شرح كتاب البيع الدرس رقم (٥)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهينا من الكلام عن مسائل تفريق الصفقة وصور تفريق الصفقة وحكم كل صورة، وبقي علينا مسألة أخيرة وهي:
- قول المؤلف ﵀:
- وللمشتري الخيار: إن جهل الحال.
للمشتري الخيار إذا جهل أنها فرقت عليه الصفقة. وهذا الحكم راجع للصور التي يصح في تفريق الصفقة، وأما الصور التي لا يصح فيها تفريق الصفقة فهي باطلة ليس لأحد منهم الخيار.
وثبت الخيار للمشتري: لأنه فرقت عليه الصفقة.
وغالباً ما يشتري الإنسان بصفقة واحدة وله قصد في السلعتين، وأمثلة هذا كثيرة جداً. مثاله: إذا قال: بعت عليك عبدي والعبد الآخر والآخر ليس ملكاً له، وأحدهما بناء والآخر نجار، وعمل أحدهما لا يتم إلا بالآخر، فهنا: إذا فرقنا على المشتري الصفقة تضرر ودخل عليه النقص فنقول: له الخيار إن شاء أمضاه فيما يصح من الصفقة وإن شاء رد العقد جملة.
стр. 1367
* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن البائع لا خيار له وإنما الخيار فقط للمشتري:
= وهذا مذهب الجمهور. أنه لا خيار للبائع: - لأنه دخل على علم.
= والقول الثاني: أنه يثبت الخيار أيضاً للبائع. وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀.
والصحيح إن شاء الله: أنه لا يثبت للبائع الخيار إلا إذا ظن أن العقد صحيح، بأن جهل أنه لا يجوز أن يبيع على هذه الكيفية فحينئذ يثبت له الخيار.
أما إن باع على علم ومعرفة فإنه لا يثبت له الخيار، بل ينبغي أن يؤدب إذا يعلم أن مثل هذا البيع لا يجوز ولا ينعقد ثم باع بيعاً يعلم أنه لا ينعقد فإنه ينبغي أن يؤدب فضلاً عن أن يعطى الخيار.
فصل
[فيما نهي عنه من البيوع ونحوها]
- ثم قال ﵀:
- فصل.
أراد المؤلف ﵀ أن يبين في هذا الفصل جملة من البيوع التي لا تصح، وهذه البيوع التي لا تصح مختلفة المآخذ:
- فبعضها مأخذه الربا.
- وبعضها مأخذه تعطيل الواجبات.
- وبعضها له مأخذ آخر.
المهم: أن الفصل معقود لبيان جملة من البيوع المنهي عنها.
- قال ﵀:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، ويصح النكاح وسائر العقود. ولا يصح بيع عصير ... إلى آخره؟
القاعدة العامة لهذه البيوع: - البيع الأول والثاني:
((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو إلى ترك واجب: صار محرماً)).
إذاً قاعدة هذه المسائل: وهي المسألة الأولى والثانية: ((أن العقد المباح إذا أفضى إلى فعل محرم أو أفضى إلى ترك واجب فإنه يكون بذلك محرماً)). وهذه القاعدة: يمكن أن تدرج تحتها جملة كبيرة من المسائل التي تختلف باختلاف الناس وباختلاف العادات.
إذاً: نأخذ المسألة وهي كما قلت: إنما ذكرت وخصها المؤلف ﵀ لسببين:
- السبب الأول: أن فيها نصاً من كتاب الله.
- والسبب الثاني: أن تكون كالتمثيل للقاعدة المذكورة.
- قوله ﵀:
- ولا يصح البيع: ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني.
البيع بعد النداء الثاني: والمقصود بالنداء الثاني هنا: النداء الذي يكون بعد جلوس الإمام على المنبر فالبيع بعد هذا النداء: محرم. والعاقدان آثمان.
والدليل على ذلك:
стр. 1368
- قوله : - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/٩]. فالآية صريحة ونص في مسألة ترك البيع.
* * مسألة/ ظاهر كلام المؤلف ﵀: (ولا يصح البيع) أن الشراء جائز كما يقوله بعض الشراح.
والصواب: أن هذا ليس بظاهر لكلام المؤلف ﵀ وليس بمقصود. لماذا؟ لأنه جرى العرف أنه إذا أطلق البيع دخل فيه الشراء. ولأنه تقدم معنا في أول كتاب البيع أن البيع من الأضداد الذي يطلق على البيع والشراء. فمن التكلف أن نقول: أن اقتصار المؤلف ﵀ على البيع تقصير. وهذا ذكره عدد من الشراح وأشار إليه أيضاً الشيخ منصور في الروض باعتبار أنه كأنه يستدرك ويقول: (والشراء).
على كل حال أريد أن أقول: أنه لا يستدرك على المؤلف ﵀ مثل هذا لوضوحه.
- ثم قال ﵀:
- ممن تلزمه الجمعة ... إلى آخره.
ظاهر كلام المؤلف ﵀: أن التحريم يختص بالذين تلزمهم الجمعة. أما الذين لا تلزمهم الجمعة كالنساء والصبيان والمرضى ومن لا يسمع النداء وكل من لا تلزمه الجمعة أنه لا يحرم في حقهم عقد البيع.
والدليل على ذلك:
- أن الله تعالى إنما منع من عقد البيع من أوجب عليه السعي وهؤلاء لا يجب عليهم السعي فلا يحرم عليهم البيع.
- ولأن الله تعالى إنما حرم البيع لأن لا ينشغل به الإنسان عن الصلاة وسماع الخطبة وهؤلاء لا حرج في انشغالهم لأنه لا تجب عليهم أصلاً.
* * مسألة/ يستوي في هذا الحكم مع من تلزمه الجمعة من يجب عليه السعي قبل سماع النداء لإدراك الخطبة، فإذا قدرنا أن زيداً من الناس يحتاج ليصل إلى المسجد ويسمع الخطبة إلى مدة نصف ساعة من مكانه الذي هو فيه.
فمن نصف ساعة قبل الآذان لا يجوز له أن يبيع ولا أن يشتري، وهذا المعنى أخذ من روح النص ومفهومه، لأن الله إنما نهى عن البيع لنسعى إلى سماع الخطبة، فإذا جلس الإنسان يشتري ويبيع وهو يحتاج ليصل إلى المسجد إلى نصف ساعة وجلس إلى ما قبل ربع ساعة فهذا قطعاً سيضيع الحكمة التي من أجلها نهى الله عن البيع.
стр. 1369
إذاً: هذه الصورة داخلة في المعنى المقصود من النهي ولا يجوز - بناء عليه - أن يعقد البيع.
* * مسألة/ إذا كان أحد العاقدين ممن تلزمه الجمعة والآخر لا تلزمه الجمعة.
فهذه الصورة فيها خلاف بين العلماء ﵏:
= منهم من قال: أن هذا العقد يحرم على من تلزمه الجمعة، ويكره فقط على من لا تلزمه الجمعة، فإذا قدرنا أن امرأة تملك أرضاً وعقدت البيع مع رجل تلزمه الجمعة فإنه يحرم على الرجل أن يعقد البيع، وأما بالنسبة للمرأة: فيكره فقط.
= والقول الثاني: أنه يحرم عقد مثل هذا البيع: - على من تلزمه. - وعلى الطرف الآخر الذي لا تلزمه. فالجميع وقع في المحرم.
- لقوله تعالى: - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/٢].
وهذا القول الثاني: هو الصواب إن شاء الله، لأنه كيف نسوغ لمن لا تلزمه الجمعة أن يكون سبباً في ضياع الجمعة على من تلزمه، إذاً: الصواب أنه محرم على الطرفين.
- ثم قال ﵀:
- ويصح النكاح وسائر العقود.
أي: أن المحرم فقط هو عقد البيع، أما ما عداه من العقود فإنها لا تحرم.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن الله تعالى نص على البيع. - (وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ) -[الجمعة/٩] فما عدا البيع لا يدخل في النهي.
- الدليل الثاني: أن البيوع هي التي تكثر ويكثر الانشغال بها عن الجمعة بخلاف النكاح فإنه نادراً ما يقع ولا يؤدي تجويزه إلى الانشغال عن الجمعة.
= والقول الثاني - في هذه المسألة -: أن جميع العقود سواء كانت عقود تبرعات أو معاوضات بل جميع الأعمال حتى المباحات لا تجوز إذا أدت إلى ضياع الجمعة أو إلى تفويت سماع الخطبة، وهي محرمة.
وهذا القول هو القول الصواب، كيف نمنع الإنسان أن يشتري قلماً بريال ونجوز له أن يعقد النكاح على امرأة بمائة ألف؟
وكيف نمنعه أن يشتري قلماً مع أن هذا الشراء لا يشغل الذهن ولا يحتاج إلى تأمل ونجيز له أن يعقد النكاح الذي يشغل الذهن أكثر بأضعاف مضاعفة من شراء هذه السلع اليسيرة؟ فلا شك أن الشارع لا يأتي بمثل هذا وأن الشرع لا يفرق بين مثل هذه المسائل، فمذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
-
ثم قال ﵀:
стр. 1370
- ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً، ولا سلاح في فتنة.
القاعدة العامة لهذه المسائل: مسائل بيع السلاح في الفتنة وبيع العصير لمن يتخذه خمراً:
((أن العقد المباح إذا أدى إلى محرم صار محرماً وإن كان هو في نفسه مباحاً)).
وهذه قاعدة عظيمة: ما أشد حاجة طالب العلم إلى فهمها وتطبيقها.
الدليل على هذه القاعدة: من الكتاب والسنة والأثر والمعنى الصحيح.
- فمن الكتاب: ـ قوله : - (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ) -[المائدة/٢].
ـ وقوله: - (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا .. ) -[الأنعام/١٠٨].
- وأما من السنة: ـ فما جاء في السنن أن النبي ﷺ : نهى عن بيع السلاح في الفتنة
ـ والدليل الثاني من السنة: أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة: أحدهم عاصرها. مع أن العاصر إنما يعصر العنب لينتج منه عصير لكن لما كان هذا العصير يقصد منه أن يتحول إلى خمر لعن العاصر بسبب ذلك.
- وأما من الآثار: ـ فما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن عامله على بستانه قال: إن ثمرة العنب لا تصلح زبيباً ولا تصلح إلا عصيراً. فقال ﵁: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر. ومن المعلوم أنه لن يبيع الخمر وإنما سيبيع عنباً لا يصلح إلا عصيراً، فلن يبيع حتى العصير وإنما سيبيع عنباً لكن هذا العنب لا يصلح إلا عصيراً.
- وأما من المعنى: فإن ما أدى إلى النتيجة المحرمة أخذ حكمها، وإلا لانفتح من إباحة مثل هذه الأعمال باباً عظيماً من الشرور.
إذاً هذه القاعدة المهمة تدل عليها النصوص المتكاثرة والآثار والمعنى الصحيح وإنما ذكر المؤلف ﵀ لها أمثلة.
إذاً: ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً ولا سلاح في فتنة.
* * مسألة/ = ذهب الحنابلة إلى أن تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمراً يشترط له أن يتحقق أنه سيتخذه خمراً، أما إن ظن أو غلب على ظنه فإنه يجوز له أن يبيع العصير لمن يتخذه خمراً.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يتحقق أن المشتري سيتخذه خمراً بل لو غلب على ظنه ذلك لكفى في التحريم.
стр. 1371
وهذا القول الثاني: اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو الصحيح إن شاء الله: - لأن البائع قد يتعذر عليه في صور كثيرة أن يتحقق ويعلم يقيناً أن هذه السلعة ستستخدم في المحرم وإنما الواقع غالباً أن يغلب على ظنه باعتبار القرائن وحال المشتري أنه سيستخدم هذه السلعة فيما حرم الله.
فإذا غلب على ظنه فهذا يكتفى به ولا يشترط أن يتحقق العلم، لا سيما في الأمور التي ستستقبل.
مثال ذلك: إذا استأجر مجموعة من الناس استراحة فإن اتخاذ هذه الاستراحة لما حرم الله أمر في المستقبل ويصعب أن يتحقق منه الإنسان الآن لكن قد يغلب على ظنه من النظر إلى طبيعة المستأجر والقرائن المحتفة بالمستأجر أنه سيستخدم هذا المكان في معصية الله فحينئذ يحرم عليه أن يؤجر إذا غلب على ظنه أن هؤلاء سيستخدمون هذا المكان في ما حرم الله.
وفي الحقيقة مذهب الحنابلة وهو اشتراط التحقق قد - ما أقول يلغي هذه القاعدة - لكن يقلل من فائدة هذه القاعدة، لأنه في غالب الصور إذا تأملت فستجد أن الواقع هو غلبة الظن لا العلم اليقيني.
- ثم قال ﵀:
- ولا عبد مسلم لكافر.
يعني: ولا يجوز أن يبيع عبداً مسلماً لكافر.
استدل الحنابلة على هذا الحكم بدليلين:
- الأول: أن في هذا صغاراً على المسلم ولا يجوز إيقاع الصغار على المسلم.
- الثاني: أن استدامة يد الكافر على العبد المسلم ممنوعة فكيف بالابتداء؟.
= والقول الثاني: أنه إذا اشترى الذمي عبداً مسلماً صح العقد وتم ولكن يلزم الذمي ببيعه فوراً.
وهذا مذهب الأحناف، وهو مذهب ضعيف جداً ما الفائدة أن نصحح العقد ثم نقول للكافر الذمي بع العبد فوراً إذاً لماذا هو اشترى العيد ليبيعه فوراً وهذا غريب على مذهب الأحناف لأنهم أناس يعتنون بالعلل وتحكيم العقل وهذا عقلاً غير مقبول.
-
ثم قال ﵀:
- إذا لم يعتق عليه.
أي: إذا اشترى الكافر عبداً مسلماً يعتق عليه: صح الشراء.
والعبد إنما يعتق على الإنسان إذا اشتراه في صورتين:
ـ الصورة الأولى: إذا كان ذا رحم محرم منه. كما إذا اشترى الإنسان عبداً مسلماً وهذا العبد أخوه: فيصح العقد.
стр. 1372
ـ الصورة الثانية - فيما يعتق على الإنسان إذا اشتراه -: أن يكون معلق العتق على الشراء: فحينئذ أيضاً يصح الشراء.
إذاً: القاعدة العامة بغض النظر عن الصور ولا يوجد إلا هاتين الصورتين: التعليق، وأن يكون ذا رحم. لكن القاعدة العامة أنه إذا اشترى من يعتق عليه: صح العقد.
والتعليل: - أن في هذا الشراء تخليصاً للعبد المسلم من الرق، ففيه نفع للمسلم، ولذلك صحح الفقهاء ﵏ هذا العقد.
وما ذكرنا من أدلة وشواهد تنطبق على بيع العصير لمن يتخذه خمراً أو السلاح في فتنة.
- ثم قال ﵀:
- وإن أسلم في يده: أُجبر على إزالة ملكه.
يعني: إذا كان العبد الذي تحت ملك الكافر من الكفار ثم أسلم فإنا نلزم السيد الكافر بأن يخرج هذا العبد من ملكه.
ولم يتطرق المؤلف ﵀ إلى كيفية الإخراج. والسبب في ذلك: أن كيفية الإخراج راجعة إلى المالك الكافر: فإن شاء باعه وإن شاء وهبة وإن شاء أعتقه وإن شاء جعله ثمناً في سلعة، فالمقصود أن يخرج هذا العبد من تحت ملكه بأي طريقة كانت.
والدليل هو:
- قوله تعالى: - (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) -[النساء/١٤١].
- ولأن في بقاء العبد بعد إسلامه خطر على دينه.
- ولما فيه من الإذلال.
ولذلك هذه المسألة محل إجماع: وهو أنه يجب عليه أن يخرج هذا العبد إذا أسلم من ملكه.
-
ثم قال ﵀:
- ولا تكفي مكاتبته.
المكاتبة: هو أن يشتري العبد نفسه من سيده.
فالمكاتبة لا تكفي إذا أسلم العبد تحت السيد الكافر.
- لأن هذا العبد في مدة المكاتبة تحت ملك وتصرف السيد، وهذا ما لا يقره الإسلام ولذلك لا نكتفي بالمكاتبة بل نأمره بإخراج العبد عن يده بأي طريقة من الطرق التي أشرت إليها قريباً.
- ثم قال ﵀:
- وإن جمع بين بيع وكتابة .. إلى قوله: ويقسط العوض عليهما.
стр. 1373
هذه المسألة من مسائل تفريق الصفقة، ولا أدري لماذا المؤلف ﵀ أخر هذه المسألة إلى هذا الموضع؟ وهو بذلك خالف كثيراً من فقهاء الحنابلة بل الغريب أنه خالف الأصل وهو المقنع فإن المقنع جعل هذه المسألة مع مسائل تفريق الصفقة التي ذكرت آخر الفصل السابق، ففي الحقيقة ذكر المؤلف ﵀ لها هنا غير مناسب بل موضعها مع مسائل تفريق الصفقة، ولذلك إذا قرأت المتن فستشعر أن إدخال هذه المسألة ضمن المسائل لا مكان له وأنه فيه شيء من التكلف.
- قال ﵀:
- وإن جمع بين بيع وكتابة.
إذا جمع الإنسان بين بيع وكتابة في تعامله مع العبد: صحت الكتابة وبطل البيع.
صورة هذه المسألة: أن يقول الإنسان لعبده: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك. فهو الآن جمع بين بيع وكتابة.
فإذا جمع بين بيع وكتابة وقال: بعت عليك عبدي فلان وكاتبتك: بطل البيع.
- لأنه في الحقيقة باع ماله على ماله. ولا يستقيم أن يبيع الإنسان ماله على ماله.
- ثانياً: لأنه باع على العبد والعبد لا يملك.
فعقد البيع: باطل.
أما عقد المكاتبة: فهو صحيح. لأنها مكاتبة اكتملت فيها الشروط ولا يقدح في صحتها أنها قرنت بعقد آخر باطل هذا أولاً وثانياً: لأن الشارع متشوف لإعتاق العبيد فهو يصحح العقود التي فيها اعتاق العبيد.
إذاً: عرفنا الآن الحكم إذا جمع بين بيع وكتابة. وما هو مقصودهم؟ وأن مقصود الحنابلة بذلك أن يجمع بين بيع ومكاتبة يعني لنفس العبد المكاتب كما بينه المثال الذي ذكرت لك.
-
ثم قال ﵀:
- أو بيع وصرف.
قوله: (أو بيع وصرف) هذا ذكر على سبيل التمثيل، وقاعدة هذه المسائل: قاعدة مسائل بيع وصرف هي: ((أن يجمع في عوض واحد - (ولاحظ أني لم أقل في عقد) - أقول في عوض واحد بين عقدين مختلفي الحد والأحكام)) كأن يقول: بعت عليك وصارفتك، أو يقول: بعت عليك وأجرتك. لكن بثمن واحد - كما قلت لك في التعريف: بعوض واحد.
فإذا قال: بعت عليك هذا البيت وأجرتك هذه المزرعة بمائة ألف. صارت من هذه المسائل.
إذاً: عرفنا الآن القاعدة في المسائل التي ذكرها المؤلف ﵀.
- يقول ﵀:
- صح في غير الكتابة.
стр. 1374
مقصود المؤلف ﵀ بقوله: (صح في غير الكتابة). يعني: صحت العقود إلا في مسألة البيع والكتابة فإن البيع يبطل والكتابة تصح. خلافاً لظاهر كلام المؤلف ﵀ فإن المتبادر إلى الذهن إذا قرأ الإنسان هذا أن الكتابة هي التي لا تصح وهو لا يريد هذا وإنما يريد أن العقدين يصحان إلا في صورة البيع والكتابة، فالذي يصح فقط الكتابة دون البيع.
- ثم قال ﵀:
- ويقسط العوض عليهما.
عندنا الآن: مسألتان:
ـ المسألة الأولى: حكم العقد الذي جمع فيه بين عقدين مختلفي الحد في عوض واحد.
حكمه:
= أنه جائز عند الحنابلة، وصحيح ونافذ.
- لأنه لا محذور فيه.
- ولأنه لا يشتمل لا على غرر ولا على شبهة الربا.
= القول الثاني: أن مثل هذه العقود لا تصح.
- لأنه لا يمكن الجمع بين عقدين وأحكام كل عقد تختلف عن الآخر. فالصرف يشترط له التقابض ولا يشترط هذا في البيع. فكيف نجمع بين عقدين وأحكامهما تختلف؟
أجاب الحنابلة عن هذا: بأن اختلاف حقيقة وأحكام كل عقد لا تمنع من تصحيح العقد. وأي ضرر في اختلاف الأحكام. وما ذكره الحنابلة صحيح ووجيه وقوي، فإنه لا يوجد أي معنى لإبطال مثل هذا العقد ولو اتحد الثمن.
لكن تبقى معنا مشكلة أن الثمن الواحد أطلق على عقدين، فهذه المسألة:
حلها الحنابلة ﵏ بقولهم هنا:
- ويقسط العوض عليهما.
طريقة التقسيط هنا كطريقته فيما سبق في مسائل تفريق الصفقة.
فإذا اشترى الإنسان بيتاً واستأجر مزرعة بعوض واحد مثلاً: بمائة وخمسين ألف. ثم لما قدرنا قيمة البيت وجدنا أن قيمة البيت ثمانين ألف وقيمة إيجار المزرعة أربعين ألفاً فإذا جمعنا الثمانين مع الأربعين صارت النتيجة مائة وعشرين. وإذا نسبنا قيمة البيت إلى مجموع القيمتين صارت: الثلثان. وقيمة إيجار المزرعة: الثلث. فإذا رجعنا للثمن الذي وقع عليه العقد نقول: ثلثاه للبيت وثلثه للمزرعة، فمائة ألف قيمة بيع البيت وأربعون ألفاً قيمة إيجار المزرعة. وهذا التقسيط بهذه الكيفية فيه عدل وإنصاف وتقسيم للثمن على مقتضى قيمة السلعتين في السوق.
وهذا القول كما قلت لك: هو الراجح. وهذه الطريقة في التقسيم تؤدي إلى وقوع العدل في العقد إن شاء الله.
стр. 1375
- ثم قال ﵀:
- ويحرم بيعه على بيع أخيه.
ويحرم بيعه على بيع أخيه ويحرم شراؤه على شراء أخيه وسيأتينا صورة ذلك في كلام المؤلف ﵀.
ـ البيع على بيع أخيه، والشراء على شراء أخيه: محرم. وفاعله آثم.
- لقول النبي ﷺ : (لا يبع أحكم على بيع أخيه) وهذا الحديث في الصحيحين وهو نص في تحريم هذه الصورة.
- وأما دليل تحريم الشراء فهو نفس الحديث لما تقدم معنا أن الشراء يدخل في مفهوم البيع في الشرع واللغة. فنحن لسنا بحاجة إلى تكرار أحكام الشراء عند الكلام عند أحكام البيع.
ولذلك الدليل هنا على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هو نفس الدليل.
- الدليل الثاني على تحريم هذين العقدين: قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) والبيع على بيع أخيه إضرار بأخيه وهو واضح الإضرار لأن البيع على البيع يؤدي إلى فسخ العقد الأول، وفي هذا ما فيه من الإضرار على البائع الأول.
- الدليل الثالث: أن الشارع الحكيم من قواعده الكبار العامة: النهي عن كل ما يسبب البغضاء والتشاحن، وهذا العمل من الأعمال التي تسبب التفرقة والبغضاء بين المسلمين.
فإذاً: دل على تحريم البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه هذه النصوص والعلل المذكورة.
- ثم قال ﵀: - مبيناً صورة بيع الإنسان على بيع أخيه -:
- كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: ((أَنَا أُعْطِيْكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ)).
إذاً إذا اشترى سلعة بعشرة قال له الآخر: أنا أعطيك يعني: أبيع عليك نفس هذه السلعة بأقل منها ثمناً بتسعة. فهذا لا شك أنه من البيع على بيع أخيه.
وكذلك لو قال: أنا أبيع عليك بعشرة نفس الثمن لكن سلعة أجود من سلعة البائع الأول فهو نفس الصورة.
ففي الصورتين عمل الثاني: محرم.
فهذه هي صورة بيع الإنسان على بيع أخيه.
أما الشراء:
- فقال ﵀:
- كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: ((عِنْدِي فِيْهَا عَشَرَةٌ)).
يعني: أنا أشتريها منك: بعشرة.
فهذا أيضاً من الشراء على شراء أخيه.
وكذلك لو قال: استأجرت منك هذه الشقة بعشرة فقال له الآخر: أنا أستأجرها منك بعشرين. فهذا من الشراء على شراء أخيه.
стр. 1376
- لأن عقد الإيجار هو عقد بيع تماماً إلا أن السلعة فيه المنافع وليست الأعيان. فهذا أيضاً مما يدخل ضمن الشراء على شراء أخيه.
- ثم قال ﵀:
- ليفسخ ويعقد معه.
ظاهر هذه العبارة: أن النهي إنما يكون إذا أدى إلى فسخ العقد الأول وإجراء العقد مرة أخرى مع البائع على بيع أخيه أو الشاري على شراء أخيه.
أما إذا كان لإجراء أو لإتمام صفقة جديدة على سلعة جديدة فهذا لا يدخل في النهي.
= هذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
وهذا هو الصحيح: أن النهي يتعلق بالسلعة التي تم عليها العقد. أما العقود المستأنفة التي ستأتي في المستقبل على سلع أخرى فإنها لا تدخل في هذا النهي لأن النهي إنما هو عن صورة واحدة فقط وهي: محاولة ثني البائع عن البيع في هذا العقد المعين.
وهذا المفهوم الذي ذكره المؤلف ﵀ صرح به جملة من الشراح، بل لم أر أحداً من الشراح صرح بخلاف هذا المفهوم من شراح الأحاديث لا من الفقهاء.
فاتفق الحنابلة مع شراح الأحاديث على هذا المعنى. وهو أن النهي إنما يتعلق بما إذا أدى البيع إلى فسخ العقد.
* * مسألة/ مفهوم كلام المؤلف ﵀ أن النهي إنما هو فيما إذا كان البيع على بيع أخيه في مدة الخيار. أما بعد مدة الخيار ولزوم العقد فلا بأس ببيع الإنسان على بيع أخيه.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأنه بعد انتهاء مدة الخيار لن يدخل الضرر على البائع لأنه لن يستطيع المشتري إنهاء العقد.
= والقول الثاني: أن النهي عن البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه يشمل أيضاً ما يكون بعد انتها زمن الخيار وثبوت العقد ولزومه.
- لأن المشتري إذا علم بأنه ربما حصل على سلعة نظيرة لسلعته بثمن أقل ربما يسعى في إنها العقد بطريقة غير شرعية، وربما أدى هذا إلى أن يقع الشجار بينه وبين البائع الأول حيث يظن أنه غلب أو مكر به في العقد الأول.
стр. 1377
وفي هذه المسألة عندي تردد كثير جداً وتوقف. وسبب التوقف: أنا نلمس من كلام كثير من أهل العلم عدم توسيع مفهوم البيع على بيع أخيه، لا يريدون توسيع هذا المعنى وإدخال صور كثيرة وإنما مقصود النبي ﷺ في هذا: العقد المعين، أما ما بعد انتهاء العقد فلا يدخل في هذا الحديث النبوي وقلة من أهل العلم من يوسع مفهوم هذا الحديث وهذا البيع المنهي عنه.
فلهذا وقع عندي في هذه المسألة - في الحقيقة - تردد. لأن القول الثاني أيضاً وجيه لأنه في الغالب سيكون بين البائع والمشتري الأول شقاق ونزاع ومحاولة لإنهاء العقد ومحاولة لفسخ العقد ودخول في متاهات الشعور بأنه غلب في العقد الأول.
فبين المعنيين يقع الإنسان في تردد في الحقيقة وإشكال. فليس عندي فيها قولاً راجحاً.
- ثم قال ﵀:
- ويبطل العقد فيهما.
يعني: أنه مع كون بيع الإنسان على بيع أخيه محرم، أيضاً العقد باطل.
والمقصود ببطلان العقد هنا في كلام المؤلف ﵀ يعني: العقد الثاني. أما العقد الأول فلا إشكال فيه.
إذاً: مقصودهم بالبطلان ينصرف إلى العقد الثاني.
دليل البطلان:
- أن هذا العقد الثاني: منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد.
- ولأن في تصحيح العقد إمرار وتسويغ لبيع الإنسان على بيع أخيه.
= القول الثاني: أن العقد في بيع الإنسان على بيع أخيه: صحيح ونافذ مع التحريم والإثم، إلا أن العقد صحيح.
واستدل هؤلاء:
- بأن النهي لا ينصرف إلى العقد وإنما يقصد بالنهي أن يبيع على بيع أخيه يعني: أن يعرض على عرض أخيه وهذا الأمر إنما هو قبل وقوع العقد، فوقوع العقد صار بعد العمل منهي عنه. فالنهي ينصرف إلى هذا العرض لا إلى ذات العقد ولذلك فليس عندنا الآن عقد منهي عنه حتى يؤدي النهي إلى الفساد.
والصواب: أن العقد الثاني باطل. لأن أدلة القول الأول قوية ولأن قاعدة الشارع أن ما أدى إلى محرم فهو محرم.
وكيف نمنع ونحرم أن يبيع على بيع أخيه ثم نصحح العقد فبين تصحيح العقد والتحريم مناقضة ومنافاة.
فإذاً: مذهب الحنابلة في هذه المسألة هو الصحيح إن شاء الله.
- ثم قال ﵀:
- ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة.
стр. 1378
نعم. هذه مسألة: يقول ﵀:
ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ... لم يجز. ... وبطل العقد.
صورة هذه المسألة: أن يبيع الإنسان مائة كيلو قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة: عكس السلم.
والمهم عندنا الآن: أن يبيع مائة كيلوا قمح بعشرة آلاف ريال مؤجلة ثم إذا حل الأجل أعطاه بدل العشرة آلاف مائة كيلو رز فصار الرز عوض عن القمح في الصورة الأولى.
فهذه الصورة:
= محرمة عند الحنابلة. لماذا؟
- لأنها تؤدي إلى بيع ربوي نسيئة بما لا يجوز أن يباع به نسيئة. لأنه لا يجوز للإنسان أن يبيع الرز بالقمح نسيئة وإن جاز التفاضل إلا أنه لا يجوز نسيئة. فصار هذا العقد حيلة على بيع ربوي بجنسه الذي لا يباع به نسيئة.
هذه وجهة نظر الحنابلة.
= والقول الثاني: الذي تبناه ونصره ابن قدامة ﵀: أن هذا العقد صحيح: بشرط أن لا يكون حيلة على الربا.
دليل ابن قدامة:
- يقول ﵀: أن تسليم الأرز - في المثال - بعد انقضاء الأجل هو في الحقيقة بيع لما في الذمة من النقد كأنه اشترى بما في ذمته من النقد هذا الأرز وليس في الحقيقة بيعاً للأرز بالقمح .. (الأذان).
نتم هذه المسألة:
إذاً هذه وجهة نظر الشيخ الفقيه ابن قدامة ﵀ أن هذا العقد جائز وأن حقيقة هذا العقد هو شراء للمال الذي في الذمة لهذا الجنس الربوي الذي سلم في الأخير وهو الأرز في المثال.
= القول الثالث: أن هذه الصورة تجوز للحاجة وتحرم لغيرها.
وهذا القول اختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀.
ومثال الحاجة: أن لا يجد من في ذمته المال النقد لا يجد هذا النقد عند حلول الأجل ويجد مالاً ربوياً آخر كالأرز في المثال فهنا احتاج أن يسدد لعدم وجود النقد أن يسدد بهذا المال الربوي للدين الذي في ذمته.
فهذا مثال للحاجة التي يريد شيخ الإسلام ﵀.
الراجح: يبدو لي أن:
- أضعف الأقوال القول الثالث.
- وأصح الأقوال: اختيار ابن قدامة ﵀.
والسبب: أنه:
ـ إما أن نحكم على هذا العقد أنه عقد ربوي وأنه حيلة على الربا فيكون محرماً للحاجة ولغير الحاجة لأن الربا لا يجوز مطلقاً.
стр. 1379
ـ أو أن نحكم عليه: بأنه ليس بعقد ربوي كما يقول ابن قدامة فنصححه للحاجة ولغير الحاجة.
أما أن نقول: أنه يصح للحاجة ونعلل بشبهة الربا فهذا غير مستقيم مطلقاً.
فمن وجهة نظري أن اختيار الشيخ ﵀ هنا ضعيف وأن كلام الشيخ ابن قدامة في هذه المسألة أقوى وأوجه.
стр. 1380
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٦)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- مسألة: قول الماتن ﵀:
- ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ... لم يجز.
ذكرنا صورة المسألة والخلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: وأن القول الأقرب لمقاصد الشرع - والله أعلم - هو اختيار ابن قدامة ﵀ في هذه المسألة.
نستكمل الكلام عن هذه المسألة بأمرين:
ـ الأمر الأول: شرحُ عبارة المؤلف ﵀ لأنها أشكلت على بعض الإخوان:
يقول المؤلف ﵀: (ومن باع ربوياً) يعني: من باع أحد الأموال الربوية - وستأتي في باب الربا مفصلة - ولنمثل لها: بالقمح (بنسيئة) يعني: باعه بثمن من النقد مؤجل، (واعتاض) عن هذا الثمن المؤجل (ما لا يباع به نسيئة) يعني: ما لا يباع به الربوي قوله (به) يعني الربوي الأول وهو القمح في المثال (نسيئة) يعني اعتاض عنه بمال لا يجوز أن يباع به نسيئة كأن يبادل القمح بالأرز لأن القمح بالأرز يشترط فيه التقابض.
إذاً هذا معنى كلام المؤلف ﵀ وإذا قرأت المثال بتأني استطعت أن تنزل عبارات المؤلف ﵀ على المثال بوضوح إن شاء الله.
* * مسألة/ إذا باع الإنسان ربوياً بثمن مؤجل، ولنقل باع رزاً حال بمائة ألف مؤجلة، ثم هذا البائع اشترى بالمائة ألف التي له في ذمة المشتري مائة صاع من القمح، ثم تصارفا، فهذه الصورة تجوز عند الحنابلة ما لم تكن حيلة على الربا، فإذا كان قد عقد هذا العقد حيلة على الربا فإنه لا يجوز.
стр. 1381
فمثلاً: إذا اشتريتُ منك مائة صاع قمح بألف ريال مؤجلة ثم اشتريتَ مني مائة صاع أرز بألف ريال مؤجلة: جاز أن نتصارف فيسقط ما في ذمتك ويسقط ما في ذمتي ولا يعتبر من هذه المسألة حتى عند الحنابلة بشرط: أن لا يكون ذلك على سبيل الاحتيال بيني وبينك، أن لا يكون حيلة لبيع القمح بالأرز مع النسيئة، فإذا لم يكن حيلة فلا بأس لأنهما عقدان منفصلان.
-
ثم قال ﵀:
- أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة.
هذه المسألة: هي المسألة التي تسمى: العينة.
فالمؤلف ﵀ يفسر العينة هنا بقوله: (اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة.)، فالمؤلف ﵀ بدأ بالعقد الثاني وهذا من فقهه وسيتبين معنا ما هو العقد الأول وما هو العقد الثاني.
فالعينة هي: بيع الشيء بالشيء مع النسيئة.
وفي الاصطلاح: ما ذكره المؤلف ﵀.
وصورته: أن يبيع التاجر سلعة بثمن مؤجل ثم يشتري هذه السلعة بثمن حال أقل منه مؤجلاً، هذه هي الصورة المعروفة المشهورة للعينة.
فالمؤلف ﵀ يقول: (اشترى شيئاً نقداً) فبدأ بالعقد الثاني ومن المعلوم أن المسألة ستبدأ من العقد الأول وهو البيع المؤجل لكنه بدأ بالبيع الثاني لأن البيع الثاني هو محل الخلاف، أما أن يبيع الإنسان شيئاً مؤجلاً فهذا لا إشكال فيه.
= ذهب الحنابلة والجماهير من أهل العلم من السلف والخلف: إلى أن هذه الصورة التي ذكرت لك وهي: العينة: أنها محرمة وهي من العقود الربوية بل هي عند هؤلاء أقبح من الربا الصريح، لأن قاعدة شيخ الإسلام أن الحيل لا تزيد العقود إلا تحريماً، يعني: لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريماً وإيغالاً في معصية الله.
واستدل الجمهور على هذا الحكم بأدلة كثيرة:
- منها: قوله ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر واشتغلتم بالزرع .. سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا).
وهذا الحديث له طرق كثيرة لا يخلو شيء منها عن ضعف لكن مجموع الطرق في مثل هذا الحديث تنقله من الضعف إلى أن يكون حسناً لذاته أو صحيحاً لغيره.
المهم أنه مما يحتج به، لا سيما وأنه يؤيد بالمقاصد العامة للشرع.
стр. 1382
- الدليل الثاني: أن هذا البيع من الحيل، ونصوص الشرع متكاثرة في تحريم الحيلة وذم فاعلها.
- الدليل الثالث: أن أم ولد زيد بن أرقم ﵁ باعته عبداً بثمانمائة درهم إلى العطاء - يعني: مؤجلة - ثم اشترته منه بستمائة درهم نقداً - يعني: حالة - فسألت عائشة ﵂ عن حكم هذا العمل، فقالت عائشة ﵂: (بئس ما اشتريتي وبئس ما شريتي، أبلغي زيداً أنه أبطل جهاده مع النبي ﷺ إلا أن يتوب).
قال الحنابلة: وهذا الحكم لا يصدر من عائشة إلا توقيفاً، وليس لها أن تقول هذا من قبل الرأي، وهذا الأثر إسناده صحيح إن شاء الله وممن صححه ابن عبد الهادي.
فهذه ثلاثة أدلة تدل على أن عقد العينة محرم.
= القول الثاني: أن عقد العينة جائز. وهو مذهب الإمام الشافعي.
واستدل على هذا:
- بأن العقد الأول عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان، والعقد الثاني: كذلك عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان فهذه المعاملة من حيث الظاهر جائزة، وليس لنا أن نتدخل في مقاصد الناس من البيع والشراء.
وتقدم معنا التعليق على هذا الأصل للشافعي ﵀ وهو: أنه ينظر لظواهر العقود ولا ينظر لحقيقة العقد وبناء على ذلك يصحح ﵀ ما لا يصححه الجمهور من العقود ومنها: عقد العينة، ولذلك نجد أن بعض الشافعية يقول: نحن لا نتابع الشافعي على هذا الحكم لأنه ﵁ نص على أنه إذا وجد دليل على خلاف قوله فهو مذهبه، والآن وجد الدليل وهو: (إذا تبايعتم بالعينة).
وعلى كل حال القول الراجح - إن شاء الله - هو مذهب الجمهور وهو أي: عقد العينة واضح الحيلة على الربا وهو من أكل أموال الناس بالباطل وهو أقبح من الربا الصريح الذي يأخذ زيادة صريحة منصوص عليها في العقد لأن هذا لا يخادع الله والمتعاملون بالعينة يخادعون الله.
إذاً: هذا هو حكم مسألة العينة وهي كثيرة الوقوع في عصرنا وقبل ذلك ومن أزمان وهي تتخذ وسيلة لأكل الربا بعقود ظاهرة الصحة وهي عقود ربوية.
- ثم قال ﵀:
- لا بالعكس.
قوله (بالعكس) أي: فإن عكس: جازت. ومقصوده بالعكس هنا: أن يشتري بأكثر أو بمثل ما باع به مؤجلاً.
стр. 1383
مثاله: إذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف:
فإن اشتراها بمائة ألف أو بأكثر: جاز، وهي العكس.
وإن اشتراها بأقل: حرم وهي العينة.
فإذا اشترى من باع مؤجلاً بمثل أو بأكثر من الثمن: جاز، ومعلوم أن هذا جائز وهو من الإرفاق ولا حرج فيه ولا يثرب على فاعله، لكن لا يخفى عليكم أن هذه الصورة لا تقع، لأن الإنسان إذا أراد أن يبر أخاه فإن له أن يقرضه إقراضاً مباشراً بلا دخول في قضية البيع والشراء عن طريق السلعة، لكن على كل حال: إن فعل فإنه لا بأس وليست من العينة.
* * مسألة/ أما عكس العينة فلها صورة أخرى:
وصورتها أن يبيع الإنسان السلعة بثمن حال على شخص ثم يشتري السلعة بثمن مؤجل أكثر منه، ولتسهيل قضية العينة وعكس العينة الفرق بسيط جداً:
العينة: تكون السلعة عند آكل الربا.
وعكس العينة تكون السلعة عند معطي الربا.
فقط هذا الفرق، أما الصورة فهي هي.
فإن كانت السلعة عند آكل الربا: فهي العينة التي سبق، فيبيعه مؤجلاً بثمن ثم يشتريه حالاً بثمن أقل، أو العكس: تكون السلعة عند معطي الربا فيبيعها بثمن حال ثم يشتريها بثمن أكثر مؤجلاً.
فإذا أردت أن تفهم العينة وعكس العينة فالفارق بينهما بسيط: إن كانت السلعة التي هي محل الحيلة عند آكل الربا فهي العينة وإن كانت السلعة عند معطي الربا فهي عكس العينة. فقط هذا هو الفارق بينهما.
ـ حكم (عكس العينة): حكمه ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول:
- إذا كان المقصود من عكس العينة الحيلة على الربا: فهي محرمة بالاتفاق.
- وإذا لم يكن المقصود الحيلة على الربا فإن عكس العينة: فيه خلاف داخل مذهب الحنابلة:
= فمنهم من قال: هي جائزة.
= ومنهم من قال: هي محرمة.
والصواب أن حكم عكس العينة حكم العينة تماماً، وهي حيلة على الربا مكشوفة ولا فرق بين أن يبدأ العقد من عند معطي الربا أو أن يبدأ العقد من عند آكل الربا فالأمر واحد وليس لهذا الأمر أي أثر على الحكم، فهي حيلة على قرض جر نفعاً فلا فرق بينهما.
* * مسألة/ إذا تبين أن العينة من العقود الربوية المحرمة فالمقصود بالعينة في هذا الكلام أي: العقد الثاني. أما العقد الأول ففيه خلاف:
стр. 1384
= فمن الفقهاء من قال: العقد الأول جائز لكن يحرم أن يعقدوا العقد الثاني ليتحيلوا به على الربا.
= ومن الفقهاء من قال: بل العقد الأول محرم من الأصل لأن المقصود به التوصل إلى هذه الحيلة.
= ومن الفقهاء من قال: إن كان المقصود بالعقد الأول الحيلة على الربا فهو محرم وإن كان المقصود من العقد الأول إجرائه على ظاهره فهو جائز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ﵀.
وإذا تأملت فستجد أن مرد اختيار شيخ الإسلام للقول المانع لأن غالب من يوقعون عقود الربا لا يقصدون من العقد الأول إلا التوصل للعقد الثاني للتوصل للقرض الذي جر نفعاً.
فغالب عقود العينة يقصد من العقد الأول فيها هذا الأمر، فدائماً يتحقق شرط شيخ الإسلام وهو أن يكون حيلة على الربا فيكون القول الثالث والأول (يعني القول الذي فيه تفصيل والقول الذي فيه المنع مطلقاً) قولان متقاربان ومن حيث الواقع والتطبيق هما قول واحد في الحقيقة. إذاً: هذا ما تقدم، معنى قول المؤلف ﵀: (أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس: لم يجز). فالآن عرفنا معنى هذا الكلام وصورة العينة وصورة عكس العينة ومقصود المؤلف ﵀ بقوله - هنا - (لا بالعكس).
- ثم قال ﵀:
- وإن اشتراه بغير جنسه، أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغير صفته، أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه: جاز.
قوله: (وإن اشتراه) يعني: من باعه بأقساط مؤجله أكثر مما اشتراه به نقداً.
وقوله ﵀: (وإن اشتراه بغير جنسه) يعني: باعه بالدراهم واشترى بالدنانير. فإن باعه بالدراهم واشترى بالدنانير: جاز.
مثال المسألة: زيد باع على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف درهم، ثم اشتراها منه بخمسين ألف دينار حالة، صورة عقد الربا والذي اختلف الآن: أن الثمن في البيع يختلف عن الثمن في الشراء. فحينئذ:
= يقول الحنابلة: هذه الصورة جائزة وليست من الربا.
- لأن التفاضل بين الثمنين جائز، فلم يوقع هذا العقد في الربا.
= والقول الثاني: أنه إذا اشتراه بثمن آخر فلا يجوز أيضاً.
стр. 1385
- لأن كلاً من الدراهم والدنانير في المثال، كلاً منها يشتركان في معنى الثمنية، وفي تحقيق الربا، فاختلافهما لايؤثر على حقيقة العقد.
وهذا القول هو الصواب، ولو قيل بما ذهب إليه الحنابلة لكانت من الحيل الباردة على الربا: بأن يبيع السيارة بالريالات ويشتريها بالدنانير أو بالدولارات أو بأي عملة أخرى وهذا لا يخرج بالعقد عن صورة الربا مطلقاً.
إذاً: عرفنا الآن معنى قول المؤلف ﵀: (بغير جنسه) وأن الحنابلة يرون إذا اختلف الثمن الذي اشترى به عن الثمن الذي باع به فإنه لا ربا وأن الصواب أن هذا العقد ربا وإن اختلف الجنس وعرفتَ تعليل ذلك.
- وقوله ﵀ (أو بعد قبض ثمنه).
إذا اشتراه من باعه بأقساط مؤجلة بعد قبض ثمنه: جاز: بأقل أو بأكثر أو بمثل. - لأنه لا شبهة للربا هنا.
مثاله: رجل باع سيارة بسبعين ألف ريال مؤجلة لمدة سنة ثم بعد تماما السنة انتهى سداد جميع الأقساط واستلم جميع الثمن فحينئذ له أن يشتري هذه السيارة بمثل الثمن أو بأكثر أو بأقل وليس من الربا في شيء وذلك بعد استلامه جميع الثمن.
وهذا صحيح. لأنه لا ربا هنا مطلقاً، ليس هناك أي نوع من أنواع الربا لأن الثمن المؤجل تم استلامه كاملاً فإذاً لم يثبت في ذمة المشتري أكثر مما أعطى في هذه الصورة لأنه انتهى العقد الأول تماماً وبدأنا بعقد جديد آخر وهذا واضح. لكن ما أقل ما تقع هذه الصورة، قد تقع لكن لا فائدة منها بالنسبة للمتحيلين على الربا لأنه بعد السداد ليس له أي مصلوح في شراء السلعة، اللهم إلا أن لا يكون حيلة على الربا ويريد أن يشتري السلعة شراءً جديداً فحينئذٍ لا يوجد هناك أي نوع من أنواع الربا ولا شبهة الربا.
إذاً: كما قلت لك: إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف ريال لمدة سنة فإنه بعد تمام السداد وانتهاء السنة فلزيد أن يشتري السيارة بمبلغ كاش مثل أو أقل أو أكثر وبمقسط وبأكثر وبأقل فهو عقد جديد ليس له علاقة بالعقد الأول لأن العقد الأول تم بأقساطه واستلام سلعته.
- قوله ﵀: (أو بعد تغير صفته).
إذا اشتراه بعد تغير صفته بثمن أقل فإنه لا بأس. والمقصود بتغير الصفة هنا يعني: إلى النقص لا إلى الزيادة.
стр. 1386
مثاله/ إذا باع زيد على عمرو سيارة بمائة ألف مؤجلة لمدة سنة وبعد مضي ستة أشهر حصل على السيارة حادث وأثر هذا الحادث بنقص قيمة السيارة ثم اشترى هذا الذي باع مؤجلاً اشترى هذه السيارة بقيمة أقل مما باع به لكن هذا النقص سببه نقص الصفة وليس الحيلة على الربا: فحينئذ لا بأس لأن النقص الآن ليس تحيلاً على الربا وإنما بسبب النقص الذي طرأ على العين. فهذا لا بأس به. بشرط أن يكون النقص:
متناسباً مع نقص الثمن. ومتناسباً مع نقص صفة المبيع.
فمثلاً: إذا حصل في – المثال - على السيارة حادث فصارت بدل ما تكون قيمتها سبعين ألفا صارت بسبب الحادث قيمتها ستين ألفاً فإذا دفع فيها ستين ألفاً فلا حرج لكن إن دفع فيها خمسين أو أقل فإنه من عقود الربا.
فإذاً: يجب أن يكون هناك تناسباً بين النقص في القيمة والنقص في الصفة حتى نأمن الحيل الربوية.
- قوله ﵀: (أو من غير مشتريه).
إذا اشتراه من غير مشتريه فلا بأس فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة ثم باع عمرو على خالد السيارة ثم اشترى زيد السيارة من خالد فلا حرج ولا ننظر للسعر سواء كان أقل أو أكثر لأن هذا يبعد أن يكون من حيل الربا ولأن العقد الثاني الذي بين البائع الأول والمشتري الثاني عقد جديد لا علاقة له بالعقد الأول إلا: إذا كانت حيلة ثلاثية بأن يتفق الثلاثة على هذا العقد بأن يقول: كل من بعت عليه أنا أقساط فاشتري أنت منه هذه السلعة وأشتريها أنا منك. فتجد أن هذه السيارة تدور بين ثلاثة: اثنين ثابتين والثالث هو المعطي للربا في كل عقد جديد. فتجد أن السيارة تدور بين هؤلاء الثلاثة وهذا من عقود الربا إذا كان تم بالاتفاق بين الثلاثة. أما إذا تم مصادفة بدون أي اتفاق بأن ذهب الذي اشترى السلعة وباعها في السوق على شخص ثالث ثم جاء الذي باع بأقساط مؤجلة واشترى من هذا الشخص الثالث فإنه لا حرج وليس هناك أي شبهة للربا لبعد ما بين الأطراف.
- وقوله ﵀: (أو اشتراه أبوه أو ابنه).
الضمير في قوله: (أبوه أو ابنه) يعود على البائع أقساط أو الذي نسميه نحن هنا: آكل الربا.
стр. 1387
فإذا باع زيد على عمرو سيارة مؤجلة بمائة ألف لمدة سنة ثم اشترى هذه السيارة أبو زيد أو أخوه أو ابنه أو عمه أو خاله فإنه لا حرج. بشرط: كما تقدم: أن لا تكون هذه المعاملة حيلة على الربا بأن يتفقوا على إجراء هذه المعاملة الصورية.
فإن كانت حيلة على الربا فهي محرمة. (١).
وهذه المعاملة ربما تكون حيلة على الربا وربما لا تكون حيلة على الربا.
فإذا باع زيد سيارته بثمن مؤجل وأخوه يعرف أن هذه السيارة نظيفة وليس بينه وبين أخيه أي اتفاق ثم ذهب إلى المشتري واشترى منه السيارة بقصد الحصول على هذه السيارة التي يعرف هو أنها نظيفة وأنها بحالة جيدة فهذا ليس من الربا في شيء لأنه ليس هناك أي تواطؤ على العقد، والعقد الثاني لا حرج فيه وليس له أي علاقة بالعقد الأول الذي هو البيع أقساط.
إذاَ: إذا اشترى السيارة أبوه أو أخوه أو ابنه فإنه لا حرج وإن اشترى السيارة رجل أجنبي لا أبوه ولا أخوه فيجوز من باب أولى ولذلك لم يذكرها المؤلف ﵀ لأن الحيلة تتصور من أبيه وأخيه ولا تتصور من رجل أجنبي ليس بينهما معرفة. إنما نص على الأب والأخ للحذر من أن يكون هناك حيلة فإذا لم يكن هناك حيلة فإنه يجوز عند الحنابلة وهو قول صحيح لأنه ليس هناك محذوراً من هذه المعاملة.
باب الشروط في البيع
- ثم قال ﵀:
- باب الشروط في البيع.
هذا الباب من أهم الأبواب، وربما نقول هو يلي في الأهمية الشروط لأنه قل أن يخلو عقد من شرط.
قوله ﵀: (باب الشروط): الشرط في اللغة: العلامة.
وفي الاصطلاح: إلزام أحد المتعاقدين الآخر ماله فيه منفعة بسبب العقد. فإن كان الإلزام ليس بسبب العقد فليس من الشروط. وإن كان الإلزام من رجل آخر ليس أحد العاقدين فليس من الشروط. فلابد أن يكون من أحد العاقدين ولابد أن يكون الإلزام بسبب العقد ولابد أن يكون له فيه منفعة.
- قال ﵀:
- منها صحيح.
تنقسم الشروط إلى قسمين:
- القسم الأول: شروط صحيحة.
- والقسم الثاني: شروط فاسدة.
ـ القسم الأول: الشروط الصحيحة، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 1388
- القسم الأول: من الشروط الصحيحة: اشتراط ما هو من مقتضى العقد:
كأن يشترط عليه أن يقبضه السلعة.
أو أن يشترط عليه أن يتصرف - يعني: البائع - بالسلعة كيفما يشاء.
فهذا النوع من الشروط هو من الشروط التي هي تحصيل حاصل، لأن العقد يقتضيها بدون الشرط، وهي جائزة بالإجماع، بل هي واجبة لأن العقد يقتضي هذه الشروط وإنما لم يذكر المؤلف ﵀ هذا النوع لما قلت لك: من أن العقد يقتضي هذه الشروط فلا حاجة للكلام عنها، مع العلم أن الأصل ذكر هذا الشرط - أصل الكتاب وهو المقنع ذكر هذا الشرط - فهذه من المسائل التي تركها المؤلف ﵀ وتركه إياها جيد لأن هذا الشرط تحصيل حاصل.
- القسم الثاني: هو الذي بدأه المؤلف ﵀ بقوله: (كالرهن وتأجيل الثمن، وكون العبد كاتباً).
- فالقسم الثاني هو: اشتراط ما فيه منفعة للبائع أو للمشتري. غالباً لا تكاد تخرج عن أن تكون: صفة في المبيع أو صفة في الثمن أو لتوثيق البيع كاشتراط الرهن. فلا تكاد تخرج شروط الناس عن هذه الأنواع الثلاثة.
وهذا القسم الثاني هو القسم الأول عند المؤلف.
- قال ﵀:
- كالرهن.
أي: كأن يشترط البائع على المشتري أن يرهنه مقابل الثمن سلعة أخرى فيقول بعت عليك هذا البيت بشرط أن ترهنني هذه الأرض. فهذا العقد وهذا الشرط: صحيح.
لأن في هذا الشرط منفعة للبائع.
- قال ﵀:
- وتأجيل الثمن.
الأول من شروط البائع والثاني من شروط المشتري.
كأن يقول: اشتريت منك هذه السلعة بشرط: أن تؤجل الثمن.
فهذا الشرط صحيح، ويلزم البائع أن يؤجل الثمن.
- لقول النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم) وهو حديث صحيح إن شاء الله.
* * مسألة/ فإن اشترط التأجيل فلابد من العلم بالأجل، فإن لم يذكر بطل الشرط.
- لأن النبي ﷺ : (نهى عن الثنيا إلا أن تعلم).
- ولأنه ﷺ : (نهى عن الغرر).
وفي تأجيل الثمن لا إلى موعد محدد غرر وإقحام للمتعاقدين في الخلاف.
= القول الثاني: أنه يجوز تأجيل الثمن إلى موعد معروف وإن لم يحدد كقوله: (إلى الحصاد)، (أو إلى الجذاذ).
стр. 1389
والأقرب والله أعلم أنه لابد من تحديد الأجل بموعد محدد. لأن إطلاق العقود والشروط بلا تحديد وإن ربطت بموعد متعارف عليه يؤدي غالباً أو دائماً إلى الاختلاف والشجار بين المتبايعين.
وإذا كان موعد الجذاذ معروفاً فليذكر في العقد، وموعد الجذاذ يحتمل أن يقصد به أول بداية الموعد ويحتمل أن يقصد به آخر موعد الجذاذ، ويحتمل أن يكون في وسط موعد الجذاذ. وهذه المدة طويلة غالباً ما تكون خلاف بين المتبايعين.
لذلك الأقرب أنه لابد من تحديد موعد معروف محدد باليوم لتسليم الثمن.
-
ثم قال ﵀:
- وكون العبد كاتباً.
هذا شرط في السلعة.
إذا اشترط المشتري أن يكون العبد كاتباً: صح الشرط ولزم الإتيان به.
فإن أخل: فسيأتينا ماذا يترتب على الإخلال.
- ثم قال ﵀:
- أو خصياً.
إذا اشترط أن يكون العبد خصياً أو اشترط أن يكون العبد فحلاً. فإنه لابد من الإيفاء بالشرط.
لأن هذا فيه منفعة للمشتري. سواء اشترط أن يكون خفياً أو اشترط أن يكون فحلاً.
فإن اشترط أن يكون خصياً: فصار فحلاً. أو فحلاً فصار خصياً. فسيأتينا ماذا يترتب على الإخلال بالشرط.
- قال ﵀:
- أو مسلماً.
إذا اشترط أن يكون العبد مسلماً فبان كافراً فقد اختل الشرط.
أما إن اشترط أن يكون كافراً فبان مسلماً فلا خيار للمشترط.
إذا قال: أشترط أن يكون العبد كافراً ثم تبين أنه مسلم فإنه عند الإمام أحمد ﵀ لا خيار.
لماذا؟
- لأنه لا يمكن أن نجعل صفة الإسلام نقصاً في السلعة، بل هي كمال مهما كان مقصود المشترط، فهذا الشرط يسقط.
* * مسألة/ قال ابن مفلح: فإن اشترطه أحمقاً فبان ذكياً فلا خيار. يعني: لو قال: أنا أشترط في العبد أن يكون أحمقاًَ فبان ذكياً فلا خيار له عند ابن مفلح ﵀. لأن صفى الذكاء أكمل من صفة الحمق.
والصواب: أن له الخيار. وأن الإخلال بهذا الشرط إخلال بمقتضى الشرط الذي في العقد.
لأن الحمق قد يكون مقصوداً لبعض الناس لأن عمل هذا العبد لا يناسب فيه أن يكون رجلاً أو عبداً ذكياً بل لابد أن يكون عبداً أحمقاً، فإن كان ذكياً ضره .. ((الأذان)).
نتم القسم الثاني من النوع الأول.
-
يقول ﵀:
- والأمة بكراً.
стр. 1390
يعني: إذا اشترط أن تكون الأمة بكراً فبانت ثيباً فقد أخل بالشرط.
- لأن البكارة مقصوده.
فإن اشترطها ثيباً فبانت بكراً: فلا خيار له.
- لأن صفة البكارة أكمل من غيرها.
والصواب: أنه إذا اشترطها ثيباً وبانت بكراً فله الخيار إذا كان له مقصود صحيح بهذا الشرط، فإن بعض الناس قد يشترط أن تكون الأمة ثيباً ويقصد من هذا قصداً صحيحاً فلا حرج عليه، ولا نقول ليس لك خيار ما دامت بكراً ما دام أنه هو يريدها ثيباً ولا نقول: ليس لك خيار ما دامت بكراً ما دام هو يريدها ثيباً.
فالصواب أنه أن يثبت له فيها الخيار.
وبهذا انتهى النوع الأول من الشروط الصحيحة.
وسيأتينا: ماذا يترتب على الإخلال بهذا النوع ثم نتطرق غداً إن شاء الله للنوع الثاني من الشروط.
стр. 1391
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٧)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم الكلام عن أقسام الشروط الصحيحة وذكرنا الشرط الأول وهو الشرط الذي لم يذكره المؤلف ﵀ والشرط الثاني وصور ونماذج من الشرط الثاني وانتهينا من تقرير صور الشرط الثاني.
باقي من مسائل الشرط الثاني: مسألة واحدة وهي: الحكم إذا أخل بالشرط:
فإذا اشترط عليه صفة مقصودة مرادة ثم أخل بها البائع أو أخل بها المشتري إذا كانت مشترطة على المشتري، فالحكم على التفصيل التالي:
ـ ينقسم الحكم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يتعذر رد السلعة المبيعة: فإذا تعذر فليس لمن فقد الشرط في حقه إلا الأرش، وسيأتينا كيفية تقدير الأرش.
- القسم الثاني: إذا أمكن الرد ولم يتعذر فلمن فقد الشرط في حقه الخيار بين الإمضاء مع أخذ الأرش أو فسخ العقد، فهو مخير إن شاء فسخ وأخذ كامل الثمن وإن شاء أخذ السلعة وأخذ معها الأرش.
وكيفية تقدير الأرش:
هو بأن نقدر قيمة السلعة بدون هذه الصفة المطلوبة ونقدر قيمة السلعة إذا كانت هذه الصفة المطلوبة فيها والفرق بين القيمتين يدفعه البائع.
стр. 1392
نقدر قيمة السلعة بلا صفة وقيمة السلعة مع الصفة والفرق بين القيمتين يدفعه البائع للمشتري.
وفهم من هذا التفصيل أن البائع فيما إذا كان هو الذي أخل بالشرط أنه لا خيار له، إنما الخيار فقط للمشتري.
وهذا صحيح فيما إذا أخل البائع بالشرط عمداً مع العلم، وليس بصحيح إذا أخل بالشرط معذوراً بجهل أو نسيان فحينئذ يثبت الخيار للطرفين.
مثال ذلك: اشترط المشتري على البائع أن تكون الأمة معلمة، تقرأ وتكتب وتحفظ القرآن، والبائع نسي هذا الشرط أو جهل أنه يجب عليه الإيفاء بالشرط فباعه أمة تخلو من هذا الشرط فحينئذ نقول للمشتري الخيار وللبائع الخيار فإذا اختار المشتري الإمضاء مع أخذ الأرش فالبائع أيضاً له الخيار إما بالقبول أو باسترداد السلعة ودفع الثمن، يعني إرجاع الثمن للمشتري، فالجميع بالخيار - طرفي العقد بالخيار.
هذه الصورة فيما إذا كان البائع أخل بالشرط بعذر مع العلم أن غالب العقود يكون فيها الإخلال بغير عذر، فإذا كان الإخلال بغير عذر فالحكم هو ما سمعت أنه له الخيار بين الإمضاء مع أخذ الأرش وبين رد السلعة وأخذ الثمن.
- ثم قال ﵀:
- ونحو أن يشترط البائع: سكنى الدار شهراً.
قوله: (ونحو أن يشترط البائع).
بدأ المؤلف ﵀ بالقسم الثالث من أقسام الشروط الصحيحة، وهذا الشرط - يعني: هذا القسم الثالث - تعريفه: أن يشترط نفعاً معلوماً في السلعة أو نفعاً من البائع في السلعة.
والأمثلة التي ذكرها المؤلف ﵀ توضح المقصود كما سيأتي التعليق عليها.
حكم هذا الشرط:
= ذهب الجماهير إلى صحة هذا الشرط، وأنه شرط لازم.
واستدلوا على هذا:
- بأن جابر ﵁ لما اشترى منه النبي ﷺ بعيره اشترط جابر ﵁ على النبي ﷺ حملانه إلى المدينة - يعني اشترط ظهر البعير إلى المدينة، فهذا اشتراط نفع في المبيع.
= والقول الثاني: أن هذا الشرط باطل ولا يصح.
واستدلوا على بطلانه:
- بأن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. وهذا بيع وشرط.
والراجح والله أعلم مذهب الجماهير وهو صحة هذا النوع من الشروط.
стр. 1393
والجواب على هذا الحديث: أنه حديث ضعيف، بل قال الإمام أحمد ﵀ هو حديث منكر. فهذا الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ .
فتبين معنا أن الراجح صحة هذا الشرط وأنه يعمل به ويلزم من اشترط عليه أن يؤدي ويفي بالشرط.
-
قال ﵀:
- ونحو أن يشترط البائع: سكنى الدار شهراً.
هذا هو المثال الأول للقسم الثالث من الشروط الصحيحة وهو:
- أن يشتري الدار ويشترط على المشتري سكنى الدار لمدة سنة. فيقول: أبيع عليك الدار بشرط أن أسكنها لمدة سنة أو لمدة شهر أو لأي مدة يتفقون عليها، فهذا الشرط صحيح.
ويدل على صحة هذا الشرط:
- أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم.
وفهمنا من كلام المؤلف ﵀ أن اشتراط المنفعة لابد أن يكون معلوماً محدداً وإلا فإن الشرط يبطل.
واستدلوا على هذا:
- بنفس الحديث الدال على صحة الشرط وهو أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وهذه من الثنيا فقد استثنى البائع شيئاً من المبيع وهو المنفعة.
= والقول الثاني: أنه يجوز استثاء شيء من المبيع ولو إلى مدة غير معلومة ولو إلى الممات.
واستدلوا على هذا:
- بأن أم سلمة ﵂ أعتقت الصحابي الجليل سفينة واشترطت عليه خدمة النبي ﷺ إلى أن يموت. فاستثنت ﵂ منفعة غير محددة بل تستمر إلى الموت.
والراجح أنه لابد من معرفة المستثنى وأن يكون معلوماً محدداً.
وأما الحديث: فإن ثبتت صحته فإنه يجاب عنه بأن العقد الذي أجرته أم سلمة عقد عتق وهو ليس من عقود المعاوضات، ويتسامح في هذا العقد ما لا يتسامح في عقود المعاوضات.
هذا إذا صح. فالراجح أنه إذا أراد أن يشترط شرطاً في ذات السلعة أو في منفعتها فلابد أن يكون معلوماً محدداً خروجاً من النزاع الذي سيقع قطعاً إذا لم تحدد فترة الانتفاع.
- ثم قال ﵀:
- أوحملان البعير إلى موضع معين.
стр. 1394
هذا الشرط جاء منصوصاً عليه في حديث جابر ﵁ كما تقدم فالسنة الصحيحة نصت على هذا الشرط فهو شرط صحيح ويلزم من اشترط عليه الإيفاء به لما تقدم معنا من حديث جابر ﵁ فلا إشكال فيه إن شاء الله.
-
ثم قال ﵀:
- أو يشرط المشتري على البائع: حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله.
ذكرنا أن القسم الثالث هو: اشتراط منفعة في المبيع أو اشتراط نفع من البائع في المبيع فهذا القسم أو هذا التمثيل للقسم الثاني: وهو اشتراط منفعة البائع في المبيع كأن أقول: أشتري منك هذا الحطب بشرط أن تحمل الحطب إلى الدار فهذا الشرط يتعلق بمنفعة البائع لكن في المبيع - يعني منفعة تتعلق بالمبيع.
فهذا الشرط صحيح وجائز:
- لأن محمد بن مسلمة ﵁ اشترى من ذمي حطباً واشترط عليه أن يحمله إلى منزله.
- كما أن النصوص الدالة على صحة هذا النوع الثالث من الشروط الصحيحة دالة على صحة هذا النوع الخاص من الشرط.
- كما أن في هذا الشرط منفعة مباحة لا بأس باشتراطها.
* * مسألة/ فإذا اشترط هذا الشرط: صار هذا العقد يتضمن بيعاً وإيجارة، فالبيع للحطب والإيجارة لنقله. وتقدم معنا أن الجمع بين عقدين بثمن واحد صحيح ولا حرج فيه ولو اختلفت أحكام كل عقد وهذا النوع من هذه العقود فإذاً لا بأس أن يشترط نفع البائع في المبيع.
* * مسألة/فإن اشترط نفع البائع في غير المبيع: كأن يقول: اشتريت منك هذا الحطب على أن تبني لي هذا الجدار.
فالآن النفع ليس في المبيع وإنما في عين أخرى وهذا العقد أيضاً صحيح لأن النصوص تدل على صحته ولا يشتمل أي نوع من الغرر أو الظلم فهو متوافق مع مقاصد الشريعة ويدخل ضمن الحديث العام أن النبي ﷺ اشترط الثنيا إلا أن تعلم فهو عقد صحيح إن شاء الله ولا فرق بين أن يشترط الإنسان منفعة من البائع في المبيع أو منفعة من البائع في غير المبيع، وأي فرق بين الصورتين فالشرط في الصورتين صحيح إن شاء الله ويلزم من اشترطه بالأداء والوفاء بما اشترط على نفسه أو بما التزم على نفسه.
-
ثم قال ﵀:
- وإن جمع بين شرطين: بطل البيع.
стр. 1395
إذا جمع الإنسان بين شرطين فغن البيع عند الحنابلة: باطل. وهذا الحكم يتعلق فقط بالقسم الثالث الأخير.
أما إذا شرط شرطين في القسم الأول والثاني فلا حرج عليه. إنما هذا القيد يعود إلى اشتراط منفعة في المبيع أو اشتراط نفع البائع في المبيع.
فالقسم الأول: لو قال: اشتريت منك هذه السيارة بشرط أن تقبضني إياها وأن أتصرف فيها كيفما أشاء، كم اشترط من شرط؟ شرطين: وهذا يدخل تحت القسم الأول.
وإذا قال: اشتريت منك هذه السيارة بشرط أن يكون لونها أبيض وأن تكون جديدة فالآن اشترط شرطين وهذا يدخل تحت القسم الثاني.
وإذا قال: اشتريت منك هذا الحطب بشرط أن تحمله وأن تكسره، فاشترط شرطين وهذا في القسم الثالث وهذا لا يجوز عند الحنابلة، والعقد باطل والشرط باطل.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في بيع وعن بيع ما لا يملك.
قال الإمام أحمد ﵀: فهذا نص في النهي عن الشرطين.
= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ اختارها شيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين. أن اشتراط شرطين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل: صحيح.
- لعموم قول النبي ﷺ : (المسلمون على شروطهم)، فقوله (على شروطهم) عام وهو جمع يشمل الشرط والشرطين والثلاثة والأكثر والأقل.
- واستدلوا بالقياس على صحة أكثر من شرط في القسم الأول والثاني من الشروط الصحيحة.
بقينا في الجواب عن الحديث: فإن الحديث نص: نهى عن شرطين في بيع.
فالجواب عليه: أن أهل العلم اختلفوا في معنى هذا الحديث: أي في معنى نهي النبي ﷺ عن شرطين، اختلفوا إلى خمسة أقوال:
= القول الراجح منها: أن معنى النهي عن الشرطين أن يقول: بعت عليك هذا الشيء نقداً بكذا واشتريته منك نسيئة بأكثر منه. وهي صورة العينة، فحملوا الحديث: النهي عن شرطين. على صورة العينة.
واستدلوا على هذا:
- بأنه يعهد في الشرع وفي اللغة تسمية الشيء ببعضه. فالنهي عن الشرط هنا يقصد بالشرط العقد، فالشرط هنا هو المشروط، كما أن نطلق الضرب على المضروب.
стр. 1396
- والدليل الثاني على حمل هذا الحديث على هذا المعنى: أن النبي ﷺ قال: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا. وإذا أردت أن تطبق هذا الحديث على صور المعاملات فإنه لا ينطبق إلا على العينة، فإذا باع الإنسان بيعتين النبي ﷺ أخبر أن له أوكسهما أو الربا. أوكسهما: يعني: أقلهما. والمقصود بأقلهما هنا: رأس المال. فإذا باع سيارة بنقد بعشرة آلاف واشتراها نسيئة بعشرين ألف فأيهما الأوكس والأقل؟ النقد وهو العشرة آلاف. وهو رأس المال.
وإذا أردت أن تطبق هذا الحديث على صور المعاملات المنهي عنها فستجد أنها تنطبق تماماً على العينة فهي التي فيها ثمنين أحدهما أكثر من الآخر وهي التي إذا لم يأخذ الأقل وقع في هذه الصورة في الربا. وقع في المعاملة هذه في الربا.
إذاً: لحمل هذا الحديث على خلاف ظاهره نحتاج إلى أشياء قوية تخرجنا عن ظاهر نهي النبي ﷺ عن شرطين. والإمام أحمد ﵀ يقول: هذا النبي ﷺ نهى عن شرطين. نص صريح وواضح وصحيح ولذلك نحتاج للخروج عن هذا الظاهر هذه الأدلة التي انتصر لها ابن القيم ﵀ بالذات وشيخ الإسلام ﵀ أيضاً لكن ابن القيم ﵀ هو الذي أطال فيها وبين أن معنى النهي عن شرطين الذي لا ينطبق إلا عليه هو العينة بدلالة هذين الأمرين.
أن الشرط يطلق على العقد وأن النبي ﷺ يقول: فله أوكسهما أو الربا وهذه الصورة لا تنطبق إلا على صورة العينة.
والراجح والله أعلم: القول الثاني وهو: أنه يجوز أن يبيع الإنسان بشرط وبشرطين وبثلاثة. في القسم الأول والثاني والثالث.
أولاً: لأن هذا الحديث وإن كان حديثاً صحيحاً إلا أنه يتعين حمله على هذا المعنى جمعاً بين النصوص والآثار. ولأنه لا يعلم علة واضحة معقولة للنهي عن شرطين وإجازة شرط لا سيما أنا نجيز الشرطين في القسم الثاني بالإجماع ولا فرق بين القسم الثاني والقسم الثالث.
стр. 1397
ولذلك نحن نقول إن شاء الله الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ هي الصواب إن شاء الله وأنه يجوز للإنسان أن يشترط شرطاً أو شرطين أو ثلاثة وأكثر وأقل للنصوص التي ذكرت.
-
ثم قال ﵀:
- ومنها فاسد: يبطل العقد، كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر: كسلف وقرض وبيع وإجارة وصرف.
القسم الثاني من الشروط: الشروط الفاسدة. والشروط الفاسدة: يحرم على الإنسان أن يشترطها، فإن اشترط شرطاً فاسداً فهو آثم. لأنها مخالفة للشرع، ولا يجوز للإنسان أنة يقتحم العقود المحرمة.
وهذا القسم الثاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: من الشروط الفاسدة: أن يشترط عقداً في عقد آخر، اشتراط عقد في عقد، ولا تخلط بين هذه الصورة وبين جمع عقدين بثمن واحد، فتلك ليس فيها شروط أما هذه الصورة فهو يشترط عقد في عقد آخر.
فإذا اشترط عقداً في عقد آخر فهو باطل.
مثاله:
- يقول المؤلف ﵀: (كسلف وقرض).
السلف: المقصود به هنا: السلم.
صورة المسألة: أن يقول: أسلمك بشرط أن تقرضني. فهو اشترط عقداً آخر وهو عقد القرض. فهذا صورة السلف والقرض.
- قال ﵀: (وبيع).
أيضاً: صورة البيع ظاهرة: كأن يقول: أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تقرضني ألف ريال. فهو أضاف إلى عقد البيع شرطاً آخر وهو: عقد القرض.
- ثم قال ﵀: (وإجارة).
نفس الشيء. كأن يقول: أقرضك هذا المبلغ بشرط أن تؤجرني بيتك سواء كان بأجرة المثل أو بأكثر أو بأقل، فمجرد اشتراط أن لا يقرضه إلا إذا أجره فهذا اشتراط عقد في عقد وهو من الشروط الفاسدة كما سمعت.
-
قال ﵀: (وصرف)
والصرف كذلك نفس الصورة. كأن يقول: لا أوأجرك بيتي بشرط أن تصارفني هذه الدراهم بالدنانير. أو هذه الريالات بالدولارات. فيشترط عبيه بعقد الإجارة عقد الصرف.
إذاً: هذه هي الصور التي ذكرها المؤلف ﵀ لاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر.
حكم هذه المسألة:
حكمها: أنها لا تجوز. وأن العقد والشرط باطل:
- لأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا أجرى بيعتين في بيعة، وذلك بسبب اشتراطه عقداً آخر في العقد الأول.
стр. 1398
- واستدلوا بأن النبي ﷺ :نهى عن بيع وسلف. مما يدل على تحريم اشتراط عقد في عقد آخر.
= القول الثاني: في هذه المسألة: أنه يجوز اشتراط عقد في عقد آخر وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ واختارها شيخ الإسلام وابن القيم.
- لأنه ليس في النصوص الشرعية ولا في القواعد والمقاصد الشرعية ما يدل على تحريم اشتراط عقد في عقد آخر.
- والأصل في المعاملات الحل والنبي ﷺ يقول: (المسلمون على شروطهم).
ويستثنى على القول الثاني: بيع وسلف. ويستثنى اشتراط عقد القرض في أي عقد آخر. فلا يجوز للإنسان أن يشترط عقد القرض في أي عقد آخر أما باقي العقود فلا بأس بها، فلو قال: أبيعك بشرط أن تؤجرني، أصارفك بشرط أن تبيعني، أسلم إليك بشرط أن تؤجرني فلا حرج في هذه العقود، لكن لو قال: أؤجرك بشرط أن تقرضني فإنه لا يجوز.
أما دليل الجواز: فذكرناه.
وأما دليل المنع: في صورة القرض إذا دخل على عقد آخر: - فلأن النبي ﷺ نهى عن كل قرض جر نفعاً.
وإذا اشترط عقداً آخر في القرض فقد جر قرضه له نفعاً زائداً وهو العقد الآخر.
ولذلك نحن نقول أن العقد الآخر سواء تم بمثل القيمة السوقية أو بأكثر أو بأقل لا يجوز لأن النفع الذي جره هوم نفس العقد الآخر. سواء كان بأقل أو بكثر وحتى لو كان بأقل من سعر السوق فما دام مشترطاً لإجراء القرض فهو ممنوع ومحرم.
= والقول الثالث: أن البيع صحيح والشرط فاسد.
فإذا قال: أبيع عليك بشرط أن تؤجرني. فأي منهما الفاسد على القول الثالث؟ الإجارة. فالإجارة المشترطة هي الفاسدة والعقد الأول صحيح.
والراجح والله اعلم: القول الثاني.
وأما الجواب عن حديث: نهى عن بيعتين في بيعة. فهو أن يحمل على عقد العينة كما سبق تفصيله الآن وهو أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة ولكن بين هذا بقوله: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وهذه الصورة لا تنطبق إلا على العينة.
وما هو الجواب عن دليلهم الثاني: وهو أنه ﵀ نهى عن بيع وسلف؟
стр. 1399
الجواب: أنا لا نحتاج إلى جواب لأنا نقول بمفهوم هذا الحديث ونستثني صورة القرض، وإنما يجيب الإنسان عن حديث لم يعمل به لعارض أقوى منه أو لفهم آخر للحديث.
إذاً: القول الراجح إن شاء الله لعقد بيعتين في بيعة أنه جائز ولا حرج فيه وكثير من الناس اليوم يحتاج إلى هذا العقد حاجة ماسة ومن أبرز صور الحاجة: الذين يبيعون بيوتهم التي يسكنون فيها غالباً ما يشترطون على المشتري أن يؤجرهم بيتاً آخر. أما إن اشترطوا منفعة السكنى فهذا لا بأس به، لكن غالباً ما يشترطون: يقول: أبيع عليك البيت بشرط أن تؤجرني بيتك الآخر. فهذا العقد صحيح وفيه منفعة للبائع وفيه منفعة للمشتري وفيه منفعة للمجتمع ولا يوجد فيه أي محظور شرعي ولا يتعارض مع أي من مقاصد الشرع.
فإن شاء الله أن هذا القول هو الصواب وحاجة الناس تمس إليه.
ثم بدأ بالثاني:
- فقال ﵀:
- وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلاّ رده، أو لايبيع ولا يهبه ولا يعتقه، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك: بطل الشرط وحده.
النوع الثاني من الشروط الفاسدة: أن يشترط ما ينافي العقد لكن يصح معه العقد وإنما يبطل الشرط، بخلاف القسم الأول فإن العقد والشرط كلاهما باطل.
صور هذه المسألة:
- ـ يقول ﵀: (وإن شرط أن لا خسارة عليه).
الخسارة في اللغة العربية: هي النقص.
فإذا قال: أنا أشتري منك هذه السلعة بشرط أن لا خسارة علي فإن بعتها بخسارة فالعقد الأول باطل وتكون الخسارة على البائع الأول.
فهذا الشرط باطل عند الحنابلة.
لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، لأن العقد يقتضي أن يكون الضمان على المشتري إذا انتقلت إليه السلعة فهذا العقد في الحقيقة ينافي مقتضى العقد. وسياتينا الخلاف فيها.
- ـ قال ﵀: (أو متى نفق المبيع وإلاّ رده).
نفق: يعني: بيع. وهو ضد الكساد.
فيقول: أنا أشتري منك هذه السلعة بشرط أن تباع وتمشي في السوق وإلا فإني أردها.
فالأول: اشترط عدم الخسارة. والثاني: اشترط أن تباع السلعة ولو بدون ربح.
فهذا ينافي مقتضى العقد للتعليل السابق.
- ـ قال ﵀: (أو لايبيع ولا يهبه ولا يعتقه).
اشترط عليه: أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق.
стр. 1400
يقول: أنا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن لا تبيع هذه السيارة ولا تهب هذه السيارة وإنما تبقى معك.
وأنا أبيع عليك هذا العبد بشرط أن لاتهبه ولا تبيعه ولا تعتقه. فيشترط عليه هذا الشرط.
فعلى المذهب: العقد صحيح والشرط فاسد.
فنقول للمشتري: لك أن تبيع ولك أن تهب ولك أن تعتق وأن تصنع ما تشاء لأن العقد صحيح والشرط فاسد.
-
ـ قال ﵀: (أو إن أعتق فالولاء له).
يقول: أنا أبيع عليك هذا العبد بشرط إذا أعتقته فولاء هذا العبد لي.
فهذا الشرط أيضاً: باطل. والعقد صحيح.
- ـ قال ﵀: (أو أن يفعل ذلك).
يعني: أن يبيع وأن يهب وأن يعتق.
فالمنفي يصبح مثبتاً في العبارة.
فيقول: انا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تبيع هذه السيارة.
أنا أبيع عليك هذه السيارة بشرط أن تهب هذه السيارة.
إذاً: يشترط عليه عكس المنفي في الأمثلة السابقة.
فكذلك هذا الشرط باطل والعقد صحيح.
- قال ﵀:
- بطل الشرط وحده.
هذا هو الحكم. هذا حكم النوع الثاني من الشروط الفاسدة:
أن الذي يبطل هو الشرط وحده وأما العقد فهو صحيح.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بان بريرة ﵂ جاءت إلى عائشة وقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق فأعينيني. قال ﵂: إن شئت نقدن لك الثمن دفعة واحدة ويكون الولاء لي. فذهبت إلى أهلها فأبو أن يكون الولاء لعائشة. فرجعت فلما رجعت ﵂ ودخلت على عائشة فإذا النبي ﷺ عند عائشة ﵂ فأخبرت بالأمر فقال النبي ﷺ : (خذيها - يعني اشتريها - واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن اعتق) ثم قام ﷺ خطيباً في الناس فقال: (ما بال رجال يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق).
فالحديث صحيح ونص في إبطال الشرط وصحة العقد.
وهذا الحديث في الصحيحين لا إشكال في ثبوته.
والإمام أحمد ﵀ تمسك بهذا الحديث وقال: هذا النوع من الشروط هو الباطل والنبي ﷺ صحح العقد وانتقلت بريرة إلى عائشة وصار الولاء لها.
стр. 1401
= القول الثاني: أن هذا النوع من الشروط صحيح. بشرط: أن يكون لمشترطه قصد صحيح. وهذا الشرط بالذات في هذا القسم لابد منه: أن يكون لمشترطه قصد صحيح. وإلى هذا ذهب أيضاً شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله -.
واستدلوا:
- بأن النبي ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم) فكل شرط يحقق غرضاً صحيحاً ولا يتنافى مع الشرع فإنه صحيح ويؤخذ به.
- واستدلوا: بأن امرأة ابن مسعود باعت عليه عبداً من عبيدها أو أمة من إمائها واشترطت عليه أنه إذا باعها فهي لها بالثمن. فهذا هو عين هذا الشرط الثاني. ولما سأل ابن مسعود عمر بن الخطاب ﵁: صحح الشرط.
بقينا في الجواب على قضة بريرة: ما هو الجواب على قصة بريرة؟
الجواب: أنه مخالف للنص. فالجواب أنا قلنا في القول الثاني أنهم يقولون كل شرط فيه مصلحة لأحد العاقدين ولا يخالف نصاً من النصوص. فهذه الشروط جائزة بهذين الشرطين:
١ - أن يكون فيه منفعة لأحد العاقدين.
٢ - وأن لا يخالف نصاً من النصوص.
فمثلاً: اشتراط الولاء لغير المعتق هذا يخالف نصاً والنص هو: (إنما الولاء لمن أعتق).
فهذا الشرط مناقض تماماً لمقتضى العقد.
أما الشروط الأخرى التي ليس في المنع منها نص شرعي ولا قاعدة تدل عليها النصوص فليس هناك دليل يدل على إبطالها.
فإذا قال: بعت عليك هذا العبد بشرط: أن لا تبيعه أبداً إلا لي. وهذا هو نفس شرط امرأة ابن مسعود فهذا شرط صحيح لأن للمشترط غرض ومن أعظم أغراض المشترط الحفاظ على سلامة هذا العبد.
كأن يكون من طلاب العلم لا سيما في القرن الثاني والثالث كان سادة الناس من الموالي أئمة الناس من الموالي. فهؤلاء لابد أن يعاملوا معاملة خاصة ولذلك إذا باعه الإنسان فإنه لا يبيعه إلا وقد ضمن عدم الإضرار به، وهذا مثال.
وكأن يقول: بعت عليك هذه العمارة بشرط أن لا تبيع هذه العمارة إلا لي وأنا آخذها منك بالثمن.
من أمثلة النفع الحاصل للمشترط: أن كثيراً من الناس قد يبيع العمارة على شخص ويراعيه ويحابيه فيها في ثمنها فيريد أن هذا الذي اشترى إذا كان يريد أن يبيع ولا ينتفع بهذه العمارة أن ترجع لمن؟ للبائع.
стр. 1402
فعلى كل حال: كل شرط لا يخالف نصاً وفيه نفع لمشترطه فهو صحيح.
إذا قال أحدهم: بعت عليك هذه السيارة بشرط أن لا تبيعها. فقلنا له: لماذا اشترطت هذا الشرط؟ قال: ليس لي أي غرض. لكن هكذا أريد. أريد أنه لا يبيعها. فهل هذا الشرط صحيح أو باطل؟
باطل. لماذا؟ لأنه ليس له غرض صحيح. فلابد أن نراعي هذه القضية.
فإذا كان لمجرد التحكم وليس لغرض صحيح فإنه فعلاً يناقض مقتضى العقد، لكن إذا كان لغرض صحيح فلا بأس به.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ إذا شرط العتق.
إذا شرط العتق فالشرط صحيح حتى عند الحنابلة.
كأن يقول: بعت عليك هذا العبد بشرط أن تعتقه. فالشرط صحيح ويلزم المشتري أن يعتق العبد الذي اشترى.
الدليل على هذا:
- أن أهل بريرة اشترطوا على عائشة شرطين: - الأول: أن تعتق بريرة. والثاني: أن الولاء لهم. فأبطل النبي ﷺ اشتراط الولاء وصحح اشتراط الإعتاق.
فدل هذا على أن هذا الشرط بالذات صحيح.
- الدليل الثاني: أن الشارع متشوف للعتق ويرغب فيه ويتطلبه بشتى الوسائل من ذلك: إذا اشترط البائع على المشتري أن يعتق من اشتراه.
إذاً دل على صحة اشتراط العتق دليلان.
- ثم قال ﵀:
- ((وَبِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلاَثٍ وَإِلاَّ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا)) صح.
صح: يعني صح البيع والتعليق.
فإذا قال له: بعتك هذه السيارة على أن تأتيني بالثمن قبل مضي ثلاثة أيام وإلا فإنه لا بيع بيننا. يعننيك وإلا فإنني أفسخ البيع.
فهذا العقد والتعليق صحيح. يدل عليه دليلان:
- الأول: أنه روي عن عمر ﵁ تصحيح هذا الشرط.
- والثاني: القياس على خيار الشرط كما سيأتينا تفصيله.
- الثالث: عموم قوله ﷺ : (المسلمون على شروطهم).
فهذه الأدلة تدل على صحة هذه الصورة وهو صحيح.
-
ثم قال ﵀:
- ((وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ))، أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.
- ـ قوله ﵀: (وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ).
стр. 1403
هذا هو النوع الثالث من الشروط الفاسدة: وهو: أن يعلق البيع على شيء آخر.
فإذا علق البيع على شيء آخر: فالشرط فاسد.
استدل الحنابلة ﵏ على فساد هذا النوع من الشروط:
- بأن مقتضى البيع نقل الملك - يعني: في المبيع - والتعليق يمنع ذلك.
فإذاً: صار هذا النوع من الشروط أيضاً أبطلوه لأنه يناقض مقتضى العقد، فغالباً ما تجد الحنابلة يدورون في الشروط الفاسدة حول هذا المعنى. وهو أن الشرط يناقض مقتضى العقد.
= القول الثاني: أن هذا النوع من الشروط صحيح وأنه يدخل تحت العمومات ولا يتضمن أي محذور من محذورات عقود المعاوضات، لا ظلم ولا غرر ولا ربا. فهو صحيح.
فإذا قال: بعت عليك هذا الشيء إن جاء زيد: صح. فإن جاء زيد فتم البيع وإلا فلا.
وإن قال: بعت عليك هذه السيارة إن نجحت: فكذلك.
وإن قال: بعت عليك هذا البيت إن تزوجت: فكذلك.
وهذه الشروط صحيحة ولا تخالف شيئاً من قواعد الشرع.
والقول الثاني: هو الصحيح. وأن هذا الشرط صحيح والعقد صحيح خلافاً للمذهب.
- ـ قوله ﵀:أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.
هذه الصورة من جهة مستقلة ومن جهة داخلة تحت القسم الثالث، لأن فيها تعليقاً فهي من هذه الجهة داخلة تحت القسم الثالث من الشروط الفاسدة وهي مسألة مستقلة لأن فيها نصاً خاصاً.
إذا قال الراهن للمرتهن: - الرهن هو: المدين. والمرتهن هو: الدائن. - إذا قال له: إن جئتك بالثمن قبل كذا وكذا وإلا فالرهن لك.
فالبيع والشرط كلاهما باطل عند الحنابلة.
استدلوا على هذا:
- بقول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من راهنه). والإمام أحمد ﵀ فسر هذا الحديث تماماً بهذه الصورة. فقال ﵀:معنى هذا الحديث أن يقول: إن جئتك بالثمن إلى كذا وإلا فالرهن لك. ففسره ﵀ تماماً بهذا.
= والقول الثاني: أن هذه الصورة جائزة وأنه لا حرج فيها.
والجواب على الحديث من وجهين:
- الوجه الأول: أنه ضعيف.
- والوجه الثاني: أن معناه: أخذ الرهن بمقتضى العقد بدون شرط. (أخذ الرهن: يعني من قبل المرتهن. بنقتضى العقد بدون شرط). هذا هو المنهي عنه. ((الأذان)).
стр. 1404
إذاً مسألة: (إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك لا يصح البيع).
تبين معنا الآن أن القول الثاني: صحة البيع. وصحة العقد وهو رواية عن أحمد واختارها كما قلت لكم شيخ الإسلام وابن القيم.
وأجابوا عن الحديث: بأحد جوابين: - إما أن نقدح في صحته ونقول لا يثبت عن النبي ﷺ . - أو أن نحمله على أخذ المرتهن للرهن بمجرد العقد - يعني: إذا تأخر عن السداد.
والراجح إن شاء الله: صحة هذا الشرط لأنه لا ينافي شيئاً من مقاصد الشريعة ولعموم: (المسلمون على شروطهم).
стр. 1405
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٨)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال المؤلف ﵀:
- وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب مجهول: لم يبرأ.
لا يصح عند الحنابلة: أن يشترط البراءة من كل عيب مجهول.
والبراءة من كل عيب تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يبرأ إليه من كل عيب معلوم سماه، وأوقف المشتري عليه. كأن يقول في هذه السلعة: العيب الفلاني، فهذه البراءة صحيحة وليس للمشتري بعد ذلك أنه يرد السلعة بالعيب.
وهذه الصورة غير داخلة في كلام المؤلف ﵀.
ـ القسم الثاني: البراءة من العيب المجهول. أي الذي لم يسمه ولم يبينه البائع أثناء العقد.
فهذه البراءة عند الحنابلة لا تصح. وهو شرط ساقط وللمشتري أن يطالب بخيار العيب.
واستدل الحنابلة على هذا القول:
- بأن خيار العيب لا يثبت إلا بعد العقد فليس أن يسقطه قبل ذلك.
= والقول الثاني: في مسألة البراءة من كل عيب مجهول: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. أن البراءة من كل عيب:
- إن كان العيب غير معلوم للبائع صحت البراءة منه.
- وإن كان معلوماً للبائع لم تصح البراءة منه ولو شرطه.
واستدل الإمام أحمد ﵀ على هذا الحكم:
- بأن هذا هو فقه الصحابة والذي أفتوا به.
واستدل على هذا: