← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى سبقت معنا: وهي: ضع وتعجل. فمن يرجح في مسألة ضع وتعجل أنها تصح ينبغي هنا أن يضع من الدين ما يقابل التعجيل. وإذا كانت مبنية على هذه المسألة فتقدم معنا أن الراجح إن شاء الله أن ضع وتعجل: صحيح ومشروع وليس في ربا. - ثم قال ﵀: - وإن ظهر غريم بعد القسمة: رجع على الغرماء بقسطه. إذا ظهر غريم لم يكن موجوداً أثناء القسمة فإنه يرجع على الغرماء بقسمه كأنه موجود حال القسمة. واستدل الحنابلة على هذا: - بأنه لو وجد حال القسم لأخذ معهم فكذلك إذا جاء بعد القسم. لأن حقه لا يسقط بتغيبه. = والقول الثاني: أنه يسقط وينتظر أن يوفيه الورثة ولا يدخل مع الغرماء فيما اقتسموه. - لأنه لم يحضر. والصواب القول الأول وهو المذهب. لأن تعغيب الرجل لا يعني سقوط حقه. سواء تغيب بعذر أو بغير عذر. - ثم قال ﵀: - ولا يفك حجره إلاّ حاكم. معنى هذه العبارة: أن المحجور عليه لا فيك حجره بمجرد قسمة المال. وإنما لابد من أن يفك الحجر الحاكم. وعلل الحنابلة هذا: - بأنه حجر تم بأمر الحاكم فلا يفك إلا بأمره. = والقول الثاني: أنه بمجرد قسمة المال يفك الحجر. وعللوا هذا: - بأن الحجر إنما وقع لغرض قسمة ماله بين الغرماء. فإذا قسم زال سبب الحجر فزال معه الحجر. لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. والراجح هو القول الأول وهو المذهب وممن رجحه من المحققين الشيخ الفقيه ابن قدامة. وسبب الترجيح: أن فك الحجر عن المفلس يحتاج إلى نظر وتأمل من الحاكم ليتأكد من أن ماله فرغ ولم يبق من ماله ما يمكن أن يباع. وهذه القضية تحتاج إلى نظر واجتهاد والحاكم هو أهل هذا النظر والاجتهاد. فالصواب أنه لا يفك بمجرد بيع المال وإنما ينتظر إلى أن يصدر الحاكم أمراً بفك الحجر عنه بعد أن يتأكد من أنه لا مال زائد عنده. فصل [في المحجور عليه لحَظِّه] - ثم قال ﵀: - فصل. هذا الفصل خصصه المؤلف ﵀ للكلام عن المحجور عليه لحظ نفسه. وكما تقدم أخره لأن المحجور عليه لحق غيره أكثر الأحكام تتعلق به وهو الأهم. والمحجور عليه لحظ نفسه ثلاثة: - الصغير. - والمجنون. - والسفيه.

стр. 1682

هؤلاء هم من يحجر عليهم لحق أنفسهم. - قال ﵀: - ويحجر على السفيه. فالسفيه هو: من يسيء تدبير المال. وسيأتينا بالتفصيل في كلام المؤلف ﵀ كتى يرتفع وصف السفه عن من لا يجيد تصريف المال لكن هذا هو تعريفه العام. كل شخص لا يحسن تصريف ماله فهو سفيه. * * مسألة/ وذهب الأئمة الأربعة كلهم إلى من ينفق ماله في المعاصي والمحرمات فهو سفيه يحجر عليه. وذهب الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي إلا أن من أنفق ماله في الطاعات كالصدقات والقربات فإنه ليس من السفه ولا يحجر عليه مهما أنفق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أنفق في وجوه البر ما يخرج به عن الإنفاق المعهود المعروف فإنه يعتبر سفه. والصواب أنه ليس بسفه: يعني: الصواب مع الأئمة الثلاثة إن شاء الله. - ثم قال ﵀: - والصغير. الصغير هو من لم يبغ. وسيأتينا أيضاً في كلام المؤلف ﵀ متى يبلغ الإنسان. - يقول ﵀: - والمجنون. المجنون هو فاقد العقل. هؤلاء الثلاثة يحجر عليهم لحظ أنفسهم. - ثم قال ﵀: - لحظهم. قوله: (لحظهم) يعني أنه يحجر عليهم لمصلحتهم. والدليل على أنه يحجر عليهم: - قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء/٥]. - والدليل الثاني: أن تركهم وما يشاؤون من التصرف فيه إضاعة لأموالهم. ولا يجوز للمسلم أن يمكن موليه من إضاعة المال. فهذا هو الدليل على أنه يحجر على الصغير. ونحن نحتاج دائماً في مثل هذه الأحكام إلى أدلة ليس من السهل أن تحجر على رجل بالغ رشيد إلا بدليل واضح إذا كان سفيهاً. - ثم قال ﵀: - ومن أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً: رجع بعينه. إذا عامل هؤلاء الثلاثة رجل ببيعهم أو إقرارهم فإنه إذا بقيت العين كما هي لم تتلف يرجع بعين ماله. والسبب في ذلك: - أن ماله ما زال على ملكه لأن تصرفاتهم فاسده. فيرجع بعين ماله. - ثم قال ﵀: - وإن أتلفوه لم يضمنوا. يعني: وإن أتلف السفيه أو الصغير أو المجنون المال الذي أعطاهم إياه هذا الرجل الراشد ولو هلى سبيل السبيل فإنه يضمن هو ولا يضمنون. فيكون الضمان عليه فتذهب هذه العين المتلفة سدى عليه.

стр. 1683

وعلل الحنابلة هذا: - بأنه هو سلطهم على ماله برضاه فضمن ولم يضمنوا. = والقول الثاني: أنهم جميعاً يضمنون السفيه والمجنون والصبي. - لأنهم أتلفوا ماله فوجب عليهم الضمان. والصواب مع الحنابلة. وأنه هو الذي فرط إذ عامل من يوصف بالجنون أو بالصغر أو بالسفه. - ثم قال ﵀: - ويلزمهم: أرش الجناية. يعني: أن هؤلاء إذا جنوا جناية على نفس أو طرف فإنهم يضمنون. وعلل الحنابلة ذلك: - بأن المجني عليه لا خيار له ولا تفريط منه فلزم هؤلاء أن يضمنوا. وهذا صحيح ولا أظن أن فيه خلافاًَ. - ثم قال ﵀: - وضمان مال من لم يدفعه إليهم. يعني وعليهم أن يضمنوا المال الذي لم يدفع إليهم. كأن يأخذوه غصباً أو اختلاساً أو من غير علم المالك أو عبثاً ففي هذه الحال يضمن هؤلاء - الأطفال أو المجانين أو السفهاء - المال. - لأنهم أخذوا مال المسلم بغير رضاه ولا تفريط منه فوجب أن يضمنوا. بناء على هذه المسألة: ما يتلفه الصبيان في المحلات أو في الولائم أو في الأماكن العامة فهو مضمون عليهم. ما دام صاحب الملك لم يمكنهم منه. أما إذا مكنهم منه بأن قال صاحب المحل للطفل خذ هذا الشيء وانظر إليه أو إلعب به ما دمت في المحل ثم تلف فلا ضمان. لأن هذا المالك مكنه من المال برضاه وسلطهم عليه بإرادته. أما إن أخذ الطفل شيئاً يعبث به فانكسر منه فهو مضمون لأن صاحب المال لم يمكن هذا الطفل من هذه الأموال. بل إنا نلحظ دائماً أن أصحاب المحلات إما بمنطوقهم أو بمكتوبهم أنهم لا يسمحون للأطفال بالعبث في الأشياء الموجودة داخل المحل. فهذا يرفع الضمان عن صاحب المحل مطلقاً ويجعله على الطفل دائماً. والضامن في هذا الاتلاف هو الطفل لا الأب لأن الطفل له ذمة مستقلة ولأنه هو المتلف وليس الأب. ولكل واحد من الأب والطفل ذمة مستقلة. لكن من المعروف وحسن التصرف أن يضمن الأب المال. باعبار أن هذا الطفل ليس له من المال ما يؤدي به هذا الضمان. فإن لم يضمن الأب بقيت القيمة في ذمة الصبي إلى أن يحصل المال. فعليه أن ينتبه إذا بلغ ليسدد ما عليه من إتلافات.

стр. 1684

ولهذا نقول: من الخطأ البين أن يترك الأب الطفل بدون سداد لهذه الأموال ويجعل ذمته مشغوله إلى البلوغ وغالباً سوف ينسى الطفل ما عليه. وليعلم أنه إذا بلغ فإن ذمته الآن مشغولة. نعم إذا كان ناسياً فلا إثم عليه لكن الذمة مشغولة. فينبغي أن لا يتساهل أولياء الأطفال في مسألة الاتلافات لا في زيارة الأقارب ولا في دخول المحلات ولا في المكث في الأماكن العامة. - ثم قال ﵀: - وإن تم لصغير خمس عشرة سنة. بدأ المؤلف ﵀ في بيان االأشياء التي يتم بها بلوغ الطفل. - فقال: ﵀: - وإن تم لصغير خمس عشرة سنة. حكم ببلوغه. فيصبح بالغاً. والدليل على أن بلوغ هذا السن يصبح به الطفل بالغاً: - الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵁ أنه عرض على النبي ﷺ وله أربع عشرة سنة فلم يره - أو فلم يجزه - وعرض عليه وله خمس عشرة سنة فأجازه ﷺ . فتفريقه ﷺ بين سنين دليل على أنه انتقل من مرحلة إلى مرحلة. = وذهب بعض العلماء إلى أن سن البلوغ سبع عشرة سنة. = وبعضهم قال: ثمانية عشرة سنة. = وبعضهم قال: تسع عشرة سنة. وهذه الأقوال الثلاثة للمذاهب الفقهية عدا الحنابلة. وهذه الأقوال ضعيفة جداً. ولا تعتمد إلى أي تحديد منقول عن النبي ﷺ وإنما هي محض تخمينات ومن العجائب أن القول الثالث: وهو تسع عشرة سنة مذهب الظاهرية. الظاهرية دائماً مع النصوص وفي هذه المسألة اخترعوا هذا القول الذي ليس له زمام ولا خطام إذ لا يقوم على أي دليل منقول ولا معقول وإنما زعم ابن حزم أن هذا أكثر ما قيل وهذا التعليل لا يصح للتمسك. فالراجح بإذن الله والواضح الرجحان هو مذهب الحنابلة ولو لم يكن معنا إلا أنه تقدير عن التبي ﷺ . فهذه هي العلامة الأولى للبلوغ. - ثم قال ﵀: - أو نبت حول قبله شعر خشن. العلامة الثانية للبلوغ أن ينبت في قبله شعر خشن. فاشترط المؤلف ﵀ شروطاً:

стр. 1685

- أولاً: أن يكون هذا النابت في القبل فإن نبتت له لحية قبل ذلك فما يزال صغيراً لم يبلغ. ولا ينظر لنبات الشعور الأخرى كشعر الإبط. إنما يعول فقط على شعر العانة. - ثانياً: أن يكون هذا الشعر الذي نبت على العانة خشناً. فإن كان ناعماً فليس من علامات البلوغ. واستدل الحنابلة على كون هذا من علامات البلوغ: - بحديث سعد بن معاذ ﵁ أنه حكم على بني قريظة بأن يقتلوا وتسبى ذراريهم ثم أمر بالكشف عن ذراريهم فمن أنبت قتل ومن لا لم يقتل. فجعل ﵁ الضابط في بلوغ الذراري وعدمه هو الإنبات. ولما حكم صدقه النبي ﷺ فقال: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أر (( ... ))). فدل هذا الحديث على أن هذه من علامات البلوغ التي تنقل الإنسان من الذراري والصغار إلى الكبار الذين يقتلون في هذا الحكم. - ثم قال ﵀: - أو أنزل. هذه العلامة الثالثة. والإنزال هو خروج المني بشهوة من نائم أو مستيقظ ذكراً كان أو أنثى متزوجاً أو لم يتزوج. وكون الإنزال من علامات البلوغ: محل إجماع. - ثم قال ﵀: - أو عقل مجنون ورشدا. لما بين علامات البلوغ وهي التي تنقل الطفل من الصغر إلى أن يكون بالغاً ذكر المسألة الثانية وهي: (عقل مجنون). يعني: رجع إليه عقله. اشترط للبلوغ والعقل شرطاً آخر فقال ﵀: (ورشدا). أي: أنته لابد مع البلوغ والعقل من الرشد والرشد هو حسن التصرف بالمال عكس السفه. وكما قلت سيخصص المؤلف ﵀ كلاماً طويلاً عن حد الرشد. - ثم قال ﵀: - أو رشد سفيه: زال حجرهم بلا قضاء. إذاً اشترط المؤلف ﵀: البلوغ والعقل مع الرشد. فإذا توفرت هذه الأمور/ البلوغ والعقل مع الرشد فقد خرج عن الحجر. والمؤلف ﵀ يريد أن يبين أنهم ينفكون عن الحجر بلا حكم حاكم. - ولهذا: يقول ﵀: - زال حجرهم بلا قضاء. يعني: بلا حكم حاكم. نأخذ هؤلاء واحداً واحداً: - بالنسبة للأول وهو الصبي إذا بلغ: فإنه يرفع عنه الحجر بلا حكم حاكم. = وهذا مذهب الحنابلة. - لأنه حجر عليه بسبب الصغر وقد زال فيزول الحجر. وهذا لا إشكال فيه.

стр. 1686

- الثاني: المجنون. فالمجنون أيضاً الحنابلة يرون أنه يزول الحجر عنه بمجرد رجوع العقلب إليه. واستدلوا: - بجنس الدليل السابق. وهو أنه إنما حجر عليه لجنونه فلما زال الجنون زال الحجر. = والقول الثاني: أن المجنون لا يزال حجره بمجرد العقل. - لأن بلوغه الرشد يحتاج إلى اجتهاد من الحاكم فلا يفك إلا به أي: بالحاكم. والراجح: مذهب الحنابلة وهو: أنه يزول الحجر بمجرد العقل ولا نحتاج إلى حكم حاكم. - الثالث: والأخير هو: من حجر عليه لسفهه. فإذا رشد وزال السفه انفك عنه الحجر بلا قضاء: عند الحنابلة. = والقول الثاني: أن السفيه لا يفك عنه الحجر إلا بحكم حاكم. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أنه حكم عليه بالحجر بحكم حاكم فلا يرفع إلا بحكم حاكم. - الثاني: أن انتقال الرجل من السفاهة إلى الرشد يحتاج إلى نظر وتأمل وتحقق. ولا يكتفى فيه بظاهر أعماله وأقواله وتصرفاته. وهذا هو الصحيح إن شاء الله بالنسبة للسفيه فلا ينفك إلا بحكم حاكم لأنه لا يحجر عليه إلا بحكم حاكم. فتلخص معنا أنهم ثلاثة: اثنان بمجرد البلوغ والعقل ينفك عنهما الحجر. والثالث هو السفيه لا ينفك إلا بحكم حاكم. - ثم قال ﵀: - وتزيد الجارية في البلوغ: بالحيض. وتزيد على الصبي بالحيض. فإذا حاضت فقد بلغت. وهذا بالإجماع: - لقول النبي ﷺ لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. فربط التكليف بالحيض. فدل على أنه علامة عليه. - ثم قال ﵀: - وإن حملت: حكم ببلوغها. وإن حملت حكم ببلوغها ولو لم يسقط حيض. واستدلوا على هذا: - بأن الحمل علامة على الإنزال ونحن نقول الإنزال من علامات البلوغ. ودليل أنه علامة على الإنزال أي الحمل: - أن النبي ﷺ أخبر أن المولود يخلف من ماء الرجل وماء المرأة. فإذاً لم يوجد إلا بعد وجود ماء المرأة وهو الإنزال. فإذا حملت فقد ببلغت ولو لم يتقدم ذلك حيض ولا إنزال. - ثم قال ﵀: - ولا ينفك قبل شروطه. لا ينفك الحجر. أي: في الحجر لحظ نفسه. إلا بعد اكتمال الشروط. والشروط هي البلوغ والعقل مع الرشد.

стр. 1687

هذه هي الشروط فكل إنسان بالغ عاقل راشد ليس بسفيه فإنه لا حجر عليه ولا نفك الحجر إلا بتحقق هذه الشروط ولو كبر سنه. ولو أصبح شيخاً كبيراً. ولو كان من أعقل الناس فيما عدا الأموات لأن الحجر هنا يتعلق بالمال. فما دام سفيهاً لا يحسن التصرف في أمواله فإنه يحجر عليه مهما بلغ لأن الشرط لم يتحقق وهو: الرشد. وهذه السألة نظرية جداً يعني: أن يكون عاقلاً من أحسن الناس تصرفاً في كل شيء إلا المال فهذا لا يكاد يقع لكن لو وقع فهذا حكمه. - ثم قال ﵀: - والرشد: الصلاح في المال. بدأ المؤلف ﵀ في بيان حد الرشد النافي للسفاهة فيقول: (هو الصلاح في المال) فمن أصلح ماله وأجاد التصرف فيه فهو رشيد. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن الرشد هو الصلاح في المال دون الدين. فلو كان من الصالحين في المال دون الدين فهو رشيد في هذا الباب. وإن لم يكن رشيداً في حقيقة أمره. لكن نحن الآن يعنينا مسألة/ حكم الأموال. فإذا وجد رجل سفيه في الدين يتساهل في الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي بر الوالدين لكنه حسن التصرف في المال فهو عند الحنابلة في هذا الباب رشيد - فهو رشيد. واستدل الحنابلة على هذا: - بقوله: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء/٦] وأن ابن عباس فسر هذا بحسن التصرف في المال. فنص ابن عباس على المال. وهذا الأثر فيه ضعف. = القول الثاني: أن الرشد لا يكون إلا بالصلاح في المال والدين. - لأن السفيه في الدين لا يؤمن أن يبذر في المعاصي. والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أنه لا يشترط الصلاح لافي الدين لأن المقصود هنا بحث الصلاح في المال وأما فساد دينه فيعاقب ويزجر من باب آخر. أما أن يحجر عليه فليس في الأدلة ما يدل عليه. ثم ما زال عمل المسلمين على وجود سفهاء في الدين لكنهم من الراشدين في المال. ومع ذلك لم يحجر عليهم على مر العصور واختلاف القضاة والحكام فالأدلة الشرعية مع الاستئناس بعمل المسلمين يدل على رجحان القول الأول. إذاً نقول أن الراجح هو أن الصلاح هو الرشد في المال فقط لا في الدين. ثم مع كون المؤلف ﵀ بين الصلاح والرشد بماذا يكون فصل نوعاً ما في هذه المسألة:

стр. 1688

- فيقول ﵀: - بأن يتصرف مراراً: فلا يغبن غالباً ولا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة. الصلاح يحصل في الحقيقة بتحقق هذه الثلاثة العناصر. ـ العنصر الأول: أن يتصرف بالمال ولا يغبن. لكن يشترط أن لا يغبن غبناً فاحشاً. أما الغبن اليسير فلا حرج. وفي الحقيقة كان يتعين على المؤلف ﵀ أن يقول: (غبناً فاحشاً). لأن هذا من صميم الحكم وليس من الزيادات أو الشروط أو الشروح. المهم أن العنصر الأول أن يتصرف في البيع والشراء ولا يغبن غبناً فاحشاً. ـ الثاني: أن يتصرف ولا يبذل ماله في المحرمات. والمحرمات: كل عمل حرمه الله. كأن يشتري الخمر أو يلعب القمار أو يشتري آلة اللهو أو يشتري ما يستمع به: آلة الغناء أو يسافر بقصد ارتكاب المحرمات أو يأخذ المال بقصد الربا به أو يستعمله في أي محرم. وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ولا يبذل ماله في حرام). ـ والعنصر الثالث: أن لا يبذله في غير فائدة. فيشترط للصلاح في المال أن لا يكون من الذين يبذلون أموالهم في غير فائدة. من ذلك: أن يشتري الشيء التافه بالمال العظيم. فهذا من الذين يبذلون أموالهم في غير فائدة. علم من كلام المؤلف ﵀ أن شراء الطعام والشراب والمسكن وما يتنقل عليه ليس من السفه والإسراف ولو زاد. ما لم يبلغ حداً معيناً سيذكره المؤلف ﵀ لكن الأصل أن توسع الإنسان في الطيبات ليس من الإسراف ولا من الأشياء التي يحجر عليه بسببها. - ثم قال ﵀: - ولا يدفع إليه: حتى يختبر قبل بلوغه بما يليق به (ولا يدفع إليه) يعني إلى الصغير ماله إلا بعد الاختبار. فإذا اختبرناه وتبين صلاحه ورشده دفعنا إليه ماله. والمؤلف ﵀: يقول: (بما يليق به). لأن اختبار كل واحد يختلف عن الآخر: فالصبي مثلاً يختبر بأن يعطى ما يبيع ويشتري به ويقلبه في الأسواق وننظر هل يغبن غبناً فاحشاً أو لا؟ وهل يشتري ما لا يناسب شرائه أولا؟ وينظر في تصرفه.

стр. 1689

ويعطى الشخص الذي ليس من عادته البيع والشراء أو من طبقة لم تعتد البيع والشراء يعطي مصروفه الخاص وينظر ماذا يعمل بهذا المصروف فإن أجاد العمل بالمصروف وأجاد توزيعه على حاجاته الأساسية حكم برشده. وتعطى المرأة ما تعطى عادة ربة المنزل وننظر في تصرف المرأة في هذا المال في داخل المنزل وشراء حاجات المنزل وما يحتاجه وتصريف الخدم من النساء وما يتعلق بهذه الأمور. الخلاصة: أن كل واحد يعطى بحسب طبيعة وضعه وينظر في تصرفه فإن تصرف تصرفاً حسناً حكمنا بأنه رشيد. - وقول المؤلف ﵀: - قبل بلوغه. فيه دليل على أن الأختبار قبل البلوغ لا بعد البلوغ ولا ننتظر إلى أن يبلغ ثم نختبره. والدليل على هذا من وجهين: - الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء/٦] فأمر بالابتلاء وسماهم يتامى فهو ابتلاء قبل البلوغ لأنه بعد البلوغ لا يسمى يتيماً. - الثاني: أنه يلزم من تأخير الابتلاء الحجر على بالغ رشيد. ولا يح [كم] على بالغ رشيد. وجه ذلك: أنه إذا أخر الاختبار فسيمكث فترة من الوقت وهي مدة الاختبار والطفل محجور عليه فهو في هذا الوقت محجور عليه وهو رشيد وبالغ ونحن نقول لا يجوز الحجر على البالغ الرشيد.= والقول الثاني: أنه يختبر وهي رواية عن الإمام أحمد - يختبر بعد البلوغ. والصواب إن شاء الله الرواية الأولى. وهي المذهب. - ثم قال ﵀: - ووليهم حال الحجر: الأب ثم وصيه ثم الحاكم. بدأ المؤلف ﵀ ببيان الأولياء فيقول ﵀: ووليهم حال الحجر: الأب. الأب هو الولي ولا ينازعه في الولاية أحد أبداً. والدليل على تقديم الأب من وجهين: - الوجه الأول: كمال شفقة الأب وحسن نظره للابن. - الوجه الثاني: القياس على النكاح. وفهم من هذه الأدلة أن الأب إذا لم يكن كامل الشفقة فإنه لا يكون الأحق بالولاية. كأن يكون مسرفاً أو شارباً للخمر أو صاحب قمار ويأخذ أموال اليتامى في ذلك. فحينئذ لا يكون هو صاحب ولاية لأنا نعلل تقديمه في الولاية: نعلل هذا بأنه كامل الشفقة. وهذا معدوم الشفقة. فالولاية ليست له في هذه الحال. أما لمن تكون؟ فسيأتينا. - ثم قال ﵀: - ثم وصيه.

стр. 1690

الولي في المرتبة الثانية: الوصي الذي أوصى به الأب. واستدلوا على هذا: - بأنه نائب الأب فهو يقاس على وكيله في الحياة. فإذاً: الولي بالمرتبة الأولى: الأب. ثم في المرتبة الثانية: الوصي. ثم في المرتبة الثالثة: - قال ﵀: - ثم الحاكم. قوله: (ثم الحاكم). فهو في المرتبة الثالثة لأن الولاية انقطعت من جهة القرابة فانتقلت إلى الحاكم. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أن الترتيب هكذا: الأب ثم الوصي ثم الحاكم. وأنه لا مدخل للجد في الولاية ولا للأم في الولاية ولا للعصبات كالأخ والعم في الولاية. هؤلاء لا مدخل لهم في الولاية مطلقاً وإنما نقول: الأب ثم الوصي ثم الحاكم. استدل الحنابلة على هذا التريب: - بأن الجد ... ((الأذان)). إذاً: تبين معنا أن الجد والأقارب والعصبات لا ولاية لهم. واستدلوا على عدم دخول الجد في الولاية: - بأن الجد يدلي بالأب فهو كالأخ. فكل منهما يدلي بالأب والأخ لا ولاية له. واستدلوا على عدم ولاية الأخ: - بأن هذه الولاية مالية تحتاج إلى كمال الشفقة ويخشى فيها من الخيانة. فلا [[يسلط]] عليها الأخ. = والقول الثاني: أن الولاية بعد الأب للجد وهو مقدم على الوصي ومقدم على الحاكم. بشرط أن يكون أهلاً للولاية أميناً يحسن التصرف. وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀ واختيار ابن قاضي الجبل والمرداوي وهو قول قوي. = والقول الثالث: أن للجد والأم والعصبات ولاية كلهم. يقدم الأكثر شفقة ونصحاً وحسن تصرف. وهذا ليس رواية عن الإمام أحمد ﵀ وإنما هو قول عند الحنابلة واختاره شيخ الإسلام بن تيمية. والراجح إن شاء الله أنه بعد الأب نختار الأصلح من هؤلاء الذي يقوم بمال الصبي على الوجه الأكمل. - ثم قال ﵀: - ولا يتصرف لأحدهم وليه إلاّ بالأحظ. لا يتصرف الولي إلا في حدود مصلحة مال اليتيم. فلا يجوز له أن يهدي ولا أن يتبرع ولا أن يعطي كما لا يجوز له أن يزيد في النفقة ولو بطلب اليتيم. - لعموم قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن). فإذاً ليس له أن يفعل هذه الأمور. / فإن أهدى أو تبرع أو زاد في النفقة أو أنفق على من لا تلزم اليتيم النفقة عليه: ضمن وجوباً.

стр. 1691

- لأنه وإن كان أميناً إلا أنه تعدى. والأمين إذا تعدى يضمن. - ثم قال ﵀: - ويتجر له مجاناً. فهم من العبارة أمرين: - الأمر الأول: أن الأحسن والأولى أن يتجر الولي بمال اليتيم وأن لا يتركه جامداً. وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف. واستدلوا على هذا: - بأثر عمر بن الخطاب ﵁: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة). = وذهب الحسن البصري فقط من السلف إلى أنه ينبغي تجميد المال وأن لا يتجر به. ولعله ﵀ خشي من ضياع المال. والصواب مع الجمهور لكن يشترط أن لا يضع المال إلا في مكان أمين من حيث المتجر به وأمين من حيث المستقبل التجاري للمال. أن لا يضعه في مشاريع خاسرة. فإذا تحققت الشروط فقولا الحنابلة: مقدم وهو الصواب إن شاء الله. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...

стр. 1692

الدرس: (٣٠) من البيع (١) - قال ﵀ (ويتجر له مجاناً). معنى هذه العبارة , أنه إذا اتجر لمن هو وليٌ عليه , فإنّ هذا الإتجار يكون مجاناً , أي فلا يأخذ نسبة المشاعة من الربح ولايأخذ أيضاً أجراً على عمله , بل يتجر مجاناً , واستدلوا على هذا بأنه من مهامه القيام على مال موليه ومن القيام عليه الإتجار. القول الثاني: أنه يتجر به وله نسبة مشاعة من الربح , واستدلوا على هذا بأنه إذا أعطى غيره وأعطاه نسبة مشاعة صح , فإذا اتجر هو وأخذ نسبة مشاعة صح أيضاً. القول الثالث: أنه لايأخذ نسبة مشاعة وإنما يأخذ أجرة واستدلوا على هذا بالقياس على أخذ عمال الزكاة الأجرة , فهم يأخذون الأجرة على تقسيم الزكاة. وهذا الأخير وهو أنه يأخذ أجراً, ولايأخذ نسبة مشاعة من الربح. إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهوأعدل الأقوال. - ثم قال ﵀ (وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح).

стр. 1693

أي ولوليّ الصبيّ ونحوه أن يدفع ماله لمن يتجر به وان يعطي من اتجر به جزءاً مشاعاً معلوماً من الربح , والدليل على هذا أنّ عائشة ﵂ فعلت أعطت مال ابي بكر لمن يتجر به , ولأنّ هذا العمل من القيام على مال الصغير , ومن رعاية مصالحه فجاز. وهذا لا إشكال فيه. تقدم معنا الخلاف في مسألة هل الأولى أن يتجر بمال الصبيّ ونحوه أو أن يتركه بلا اتجار تقدم معنا أنه لم يخالف من السلف إلاّ الحسن فقط. وأنّ الراجح إن شاء الله أنه يتجر بشرط أن يضعه في مجال مأمون وفي يد مأمونة. - قال ﵀ (ويأكل الوليٌ الفقير من مال موليّه). يريد المؤلف أن يبيّن حكم أخذ الولي من مال الصبي ونحوه. وهذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى" أن يفرض الحاكم أجراً معلوماً , فإذا فرض الحاكم له أجراً معلوماً , جاز أن يأخذ بالإجماع ولو كان غنياً , مادام أخذ بفرض الحاكم له. الصورة الثانية" ألاّ يفرض له الحاكم فعلى المذهب لايأخذ إلاّ إذا كان فقيراً , فإن كان غنياً لم يجز له أن يأخذ. والقول الثاني: أنّ له أن يأخذ وإن كان غنياً , لأنه يأخذ مقابل عمله , ومن يأخذ مقابل عمله فإنه لايشترط أن يكون فقيراً. والراجح مذهب الحنابلة. لقوله تعالى ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء/١] فالآية نصّ مع الحنابلة, أنّ الغنيّ يستعفف والفقير يأكل بالمعروف ومادامت الآية فرّقت بين الغني والفقير فلا يسع الإنسان الخروج عنها. فإذا تقررّ أنّ الفقير يأخذ مع حاجته سيبيّن المؤلف ماذا يأخذ. - قال ﵀ (الأقل من كفايته أو أجرته مجاناً). ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجاناً , الحنابلة يرون أنه يأخذ الأقل من كفايته وأجرته فإن كان الأقل الأجرة أخذ وإن كان الأقل الكفاية أخذ , مثال ذلك /إذا كانت كفاية هذا الرجل يعني المبلغ الذي يكفيه ويكفي مؤنته مائة ريال وأجرة مثله للقيام بمال الصبي خمسين ريال , فكم سيأخذ مع أنه لاتقوم بكفايته لكن هو يأخذ الأقل من أجرته وكفايته.

стр. 1694

استدل الحنابلة على هذا بأنّ ولي الصغير يأخذ بسببين: العمل والحاجة , فهو لايأخذ مقابل العمل وحده, ولايأخذ مقابل الحاجة وحدها وإنما يأخذ مقابل الاثنين في آن واحد , وإذا كان كذلك فلايأخذ إلاّ إذا وجدت العمل والحاجة. وهذا يدل على أنه يأخذ الأقل من كفايته أو أجرته. القول الثاني: أنه يأخذ أجرته كاملة , لأنّ الأخذ مقابل العمل فقط , والصحيح المذهب , وهو إختيار شيخ الإسلام. فإذا تبيّن أنه يأخذ بسببين , لابسبب واحد ولابد أن تتصور هذه المسألة, لأنه ينبني عليها مسائل أخرى فلابد أن يتضح في ذهنك الآن أنه يأخذ بسببين لابسبب واحد , والسببان هما الحاجة والعمل. - قال ﵀ (مجاناً). يقصدون بها أنه يأخذ ثم إذا أيسر وحسن حاله مادياً فإنه لايجب عليه أن يعيد ما أخذ من اليتيم أو من الصغير المحجور عليه. واستدلوا على هذا بأنه يأخذ مقابل عمله ومقابل حاجته , ومن أخذ مقابل عمله فإنه لايردّ ما أخذ إذا أيسر. والقول الثاني: أنه إذا أخذ من مال اليتيم ثم أيسر, يردّ كل ما أخذ من النفقة , لأنّ إنما أذِنّ له بالأخذ لحاجته , ومن أخذ لحاجته ردّ إذا أيسر , والراجح المذهب لايلزمه أن يرجع ما أخذه. والدليل أنّ الله سبحانه تعالى قال [فليأكل بالمعروف] ولم يذكر شرطاً سوى ذلك ولم تشر الآية من قريب أوبعيد إلى أنه إذا أيسر عاد بالمال. إذا تقرر هذا الحكم تبيّن معنا مسألة أخرى , وهي إذا كان يأخذ مقابل العمل والحاجة, أيهما أغلب على حاله؟ لأنه مارّد لو كان يأخذ مقابل الحاجة لغلبّنا قول الذين يقولون يردّ , لكن لما لم يردّ عرفنا أنّ الغالب على عقده أنه يأخذ مقابل عمله , لكن هذا لايعني أنه يأخذ مقابل العمل فقط بل هو يأخذ مقابل العمل والحاجة. مالدليل على أنه يأخذ مقابل العمل والحاجة , وليس مقابل العمل فقط؟ لأنّ الآية اشترطت لأخذه الحاجة إذاً هو يأخذ مقابل حاجته فدلت الآية مع الأصل الأول على أنه يأخذ مقابل العمل والحاجة , ودلّت في نفس الوقت على العمل غالب على العقد. - قال ﵀ (ويقبل قول الوليُ , والحاكم بعد فك الحجر في النفقة).

стр. 1695

هذه المسألة والمسائل التالية ترجع إلى أصل واحد , إذا عرفه الإنسان عرف حكم كل مسألة من المسائل التالية. وهذا الأصل هو أنه إذا أدعى اليتيم على الولي ما يؤدي إلى الضمان , أو ادعى تفريطاً, فالقول قول الولي , فإن كان الولي هو الحاكم فالقول قوله بلا يمين , وإن كان الولي غير الحاكم فالقول قوله لكن مع اليمين. إذاً القاعدة أنّ اليتيم إذا ادعى على الولي ما يوجب الضمان أو ادعى عليه التعدّي والتفريط , فالقول قول من؟ الولي. فإن كان هو الحاكم فالقول قوله بلا يمين , وإن كان سواه فالقول قوله لكن مع اليمين. هذه قاعدة وكل المسائل التالية تندرج تحت هذه القاعدة , الدليل على ذلك أنّ الولي يده يد أمانة وهو محسن ومن كانت يده يد أمانة , فإنه لا يضمّن والقول قوله. ثانياً" أنّ القول بتضمينه يؤدي إلى إمتناع الناس الأكفاء العدول عن القيام على أموال اليتامى , وهذه مفسدة وضرر. الآن تمهدت معنا القاعدة ننظر في الأمثلة. - يقول الشيخ ﵀ (ويقبل قول الوليُ , والحاكم بعد فك الحجر في النفقة). فإذا ادعى اليتيم أنه لم ينفق. وادعى الولي أنه أنفق , أو ادعى اليتيم أنه لم ينفق القدر الواجب , وادعى الولي أنه أنفق على الوجه المطلوب. فالقول قول الولي , ولايطالب ببيّنة , وهذا معنى قولنا القول قوله , وإنما يطالب فقط بماذا؟ باليمين. هذه هي المسألة الأولى. - قال ﵀ (والضرورة). يعني ويقبل قول الولي إذا ادعى أنه باع البيت للضرورة , فإذا اختلف هو واليتيم , وقال اليتيم بل بيع البيت بلا ضرورة , وقال الولي أن البيت لم يبع إلاّ بسبب الضرورة كالحاجة إلى النفقة الملحة فالقول قول الولي. فهمنا من هذه العبارة أنه لايجوز لولي اليتيم أن يبيع شيئاً من أملاك اليتيم إلاّ للضرورة. فإن باع بلا ضرورة ولو بثمن المثل ضمن ,

стр. 1696

والقول الثاني: أنّ ولي اليتيم له أن يبيع بالمصلحة ولو بلا ضرورة , لأنه قائم على مال اليتيم بما يصلحه , والبيع لمصلحة مما يصلح مال اليتيم. وهذا القول الثاني لاشك إن شاء الله أنه الراجح وعليه العمل. ولايقتصر البيع على الضرورة, بل إذا رأى المصلحة بأن يباع باع. مثال ذلك/ إذا كان ترميم البيت ليصبح للآجار يستغرق أموال اليتيم , ثم بعد ذلك يؤجر بمبلغ زهيد. فالمصلحة هنا البيع ولاتوجد ضرورة , لأنّ اليتيم له أموال يمكن أن ينفق عليه منها , فإذاً في هذا المثال البيع للمصلحة وليس للضرورة ولاشك أنه الأقرب يباع , لأنّ بيعه في هذه الصورة من مصالح اليتيم. المهم الراجح إن شاء الله هو أنه يريد أن يبيع إذا وجدت المصلحة ولو لغير ضرورة. - يقول ﵀ (والغبطة). أيضاً هذه المسألة اشتملت على مسألتين: الأولى. جواز البيع للغبطة , بخلاف المسألة السابقة. وجواز البيع مع وجود الغبطة قال عنه المرداوي بلا نزاع يعني في المذهب , وربما يكون بلا نزاع عند جميع أهل العلم , لأنّ هذا في صميم مصلحة اليتيم. والغبطة / هي أن يبيع بأكثر من ثمن المثل بكثير, بزيادة كثيرة نحو النصف أوالثلث. ومن الغبطة أن يبيع خشية الإنهدام أو التلف. عرفنا الآن أنّ الولي إذا باع أثاثاً أو متاعاً لليتيم غبطة جاز بلا نزاع. نأتي إلى المسألة التي هي تعنينا الآن وهي أنه إذا اختلف اليتيم والولي هل باع غبطة , أو باع بلا غبطة فالقول قول من؟ قول الولي. لأنّ قوله قول مؤتمن فيصدق بيمينه - ثم قال ﵀ (والتلف). يعني إذا تلفت العين , وتنازع اليتيم والولي , هل تلفت بتعدّي أوتفريط؟ أو اختلفوا في كون العين تلفت أو لم تتلف. فهاتان صورتان فالقول في جميع هذه قول الولي. ومن المعلوم أنه إذا ادعى أنّ العين تلفت فهو سيدعي تبعاً لذلك أنها تلفت بغير تعدّي ولاتفريط.

стр. 1697

لكن هاتان صورتان. فإذا قال اليتيم لم تتلف وإنما أكلها الولي وهي محسوبة عليه. أو قال لم تتلف وإنما اخذها الولي إلى حيث لايعلم وأشبه هذه الدعاوى فالقول قول الولي , كذلك إذا أقرّ اليتيم أنها تلفت لكن زعم أنه بتعدّي أوتفريط من الولي فالقول قول الولي لأنه يده يد أمانة وهو محسن كما تقدم معنا. قبل أن ننتقل إلى مسألة دفع المال لأنها تختلف نوعاً ما عن المسائل السابقة ,يشترط في جميع المسائل السابقة , وهي النفقة والضرورة والغبطة والتلف. أربع أو خمس مسائل, يشترط ألاّ يدعي شيئاً يكذبه الواقع. فإذا ادعى شيئاً لايقبل ويكذبه الواقع صار يجب عليه أن يثبت دعواه ببيّنة , ولانكتفي منه باليمين , لأنّ ظاهر الحال يكذب دعواه. مثال/ إذا تلفت الثمار جميعاً كل ثمرة في البستان تلفت زعم الولي أنّ كل ما في البستان من ثمار تلف يقصد ثمار السنة التي انتهت. ثم إذا قيل له كيف تم ذلك. قال أنه في السنة السابقة هجم جراد عظيم على البلد وأكل هذه الثمار , حينئذ إذا لم يكن معروفاً عند جميع الناس , أنه وجدت آفة الجراد , يلزم أن يقيم بيّنة على وجود الجراد , فإن لم يقم بيّنة على وجوده ضمن جميع الثمار , لأنّ دعواه يكذبها الواقع. من الأمثلة المعاصرة والتي قد تقع أن يحتاج الولي إلى بيع البيت, بيت اليتيم فلنقل للضرورة عند الحنابلة ثم لما باعه قيل له بكم بعت البيت فقال بعت البيت بخمسين ألف , وحرّج عليه ولم يأت أو لم يحصل البيت تحت الحراج إلاّ على هذا المقدار. ولما نظرنا وجدنا أنّ البيت قيمته السوقية نحو مليون ريال, حينئذ نرضى أنّ هذا الحراج لم يكن موجوداً أصلاً , لأنه كيف يتم الحراج على بيت قيمته مليون ولايشترى إلاّ بخمسين ألف. لأنّ عادة التجار وأصحاب العقار أن يتنازعوا على البيوت التي فيها حراج لغلبة الظن في نزول سعرها بسبب الحراج ,فأين هم عن هذا البيت الذي نقص فيه هذا الثمن العظيم من مليون إلى خمسين ألف. هنا نقول فإما أن تأتي ببيّنة أنك أقمت حراجاً معتبراً معلناً مع وجود أهل الإختصاص , وإلاّ فتضمن الفرق بين القيمتين. هذه الأمثلة المقصود منها أن تتصور الشرط. وإلاّ القاعدة العامة أن يدعي ما يكذبه الواقع.

стр. 1698

- ثم قال ﵀ (ودفع المال). المقصود بدفع المال أن يتنازع اليتيم والولي , في دفع المال فيقول الولي دفعت المال إلى اليتيم كاملاً , وقبضه قبضاً صحيحاً , ويقول اليتيم لم أقبض شيئاً , ولم يدفع إليّ المال , فالقول عند الحنابلة قول من؟ الولي. لأنّ يده يد أمانة. والقول الثاني: أنّ القول قول اليتيم في مسألة دفع المال. واستدلوا بدليلين: الدليل الأول" أنه في هذه المسألة بالذات الأصل عدم القبض. الدليل الثاني" أنّ الولي فرط , والمفرط يضمن , ووجه التفريط أنه لم يشهد. والله تعالى يقول ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء/٥] فأمر بالإشهاد عند دفع المال فخالف ففرط. والقول الثاني هو الصحيح. لأنه فرط في عدم الإشهاد المأمور به في الآية , وهذا الدليل هو الذي يرجح القول , وإلاّ قضية أنّ الأصل عدم الدفع دليل ضعيف لأنّ الأصل عدم التلف أيضاً. ليس الأصل في الأعيان التلف الأصل في الأعيان عدم التلف , فإذاً المرجح هو في الحقيقة التفريط. - قال ﵀ (وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له). إذا استدان العبد من الناس أموالهم , وهذا الإقتراض كان بإذن السيد. فالسيد يضمن ما على العبد , ويطالب به من الدائن , والسبب في ذلك , أنه لما أذن له غرّ الناس به , وإذا غرّهم ضمن. - قال ﵀ (وإلاّ ففي رقبته). وإلاّ يكن اقترض بإذن السيد ففي رقبة العبد. يعني تتعلّق الديون برقبة العبد ولاشأن للسيد بهذه الديون مطلقاً , فإذا تعلّقت الديون رقبة العبد فالسيد مخير بين أمرين: إما أن يبيع العبد ويقضي للناس , أو أن يفتدي العبد , فإذا اختار افتداء العبد فعليه أن يفتدي العبد بالأقل من قيمته أو الدين أو بالأكثر؟ الجواب بالأقل. صورة ذلك / أن يكون العبد استدان مائة ألف وقيمة العبد إذا بيع خمسون ألف , فكم يجب على السيد أن يدفع؟ خمسين ألف. إذا كانت الديون خمسين ألف , وقيمة العبد مائة ألف فكم يجب على السيد أن يدفع؟ خمسين ألف. والباقي للسيد. لاشأن للدائن به

стр. 1699

الصورة/ عبد استدان خمسين غألف ريال , بدون إذن السيد فتعلّق الدين برقبته , فاختار السيد أن يفتديه. فالآن قيمة العبد مائة ألف وقيمة الدين خمسين ألف , فإذا باع السيد العبد سيقضي الدائن بخمسين ألف , ويتبقى معه خمسين ألف فتكون له. المقصود أنه يفتدي العبد بالأقل من الدين أو قيمة العبد. المثال الموضح لقضية الأقل , هو المثال الأول وإنما المثال الثاني للتوضيح ذكرته , المثال الأول وهو أن تكون قيمة العبد أقل من الدين حينئذ نقول إذا أراد السيد أن يفتدي العبد فإنه يدفع فقط قيمة العبد, وإن لم تكفي الدين. إذاً يفتديه إذا اختار الإفتداء بالأقل من القيمة أو الدين. القول الثاني: أنه لاشأن للسيد بدين العبد ولو بلا إذنه , ويتعلق الدين برقبة وذمة العبد, بل صواب العبارة يتعلق بذمة العبد. فإذا عتق وأيسر الزمناه بالسداد , إذاً القول الثاني أنّ العبد إذا استدان بلا إذن السيد تعلق الدين بذمته لابرقبته , فإذا عتق وأيسر الزمناه بماذا؟ بالسداد. واستدلوا على هذا بأنه تصرف من العبد لم يأذن به السيد, فيبقى في ذمته إلى أن يتمكن من السداد. وهذا القول ضعيف جداً لأنه يؤدي إلى ضياع أموال المسلمين. إذ بناء على ذلك يقوم العبد بالإقتراض مراراً وتكراراً , وتكون هذه الديون معلقة بماذا؟ بذمته وينتفع السيد من هذه الأموال لأنه سيتسلط عليها , لأنّها أموال العبد وبهذا تضيع أموال الناس. ومتى يعتق العبد ثم متى يكون عنده يسار ومال حتى يسدد الناس هذا غاية في البعد , وليس الغالب على الرقيق العتق. وإنما الغالب أن يستمر , المهم هذا القول الأخير ضعيف جداً. والمذهب هو الراجح إن شاء الله. - قال ﵀ (كاستيداعه وأرش جنايته , وقيمة متلفه).

стр. 1700

أي أنّ هذه المسائل الثلاث حكمها ما إذا استدان بلا إذن السيد , فتتعلق الجنايات والأروش والودائع برقبة العبد , ونفعل فيها كما فعلنا في المسألة السابقة تماماً , نخيِر السيد بين البيع والإفتداء على ماتقدم بنفس التفصيل تماماً , إذاً هذه المسائل الثلاث استيداعه وأرش جنايته وقيمة متلفه. حكمها حكم ماذا؟ حكم القروض التي تمت بلا إذن السيد. فالحكم متفق لما تقدم ذكره , وتقدم معنا أن قوله كا استيداعه مبني على أنّ الحنابلة يرون الوديعة مضمونة , وسيأتينا في باب الوديعة حكم ضمان الوديعة. وبهذا انتهينا من الحجر. باب الوكالة - يقول الشيخ ﵀ باب الوكالة. الوكالة في اللغة العربية /اسم من التوكيل , ولها في لغة العرب معنيان لاتخرج باقي الاشتقاقات عنهما في ما يظهر لي. الأول" الحفظ فالوكيل على الشيء هو الحفيظ. والثاني" الإعتماد والتفويض. فتوكيل شخص لشخص ما هو في الحقيقة اعتماد وتفويض إليه بالأعمال. وهي مع الله من أعظم وأجل العبادات , بل نقل عن شيخ الإسلام أنه قال تأملت فلم أرى أنفع من طلب إعانة الله على عبادته. وهذا صحيح لأنه إذا طلب الإنسان إعانة الله على رضاه وعبادته حصل المقصود , وأماّ من العبد يعني الوكيل فهي برّ وإحسان. وإن كانت بأجرة فهي بر وإحسان من الموكّل , وإن كانت بأجرة مع حاجة الوكيل والموكّل فلا بر ولا إحسان من الجميع كل واحد بحاجة الآخر. وأما في الشرع /فهي استنابة جائز التصرف فيما يجوز فيه التوكيل , أو فيما تجوز فيه النيابة. وبعضهم يقول استنابة الغير وهو أخصر وأوضح. لكن استخدام كلمة جائز التصرف يعطي دلالة على أنّ الوكيل لابد أن يكون جائز التصرف. وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أماّ الكتاب فقوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾ [التوبة/٦٠] والعامل على الزكاة موكل سواء كان بأجرة أو مجاناً. وأماّ من السنة فأحاديث كثيرة أوضحها حديث عروة بن جعد ﵁ في البخاري أنّ النبي ﷺ أعطاه ديناراً وأمره أن يشتري شاة. فهذا توكيل محض. وأماّ الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم. وهو أنهم أجمعوا على مشروعيتها بالجملة.

стр. 1701

- قال ﵀ (تصح بكل قول يدل على الإذن). أي أنّ الوكالة عقد من العقود يحتاج إلى ايجاب وقبول , ولايتم إلاّ بايجاب وقبول لكن الوكالة تصح عند الحنابلة بكل قول يدل عليه فلا يشترط أن يقول وكلتك , فلو قال اعتمد عليك في انجاز العمل أو فوضت إليك اتمام العمل , أو قم بصنع كذا وكذا , بأيّ عبارة تدل على المقصود يصح عقد الوكالة ويكون هذا ايجاب. ولماّ بيّن الشيخ الإيجاب انتقل إلى القبول. - قال ﵀ (ويصح القبول على الفور والتراخي). يجوز أن يقبل فوراً ويجوز أن يقبل متراخياً , فإذا قبل فوراً جاز بالإجماع , كأن يقول وكلتك فيقول قبلت. أويقول وكلتك في صنع كذا وكذا فيشرع في العمل مباشرة , أما على التراخي فله صور: الصورة الأولى" أن يقول الموكِل للموكل وكلتك وأنت غائب قبل شهر, فيقول قبلت يعني الوكيل. فالآن الإيجاب صدر قبل كم؟ شهر. والقبول بعد شهر. الصورة الثانية" أن يقول وكلتك في بناء البيت. والوكيل حاضر ولايقبل ثم بعد سنة يقبل ويبدأ ببناء البيت. ففي الصورة الأولى لم يعلم الموكل بالإيجاب أصلاً إلاّ بعد شهر , وفي الصورة الثانية علم ولكنه لم يقبل إلاّ متراخياً بعد سنة مثلاً. الجميع جائز عند الحنابلة. لأنّ التوكيل عبارة عن إذن في التصرف فمادام الإذن قائماً جاز أن يقبل في أيّ وقت , والصحيح أنّ هذا يرجع للعرف فإن كان العرف يدل على أنه إن بدأ بالعمل بعد الإيجاب مباشرة , وإلاّ فهو منتقل فليس له أن يقبل بعد مدة ثم يشرع في العمل. والعرف يدل على أنه غالباً إذا لم يقبل مباشرة فإنه ليس له أن يقوم بما وكل به, فليس من المقبول في الأعراف المعاصرة أن أقول لشخص وكلتك في بيع هذه السيارة ثم لايبدي ايجاباً ولارفضاً ثم بعد خمسة أشهر بدون علم الموكِل يأتي بمشتري ويقول هذه السيارة أنا موكل ببيعها ويبيعها عليه ويأتي بحامل السيارات ويحمل السيارة ويذهب, هذا غير مقبول في العرف مطلقاً, بل يرى الموكِل أنّ الموكل لماّ لم يبدي ايجاباً ولاقبولاً ولارفضاً, فإنه انتهى التوكيل بعد مفارقة المجلس. إذاً الراجح نرجع في هذا إلى العرف. فإن دلّ العرف على الإستمرار وإلاّ فهو ملغي.

стр. 1702

- قال ﵀ (بكل قول أو فعل دال عليه). يعني يصح القبول بكل قول أو فعل يدل على القبول لأنه ليس في نصوص الكتاب ولا السنة ما يدل على تحديد ألفاظ معيّنة بالقبول فما دام قبل صح القبول وتم العقد بأيّ لفظ كان لعدم وجود الدليل الشرعي على التحديد. قال ﵀ (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه). بدأ الشيخ المؤلف في مسائل مهمة بعد أن انتهينا من قضية الإيجاب والقبول , بدأ بمسألة متى يجوز للإنسان أن يُوكل ومتى يجوز له أن يتوكل , فيقول من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه. من له التصرف في شيء يعني بنفسه , كل إنسان يجوز له أن يتصرف هذا التصرف فله أن يوكل غيره به وله أن يقبل توكيل غيره له الدليل على هذا. أنّ من لا يملك التصرف في نفسه , لايملك أن ينيب غيره فيه , وهذا صحيح بناء على هذه القاعدة الجميلة عند الحنابلة تعرف أنت الآن إذا قيل لك هل يجوز للمحجور عليه لسفه أن يوكل غيره في البيع والشراء لماذا؟ لأنه هو يملك التصرف حيث تقدم معنا أنّ تصرفه باطل. هل يجوز للعبد أن يوكل غيره في بيع متاع سيده؟ لأنه هو لا يملك. إذا اتضح الآن من خلال هذه الأمثلة معنى القاعدة وهي قاعدة جميلة تريح الإنسان في قضية من هو الشخص الذي أو الموضوع الذي يجوز أن نتوكل أو أن نوكل فيه. - قال ﵀ (ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود). يجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود , يجوز أن يوكل في جميع أنواع العقود , واستدل الحنابلة على هذا , بدليل وتعليل: الدليل" حديث عروة بأنّ النبي ﷺ وكله في عقد البيع , ونحن نقيس على عقد البيع كل العقود الأخرى المضاربة والشركة والإجارة ,. وعقد النكاح وكل العقود التي تتعلق بحق الآدمي , إذاً الدليل هو هذا الحديث ونحن نقيس على مافيه من توكيل في البيع سائر العقود الأخرى.

стр. 1703

الدليل الثاني" وهو دليل صحيح أنّ الحاجة تدعوا إلى هذا وأحياناً الضرورة. وكل عمل تمس الحاجة إليه والضرورة فإنّ الشارع لايمنع منه. وهذه قاعدة من قواعد شيخ الإسلام. لكن يبقى علينا تحقيق هل هذا مما تدعوا له الحاجة أو لا. لكن القاعدة لاشك فيها أنّ كل عمل تدعوا إليه الحاجة أو الضرورة فإنّ الشارع لايمنع منه. إذاً عرفنا الآن يقول ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود عرفنا أنّ هذه العبارة تدل على جواز البيع وقيس عليه عقود المعاوضات وتدل على جواز عقود النكاح وما يتعلق به. - ثم قال ﵀ (والفسوخ). الفسوخ كالخلع والإقالة , فالخلع فسخ عند الحنابلة والإقالة فسخ وتقدمت معنا , وأنه هو الراجح إن شاء الله أنّ الإقالة فسخ وليست ببيع جديد. - يقول ﵀ (والعتق والطلاق). العتق هو تحريررقبة الآدمي من العبودية , والطلاق سيأتينا , الدليل على هذه العقود الثلاثة الفسوخ والعتق والطلاق , هو أنه إذا جاز التوكيل في إنشاء هذه العقود ففي فسخها من باب أولى. لأنّ الإنشاء في الشرع أعظم من الفسخ. فالفسخ أسهل من الإنشاء ولهذا إنشاء عقد النكاح يحتاج إلى شروط وولي وشهود ومهر ويحتاج إلى أشياء كثيرة ليتم , الطلاق لايحتاج إلى أيّ شيء, فأيهما أسهل إنشاء النكاح أوفسخه؟ إذاً جاز الإنشاء فالفسخ من باب أولى. - قال ﵀ (والرجعة). الرجعة إعادة المطلقة الرجعية إلى عصمة الرجل. تجوز يعني يجوز التوكيل فيها , يجوز أن يقول زيد لعمرو وكلتك في مراجعة زوجتي لماذا؟ قالوا قياساً على البيع , ولأنّ الحاجة تدعوا إليه , لكن ربما يقال ما وجه الحاجة لأنّ الإنسان يستطيع أن يراجع بلا شهود وبلا حضور الزوجة وبلا حضور الولي فما الفائدة في أن يقول لغيره وكلتك في مراجعة زوجتي , الفائدة وهي موجودة كثيراً أن يريد أن تتم هذه المراجعة في حضرة ولي الزوجة وفي حضرة شهود ليثبت هذا الأمر , وهذه مصلحة مندوبة إليها في الشرع , إذاً توجد حاجة. وبهذا شمل الشيخ ﵀ تقريباً جميع أنواع العقود. - قال ﵀ (وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).

стр. 1704

يعني ويجوز أن يوكل الإنسان غيره في تملك المباحات , فيقول له وكلتك أن تأتي لي بحطب , أوبحشيش من البَر. وهذا هو مذهب الحنابلة واستدلوا على هذا بأنّ الإحتطاب وجز الحشيش من وسائل التملك المباحة , التي لاتتعيّن على المتملّك فجازت الإنابة فيها وهذا صحيح الإحتطاب وسيلة من وسائل التملك , كما أنّ الشراء وسيلة من وسائل التملك , كما أنّ الهبة وسيلة من وسائل التملك. فإذا كان الإحتطاب من وسائل التملك جاز أن يوكل غيره فيه. والقول الثاني: أنه لايصح التوكيل في تملك المباحات , بناء عليه يكون الحطب للمحتطب , لا للموكل , واستدلوا على هذا بأنه كيف يسوغ للإنسان أن يوكل غيره في تملك عين لم يتملكها هو بعد , وإلى هذا القول الثاني مال الشيخ المرداوي. ورأى أنّ التوكيل في المباحات غير صحيح , والراجح إن شاء الله في تصوري بلا تردد المذهب. والسبب أنّ هذا عقد معاوضة مباحة لا ضررفيه وفيه نفع للطرفين فأيّ مانع منه , أيّ شيء يمنع هذا , ثم قد يكون في هذا التوكيل مصلحة واضحة جداً. مثل أن يريد المُوكَل أن يبُرالموكِل ومثل أن يريد الموكِل أن يبُر الموكَل , وذلك إذا كان الناس يثقون في الموكِل دون الموكَل. حينئذ يكون الموكِل هو الذي برَ الموكَل فالراجح إنشاء الله جواز ذلك. - قال ﵀ (لا الظهار). بدأ في الأشياء ﵀ التي لا يجوز التوكيل فيها , قال ولا الظهار يعني ولا يجوز للإنسان أن يوكل غيره في أن يظاهر من زوجته لماذا؟ لأنه هو لا يملك هذا التصرف لأنه محرم , ومن لا يملك التصرف لايملك أن ينيب غيره فيه , هذا التعليل فقهي أما لماذا لايملك التصرف فلأنه جور وقول بهتان , وحرمه الله ورسوله. - يقول الشيخ ﵀ (واللعان). لا يجوز أن يوكل شخص شخصاً آخر في أن يلاعن زوجته , فيما لو احتاج إلى اللعان , نسأل الله العافية والسلامة , فلا يجوز أن يقول وكلتك أن تلاعن زوجتي , لماذا؟ لأنّ اللعان يمين, والأيمان كما سيأتينا لا يجوز التوكيل فيها. - يقول ﵀ (والأيمان).

стр. 1705

يعني لا يجوز للإنسان أن يوكل غيره في الأيمان , بأن يقول وكلتك أن تحلف عني , تعليل قالوا أنّ الأيمان تتعلق بعين الشخص وتتعلق بذاته فهي من هذه الجهة تشبه العبادات البدنية المحضة. فلا تجوز الوكالة فيها. وبعد أن عرفنا حكم الظهار واللعان والأيمان. سيتبيّن لنا أنّ الترتيب فيه خلل , أين الخلل؟ الأيمان قبل اللعان , لأنّ اللعان المنع منه مبني على المنع من الأيمان. - قال ﵀ (وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات). رجع الشيخ إلى مايجوز فيه التوكيل , فيقول وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات , يعني ويجوز للإنسان أن يوكل غيره في كل حق تدخله النيابة من العبادات , لكن بقي علينا أن نعرف ما هي العبادات التي تدخلها النيابة , والعبادات التي لاتدخلها النيابة. العبادات التي تدخلها النيابة / هي العبادت المالية كالزكاة والصدقات والكفارات ونحوها ,وكذلك العبادات المالية البدنية كالحج والعمرة , وأما العبادات التي لا تدخلها النيابة البدنية, القسمة ثلاثية إما أن تكون عبادة مالية, أو مالية بدنية, أو بدنية. فالبدنية لا يجوز فيها التوكيل , فلا يجوز لأحد أن يوكل غيره أن يصلي عنه الظهر أو أن يصوم عنه رمضان ونحو ذلك , إذاً العبادات البدنية لا يجوز التوكيل فيها , أما المالية والمالية البدنية فيجوز. بقينا في مسألة الدليل على الحكم وهوجواز التوكيل في العبادات , لأنّ الأصل في العبادة أن يقوم الإنسان بها بنفسه , الدليل على الجواز فيما يجوز فيه التوكيل ,أنّ النبي ﷺ كان يوكل السعاة والجباة في جلب الزكاة , فدل على أنّ هذه العبادة يجوزالتوكيل فيها. - قال ﵀ (والحدود إثباتها واستيفائها). يعني ويجوز للإمام أن يوكل غيره في أمرين. في إثبات الحد واستيفائه, فإذا وكل غيره بذلك جاز ويعتبر أقام حدود الله , الدليل على جواز ذلك أنّ النبي ﷺ قال لأنس (واغد يا أنيس إلى إمرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فقوله فإن اعترفت هذا توكيل في الإثبات , وقوله فارجمها توكيل في استيفاء الحد , والحديث نصّ في جواز ذلك. - قال ﵀ (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه).

стр. 1706

ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه , ومقصود الحنابلة , أي فيما جرى العرف أن يقوم به بنفسه , حينئذ لا يجوز له أن يوكل , واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول أنّ الوكالة أمانة , فيجب أن يقوم بما عليه بنفسه. الثاني" أنّ إذن الموكِل لم يتناول أن يوكل غيره فلا يجوز أن يخرج عن حدود الإذن. والقول الثاني: أنه يجوز أن يوكل غيره , واستدلوا على هذا بتعليل وهو قولهم أنه أي الموكل لما ملك التصرف ملك أن يوكل فيه كالمالك الأصلي. والأقرب أنه يرجع في ذلك إلى العرف. فإن لم يوجد عرف فالصحيح المذهب أنه لايوكل غيره , لأنّ للموكل نظر في إختيار الموكَل , فإذا وكل غيره أسقط هذا النظر. - يقول ﵀ (إلاَّ أن يجعل إليه). يعني إلاّ أن يأذن الموكِل للموكَل أن يوكل غيره , فإذا أذن جاز بإجماع أهل العلم بلا خلاف. كما أنه إذا اشترط عليه ألاّ يوكل حرم عليه بالإجماع بلا خلاف بين أهل العلم , إذاً في صورة إذا أذن أو إذا نصّ على المنع لا إشكال وإنما الإشكال والخلاف إذا أطلق ولم يحدد. - قال ﵀ (والوكالة عقد جائز تبطل: بفسخ أحدهما). الوكالة عقد جائز وليست من العقود اللازمة, بلا نزاع عند الحنابلة واستدلوا على هذا بأنّ عبارة عن إذن في التصرف , والإذن يصح رفعه. وهذا صحيح. أنها عقد جائز وليست بعقد لازم , يقول تبطل بفسخ أحدهما, هذا من ثمرة أنه عقد جائز فإذا فسخه انفسخ سواء من الموكِل أو الموكَل , لكن سيأتينا مايترتب على الفسخ بلا علم الموكَل , وهي مسألة مهمة. - يقول ﵀ (وموته). اتفق الأئمة على أنه إذا مات الموكِل انفسخ عقد الوكالة , هذا إذا علم الموكَل بموته , الإتفاق إذا علم الموكَل بموته, أما إذا لم يعلم فهي المسألة التي ستأتي بعد هذا , والله أعلم ..

стр. 1707

الدرس: (٣١) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا بالأمس أن الوكالة تبطل بأمور: ذكرنا منها أمس اثنين: - الأول: بفسخ أحدهما. - والثاني: بموته. تقدم معنا أن بطلان الوكالة بالموت محل إجماع. بشرط أن يعلم بموت الموكل. فإن لم يعلم فسيأتينا إن شاء الله - اليوم - الحكم. - يقول ﵀: - وعزل الوكيل. يعني: وتبطل الوكالة بعزل الموكل للوكيل. فإن علم الوكيل بالعزل: بطلت إجماعاً. كما أنه إذا علم بموت الموكل: بطلت إجماعاً. وإن لم يعلم الوكيل بعزله أو بموت الموكل ففيه خلاف: = فعلى المذهب: تبطل أيضاً. ولهذا تجد أن عبارة المؤلف ﵀ مطلقة لم تقيد بالعلم أو عدمه. واستدل الحنابلة على بطلان الوكالة ولو لم يعلم: - بأن هذا - وهو إبطال أو عزل الموكل للوكيل فسخ للعقد مع من لا يشترط رضاه. فلا يشترط علمه كالطلاق. معنى هذا: أن الوكيل لا يشترط أن يرضى بعزل الموكل له. وكل عقد لا يشترط رضا أحد طرفيه فلا يشترط علمه كما في الطلاق. فللزوج أن يطلق زوجته بلا رضاها فكذلك بلا علمها. = والقول الثاني: أنه يشترط العلم بالموت والعزل. فإن لم يعلم الوكيل فكل تصرفاته قبل العلم صحيحة. واستدل هؤلاء: - بأن في إمضاء العزل بلا علم المعزول - وهو الوكيل - ضرر بالغ على الوكيل وعلى البائع أو المشتري الذي تعامل معه إذ قد يشتري الطعام فيؤكل أو يشتري الجارية فتوطأ فإذا أبطلنا العقد دخل الضرر على الوكيل وعلى البائع. وهذا القول الثاني هو الراجح. وأنه يجب على الموكل إذا أراد أن يعزل أن يخبر الوكيل بأنه عزله حتى لا يقدم على تصرف بعد العزل فيقع البائع والوكيل والموكل في إشكال. فإذاً: الراجح إن شاء الله هو ما ذكرت لك. - ثم قال ﵀: - وحجر السفيه. يعني وتبطل الوكالة إذا أصبح الوكيل سفيهاً وحجرنا عليه. - لأنه خرج بذلك عن أهلية التصرف. وتقدم معنا: القاعدة المهمة: (وهي أن من لا يتصرف لنفسه لا يتصرف لغيره). وعلم من قول المؤلف ﵀: (لسفه) أن من حجر عليه لفلس فلا تبطل الوكالة. لأن من حجر عليه بفلس ما زالت أهلية التصرف فيه كاملة وصحيحة فيما عدا الأموال المعينة التي بيده فقط. ولهذا تقدم معنا جواز تصرف المحجور عليه لفلس في ذمته. فإذاً هو ما زال من أهل التصرف المعتبر والمصحح شرعاً. - ثم قال ﵀:

стр. 1708

- ومن وكل في بيع أو شراء: لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده. ضبطها المحقق: (وَكَّلَ) والصواب: (وُكِّلَ). فتعدل. من وُكِّلَ في بيع أو شراء لم يجز له أن يبيع ولا أن يشتري مع ولده ولا مع نفسه - أو مع نفسه ولا مع ولده - ولا يجوز كذلك أن يتعامل كل من لا تقبل شهادته له. إذاً إذا وكل الإنسان ببيع سلعة مثلاً فإنه لا يجوز أن يبيع لا على نفسه ولا على ولده ولا على كل من لا تقبل شهادته له. الدليل: - أنه إذا باع على نفسه تنافى الغرضان. ومعنى هذا: أنه في هذه الصورة إما أن يراعي مصلحة نفسه لأنه هو المشتري أو يراعي مصلحة موكله لأنه ائتمنه على بيع السلعة. وكيف سيراعي الأمرين في وقت واحد. - الدليل الثاني: أن هذا التصرف محل تهمة. - الدليل الثالث: أنه ينافي مقتضى إطلاق التوكيل. لأن التوكيل المطلق ينصرف إلى البيع على غير نفسه. = والقول الثاني: أنه يجوز أن يبيع على نفسه أو على ولده أو على أخيه أو على أبيه أو على كل من لا تقبل شهادته له بشرطين: - الشرط الأول: أن يزيد على الثمن في بيع المزايدة. - الشرط الثاني: أن يتولى النداء غيره. والراجح: المذهب. ولا يجوز أن يبيع أو يشتري إلا بإذن خاص مسبق من الموكل لتبادر التهمة إلى من فعل ذلك. ولهذا تجد أن من يبيع أو يشتري على نفسه من مال موكله يحب أن لا يعلم الموكل أنه قام بهذا العمل مما يدل على أنه إثم. - ثم قال ﵀: - ولا يبيع بعرض. يعني: لا يجوز إذا وكل في بيع سلعة أن يبيعها مقابل عرض بل يشترط أن يكون البيع مقابل النقد. وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم. واستدلوا على هذا: - بأن الموكل إنما وكله في البيع المعروف. والبيع المعروف: ما يكون بالنقد. = والقول الثاني: أن له أن يبيع بما شاء من نقد أو عرض. واستدلوا على هذا: - بأنه وكله في البيع والبيع بعرض: بيع. فدخل مطلق التوكيل. والراجح: الأول. لأن المتبادر في التوكيل ببيع السلع أن تكون بالنقد فلا يجوز مطلقاً أن يبيع بعرض إلا بإذن خاص من الموكل. - ثم قال ﵀: - ولا نساء. يعني: ولا يجوز أن يبيع بثمن مؤجل.

стр. 1709

والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تماماً. من حيث القائلين والأدلة والترجيح. فلا حاجة لإعادة القول. بناء على هذا: لا يجوز لمن أعطي سلعة أن يبيعها أن يبيع بثمن مؤجل ولو كان بأكثر من ثمن المثل بأضعاف مضاعفة ولو كان فيه الحظ لصاحب السلعة لأن التأجيل في حد ذاته يعتبر خروجاً عن البيع المعروف وفي مضرة لا سيما لمن أراد المال نقداً لينتفع به في الحال. فإنه في هذه الصورة لا ينتفع من المؤجل مهما بلغت قيمة المؤجل وزيادته على ثمن الحال. - ثم قال ﵀: - ولا بغير نقد البلد. لما تقدم: من أن إطلاق التوكيل ينصرف إلى نقد البلد. وإذا أراد أن يبيع بغير نقد البلد فعليه أن يستأذن. بناء على هذا: لا يجوز لمن كان في السعودية ووكل في بيع سيارة أو سلعة أن يبيع بغير الريال السعودي ولو كان من غير السعوديين. لأن النقد في هذا البلد ينصرف عند إطلاق التوكيل إلى هذه العملة. وإذا أراد أن يبيع أو يشتري بغير هذه العملة فإنه يستأذن من الموكل. وكذلك إذا كان في مصر فلا يجوز إلا بالجنيه. وإذا كان في الأردن فلا يجوز إلا بالدينار وهكذا بحسب كل عملة بلد. كما أن الموكل إذا باع بغير نقد البلد ربما تعذر صرف هذه العملة وربما صرفت بثمن منخفض مما يؤدي إلى النزاع والتشاحن فلا يجوز البيع إلا بنقد البلد. - ثم قال ﵀: - وإن باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدره له ... صح وعليه النقص. = فالحنابلة يرون: أن البيع صحيح. وسيأتينا دليلهم. لكن مع ذلك على الوكيل أن يضمن النقص. واستدلوا على هذا: - بأن من وكل في البيع فإن المتبادر إلى الذهن أن يبيع بمثل ثمن المثل لا بأقل. ورأى الحنابلة أنه يتجاوز عن النقص اليسير الذي يتغابن الناس بمثله وما عداه فإن الوكيل يضمن النقص. واختلفوا في كيفية تحديد النقص. ـ فذهب أكثر الحنابلة: إلى أنه الفرق بين قيمة المثل وثمن البيع. ـ والقول الثاني: أنه الفرق ... بين ما يتغابن به الناس وما لا يتغابن به الناس. وغالباً ما سيكون الفرق بين القولين: يسير. = القول الثاني: صحت البيع ولا يضمن الوكيل شيئاً من النقص.

стр. 1710

- لأنه وكله في البيع وهو باع. ولا يستغرب في عرف الأسواق أن تباع الساعة بأقل من ثمن المثل. = القول الثالث: أن حكم البيع حكم بيع الفضولي فإن أجازه الموكل وإلا لم يصح. واستدل هؤلاء: - بأنه باع بيعاً لم يؤذن له فيه. ومن تصرف تصرفاًَ لم يؤذن له فيه فحكمه حكم بيع الفضولي. وهذا القول الأخير هو الصحيح إن شاء الله. تنبيه:/ تقدم معنا أن الحنابلة يتجاوزون عن الغبن اليسير الذي يتغابن به الناس في مسألة بيعه بمثل ثمن المثل. لكنهم لا يتجاوزون هذا التجاوز إذا خالف وباع بغير ما حدده البائع. وأنت تلاحظ أن المؤلف ﵀ ذكر مسألتين: ـ المسألة الأولى: بدون ثمن المثل. ـ والمسألة الثانية: بدون ما قدره له الموكل. فالخلاف في المسألتين واحد. الفرق فقط في أن الحنابلة يتجاوزون عن الغبن اليسير في الأولى ولا يتجاوزون عن أي مقدار في الثانية. لأن مخالفة تحديد الموكل مخالفة صريحة للإذن في التوكيل. ولذلك لم يتجاوزوا مطلقاً في المسألة الثانية. ولو كان الفارق يسيراً بل عليه أن يدفع الفارق: أي: الوكيل. - ثم قال ﵀: - أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له. أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو بأكثر مما قدره له. عكس الصورة السابقة: الصورة السابقة توكيل في البيع والصورة الثانية توكيل في الشراء. فإذا قال له: اشتري لي سيارة وأعطاه مواصفات السيارة وكان ثمن المثل فيها مائة ألف واشتراها بمائة وعشرين ألفاً فهذا المقدار مما لا يتغابن به الناس فعليه أن يضمن النقص عند الحنابلة. ولو قال له: خذ هذا المبلغ - أو اشتري لي سيارة بالمبلغ الفلاني ولو لم يعطه إياه وخالف فإنه يضمن الفرق سواء صار الفرق كبيراً أو صغيراً. إذاً التفصيل في هذه المسألة كالتفصيل في المسألة السابقة تماماً بلا اختلاف. - قوله ﵀: - صح. صححوا البيع وتقدم معنا الخلاف في المسألة وقررنا أنهم يصححون البيع ويلزمونه بالفرق وأخذنا دليل الإلزام بالفرق. لكن نريد الآن أن نأخذ دليل صحة البيع. فقالوا دليل صحة البيع: - أن من جاز له أن يبيع بثمن المثل جاز له أن يبيع بأقل وبأكثر وإنما نلزمه بالفرق فقط. - يقول ﵀:

стр. 1711

- وضمن النقص. يعني: بالبيع. - قال ﵀: - والزيادة. يعني: في الشراء. إذاً بهذا تم ما يتعلق بمسألة إذا اشترى أو باع وخالف في ثمن المثل أو خالف ما حدده الموكل. وهذا كثير بين الناش. يقول له: اشتري لي الغرض الفلاني فيما بين السعر هذا أو السعر هذا. يحدد له الأدنى والأعلى ثم أحياناً يخالف الوكيل - وأحياناً نصحاً للموكل - لأنه رأى فرصة ينبغي استغلالها. لكن مع ذلك إذا صنع هذا العمل فعليه أن يضمن النقص عند الحنابلة. وتقدم أن الراجح أن حكم بيعه حكم بيع الفضولي. - ثم قال ﵀: - وإن باع بأزيد .. صح. وإن باع بأزيد صح البيع. - لأنه زاده خيراً وثمناً. فيصح البيع ولا إشكال. - ثم قال ﵀: - أو قال: ((بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلاً)) فباع به حالاً. أو قال: ((بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلاً)) فباع به حالاً: صح البيع. - لأنه نفع ظاهر للبائع. فإذا قال له: بع هذه السيارة بمائة ألف مؤجلة واستطاع الوكيل ان يبيع بمائة ألف حالة. فهذا فيه زيادة خير لمن؟ للبائع الذي هو الموكل. فالبيع صحيح. وسيأتينا دليل المسائل الثلاث. المسألة الثالثة: - قال ﵀: - أو ((اشْتَرْ بِكَذَا حَالاً)) فاشترى به مؤجلاً، ولا ضرر فيهما: صح وإلاّ فلا. أو قال: اشْتَر لي بِكَذَا حَالاً فاشترى له به مؤجلاً. فإذا قال له اشتر لي سيارة بمائة ألف حالة واستطاع بفطنته وخبرته أن يشتريها بمائة ألف مؤجلة فهذا التأجيل زيادة نفع للمشتري الذي هو في هذه الصورة: الموكل. فهنا البيع صحيح. - لأنه زاده خيراً. لكن استثنى المؤلف ﵀ في المسائل الثلاث عدم وجود الضرر كما سيأتينا: الدليل على صحة هذه البيوع: - حديث عروة بن الجعد. فإنه زاد النبي ﷺ خيراً بأن اشترى الشاة بدينار ثم باعه بدينارين. واشترى بأحدهما شاة فرجع إلى النبي ﷺ بديناره وشاة. وأقره النبي ﷺ لأن هذا زيادة خير وفضل للموكل فدل الحديث على صحة البيع في المسائل الثلاث. - ثم قال ﵀: - ولا ضرر فيهما: صح وإلا فلا.

стр. 1712

ظاهر عبارة المؤلف ﵀ أن الضرر يستثنى في المسألة الثانية والثالثة فقط. إذ لا يتصور الضرر في المسألة الأولى. فإذا صار في هذا البيع ضرراً على البائع أو ضرراً على المشتري في المسألة الثانية والثالثة فإن البيع لا يصح. والضرر يتصور جداً في المسألتين: * * فإذا قال له: بع هذه السلعة مؤجلة وباعها حالة بنفس الثمن ربما دخل الضرر على البائع بسبب أنه لا يريد أن يكون في يده نقود مجتمعة لأنه معتاد على إتلاف النقد فهو يريد أن يبيع مؤجلاً ليأتيه الثمن مقسطاً ويستطيع أن يصرف منه في أطول فترة ممكنة. فهذا فيه مضرة ظاهرة. فإذا وجدت المضرة فإن البيع لا يصح. هذا ظاهر كلام المؤلف ﵀. = والقول الثاني: أن البيع صحيح. ويضمن الوكيا الاختلاف - ما نقول النقص ولا الزيادة - ولكن نقول الاختلاف. وتكون هذه المسألة حكمها حكم المسألة السابقة تماماً: إذا اشترى بأكثر مما حدد له أو بأكثر من ثمن المثل. فالخلاف في تلك المسألة يأتينا في هذه المسألة تماماً. وهذا القول الثاني - أن حكم هذه المسألة هو حكم المسألة السابقة: هو المذهب. أي أن الحنابلة لا يبطلون البيع وإنما يعاملونه معاملة المسألة السابقة: يلزمونه بالنقص أو الزيادة أو الاختلاف مع تصحيح العقد. وهذا القول الثاني هو الصحيح. وبهذا نكون انتهينا من الفصل الأول من باب الوكالة. ثم ننتقل إلى الفصل الثاني. فصل [في ما يلزم الموكل والوكيل] - قال ﵀: - وإن اشترى ما يعلم عيبه: لزمه إن لم يرض موكله. إذا اشترى الوكيل سلعة يعلم أن فيها عيباً. فالحكم أن السلعة تلزم هذا الوكيل. ومعنى أنها تلزم الوكيل: أي لا يستطيع أن يردها عن البائع ولا يستطيع أن يلزم بها الموكل. أما الرد على البائع: فلا يستطيع أن يفعل ذلك: لأنه اشترى على علم بالعيب. ومن اشترى على علم بالعيب سقط عنه خيار العيب. ولا يستطيع أن يلزم بها الموكل: لأنه إنما أمره بشراء سلعة سليمة. وهو اشترى سلعة معيبة وهو عالم. - يقول ﵀: - إن لم يرض موكله. فإن رضي الموكل بالسلعة مع وجود العيب فيها: صح. وصار هو المالك مباشرة. ولا نحتاج أن نجري عقداً آخر - جديد - بين الوكيل والموكل.

стр. 1713

والسبب في ذلك: أنه إنما اشترى في الأصل لمن؟ للموكل. فلما رضي وقبل دخلت في ملكه مباشرة. وبهذا عرفنا أحكام شراء السلعة المعيبة مع العلم بالعيب. وقلما إن شاء الله أن يقع مثل هذا من الموكل وربما وقع إذا رأة أن مصلحة الموكل تقتضي شراء السلعة ولو كانت معيبة: إما لندرة هذه السلعة أو لانخفاض الثمن مع إمكان إصلاح هذا العيب. حينئذ في هذه الصورة ليس من المروءة أن يرد الموكل تصرف الوكيل. فإن رد فهذا حق من حقوقه وله شرعاً أن يرد مهما كانت نية الوكيل صالحة. - ثم قال ﵀: - فإن جهل: رده. أفادنا المؤلف ﵀ أن الوكيل له أن يرد السلعة. - لأنه يقوم مقام الموكل. والموكل له أن يرد بالعيب فللوكيل أن يرد بالعيب. فإذا رده هو أو الوكيل: صح الرد وبرئت ذمة الموكل والوكيل. وعلم من كلام المؤلف ﵀ أن الوكيل إذا اشترى سلعة معيبة لا يعلم بعيبها فالعقد صحيح. لكنه يملك خيار (((البيع))) [[كذا: ولعلها: العيب]]. وله أن يرد هو أو الموكل. - ثم قال ﵀: - ووكيل البيع: يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة. الوكيل في البيع مخول شرعاً في تسليم السلعة دون استلام الثمن. فإذا وكل زيد عمرا ببيع سلعة معينة فلعمرو أن يبيع السلعة وأن يسلم السلعة للمشتري. لكن ليس له عند الحنابلة أن يقبض الثمن. واستثنى الحنابلة من هذا الصورة إذا علم من واقع الحال أنه وكله بتسليم السلعة وقبض الثمن. كأن يكون المشتري في سوق يخرج عنه إلى خارج البلد مما يعني عدم إمكانية أخذ الثمن بعد ذلك. فإذا دلت القرائن على أنه وكله بتسليم سلعة وقبض الثمن ولم يقبض الثمن فهو مفرط وعليه الضمان. ((مرة أخرى:: تقرير مذهب الحنابلة: أن الوكيل إذا وكل في بيع سلعة فهو من صلاحياته أن يبيع السلعة أي أن يجري العقد وأن ((يطبق)) المشتري السلعة لكن ليس له أن يأخذ الثمن، إلا في حالة واحدة: إذا دلت القرائن على أن الموكل أراد منه قبض الثمن - كما في المثال الذي ذكرت - فإن لم يفعل فهو مفرط وعليه الضمان)). الدليل على هذا التفصيل: ـ قالوا: أما أن على الوكيل تسليم السلعة فدليل ذلك:

стр. 1714

- أنه وكله بالبيع. والبيع لا يتم إلا بذلك. أي: لا يتم إلا بتسليم السلعة. فصار من أعمال الوكيل بمقتضى الوكالة: تسليم السلعة. ـ أما أنه لا يستلم الثمن: - فلأنه ربما كان الموكل يأمنه على تسليم السعة ولا يأمنه على قبض الثمن. فلا يجوز له أن يقبض الثمن. = القول الثاني: - وهو أضيق من هذا القول - أن الوكيل ليس له أن يقبض الثمن مطلقاً إلا بالإذن الصريح ولو دلت القرائن على أن له أن يقبض الثمن. فإن قبضه بغير إذن صريح فهو متعد. = والقول الثالث: أن له أن يقبض الثمن إذا دلت الأعراف والقرائن على أن مثله يقبض الثمن. وهذا القول الأخير هو الصحيح إن شاء الله. وفيما أفهم من أعراف اليوم أن من السلع من جرى العرف أن الوكيل يقبض مباشرة لا سيما مع زهادة المبيع. ومن السلع ما جرى العرف أنه لا يقبض الثمن لا سيما إذا كان الثمن مرتفعاً جداً فحينئذ ليس له أن يقبض. المهم أنه حسب العرف. - ثم قال ﵀: - ويسلم وكيل الشراء: الثمن. فإذا وكل خص شخصاً أن يشتري وأعطاه الثمن فإنه يسلم الثمن للبائع. لكن ليس له أن يقبض: السلعة. وله أن يسلم الثمن لأن مقتضى الشراء تسليم الثمن ولا يتم إلا بذلك. فصححنا تسليم الثمن. وليس له أن يقبض السلعة: لما تقدم معنا في المسألة السابقة. ولا يخفى عليكم إن شاء الله أن الخلاف واحد. والمسألتان هما: - شراء الوكيل. - وبيع الوكيل. شراء الوكيل: يعني: قبضه السلعة. وبيع الوكيل: قبضه الثمن. عاتان المسألتان الخلاف فيهما: واحد. - قال ﵀: - فلو أخره بلا عذر وتلف: ضمنه. يعني: إذا أعطى زيد مبلغاً من المل ليشتري. فأخر عمرو تسليم المبلغ بعد إتمام العقد. فإنه يضمن. والسبب في ضمانه أنه مفرط. وتقدم معنا أن التفريط ترك ما يجب. والتعدي فعل ما لا يجوز. وأنهما من أسباب ضمان اليد الأمينة, فكل يد حكمنا عليها بأنها يد أمانة تضمن في التعدي والتفريط. أيهما أشد: التعدي أو التفريط؟ التعدي: لأن التعدي فيه فعل موجب. يعني هو تقدم وتعدى. أما التفريط فهو فعل: سالب. فهو ترك فقط ما يجب عليه. - ثم قال ﵀: - وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً. فإن وكله ببيع فاسد فباع صحيحاً: فالبيع باطل.

стр. 1715

مثاله: إذا قال له اشتر لي خمراً أو خنزيراً أو آلة لهو. ثم اشترى حصاناً أو بقرة أو شاة فالبيع فاسد. سبب الفساد: أنه وكله في شيء واشترى شيئاً آخر فهو فعل فعلاً لم يؤذن له فيه. فإذاً إذا وكل أحد أحداً في بيع فاسد فالبيع فاسد مطلقاً سواء اشترى ما وكل به أو اشترى شيئاً آخر صحيحاً. لأنه إن اشترى ما وكل به فقد اشترى شيئاً فاسداً فالبيع باطل. وإن اشترى غيره فالبيع باطل أيضاً عند الحنابلة لماذا؟ لأنه فعل ما لم يؤذن له فيه. = القول الثاني: أن البيع صحيح. - لأنه إذا وكله في شراء فاسد فالصحيح من باب أولى. والصحيح: المذهب: لأن عقد البيع والتوكيل يقوم على مبدأ الرضا والرضا معتبر. ونحن نلوم الموكل على أنه وكله بشراء فاسد لكن نحفظ له حقه في أن لا يشترى له إلا ما يرضاه. بهذا تعلم أن الحنابلة توازنوا جداً في هذه المسألة مع العلم أنه قد يتبادر إلى الذهن أن التوازن هو تصحيح شراء ما يصح شرائه. والواقع أن الحنابلة هم الذين توازنوا بإبطال البيع مطلقاً. - ثم قال ﵀: - أو وكله في كل قليل وكثير. إذا وكله في كل قليل أو كثير فالوكالة باطلة. وما ينبني عليها من تصرفات أيضاً باطلة. صورة المسألة:/ أن يقول: وكلتك في كل قليل أو كثير من شؤوني. وكالة مطلقة مفتوحة. فشملت الوكالة: أن يشتري ويبيع في جميع أملاكه. ان يوقف جميع أملاكه. أن يعتق جميع عبيده. ان يطلق جميع نسائه. أن يتزوج له أربع نسوة .. أليس كذلك!؟ أليست هذه العقود تقدم أنه يدخلها الوكالة وهو أعطاه وكالة مفتوحة تماماً. دليل البطلان: - أن هذا العقد يتصف بالغرر الفاحش والضرر الكبير. وأحد العبارتين لا يغني عن الآخر. أحياناً يكون في العقد غرر ولا يكون فيه ضرر. لكن هذا العقد فيه غرر وفيه ضرر. وفيما أفهم أن كتاب العدل اليوم لا يمضون هذه الوكالة وهذا من حسن التصرف لأنه قد يأخذ الإنسان أحياناً الحماس والعاطفة والمحبة لشخص فيقوم بتوكيله هذه الوكالة المفتوحة ثم يندم بعد ذلك أشد الندم. فما يفعله اليوم كتاب العدل من الامتناع عن التوكيل بهذه الصفة هو عين المصلحة. - قال ﵀: - أو شراء ما شاء. إذا وكله في شراء ما شاء فالوكالة باطلة ولا تصح.

стр. 1716

وصورة المسألة/ أن يقول وكلتك في شراء شيء: إذهب إلى السوق واشتري لي شيئاً. ماهو الشيء؟ لم يحدد العين لا من حيث الجنس ولا من حيث العين. فالوكالة باطلة. لأن في هذا أيضا غرر كبير وقد يكون فيه ضرر وقد لا يكون. بحسب ما يشتري. إذاً: نقول في هذا العقد غرر ظاهر واضح. والنبي ﷺ في هذا الحديث الجامع المانع: نهى عن الغرر. - قال ﵀: - أو عيناً بما شاء ولم يعين: لم يصح. أي طلب منه أو وكله أن يشتري له شيئاً معيناً. ولذلك يقول: (عيناً) أي حدد الذي حدد الذي يشتريه - العين التي تشتري. لكنه لم يحدد الثمن فقال إشتر هذه العين بما شئت. فالعقد باطل ولا يصح. - لأنه ربما زاد في الثمن في هذه السلعة زيادة فاحشة مما يدخل الضرر والنزاع بين الاثنين: الموكل. والوكيل. هكذا قرر الحنابلة حكم هذه المسألة. وفي الحقيقة الضرر في هذه المسألة أخف من الضرر في المسألة السابقة. ومن الضرر في المسألة التي قبلها. لأنه في الغالب الموكل لا يقول لأحد اشتر لي هذه السلعة مهما بلغت إلا وهو يتصور نطاق ثمن هذه السلعة لا سيما إذا كانت منخفضة السعر. ولا يريد أن يحدد ثمناً لئلا تفوته السلعة مع أن الاختلاف يسير. فمثلاً: لا يريد أن يقول: اشتر لي هذه السلعة بمائة ريال ثم تباع بمائة وريال. هو يريد أن يخرج من هذا المأزق فيقول: اشتر لي هذه السلعة وهو يعلن أن هذه السلعى لن تزيد عن حد معين مهما كان. وسعر هذه السلعة معروف في السوق. فالمنع من هذه الصورة - بالذات: الذي ذكرت - فيه نظر. إلا أنه مع ذلك تحتاج المسألة إلى ضبط. فلو يقال: أن التوكيل في شراء عين بلا تحديد السعر يجوز في المحقرات والأشياء اليسيرة. ويمنع في الأشياء الكبيرة: لكان هذا القول متوافق إن شاء الله مع الشرع وفيه فسحة للناس وبعد عن التضييق عليهم وفي نفس الوقت بعد عن الأضرار الشرعية من وجود الغرر أو وجود الضرر. - ثم قال ﵀: - والوكيل في الخصومة لا يقبض. معنى العبارة: أنه إذا وكل شخص شخصاً في الخصومة فليس من صلاحياته أن يقبض بعد انتهاء الخصومة. استدل الحنابلة على هذا:

стр. 1717

- بأن الإنسان قد يوكل غيره في الخصومة لكونه يتقن الخصومة ويعرف البينات والأدلة. ولكن لا يريد منه أن يقبض. لأحد سببين: ـ السبب الأول: أنه لا يأتمنه على ثمن العين محل الخصومة. ـ والسبب الثاني: يخشى أن يموت الخصم فتنتقل العين إلى الورثة وهو يحب بقاء العين مع الورثة ولا يريد التضييق على الورثة. فهو لهذين الأمرين وكله في الخصومة دون القبض. = والقول الثاني: أنه إذا وكله في الخصومة ودلت القرائن والأعراف على أن مثله يقبض فإنه يقبض. وربط هذه المسائل بالأعراف هو الصحيح. لأنه ليس في النصوص وصف تفصيلي للأحكام فنرجع إلى عرف الناس إذ سيتعامل الناس غالباً على وفق العرف. - قال ﵀: - والعكس بالعكس. فإذا وكله في القبض فله أن يخاصم. واستدلوا على هذا: - بأن القبض لا يتم إلا بالخصومة. ((الأذان)). إذاً يقول المؤلف ﵀: والعكس بالعكس. فإذا وكله بالقبض ملك الخصومة. واستدلوا على هذا: - أن القبض لا يتم إلا بالخصومة. يعني: إلا بعد الخصومة. وبهذا فرق الحنابلة بين هذه المسألة والمسألة السابقة. = القول الثاني: أنه إذا وكله في القبض فإن هذا لا يعتبر توكيلاً بالخصومة إلا إذا علم الموكل من دلالة الحال أن القبض لن يكون إلا بعد خصومة. كأن يعلم الموكل أن المدين مماطل أو جاحد أو يتهرب فحينئذ إذا وكله في القبض فهو توكيل في الخصومة. وهذا القول الثاني هو الصحيح. أن التوكيل بالقبض ليس توكيلاً بالخصومة مطلقاً. بل ربما كره الموكل أن يخاصم الوكيل الدائن وقال له: إنما وكلتك بالقبض فقط. فهذا القول الثاني: هو الصحيح وهو أقوى من المذهب. وعليه عمل الناس. إذ ليس التوكيل في القبض توكيل مباشر بالخصومة. هذا أمر ظاهر. - ثم قال ﵀: - و ((اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ)) لا يقبض من ورثته. يعني: وإذا قال الموكل للموكل اقبض حقي من زيد. فهذا ليس توكيلاً بقبض الحق من الورثة. - لأنه إنما وكله بقبض الحق من زيد ونص عليه. فلا تتجاوز الوكالة زيد. - ولأنه رما كره أن يطالب الورثة بالدين بعد موت المدين. = والقول الثاني: أن التوكيل بالقبض من زيد توكيل بالقبض من ورثته.

стр. 1718

وعلى هذا العمل. أنه إذا وكل شخص بمطالبة زيد ثم مات فله أن يطالب الورثة. وهذا القول هو الصحيح. وعلى الموكل إذا أراد من الوكيل أن لا يطالب أن يبين ذلك في الوكالة. لأن هذا خلاف المعهود وخلاف العرف. - ثم قال ﵀: - إلاّ أن يقول: ((الَّذِي قَبْلَهُ)). أي: إلا أن يقول الموكل اقبض ديني الذي قبل زيد. يعني: الذي عند زيد. - لأن هذا اللفظ يتناول ما إذا كان الدين عند زيد أو عند الورثة لأنه يريد أن يقبض الدين الذي قبل هذا الشخص. وهذا يتساوى فيه المدين والورثة. ففرق الحنابلة بين العبارتين. لأن العبارة الثانية: تركز على الدين. والعبارة الأولى: تركز على قبضه من زيد. فالحنابلة عندهم دقة في ألفاظ التوكيل لأنه سبق معنا أنه عقد من العقود المعتبرة. - ثم قال ﵀: - ولا يضمن وكيل الإيداع: إذا لم يشهد. يعني: إذا وكل زيد عمراً أن يودع هذه السلعة عند آخر. فأودعها ولم يشهد. فإن الوكيل لا يضمن ولو ترك الإشهاد. استدل الحنابلة على هذا: - بأن هذا الإشهاد لا فائدة منه. لأن المودَع لا يضمن مطلقاً. - ولأن قول المودَع مقبول دائماً. = والقول الثاني: أن الوكيل إذا أودع ولم يشهد فهو ضامن. واستدلوا على هذا: - بأن هذا الاشهاد ينتفع منه فيما إذا نسي المودَع. فإذا نسي المودَع وكان المودِع أشهد نفعت الشهادة. وهذا القول الثاني هو الصحيح. والمذهب في هذه المسألة: ضعيف. ففي ترك الإشهاد تفريط ظاهر. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابة أجمعين ...

стр. 1719

الدرس: (٣٢) من البيع قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - قال ﵀: - (فصل). هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لبيان غالب أحكام الضمان بين الوكيل والموكل. ولذلك بدأ بقاعدة الباب: - فقال ﵀: - والوكيل أمين: لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط. هذه هي القاعدة أن الوكيل: أمين لا يضمن إلا بالتفريط. = وعند الحنابلة لا يضمن إلا بالتفريط ولو كان وكيلاً بأجرة أو بجعل. فعدم الضمان مطلقاً ما لم يفرط. واستدلوا على هذا: - بأنه - أي الوكيل - يقوم مقام المالك., والتلف في يد المالك لا يوجب ضماناً لأنه تلف في يد المالك فكذلك التلف في يد الوكيل. وهذا التعليل صحيح. وهذا هو تعليل القول بأن يده يد أمانة. - قال ﵀: - إلا بلا تفريط. يعني: أو تعدي. وإنما اقتصر على التفريط لأنه أقل من التعدي. فإذا كان يضمن بالتفريط فبالتعدي من باب أولى. ولذلك اقتصر عليه المؤلف ﵀. قبل أن نتجاوز المسألة السابقة: هذا الحكم المذكور فيها هو قاعدة الأعيان المقبوضة بيد أمانة: كالأب والوصي والمضارب والشريك. وكل من يده يد أمانة. فهي في الحقيقة قاعدة تشمل جميع الذين تعتبر أيديهم يد أمانة وهذا الحكم ينطبق عليهم. - ثم قال ﵀: - ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه. يعني: ويقبل قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي. ويقبل قوله أيضاً في التلف. فإذا ادعى الوكيل أنها تلفت وادعى الموكل أنها باقية. فالقول قول الوكيل. واستدلوا على هذا بأمور: - الأمر الأول: أن يده يد أمانة. - الأمر الثاني: أنا لو ألزمنا الوكيل بالبينة لكنا ألزمناه بأمر يتعذر ولأدى هذا إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس. (لأنا لو ألزمناه بالبينة لألزمناه بأمر يتعذر غالباً ولأدى ذلك إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس). - الأمر الثالث: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر). فهذه الأدلة مجتمعة تدل على قوة ما ذهب إليه الحنابلة. وهو: أن قوله مقبول في نفي التعدي والتفريط وفي وجود التلف. - يقول ﵀: - مع يمينه. يعني: أنه يقبل لكن مع اليمين. لأمرين: - الأول: الحديث: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهو منكر الآن فعليه اليمين. - الثاني: احتمال صدق الموكل. * * مسألة/ فإن اختلف الوكيل والموكل في رد السلعة أو الثمن إلى الموكل: = فعند الحنابلة أيضاً القول قول الوكيل بشرط أن يكون وكيلاً مجاناً. فإن كان وكيلاً بأجرة فالقول قول الموكل. واستدلوا على هذا: - بأنه إذا كان وكيلاً بأجرة فقد قبض المال لمصلحة نفسه فضمن.

стр. 1720

= والقول الثاني: أن القول قول الوكيل مطلقاً. - لأنه وإن أخذ أجرة فما زالت يده يد أمانة. كالمضارب. فالمضارب يأخذ كما سيأتينا مقابل عمله - ولا نقول أجره وإنما هو جزء من الربح - مع ذلك يده يد أمانة ولا يضمن. والأقرب والله اعلم ان الوكيل لا يضمن ولو كان بأجره مطلقاً. فإن هذا هو المتوافق مع حقيقة وضع الوكيل ولا يخرجه عن ذلك أنه يأخذ أجرة مقابل عمله. - ثم قال ﵀: - ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو: لم يلزمه دفعه إن صدقه. يعني: إذا ادعى شخص أنه وكيل لزيد في القبض من عمرو وصدقه عمرو فإنه لا يلزم عمرو أن يعطيه الدين. وعلم من المثال أن الدائن زيد والمدين عمرو. إذاً: إذا ادعى أنه وكيل زيد في قبض الدين وصدقه عمرو فإنه لا يلزمه مع أنه مصدق أن يدفع إليه ماله. التعليل: - قالوا: التعليل أنه ربما أنكر زيد فرجع الحق في ذمته. يعني في ذمة المدين. وهو عمرو في المثال. واستثنى الحنابلة من هذا الحكم ما إذا أتى ببينة على أنه وكيل لزيد فحينئذ يلزم عمرو أن يدفع له الدين لأنه لا توجد تبعه على عمرو مهما حصل لأنه أثبت الأمر ببينة. إذاً عرفنا الآن أنه إذا صدقه لا يلزمه أن يعطيه. = والقول الثاني: أنه إذا ادعى أنه وكيل لزيد وصدقه عمرو فيجب أن يعطيه - يجب أن يقبضه الدين. - لأنه صدقه. والراجح: المذهب. لأن المدين قد يصدق أنه وكيل لزيد لكنه لا يثق بزيد فيحتمل أن ينكر وإن كان فعلاً أرسل هذا الوكيل. ولهذا لا يلزمه وإن صدق. - ثم قال ﵀: - ولا اليمين إن كذبه. يعني: ولا يلزم عمرو في المثال اليمين إن كذب وكيل زيد. لماذا؟ - قالوا: لأن هذا اليمين لا فائدة منها. وجه ذلك: أن الفائدة من اليمين في جميع الدعاوى القضاء عليه حين النكول. وفي هذه الصورة إذا نكل عن اليمين فسنقضي عليه بأن الوكيل صادق. وتقدم معنا أنه إذا صدقه لا يلزم أن يعطيه الدين.
следующие страницы →