← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

نبدأ بالقسم الأول: لأنه أقل القسمين أحكاماً وهو واضح. ـ القسم الأول هو: الصلح على غير جنس الحق. وصورته/ أن يدعي زيد على عمرو سيارة فيقر له عمرو بها ويصالحه عنها ببيت. فجنس الحق المدعى به الآن هو: السيارة. وصالحه على غير جنسها وهو: البيت. وهذا القسم صحيح بالاتفاق وهو بيع يلزم له ليصح جميع شروط البيع. والدليل على هذا: - أن صورة المسألة الحقيقية مبادلة عين بعين. أو معاوضة عين بعين وهذه حقيقة البيع. ـ القسم الثاني: المصالحة على جنس العين المدعى به وهو الذي ذكره المؤلف: - فيقول ﵀: - إذا أقر له بدين أو عين فأسقط، أو وهب البعض وترك الباقي: صح إن لم يكن شرطاه، وممن لا يصح تبرعه. (إذا أقر له بدين) يعني: إذا أقر له بدين معلوم. فأسقط حقه: صح. وسيأتينا دليل الصحة. وحقيقة الإسقاط في الدين: إبراء. هو عقد إبراء. فالصلح هنا: حقيقته الإبراء. الثاني: (أو عين) يعني: إذا أقر له بعين وصالحه على بعضها. كأن يقول: أقر لك بخمسين صاعاً من القمح ويصطلحا على أن للمقر ربعها. فهذا أيضاً كما سياتينا صحيح. وحقيقة هذا العقد: أنه عقد هبة. ومعنى أنه عقد هبة: أنه تشترط فيه شرط الهبة التي ستأتينا في باب الهبة والعطايا. إذاً حقيقة العقد الأول أنه: إبراء. وحقيقة العقد الثاني أنه: هبة. - ثم قال ﵀: - فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي: صح. يعني: صح هذا العقد. والدليل على صحة هذا العقد من النص ومن المعقول: - أما من النص: فحديث جابر ﵁ فإنه ثبت في الصحيح: ان جابر ﵁ اشتكى إلى النبي ﷺ الدين الذي عليه وكان تمراً فطلب النبي ﷺ من غرمائه أن يضعوا عنه فأبوا. فقال النبي ﷺ لجابر: اجعل كل تمر عندك على حدة: أي كل نوع منه على حدة فجعل جابر ﵁ العجوة على حدة وعذق زيد على حدة فجلس النبي ﷺ في أعلى التمر ثم قال يا جابر: كل للقوم فصار جابر ﵀ يكيل للناس ويقضي الناس كلهم فلما قضى الناس جميعاً نظر فإذا التمر لم ينقص شيئاً. - اللهم صل وسلم على نبينا محمد.

стр. 1647

فهذا الحديث عظيم وفيه فوائد كثيرة: - منها: أنه لا حرج على الرجل الشريف كبير القدر أن يدخل في صلح مالي. فهذا لا حرج فيه ولا غضاضة ولا يقال: لا ينبغي لمثله الدخول في العقود المالية فهذا جابر ﵁ دخل. - ومنها: أنه لا حرج على الرجل الشريف أن يتولى بعض أمور أصحابه. فهذا النبي ﷺ أمره أن يقسم التمر وكيف يكيل للناس وجلس أثناء قضاء الناس حوائجهم. - ومنها: - وهو أيضاً مفيد ومهم - أنه لا حرج على المطلوب إذا رفض ولو كان الطالب كبير القدر لأن الحقوق المالية أساسها يرجع إلى الرضا. فلا حرج على الإنسان أن يرفض إذا لم ير أن هذا مناسباً له. ولهذا ليس في الحديث مطلقاً أي إشارة إلى لوم هؤلاء الذين كانوا يطلبون جابر لما أبوا أن يجيبوا النبي ﷺ وهذا لا ينفي أن يكون أنه من المروءة وحسن الخلق إجابة الرجل الذي له قدر في الإسلام لكن لو لم يجب فلا حرج ولا لوم على من رد طلبه فهذا هو الدليل من النص. - وأما الدليل من المعقول: - فهو أن حقيقة هذا الصلح: إما أن يكون إبراء أو هبة وللإنسان أن يهب أو أن يبرئ ما شاء من ماله ما دام جائز التصرف. - ثم قال ﵀: - صح إن لم يكن شرطاه، ولا يصح ممن لا يصح تبرعه. لما ذكر المؤلف ﵀ هذا الحكم ذكر شروط هذا الحكم وذكر شرطين: - الشرط الأول: أن لا يكون هذا الصلح على سبيل الاشتراط. وتلاحظ أن عبارة المؤلف ﵀: (شرطاه) وأطلق. فهو يتناول المُقِرْ والمُقَرّ له. - فالمُقَرّ له: شرطه أن يقول: وهبتك نصف ما لي على أن تقر لي به. فإذا وقع العقد بهذا الشرط: فالصلح باطل. - لأن المقر له صالح عن ماله ببعضه ففيه هضم لحقه. - النوع الثاني: أن يكون المشترط: المُقِر. كأن يقول: لا أقر لك حتى تعطيني نصفه. فهذا الصلح بهذا الشرط أيضاً باطل. وهو أقبح من الأول: لأنه من أكل أموال الناي بالباطل. إذ يجب عليه أن يقر بلا عوض. - الشرط الثاني: الذي ذكره المؤلف. هو: أن يكون الإقرار ممن يصح تبرعه.

стр. 1648

- لأن حقيقة هذا النوع: تبرع. والتبرع لا يكون إلا ممن يجوز تبرعه. فلا يجوز لولي اليتيم أن يصالح هذا الصلح ولا لولي الوقف ولا للمضارب المؤتمن ولا لكل من لا يجوز له أن يتبرع. واستثنى الفقهاء من هذا الحكم: استثناء لطيف مفيد وهو: أن يدور الأمر بين أن يصالح ويكسب البعض أو أن لا يصالح ويخسر الكل. فإذا دار الأمر بين أن يخسر الكل بلا صلحأو يكسب البعض مع الصلح جاز له أن يصالح لأن حقيقة هذا الصلح من حظ المصالح عنه. وهو مثلاً: اليتيم أو الوقف حسب صور من لا يجوز له أن يتبرع. أما ما عدا هذه الصورة المستثناة فإنه لا يجوز له أن يصالح على هذا الوجه. إذاً يقول المؤلف ﵀: (إذا لم يكن شرطاً .... إلى آخره: بقي الشرط الثالث لم يذكره المؤلف ﵀ وهو: (أن هذا الصلح: أن لا يكون بلفظ الصلح. السبب: أن هذا فيه أيضاً هضم للمقر له لأنه صالح عن ماله ببعضه. فالتعليل هو نفس التعليل السابق. إذاً: تعليل اشتراط هذا الشرط هو كتعليل اشتراط أن لا يشترط المقر له نصف ما عليه - السابق. = والقول الثاني: أنه يصح بلفظ الصلح وبأي لفظ بشرط أن يكون المعنى المراد معلوماً. ومعنى المراد هنا: إما هبة أو إبراء. فإذا عرف المقصود صح العقد بلفظ الصلح أو بأي لفظ كان. لأنه تقدم معنا أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني فاللفظ ليس هو الذي تنبني عليه الأحكام وإنما المعاني. - ثم قال ﵀: - وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط فقط. وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه: صح الإسقاط دون الوضع / فإذا كان زيد يطلب عمرو مائة ألف فوضع بعضه وأجل باقيه فقال: أبرأتك من خمسين وأجلت لك خمسين. صح الإسقاط دون التأجيل. أما الإسقاط فهو يصح: لأنه إبراء. وللمكلف الرشيد البالغ العاقل أن يبرأ من شاء لأن هذا من التصرفات المالية التي يؤذن بها لمن جاز تصرفه. وأما التأجيل فلأن قاعدة المذهب كما تقدم معنا في كتاب القرض أن الحال لا يؤجل. أي شيء حال فإنه لا يمكن أن يتأجل بالشرط والعقد. فهذه المسألة مبنية تماماً على المسألة السابقة التي هي تأجيل القرض.

стр. 1649

وأخذنا الخلاف هناك في هذه المسألة وأن الأقرب إن شاء الله أن المؤجل إذا أشترط تأجيله صح ولزم. إذاً: عرفنا الآن أن: = القول الثاني: صحة الإسقاط والتأجيل. - لما تقدم من الخلاف في تأجيل القرض. - ثم قال ﵀: - وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً ... لم يصح. هذه المسألة هي المسألة التي تسمى مسألة:""ضع وتعجل"". وهي مسألة مهمة وحاجة الناس إليها كثيرة. حكم المسألة/ اتفق الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء على أن:""ضع وتعجل"" لا تجوز. واستدلوا على هذا بعدة أدلة: - الدليل الأول: أن هذا مروي عن عمر وابنه ﵄. وهذا في الحقيقة محل الإشكال - كما سيأتينا. - الدليل الثاني: أن حقيقة العقد معاوضة عن الأجل - عن التأجيل أو التعجيل. والتأجيل والتعجيل لا يباع ويشترى. - الدليل الثالث: أن هذا الوضع مقابل الأجل وهو حقيقة الربا. هذه أدلة الجماهير. = القول الثاني: أن:""ضع وتأجل"" صحيح وجائز وليس من الربا في شيء. وهو مذهب لبعض الفقهاء نصره بقوة شيخ الإسلام وابن القيم. واستدلوا بأدلة: - الدليل الأول: أن الجواز صح عن ابن عباس صريحاً فقد ثبت أنه أفتى بصحة مسألة:""ضع وتأجل"". وفتواه ﵀ أصرح من فتوى غيره من الصحابة. - الثاني: أن المسألة تشتمل على إسقاط وتعجيل. والإسقاط مفرداً يصح والتعجيل مفرداً يصح فإذا اجتمعا صحا. إذاً يقولون أن العقد يشتمل على إسقاط وتعجيل والإسقاط مفرداً تقدم معنا أنه صحيح والتعجيل أيضاً أكثر من أنه صحيح إذ الحنابلة لا يرون التعأجيل أصلاً فقالوا إذا جمعنا بينهما صحا لأنه مكون من أمرين جائزين. وهذا الدليل ضعيف: لأنه اجتمع من الإسقاط والتعجيل صورة ثالثة ولأنه هذه الطريقة - طريقة التلفيق بين الأحكام ليست بصحيحة. - الدليل الثالث: أن حقيقة هذا العقد عكس الربا ففي الربا تأجيل وزيادة وفي هذا العقد إسقاط وتعجيل. فأين التأجيل مع الزيادة من الإسقاط مع التعجيل. فهما عكس بعض فهو ليس من الربا لا صورة ولا حقيقة. والأقرب والله أعلم الجواز: باعتبار أن الصحابة اختلفوا وباعتبار أن هذا الدليل الذي ذكره ابن القيم وهو أن حقيقة الصورة عكس الربا تماماً دليل وجيه عند التأمل.

стр. 1650

وكما قلت: مراراً: هذه المسألة لاشك ولا ريب أنها محل تورع واحتياط وأنه إذا لم يتورع من أراد أن يتورع في المعاملات المالية في مثل:""ضع وتعجل"" فأين سيتورع؟ كيف وعامة فقهاء المسلمين على هذا القول وروي عن أكثر من صحابي. ففي الحقيقة هي محل تورع وشبهة. لكن من حيث الأدلة نستطيع أن نقول أن القول الثاني: أرجح. - ثم قال ﵀: - أو بالعكس. يقصد بقوله: (أو بالعكس) المسألة السابقة: إذا صالحه عن الحال ببعضه مؤجلاً تماماً. تقدم معنا هذه الصورة وأن الحنابلة يقولون: يصح الإسقاط دون التأجيل. وأن الصواب صحة الإسقاط والتأجيل. وهو في الحقيقة: محض تعاون من الدائن مع المدين: لأنه أرفقه في شيئين: - التأجيل. - والإسقاط. فهو في الحقيقة: إرفاق منه لا يمنع. - ثم قال ﵀: - أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه. صورة المسألة / أن يقول: لا أقر لك بهذا البيت إلا إذا أبحتني الانتفاع به سنة. فالصلح باطل. فإن أسكنه البيت فهو تبرع محض له أن يخرجه متى شاء. = والقول الثاني: أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين الإبراء والهبة في المسألة الأولى. إذا أقر له بدين أو عين صححنا الإبراء والهبة كذلك هنا نصحح هذا الصلح ونشترط فيه ما اشترطنا في الصورة الأولى.: أن لا يكون بشرط من المقر ولا من المقر له وأن يكون من جائز التصرف. فالأقرب صحة هذه المسألة ولا فرق بين أن يكون الصلح على عقار أو دار وبين أن يكون على عين تقسم أو على دين في الذمة لا فرق أبداً بين الصورتين ففي كل منهما إبراء أو هبة. - ثم قال ﵀: - أو يبني له فوقه غرفة. يعني: يقول: لا أقر لك بالبيت إلا إذا بنيت لي فوقه غرفة. ففي المسألة الأولى اشترط منفعة وفي المسألة الثانية اشترط ملك عين وهي الغرفة. والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة اماماً من حيث قول الحنابلة والقول الثاني وأيضاً من حيث الراجح. - ثم قال ﵀: - أو صالح مكلفاً ليقر له بالعبودية. يعني: رجل صالح رجلاً آخر على أن يقر له بالعبودية: فقال: أعطيك مائة ألف صلحاً وتقر بأنك عبداً لي. فهذا الصلح باطل. لأمرين:

стр. 1651

- الأمر الأول: أنه لا يجوز للإنسان أن يرق نفسه. وليس هذا باختياره. بل الحر حر شرعاً والعبد عبد شرعاً. - الثاني: أن هذا محرم على المقر له. لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. - ثم قال ﵀: - أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح. (أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض: لم يصح.) أي: هذا الصلح. - لم يصح هذا الصلح: أيضاً لأمرين: - الأمر الأول: أنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها مقابل عوض مالي بل المرأة لا تحل للرجل إلا بعقد شرعي لا بعوض مالي. - الثاني: لأن المقر له لا يجوز له أن يطلب فرجاً محرماً. فهذا الصلح لا يصح وهو باطل. - ثم قال ﵀: - وإن بذلاهما له صلحاً عن دعواه: صح. أي: بذل كل من العبد والمرأة العوضين له أي: للمقر له صلحاً: جاز. جاز: من جهة المقر له. ومن جهة: المقر. أما من جهة المقر: وهو العبد - إذا افترضنا أن المقر الآن هو ليصالح - أما من جهة المقر وهو العبد والزوجة فلأنهما يدفعان الخصومة عن أنفسهما. وهذا مطلب شرعي صحيح. وأما من جهة المقر له: فلأنه لا يخرج عن أن يكون معاوضة عما يعتقد أنه ملك له. فهذه العبارة من المؤلف ﵀: نحمل على ما إذا اعتقد المقر له أن هذا الرجل فعلاً عبد من عبيده وأن هذه المرأة فعلاً زوجة. فيكون ما يأخذه عن العبد عوض وما يأخذه عن الزوجة خلع. ويجوز للرجل أن يعاوض عن ماله أو أن يخالع زوجته. إذاً: يصح أن يبذله له - يصح العقد وما يأخذه كل منهما فهو جائز. فإن كان المقر له يعلم أنه كاذب وأن الرجل ليس بعبد له وأن المرأة ليست بزوجة له فما يأخذه محرم وهو من أكل المال بالباطل وما يدفعه العبد والمرأة صحيح لأنهما أرادا تخليص أنفسهما. - ثم قال ﵀: - وإن قال: ((أَقِرْ لِي بِدَيْنِي وَأُعْطِيْكَ مِنْهُ كَذَا)) ففعل: صح الإقرار لا الصلح " - أما الإقرار فيصح: لأنه أقر بحقه عليه: فإقراره واجب عليه. - وأما الصلح فهو باطل: لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ عوضاً على أمر واجب عليه. ونحن فررنا أن إقراره بهذا الحق واجب فكيف يأخذ على واجب مالاً. إذاً: لا يجوز للإ؟ نسان أن يقول: أقر لي بديني وأعطيك منه كذا: لا يجوز هذا.

стр. 1652

وبهذا انتهى القسم الأول وهو: الصلح على إقرار. وانتقل المؤلف ﵀ إلى القسم الثاني: الصلح على إنكار. فصل [القسم الثاني: الصلح على إنكار] - فقال ﵀: - (فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله، ثم صالح بمال: صح. يقول ﵀: ((فصل) ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر) يعني: ثم صالح عليه صح الصلح. وهذا كما قلن الصلح على إنكار. ونزلزا الساكت منزلة المنكر: لأنه لم يقر والإنسان إما أن يقر أو أن ينكر. فهو لم يقر فهو منكر. وهذا الصلح: أي: على إنكار: جائز عند جماهير أهل العلم. الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبو حنيفة كلهم يصححونه وجمهور السلف. واستدلوا على تصحيح هذا الصلح: - بعموم قول النبي ثم قال ﵀:: (الصلج جائز بين المسلمين). فهو عام يتناول الصلح على إقرار ويتناول الصلح على إنكار. - وكذلك: عموم الآية وهي: قوله: (والصلح خير). يعني بكل أنواعه. = والقول الثاني: وهو مذهب الإمام الشافعي: أن الصلح على إنكار لا يصح. واستدل على هذا: - بأنه كيف يصالح على أمر لم يثبت له. فهو كما لو باع شيئاً لا يملكه. لأنا نفترض أن المقر عليه: أنكر. إذاً: لم يثبت الحق إلى الآن للمدعي فكيف يصالح على أمر لم يثبت له يقول الإمام الشافعي. هذا من أكل أموال الناس بالباطل. والجواب على هذا الدليل القوي: أن المدعي يصالح عن أمر يعتقد أنه ملكاً له. هو لم يثبت قضاء لكنه هو يعتقد أنه من أملاكه. فصالح عليه بناء على هذا الأصل. وأن المدعى عليه فإنه يصالح لدفع الخصومة عن نفسه والشرع لا يمنع الإنسان عن أن يدفع الخصومة والوضاعة عن نفسه. فإن من الناس من يحب أن يفتدي ذهابه إلى المجكمة أو اليمين بحضرة القاضي أو في حضرة المحكم بكب ما يملك لا يحب أن يدخل باليمين: إما لأنه لا يحب أن يخاطر بدينه كما فعل ابن عمر ﵁ فإنه امتنع عن اليمين مع علمه بصدق نفسه تورعاً. أو لأنه لا يريد أنه من أشراف الناس أن يبذل اليمين أو يدخل مجلس القاضي وهذه الأمور يقرها الشارع فلا حرج للإنسان أن يمتنع عن مثل هذا.

стр. 1653

إذاً: تبين أن المدعي والمدعى عليه لهم علل صحيحة في إجراء الصلح ولو كان على إنكار. إذاً فالراجح إن شاء الله مذهب الجماهير. - ثم قال ﵀: - ومن ادعي عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله. يعني: وهو يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه. إذا كان يجهل ثبوته: صح الصلح على إنكاره. لأن الأصل براءة الذمة. بين المؤلف ﵀ الآن لنا الحكم فيما إذا كان يجهل الدين الذي أنكره أو الدين الذي سكت عنه: فما الحكم فيما لو علم أنه بريء ولا دين عليه؟ وبين المؤلف ﵀ الحكم فيما لو كان يجهل. فما الحكم لو كان يعلم أنه بريء؟ / زيد ادعى على عمرو. وعمرو أنكر. قلنا له: أنت الآن تنكر هذه الدعوى. قال: نعم أنا أنكرها. أنا أجهل أن زيد يطلبني شيء. نقول: هذا الصلح صحيح. لأنه يجهل. والأصل براءة الذمة. / لو كان زيد يعلم أن عمرو لا يطلبه. ما يجهل - يعلم: من باب أولى. ولذلك لم يذكرها المؤلف ﵀ أنه إذا كان في الجهل ففي العلم من باب أولى. - ثم قال ﵀: - ثم صالح بمال: صح. على الخلاف السابق بين الجماهير والشافعية. - ثم قال ﵀: - وهو للمدعي: بيع. يعني: والصلح على إنكار بالنسبة للمدعي بيع. ومعنى أنه بيع: يشترط له جميع شروط البيع. / فإذا لدعى عمرة على زيد سيارة وأنكر زيد ثم تصالح على أن يعطيه عن السيارة عشرة آلاف صلحا. فحقيقة هذا العقد أنه بيع يشترط له شروط البيع. فإن كان صرقاً: اشترطنا له شروط الصرف. فهو بيع من كل وجه. وسيفرع المؤلف ﵀ على هذا الحكم. - قال ﵀: - يرد معيبه ويفسخ الصلح. يعني: إذا صالحه على عين: وأخذها صلحاً عن العين التي ادعاها ثم تبين أن في الثمن عيباً فله الرد وله الفسخ وله القبول مع الأرش كما تقدم معنا في مسألة الرد بالعيب. فإذا ادعى عليه السيارة وصالحه بخمسين صاع من البر فهذا العقد حكمه حكم البيع. والثمن في المثال هو: الخمسين صاعاً. فإذا تبين أن في الخمسين صاعاً عيب فيه تسويس في خراب خفيف الوزن. أي عيب من عيوب القمح. فللمدعي الآن أن يرد بالعيب ويفسخ وله أن يقبل ويأخذ الأرش. لماذا؟ لأنه من عقود البيع.

стр. 1654

ويستثنى من هذا: صورة مهمة ولطيفة جداً من الحنابلة - من الحنابلة وغيرهم من الفقهاء: / وهي أنه إذا وقع الصلح على بعض العين المدعاة فلا خيار عيب له ولا فسخ. لماذا؟ - الصورة/ إذا صالحة على بعض اعين المدعاة - في المثال السابق - أخذ عن السيارة قمح - فإن صالحه على بعض العين المدعاة فقال: أنا أدعي عليك: خمسين صاعاً من القمح فصالحه على نصفها وأخذها فلما وصل إلى البيت وجد أنه معيب. فهنا ليس له الرد بالعيب. لماذا؟ لأنه في هذه الصورة إنما أخذ ماله وهل يرد الإنسان ماله بالعيب. لأنه هو يدعي أن هذا القمح ملكاً له. فحينئذ نقول: إذا وجدته معيباً فليس لك الخيار. - ثم قال ﵀: - ويؤخذ منه بشفعة. وهذا أيضاً مبني على أن العقد من عقود البيع. فإذا صالحه عن السيارة ببيت هذا البيت ملك للمدعى عليه ومعه شريك: فالآن هو صالحه على بعض البيت والبيت ملك للمدعى عليه ونصفه ملك لشخص ثالث. فإذا وهبناه أو أعطيناه المدعي وشفَّع شريك المدعى عليه: صحت الشفعة. لأنا نعتبر أن العقد عقد بيع. وماذا يترتب على هذا؟ أن ننزع البيت من المدعي ونعطيه: المشفِّع. وبذلك يكون موضوع الصلح انتهى فلابد من صلح جديد على عوض يتراضاه الطرفان. إذاً: له أن يشفع: شريك المدعى عليه: له أن يشفع لأن هذا يعتبر عقد بيع وعقد البيع فيه التشفيع. - ثم قال ﵀: - وللآخر: إبراء فلا رد ولا شفعة. (وللآخر: إبراء) يعني: ويعتبر الصلح بالنسبة للآخر: إبراء. وجه ذلك: أن غاية ما حصل أن بقيت السلعة التي يعتقد أنها ملكه في يده. - أن السلعة التي بقيت معه تعتبر ملكه بقي في يده. لماذا؟ لأن المدعى عليه ينكر أن تكون هذه السلعة للمدعي ويعتبرها له. فإذاً العقد بالنسبة له عقد إبراء. - يقول ﵀: - فلا رد. / صورة المسألة/ إذا ادعى زيد على عمرو أن هذه السيارة له/ المدعى عليه: عمرو. فصالحه عمرو عن السيارة بمائة ألف. لما ركب السيارة وجدها معيبة. نقول: ليس لك الرد بالعيب. لماذا؟ لأن هذه السيارة ملكك ولم تعاوض عنها عقد معاوضة للمدعي. فهي ملكك بقيت في يدك. فليس لك الرد. - يقول ﵀: - ولا شفعة.

стр. 1655

كذلك ليس في هذه العين شفعة لأنها ملكه بقيت في يده. / صورة المسألة/ أن يدعي زيد على عمرو نصف البيت الذي هو فيه. ونصفه يكون لمن؟ لشخص آخر. ثم يصالح عمرو زيد على البيت الذي هو فيه الآن ويعطيه ثمناً له خمسين ألفاً. فهل لشريك زيد أن يُشَفِّع؟ ((الآن: زيد يسكن في بيت له نصفه. ادعى عمرو عليه أن هذا البيت ملكاً له - يعني لعمرو - صالحه زيد فقال: هذا البيت لي وأنا صأصالحك عنه بخمسين ألف ريال. تم الصلح. لما علم جار زيد أنه وقع صلح قال أنا سأشَفِّع وآخذ هذا البيت منك.) ( ..... ) لأنه بقي في ملكه. والشفعة إنما تكون في أي عقد؟ في عقد البيع. يعني: عند انتقال السلعة أو شقص العقار إلى شخص آخر. هنا لا يوجد انتقال أنه يعتقد أن ملكه ما زال باقياً في يده. وهذا قد يتوهم بعض الناس أن له الشفعة في مثل هذه الصورة. والصواب: أن العقد عقد إبراء. - ثم قال ﵀: - وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام. (وإن كذب أحدهما) سواء كان المدعي أو المدعى عليه فما أخذه محرم عليه. ((الأذان)) - يقول ﵀: - وإن كذب أحدهما: لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام. وهذا يشمل إذا كان الكاذب المدعي أو كان الكاذب المدعى عليه. وإذا كان كاذباً فالعقد والصلح والتسليم والاستلام في الظاهر وفي معاملات الناس: صحيح ونافذ. وأما في الباطن: فهو محرم على الكاذب. وذلك لأن الكاذب أخذ مال غيره بغير حق. وأكل مال الناس بالباطل محرم. - ثم قال ﵀: - ولا يصح: بعوض عن حد سرقة وقذف. يعني: معنى المسألة/ أنه لا يجوز أن يصالح إنسان سارقاً أو قاذفاً أوشارباً للخمر أو زانياً على أن لا يرفعه للسلطان بعوض معلوم متفق عليه. هذا الصلح: باطل. فإذا وجده سكراناً أو يزني أو سمعه يقذف وأراد أن يرفعه إلى السلطان. فقال: اترك رفعي إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا. لا ترفعني إلى السلطان وأعطيك كذا وكذا. فهذا الصلح باطل. بل ومحرم. لأمور: - الأمر الأول: أن الرفع إلى السلطان ليس من الحقوق التي يأخذ الإنسان عنها عوضاً. - ثانياً: أن هذا من المصالحة على حقوق الله. وموضوع الصلح هو ما يقع بين العباد في حقوقهم.

стр. 1656

- وثالثاً: لأن هذا الصلح لو صححناه لأصبح وسيلة لتعطيل الحدود. وذكر بعض الفقهاء ضابطاً مريحاً لطالب العلم: وهو: ((أن الصلح إنما يجوز عن الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها فقط)). مثال ذلك/ القصاص حق يجوز الاعتياض عنه: بأخذ الدية. فيجوز أن تصالح عن القصاص بأخذ عوض كالدية أو أقل أو أكثر. وممن ذهب إلى جواز أخذ أكثر من الدية بالذات في القصاص عدد من الصحابة منهم الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص ﵃. القصاص من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها. مثال ثان/ بدل العين المتلفة. أليست من الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها؟ بدل العين أو المبيع المعيب: فيجوز الاعتياض عنه. كل هذه الأمور يجوز الصلح عنها أما حدود الله فهي ليست مما يجوز الاعتياض عنه فلا يجوز الصلح فيه. - ثم قال ﵀: - ولا حق شفعة. حق الشفعة: وحق الخيار: لا يجوز الاعتياض عنه. - أما حق الشفعة فهو موضوع. يعني: فالمنع منه: لأنه موضوع لدفع الضرر بالشراكة. فإذا رضي بالصلح تبين أنه لا ضرر عليه فسقط حقه. ((أما الشفعة فلأنها موضوعة لدفع الضرر الحاصل بالاشتراك فإذا رضي الشريك بالصلح تبين أن لا ضرر عليه فسقط حقه)). وإذا سقط حقه وبطل العوض لا يرجع للشفعة. = والقول الثاني: أن المصالحة عن حق الشفعة صحيح لأن حق الشفعة من الحقوق المالية. يعني: من الحقوق التي تؤول للمال فيصح أخذ العوض عنها. هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...

стр. 1657

الدرس: (٢٧) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - يقول المؤلف ﵀: - ولا حق شفعة. تقدم معنا الكلام عن الشفعة والخيار وذكر الخلاف في الشفعة والخيار. إذاً: قوله: (ولا حق شفعة ولا خيار) ذكرنا الخلاف والراجح جواز الحق في الشفعة: يعني: جواز الصلح بعوض عن حق الشفعة وحق الخيار. - ثم قال ﵀: - وترك شهادة.

стр. 1658

معنى قوله: (وترك شهادة). يعني: ولا يصح أن يصالح على ترك شهادة سواء كانت الشهادة لإثبات حق من حقوق الله أو إثبات حق من حقوق العباد. صورة المسألة/ أن يقول رجل لمن يشهد عليه: (لا تشهد علي بوجوب الزكاة ولك كذا وكذا). هذا بالنسبة لحق الله. وبالنسبة لحق العبادة أن يقول: (لا تشهد علي بثبات الدين ولك كذا وكذا). فهذا الصلح على ترك الشهادة: محرم. لأنه صلح يؤدي إلى محرم. لأن كتم الشهادة التي توصل الحق إلى أصحابه: محرم. فالصلح على محرم: محرم. ولذلك يقول النبي ﷺ : (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً). - يقول ﵀: - وتسقط الشفعة والحد. أي: أن مذهب الحنابلة أنه مع إبطال الصلح على حق الشفعة إلا أنه مع ذلك يسقط حقه في الشفعة لأنه كما تقدم معنا لما صالح تبينا أنه لم يتضرر من المشاركة فسقط حقه في الشفعة. وهذا مبني على ما تقدم من أن الحنابلة يرون أنه لا يصح الصلح على الشفعة. = وعلى القول الثاني: الذي تقدم وهو صحة الصلح على الشفعة لا نحتاج إلى مسألة يسقط أو لا يسقط حقه من الشفعة لأنا نصحح الصلح أصلاً. يقول: (ويسقط الحد). يقصد بالحد هنا: حد القذف. وفي الحقيقة لو صرح بهذا لكان هو الأحسن والأسلم إذ مقصود الحنابلة بسقوط الحد سقوط حد القذف فقط. وسقوط حد القذف في هذه المسألة مبني على مسألة أخرى وهي: هل القذف من حقوق الله أو من حقوق الآدمي: أي: من حقوق المقذوف؟ فإن كان من حقوق الله لم يسقط ولو صالح عليه. وإن كان من حقوق الآدمي: سقط إذا صالح عليه. لأنا تبينا أنه رضي بالتنازل عن حقه في إقامة حد القذف على قاذفه. والحق إليه، فلما أسقطه سقط. إذاً: الحنابلة يسقطون الشفعة والحد مع إبطال الصلح. إلا أن الصلح الذي تم صار علامة وقرينة على أن صاحب الشفعة وصاحب الحد تنازلوا عن حقوقهم. و [ ..... ] بهذا انتهى الكلام عن الصلح وانتقل المؤلف ﵀ ليتكلم عن أحكام الجوار بين الجارين بداية من قوله: (وإن حصل ... إلى آخره). - قال ﵀: - وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره: أزاله.

стр. 1659

عبر المؤلف ﵀ بقوله: (إن حصل). ليشمل ما إذا وجد الغصن بلا فعل من الجار بأن يمتد وينمو إلى أن يصل إلى هواء جاره أو بفعله بأن يوجه الأغصان إلى بيت الجار: فيشمل الجميع. والغالب أن حصول الأغصان في بيت الجار يكون بغير فعل مالك الشجرة. فالمؤلف ﵀ يقول: إذا حصل ووجدت الأغصان في بيت الجار فإنه يجب على الجار أن يزيل هذا الضرر بإبعاد الغصن. والدليل على هذا: - أن الهواء بالنسبة للجار ملك له ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بملك غيره إلا بإذنه. وظاهر عبارة المؤلف ﵀: أن الجار صاحب الشجرة لا يجب عليه إزالة الغصن إلا إذا طلب منه جاره ذلك فإن سكت فإنه لا يجب على الجار أن يزيل الغصن ولو تأذى جاره ولو رأى أنه متأذي. إنما يجب في صورة واحدة ونهي: ما إذا طلب الجار منه ذلك. والصحيح أن الإنسان إذا رأى أغصان شجرته آذت جاره فإنه يجب عليه وجوباً أن يزيل هذا الضرر ولو بلا طلب من الجار. - لأن النبي ﷺ أوصى بالجار فكيف بالإضرار به. - وثانياً: لأنه ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار). والضرر منفي ويجب أن يرفع ولو بلا طلب من المتضرر. فالأقرب والله اعلم أنه يجب عليه أن يبادر بإزالة الضرر إذا علم أن الأغصان تضر. وإذا رأى أو ظن أن الأغصان وإن وجدت في بيت جاره فإنها لا تضره فإنه والحالة هذه لا يجب عليه أن يزيل الأغصان إلا بطلب الجار. والمؤلف ﵀ يقول: (في هواء غيره أو قراره) يعني: إذا امتدت الأغصان في الهواء فوصلت إلى هواء الجار أو دبت على الأرض ووصلت إلى أرض الجار ففي الصورتين يجب عليه وجوباً أن يزيل الضرر إذا طلبه جاره. وعلى القول الثاني: يجب أن يبادر بإزالة الضرر متى علم بوجوده ولو بلا طلب من الجار. إذاً: يستوي الأمر بين أن تكون الأغصان في الهواء أو يدب دبيباً على الأرض فالأمر واحد. المهم أو قاعدة المسألة: أنه لا يجوز الانتفاع بملك الغير إلا بإذنه. سواء كان الهواء أو الأرض. - ثم قال ﵀: - فإن أبى: لواه إن أمكن، وإلاّ فله قطعه. إن أبى: يعني: صاحب الأغصان. لواه: يعني: صاحب الهواء. وأرجعه إلى بيت صاحب الشجرة.

стр. 1660

فإن لم يندفع قطعه. وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (إن أمكن وإلا فله قطعه). حكم المسألة/ أنه إذا أبى الجار مالك الشجرة أن يزيل ضرر الأغصان فللجار مالك الهواء أن يزيل هذا الضرر لكن يجب عليه وجوباً أن يتدرج في إزالة الضرر. فإن أمكن إزالة الضرر بمجرد اللي والإبعاد: فيجب أن يقتصر على ذلك. فإن قطعه مع إمكان إزالته باللي: ضمنه. وإن لم يمكن إزالته مطلقاً إلا بالقطع: فله أن يقطعه ولا ضمان عليه. لأن حكم هذه المسألة كحكم دفع الصائل. وهذه الشجرة كالصائل على ملك جاره. وسيأتينا أن دفع اصائل يجب أن يتم بالتدريج: يبدأ بالأهون فالأهون. عكس ما يفعله بعض الناس: التدريج عنده أن يبدأ بالأصعب وهذا لا يجوز وهو يضمن ولو تأذى إذا بدأ بالأعلى: ضمن. ولاحظ عدالة الشرع إذ أن صاحب الشجرة أبى أن يزيلها ومع ذلك نلزم المتضرر أن يدفع الضرر بالتدريج مع ان المالك للأغصان أبى أن يزيل الضرر. لكن مع ذلك يجب أن يزيله بالتدريج فإن تعدى مرحله قبل أخرى ضمن. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجب على المالك بنفسه أن يزيل الضرر لأن المؤلف ﵀ أسند إزالة الضرر إلى مالك الهواء. وعلل الحنابلة ذلك: أي: عدم وجوب إزالة الأغصان على المالك: - بأن هذا الامتداد والنمو حصل بغير فعله. فلم يجب عليه إزالته. بناء عليه: فللجار أن يقول لجاره: إن تأذيت بالأغصان فأنت تصرف بها إزالة أو قطعاً أو لياً أو ربطاً .. إلى آخره. ولا يجب على المالك أن يزيل هو. إذا تضررت فأزله أنت لأن نمو هذه الأشجار بغير إرادتي. هذا هو مذهب الحنابلة فعلاً ولا يجب عليه هو أن يزيل ولا أن يحظر من يقلم الأشجار ولو تضرر الجار. = والقول الثاني: انه يجب على المالك أن يزيل. - لأنه وإن كان بغير فعله إلا أنه نماء ملكه. فوجب عليه هو أن يزيله. ويترتب على هذا الخلاف نفقة الإزالة إذ قد تكون نفقة الإزالة مرتفعة فيما إذا كانت الأشجار كثيرة. والراجح إن شاء الله: القول الثاني. * * مسألة/ تتعلق بهذا الحكم وهي: أنه يجوز أن يتصالح الجاران على ثمن لإبقاء الأغصان. كأن يقول: ادفع لي كذا وكذا وأسمح بامتداد الأغصان. وهو صلح جائز ولا حرج فيه.

стр. 1661

وأشبه ما يكون بالإجارة. كأنه اجره الهواء. والهوار تبع للقرار كما تقدم معنا. * * مسألة/ ولهم أن يتصالحوا على الثمرة بجزء معلوم. كأن يقول: دع الأغصان كما هي. وما فيها من ثمرة: لك نصفه ولي نصفه. فإن قيل: كيف يصح هذا الصلح والثمرة مجهولة: إذ قد تكون ثمرة هذا الجزء من الشجرة كثيرة وقد تكون قليلة وقد لا تنبت الشجرة.؟ فالجواب: أن هذا الصلح هو في الحقيقة من باب تبادل المنافع لا من باب البيع الذي يشترط فيه العوض والعلم ونفي الجهالة. كأنه قال: لي هوائك ولك الثمرة. فهو من باب تبادل المنافع لا أكثر. فجازت فيه الجهالة. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى موضوع آخر: - فقال ﵀: - ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق. الدرب النافذ هو: الدرب المفتوح الذي لا ينغلق على مجموعة معينة من الجيران. هذا هو الدرب النافذ. المؤلف ﵀ يقول: (ويجوز في الدرب النافذ: فتح الأبواب للإستطراق) يجوز للإنسان إذا كان بيته على درب نافذ لا على درب مغلق أن يفتح ما شاء من الأبواب وأن يستطرق هذا الطريق. يعني: يجعله طريقاً له في دخوله وخروجه. والدليل على جواز هذا: - أن هذا الطريق ملك لجميع المسلمين وهو من جملة المسلمين فجاز له أن ينتفع ويرتفق به. لأن الطريق المفتوح لا يعتبر ملك للبيوت التي عليه. وإنما هو ملك لجميع المسلمين لأنه مفتوح. فيمر من عند هذا الطريق من بيته على الطريق ومن بيته في مكان آخر. بخلاف الطريق المغلق كما سيأتينا فإنه لا يمر به غالباً إلا أصحاب البيوت. أليس كذلك؟! إذ يقل أو يندر أو لا يوجد أن يمر إنسان من طريق مسدود ليس له فيه بيت. فإن قيل: ربما جاء للزيارة: فهذا نادر لا حكم له. إذاً الخلاصة أن الطريق المفتوح للجميع يجوز للإنسان إذا كان بيته عليه أن يفتح باباً وأن يستطرق فيدخل ويخرج وينتفع بالطريق لأنه من جملة المسلمين الذين يملكون هذا الطريق. ثم ذكر المؤلف ﵀ مسألة أخرى تتعلق أيضاً بالطريق المفتوح. - فقال ﵀: - لا إخراج روشن وساباط. يعني: لا يجوز أن في الدرب المفتوح إخراج الروشن والساباط.

стр. 1662

الروشن: هو الشرفة التي تبنى لها القواعد في أصل جدار البيت وتمتد إلى الخارج. ويظهر لي أنها أشبه ما تكون في وقتنا الحاضر بالبلكونة. وأما الساباط: فهو ما يشغل جميع الهواء ويتكيء على البيتين. وهذا في القديم كثير جداً. وفي الحديث: لا يوجد. فما نرى الساباط الآن في البيوت المسلحة لكن لو دخلت أحد الأحيار القديمة فستجد الساباط وهو البناء الذي يمتد بين البيتين فإنه كثير جداً. = الحنابلة يرون: أنه لا يجوز للإنسان أن يضع هذين الشيئين في الطريق المفتوح الممتد. واستدلوا على هذا: - بقولهم: أن هذه الطريق ملك لجميع المسلمين ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بملك غيره إلا بإذنه. فالإرتفاق بالطريق ببناء هذين البنائين: محرم واعتداء على حقوق المسلمين. = والقول الثاني: أن بناء الساباط والروشن أو الشرفة أو الجناح: جائز. بشرط أن لا يؤذي المارة. واستدلوا على هذا: - بأن الانتفاع بهذا الملك يشبه استطراق الطريق. فإذا جاز له أن يستطرق الطريق جاز له أن يبني الشرفة والساباط. - واستدلوا على هذا: بأن الناس في حاجة شديدة إلى مثل هذين: أي الشرفة والساباط. - واستدلوا على هذا: بأن الانتفاع مع اشتراط عدم الضرر لا محظور فيه. وهذا القول الثاني: يظهر والله أعلم أنه أرجح كما أن العمل في القديم عليه فتجد الرواشن والساباطات تملأ الشوارع. فالعمل عليه والأظهر إن شاء الله أنه جائز. * * مسألة/ فإن أذن الحاكم جاز بلا شكال لأن الحاكم يمثل المسلمين فإذنه كإذنهم. بناء على هذا: إذا أخذ الإنسان إذناً من البلدية يخرج من منزله شرفة تمتد إلى وسط الطريق فإن هذا العمل لا بأس به. بشرط: أن لا يؤذي. ولذلك ما نراه الآن أحياناً من وجود الجسر بين بنائين يمر من فوق في الطريق المفتوح لا حرج فيه ما دام لا يؤذي. ويمكن أن تمر من تحته حتى السيارات المحملة بالأشياء الكثيرة. فما دام أنه لا يؤذي فإنه جائز لا سيما وأنه لا يبنى اليوم إلا بإذن من البلديات وهي تمثل ولي الأمر. - ثم قال ﵀: - ودكة. الدكة: بناء مسطح يتخذ للجلوس بجوار جدار البيت. والدكة: لا تجوز عند الحنابلة. بل حكي الإجماع على تحريمها. واستدلوا على هذا:

стр. 1663

- بأنها تؤذي وتضر المارة ضرراً ظاهراً وتضيق الطريق. فإن قيل: ما الفرق بين الدكة وبين اتخاذ الناس المجالس وقد أذنت السنة به بشروطه؟ ما الفرق بين أن يجلس الإنسان على حافة الطريق وبين أن يتخذ دكة؟ الجواب: الفرق بينهما: أن الدكة دائمة ومستقرة والجلوس عارض ويزول. وفرق بين ما يدوم وما يزول. وهذا القول الذي حكي الإجماع عليه: صحيح والدكة مؤذية بلا إشكال وتضيق الطريق وهي دائمة وضررها من حيث تضييق الطريق أمر ظاهر جداً ولعله لهذا أجمع عليه بخلاف الروشن والساباط فإنه لا يؤذي ولا يضيق الطريق فإن الإنسان يمر من تحته. بل إن له بعض الأحيان منافع إذ قد يستظل الإنسان به من حر الشمس أو من نزول المطر. - ثم قال ﵀: - وميزاب. أي: ولا يجوز للإنسان أن يجعل الميزاب ممتداً إلى الطريق المفتوح النافذ. والمنع من اتخاذ الميزاب من مفردات الحنابلة. وكذلك الروشن والساباط من مفردات الحنابلة. استدل الحنابلة على المنع من اتخاذ الميزاب بأدلة: - الدليل الأول: أنه يؤذي المارة بخروج الماء عليهم. ويؤذي المارة بجعل الطريق طيناً. - واستدلوا على هذا أيضاً: بأنه انتفاع بملك غيره بلا إذنه. فعلى هذا يجب على صاحب البيت أن يجعل مخرج المياه إلى الداخل لا إلى الخارج. = والقول الثاني: أن اتخاذ الميزاب جائز ولا حرج فيه بل قال شيخ الإسلام: هو السنة. أي: اتخاذه. لوجوده في العهد النبوي. واستدلوا على الجواز أيضاً: - أن عمر بن الخطاب ﵁ مر على دار العباس وفيها ميزاب فقال العباس لعمر ﵁ أتقلعه وقد وضعه رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ والله لا تضعه إلا على ظهري. ﵁ وأرضاه - فصعد على ظهره ووضع الميزاب في مكانه. فهذا دليل من وجهين: - الوجه الأول: أن الذي وضعه رسول الله ﷺ . - الوجه الثاني: أنه معتاد في العصر النبوي. وهذا الأثر لا يصح. ولا أظن أن عمر بن اخطاب يجهل مثل هذه السنة وهي مشهورة. الراجح: القول الثاني: وهو جواز وضع الميزاب. ومما يدل على رجحان هذا القول أن وضع الماء إلى الداخل مؤذي جداً ويسبب الضرر على أهل البيت.

стр. 1664

- ثم قال ﵀: - ولا يفعل ذلك في ملك جار. الإشارة بقوله ﵀: (ذلك) إلى وضع هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف ﵀: الساباط والروشن والميزاب والدكة. فليس له أن يجعل هذه الأشياء في ملك جاره. وهذا صحيح: لأن ملك اجار ملكاً خاصاً ولا يجوز للإنسان أن ينتفع بالملك الخاص إلا بإذن صاحبه. فلا يجوز أن يبني البلكونة خارجة عن حدود أرضه ولا أن يجعل الميزاب إلى جاره لأن هذه الأراضي أموال خاصة لا يجوز للنسان أن ينتفع منها بشيء إلا بإذن صاحبها. وهذا الحكم ثابت ولو كان الجار لم يبني إلى الآن ولا يتضرر بسقوط الماء عليه لأن الإنسان حر في ملكه تضرر أو لم يتضرر. فلا يجوز أن يفعل ذلك إلا بإذن جاره. - ثم قال ﵀: - ودرب مشترك: بلا إذن المستحق. انتقل المؤلف ﵀ إلى النوع الثاني من الطرق وهو الدرب المشترك. ويمكن أن تقول: الدرب غير النافذ لأنه يلزم من كونه غير نافذ أن يكون مشتركاً بين البيوت التي عليه. فهذا الدرب لا يجوز أيضاً أن يضع الإنسان فيه الروشن أو الساباط ولا الميزاب ولا أن يضع دكة بجوار بابه. هذه أربعة أبنية لا تجوز عند الحنابلة لا في الدرب النافذ ولا في الدرب غير النافذ. نحن الآن في الدرب غير النافذ. لا يجوز وضع هذه الأشياء لأن الدرب النافذ ملك لأصحاب البيوت التي تطل عليه فقط غلا يجوز أن نفعل ذلك إلا بإذنهم فإذا أذنوا وهم أصحاب الحق: جاز وإلا فلا. لأنه من الانتفاع في ملك الغير بغير إذنه. = القول الثاني: الجواز. واستدلوا أيضاً: - بأن لصاحب البيت أن ينتفع بالطريق استطراقاً وجلوساً فكذلك أن يبني هذه الأبنية. ويشترط على هذا القول: أن لا تضر بأصحاب الطريق. سواء كان هذا الضرر معهوداً أو غير معهود. فلا يجوز إذا كانت هذه الأبنية تضر أن تبنى. والخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف في المسألة السابقة إلا أن الجواز في مسألة الطريق النافذ أقوى من الجواز في مسألة الطريق غير النافذ. لماذا؟ لأن أصحاب الطريق غير النافذ أخص من أصحاب الطريق النافذ. - لأن أصحاب الطريق غير النافذ هم فقط أصحاب البيوت التي على الطريق.

стр. 1665

وأما أصحاب الطريق النافذ فهو جميع المسلمين ومنهم صاحب هذا الروشن أو الساباط. - ثم قال ﵀: - وليس له وضع خشبه على حائط جاره: إلاّ عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلاّ به. أفاد المؤلف ﵀ أنه يجوز للجار أن يضع خشبه على جدار جاره بشروط. - الشرط الأول: أن لا يكون في الوضع ضرر على الجدار. وهذا الشرط محل إجماع. - الشرط الثاني: أن يكون بحال الضرورة لوضع خشبه على جدار جاره. فإن لم يكن بحال ضرورة وإنما حاجة فقط فإنه لا يجوز. ومثل المؤلف ﵀ على الضرورة بأن لا يستطيع تسقيف الغرفة إلا بوضع الخشب على جدار الجار. ومن المعلوم أن تسقيف الغرفة ضرورة لأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش في غرفة مفتوحة الغما. واستدل الحنابلة على هذا الحكم: - بقول النبي ﷺ : (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره). والحديث نص في المسألة. = القول الثاني: أنه لا يجوز مطلقاً أن يضع الإنسان خشبه على جدار جاره ملطقاً. - لأن جدار الجار ملك خاص لا يجوز الانتفاع به إلا بإذنه. = القول الثالث: أنه يجوز وضع الخشب على جدار الجار ولو للحاجة بلا ضرورة. فيكون الشرط عند أصحاب القول الثالث عدم الضرر فقط. ما هو دليلهم؟ - الحديث السابق: وجه الاستدلال: الإطلاق. فهو وجه الاستدلال فإن الحديث عام: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره) فلم يخصص بحال الضرورة أو حال الحاجة أو سوى ذلك. فاشتراط الضرورة لا دليل عليه. وإلى هذا القول: ذهب ابن عقيل من الحنابلة. وهو في الحقيقة من وجهة نظري هو الراجح: لأن الحديث عام وتخصيصه بلا مخصص لا معنى له. وما دمنا نشترط أن لا يكون هناك ضرر على الجار فبأي حق يمنع. * * مسألة/ على القول بأنه للجار أن يضع خشبه على جدار جاره - على هذا القول - له أن يضع ولو لم يأذن الجار ولو امتنع وعلى الحاكم أن يجبره. * * مسألة/ لو حكم حاكم - يعني: قاضي - بعدم جواز وضع الخشب على جدار الجار فللقاضي الآخر إذا عرضت عليه أن ينقض الحكم وقد نص الإمام أحمد ﵀ على ذلك. والسبب أنه خالف بذلك حديثاً صريحاً صحيحاً. وإذا خالف حكمه حديثاً صريحاً صحيحاً وجب نقضه.

стр. 1666

ونحن لا نقول ينقض مباشرة لكن نقول إذا عرضت القضية على قاض آخر فله أن ينقض الحكم السابق لمخالفته لصريح السنة. * * مسألة/ على القول بجواز وضع الخشب على جدار الجار لا يلزم الجار بإنشاء جدار آخر في منزله لوضع الخشب عليه ولو أمكن. إذاً تبين الآن أن الراجح هو: جواز وضع الخشب على الجدار إما في حال الضرورة الحاجة على حسب الخلاف. كيف نجيب على دليل أصحاب القول الثاني: والنبي ﷺ يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). تقدمت معنا قاعدة مفيدة في الترجيح: ((أن الدليل الخاص بالمسألة مقدم على الدليل العام ولو كان الدليل العام صحيحاً ومتوجهاً)). لكن ما دام في المسألة دليل خاص فلا ننظر إلى الأدلة العامة. - ثم قال ﵀: - وكذلك المسجد وغيره. يعني: والحكم في وضع الخشب على جدار المسجد كالحكم في وضعه على جدار الجار تماماً. بالتفصيل السابق. فيجوز أن يضع بالشروط التي ذكرها الحنابلة. = وعن الإمام أحمد ﵀ رواية ثانية أنه لا يجوز وضع الخشب على جدار المسجد وإن جاز وضعه على جدار الجار. واستدل الإمام أحمد ﵀ بأن الحديث نص على جدار الجار ولم يذكر جدار المسجد. واختار هذه الرواية: من الحنابلة أبو بكر: وهو من كبار الحنابلة وله ترجمة ممتعة لو رجعتم إليها لكان مفيداً. والراجح: القول الأول: وهو أن المسجد كغيره. والمرجح لهذا القول: أن حقوق الله يدخل فيها المسامحة أكثر من حقوق العباد لكرمه وفضله. فإذا جاز في جدار الآدمي ففي جدار الوقف من باب أولى. - ثم قال ﵀: - وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره، فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه: أُجبر عليه. ذكر المؤلف ﵀ مسألتين: - المسألة الأولى: إذا انهدم الجدار الذي بني بين الجارين وهو ملك لهما. يعني: ملك مشترك. فإذا انهدم وطلب أحدهما من الآخر أن يشتركا في البناء والترميم وجب وجوباً على الآخر أن يجيب. وهذه المسألة أيضاً من مفردات الحنابلة. واستدلوا على هذا الحكم: - بأن ترك بناء الجدار يؤدي إلى الإضرار وهو ملك لهما فوجب عليهما أن يشتركا في بنائه. = القول الثاني: أنا لا نجبر الجار على بناء الجدار.

стр. 1667

واستدلوا بدليلين: - الأول: أن الإنسان لا يلزم بتعمير ملكه. فلا يلزم يتعمير ما ملكه مع غيره. - الثاني: أن الإنسان لا يلزم بالنفقة على غير المحترم. ويقصدون بالمحترم: الذي له نفس. يهلك إذا لم ينفق عليه. وإذا لم يجب عليه فلا يجوز أن نلزمه بغير واجب. وإلى هذا ذهب ابن قدامة. فمال إلى أنه لا يلزم. إذا لم يرد بناء جدار لايلزم. أي القولين أرجح؟ في الحقيقة تتجاذب المسألة أدلة قوية لكن الراجح فيما يبدو لي: أنه لا يلزم إذا أبدى عذراً صحيحاً ويلزم بدون ذلك. فإذا أبدى عذراً واضحاً لم نلزمه وإذا امتنع إضراراً ألزمناه. وهذا القول وسط لا ضرر عليه إذا امتنع بسبب وجيه ولا نلزمه بعد ذلك وإذا اعتذر بعذر غير وجيه نلزمه. وفي الغالب الذي يتولى تقدير عذر الممتنع هو: القاضي بلا شك. ليخرج من الخلاف بين الأشخاص ويفصل القاضي بين الخصوم. - المسألة الثانية: إذا خيف ضرره. إذا خيف ضرر الجدار بأن ينهدم وجب على كل منهما إقامة الجدار والنفقة عليه. وهذا لا إشكال فيه. لأن بقاء الجدار مع خوف الانهدام فيه ضرر ظاهر. والهلاك بسقوط الجدار على الإنسان غالب. فيجب وجوباً النفقة عليه إذا خيف ضرره. فإذا انهدم رجعنا إلى المسألة السابقة. - ثم قال ﵀: - وكذا النهر والدولاب والقناة. يعني: والحكم نفسه إذا تهدم الدولاب أو القناة أو النهر وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يصلحها وجب على الجميع الاشتراك في الإصلاح. والنهر: هو الماء الجاري الذي يشتط منه للمزارع أي من النهر الكبير. فهذا النهر الصغير يسمى أيضاً نهراً. والدولاب: هي آلة تستعمل في إخراج الماء إما عن طريق الإدارة بالحيوانات أو بالماء. والقناة: حسب ما يقول الحنابلة: هي الآبار التي تحفر متقاربة يخرج الماء منها على سطح الأرض. هكذا فسر الحنابلة القناة مع أن الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة القناة أنها قناة ممتدة لتوصيل الماء. لكن هم يرون أنها الآبار. فهذه الأشياء إذا انهدمت وتعطلت وجب على الشريكين الاشتراك في إصلاحها. والقول بوجوب إصلاح مثل هذه الأشياء - الثلاثة الأخيرة - أوجه وأوجب من القول بوجوب إصلاح الجدار.

стр. 1668

لأن هذه الأشياء إذا تعطلت مات الزرع. والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار). وأي ضرر أعظم من أن يترك الإنسان زرعه الذي تعب عليه طوال السنة بلا سقي فيموت ويخسر ما استدان في إقامته. فيجب في الحقيقة. والقول بالوجوب متوجه جداً في مثل هذه الأشياء. نفس الشيء: اليوم لو اشترك الجاران بالمزرعة بحفر بئر ووضع الماكينة التي تخرج الماء فخربت فيجب وجوباً عند الحنابلة وهو القول الأقرب أن يشترك في إصلاحها وسقي الماء بها لأن تركها فيه ضرر ظاهر. وبهذا انتهى باب الصلح وندخل إن شاء الله في باب الحجر .. ((الأذان)). باب الحجر - قال ﵀: - باب الحجر. الحجر في اللغة: المنع والتضييق. وغالب استخدامات الحجر عند الفقهاء في الحجر الحسي كما سيأتينا وهو المنع من البيع والشراء. والعوام اليوم يستخدمون الحجر في الحجر المعنوي. وفي الحقيقة لم يتبين لي هل لغة تستخدم في الحجر الحسي والمعنوي. يعني: في المنع سواء كان منعاً حسياً أو معنوياً. أو لا تستخدم إلا في الحسي. لم يتبين لي من كتب اللغة ما يفيد هذا الأمر إنما العوام يستخدمونها اليوم. فإذا حصل نقاش ومناظرة يستخدمون كلمة حجره. يعني: منعه وضيق عليه. فهي من جهة المعنى صحيحة لكن هل تستخدم أو لا. وشرعاً: الحجر هو منع الإنسان من التصرف بماله. وأصل المشروعية: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء .. ﴾ [النساء/٥]. وينقسم الحجر إلى قسمين: - لحظ النفس. كالحجر على الصغير أو السفيه أو المجنون. - والحجر لحظ الغير. كالحجر على المفلس أو على المريض إذا تبرع بأكثر من الثلث وهو لحظ الورثة. نكتفي بهذا .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ...

стр. 1669

الدرس: (٢٨) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا أن الحجر له قسمان: - محجور لحظ نفسه. - ومحجور لحظ غيره. فالمؤلف ﵀ بدأ بالكلام عن المحجور لحظ غيره: لأنه الأكثر وقوعاً والحاجة إليه أكثر. كما أن ضياع الأموال بالنسبة للمحجور عليه لحظ غيره أكثر منها بالنسبة للمحجور عليه لحظ نفسه. وسيبين المؤلف ﵀ أنواع المدين المحجور عليه لحظ نفسه. وسيأتينا اقتصاراً حتى تتصور المسأة أنها ثلاثة أقسام. وأن الذي يحجر عليه منها قسم واحد - سيأتينا: - فالقسم الأول: - إجمالاً -: هو الذي لا يستطيع أن يوفي الدين. - القسم الثاني: هو الذي يستطيع أن يوفي الدين. - القسم الثالث: هو الذي يستطيع أن يوفي بعض الدين. فقسمة المدين هنا ثلاثية. وسيأتينا الآن حكم كل واحد من هؤلاء الأقسام. فالقسم الأول: - يقول المؤلف ﵀: - ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه: لم يطالب به. هذا هو القسم الأول: الذي لا يقدر على وفاء شيء من دينه وهو المسمى عند الفقهاء بالمعسر. فهذا لا يملك ما يؤدي به أي شيء من الدين. ولاحظ عبارة المؤلف ﵀: (على وفاء شيء من دينه) يعني: لا يستطيع أن يوفي أي شيء من دينه فهو معسر وحكمه في الشرع: أنه لا يطالب. ولهذا قال المؤلف ﵀: (لم يطالب به). إذاً المعسر لا يجوز أن نطالبه. - لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/٢٨٠] فأمر الله بإنظاره إلى أنى يتيسر له ما يسد به الدين. وحكم مطالبته وهو معسر: محرم. والطالب: آثم. لأمرين: - أولاً: لأنه خالف الآية. - وثانياً: لأنه آذى أخاه المسلم فإن هذا الشخص لا يستطيع أن يسدد فلا تزيده المطالبة إلا إحراجاً ومضرة. ولا يجوز أن يحجر عليه: وهذا الذي يهمنا - ولهذا: - يقول المؤلف ﵀: - وحرم حبسه. فلا يطالب ولا يحبس ولا يحجر عليه. وكل هذه المسائل مبنية على المسألة الأولى وهي: أنه لا يجوز أن يطالب. فمن لا يجوز أن يطالب لا يجوز أن يحبس ولا يجوز تبعاً لهذا أن يحجر عليه. لأن أول مراحل المعاملة مع المدين: الطلب. فإذا لم يجز أن نطلب: سقط كل ما بعد الطلب من الحبس والحجر. إذاً: المعسر لا يطالب ولا يحجر عليه ولا يحبس.

стр. 1670

ومن وجهة نظري لو أن المؤلف ﵀ صرح أنه لا يحجر عليه وإن كان مفهوماً من كلامه لكن لما كان الباب مخصص للحجر وهو لبيان حكم الحجر بالذات كان من امناسب أن يقول ولا يحجر عليه. وهو أهم من الحبس في مثل هذا السياق لأنه إذا لم يحجر عليه فمن باب أولى: لم يحبس. ثم انتقل إلى القسم الثاني: - فقال ﵀: - ومن ماله قدر دينه .. إذا كان عنده من المال ما يفي بالدين أو عنده ما يزيد عن الدين فهذا هو القسم الثاني وسيبين المؤلف ﵀ الأحكام التي تترتب على مقدرة الإنسان على وفاء الدين. - فيقول ﵀: - لم يحجر عليه. هنا صرح بالحكم: فقال: (لم يحجر عليه). والدليل أنه لا يحجر عليه: - أنه لا حاجة للحجر لأنه يستطيع وفاء الدين بما عنده من مال. - (أنه لا حاجة للحجر في مثل صورة هذا المدين لأنه يستطيع أن يوفي بما عنده من مال. فلا يجوز أن نحجر عليه ولو بطلب الغرماء. لكن سيبين المؤلف ﵀ الأحكام التي تترتب على القدرة: - فيقول ﵀: - وأمر بوفائه. - المرحلة الأولى للمدين القادر على الإيفاء: ليس أن يؤمر بوفائه: المرحلة الأولى: أن يوفي هو وجوباً. فإن لم يفعل فإنه آثم. - المرحلة الثانية: أن يأمره الحاكم بوفاء الدين. فحينئذ يجب عليه هو أن يمتثل ويجب على الحاكم أن يأمره بالوفاء. ودليل هذين الحكمين: يعني: أنه يجب أن يبادر بالوفاء وأنه يجب أن يأمره الحاكم إذا لم يفي: - قوله ﷺ : (مطل الغني ظلم). والظلم محرم في جميع الشرائع السماوية وبالأخص في شريعتنا فهو من الأخلاق المحرمة بالإجماع. المهم هذا هو الدليل على أنه يجب أن يفي ثم إذا لم يفعل فيجب على الحاكم أن يطلبه. وأفاد الحديث أن مطل الغني محرم: لأنه ظلم. بقينا في: * * مسألة/ وهي مهمة: متى يعتبر من يستطيع أداء الدين مماطل: = عند الحنابلة: يعتبر مماطلاًَ إذا طولب بالدين ولم يسدد فحينئذ نعتبره مماطلاً. فبمجرد ما يمتنع عن سداد الدين فنقول: أنت مماطل. لأنك تستطيع ولم تفعل وهذا حقيقة المماطلة.

стр. 1671

ويحتمل أن نقول: أن المماطلة يرجع فيها إلى العرف: فالانتظار يوم أو يومين أو الانتظار إلى مجيء مبلغ مالي للمدين معين سياتي بعد فترة لا يعتبر من المماطلة. لكن إذا طالت القضية وأعطى موعداً أكثر من مرة فمع أنه يستطيع أن يوفي في المرة الأولى فحينئذ نعتبره مماطل. الذي يريد أن أقوله: أنه لا نعتبره مماطل من أول مرة كما هو رأي الحنابلة: أنه إذا طولب ولم يسدد فهو مماطل. أقول أنه لو رجع في تحديد المماطل إلى العرف لكان أولى فإن الناس لا يعتبرون الإنسان مماطلاً بالرفض من أول مرة لا سيما إذا كان عنده سبب وجيه. ثم انتقل إلى المرحلة الأخرى: إذا لم يفي. - فقال ﵀: - فإن أبى: حبس بطلب ربه. إن أبى هذا المستطيع وفاء الدين فإنه يحبس. لكنه لا يحبس إلا بطلب صاحب الدين لأنه من حقوق صاحب الدين وليس من الولايات العامة التي يفعلها الحاكم بلا طلب من صاحب الحق بل هو حق خاص إنما يحبس إذا طلب. وحبس المدين إذا لم يوف ما عليه: مذهب الجماهير من السلف والخلف. وأول من حبس على الدين شريح ﵀ ولم يكن النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي يحبسون وإنما كانت الطريقة في العهد النبوي والقرون المفضلة أن يلازم الدائن المدين إلى أن يفي بما عليه ولم يكونوا يحبسون. لكن من المعلوم أنه بعدما كثرت أقضية الناس وخف دينهم في وقت شريح وهو في وقت مبكر احتاج الحاكم أن يحبس وأصبح أداء الحقوق يكاد يتعذر عند المماطلين بدون الحبس. فالحبس مشروع. والدليل على مشروعيته مع عمل السلف الصالح به: - قوله ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته). فالعقوبة هي الحبس ونحوه. وأما العرض: فهو أنه يجوز للدائن إذا ماطله المدين - يجوز له ولا حرج عليه أن يقول للمدين الواجد: يا ظالم يا باغي يا معتدي ولا حرج عليه. لأن هذا الذي امتنع من أداء الدين أحل عرضه الدائن بمقتضى الشرع. - ثم قال ﵀: - فإن أصر. أي فغن أصر بعد الحبس فإنه يعزر إما بالضرب أو بالتشهير أو بما يراه الحاكم مناسباً لحال هذا المعتدي.

стр. 1672

وظاهر ترتيب المؤلف ﵀ أن الحاكم ينبغي أن يبدأ أول ما يبدأ بالحبس ثم بعد ذلك تتدرج العقوبات. والصحيح أن للحاكم أن يبدأ بغير عقوبة الحبس: إذا رأى أن غير عقوبة الحبس كالتشهير أبلغ وأزجر لهذا المدين المماطل فيبدأ مباشرة بالتشهير. وإن رأى أن الضرب أبلغ في حقه ضربه ولم يحبسه. وإن رأى أن الحبس هو المفيد في مثل حاله. وإن رأى أن يجمع عليه بين الحبس والضرب والتشهير وغيرها من العقوبات التعزيرية فله ذلك. إذاً: ما هي القاعدة؟ القاعدة: ((أن يعزره بما يجعل هذا المدين يسدد ما عليه)) حسب ما يرى من مصلحة. - ثم قال ﵀: - ولم يبع ماله: باعه الحاكم وقضاه. فإن لم تنفع تلك العقوبات فإنه يقوم الحاكم ببيع مال المدين وإيفاء الدائن حقه. وتولي الحاكم بيع ما للمدين الغني: مذهب الجماهير. واستدلوا على هذا بعدة أدلة: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ لما كثر الدين على معاذ حجر عليه وباع ماله. - والدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب لما كثرت الدون على أحد الحجاج من الصحابة خطب في الناس وقال من كان له دين على فلان فليبكر غداً فإنا بائعوا متاعه. وهذان الأثران المرفوع والموقوف ضعيفان لا يصح عن النبي ﷺ ولا عن عمر ﵁. - الدليل الثالث: أن بيع المدين ماله ليوفي الدائن واجب عليه. وتقدمت معنا قاعدة: (أنه إذا وجب على الإنسان واجب ولم يقم به قام به الحاكم)) تقدمتن معنا مراراً فهنا كذلك نقول: هذا واجب على المدين لم يقم به قام به الحاكم مكانه. - والدليل الرابع: لأن لا تضيع أموال الناس. فإذاً إذا لم يمتثل المدين بعد هذه العقوبات التعزيرية قام الحاكم ببيع المال ووفاء الدين. = والقول الثاني: أنه لا يجوز للحاكم أن يبيع المال بل يجبر مالك السلعة على أن يبيعها هو ويسدد الدائن. - لأنه ليس للحاكم أن يتصرف في ملك غيره بغير إذنه.

стр. 1673

وهذا القول غاية في الضعف من وجهة نظري أنه يؤدي إلى ضياع حقوق الناس ثم إن هذه القاعدة العامة لا يصلح الاستدلال بها على مسألة خاصة وهي في المماطل لأن المماطل حكم النبي ﷺ عليه أنه ظالم فلا يمكن ان ننزل عليه قاعدة حفظ المال الخاص للمسلم. فالراجح وهو مذهب عامة الأمة أن الحاكم يتولى البيع إذا لم يوف المدين الغني. - ثم قال ﵀: - ولا يطالب بمؤجل. يعني: ولا يطالب المدين بدين مؤجل. وعلة ذلك: - أن الدين المؤجل لا يلزمه أدائه فكيف نطالبه بما لا يلزمه أدائه. فالإنسان لا يطالب بما لم يلزمه إنما يطالب بما لزمه. وهذا لا إشكال فيه. - ثم قال ﵀: - ومن ماله لا يفي بما عليه حالاً: وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم. بدأ المؤلف ﵀ بالقسم الثالث وهو كما قلت: من ماله يفي ببعض دينه. وهذا القسم في الحقيقة هو المقصود بالباب. وإنما ذكر المؤلف ﵀ القسم الأول والثاني لكتمل صور الأحكام. فمن لا يفي ماله بكل دينه وجب على الحاكم أن يحجر عليه لكن لا يجوز أن يحجر عليه إلا بطلب الغرماء أو بطلب بعضهم. فإن لم يطلب أحد من الغرماء حرم على الحاكم أن يحجر عليه لأن هذا الحجر لحق خاص وليس لسلطة عامة فيتوقف على مطالبة صاحب الحق الخاص. فإن لم يطالبوا فإنه لا يجوز أن يحجر عليه. والقول بوجوب الحجر على المدبن الذي يفي ماله ببعض الدين أيضاً مذهب الجماهير. واستدلوا على هذا بثلاثة أمور: - الأمر الأول: حديث معاذ السابق. - والأمر الثاني: حديث عمر السابق. - والأمر الثالث: أن ترك الحجر عليه يؤدي إلى ضياع أموال الناس إذ قد يتصرف فيها بما يفوت الحظ على الدائنين. = والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يحجر عليه. - لأنه رجل بالغ مكلف جائز التصرف فلا يجوز أن يحجر عليه وإنما يطالب بالسداد كما يطالب من ماله يفي بالدين كالقسم الثاني. = والقول الثالث: أن من كان ماله ينقص عن الدين فإنه يعتبر في حكم المحجور عليع من حين ينقص المال ولو بلا حكم حاكم. بناء عليه: لا تنفذ تصرفاته كما سياتينا.

стр. 1674

إذاً: القول الثالث: أن من نقص ماله عن دينه أصبح في حكم المحجور عليه ولو بلا حكم حاكم مباشرة من حين ينقص لا تنظر تصرفاته. وهذا رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية. واستدل على هذا: - بأن تمكينه في مثل هذه الحالة من التصرف يؤدي إلى الإضرار بالمدين. والشرع جاء بقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار). أما العمل فهو على المذهب الأول ولا أحد يبطل تصرفات الناس بدون حكم الحاكم. وأما من حيث النظر والتأمل ففي الحقيقة القول الثالث هو الصحيح. وسبب الترجيح: أن هذا القول يتوافق مع مقصود الشارع من الحجر. لأن مقصود الشارع من الحجر تمكين المدين من أداء الديون لأصحابها بلا تفريط ولا إضاعه وهذا يتحقق أكثر مع القول الثالث. - ثم قال ﵀: - ويستحب إظهاره. يعني: ويستحب إظهار وإشهار أن هذا المدين محجور عليه. - ليمتنع الناس من معاملته. لئلا تؤدي المعاملة إلى ضياع أموالهم. ويستحب أيضاً: الإشهاد. فيشهد عليه أنه محجور عليه. والحكمة في ذلك: أنه لو تغير القاضي فإن القاضي الآخر لا يحتاج إلى حكم جديد وليعرف الدائن القاضي الجديد بالشهود أن هذا المدين محجور عليه. وهذا كله لا نحتاج إليه في وقتنا لأن الحجر على الإنسان يثبت الآن بالأوراق. لكن الإشهار مهم وضروري حتى لو كان عن طريق إشهاره في وسائل الإعلام العامة كالجرائد إلا أنه ينبغي للقاضي أن يعتبر حال المدين. فإن ظن أنه مماطل ومسرف ولا يحسن التصرف وربما دخل في معاملات جديدة بادر في الإشهار. وإن علم أنه رجل أمين لكن ظروف التجارة هي التي أدت به إلى الإفلاس فإنه ينبغي أن يرفق به إلى ان يتمكن من سداد الدين. فالقاضي في الحقيقة له مجال واسع في النظر واعتبار حال المدين. - ثم قال ﵀: - ولا ينفذ تصرفه في ماله: بعد الحجر ولا إقراره عليه. هذه الأحكام هي في الحقيقة ثمرة للحجر. فمن أعظم ثمرات الحجر بل هي المقصودة منه: أن لا ينفذ تصرفه في ماله. فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يتصرف أي تصرف في ماله. واستدل الحنابلة على منعه من تصرفه بدليلين:

стр. 1675

- الدليل الأول: القياس على الرهن. لأنه في الرهن يمنه الراهن من التصرف بالرهن ليضمن الدائن حقه من الرهن فنقيس عليه أموال المحجور عليه وهو قياس صحيح ووجيه. - الدليل الثاني: أنه بالحجر على أموال المدين تعلق حق الغرماء بها - يعني: بأعيانها. وإذا تعلق حق الغرماء بها لم يجز التصرف بها. وهذا صحيح بل هو ثمرة الحجر - فثمرة احجر أن لا يتصرف في ماله. - ثم قال ﵀: - ولا إقراره عليه. يعني: ولا يقبل إقراره على ماله الحاضر المشاهد. فلو أقر أنه وهب هذه السيارة لزيد لم يقبل. ولو أقر أنه أعطى ثمرة هذا العام لعمرو لم يقبل. ويصبح إقراره ملغياً. * * مسألة/ ظاهركلام المؤلف ﵀ أنه لا يقبل إقراره حتى لو أقر بالدين. يعني: حتى لو أقرل بدين لشخص آخر. = وهذا هو المذهب: أنه إذا أقر بدين لشخص آخر فإنه لا يقبل. واستدل الحنابلة على هذا الحكم: - بالأدلة السابقة. = والقول الثاني: أنه إذا أقر بدين فإنه يقبل ويشارك المقر له الغرماء بمال المدين. واستدل أصحاب هذا القول: - بأن هذا الدين دين ثبت بإقرار فيقاس على ما لو ثبت ببينه. والدين إذا ثبت ببينة دخل في مال المدين وشارك الغرماء بلا إشكال. إذاً: نقيس الدين الذي ثبت بالإقرار على الدين الذي ثبت ببينة. ورجح هذا القول: ابن المنذر. وانتصر له. والراجح والله أعلم: أنه يقبل إقراره ويدخل المقر له مع الغرماء بشرط: أن لا تدل القرائن والأحوال على أنه أرد الإضرار بالغرماء والهروب من سداد الدين. وبهذا نجمع بين القول الثاني والقول الأول. * * / فإذا قال المدين أن هذه الآصع الموجودة في مخزني دين سلم لزيد. = فعند الحنابلة: الحكم أن زيد لا يدخل مع الغرماء أصلاً وإنما يقتسم الغرماء جميع المال. = وعند ابن المنذر: يدخل معهم ولا يأخذ هذا المال لكن يكون أسوة الغرماء. = وعلى القول الثالث: كذلك كما قال ابن المنذر إلا إذا تبين أنه أراد الهروب من سداد الدين كاملاً. - ثم قال ﵀: - ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده: رجع فيه إن جهل حجره وإلاّ فلا. يقول: (ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده: رجع فيه)

стр. 1676

إذا باعه أو أقرضه شيئاً بعد الحجر رجع فيه. يعني: رجع بعين ماله. ولا يكون أسوة الغرماء بل يرجع بعين ماله يأخذه. واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: - الدليل الأول: قوله ﷺ : (من وجد عين ماله فهو أحق به). - والدليل الثاني: أن هذه المعاملة لا تصح أنا نقول: أن المجور عليه بعد الحجر لا تنفذ تصرفاته فهذه السلعة في الحقيقة لا زالت ملكاً للبائع. إذاً لا إشكال. مفهوم قول المؤلف ﵀: (بعده) أنه إذا كان قبله فإنه لا يرجع. وهذا المفهوم غير مراد بل إذا كان قبله أو بعده فإنه يرجع. فإذا باع زيد على عمرو سيارة قبل الحجر ثم بعد مضي خمسة أيام من البيع حجر عليه فإن صاحب السيارة يعني: البائع له أن يأخذ هذه السيارة بذاتها. الدليل: (من وجد عين ماله فهو أحق به).والحديث عام. سواء كان العقد تم قبل الحجر أو بعد الحجر. إذاً لماذا نص المؤلف ﵀ على قوله: (بعده). الجواب: ليبين فقط أن العقد إذا تم بعد الحجر فإنه لا يرجع إلا إذا كان جاهل لأن هذا الشرط يختص بما إذا كان بعد العقد أما قبل العقد فلا يتصور أن نقول هل هو جاهل بكونه محجوراً عليه أو عالم بكونه محجور عليه. إذاً: الخلاصة: أن وجد عين متاعه الذي باعه قبل الحجر رجع مطلقاً. والذي وجد عين متاعه الذي باعه بعد الحجر رجع بشرط أن يجهل أن هذا الرجل محجور عليه. فإن كان يعلم أنه محجور عليه فإنه لا يرجع. والتعليل: أنه دخل على بصيرة وبينه وعلم بحال هذا المحجور عليه. لهذا نص المؤلف ﵀ على قوله: (بعده). - ثم قال ﵀: - وإن تصرف في ذمته .. صح. يعني: إذا تصرف هذا المحجور عليه في ذمته لا بعين ماله: صح. تصرفه في ذمته: كأن يشتري بثمن مؤجل. فالثمن المؤجل ثابت في ذمته. المثال الثاني: أن يضمن ديناً لشخص آخر فهذا الضمان في ذمته. فتصرف المحجور عليه لحق غيره في ذمته: صحيح. وعرفنا الآن ما معنى في ذمته؟ وما صورة في ذمته؟ التعليل: - عللوا ذلك: بأن الحجر يتعلق بماله لا بذمته. - ولأنه رجل رشيد جائز التصرف فجاز له أن يتصرف في ذمته. وهذا صحيح: أن له أن يتصرف في ذمته كيف شاء.

стр. 1677

بناء على هذا: إذا تصرف المدين في ذمته فإن الشخص الدائن الجديد لا يدخل مع الغرماء سواء كان يعلم أن هذا الرجل محجور عليه أو لا يعلم أنه محجور عليه. - علم أو لم يعلم. لأنه إن علم فقد فرط وإن لم يعلم فقد جهل شيئاً مشهوراً. - ثم قال ﵀: - أو أقر بدين. يعني: أنه إذا أقر بدين في ذمته فإنه يصح. إذاً ما الفرق بين إذا أقر بدين هنا وإذا أقر في المسألة السابقة؟ هذا الذي صححوه في ذمته. والذي منعوه في عينه المشاهد المعلوم الموجود. إذاً إذا أقر بدين صحوأصبحت ذمته مشغولة بهذا الدين. وإقراره صحيح. وسيأتينا ماذا يصنع بعد ذلك. - ثم قال ﵀: - أو جناية توجب قوداً أو مالاً: صح. الجناية: إما أن توجب قوداً أو توجب مالاً. فهي توجب القود: إذا أمكن الاقتصاص. - إذا أمكن أن يقتص منه بلا زيادة: صار المصير إلى الجناية. وإذا لم يمكن أن يقتص منه إلا مع حيف وزيادة فإنه ينتقل إلى المال. وينتقل إلى المال في صورة ثالثة وهي/ إذا وجبت عليه الجناية لكن اختار المجني عليه الدية - دية العضو فحينئذ يصبح انتقلت المسألة من القصاص إلى الدية يعني: إلى مال. إذاً: المؤلف ﵀ يقول: (إذا أقر بجناية توجب القود أو توجب المال) صح اعترافه وأخذ بهذا الإقرار. لكن عند الحنابلة إذا أقر لا يكون أسوة الغرماء. = والقول الثاني: أن المدين المحجور عليه إذا جنى جناية توجب دية فإن المجني عليه يدخل مع الغرماء. - لأنه لا تهمة في مثل هذه الصورة إذ ليس من المعقول أن يذهب ويقطع يد رجل آخر ليقر بأنه جنى عليه لينقص الغرماء فهذا غير معقول. فإذاً يدخل المجني عليه مع الغرماء ولو كانت الجناية بعد الحجر. وعلل أصحاب هذا القل قولهم: - بأن هذا حق ثابت لا تهمة فيه ولم يؤخره مستحقه. وهذا صحيح والكلام سليم جداً. فإذاً لا نؤخر المجني عليه ونقول أنت لا تدخل مع الغرماء بل يدخل معهم ويكون أسوة الغرماء. - يقول ﵀: - ويطالب به بعد فك الحجر عنه. يطالب بما التزمه في ذمته بعد فك الحجر عنه. تعليل هذا: - أنه حق ثابت. وإنما أخر للحجر. فإذا زال الحجر طولب بهذا الدين. وهذا صحيح بلا إشكال. - ثم قال ﵀:

стр. 1678

- ويبيع الحاكم ماله. ويقسم ثمنه. وهذا = مذهب الحنابلة: أن المحجور عليه يقوم الحاكم ببيع ماله وتقسيمه على الغرماء ستأتينا كيفية التقسيم. استدل الجمهور على هذا الحكم: - أنه يباع ويقسم بالأدلة السابقة.: أولاً: حديث معاذ. وثانياً: أثر عمر ﵁. - وثالثاً: وهو المهم: أن هذا هو الغرض وهو المقصود من الحجر. إذ لم يحجر عليه إلا ليباع ويوفى الدائنون حقهم. إذاً استدلوا يثلاثة أشياء: الأثرين والمعنى: وهو: أنه إنما يقصد ويراد الحجر هذا الأمر. فيقوم الحاكم ببيع ماله. * * مسألة/ قال شيخ الإسلام: ولا يجوز أن يبيع الحاكم متاع المدين إلا بثمن المثل أو أكثر وإلا فإنه لا يباع. بناء عليه: لا يجوز أن يستعجل وأن يجلب السلعة في أي سوق مهما كانت جودة السوق ويبيع بثمن أقل من المثل. فحينئذ يكون التصرف غير صحيح. وما ذكره شيخ الإسلام وغيره من الحنابلة صحيح وفيه من العدل ما لا يخفى. فنقول: يجب أن يجتهد في بيعه بثمن المثل. - ثم قال ﵀: - ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه. إذا باع وحصل المال فإنه يجب أن يقسم بقدر الديون. لكن يجل قبل ذلك: قبل أن يقسم المال: يجب أن يعطي صاحب الرهن قيمة الرهن إذا كانت أقل من الدين أو قيمة الدين. فصاحب الرهن يقدم على باقي الغرماء. مثال ذلك/ إذا كان المدين عنده سيارة وبيت ومزرعة وأرض هذه أربعة أشياء .. ((الأذان)) .. إذا كان عنده - كما قلت - سيارة ومزرعة وأرض مثلاً وأحد الدائنين رهن السيارة. فباع القاضي جميع الأملاك وقيمة السيارة مائة ألف. ودين هذا الرجل الذي هو المرتهن مائة ألف: وقيمة جميع السلع مجتمعة خمسمائة ألف فأول ما نبدأ: نعطي هذا المرتهن كم؟ ((مائة ألف)) ولايشترك مع باقي الغرماء. فإن كانت قيمة السيارة في هذا المثال تسعين ألف فماذا نصنع؟ نعطية التسعين ألفاً ويدخل بالعشرة أسوة الغرماء. فإن كانت قيمة السيارة مائة وعشرة: يأخذ المائة والعشرة ترجع إلى الغرماء. إذاً: يقدم صاحب الرهن. ثم بعد ذلك نقسم المال على باقي الغرماء. وطريقة القسم: أن ننسب قيمة المال المباع إلى الدين. وهل سيكون الدين أكثر أو المال المباع؟

стр. 1679

دائماً الدين أكثر لأنا نحن نتكلم عن القسم الثالث. ننسبها فنعطي كل واحد بقدر نسبته - فنعطي كل واحد بقدر هذه النسبة. مثال ذلك: رجل بيع متاعه كله فصار المتاع بعشرة آلاف ريال. ويطلب هذا الرجل اثنان واحد منهما يطلبه ستة عشر ألف ريال. وواحد يطلبه أربعة آلاف ريال. كم الدين؟ عشرين. ننسب المال إلى الدين: عشرة إلى عشرين: النصف. فكم نعطي صاحب الستة عشر ألف؟ ((ثمانية)) والأربعة: ((ألفين)). إذاً كل واحد يدخل عليه النقص بمقدار دينه. وفي هذا عدل عظيم. إذاً هكذا طريق قسمة التركة. - ثم قال ﵀: - ولا يحل مؤجل بفلس. يعني إذا كان على هذا المفلس دين مؤجل فإنه إذا حكم بإفلاسه لا يحل الدين. لماذا؟ لأن التأجيل حق من حقوقه لا يسقط بفلس إذ الفلس ليس من مسقطات الأجل فيبقى المؤجل مؤجلاً. وليس للدائن صاحب الدين المؤجل إذا رأى أنه أفلس أن يأتي ويطالب بتعجيل دفع الدين له خشية أن تنتهي أموال هذا المدين. وهذا واضح لا إشكال فيه. - ثم قال ﵀: - ولا بموت: إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء. يعني: ولا يحل الدين إذا مات المدين. فإذا مات المدين فإن الدين يبقى مؤجلاً. وعلة ذلك: - أن الدين من جملة الحقوق التي تورث فالورثة ورثوا عن واىلدهم المدين المتوفى حق التأجيل. = والقول الثاني: أنه يحل الأجل بمجرد الموت. والقول بعدم حلوله - الأول الذي هو المذهب - من المفردات. وهذا القول الثاني: هو قول الجمهور أنه بمجرد الموت يحل الأجل. استدلوا على هذا: - بأنه في العادة الغالبة إذا مات المدين اقتسم الورثة الدين وبقي الدائن بلا مال. يقول المؤلف ﵀: إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء. يشرط لعدم تعجيل الدين أن يوثق الرهن فيقوم الورثة بتوثيق الدين برهن أوكفيل. فإن لم يوثقوه تعجل الدين. نكتفي بهذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1680

الدرس: (٢٩) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا بالأمس أن المفلس الذي عليه دين مؤجل لا يسقط الأجل بالفلس ومعنى هذا أن حقه بالتأجيل يبقى. وعللنا ذلك: - بأن الفلس ليس من مسقطات الأجل. - الصورة الثانية/ موت المدين. فإذا مات المدين الذي دينه مؤجل فإنه لا يسقط الأجل بموته عند الحنابلة. وذكرنا القول الثاني: وهو أنه يسقط بموته. وعلل الذين أسقطوه إسقاطه: - بخشية ضياع حقوقه بسبب توزيع التركة. إلى هنا توقفنا بالأمس. وبهذا عرفنا أن مذهب الحنابلة أنه لا يسقط إلا أنهم اشترطوا لهذا شرطاً فقالوا: إن وثق ورثته برهن أو كفيل ملئ. يعني: إن وثق الورثة الدين برهن أو كفيل مليء لم يسقط الأجل وإلا فإنه يسقط. ويشترط في الرهن - في هذا الرهن الذي يوثقون به الدين -: أن يكون بقدر أقل من الدين أو التركة. فإذا افترضنا أن التركة كلها: خمسين ألف ريال وأبوهم مدين بمائة ألف ريال. كم يجب أن يكون قيمة الرهن؟ خمسين. لأنا نحن نقول بالأقل من قيمة الدين أو التركة. بمعنى: أنه لا يجب على الورثة أن يقيموا رهناً بجميع الدين إذا كان الدين أكثر من التركة. فإن كان الدين أقل من التركة فيلزمهم أن يقيموا رهناً بجميع الدين. فإذا حققوا هذا الشرط فإن الأجل لا يسقط. وإن فات الشرط سقط وحل الأجل. فإذا رفض الورثة إقامة الرهن أو الكفيل المليء حل الأجل ووجب عليهم دفع الدين مباشرة. وفي هذه الحالة تأتينا مسألة وهي: إذا افترضنا أنهم لم يوفوا بالشرط - أو لم يقوموا بالشرط - وحل الأجل فهل يأخذ الدائن كامل المبلغ ولو كان فيه زيادة بسبب التأجيل؟ أو نخصم منخ بقدر التأجيل الذي سقط؟ صورة المسألة/ إذا كان المورث اشترى سيارة قيمتها حالة بمائة: اشتراها بمائة وخمسين بسبب التأجيل ثم مات. ولم يأت الورثة برهن ولا بكفيل مليء قلنا أنه يحل الدين. فهل على الورثة أن يعطوه كامل المبلغ: مائة وخمسين أو يعطوه قيمة السيارة بثمنها الحال لأن الأجل سقط؟ = عند الحنابلة: يعطونه كامل المبلغ ولا يسقطون من قيمة الثمن ما يقابل الأجل. = والقول الثاني: أنه يسقط بقدر الأجل. وإلى هذا ذهب عدد من محققي الحنابلة المتقدمين وهو مقتضى العدل. - لأنه لما سقط الأجل يقتضي أن يخصم من الثمن ما يقابل هذا الأجل.

стр. 1681

هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى سبقت معنا: وهي: ضع وتعجل. فمن يرجح في مسألة ضع وتعجل أنها تصح ينبغي هنا أن يضع من الدين ما يقابل التعجيل. وإذا كانت مبنية على هذه المسألة فتقدم معنا أن الراجح إن شاء الله أن ضع وتعجل: صحيح ومشروع وليس في ربا. - ثم قال ﵀: - وإن ظهر غريم بعد القسمة: رجع على الغرماء بقسطه. إذا ظهر غريم لم يكن موجوداً أثناء القسمة فإنه يرجع على الغرماء بقسمه كأنه موجود حال القسمة. واستدل الحنابلة على هذا: - بأنه لو وجد حال القسم لأخذ معهم فكذلك إذا جاء بعد القسم. لأن حقه لا يسقط بتغيبه. = والقول الثاني: أنه يسقط وينتظر أن يوفيه الورثة ولا يدخل مع الغرماء فيما اقتسموه. - لأنه لم يحضر. والصواب القول الأول وهو المذهب. لأن تعغيب الرجل لا يعني سقوط حقه. سواء تغيب بعذر أو بغير عذر. - ثم قال ﵀: - ولا يفك حجره إلاّ حاكم. معنى هذه العبارة: أن المحجور عليه لا فيك حجره بمجرد قسمة المال. وإنما لابد من أن يفك الحجر الحاكم. وعلل الحنابلة هذا: - بأنه حجر تم بأمر الحاكم فلا يفك إلا بأمره. = والقول الثاني: أنه بمجرد قسمة المال يفك الحجر. وعللوا هذا: - بأن الحجر إنما وقع لغرض قسمة ماله بين الغرماء. فإذا قسم زال سبب الحجر فزال معه الحجر. لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. والراجح هو القول الأول وهو المذهب وممن رجحه من المحققين الشيخ الفقيه ابن قدامة. وسبب الترجيح: أن فك الحجر عن المفلس يحتاج إلى نظر وتأمل من الحاكم ليتأكد من أن ماله فرغ ولم يبق من ماله ما يمكن أن يباع. وهذه القضية تحتاج إلى نظر واجتهاد والحاكم هو أهل هذا النظر والاجتهاد. فالصواب أنه لا يفك بمجرد بيع المال وإنما ينتظر إلى أن يصدر الحاكم أمراً بفك الحجر عنه بعد أن يتأكد من أنه لا مال زائد عنده. فصل [في المحجور عليه لحَظِّه] - ثم قال ﵀: - فصل. هذا الفصل خصصه المؤلف ﵀ للكلام عن المحجور عليه لحظ نفسه. وكما تقدم أخره لأن المحجور عليه لحق غيره أكثر الأحكام تتعلق به وهو الأهم. والمحجور عليه لحظ نفسه ثلاثة: - الصغير. - والمجنون. - والسفيه.

стр. 1682

هؤلاء هم من يحجر عليهم لحق أنفسهم. - قال ﵀: - ويحجر على السفيه. فالسفيه هو: من يسيء تدبير المال. وسيأتينا بالتفصيل في كلام المؤلف ﵀ كتى يرتفع وصف السفه عن من لا يجيد تصريف المال لكن هذا هو تعريفه العام. كل شخص لا يحسن تصريف ماله فهو سفيه. * * مسألة/ وذهب الأئمة الأربعة كلهم إلى من ينفق ماله في المعاصي والمحرمات فهو سفيه يحجر عليه. وذهب الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي إلا أن من أنفق ماله في الطاعات كالصدقات والقربات فإنه ليس من السفه ولا يحجر عليه مهما أنفق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أنفق في وجوه البر ما يخرج به عن الإنفاق المعهود المعروف فإنه يعتبر سفه. والصواب أنه ليس بسفه: يعني: الصواب مع الأئمة الثلاثة إن شاء الله. - ثم قال ﵀: - والصغير. الصغير هو من لم يبغ. وسيأتينا أيضاً في كلام المؤلف ﵀ متى يبلغ الإنسان. - يقول ﵀: - والمجنون. المجنون هو فاقد العقل. هؤلاء الثلاثة يحجر عليهم لحظ أنفسهم. - ثم قال ﵀: - لحظهم. قوله: (لحظهم) يعني أنه يحجر عليهم لمصلحتهم. والدليل على أنه يحجر عليهم: - قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء/٥]. - والدليل الثاني: أن تركهم وما يشاؤون من التصرف فيه إضاعة لأموالهم. ولا يجوز للمسلم أن يمكن موليه من إضاعة المال. فهذا هو الدليل على أنه يحجر على الصغير. ونحن نحتاج دائماً في مثل هذه الأحكام إلى أدلة ليس من السهل أن تحجر على رجل بالغ رشيد إلا بدليل واضح إذا كان سفيهاً. - ثم قال ﵀: - ومن أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً: رجع بعينه. إذا عامل هؤلاء الثلاثة رجل ببيعهم أو إقرارهم فإنه إذا بقيت العين كما هي لم تتلف يرجع بعين ماله. والسبب في ذلك: - أن ماله ما زال على ملكه لأن تصرفاتهم فاسده. فيرجع بعين ماله. - ثم قال ﵀: - وإن أتلفوه لم يضمنوا. يعني: وإن أتلف السفيه أو الصغير أو المجنون المال الذي أعطاهم إياه هذا الرجل الراشد ولو هلى سبيل السبيل فإنه يضمن هو ولا يضمنون. فيكون الضمان عليه فتذهب هذه العين المتلفة سدى عليه.

стр. 1683

وعلل الحنابلة هذا: - بأنه هو سلطهم على ماله برضاه فضمن ولم يضمنوا. = والقول الثاني: أنهم جميعاً يضمنون السفيه والمجنون والصبي. - لأنهم أتلفوا ماله فوجب عليهم الضمان. والصواب مع الحنابلة. وأنه هو الذي فرط إذ عامل من يوصف بالجنون أو بالصغر أو بالسفه. - ثم قال ﵀: - ويلزمهم: أرش الجناية. يعني: أن هؤلاء إذا جنوا جناية على نفس أو طرف فإنهم يضمنون. وعلل الحنابلة ذلك: - بأن المجني عليه لا خيار له ولا تفريط منه فلزم هؤلاء أن يضمنوا. وهذا صحيح ولا أظن أن فيه خلافاًَ. - ثم قال ﵀: - وضمان مال من لم يدفعه إليهم. يعني وعليهم أن يضمنوا المال الذي لم يدفع إليهم. كأن يأخذوه غصباً أو اختلاساً أو من غير علم المالك أو عبثاً ففي هذه الحال يضمن هؤلاء - الأطفال أو المجانين أو السفهاء - المال. - لأنهم أخذوا مال المسلم بغير رضاه ولا تفريط منه فوجب أن يضمنوا. بناء على هذه المسألة: ما يتلفه الصبيان في المحلات أو في الولائم أو في الأماكن العامة فهو مضمون عليهم. ما دام صاحب الملك لم يمكنهم منه. أما إذا مكنهم منه بأن قال صاحب المحل للطفل خذ هذا الشيء وانظر إليه أو إلعب به ما دمت في المحل ثم تلف فلا ضمان. لأن هذا المالك مكنه من المال برضاه وسلطهم عليه بإرادته. أما إن أخذ الطفل شيئاً يعبث به فانكسر منه فهو مضمون لأن صاحب المال لم يمكن هذا الطفل من هذه الأموال. بل إنا نلحظ دائماً أن أصحاب المحلات إما بمنطوقهم أو بمكتوبهم أنهم لا يسمحون للأطفال بالعبث في الأشياء الموجودة داخل المحل. فهذا يرفع الضمان عن صاحب المحل مطلقاً ويجعله على الطفل دائماً. والضامن في هذا الاتلاف هو الطفل لا الأب لأن الطفل له ذمة مستقلة ولأنه هو المتلف وليس الأب. ولكل واحد من الأب والطفل ذمة مستقلة. لكن من المعروف وحسن التصرف أن يضمن الأب المال. باعبار أن هذا الطفل ليس له من المال ما يؤدي به هذا الضمان. فإن لم يضمن الأب بقيت القيمة في ذمة الصبي إلى أن يحصل المال. فعليه أن ينتبه إذا بلغ ليسدد ما عليه من إتلافات.

стр. 1684

ولهذا نقول: من الخطأ البين أن يترك الأب الطفل بدون سداد لهذه الأموال ويجعل ذمته مشغوله إلى البلوغ وغالباً سوف ينسى الطفل ما عليه. وليعلم أنه إذا بلغ فإن ذمته الآن مشغولة. نعم إذا كان ناسياً فلا إثم عليه لكن الذمة مشغولة. فينبغي أن لا يتساهل أولياء الأطفال في مسألة الاتلافات لا في زيارة الأقارب ولا في دخول المحلات ولا في المكث في الأماكن العامة. - ثم قال ﵀: - وإن تم لصغير خمس عشرة سنة. بدأ المؤلف ﵀ في بيان االأشياء التي يتم بها بلوغ الطفل. - فقال: ﵀: - وإن تم لصغير خمس عشرة سنة. حكم ببلوغه. فيصبح بالغاً. والدليل على أن بلوغ هذا السن يصبح به الطفل بالغاً: - الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁ أنه عرض على النبي ﷺ وله أربع عشرة سنة فلم يره - أو فلم يجزه - وعرض عليه وله خمس عشرة سنة فأجازه ﷺ . فتفريقه ﷺ بين سنين دليل على أنه انتقل من مرحلة إلى مرحلة. = وذهب بعض العلماء إلى أن سن البلوغ سبع عشرة سنة. = وبعضهم قال: ثمانية عشرة سنة. = وبعضهم قال: تسع عشرة سنة. وهذه الأقوال الثلاثة للمذاهب الفقهية عدا الحنابلة. وهذه الأقوال ضعيفة جداً. ولا تعتمد إلى أي تحديد منقول عن النبي ﷺ وإنما هي محض تخمينات ومن العجائب أن القول الثالث: وهو تسع عشرة سنة مذهب الظاهرية. الظاهرية دائماً مع النصوص وفي هذه المسألة اخترعوا هذا القول الذي ليس له زمام ولا خطام إذ لا يقوم على أي دليل منقول ولا معقول وإنما زعم ابن حزم أن هذا أكثر ما قيل وهذا التعليل لا يصح للتمسك. فالراجح بإذن الله والواضح الرجحان هو مذهب الحنابلة ولو لم يكن معنا إلا أنه تقدير عن التبي ﷺ . فهذه هي العلامة الأولى للبلوغ. - ثم قال ﵀: - أو نبت حول قبله شعر خشن. العلامة الثانية للبلوغ أن ينبت في قبله شعر خشن. فاشترط المؤلف ﵀ شروطاً:

стр. 1685

- أولاً: أن يكون هذا النابت في القبل فإن نبتت له لحية قبل ذلك فما يزال صغيراً لم يبلغ. ولا ينظر لنبات الشعور الأخرى كشعر الإبط. إنما يعول فقط على شعر العانة. - ثانياً: أن يكون هذا الشعر الذي نبت على العانة خشناً. فإن كان ناعماً فليس من علامات البلوغ. واستدل الحنابلة على كون هذا من علامات البلوغ: - بحديث سعد بن معاذ ﵁ أنه حكم على بني قريظة بأن يقتلوا وتسبى ذراريهم ثم أمر بالكشف عن ذراريهم فمن أنبت قتل ومن لا لم يقتل. فجعل ﵁ الضابط في بلوغ الذراري وعدمه هو الإنبات. ولما حكم صدقه النبي ﷺ فقال: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أر (( ... ))). فدل هذا الحديث على أن هذه من علامات البلوغ التي تنقل الإنسان من الذراري والصغار إلى الكبار الذين يقتلون في هذا الحكم. - ثم قال ﵀: - أو أنزل. هذه العلامة الثالثة. والإنزال هو خروج المني بشهوة من نائم أو مستيقظ ذكراً كان أو أنثى متزوجاً أو لم يتزوج. وكون الإنزال من علامات البلوغ: محل إجماع. - ثم قال ﵀: - أو عقل مجنون ورشدا. لما بين علامات البلوغ وهي التي تنقل الطفل من الصغر إلى أن يكون بالغاً ذكر المسألة الثانية وهي: (عقل مجنون). يعني: رجع إليه عقله. اشترط للبلوغ والعقل شرطاً آخر فقال ﵀: (ورشدا). أي: أنته لابد مع البلوغ والعقل من الرشد والرشد هو حسن التصرف بالمال عكس السفه. وكما قلت سيخصص المؤلف ﵀ كلاماً طويلاً عن حد الرشد. - ثم قال ﵀: - أو رشد سفيه: زال حجرهم بلا قضاء. إذاً اشترط المؤلف ﵀: البلوغ والعقل مع الرشد. فإذا توفرت هذه الأمور/ البلوغ والعقل مع الرشد فقد خرج عن الحجر. والمؤلف ﵀ يريد أن يبين أنهم ينفكون عن الحجر بلا حكم حاكم. - ولهذا: يقول ﵀: - زال حجرهم بلا قضاء. يعني: بلا حكم حاكم. نأخذ هؤلاء واحداً واحداً: - بالنسبة للأول وهو الصبي إذا بلغ: فإنه يرفع عنه الحجر بلا حكم حاكم. = وهذا مذهب الحنابلة. - لأنه حجر عليه بسبب الصغر وقد زال فيزول الحجر. وهذا لا إشكال فيه.
следующие страницы →