم يمكن تقسيط الثمن صار مجهولاً والثمن المجهول يبطل العقد. فهذا الحكم صحيح وثابت والجهالة بهذه الكيفية تؤدي إلى إفساد البيع.

стр. 1363

والمثال المشهور الذي يذكره الفقهاء أن يقول: بعت عليك هذه الشاة وما في بطن الأخرى. فالشاة هذه معلومة لكن ما في بطن الأخرى مجهول الثمن والصفة والكيفية والحياة والممات كما تقدم معنا. ويستثنى من هذه الصورة الأولى: ما ذكره المؤلف ﵀ بقوله: فإن لم يتعذر: صح في المعلوم بقسطه. يستثنى في هذه المسألة: صورتين: - الصورة الأولى: إذا حدد قيمة كل من السلعتين. فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى بمائة ألف. قيمة هذه السيارة سبعين وقيمة تلك ثلاثين. إذاً بين سعر كل واحدة من السلعتين وإن كان الثمن واحد والعقد واحد. ففي هذه الصورة يصح العقد. - الصورة الثانية: أن لا يتعذر علم المجهول بأن قال: بعت عليك هذه السيارة المشاهدة المعلومة وسيارة أخرى مجهولة ثم أمكن معرفة هذه المجهولة فالبيع: صحيح. لأنه ما دام أمكن معرفة السيارة المجهولة فيمكن تبعاً لذلك أن نعرف سعر السيارة المجهولة ثم ننسب القيمة إلى مجموع قيمة السيارتين. فإذا قال: بعت عليك هذه السيارة والسيارة الأخرى وعلمنا صفة السيارة التي كانت مجهولة ثم تبين أن قيمة السيارة المعلومة مائة وقيمة السيارة المجهولة خمسين صار مجموع القيمتين: مائة وخمسين. فإذا نسبنا قيمة المعلومة إلى المجهولة تبين أنه بنسبة الثلثين إلى الثلث. فتبين الآن أن قيمة السيارة المعلومة هي: سبعين ألف. إذاً أمكن التقسيط: وقاعدة الفقهاء أنه متى أمكن التقسيط في تفريق الصفقة: صحت. صحت فيما يصح وبطلت فيما يبطل. فإن قلت: أنه ما دام علمت السيارة المجهولة فلماذا نبطل العقد؟ فالجواب: أن العقد تم ووقع والسيارة مجهولة. فالعقد حين تم هو باطل في هذه السيارة المجهولة صحيح في السيارة المعلومة. وإنما صححنا العقد في المعلومة بعد أن علمنا قيمة المجهولة. إذاً هذه هي الصورة الأولى من مسائل تفريق الصفقة وعلمنا متى تصح ومتى تبطل وأن الأصل أنها باطلة إلا في صورتين. ثم بدأ بالصورة الثانية: - فقال ﵀: - وإن باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد، أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء: صح في نصيبه بقسطه.

стр. 1364

إذا باع مشتركاً بينه وبين غيره: يعني ولم يستأذن هذا الغير. أو باع مشاعاً لكن معلوم المقدار بأن كانت هذه الصبرة مشتركة بين زيد وعمرو لكن من المعلوم أن نصفها لزيد ونصفها لعمرو. فالعقد صحيح. لأنه يمكن تقسيط الثمن بوضوح وسهولة. فإذاً لا جهالة في الثمن ثم إذا قسط الثمن صح في نصيبه وبطل العقد في نصيب شريكه. فإذا قال: بعت عليك هذه الصبرة بمائة ريال ومن المعلوم أن نصفها له ونصفها لشريكه فصار نصف الصبرة صح العقد فيها بخمسين ريال والنصف الآخر الذي للشريك بطل فيه العقد وإنما صحح العقد في هذه الصورة لأنه يمكن تقسيط الثمن. والقاعدة كما تقدم: أنه متى أمكن تقسيط الثمن في تفريق الصفقة فإنه يصحح فيما صح ويبطل فيما ما بطل. ثم بدأ بالصورة الثالثة: - فقال ﵀: - وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، أو خلاً وخمراً صفقة واحدة: صح في عبده وفي الخل بقسطه. ما هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟ إذا باع عبداً مشتركاً بينه وبين آخر أو باع عبده وعبد غيره؟ الفرق: أنه في الصورة الأولى: الملك مشترك. وفي الصورة الثانية: الملك منفرد. لا اشتراك. فهذا هو الفرق فقط بين الصورتين. فإذاً في الصورة الأولى: مشاع ومشترك وفي الصورة الثانية منفرد. فإذا باع عبده وعبد غيره. أو عبداً وحراً أو خلاً وخمراً صفقة واحدة: صح ىفيما يصح فيه وهو العبد والخل وبطل فيما يبطل فيه وهو العبد ملك للغير والخمر. = هذا هو مذهب الحنابلة. أن هذا العقد صحيح. تعليل الحنابلة: - أن لكل من أجزاء العقد قيمة تخصه معلومة فصح العقد في ما يملك الإنسان لاستيفاء شروط البيع وبطل في الآخر لعدم استيفاء شروط البيع. ففي عبد غيره سقط شرط: الملك. وفي الخمر سقط شرط: المالية التي تقدمت معنا. إذاً هذا هو مذهب الحنابلة: الصحة والتعليل هو ما سمعت. = والقول الثاني: أنه إذا باع عبده وعبد غيره فالعقد: باطل. - لأنه جمع في عقد واحد بين الحلال والحرام فنغلب جانب الحرام. ((الأذان)). نتم الفصل. إذاً ذكرنا القول الثاني: وهو: أن العقد لا يصح لأنه جمع بين الحلال والحرام فغلب الحرام.

стр. 1365

= والقول الثالث: أن العقد صحيح ما لم يكن طرفي الصفقة محرم بالنص أو الإجماع. ـ فإذا باع عليه خلاً وخمراً فإن العقد: باطل. ـ وإذا باع حراً وعبداً فإن العقد: صحيح. - لأن الخمر يحرم بيعه بانص والإجماع. والصواب مذهب الحنابلة وهو أنه يجوز تفريق الصفقة في هذا العقد ويقسط الثمن. ـ فإذا باع حراً وعبداً: نقدر الحر عبد وننظر كم قيمته لو كان عبداً ثم نقسط الثمن على وفق ذلك كما تقدم معنا. ـ وفي مسألة الخمر: نقدر الخمر خلاً ثم نقسط القيمة على وفق ذلك. وقال بعض الفقهاء: بل ننظر إلى قيمة الخمر عند أهل الكتاب ونقسط الثمن على وفق قيمة الخمر عند أهل الكتاب. وهذا القول ضعيف جداً فإن الخمر لا قيمة له شرعاً ولا ينظر لقيمه عند مستحليه بل المتعين إن شاء الله أنا ننظر إلى الخمر كأنه خل ونقيمه على هذا الأساس ونقسط القيمة حسب قيمة هذا الخمر لو كان خلاً.

стр. 1366

شرح كتاب البيع الدرس رقم (٥) قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. انتهينا من الكلام عن مسائل تفريق الصفقة وصور تفريق الصفقة وحكم كل صورة، وبقي علينا مسألة أخيرة وهي: - قول المؤلف ﵀: - وللمشتري الخيار: إن جهل الحال. للمشتري الخيار إذا جهل أنها فرقت عليه الصفقة. وهذا الحكم راجع للصور التي يصح في تفريق الصفقة، وأما الصور التي لا يصح فيها تفريق الصفقة فهي باطلة ليس لأحد منهم الخيار. وثبت الخيار للمشتري: لأنه فرقت عليه الصفقة. وغالباً ما يشتري الإنسان بصفقة واحدة وله قصد في السلعتين، وأمثلة هذا كثيرة جداً. مثاله: إذا قال: بعت عليك عبدي والعبد الآخر والآخر ليس ملكاً له، وأحدهما بناء والآخر نجار، وعمل أحدهما لا يتم إلا بالآخر، فهنا: إذا فرقنا على المشتري الصفقة تضرر ودخل عليه النقص فنقول: له الخيار إن شاء أمضاه فيما يصح من الصفقة وإن شاء رد العقد جملة.

стр. 1367

* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن البائع لا خيار له وإنما الخيار فقط للمشتري: = وهذا مذهب الجمهور. أنه لا خيار للبائع: - لأنه دخل على علم. = والقول الثاني: أنه يثبت الخيار أيضاً للبائع. وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀. والصحيح إن شاء الله: أنه لا يثبت للبائع الخيار إلا إذا ظن أن العقد صحيح، بأن جهل أنه لا يجوز أن يبيع على هذه الكيفية فحينئذ يثبت له الخيار. أما إن باع على علم ومعرفة فإنه لا يثبت له الخيار، بل ينبغي أن يؤدب إذا يعلم أن مثل هذا البيع لا يجوز ولا ينعقد ثم باع بيعاً يعلم أنه لا ينعقد فإنه ينبغي أن يؤدب فضلاً عن أن يعطى الخيار. فصل [فيما نهي عنه من البيوع ونحوها] - ثم قال ﵀: - فصل. أراد المؤلف ﵀ أن يبين في هذا الفصل جملة من البيوع التي لا تصح، وهذه البيوع التي لا تصح مختلفة المآخذ: - فبعضها مأخذه الربا. - وبعضها مأخذه تعطيل الواجبات. - وبعضها له مأخذ آخر. المهم: أن الفصل معقود لبيان جملة من البيوع المنهي عنها. - قال ﵀: - ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، ويصح النكاح وسائر العقود. ولا يصح بيع عصير ... إلى آخره؟ القاعدة العامة لهذه البيوع: - البيع الأول والثاني: ((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو إلى ترك واجب: صار محرماً)). إذاً قاعدة هذه المسائل: وهي المسألة الأولى والثانية: ((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو أفضى إلى ترك واجب فإنه يكون بذلك محرماً)). وهذه القاعدة: يمكن أن تدرج تحتها جملة كبيرة من المسائل التي تختلف باختلاف الناس وباختلاف العادات. إذاً: نأخذ المسألة وهي كما قلت: إنما ذكرت وخصها المؤلف ﵀ لسببين: - السبب الأول: أن فيها نصاً من كتاب الله. - والسبب الثاني: أن تكون كالتمثيل للقاعدة المذكورة. - قوله ﵀: - ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني. البيع بعد النداء الثاني: والمقصود بالنداء الثاني هنا: النداء الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر فالبيع بعد هذا النداء: محرم. والعاقدان آثمان. والدليل على ذلك:

стр. 1368

- قوله : - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/٩]. فالآية صريحة ونص في مسألة ترك البيع. * * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف ﵀: (ولا يصح البيع) أن الشراء جائز كما يقوله بعض الشراح. والصواب: أن هذا ليس بظاهر لكلام المؤلف ﵀ وليس بمقصود. لماذا؟ لأنه جرى العرف أنه إذا أطلق البيع دخل فيه الشراء. ولأنه تقدم معنا في أول كتاب البيع أن البيع من الأضداد الذي يطلق على البيع والشراء. فمن التكلف أن نقول: أن اقتصار المؤلف ﵀ على البيع تقصير. وهذا ذكره عدد من الشراح وأشار إليه أيضاً الشيخ منصور في الروض باعتبار أنه كأنه يستدرك ويقول: (والشراء). على كل حال أريد أن أقول: أنه لا يستدرك على المؤلف ﵀ مثل هذا لوضوحه. - ثم قال ﵀: - ممن تلزمه الجمعة ... إلى آخره. ظاهر كلام المؤلف ﵀: أن التحريم يختص بالذين تلزمهم الجمعة. أما الذين لا تلزمهم الجمعة كالنساء والصبيان والمرضى ومن لا يسمع النداء وكل من لا تلزمه الجمعة أنه لا يحرم في حقهم عقد البيع. والدليل على ذلك: - أن الله تعالى إنما منع من عقد البيع من أوجب عليه السعي وهؤلاء لا يجب عليهم السعي فلا يحرم عليهم البيع. - ولأن الله تعالى إنما حرم البيع لأن لا ينشغل به الإنسان عن الصلاة وسماع الخطبة وهؤلاء لا حرج في انشغالهم لأنه لا تجب عليهم أصلاً. * * مسألة/ يستوي في هذا الحكم مع من تلزمه الجمعة من يجب عليه السعي قبل سماع النداء لإدراك الخطبة، فإذا قدرنا أن زيداً من الناس يحتاج ليصل إلى المسجد ويسمع الخطبة إلى مدة نصف ساعة من مكانه الذي هو فيه. فمن نصف ساعة قبل الآذان لا يجوز له أن يبيع ولا أن يشتري، وهذا المعنى أخذ من روح النص ومفهومه، لأن الله إنما نهى عن البيع لنسعى إلى سماع الخطبة، فإذا جلس الإنسان يشتري ويبيع وهو يحتاج ليصل إلى المسجد إلى نصف ساعة وجلس إلى ما قبل ربع ساعة فهذا قطعاً سيضيع الحكمة التي من أجلها نهى الله عن البيع.

стр. 1369

إذاً: هذه الصورة داخلة في المعنى المقصود من النهي ولا يجوز - بناء عليه - أن يعقد البيع. * * مسألة/ إذا كان أحد العاقدين ممن تلزمه الجمعة والآخر لا تلزمه الجمعة. فهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء ﵏: = منهم من قال: أن هذا العقد يحرم على من تلزمه الجمعة، ويكره فقط على من لا تلزمه الجمعة، فإذا قدرنا أن امرأة تملك أرضاً وعقدت البيع مع رجل تلزمه الجمعة فإنه يحرم على الرجل أن يعقد البيع، وأما بالنسبة للمرأة: فيكره فقط. = والقول الثاني: أنه يحرم عقد مثل هذا البيع: - على من تلزمه. - وعلى الطرف الآخر الذي لا تلزمه. فالجميع وقع في المحرم. - لقوله تعالى: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/٢]. وهذا القول الثاني: هو الصواب إن شاء الله، لأنه كيف نسوغ لمن لا تلزمه الجمعة أن يكون سبباً في ضياع الجمعة على من تلزمه، إذاً: الصواب أنه محرم على الطرفين. - ثم قال ﵀: - ويصح النكاح وسائر العقود. أي: أن المحرم فقط هو عقد البيع، أما ما عداه من العقود فإنها لا تحرم. واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: - الدليل الأول: أن الله تعالى نص على البيع. - (وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/٩] فما عدا البيع لا يدخل في النهي. - الدليل الثاني: أن البيوع هي التي تكثر ويكثر الانشغال بها عن الجمعة بخلاف النكاح فإنه نادراً ما يقع ولا يؤدي تجويزه إلى الانشغال عن الجمعة. = والقول الثاني - في هذه المسألة -: أن جميع العقود سواء كانت عقود تبرعات أو معاوضات بل جميع الأعمال حتى المباحات لا تجوز إذا أدت إلى ضياع الجمعة أو إلى تفويت سماع الخطبة، وهي محرمة. وهذا القول هو القول الصواب، كيف نمنع الإنسان أن يشتري قلماً بريال ونجوز له أن يعقد النكاح على امرأة بمائة ألف؟ وكيف نمنعه أن يشتري قلماً مع أن هذا الشراء لا يشغل الذهن ولا يحتاج إلى تأمل ونجيز له أن يعقد النكاح الذي يشغل الذهن أكثر بأضعاف مضاعفة من شراء هذه السلع اليسيرة؟ فلا شك أن الشارع لا يأتي بمثل هذا وأن الشرع لا يفرق بين مثل هذه المسائل، فمذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف. - ثم قال ﵀:

стр. 1370

- ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً، ولا سلاح في فتنة. القاعدة العامة لهذه المسائل: مسائل بيع السلاح في الفتنة وبيع العصير لمن يتخذه خمراً: ((أن العقد المباح إذا أدى إلى محرم صار محرماً وإن كان هو في نفسه مباحاً)). وهذه قاعدة عظيمة: ما أشد حاجة طالب العلم إلى فهمها وتطبيقها. الدليل على هذه القاعدة: من الكتاب والسنة والأثر والمعنى الصحيح. - فمن الكتاب: ـ قوله : - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/٢]. ـ وقوله: - (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا .. ) -[الأنعام/١٠٨]. - وأما من السنة: ـ فما جاء في السنن أن النبي ﷺ : نهى عن بيع السلاح في الفتنة ـ والدليل الثاني من السنة: أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة: أحدهم عاصرها. مع أن العاصر إنما يعصر العنب لينتج منه عصير لكن لما كان هذا العصير يقصد منه أن يتحول إلى خمر لعن العاصر بسبب ذلك. - وأما من الآثار: ـ فما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن عامله على بستانه قال: إن ثمرة العنب لا تصلح زبيباً ولا تصلح إلا عصيراً. فقال ﵁: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر. ومن المعلوم أنه لن يبيع الخمر وإنما سيبيع عنباً لا يصلح إلا عصيراً، فلن يبيع حتى العصير وإنما سيبيع عنباً لكن هذا العنب لا يصلح إلا عصيراً. - وأما من المعنى: فإن ما أدى إلى النتيجة المحرمة أخذ حكمها، وإلا لانفتح من إباحة مثل هذه الأعمال باباً عظيماً من الشرور. إذاً هذه القاعدة المهمة تدل عليها النصوص المتكاثرة والآثار والمعنى الصحيح وإنما ذكر المؤلف ﵀ لها أمثلة. إذاً: ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً ولا سلاح في فتنة. * * مسألة/ = ذهب الحنابلة إلى أن تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمراً يشترط له أن يتحقق أنه سيتخذه خمراً، أما إن ظن أو غلب على ظنه فإنه يجوز له أن يبيع العصير لمن يتخذه خمراً. = والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتحقق أن المشتري سيتخذه خمراً بل لو غلب على ظنه ذلك لكفى في التحريم.
следующие страницы →