Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
= القول الثاني: أن هذا النوع من الشروط صحيح. بشرط: أن يكون لمشترطه قصد صحيح. وهذا الشرط بالذات في هذا القسم لابد منه: أن يكون لمشترطه قصد صحيح. وإلى هذا ذهب أيضاً شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله -.
واستدلوا:
- بأن النبي ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم) فكل شرط يحقق غرضاً صحيحاً ولا يتنافى مع الشرع فإنه صحيح ويؤخذ به.
- واستدلوا: بأن امرأة ابن مسعود باعت عليه عبداً من عبيدها أو أمة من إمائها واشترطت عليه أنه إذا باعها فهي لها بالثمن. فهذا هو عين هذا الشرط الثاني. ولما سأل ابن مسعود عمر بن الخطاب ﵁: صحح الشرط.
بقينا في الجواب على قضة بريرة: ما هو الجواب على قصة بريرة؟
الجواب: أنه مخالف للنص. فالجواب أنا قلنا في القول الثاني أنهم يقولون كل شرط فيه مصلحة لأحد العاقدين ولا يخالف نصاً من النصوص. فهذه الشروط جائزة بهذين الشرطين:
١ - أن يكون فيه منفعة لأحد العاقدين.
٢ - وأن لا يخالف نصاً من النصوص.
فمثلاً: اشتراط الولاء لغير المعتق هذا يخالف نصاً والنص هو: (إنما الولاء لمن أعتق).
فهذا الشرط مناقض تماماً لمقتضى العقد.
أما الشروط الأخرى التي ليس في المنع منها نص شرعي ولا قاعدة تدل عليها النصوص فليس هناك دليل يدل على إبطالها.
فإذا قال: بعت عليك هذا العبد بشرط: أن لا تبيعه أبداً إلا لي. وهذا هو نفس شرط امرأة ابن مسعود فهذا شرط صحيح لأن للمشترط غرض ومن أعظم أغراض المشترط الحفاظ على سلامة هذا العبد.
كأن يكون من طلاب العلم لا سيما في القرن الثاني والثالث كان سادة الناس من الموالي أئمة الناس من الموالي. فهؤلاء لابد أن يعاملوا معاملة خاصة ولذلك إذا باعه الإنسان فإنه لا يبيعه إلا وقد ضمن عدم الإضرار به، وهذا مثال.
وكأن يقول: بعت عليك هذه العمارة بشرط أن لا تبيع هذه العمارة إلا لي وأنا آخذها منك بالثمن.
من أمثلة النفع الحاصل للمشترط: أن كثيراً من الناس قد يبيع العمارة على شخص ويراعيه ويحابيه فيها في ثمنها فيريد أن هذا الذي اشترى إذا كان يريد أن يبيع ولا ينتفع بهذه العمارة أن ترجع لمن؟ للبائع.
стр. 1402
فعلى كل حال: كل شرط لا يخالف نصاً وفيه نفع لمشترطه فهو صحيح.
إذا قال أحدهم: بعت عليك هذه السيارة بشرط أن لا تبيعها. فقلنا له: لماذا اشترطت هذا الشرط؟ قال: ليس لي أي غرض. لكن هكذا أريد. أريد أنه لا يبيعها. فهل هذا الشرط صحيح أو باطل؟
باطل. لماذا؟ لأنه ليس له غرض صحيح. فلابد أن نراعي هذه القضية.
فإذا كان لمجرد التحكم وليس لغرض صحيح فإنه فعلاً يناقض مقتضى العقد، لكن إذا كان لغرض صحيح فلا بأس به.
- ثم قال ﵀:
- إلاّ إذا شرط العتق.
إذا شرط العتق فالشرط صحيح حتى عند الحنابلة.
كأن يقول: بعت عليك هذا العبد بشرط أن تعتقه. فالشرط صحيح ويلزم المشتري أن يعتق العبد الذي اشترى.
الدليل على هذا:
- أن أهل بريرة اشترطوا على عائشة شرطين: - الأول: أن تعتق بريرة. والثاني: أن الولاء لهم. فأبطل النبي ﷺ اشتراط الولاء وصحح اشتراط الإعتاق.
فدل هذا على أن هذا الشرط بالذات صحيح.
- الدليل الثاني: أن الشارع متشوف للعتق ويرغب فيه ويتطلبه بشتى الوسائل من ذلك: إذا اشترط البائع على المشتري أن يعتق من اشتراه.
إذاً دل على صحة اشتراط العتق دليلان.
- ثم قال ﵀:
- ((وَبِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلاَثٍ وَإِلاَّ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا)) صح.
صح: يعني صح البيع والتعليق.
فإذا قال له: بعتك هذه السيارة على أن تأتيني بالثمن قبل مضي ثلاثة أيام وإلا فإنه لا بيع بيننا. يعننيك وإلا فإنني أفسخ البيع.
فهذا العقد والتعليق صحيح. يدل عليه دليلان:
- الأول: أنه روي عن عمر ﵁ تصحيح هذا الشرط.
- والثاني: القياس على خيار الشرط كما سيأتينا تفصيله.
- الثالث: عموم قوله ﷺ : (المسلمون على شروطهم).
فهذه الأدلة تدل على صحة هذه الصورة وهو صحيح.
-
ثم قال ﵀:
- ((وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ))، أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.
- ـ قوله ﵀: (وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ رَضِي زَيْدٌ).
стр. 1403
هذا هو النوع الثالث من الشروط الفاسدة: وهو: أن يعلق البيع على شيء آخر.
فإذا علق البيع على شيء آخر: فالشرط فاسد.
استدل الحنابلة ﵏ على فساد هذا النوع من الشروط:
- بأن مقتضى البيع نقل الملك - يعني: في المبيع - والتعليق يمنع ذلك.
فإذاً: صار هذا النوع من الشروط أيضاً أبطلوه لأنه يناقض مقتضى العقد، فغالباً ما تجد الحنابلة يدورون في الشروط الفاسدة حول هذا المعنى. وهو أن الشرط يناقض مقتضى العقد.
= القول الثاني: أن هذا النوع من الشروط صحيح وأنه يدخل تحت العمومات ولا يتضمن أي محذور من محذورات عقود المعاوضات، لا ظلم ولا غرر ولا ربا. فهو صحيح.
فإذا قال: بعت عليك هذا الشيء إن جاء زيد: صح. فإن جاء زيد فتم البيع وإلا فلا.
وإن قال: بعت عليك هذه السيارة إن نجحت: فكذلك.
وإن قال: بعت عليك هذا البيت إن تزوجت: فكذلك.
وهذه الشروط صحيحة ولا تخالف شيئاً من قواعد الشرع.
والقول الثاني: هو الصحيح. وأن هذا الشرط صحيح والعقد صحيح خلافاً للمذهب.
- ـ قوله ﵀:أو يقول للمرتهن: ((إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإِلاَّ فَالرَّهْن لَكَ)) لا يصح البيع.
هذه الصورة من جهة مستقلة ومن جهة داخلة تحت القسم الثالث، لأن فيها تعليقاً فهي من هذه الجهة داخلة تحت القسم الثالث من الشروط الفاسدة وهي مسألة مستقلة لأن فيها نصاً خاصاً.
إذا قال الراهن للمرتهن: - الرهن هو: المدين. والمرتهن هو: الدائن. - إذا قال له: إن جئتك بالثمن قبل كذا وكذا وإلا فالرهن لك.
فالبيع والشرط كلاهما باطل عند الحنابلة.
استدلوا على هذا:
- بقول النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن من راهنه). والإمام أحمد ﵀ فسر هذا الحديث تماماً بهذه الصورة. فقال ﵀:معنى هذا الحديث أن يقول: إن جئتك بالثمن إلى كذا وإلا فالرهن لك. ففسره ﵀ تماماً بهذا.
= والقول الثاني: أن هذه الصورة جائزة وأنه لا حرج فيها.
والجواب على الحديث من وجهين:
- الوجه الأول: أنه ضعيف.
- والوجه الثاني: أن معناه: أخذ الرهن بمقتضى العقد بدون شرط. (أخذ الرهن: يعني من قبل المرتهن. بنقتضى العقد بدون شرط). هذا هو المنهي عنه. ((الأذان)).
стр. 1404
إذاً مسألة: (إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك لا يصح البيع).
تبين معنا الآن أن القول الثاني: صحة البيع. وصحة العقد وهو رواية عن أحمد واختارها كما قلت لكم شيخ الإسلام وابن القيم.
وأجابوا عن الحديث: بأحد جوابين: - إما أن نقدح في صحته ونقول لا يثبت عن النبي ﷺ . - أو أن نحمله على أخذ المرتهن للرهن بمجرد العقد - يعني: إذا تأخر عن السداد.
والراجح إن شاء الله: صحة هذا الشرط لأنه لا ينافي شيئاً من مقاصد الشريعة ولعموم: (المسلمون على شروطهم).
стр. 1405
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٨)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال المؤلف ﵀:
- وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب مجهول: لم يبرأ.
لا يصح عند الحنابلة: أن يشترط البراءة من كل عيب مجهول.
والبراءة من كل عيب تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن يبرأ إليه من كل عيب معلوم سماه، وأوقف المشتري عليه. كأن يقول في هذه السلعة: العيب الفلاني، فهذه البراءة صحيحة وليس للمشتري بعد ذلك أنه يرد السلعة بالعيب.
وهذه الصورة غير داخلة في كلام المؤلف ﵀.
ـ القسم الثاني: البراءة من العيب المجهول. أي الذي لم يسمه ولم يبينه البائع أثناء العقد.
فهذه البراءة عند الحنابلة لا تصح. وهو شرط ساقط وللمشتري أن يطالب بخيار العيب.
واستدل الحنابلة على هذا القول:
- بأن خيار العيب لا يثبت إلا بعد العقد فليس أن يسقطه قبل ذلك.
= والقول الثاني: في مسألة البراءة من كل عيب مجهول: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. أن البراءة من كل عيب:
- إن كان العيب غير معلوم للبائع صحت البراءة منه.
- وإن كان معلوماً للبائع لم تصح البراءة منه ولو شرطه.
واستدل الإمام أحمد ﵀ على هذا الحكم:
- بأن هذا هو فقه الصحابة والذي أفتوا به.
واستدل على هذا:
стр. 1406
- بأن (عمر بن الخطاب) ﵁ باع غلاماً على زيد بن ثابت بثمانمائة درهم واشترط عليه البراءة من كل عيب ثم قال زيد: بعد ذلك في الغلام عيب لم تسمه واختصما فارتفعا إلى عثمان بن عفان ﵁ فنظر في المسألة ثم قضى بأن يحلف بن عمر أن ليس في العبد عيب يعلمه فأبى ابن عمر أن يحلف وارتجع الغلام ثم صح الغلام فباعه ابن عمر بألف وخمسمائة درهم - بضعف الثمن تقريباً - وإنما رفض ابن عمر ﵁ أن يحلف لأنه لم يرد أن يجعل الأيمان داخلة في بيعه وشرائه تورعاً، ولذلك والله أعلم يسر الله أمره بأن باع العبد بضعف الثمن.
فهذا الأثر دال على أن البائع إذا برئ من كل عيب وهو لا يعلم الآن عيوب السلعة فالبراءة صحيحة وإن برئ من كل عيب وهو يعلم هذه العيوب فإن البراءة باطلة وللمشتري أن يطالب بخيار العيب بعد ذلك ولو كان مشترطاً.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وهو قول صحيح تدل عليه الآثار وتدل عليه المقاصد العامة التي تدل على اعتبار الشروط التي لا تخالف مقتضى الشرع وهذا الشرط منها.
- ثم قال ﵀:
- وإن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر ... صح
إذا باعه داراً أو أرضاً على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر يعني: بانت خمسة عشر ذراعاً مثلاً: صح البيع.
- لأن هذا النقص نقص على المشتري، فإذا أسقطه فله الحق كما إذا أسقط خيار العيب.
ووجه أن هذه الزيادة نقص على المشتري أن هذه الزيادة ستدخل عليه بملكه شريكاً، ودخول الشريك في الملك نقص في المعنى.
إذاً زيادة الأذرع نقص على المشتري مع أنها زيادة لكن هي نقص في المعنى لأنه سيدخل عليه شريكاً في الملك، لأن هذا الزائد سيبقى في ملك البائع لأنه إنما باع له عشرة أمتار أو عشرة أذرع فقط وإذا بقيت الزيادة في ملك البائع صار شريكاً في الأرض أو في البيت للمشتري وهذا هو وجه النقص.
- ثم قال ﵀:
- أو أقل: صح.
إذا بانت أقل: فأيضاً يصح. إذا بانت أقل فهو صحيح بأن تبين أن الدار تسعة أذرع وهو نقص على البائع فإذا رضي به صح كما إذا وجد عيب في الثمن.
стр. 1407
ووجه النقص على البائع في هذه الصورة: أن الثمن سيقسط على السلعة وبذا ينقص الثمن الذي استلمه البائع، وبهذا ينقص الثمن الذي اشتراه البائع.
فإذاً إذا تبين النقص فالبيع صحيح لكن لكل من المشتري والبائع في هذه الصورة الخيار كما سيأتينا لكن الكلام الآن عن صحة العقد.
وصحة العقد ثابتة والسبب في صحة العقد هو أنه نقص إما على البائع أو على المشتري وهذا النقص الذي على البائع أو على المشتري إذا رضي به من عليه النقص: جاز، كما إذا أسقط خيار العيب.
- ثم قال ﵀:
- ولمن جهله وفات غرضه: الخيار.
إذاً مع صحة العقد إلا أنه يثبت للبائع والمشتري الخيار لكن بشرطين:
١ - أن يجهل الزيادة أو النقص.
٢ - وأن يفوت بذلكم غرضه.
فإن لم ينطبق الشرطان بأن كان البائع يعلم بأن الأرض زائدة فإنه لا خيار له بل الخيار فقط للمشتري وكذلك لو كان يعلم أنها ناقصة فلا خيار له بل الخيار للمشتري.
وأيضاً في المقابل إذا كان المشتري يعلم أن هذه الأرض التي بيعت عليه على أنها عشرة أذرع هي في الحقيقة أكثر من هذا المقدار أو أقل فليس له الخيار والخيار للبائع فقط.
إذاً يثبت الخيار لمن جهل وأيضاً لمن فات غرضه أما إذا لم يفت الغرض فلا خيار له.
* * مسألة/ (يتبين فيها فوات الغرض وعدمه) إذا رضي البائع ببذل الزيادة بنفس القيمة فلا خيار للمشتري: لأنه لا ضرر عليه ولأن مقصوده لا يفوت، إلا إذا ترتب على الزيادة فوات غرض المشتري.
وهذا قد يتصور وممكن أن الإنسان يتكلف له أمثلة لكنه قليل جداً، قليل جداً أن يفوت غرض المشتري بزيادة الأمتار، فهذا يعني: يتلمس له الإنسان أمثلة وهي قليلة جداً والاشتغال به في الحقيقة ليس له فائدة كبيرة ولذلك الفقهاء لما ذكروا هذه المسألة لم يقولوا إلا إن فات غرض المشتري لأنه صورة نادرة جداً.
لكن إذا تصور أن المشتري يفوت غرضه بزيادة الأمتار لأي سبب من الأسباب لأي سبب كان من الأسباب فإنه لا حرج عليه أن يرد البيع وإلا فالأصل أن البائع إذا بذل الزيادة بنفس الثمن أنه لا خيار عليه.
- الصورة الأخرى: إذا رضي المشتري بشراء الأرض الناقصة بنفس الثمن فلا خيار للبائع لأنه لا ضرر عليه مطلقاً.
стр. 1408
ونفس الشيء إذا فات غرض البائع فإنه له الخيار.
وفوات غرض البائع في هذه الصورة أقل وأبعد وأكثر تكلفاً من فوات غرض المشتري فيما إذا زادت الأمتار فإنه لا يكاد الإنسان يتصور مثالاً مستقيماً ليس فيه تكلف لمسألة إذا باع الإنسان أرضاً على أنها عشرة فبانت تسعة ورضي البائع ببذل كامل الثمن فأي ضرر يدخل على البائع ومتى نتصور أنه فات غرضه.
أما في الصورة الأولى ربما - يعني: أقرب من هذه الصور - ربما يكون للمشتري غرض بأرض محددة بدون زيادة ولا نقص - ربما - لكن العكس هذا قليل جداً.
إذاً: إذا بذل المشتري الثمن على الناقص أو رضي البائع بالثمن على الزائد فلا خيار حينئذ لأنه لا ضرر على كل من البائع والمشتري في كل صورة تخصهما.
وبهذا تم الباب.
وقبل أن ننتقل إلى باب الخيار نذكر بصورة مختصرة مسألة التورق لأنا نسينا أن نتطرق إليها عند الكلام على العينة ونقول:
التورق.
التورق: تعريفه: أن يشتري السلعة بثمن مؤجل ليبيعها بثمن حال أقل منه. فإن كان اشترى السلعة بثمن مؤجل ليبيع بثمن مماثل أو بأكثر فليست من التورق. وهذه في السابق قد لا تتصور ولكن الآن قد تتصور. فقد يشتري الإنسان السلعة بثمن مؤجل ليبيع بثمن حال أو مساوي لا سيما في السلع التي لا تختلف القيم فيها بالتأجيل والحلول كالأسهم مثلاً.
فالأسهم مثلاً - ربما يشتري الإنسان السهم بثمن مؤجل ولو كان أكثر من الحال ثم قبل أن يبيع يرتفع السوق ويبيع بمثل أو بأكثر مما اشترى به مؤجلاً. هذا مثال.
على كل حال نحن نقول: التورق إنما يكون إذا باع بثمن حال أقل مما اشترى به مؤجلاً.
هذه هي صورة التورق.
حكمها: = ذهب الجماهير: جماهير أهل العلم من السلف والخلف إلى صحة هذه المعاملة، بشرط أن يبيع على غير من اشترى منه. يعني: يشتري السلعة مؤجلة ثم يبيع حال بأقل على غير من اشترى منه.
واستدل الجماهير على هذا:
- بأن الأصل في المعاملات الحل.
- وبأن الربا صورته لا توجد. لأن الأصل في الربا أن يدفع المرابي نقداً ليأخذ أكثر منه نسيئة. وهذه الأمر لم يتحقق في بيع التورق لأن الآخذ شخص آخر غير المعطي.
стр. 1409
- واستدلوا أيضاً بدليل وجيه: وهو قول بعض الفقهاء ومنهم الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي: أن الإنسان قد يشتري السلعة لينتفع بها أكلاً أو شرباً أو لبساً أو ركوباً وقد يشتري السلعة لينتفع من ثمنها ولا فرق بين أن يشتري السلعة لينتفع منها أو لينتفع من ثمنها.
وهذا دليل إذا تأملته تجد أنه دليل جيد وفيه فقه وفهم لصورة المسألة.
= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ونصرها وتمسك بها شيخ الإسلام بن تيمية وقال ابن القيم: كنا نراجعه مراراً في هذه المسألة فلا تزيده المراجعة إلا ثباتاً على القول وكان يقول لنا إذا راجعناه في التورق: الحيل لا تزيد العقود إلا تحريماً، يعني: لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريماً.
وذهب إلى هذا القول أيضاً عمر بن عبد العزيز.
واستدل هؤلاء:
- بأن عقد التورق حيلة على الربا.
- وأن أي عقد المقصود منه دفع المال الكثير المؤجل لأخذ مال قليل حال فهو ربا.
والراجح رجحاناً ليس بيناً رجحاناً ضعيفاً: صحة التورق وأنه جائز.
أولاً: لما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو من وجهة نظري جيد وفيه فقه.
ثانياً: لأن هذا القول هو قول عامة فقهاء المسلمين بل قبل شيخ الإسلام ربما الذين يرون التحريم يعدون بالأصابع: رواية للإمام أحمد واختيار عمر بن عبد العزيز وربما إذا بحثت بحثاً دقيقاً تجد مع هؤلاء واحد أو اثنين وأما باقي الفقهاء فكلهم يون الجواز.
ثالثاً: لأن القاعدة الشرعية التي قررها عدد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام: أن العقود التي بالناس إليها حاجة ملحة وليس لها بديل فإن الشرع لا يمنعها. وإذا طبقت هذه القاعدة على التورق تجد أنه ينطبق تماماً.
ولذلك نقول: من يتعاطى التورق لحاجة ملحة عارضة فهو أقرب إلى الحل والإباحة ممن يتعاطى التورق لمزيد الاستثمار والتوسع في الأموال. لأنا نقول أن التورق جائز بناء على هذه القاعدة الشرعية. فينبغي أن يضبط بهذا القيد.
ولذلك: فإن شيخنا ﵀ يشترط لجواز التورق هذا الشرط وهو: أن يكون عن حاجة.
لكن لا نستطيع في الحقيقة أن نشترط هذا الشرط ونجعله شرطاً للجواز، بمعنى: أن الذي يريد التورق لغير حاجة يحرم عليه لعدة أمور:
стр. 1410
ـ أولاً: أن هذا الشرط لم يشترطه أحد من الفقهاء. بل الذين قالوا بالجواز قالوا: هو مطلقا. يعني: قرروا الجواز. وقرروا أنه جائز مطلقاً بدون شرط أو قيد.
ـ ثانياً: لأن النصوص التي استدل بها المجيزون تدل على مطلق الجواز. لأنهم يستدلوا بالعمومات والعمومات تدل على الجواز المطلق.
لكن مع ذلك نقول: ينبغي للإنسان أن لا يتعاطى عقد التورق إلا مع حاجة واضحة. لأنه حينئذ يقرب تماماً للجواز ولا يبقى في النفس شيء وتردد من منع هذا العقد.
وأما إذا أخذه تزيداً وتوسيعاً للتجارات فإنه يكون في النفس من جوازه شيء. وإن كان الراجح الجواز لكن تعلمون أنتم كما تقدم معنا مراراً أن المسائل الفقهية ليست أبداً على مستوى واحد من الوضوح وأن بعض المسائل يجزم الإنسان بأنها مباحة وجائزة وبعضها يتوقف فيها وبعضها تكون قريبة للجواز مع أن الإنسان ينبغي أن يحتاط وينبغي لطالب العلم أن يعلم ذلك وأن المسائل ليست على حد سواء وإنما المسائل على حد سواء عند العوام والجهَّال الذين عندهم المسائل قسمين فقط: حلال وحرام. هذا عند العوام. أما طالب العلم الذي يتعاطى النصوص يجب أن يعلم أن المسائل ليست على مستوى واحد وأن دلالات النصوص عليها تختلف فينبغي أن يتعامل معها على قدر دلالة النص على الجواز أو المنع.
باب الخيار
- ثم قال ﵀:
- باب الخيار.
الخيار في لغة العرب: اسم مصدر من الفعل اختار.
وأما في الاصطلاح فهو: طلب خير الأمرين بين الإمضاء والفسخ.
وهذا التعريف لا يتعلق فقط بالبيع بل في البيع وغيره.
فالخيار في الاصطلاح ولا أقصد في الاصطلاح الفقهي - في الاصطلاح العام العلمي هو هذا.: طلب خير الأمرين بين الفسخ والإمضاء.
والحنابلة في باب الخيار أبدعوا وحققوا وأجادوا حيث أثبتوا من أنواع الخيار ومن صفات أنواع الخيار ما لم يثبته كثير من الفقهاء.
فالإمام أحمد ﵀ أخذ في هذا الباب بالآثار والنصوص والمعاني الصحيحة كما سيأتينا عند مناقشة كل نوع من أنواع الخيار.
- قال ﵀:
- وهو أقسام.
أقسام الخيار عند الحنابلة سبعة.
والتقسيم راجع لسبب الخيار فبحسب السبب تنقسم أنواع الخيار.
- قال ﵀:
стр. 1411
- الأول: خيار المجلس.
خيار المجلس هو الخيار المنسوب للمجلس.
والمجلس في الأصل هو مكان الجلوس.
والمقصود به هنا: مكان التعاقد. سواء تم التعاقد وهو جالس أو وهو قائم أو وهو مضطجع أو على أي صفة.
إذاً: المقصود بخيار المجلس في الاصطلاح الفقهي في هذا الباب: خيار المكان الذي وقع فيه التعاقد سواء كان عن طريق الجلوس وقع أو بغير هذه الصفة.
-
ثم قال ﵀:
- يثبت في البيع.
بدأ المؤلف ﵀ بخيار المجلس وأنه مشروع في عقد البيع.
وإلى هذا:
= ذهب الجماهير من السلف والخلف: وهو إثبات خيار المجلس. على رأسهم الإمام أحمد ﵀.
واستدل الفقهاء الذين ذهبوا هذا المذهب بأدلة صحيحة ثابتة في الصحاح - في الصحيحين وغيرهما:
- الدليل الأول: حديث ابن عمر وهو الصحيحين وهو: قول النبي ﷺ : (إذا تبايع الرجل فهما بالخيار ما لم يخخير أحدهما صاحبه فإن خير أحدهما صاحبه فقد وجب البيع).
واستدلوا أيضاً بـ:
- حديث حكيم بن حزام ﵁ وهو قوله: قال النبي ﷺ : (البيعان بالخيار مالم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).
وهذا أيضاً في الصحيح.
واستدلوا بـ:
- أن الصحابة عملوا بخيار المجلس. ومنهم ابن عمر راوي الحديث.
مما يدل على أن هذا المعنى محفوظ ثابت عمل به الصحابة ولم ينسخ.
= القول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهو: أنه لا يثبت للمتبايعين خيار المجلس، بل إذا تم العقد بالإيجاب والقبول فقد لزم ولا خيار ولو كانوا في المجلس.
واستدلوا على هذا بنصوص:
- الدليل الأول: قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). وجه الاستدلال: أن الله تعالى اشترط لصحة البيع التراضي ولم يذكر التفرق.
- الدليل الثاني: أن النبي ﷺ نهى الرجل أن يبيع الطعام إذا ابتاعه حتى يستوفيه.
فاشترط النبي ﷺ لجواز بيع البائع لما اشتراه أن يستوفيه فقط ولم يشترط انتهاء خيار المجلس.
стр. 1412
وهذا القول الثاني: قول ضعيف جداً ولذلك استغرب كل العلماء المعاصرون للإمام مالك والذين أتوا بعد ذلك إعراض الإمام مالك ﵀ عن هذا الحديث. استغربوه جداً وبعضهم لام الإمام مالك ﵀ وبعضهم تكلم في هذا القول للإمام مالك بكلام شديد جداً لأن الإمام مالك أخرج هذا الحديث في الموطأ ويعرفه ومع ذلك لم يأخذ به ﵀. وإنما استغربوا على الإمام مالك ﵀ ولم يستغربوا على الأحناف لأن هذا ليس بغريب على الأحناف لأنهم دائماً يتركون النصوص.
ولذلك: إذا رجعت لكلام اهل العلم تجد أنهم يشنون حملة على الإمام مالك ولا يتكلمون عن أبي حنيفة لأن هذا ليس بغريب عن أبي حنيفة لكن بالنسبة للإمام مالك رجل معروف بالأخذ بالآثار والعمل بها ولذلك يستغرب عليه جداً أنه لم يأخذ بحديث ابن عمر في مسألة خيار المجلس.
وهذا يعطي الإنسان صورة واضحة وجلية وأنه لا أحد معصوم وأنه ينبغي للإنسان أن يتبع النص ولا يتبع الرجال.
- ثم قال ﵀:
- والصلح بمعناه.
أي: ويثبت خيار المجلس في الصلح الذي هو بمعنى البيع.
- لأن الصلح كما سيأتينا ينقسم إلى قسمين:
ـ صلح بمعنى البيع.
ـ وصلح ليس بمعنى البيع.
ولا يعنينا الآن هذا التقسيم. لأنه سيأتي في باب الصلح.
الذي يعنينا هنا: ما هو الصلح الذي بمعنى البيع؟ فالصلح الذي بمعنى البيع هو: الصلح على مال.
مثاله/ أن يقر الإنسان بأن في ذمته دين لفلان أو أن هذه السلعة التي في يده هي لفلان ثم يصالحه عن الدين أو عن السلعة بمال.
فهذا الصلح بمعنى البيع ويثبت فيه خيار المجلس. لماذا؟ لأنه بمعنى البيع. وإذا ثبت الخيار في البيع فيثبت أيضاً فيما يكون بمعناه.
- ثم قال ﵀:
- والإجارة.
يعني: ويثبت خيار المجلس في الإجارة.
- لأن الإجارة في الواقع ليست في معنى البيع بل هي بيع لكنها بيع للمنافع وليست بيعاً للأعيان.
وليس هناك فرق بين الإجارة والبيع في حقيقة العقد إلا من حيث أن هذا بيع للمنافع وهذا بيع للأعيان.
وإذا كانت بيعاً دخلت في قول النبي ﷺ : (إذا تبايع الرجلان فهما بالخيار).
стр. 1413
فإذا أجر زيد بيته لعمرو فكل من المؤجر والمستأجر بالخيار ما داما في المجلس.
- ثم قال ﵀:
- والصرف والسلم.
أي: ويثبت خيار المجلس في الصرف ويثبت أيضاً في السلم.
- لأن الصرف والسلم بيع إلا أنه أضيفت إليه شروط بالإضافة إلى شروط البيع. فهو بيع مخصوص.
ولذلك سيأتينا في باب السلم أن المؤلف ﵀ يقول: (ويسترط فيه ما يشترط في البيع والشروط التالية) فنصوا على أنه يشترط في السلم شروط البيع وزيادة فهوز بيع إلا أنه بيع خاص له شروط خاصة.
فإذا تبين وثبت أنه بيع دخل في عموم حديث ابن عمر ﵁.
- ثم قال ﵀:
- دون سائر العقود.
يعني: دون باقي العقود التي لم تذكر فليس فيها خيار المجلس.
والعقود التي لم تذكر تنقسم إلى أقسام:
ـ القسم الأول: العقود اللازمة من الطرفين لا على سبيل المعاوضة. كالنكاح والعتق.
فإن عقد النكاح لازم من الطرفين لكن لا على سبيل المعاوضة.
ـ القسم الثاني: العقود اللازمة من طرف ولو كانت لى سبيل المعاوضة. كعقد الرهن.
ـ القسم الثالث: العقود الجائزة من الطرفين ولو على سبيل المعاوضة.
كعقد الشركة والوكالة. فهذه عقود جائزة من الطرفين. أي: لكل من أطراف العقد فسخ العقد بدون رضى الآخر.
وهذا معنى أن يكون العقد جائزاً.
ـ القسم الأخير: اعقود التي اختلف في كونها جائزة أو لازمة وهي على المذهب جائزة. كعقد المزارعة والمساقاة.
هذه أربعة أنواع للعقود التي تدخل في قول المؤلف ﵀: (دون سائر العقود).
الدليل على استثناء هذه العقود: - الدليل على ذلك:
- أن العقود الجائزة والمختلف في جوازها يستغنى بجوازها عن اشتراط خيار المجلس. لأن لكل من طرفي العقد فسخ العقد وليس بحاجه إلى خيار المجلس.
ـ أما القسم الأول: فهو لازم لا يدخل فيه خيار المجلس لأنه ليس من المعاوضات والنبي ﷺ إنما نص على البيع فيدخل في البيع وما في معناه دون ما ليس في معناه من العقود التي ليست من عقود المعاوضات.
فإذا قلت: ما هو الضابط الذي يضبط العقود التي ليس فيها خيار مجلس؟
فالجواب:
стр. 1414
الضابط: ان نقول: (كل عقد ليس من عقود المعاوضات أو منها لكنه من العقود الجائزة فلا خيار مجلس فيه).
هذا ضابط يريح الإنسان من تعداد العقود: كل عقد تعرضه على هذا الضابط فيتبين هل هو من عقود خيار المجلس أو ليس من عقود خيار المجلس.
- قال ﵀:
- ولكل من المتبايعين الخيار.
هذا هو ثمرة إثبات خيار المجلس: أن العقد يقع جائزاً في مدة خيار المجلس وإن كان أصله اللزوم. فالبيع الأصل فيه أنه من العقود اللازمة التي ليس لأحد من الطرفين الفسخ فيها إلا بسبب شرعي.
فثمرة خيار المجلس: وقوع العقد اللازم جائزاً مدة خيار المجلس.
فالمؤلف ﵀ يريد أن يصرح بثمرة إثبات هذا العقد بقوه: (ولكل من المتبايعين الخيار).
- ثم قال ﵀:
- ما لم يتفرقا عرفاً. بأبدانهما.
المفصود بالتفرق: = عند الجماهير: التفرق بالأبدان.
والمقصود بالتفرق عند: = المالكية والأحناف: التفرق بالأقوال. ومعنى التفرق بالأقوال: أنه متى تم الإيجاب والقبول: فقد حصل التفرق قولاً ولزم البيع وحملوا حديث ابن عمر ﵁ على هذا المعنى يعني: (ما لم يتفرقا) بأقوالهما لا بأبدانهما.
الذي يعنينا الآن أن الجماهير يقصدون بالتفرق التفرق بالأبدان.
ثم يحملون هذا التفرق على العرف.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ قال: (ما لم يتفرقا) وهذا اللفظ موجود في حديث ابن عمر وفي حديث حكيم وفي الصحيحين كلاهما. والنبي ﷺ وقت خيار المجلس بالتفرق ولم يجعل لهذا التف رق بالأبدان حداً معلوماً وكل ما اتى في الشرع ولم يحدد بحد جاء عن الشارع فمرجعه إلى العرف. فالتفرق المذكور في هذا الحديث نرجع في معناه إلى العرف لأنه لم يرد في الشرع ما يبين حده.
ولذلك نقول: إذا تبايع الرجلان في الصحراء وهما يمشيان فالتفرق بأن ياخذ هذا من هنا وهذا من هنا كما قال الإمام أحمد ﵀. لأن هذا التفرق هو التفرق المعروف في اعراف الناس في الصحراء. لأنه لا يمكن أن يتفرقا بحيث لا يرى بعضهما الآخر لانهم الآن في الصحراء. فإذا أخذ أحجهما من هنا وأخذ أحدهما من هنا فقد تفرقا ولزم البيع.
стр. 1415
والتفرق حين إجراء العقد في غرف المنازل يكون بالخروج من الغرفة إلى غرفة أخرى.
والتفرق في السفينة الكبيرة بأن ينزل إلى الأسفل أو يصعد إلى الأعلى أو يذهب إلى مقدم السفينة أو غلى مؤخر السفينة بشرط: أن تكون السفينة كبيرة.
وإذا كانت السفينة صغيرة: جلس أحدهما أمام الآخر: متى يكون التفرق؟ كيف يتفرقون؟
(غرضي من هذا المثال: انه لا يشترط أن يحصل التفرق. إذا كانوا في مكان صغير محدود وبقيا بأبدانهما في هذا المكان فإنه لا تفرق لو يبقى العقادان في البحر سنة فلا تفرق).
ولذلك حتى تتضح هذه المسألة - تكتبون -:
* * مسألة: إذا بقي العاقدان في غرفة واحدة لم يخرجا منها فإن خيار المجلس يبقى ولو بقيا مدة طويلة ولو ناما واستيقظا واكلا وشربا وبقيا على ذلك مدة طويلة فإن خيار المجلس يبقى.
وقد نص الفقهاء على هذه المسألة بل نصوا على مسألة النوم ولو طال في غرفة بلا تفرق فإنه يبقى خيار المجلس كما هو ولا يسقط لأن الشارع ربط التفرق بالأبدان فما دامت الأبدان موجودة ولم تتفرق فإن الحكم يبقى كما هو ولو طالت المدة.
وإذاً هذا معنى قول المؤلف ﵀: (ما لم يتفرقا عرفاً بأبدانهما).
إذاً: التفرق يكون بتفارق الأبدان فقط.
* * مسألة/ إذا تم البيع بالهاتف: متى ينتهي خيار المجلس؟
الجواب: ينتهي خيار المجلس: عند إنهاء المكالمة.
* * مسألة/ فإن انتهت المكالمة بسبب خلل في الاتصالات لا باختيار كل من المتعاقدين. فهل نقول لهما أن يستئنفا المكالمة لإتمام العقد؟ أو بهذا التفرق انتهى مجلس الخيار؟
الأقرب أنه لم ينته أن هذا التفرق حصل بغير اختيارهما فهو يقاس على ما لو أكرها على التفرق.
ولذلك نقول: عند العود للمكالمة يستمر خيار المجلس إلى أن يتم إنهاء المكالمة بخيارهما وبتصرفهما.
стр. 1416
شرح كتاب البيع الدرس رقم (٩)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال ﵀:
- وإن نفياه أو أسقطاه: سقط.
معنى قول المؤلف ﵀: (وإن نفياه) يعني: وإن نفى البائع والمشتري خيار المجلس بأن تبايعا على أن لا خيار أصلاً: سقط.
- لأنه حق لهما وقد أسقطاه.
[ومعنى قوله ﵀: (أو أسقطاه) يعني: بعد أن ثبت لهما خيار المجلس: أسقطاه في أثناء المجلس.
فأيضاً يسقط:
- لقول النبي ﷺ : (فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما فقد وجب البيع).
فصار الفرق بين قوله ﵀: (نفياه) و: (أسقطاه):
ـ أن النفي يكون إسقاط لأصل الخيار من حين انعقاد العقد.
ـ والإسقاط يكون تنازل عن خيار المجلس في أثناء المجلس.
- ثم قال ﵀:
- وإن أسقطه أحدهما: بقي خيار الآخر.
إذا أسقط أحد المتبايعين إما البائع أو المشتري: خيار المجلس ولم يسقطه الآخر: بقي حق الآخر على وجهه.
- لأنه حق ثابت له لم يسقطه فبقي على حاله. لأن الحقوق الشرعية التي ثبتت بمقتضى النصوص لا تسقط إلا بتنازل صاحب الحق عنها أو بإسقاط الشارع عنها أو لها بسبب خلل معين في العقد. فيما عدا هاتين الصورتين لا تسقط الحقوق التي أكسبها الشارع لأحد المتبايعين.
-
ثم قال ﵀:
- وإذا مضت مدته: لزم البيع.
معنى قوله ﵀: (وإذا مدته) يعني: قضى مجلس العقد.
- لأن خيار المجلس ليس له مدة معينة في الشرع وإنما مدته هي مدة خيار المجلس.
إذاً: معنى: (إذا انقضت مدته) يعني: إذا تفرقا.
ولو أن المؤلف ﵀ قال: (وإذا تفرقا) لكان أوضح وأقرب للفظ الحديث.
والدليل على أنهما إذا افترقا سقط الخيار:
- قول النبي ﷺ : (فإذا افترقا فقد وجب البيع).
فهذا نص صريح على أنه إذا انتهت بتفرق الأبدان سقط خيار وليس لأحد منهم أن يرجع عن العقد.
وبهذا انتهى الكلام عن خيار المجلس. وبدأ المؤلف ﵀ بخيار الشرط:
وخيار الشرط من حيث الأصل: (ويجب أن تتنبه إلى هذه المسألة) - خيار الشرط من حيث الأصل:
стр. 1417
- فقال ﵀:
- الثاني: أن يشترطاه في العقد.
أي: والثاني: من أنواع الخيارات خيار الشرط.
وهو: أن يشترط كل من البائع أو المشتري أو أحدهما الخيار في إمضاء البيع أو فسخه مدة معلومة.
فهذا هو خيار الشرط.
- ثابت بالسنة والإجماع. فإن أحداً من الفقهاء لم ينازع في أصل مشروعية خيار الشرط. إنما اختلفوا في بعض تفاصيل أحكامه - أما هو من حيث هو فإنه مشروع باتفاق الفقهاء.
وقدحكى الإجماع على مشروعية خيار الشرط: الإمام النووي من الشافعية والشيخ الفقيه ابن الهمام من الأحناف وهو إجماع ثابت إن شاء الله.
ـ وأما الدليل من السنة:
- فقول النبي ﷺ : لحبان بن منقذ وكان يخدع في البيع قال له النبي ﷺ لما اشتكى هذا الصحابي كون النتس يخدعونه قال ﷺ : (إذا بايعت فقل: لا خلابة) يعني: لا مخادعة.
فثبت الخيار لهذا الصحابي بهذا الشرط. أنه متى خدع وغبن فإن له أن يرجع في البيع ويفسخ العقد.
- والدليل الثاني: قول النبي ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع خيار) وهذا اللفظ ثابت في الصحيح.
وقد فسره الفقهاء والشراح كلهم فيما وقفت عليه على أنه خيار الشرط.
فإذاً: خيار الشرط مشروع بالسنة الصحيحة الثابتة وبالإجماع المحفوظ إن شاء الله.
فهذا معنى قول المؤلف ﵀: (الثاني: أن يشترطاه في العقد).
- ثم قال ﵀:
- مدة معلومة.
أي: أنه يشترط لصحة خيار الشرط أن تكون المدة معلومة محددة معروفة لطرفي العقد.
وإلى اشتراط معلومية المدة:
= ذهب الجماهير من اهل العلم والجم الغفير. واعتبوا تخلف معلومية المدة مفسد للعقد وللشرط.
- لأن جهالة شرط الخيار يفضي إلى الجهالة والغرر وهي أسباب تفسد العقود.
= والقول الثاني: وهو قول عند الحنابلة. أن العقد يصح والشرط يفسد ويكون العقد لازم من حين العقد وسقط خيار الشرط.
= والقول الثالث: أن العقد والشرط صحيح. ولمل كان الشرط مجهولاً قالوا: يكون له الخيار لمدة ثلاثة أيام.
- قياساً على حديث حبان بن منقذ حيث جعل النبي ﷺ له الخيار ثلاث ليال.
فقالوا: يثبت الشرط والخيار ويوقت له هذا التوقيت الشرعي.
- ولأن النبي ﷺ جعل الخيار لمن اشترى شاة مصراة ثلاثة أيام وهذا في (([مسلم] أو في [المسند] لم تتضح لي)).
فاعتبار هذه المدة جاءت النصوص في الخيارات بالذات.
стр. 1418
وهذا القول الثالث: اختاره شيخ الإسلام ﵀. وهو قول - كما ترى - وجيه جداً يليه في القوة القول الأول وهو مذهب الجماهير يليه وهو أضعف الأقوال: الثاني. لأن الثاني: يلزم العاقدين بالعقد ويسقط حقهما في الخيار.
والإنسان إذا تأمل هذا القول يشعر أن الشارع لا يأتي بمثل هذا الحكم. بل إبطال العقد أرفع للضرر من إمضاء العقد وإلغاء الشرط.
على كل: القول الثالث هو أحسن الأقوال والثاني هو أضعف الأقوال.
-
ثم قال ﵀:
- ولو طويلة.
مدة الشرط تنقسم إلى قسمين:
ـ قصيرة. ـ وطويلة.
- فأما القصيرة: فلا حد لأقلها بالإجماع ولو كانت لحظة.
- وأما الطويلة: فهي محل خلاف.
= فذهب الحنابلة: إلى أنه لا حد لطول مدة خيار الشرط. بشرط أن لا تكون مدة متطاولة تفسد المقصود من البيع كأن يشترط عشر سنين. وإلا فإنها صحيحة مهما طالت.
واستدل الحنابلة على هذا القول:
- بأن النصوص التي دلت على مشروعية خيار الشرط جاءت مطلقة ولم تبين مدة معينة يصح الشرط فيها وبعده لا يصح. فإذا أخذنا بإطلاق النصوص دلت على صحة اشتراط المدة ولو كانت طويلة.
= القول الثاني: للأحناف أن خيار الشرط لا يجوز أن يتجاوز ثلاثة أيام.
- لأن الشارع حد لحبان ﵁ ثلاث ليال. وفي المصراة أيضاً ثلاثة أيام. فدل على أن الخيارات تحد بمثل هذا المقدار.
والجواب عليه: ـ أن حديث حبان الذي فيه التحديد بثلاث ليال أن رواية التحديد بثلاث ليال: ضعيفة. وأن الحديث في الصحيح بدون تحديد.
ـ وأما المصراة فهي رد بالعيب وهو يختلف عن خيار الشرط.
= القول الثالث: أن خيار الشرط يختلف باختلاف السلعة. وهو مذهب المالكية.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من خيار الشرط هو أن يقوم المشتري بتجربة السلعة. وتجربة السلعة تختلف باختلاف السلع. فبعضها يحتاج إلى وقت طويل وبعضها يحتاج إلى وقت قصير.
والراجح والله أعلم مذهب الحنابلة فهو محكم في هذه المسألة ومضبوط وينسجم مع النصوص.
стр. 1419
أما مذهب المالكية فهو أضعف الأقوال. مع أنهم أي المالكية لهم أقوال مسددة في المعاملات لكن في هذه المسألة قولهم ضعيف لأنه يفضي إلى الاختلاف الشديد ومن يضبط المدة المناسبة لهذه السلعة والمدة المناسبة لهذه السلعة ويصبح ضبط الخيارات أمر صعب ويدخل الناس في متاهات ونزاعات.
فالأقرب أن للبائع أو المشتري أن يشترط المدة التي تناسبه سواء كانت ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر أو أقل حسب ما يناسبه ويتسنى له الفحص عن السلعة.
- ثم قال ﵀:
- وابتداؤها من العقد.
أي: وابتداء المدة الطويلة أو القصيرة من العقد.
والمقصود: إذا شرطا خيار الشرط حين العقد فإن لم يشرطاه أثناء العقد فمن حين شرطاه فيما إذا كان في مدة خيار المجلس.
فإذا عقدا العقدة وهما في المجلس في الساعة الخامسة ولم يشترط هو شرط خيار الشرط إلا في الساعة السادسة وهم ما زالوا في المجلس فخيار الشرط يبدأ من الساعة السادسة: من حين شرطاه. أما إن شرطاه من العقد فمن العقد.
فإذاً: قول المؤلف ﵀: (وابتداؤها من العقد) لا يؤخذ على إطلاقه: ابتداؤه من العقد إذا شرطاه في العقد وإلا فمن حين شرطاه.
- ثم قال ﵀:
- وإذا مضت مدته أو قطعاه: بطل.
قوله: (وإذا مضت مدته .. : بطل).
يعني: ولم يفسخا العقد لزم البيع.
فمن حين تنتهي المدة فإن البيع يصبح لازماً والسلعة ملك المشتري والثمن ملك للبائع.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن الأصل في عقد البيع اللزوم. ومنع منه خيار الشرط وقد بطل فإذا بطل لزم العقد.
وهذا القول هو في الواقع شبه إجماع. اتفق عليه جميع الفقهاء اللهم إلا قول للمالكية حيث يرون أنه إذا انتهت والسلعة ما زالت بيد البائع فإن انتهاء المدة هو في الواقع فسخ للبيع وليس إلغاء له.
فالمالكية ينازعون في هذه الصورة وهي: ما إذا انتهت المدة والسلعة في يد البائع.
أما إذا انتهت المدة والسلعة في يد المشتري فبإجماع الفقهاء تم البيع وانعقد ولزم وبطل خيار الشرط.
إذاً: عرفنا الآن لماذا أنا قلت أن هذا القول أشبه ما يكون إجماعاً؟
لأنه لم يستثنى إلا هذه الصورة المعينة.
والصواب مع الجمهور أن العقد يصبح لازماً ولو كانت السلعة في يد البائع.
стр. 1420
فمن حين ينتهي مدة خيار الشرط يلزم العقد وينتهي خيار الشرط.
-
ثم قال ﵀:
- أو قطعاه .. بطل.
يعني: خيار الشرط ولزم البيع.
فإذا قطعاه:
ـ بأن قالا: أبطلنا خيار الشرط الذي لنا.
ـ أو أوجبنا البيع.
ـ أو أتممنا البيع.
ـ أو أي لفظ يدل على قطع خيار الشرط لزم البيع وانتهى خيار الشرط بإجماع الفقهاء بلا مخالف.
إذاً: إذا أبطلاه بإرادتهما هنا لم يخالف أحد أن البيع لزم وأن خيار الشرط انتهى إنما الخلاف اليسير فيما إذا انتهت المدة.
- ثم قال ﵀:
- ويثبت في البيع ...
معنى قوله ﵀: (ويثبت في البيع ... إلى آخره) يعني: لا يثبت إلا في المذكورات.
فكل ما لم يذكره تالمؤلف ﵀ فلا خيار شرط فيه.
إذاً لو أن المؤلف ﵀ قال: (ولا يثبت إلافي البيع والصلح بمعناه والإجارة على على مدة تلي العقد) لكان أوضح لأن هذا مقصود الحنابلة.
أن خيار الشرط لا يثبت إلا في هذه العقود المذكورة فقط.
= القول الثاني: أن خيار الشرط يثبت في كل العقود. فللإنسان أن يشترط في كل العقود.
- لأن الحكمة التي من أجلها شرع الشارع خيار الشرط موجودة في كل العقود.
وهذا القول اختاره أيضاً شيخ الإسلام وهو كما ترى من اقوة والانسجام مع مقاصد الشرع.
فهو الراجح إن شاء الله.
- قوله ﵀: (ويثبت في البيع).
يثبت خيار الشرط في البيع: بالإجماع.
- لأن النص الذي جاء في السنة لإثبات خيار الشرط إنما ورد في البيع.
فلا إشكال في ثبوته في عقد البيع.
-
ثم قال ﵀:
- والصلح بمعناه.
أي: ويثبت في الصلح الذي بمعنى البيع.
وتقدم معنا نظير هذه العبارة في خيار المجلس وبينا أن الصلح الذي هو بمعنى البيع ما يكون بعوض عن عين أو دين ثابتة في الذمة.
وسيأتينا الصلح الذي هو بمعنى البيع والصلح الذي ليس بمعنى البيع في كتاب الصلح، إنما الذي يعنينا الآن أن الصلح بهذا المعنى وهو ما يكون بعوض مقابل عين أو دين حكمه حكم البيع في ثبوت خيار الشرط.
- ثم قال ﵀:
- والإجارة في الذمة.
يعني: ويثبت خيار الشرط في الإحارة التي في الذمة.
стр. 1421
معنى قول المؤلف ﵀: (الإجارة في الذمة) يعني: الإجارة على عمل في الذمة.
وبهذا يتضح المقصود بعبارة سهلة.
إذاً: الإجارة في الذمة: الإجارة على عمل في الذمة.
فهذه الإجارة يثبت فيها خيار الشرط.
فإذا قال زيد لعمرو: استأجرتك على أن تبني لي هذا الحائط فالبناء هذا عمل في الذمة. فيثبت فيه خيار الشرط.
كذلك لو قال: استأجرتك على أن تخيط هذا الثوب فكذلك.
استأجرتك على أن تعلم زيد الكتابة والقراءة فكذلك.
استأجرتك على أن تحفظ عمرو الألفية كذلك.
- لأن هذا عمل في الذمة. فيدخله خيار الشرط.
الدليل على ذلك:
- أن الإجارة كما تقدم معنا مراراً إنما هي بيع لكنه بيع للمنافع. وإذا كانت بيع دخلت في النصوص الدالة على مشروعية خيار الشرط.
ثم بين المؤلف ﵀ ما يستثنى من ذلك:
- فقال ﵀:
- أو على مدة لا تلي العقد.
إذا استأجر شيئاً مدة معلومة فينقسم إلى قسمين:
ـ إما أن تلي المدة العقد.
ـ أو أن لا تلي العقد.
ـ القسم الأول: أن لا تلي العقد: كأن يستأجر هذا البيت في محرم على أن يبدأ الأجار في صفر. فالعقد وقع في محرم وبداية الأجار في صفر فالمدة لا تلي العقد بل بعد العقد بشهر.
فهذا النوع من الإجارة على الوقت أو من استئجار الشيء وقتاً معلوماً: يصح فيها خيار الشرط. بشرط: أن ينتهي وقت خيار الشرط قبل أن يبدأ الأجار.
ففي هذه الصورة يصح خيار الشرط وهو لازم للطرفين.
ـ القسم الثاني: أن يسنأجر مدة معلومة تلي العقد. كأن يستأجر الآن بيتاً معلوماً يبدأ من حين انعقاد العقد. فهذا النوع من الإجارة لا يدخله خيار الشرط: = عند الحنابلة.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأنه إذا أدخل خيار الشرط على استئجار بيت مدة معلومة فإنه لا يخلو من أمرين: - الأمر الأول: أن لا يبدأ بالانتفاع بالعين المستأجرة إلا بعد انتهاء خيار الشرط. وهذا لا يجوز لأن للمستأجر الحق في الانتفاع بالعين المستأجرة من بداية العقد.
- الحال الثانية: أن يبدأ بالانتفاع بالعين المستأجرة من حين العقد وهذا لا يجوز لأنه يناقض خيار الشرط إذاً ما الفائدة من خيار الشرط.
стр. 1422
ولهذا قال الحنابلة: أن خيار الشرط لا يكون في استئجار عين معلومة مدة معينة إذا كانت المدة تلي العقد.
= القول الثاني: أن خيار الشرط يدخل الإجار ولو على مدة تلي العقد.
- لأنه لا ضرر ولا ظلم لأي منهما.
فإن تم العقد وأمضياه فالأمر واضح.
وإن اختار المستأجر الفسخ فإنه يدفع من الأجار بقسط ما انتفع من المستأجر. أي: من العين المستأجرة. وبهذا لا يقع ظلم على أي منهما.
وهذا القول الثاني هو الأقرب والأصح إن شاء الله.
واليوم الناس على هذا العمل.
يقول: استأجرت منك البيت ولي الخيار يوم أو يومين أو ثلاثة أو أقل أو أكثر ثم يذهب ويتأمل في أمره وينظر هل يناسبه ثم يأتي ويتم العقد فهذا لا حرج فيه.
لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا اختار المستأجر الفسخ فيجب عليه أن يدفع بالقسط من قيمة مدة الإجارة وهذا ما لا يفعله كثير من الناس بل يختار الفسخ ويظن أنه بالشرط الأول لم يجب عليه أن يدفع القسط المقابل للمدة التي بين تمام الشرط وانعقاد العقد. وهذا خطأ.
فبهذا الشرط يكون القول الثاني إن شاء الله هو الأقرب وهو الأنفع للناس.
- ثم قال ﵀:
- وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه: صح.
إن اتفق البائع والمشتري على أن يكون خيار الشرط لأحدهما دون الآخر صح هذا الشرط.
والتعليل:
- أن الشارع الكريم إنما شرع هذا الخيار رفقاً بالنتعاقدين ولمصحتهما فإذا رضيا أن يكون الخيار لأحدهما: صح.
وفي بعض العقود لا يمكن أن ينتفع مشترط الخيار إلا إذا كان خيار الشرط له دون صاحبه. فإن كان لهما لم ينتفع بخياره مطلقاً لا سيما في العقود المعاصرة.
فالقول بتصحيح أن يكون خيار الشرط من أحدهما إذا رضي الطرف الآخر قول مهم وفيه نفع للناس ولا تأباه النصوص ولا القواعد العامة.
ولذلك نقول إذا شرط المشتري أو البائع هذا البائع فلا بأس.
وفي الغالب يكون من يشترط هو المشتري لغرض أو لآخر.
وكما قلت لكم ربما لا يتحقق انتفاعه من الشرط إلا إذا كان هو الذي اشترط فقط دون البائع.
- ثم قال ﵀:
- وإلى الغد أو الليل يسقط بأوله.
يعني: بأول لحظه يدخل فيها الغد أو الليل فإنه يسقط خسار الشرط.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
стр. 1423
- بأن إلى في لغة العرب موضوعة لانتهاء الغاية ومعنى انتهاء الغاية أن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها. وهذا يدل على أن الوقت الذي بعد إلى لا يدخل في حكم الوقت الذي قبل إلى وهو ثبوت خيار الشرط.
= والقول الثاني: أنه إذا قال: إلى الغد. دخل الغد في خيار الشرط.
- لأن العرب تستعمل أيضاً إلى في معنى مع. كقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني: مع أموالكم.
- والأصل في أموال المسلمين الحرمة فإذا أمكن إدخال الوقت في خيار الشرط فهو أحفظ لمال المسلم.
والراجح والله أعلم بقوة ووضوح مذهب الحنابلة. لأن حمل اللفظ على المتعارف عليه في اللغة والذي استعمل أكثر أولى وأوجب من الحمل على ما استعمل على خلاف الأصل.
وأما التعليل بحرمة مال المسلم فحرمة مال البائع ليست بأكثر من حرمة مال المشتري ولا العكس فربما كان من مصلحة المشتري انتهاء الخيار ليتملك العين تملكاً تاماً.
فإذاً: لا يرد علينا في مثل هذه المسألة أن نقول: أن نحفظ مال المسلم لأنه قد يكون حفظ مال المسلم بإنهاء خيار الشرط.
فالراجح إن شاء الله هو القول الأول وهو مذهب الحنابلة لما ذكرت لكم.
- ثم قال ﵀:
- ولمن له الخيار: الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه.
يعني: أن من له الخيار يجوز له أن يفسخ العقد ولو كان الآخر غائباً أو كان ساخطاً.
والدليل على هذا:
- قاعدة شرعية وهي: (أن من جعل الشارع من حقه حل العقود فإنه لا يتوقف على رضا الطرف الآخر ولا حضوره كما نقول في الطلاق).
فالطلاق الآن: حل للعقد وقد جعله الشارع من حقوق الزوج فله أن يحل هذا العقد بحضور أو غياب الزوجة وبرضاها أو سخطها. كذلك نقول: الشارع الكريم جعل لمن له خيار الشرط الحق في حل العقد وكل من له الحق في حل العقد فإنه يحل العقد بحضور أو غياب الآخر وسخطه أو رضاه.
وهذه قاعدة مفيدة ما دام الشارع جعل لك الحق في حل العقد فأنت تستخدم هذا العقد متى شئت ولا يشترط لا الحضور ولا الرضى من الطرف الآخر.
- ثم قال ﵀:
- والملك مدة الخيارين: للمشتري.
المقصود بالخيارين: ـ خيار الشرط. ـ وخيار المجلس.
وهذه المسألة مسألة مهمة.
= ذهب الحنابلة إلى أن ملك السلعة مدة الخيار للمشتري.
стр. 1424
وسيأتينا ما يترتب على هذا القول بعد مناقشة هذا القول بنفسه.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- الدليل الأول: أن العقد الذي فيه خيار الشرط عقد تام مكتمل الشروط فيسبب نقل الملك.
- الدليل الثاني: ان النبي ﷺ قال: (من باع عبداً وله مال فماله لسيده إلا أن يشترط المبتاع).
- وقال ﷺ : (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها لمن باعها إلا أن يشترط المبتاع).
فالحديثان نص على أن السلعة تدخل في ملك المشتري بمجرد الشرط.
= والقول الثاني: أن السلعة مدى الخيارين تبقى على ملك البائع.
- لأن هذا العقد وإن استوفى الشروط إلا أنه عقد ناقص بوجود خيار الشرط والعقد الناقص لا ينقل الملك.
= القول الثالث: أن ملك السلعة يتوقف فيه فإن فسخ المشتري تبينا أنه مدة الخيارين من ملك البائع وإن أمضيا البيع تبينا أن مدة الخيارين من ملك المشتري.
والراجح والله اعلم. مذهب الحنابلة. لأن ما استدلوا به من نصوص واضحة ولأن القول الثالث فيه تردد في ملك السلعة في زمنه. ولا يمكن أن توجد سلعة ليس لها مالك.
لهذا نقول هذا القول الذي ذهب غليه الحنابلة وهو مهم جداً قول سديد وفيه فقه للنصوص لا سيما حديث ابن عمر الذي ذكرت فإنه أشبه ما يكون بالنص على مثل هذه المسألة.
- ثم قال ﵀:
- وله نماؤه المنفصل.
أي: وللمشتري نماء السلعة المنفصل.
ومقصود المؤلف ﵀ ولو فسخا العقد بعد ذلك.
فالنماء المنفصل من حق المشتري.
والسبب في ذلك:
- أنا حكمنا أن السلعة ملك له في مدة الخيار والإنسان إذا ملك الشيء ملك نمائه.
والنماء المنفصل: أمثلته كثيرة مثل: ما يخرج من بهيمة الانعام من لبن وما يخرج من الدجاج ومنه الكسب فإن الكسب من النماء المنفصل فإذا كسب على هذه السيارة مدة الخيارين فإن الكسب له.
= القول الثاني: أن النماء المنفصل يرجع أيضاً للبائع فإذا فسخ المشتري العقد رجعت السلعة والنماء المنفصل للبائع وهذا القول مبني على أن ملك السلعة في مدة الخيارين للبائع وإذا كانت السلعة على ملك البائع فالنماء أيضاً للبائع.
стр. 1425
والراجح هو الأول بلا إشكال إن شاء الله. لأن ضمان السلعة في مدة الخيارين على المشتري والنبي ﷺ يقول: (الخراج بالضمان).
وفهم من قول المؤلف ﵀: (النماء المنفصل والكسب) للمشتري أن النماء المتصل للبائع.
وهو مذهب الحنابلة بل مذهب الجمهور أن النماء المتصل للبائع.
((الأذان)).
من الأسئلة:
ـ ما هي ثمرة الخلاف في مسألة الملك مدة الخيار؟
- ثمرة الخلاف في هذه المسألة المهمة تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: الضمان. وسياتينا في الفصل الذي سيعقد المؤلف ﵀ بضمان السلع قبل القبض والخلاف في ضمان السلع قبل القبض هو نفس الخلاف في ضمان السلعة مدة الخيارين.
- الثمرة الثانية: هو الذي نتحدث عنه وهو النماء المتصل والمنفصل والكسب فهو ينبني تماماً على مدة الملك مدة الخيارين. وتحدثنا عن المنفصل وغداً نتحدث عن المتصل إن شاء الله.
بالمناسبة تحدثت في أول كتاب البيوع عن التورق الذي تجريه المصارف وضربت به بعض الأمثلة وذكر لي عدد منكم انه فهم من هذا المثال أني أقول بجواز التورق وهو أن يشتري أسهم أو سلعة حسب ما تجريه البنوك.
وانا لم أقصد لما ضربت هذا المثال أن أتكلم عن حكم هذه المسألة وهذه المسألة التي تجريها البنوك التورق المنظم تختلف تماماً عن مسألة التورق التي تجحدثنا عنها في الدرس السابق وما قبل السابق.
فالتورق المنظم الذي تجريه البنوك حالياً هذا له حكم آخر وفي كثير من صورة هو حيلة مكشوفة على الربا فأنا لا أريد مطلقاً الكلام عن حكمه وإنما مثلت به تمثيلاً لأظن لبيع المضطر أو لمسألة أخرى.
المهم أني لا أريد أن أتحدث في ذلك الدرس عن حكم هذه المسألة.
سبحانك اللهم وبحدمك أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1426
شرح كتاب البيع الدرس رقم (١٠)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أحب أن أنبه قبل أن نبدأ بالشرح أن هذا آخر درس في الزاد مغرب الغد يكون للآجرومية وبعد غدً يكون لنظم الورقات. وتكون بداية الدروس بعد الحج مع أول يوم في الدراسة. وتكون الدراسة لمدة أسبوعين ثم نتوقف قبل الامتحانات بأسبوع ليكون فرصة للمراجعة والاستعداد لها.
- قال ﵀:
- وله نماؤه المنفصل وكسبه.
تقدم معنا الكلام عن النماء المنفصل والكسب والخلاف فيه وبيان أن مذهب الحنابلة إن شاء الله في هذه المسألة قوي وتوقفنا عند النماء المتصل.
فالنماء المتصل حكمه: = عند الحنابلة: أنه للبائع. وأنتم تعلمون أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا فسخ العقد.
فإذا فسخ العقد فالنماء المتصل بكل حال للبائع.
- قياساً على الرد بالعي فإنه إذ ردها مع العيب فالنماء المتصل للبائع.
وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم: أن النماء المتصل في مدة زمن الخيارين للبائع.
= القول الثاني: أن النماء المتصل أيضاً للمشتري.
- لأنه نماء وقع في ملكه وحصل بفعله فهو له.
وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام بن تيمية وهو الراجح. وعلى هذا القول: على القول بأن النماء المتصل للمشتري إذا اختار الرد فإن السلعة تحسب قيمتها قبل النماء الكتصل وبعد النماء المتصل ويدفع البائع الفرق بين القيمتين للمشتري.
ومن أمثلة النمار المتصل/ ـ السمن بالنسبة للدواب. ـ وتعلم صنعة بالنسبة للعبيد. وما أشبه هذين المثالين.
فنقول: كم قيمة هذه الشاة قبل أن تسمن وكم قفيمتها بعد أن سمنت فالفرق بين القيمتين يلزم البائع بدفعه للمشتري.
وقوله ﵀: (وكسبه) الكلام فيه كالنماء المنفصل كما تقدم لأن الكسب هو نوع من النماء المنفصل وكنا تكلمنا عن النماء المنفصل والكسب بكلام واحد فكل ما قيل عن النماء المنفصل يقال تماماً عن الكسب ولذلك شرح العبارة واحد.
- ثم قال ﵀:
- ويحرم ولا يصح: تصرف أحدهما في المبيع وعوضه المعين.
مقصود المؤلف ﵀ أيضاً في الخيارين: في خيار الشرط وفي خيار المجلس.
يحرم تصرف المشتري بالسلعة وتصرف البائع بالثمن زمن الخيارين.
التعليل:
- أن هذا التصرف يسقط حق الآخر ولا يجوز للمسلم أن يسقط حق أخيه بلا مسوغ شرعي.
стр. 1427
ويستثنى من هذا الحكم مسألتان:
ـ الأولى: إذا كان الخيار للمشتري فقط وتصرف في السلعة فإن هذا يعتبر إمضاء منه وقطع للخيار. لأن هذا التصرف دليل على الرضا. وكذلك إذا كان الخيار للبائع فقط وتصرف في الثمن فإنه قطع للخيار وهو إمضاء للبيع لأنه دليل على الرضا.
ـ ويستثنى أيضاً: إذا تصرف البائع مع المشتري أو بإذنه. أو العكس: تصرف المشتري مع البائع أو بإذنه. فإنه حينئذ يصح التصرف.
مثال ذلك/ إذا استأجر البائع بالثمن أرضاً أخرى للمشتري فهو الآن تصرف مع: المشتري.
أو استأجر بالثمن أرضاً لزيد لكن بإذن المشتري فهذا التصرف جائز وصحيح.
كذلك العكس إذا باع المشتري السلعة على البائع أو باعها على زيد بإذن البائع فإن الخيار يسقط لأنه تم بإذن من له الحق.
- ثم قال ﵀:
- وعوضه المعين فيها.
قوله: (فيها) يعني: في مدة الخيار.
وقزله: (عوضه المعين) يعني: أن المشتري يحرم عليه أن يتصرف بالثمن المعين.
فإذا قال المشتري اشتريت هذه السيارة بهذا المال وعينه فإن هذا المبلغ المعين في العقد لا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه بل عليه أن يبقيه في مكان مستقل إلى أن إما أن يمضي البيع أو يفسخ العقد.
وقوله: (عوضه المعين) أي أنه لو كان في الذمة فإنه لا يمنع المشتري من التصرف فلو قال: اشتريت هذه السيارة بمائة ألف ولم يعين المائة ألف فالمائة ألف هذه في الذمة وللمشتري أن يتصرف فيها كيف يشاء هذا بالنسبة للمشتري.
نأتي إلى البائع: البائع ليس له أن يتصرف بالثمن لا المعين ولا الذي في الذمة. بخلاف المشتري.
فلو قال له: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف واعطاه العشرة آلاف وأخذ السيارة فليس للبائع أن يترف في العشرة آلاف مدة زمن الخيار.
ولو قال: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف غير المعينة في الذمة فالبائع لم يقض شيئاً الآن ومع ذلك لا يجوز له أن يتصرف في هذا الثمن الذي في الذمة بأن يحيل عليه مثلاً هذه الحوالة خطأ ولا تجوز.
لماذا؟ لأنها تصرف في المبيع في العوض ولا يجوز له أن يتصرف في العوض.
الخلاصة: المشتري يجوز له أن يتصرف في الثمن الذي في الذمة ولا يجوز له أن يتصرف في الثمن المعين.
стр. 1428
والبائع لا يجوز له أن يتصرف في الثمن لا المعين ولا الذي في الذمة.
وبهذا عرفنا حكم تصرف كل من البائع والمشتري في كل من السلعة والثمن.
- ثم قال ﵀:
- بغير إذن الآخر.
تقدم معنا أن التصرف بغذن الآخر جائز.
- لأن التصرف منع منه لحق الآخر فإذا أذن به فقط أسقط حقه.
- ثم قال ﵀:
- بغير تجربة المبيع.
أي: يستثنى من تحريم التصرف أن يتصرف على سبيل التجربة كأن يركب الدابة. أو يحلب الشاة. أو يبحر في السفينة. أو يقود السيارة.
فمثل هذا جائز.
- لأن هذا التصرف على سبيل الاختبار والتجربة. وإنما شرع خيار الشرط لتجربة المبيع.
فهذا التصرف لا يتعارض مع خيار الشرط.
ويقيد ذلك: بالتصرف الذي يفهم منه عرفاً أنه للتجربة. فليس من المقبول مثلاً: أن يأخذ سيارة للتجربة ويسافر بها إلى مكة لمدة شهر وإلى ابها لمدة شهر ويقول إنما سافرت على سبيل التجربة.
فهذه ليست تجربة هذا استهلاك للسلعة. فإذاً يقيد جواز التصرف في العين على سبيل التجربة بأن يكون مقبولاً في العرف وإلا فإنه لا يجوز وهو آثم.
-
ثم قال ﵀:
- إلاّ عتق المشتري.
أي: ويستثنى أيضاً من تحريم التصرف عتق المشتري فيجوز مع التحريم.
فإذا أقدم المشتري عللى عتق العبد فنقول: انت آثم بهذا العتق وعليك التوبة والعتق صحيح.
واستدلوا على هذا:
- بأن الشارع الحكيم يتشوف للعتق وحث عليه وفي تجويز هذا الحكم تأدية لمقصود الشارع.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز حتى العتق. ان العتق أيضاً محرم.
- لأن في هذ العتق اعتداء على حق البائع ولا يجوز للمشتري أن يعتدي على حق البائع.
وهذا القول الثاني هو الصحيح. لأن الشارع تشوف لعتق العبيد لكن ذلك مشروط بأن لا يدخل الضرر على الآخرين.
* * مسألة/ قول المؤلف ﵀ (عتق المشتري) يدل بمفهومه على أن عتق البائع لا يستثنى وإنما الذي يستثنى عتق المشتري وهو كذلك. فإن:
= المذهب يرون أن عتق البائع لا يجوز مطلقاً.
وعللوا ذلك:
- بأن السلعة ليست في ملك البائع حتى يعتق أو لا يعتق. لما تقدم معنا أن السلعة زمن الخيارين هي من أملاك المشتري. فعتق البائع لا يجوز مطلقاً عند الحنابلة.
стр. 1429
فتبين لنا الآن: أن الحنابلة يفرقون في مسألة العتق زمن الخيارين بين تصرف البائع وبين تصرف المشتري وأنه على القول الصواب: تصرف البائع وتصرف المشتري واحد كلاهما لا يجوز لما فيه من الاعتداء على حق الآخرين.
- ثم قال ﵀:
- وتصرف المشتري فسخ لخياره.
تصرف المشتري فسخ لخياره: يعني: إذا كان الهيار للمشتري فقط.
ولو أن المؤلف ﵀ نبه إلى هذا بعبارة أو بشرط لكان أولى وأوضح.
إذاً: تصرف المشتري فسخ لخياره إذا كان الخيار له وحده.
والدليل على ذلك:
- أن هذا التصرف دليل على الرضا وإذا رضي فقد لزم البيع ومنع من الرد.
وفهم من كلام المؤلغ ﵀ أن تصرف المشتري فسخ لخياره أن البائع ليس كذلك. وهذا هو المذهب: ان تصرف البائع في السلعة لا يعتبر فسخاً للخيار.
لماذا؟ لما تقدم معنا أن لاالملك زمن الخيارين للمشتري.
فعرفتم الآن: كثرة الفروع التي تنبني على هذه المسألة: - مسألة ملك السلعة زمن الخيارين لمن؟ ومن المفيد جداً لطالب العلم أن يراجع ما كتبه ابن رجب حول هذه المسألة في القواعد ويرى كيف فرع فروعاً كثيرة على هذه المسألة وهو مفيد لطالب العلم.
- ثم قال ﵀:
- ومن مات منهما بطل خياره.
أي واحد منهما يموت يبطل خياره. إن مات المشتري بطل خياره وإن مات البائع بطل خياره.
- لأن حق الخيار لا يورث.
ولذلك بمجرد الموت انتهى حقه وبطل ولزم البيع للورثه.
=والقول الثاني: ان حق الخيار من جملة الحقوق التي تورث.
وهي حق ينتقل للورثة ويستمر الحق مدة خيار الشرط وإلى انتهاء المجلس في خيار المجلس.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله لأن هذا من جملة الحقوق التي تورث. فلا يجوز أن نمنع الورثة من هذا الحق.
- ثم قال ﵀:
- الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، بزيادة الناجش والمسترسل.
(الثالث: إذا غبن) أي والثالث من أنواع الخيارات: خيار الغبن.
والغبن في لغة العرب: هو النقص والخديعة.
هذا هو الغبن في لغة العرب.
وأما الغبن في الاصطلاح ففسره المؤلف ﵀ بقوله: (إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة)
стр. 1430
إذاً: خيار الغبن أن يغبن البائع أو المشتري غبناً يخرج عن العادة.
وذلك بزيادة الثمن بالنسبة للمشتري وبنقص الثمن بالنسبة للبائع.
* * مسألة - مهمة - / = ذهب الجمهور إلى أن خيار الغبن لا يثبت بمجرده حق للمشتري والبائع ولو كان فاحشاً بل لا يثبت إلا في حالات معينة سأتي ذكرها.
= والقول الثاني: أن خيار الغبن يثبت مطلقاً.
واستدل الحمهور:
- بأن النبي ﷺ قال لحبان ﵁: (إذا بايعت فقل لا خلابة). وجه الاستدلال: ان الحديث أفاد ان خيار الغبن لا يثبت إلا بالشرط.
واستدل أصحاب القول الثاني: [ان الغبن يثبت مطلقاً.
- بأن الغبن خديعة ولا يجوز للمسلم أن يخدع غيره.
-
قال ﵀:
- إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة.
قيد المؤلف ﵀ الغبن با؟ ن يكون خارجاً عن العادة. يعني: ان يغبن في السعر بالزيادة عليه غبناً يخرج عن العادة.
فدلت عبارة المؤلف ﵀ على أن الغبن ليس له حد معين ولا قدر محدود بل يرجع فيه إلى عرف التجار فما اعتبروه غبناً فهو كذلك وإلا فلا.
= والقول الثاني: أن الغبن يقدر بالثلث. فإذا كانت الزيادة الثلث ثبت الحق للمشتري وإذا كان النقص الثلث ثبت الحق للبائع.
= وقيل: الضابط في ذلك: الخمس.
= وقيل: الربع.
ولا يخفى إن شاء الله أن الصواب انه يرجع في ذلك إى العرف.
ومن أقوى الأدلة على أنه يرجع في ذلك إلى العرف أن الشارع أثبت الحق للمغبون بلا حد وكل شيء جاء في الشرع بلا حد فإنه يرجع فيه إلى العرف.
الأمر الثاني: الدال على رجحان تقييده بالعرف أنه لا يمكن أن تنضبط السلع بمقدار معين.
فالثلث مثلاً في بعض السلع غبن وفي بعضها ليس بغبن بل زيادة مائة بالمائة في بعض السلع ليست بغبن وزيادة عشرة في المائة في بعض السلع يعتبر غبن وهذا يرجع إلى طبيعة السلعة والقيمة.
فالسلعة التي قيمتها ريال إذا زيد عليه مائة بالمائة تصبح كم؟ ريالين. هل هذا غبن؟ ثلاثة أو أربعة أو خمسة؟ فليس بغبن.
لكن البيت الذي اشتري بمليون زيادة عشرو بالمائة كم؟ مائة ألف. هل هذا غبن؟ ( ... ).
إذاً: تفترق السلع من حيث هي: طبيعة السلعة ومن حيث القيمة.
стр. 1431
فلا يمكن أبداً أن نضع حداً معلوماً بأن نقول الثلث أو الربع أو الخمس أو أكثر أو أقل بل لابد أن يرجع في ذلك إلى العرف لهذين الدليلين الذين ذكرتهما لك.
-
ثم قال ﵀:
- بزيادة الناجش والمسترسل.
خيار الغبن: = عند الحنابلة لا يثبت إلا في ثلاث صور. فالحنابلة مع الجمهور في الخلاف الذي ذكرته آنفاً: خيار الغبن لا يثبت عند الحنابلة إلا في ثلاث صور.
ـ الصورة الأولى: تلقي الركبان.
ـ والصورة الثانية: بيع النجش.
ـ والصورة الثالثة: بيع المسترسل.
ولذلك: في الحقيقة من الخطأ أن المؤلف ﵀ حذف الكلام عن تلقي الركبان فإنه كما تلاحظ بدأ المؤلف ﵀ بالكلام عن بيع النجش وترك تلقفي الركبان مع أن تلقي الركبان موجود في الأصل الذي اختصر منه المؤلف ﵀ كتابه موجود في جميع الكتب أضف إلى هذا أن المذهب المعتمد عند الحنابلة أنه لا يوجد خيار غبن إلا في ثلاث صور. فكلهم ىنص على هذه الثلاث صور.
فلذلك حذفها ليس من المناسب مطلقاً في الحقيقة.
إذاً: نبدأ بالصورة الأولى: وهي: تلقفي الركبان.
بعد أن عرفنا أن الحنابلة يخصصون خيار الغبن في ثلاث صور.
فالصورة الأولى منها: تلقي الركبان.
وفي تلقي الركبان مباحث:
ـ المبحث الأول: تعريفه: هو أن يخرج الرجل لتلقي الركبان والشراء منهم قبل القدوم إلى السوق ومعرفة الأسعار.
هذا هو تلقي الركبان.
ـ حكمه: تلقي الركبان: محرم. والعقد صحيح.
الدليل: الدليل على ذلك:
- قوله ﷺ : (لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فسيده بالخيار إذا أتى السوق)
فالحديث دل على المنع وعلى تصحيح العقد إلا أن صاحب السلعة بالخيار إذا هبط إلى السوق.
- الدليل الثاني: قوله ﷺ : (لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بعض ولا تناجشوا)
الشاهد منه: ولا تلقوا الركبان. فهو نهي صريح.
ـ المسألة الثالثة: الصحيح من قولي أهل العلم أن تلقي الركبان محرم قبل أن يهبطوا إلى السوق سواء داخل البلد أو خارج البلد فليس المناط أبداً دخولهم البلد وإنما وصولهم إلى السوق.
стр. 1432
ـ المسألة الرابعة: اختلف الفقهاء فيما إذا تلقى الركبان واشترى منهم بنفس سعر السوق. ولم يدخل عليهم أي نوع من الغبن.
= فمن الفقهاء من صحح العقد. ومعنى صحح العقد يعني: بلا خيار للبائع.
واستدل على ذلك:
- بأن النبي ﷺ إنما أثبت له الخيار دفعاً لضرر الغبن عليه وهو الآن لم يغبن.
واستدل الذين يرون أن له الخير حتى لو اشترط منه بسعر السوق:
- بظاهر النص. قالوا: فإن النبي ﷺ نهى عن تلقي الركبان وأثبت للركبان الحق والخيار مطلقاً ولم يشر إلى التفريق بين إذا باع وبنفس سعر السوق أو بأقل منه.
وهذه المسألة مفيدة لطالب العلم وستتكرر معه.
أقصد أصل هذه المسألة فإنه غالباً ما يقع خلاف بين أهل العلم فمنهم من يأخذ بالمعنى الذي جاء النص من أجله ومنهم من يأخذ باللفظ الذي جاء الحديث على وفقه.
وهي مسألة مهمة.
الراجح فيها إن شاء الله الراجح في أصل المسألة: أن الإنسان يأخذ بالمعنى بشرط: أن يكون معنىً متفق عليه ليس فيه خلاف وهو من الظهور بحيث لا يختلف فيه.
وإلى هذا القيد أشار عدد من المحققين منهم (؟ إن لم أنس) الشيخ الفقيه ابن دقيق العيد. فله كلام حول هذه المسألة مهم أشار فيه إلى أنه في حالة ما إذا ظهر المعنى بحيث لا يتوقف فيه الإنسان فإن الأرجح الأخذ بالمعنى.
وإذا تردد الإنسان أو لم يظهر له المعنى أو اختلف العلماء فيه فالأسلم أن يأخذ بظاهر اللفظ ولا يعول على المعنى.
بناء على هذا الترجيح في أصل المسألة: نقول الراجح إن شاء الله في هذه المسألة أنه لا خيار للركبان. لأنه من المقطوع به أن النبي ﷺ إنما أثبت لهم الخيار دفعاً للضرر والغبن الذي ربما وقع عليهم بسبب عدم معرفتهم للسوق. فإذا كان اشترى منهم بسعر السوق فلا حرج عليه إن شاء الله.
فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة أنه لا خيار وأن البيع يقع صحيحاً وهو إن شاء الله أي هذا القول الذي رجحناه لا يتعارض مع ظاهر النص. لأن الإنسان يأخذ بالمعنى متى كان ظاهراً واضحاً.
ولا يأثم لأن الإثم مترتب على الغبن والاثم ملازم للخيار إذا أثمناه فنحكم بالخيار.
-
ثم قال ﵀:
- بزيادة الناجش.
стр. 1433
بعد أن بينا الصورة الأولى ننتقل للصورة الثانية التي يتحقق فيها خيار الغبن وهي: بيع النجش.
والنجش في لغة العرب: الاستخراج والإثارة.
كأن الناجش يثير غيره ليشتري السلعة.
وأما في الاصطلاح فهو زيادة من لا يريد شراء السلعة في قيمتها تغريراً للمشتري.
والنجش حرام: لما أخرجه البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ نهى عن النجش.
ولما في الصحيح أيضاً: من قوله ﷺ : (لا تلقوا الركبان ولا تناجشوا).
* * مسألة/ عرفنا الآن أن النجش إذا ثبت فإنه يثبت لصاحبه الخيار وهو خيار الغبن فإذا تبين أن في العقد نجش فللمشتري المغبون الخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه.
* * مسألة/ إذا زاد الناجش لتصل إلى ثمنها الحقيقي. فما الحكم؟
الجواب: أن أهل العلم اختلفوا اختلافاً كثيراً في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
= القول الأول: أن هذا العمل محرم. وأن أي إنسان يزيد في السلعة وهو لا يريد الشراء فعمله محرم.
بناء عليه: يثبت الخيار للمشتري.
= القول الثاني: أن هذا العمل مندوب إليه.
- لأن في هذه الزيادة تحصيل لحق البائع.
- ولان المقصود من النهي عن النجش الزيادة التي يحصل بها تغرير للمشتري وهذه الزيادة ليس فيها تغرير.
= والقول الثالث: أنها مباحة. لا مندوبة ولا محرمة.
والراجح: ( ... ) [محرم] فيما يظهر لي .. لماذا؟ أولاً: لأن النبي ﷺ يقول: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
ثانياً: لأنه يزيد كذباً.
ثالثاً: لأنه يزيد ولا يريد الشراء.
فهو في الواقع غرر حتى بالمشتري لان المشتري يظن ان الناس لهم رغبة في هذه السلعة ولو توقف عن المزايدة ربما لم يشتر فلما رآه يزيد في السلعة ظن أنها مرغوبة فالذي يظهر لي أنه محرم وأنه لا يخرج عن الحكم العام للنجش.
باقي مسألة وهي: من صور النجش أن يقول: اعطيت فيها هكذا أو أعطيت فيها كذا ولم يعط فيها هذا المبلغ فهذا من النجش.
ويترتب على حكمنا على هذه الصورة أنه من النجش إثبات الخيار وهذا هو بيت القصيد في المسألة.
فكل مسألة نثبت فيها أنها من النجس فنحن تبعاً لذلك نثبت خيار الغبن فللمشتري أن يفسخ رضي البائع أو سخط.
стр. 1434
ـ من صور النجش: أن يسومها سوماً مرتفعاً ليشتري المشتري بثمن قريب من هذا السوم. لأن هذا في الحقيقة تغرير وهو إذا تأملت يشبه تماماً الزبادة في أثناء الحراج.
((الأذان))
نتم هذه المسألة حتى ننتهي - وهي آخر مسألة/فإذا سامها البائع بأكثر من ثمنها بكثير ليشتري المشتري بثمن قريب من هذا الثمن فإنه نجش ويثبت له خيار الغبن.
ومعنى سامها: هو ما نعبر عنه بعرف الناس اليوم: (حدها) يعني إذا حد السلعة نقول: كم تحد سلعتك؟ يقول: أنا أحدها يعني سأبيع عليك بكذا ورفع ثمنها رفعاً عظيماً حتى تشتري انت بثمن ولو كان أقل من هذا إلا أنه قريب منه فهذا يتعبر لاشك من التغرير ومن النجش وإلى هذا القول يعني: إلى اعتبار هذه الصورة من صور النجش ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول وجيه جداً وهو قول صحيح ويثبت بناء عليه الخيار للمشتري إن شاء أخذ السلعة وإن شاء ردها.
стр. 1435
شرح كتاب البيع الدرس رقم (١١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مع بداية الدروس بعد هذه الإجارة أرحب بإخواني سائلاً المولى أن يقبل الأعمال الصالحة في الأيام الفاضلة سبقت من عشر ذي الحجة ... وكنا توقفنا في آخر درس وتكلمنا فيه عن الخيارات على الخيار الثالث وهو خيار الغبن وتحدثت فيه عن الصور الثلاث التي يعتبرها الحنابلة من صور خيار الغبن.
وهي: تلقي الركبان وزيادة الناجش. وتوقفنا عند المسترسل ولم نتكلم عنه وهو الصورة الثالثة التي يثبت فيها الخيار وهو خيار الغبن للمشتري.
- يقول المؤلف ﵀:
- والمسترسل.
المسترسل: هو الذي يجهل الثمن ولا يحسن المماكسة ولا المبايعة فتجتمع فيه صفتان:
- الأولى: أن لا يعرف الثمن.
- والصفة الثانية: أنه لا يحسن البيع والشراء والمماكسة والمبايعة ومحاولة الحط من الثمن. سواء كان البائع أو المشتري.
ويسمى عند الفقهاء: غبن المسترسل.
стр. 1436
بعد أن عرفنا ما هو المسترسل نأتي إلى حكمه. ومعنى قولنا (حكمه) يعني: حكم غبن المسترسل.
ـ غبن المسترسل: محرم.
- لقوله ﷺ (غبن المسترسل حرام).
- والدليل الثاني: أن غبنه من الغش والخداع للمسلم وهو محرم.
بهذه الصورة الثالثة اكتملت صور خيار الغبن.
بعد ذلك نبين مسألة تشترك فيها جميع الصور وهي مسألة مهمة/ إذا وقع الغبن فإنه يثبن للمغبون في الصور الثلاث: الخيار.
لكن اخلتفوا في الخيار:
= فالحنابلة يرون: أنه مخير بين أن يمسك السلعة أو يردها بلا أرش. إما إمساك أو رد.
= والقول الثاني: أن المغبون مخير بين الرد أو الامساك مع حط الثمن الذي غبن فيه.
يعني: مع حد مقدار ما غبن فيه من الثمن.
فإذا اشترى السلعة بمائة وهي بخمسين: فهو مغبون بخمسين فله أن يمسك ويأخذ من البائع خمسين.
والراجح والله أعلم مذهب الحنابلة له أن يمسك أو يرد فقط.
والدليل على ذلك:
- ان النبي ﷺ في حديث المصراة - سيأتينا - خير المشتري بين أمرين: إما أن يمسك أو يرد.
فإن رد رد معها صاعاً من تمر وهذا لا يعنينا في مسألتنا لكنه ﷺ خير المشتري بين أمرين فقط إما الإمساك أو الرد.
فإذا نظرنا إلى هذا الحديث علمنا أن ما ذهب إليه الحنابلة إن شاء الله أقرب وهو أن المشتري مخير بين الإمساك والرد فقط.
ثم لما أنهى المؤلف ﵀ النوع الثالث من الخيارات بدأ بالرابع.
- فقال ﵀:
- الرابع: خيار التدليس.
يعني: الخيار الذي يثبت بسبب التدليس.
والتدليس في لغة العرب: مأخوذ من أحد شيئين: - إما من الدلسة وهي الظلمة.
- أو من الدلس وهو الخديعة.
والأقرب والله اعلم أنه مأخوذ منهما. لأن المدلس أخفى وخدع.
وأما في الاصلاح: فأحسن وأوضح التعاريف أن يقال هو: كل فعل يزيد به الثمن ولو لم يكن عيباً.
فالعيوب لا تدخل معنا في خيار لأن لها خياراً خاصاً وهو خيار العيب.
إذاً: المقصود بخيار التدليس الأفعال التي يقوم بها البائع والتي تؤدي إلى زيادة الثمن من غير العيوب.
ثم لما بين المؤلف ﵀ أن التدليس يثبت الخيار ذكر الأمثلة:
- فقال ﵀:
- كتسويد شعر الجارية.
стр. 1437
هذا المثال الأول من أمثلة التدليس.
وهو أن يعمد البائع إلى الجارية التي لون شعرها أشقر أو أبيض أو أسود وليس بسواد ناصع ثم يصبغ هذا الشعر ليكون أسوداً سواداً ناصعاً ترغيباً للمشتري.
فهذا البائع أظهر شعر الجارية بخلاف ما هو عليه لزيادة السعر.
ونحن نقول التدليس كل فعل يزيد بعه الثمن ولو لم يكن عيباً.
فهذا ليس من العيوب: كون شعر الجارية أشقر ليس من العيوب لكنه صبغه بالأسود لزيادة السعر إذا علم أن المشتري يرغب بأن يكون شعر الجارية لونه أسود.
وهو مثال واضح.
الثاني:
- قال ﵀:
- وتجعيده.
يعني: وكتجعيد شعر الجارية.
كأنه والله أعلم كان تجعيد الشعر نوع من الصفات المرغوبة في الجواري في وقتهم.
فإذا قام البائع بتجعيد الشعر الناعم ترغيباً للمشتري فقد دلس عليه.
هذا إذا اعتبرنا أن تجعيد الشعر من الصفات المحمودة المرغوبة ولا شك أن الفطر السليمة تأبى مثل هذا العمل لأن تجعيد الشعر الناعم ليس من صفات الجمال. وإن اعتبر في عرف قوم من الجمال فهو في الحقيقة ليس من الجمال كما أن تنعيم الشعر الجعد ليس من الجمال بل الجمال إبقاء الشيء على ما خلقه الله إذا لم يكن عيباً ونحن نتحدث في التدليس الذي ليس من العيوب.
فإذا كان شعر الجارية جعداً وليس جعودة تعتبر من العيوب فالأولى تركه على ما هو عليه.
الذي يعنينا الآن أنه إذا جعد شعر الجارية الذي أصله ناعم تدليساً على المشتري لأنه يرغب في هذه الصفة فعمله محرم.
-
ثم قال ﵀:
- وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها.
الرحى: هي التي تطحن الحب.
فإذا جمع الماء ثم تركه إذا جاء المشتري لينظر إلى الرحى فإن الرحى ستتحرك بشرعة وتطحن كمية أكبر وتعمل بشكل فعال أكثر فيظن المشتري أن هذا من عادة هذه الرحى. والواقع أن ليس من عادتها أن تطحن بهذه السرعة وإنما طحنت بسرعة بسبب إمساك الماء.
فهذا من التدليس. لماذا؟ لأن جريان الرحى ببطء ليس من العيوب ما دام طبيعياً وهو يزيد زيادة السرعة لتظهر السلعة بصفة ليست هي عليها في الواقع.
هذا هو المثال الأخير من أمثلة المؤلف ﵀ على التدليس.
حكمه:
التدليس: محرم.
стр. 1438
- لقول النبي ﷺ : (لا تصروا الإبل ولا الغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء ردها وصاعاً من تمر وإن شاء أمسكها) أو إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاًمن تمر.
فهو مخير إما أن يمسك ويعطي البائع صاعاً من تمر أو يرد.
التدليس بنص هذا الحديث محرم.
وهو محرم لثلاثة أمور:
ـ لهذا الحديث.
ـ وللإجماع,
ـ ولما تقدم أنه من الغش والخداع. والغش والخداع في جميع الأمور لا سيما في المعاملات: محرم.
وخيار التدليس يثبت:
= عند الحنابلة على التراخي. يعني: له أن يرد بخيار الندليس متى شاء إلا في التصرية. فالخيار فيها فقط ثلاثة أيام.
فيفرقون في التدليس بين التصرية وغيرها من التدليسات.
سبب التفريق: قالوا: أنه في حديث التصرية في اللفظ الذي أخرجه مسلم أن النبي ﷺ قال: (فهو بالخيار ثلاثة أيام).
فأثبت له الخيار في التصرية لمدة ثلاثة أيام فقط.
وسيأتينا مسألة مدة الخيار في خيار العيب وهو ينطبق على خيار التدليس ونذكر الخلاف والراجح في هذه المسألة.
- ثم قال ﵀:
- الخامس: خيار العيب.
يعني: الخيار الذي يثبت بسبب وجود عيب في السلعة أو في الثمن.
وخيار العيب ثابت بالنصوص من الكتاب والسنة.
ـ أما الكتاب: فقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).
ومن المعلوم أنه لن يرضى بالسلعة المعيبة.
ـ وأما من السنة. فحديث عائشة ﵂ أن رجلاً باع عبداً فيه عيب فرده المشتري فقال البائع: وغلت العبد فقال النبي ﷺ : (الخراج بالضمان) يعني: كما أن المشتري كان ضمان العبد عليه في فترة التجربة كذلك له غلته.
وهذا الحديث فيه خلاف كثير وممن صححه يحيى بن سعيد القطان. وضعفه أو أشار إلى ضعفه عدد من الأئمة لكن معنى الحديث صحيح وثابت أن الخراج بالضمان ويكاد يجمع اهل العلم على معنى هذا الحديث.
- قال ﵀:
- وهو ما ينقص قيمة المبيع.
يريد المؤلف ﵀ أن يعرف العيب الذي يثبت به الخيار. فيقول: (هو ما ينقص قيمة المبيع).
لكن الحنابلة لا يريدون قصره على العيب الذي يسبب نقص القيمة بل يشمل مع ذلك نقص العضو وإن لم ينقص معه الثمن.
стр. 1439
ولا يخفى عليكم أنه توجد عيوب قد لا ينقص معها الثمن وإن كانت عيب في عرف الناس أو عيب عند المشتري بالذات لحاجته الخاصة لهذه السلعة.
لذلك نقول: التعريف الأعم والأحسن أن نقول: أن العيب: هو كل وصف مذموم يقتضي سلامة السلعة منه.
في هذا يكون التعريف يشمل الصور جميعاً إن شاء الله.
ثم شرع المؤلف ﵀ بذكر الأمثلة.
وأما الحكم أي: ماذتا يترتب على خيار العيب فسيتكلم عنه المؤلف ﵀ بالتفصيل.
إذاً: الآن عرفنا خيار العيب وأنه ثابت بالشرع وما هو العيب الذي يثبت معه الخيار.
-
ثم قال ﵀: في التمثيل.
- كمرضه.
يعني: كمرض المبيع.
وهو يقضصد كل ماله من نفس وحياة مما يمرض.
وقوله: (كمرضه) يعني: مهما كان المرض يسيراً.
فجنس المرض يعتبر من العيوب التي يثبت بها لخيار للمشتري وهذا يؤخذ من عموم كلام المؤلف ﵀.
وهو صحيح: فالمرض بأنواعه سواء كان يسيراً أو شديداً هو من العيوب.
- ثم قال ﵀:
- وفقد عضو وسِنْ أو زيادتهما.
إذا فقد عضو أوسن في المبيع أو فقد جزء في المبيع الذي ليس له حياة فهو من العيوب. وهو نقص بين ظاهر في المبيع.
- ثم قال ﵀:
- وزنا الرقيق.
(زنا الرقيق) يشمل زنا الغلام وزنا الجارية.
أما زنا الجارية فهو من العيوب بإجماع العلماء فلم يخالف فيه أحد من الفقهاء.
وأما زنا الغلام فهو عيب كذلك عند جماهيثر أهل العلم لم يخالف إلا الأحناف فهم الذين فرقوا بين زنا الجارية وزنا الغلام.
والصواب الذي لاشك فيه أن زنا الجارية والغلام من أكبر العيوب.
ومذهب الأحناف في الغلام ضعيف جداً.
والزنا عيب في الدين والدنيا: يعني: عيب في دين العبد وأيضاً في الدنيا لأنه يفسد الجارية أو الغلام على المالك والرد به من أظهر ما يكون.
- ثم قال ﵀:
- وسرقته.
يعني: وكون العبد ممن يسرق هذا من العيوب التي للمتري رد العبد إذا تبين أنه من الذين يسرقون وهو كما قلنا في الزنا عيب في الدين والدنيا.
-
ثم قال ﵀:
- وإباقه.
يعني: وهربه.
إذا كان العبد معروف بأنه يهرب من سيده فهذا من أكبر العيوب لأن هذا العيب يؤدي إلى عدم انتفاع المشتري بالعبد.
стр. 1440
- ثم قال ﵀:
- وبوله في الفراش.
إذا كان العبد أو الجارية عف عنه أنه يبول في الفراش فإن هذا من العيوب التي يرد بها لأنه يتعب أهل البيت ويلوث فرشهم.
قوله ﵀: (وزنا الرقيق. وسرقته. وإباقه. وبوله في الفراش) هذه العيوب يشترط لتكون من العيوب أن تقع من ابن عشر فما فوق. فإن وقعت من ابن تسع فأقل فليست من العيوب وليس للمشتري أن يرد بها.
لأن الصغير قد يقع منه مثل هذه الاعمال ثم تستقيم حاله.
والقاعدة عند الحنابلة: (ان كل عيب ينسب إلى فعل العبد وقصده يشترط فيه ان يكون من ابن عشر فما فوق).
سواء كانت هذه الأشياء: الزنا والسرقة والإباق والبول أو غيرها.
كل فعل ينسب إلى العبد من العيوب يشترط فيه ان يكون من ابن عشر فما فوق.
ووجهة نظر الحنابلة في اشتراط هذا الشرط قوية لأن الطفل الصغير قد يقع منه بعض الممارسات التي لا تكون له خلقاً وإنما بسبب صغر سنه ثم إذا كبر اعتدل حاله.
- ثم قال ﵀: مبيناً ماذا يترتب على خيار العيب.
- فإذا علم المشتري العيب بعد: أمسكه بأرشه - وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب - أو رده وأخذ الثمن.
= عند الحنابلة في خيار العيب يختلف حكمهم عن خيار التدليس.
ففي خيار العيب المشتري مخير بين أمرين: ـ إما أن يمسك مع أخذ الارش وسيأتينا ما هو الأرش وكيف نخرج الارش.
ـ أو يرد.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بقولهم: إن العيب هو عبارة عن نقص في العين المباعة وإذا فات على المشتري جزء من العين المباعة فله أن يأخذ مقابل ذلك وهو الأرش.
= والقول الثاني في هذه المسألة: أن المشتري ليس له إلا الإمساك أو الرد. إلا - في صورة واحدة: - إذا تعذر الرد - بتلف المبيع مثلاً فحينئذ له الأرش.
واستدل أصحاب هذا القول - أي الثاني -:
- بحديث المصراة وقالوا: إن التصرية نوع من العيب فإنه المشتري خدع بإظهار الحليب على غير ما هو عليه. ومع ذلك خيره النبي ﷺ بين أمرين إما الإمساك أو الرد مع صاع من تمر.
следующие страницы →