Полный текст (2 909 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
= والقول الثاني: أن الصلاة بالأماكن المغصوبة محرمة والمصلي آثم لكن الصلاة صحيحة.
- لأن النهي عن الصلاة فيها لا يتعلق بذات الصلاة وإنما يتعلق بالبقعة. أي: بأمر خارج عن الصلاة.
ولذلك فإنه لا يجوز للغاصب أن يصلي ولا أن ينام ولا أن يأكل ولا أن يشرب في البقعة المغصوبة فهو أمر لا يتعلق بالصلاة.
وهذا القول الثاني هو الذي تدل عليه الأدلة.
•
ثم قال ﵀:
وأسطحتها.
أسطحة هذه الأماكن المذكورة تستوي معها في الحكم: أنه لا يجوز أن نصلي فيها.
= واستدل الحنابلة على ذلك:
- بأن القاعدة الشرعية تقول أن الهواء تابع للقرار. هواء الشيء تابع له. فما فوق هذه الأماكن تابع لها وهي لا يجوز أن يصلى فيها فكذلك ما فوقها.
= والقول الثاني: جواز الصلاة فوق هذه الأماكن.
- لأن النص لا يتناول هذه الأماكن.
- ولعموم قوله ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
= والقول الثالث: صحة الصلاة في أسطحة هذه المواضع ما عدا المقبرة.
- لأن العلة التي نهي عن الصلاة في المقبرة من أجلها موجودة في الصلاة على سطح المقبرة. وهي: خشية التعظيم ووقوع الشرك.
وهذا القول الثالث هو الصواب.: أن الصلاة في أسطح هذه الأماكن جميعاً جائز ما عدا المقبرة.
• ثم قال ﵀:
وتصح إليها.
أي: أن الصلاة تصح إلى هذه الأماكن.
- لعموم قول النبي ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).ومن صلى في أرض أمامه أحد هذه الأماكن فقد صلى في أرض طاهرة.
= والقول الثاني: أنها تصح الصلاة إلى هذه الأماكن ما عدا المقبرة والحمام والحش.
- لقول النبي ﷺ : (لا تصلوا إلى المقابر ولا تجلسوا عليها).
وأما الحش فليس - في الحقيقة - في المسألة دليل ولكن فيها عدد كبير من الآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ .
وتقدم معنا مراراً أن طالب العلم يجب أن يعظم الآثار المروية ويقف عندها ويستدل بها لا سيما إذا لم يكن نص في الباب.
= القول الثالث: تجوز الصلاة إلى هذه الأماكن جميعاً ما عدا المقبرة فقط دون الحش والحمام.
- لعدم الدليل عليها.
والقول الراجح: الثالث.
стр. 317
والثاني هو: الأحوط الذي يتعين فيه الحذر والإحتياط فيمن يصلي إلى الحش أو إلى الحمام.
لكن أن نبطل صلاة من صلى إلى الحمام - في الحقيقة - لا يجرؤ الإنسان إبطال الصلاة تماماً وليس في الباب نصوص واضحة لكن الإحتياط فيها متعين لوجود الآثار الكثيرة عن أصحاب النبي ﷺ .
• ثم قال ﵀:
ولا تصح الفريضة في الكعبة.
المؤلف ﵀ استمر في الكلام عن المواضع التي يصلى فيها والتي لا يصلى فيها.
فتعرض إلى الكعبة:
= يقول ﵀: لا تصح الصلاة الفريضة خاصة في الكعبة.
التعليل:
- قالوا: لأن المصلي في الشيء لا يعتبر مصلياً إليه والواجب أن نصلي إلى الكعبة.
- ثانياً: أن النبي ﷺ صلى النافلة في الكعبة ثم خرج وقال: (هذه القبلة) وهذا في البخاري.
فالحديث دل على أن جميع البناية - بناية الكعبة برمتها تعتبر قبلة ومن صلى في الداخل فقد صلى إلى جزء منها.
- ثالثاً وأخيراً: لم يثبت أن ﷺ صلى الفريضة داخل الكعبة.
= القول الثاني: أن صلاة الفريضة في الكعبة صحيحة.
بدليل:
- أن النبي ﷺ صلى فيها النافلة والصلاة النافلة تستوي مع الفريضة في كل شيء إلا بدليل مخصص صحيح ولا يوجد.
والراجح من هذهين القولين: القول الأول.
سبب الترجيح: أن ابن عباس ﵁ راوي حديث (هذه القبلة) فهم من الحديث هذا الفهم ولذلك أفتى بأنه لا يجعل المصلي - يعني: للفريضة - شيئاً من الكعبة خلف ظهره ومن صلى في داخل الكعبة فقد جعل جزء من الكعبة خلف ظهره.
فهذا الفهم من هذا الفقيه الكبير ابن عباس يرجح القول بإنه لا تصلى الفريضة داخل الكعبة وأيضاً مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
•
ثم قال ﵀:
ولا فوقها.
يعني: لا يجوز أن نصلي الفريضة على سطح الكعبة.
والدليل على هذه المسألة:
- الإجماع. فقد حكى الإمام أحمد ﵀ أنه أجمع الفقهاء على عدم صحة صلاة من صلى على سطح الكعبة - الفريضة.
وتقدم معنا مراراً أن الإمام أحمد ﵀ من المتثبتين في حكاية الإجماع.
• ثم قال ﵀:
وتصح النافلة باستقبال شاخص منها.
стр. 318
أي: أنه يجوز أن يصلي الإنسان داخل الكعبة إذا:
- كانت الصلاة نافلة.
وبشرط آخر:
- أن يستقبل شاخصاً من الكعبة.
فإان صلى داخل الكعبة ولم يستقبل شاخصاً منها فإن الصلاة: لا تصح.
التعليل:
- قالوا: أن الواجب في الصلاة استقبال القبلة وهي الكعبة وهذا لم يستقبل شيئاً منها.
= [القول] الثاني: أن الواجب استقبال شاخص من الكعبة حتى ولو هدمت فكيف بها وهي قائمة.
بدليل: - أن عبد الله بن الزبير لما هدم الكعبة ليعيد بنائها أمره عبد الله بن عباس ﵄ أن ينصب أخشاباً ويجعل عليها الستور ليستقبلها الناس.
فدل هذا على أن الصحابة كانوا يرون أنه لا بد للمصلي من استقبال شاخص من الكعبة أو بدلها إذا لم توجد.
وهذا القول هو الصواب.
لكن من يذكر لنا صورة لمن يصلي داخل الكعبة ولا يستقبل منها شاخصاً؟
- الصورة هي: من يصلي إلى باب الكعبة وهو مفتوح.
لكن متى تقع هذه الصورة: والمهم أنها إذا وقعت فإنه لا تصح الصلاة.
طبعاً: مسائل الصلاة داخل الكعبة مسائل قليلة الوقوع لكن فقهها من التقرب إلى الله باعتباره من العلم.
•
ثم قال ﵀:
ومنها: استقبال القبلة.
أي: ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة.
فإن صلى إلى غير القبلة مع العلم والقدرة فقد بطلت صلاته.
الدليل على هذا الشرط:
- ما أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: للمسيء صلاته (ثم استقبل القبلة فكبر) هذا لفظ البخاري.
فهذا نص على وجوب استقبال القبلة.
- الدليل الثاني: الإجماع فقد أجمع الفقهاء على وجوب استقبال القبلة في الصلاة وأن من تركه عامداً قادراً بطلت الصلاة.
• ثم قال ﵀:
ومنها: استقبال القبلة فلا تصح بدونه.
أي: أن الاستقبال شرط للصحة.
والأدلة الدالة على أنه شرط للصحة هي:
- الأدلة السابقة.
- ويضاف إليها لتأكيد أنها شرط للصحة قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة/١٤٤].
والمقصود بالمسجد الحرام بالآية: الحرم.
ثم قال ﵀: مستثنياً من هذ الحكم العام وهو وجوب الاستقبال: مسألتين:
• فقال ﵀:
إلا لعاجز ومتنفل.
стр. 319
العاجز عن استقبال القبلة يسقط عنه هذا الشرط.
ومن أمثلة العاجز:
- المريض الذي لا يستطيع أن يتحول إلى القبلة ولا يوجد من يحوله.
- أو المربوط الذي لا يستطيع انفكاكاً.
- أو في شدة الحرب. فإنه إذا صلى الإنسان صلاة الخوف في شدة الحرب لم يلزمه إذا لم يستطع استقبال القبلة.
الدليل:
لهذه المسألة أدلة خاصة وعامة:
- فالأدلة العامة:
- قوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن/١٦].
- وقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)
- وأما الدليل الخاص:
- فما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵁ أنه قال: - في الصلاة في شدة الخوف -: (فصلوا إلى القبلة وإلى غير القبلة). قال نافع: - راوي الحديث عن ابن عمر - ولا أُرَاه قاله إلا عن النبي ﷺ .
إذاً تقرر بهذا أإن شرط الاستقبال يسقط عند العجز وأن العجز له صور متعددة.
• ثم قال ﵀:
ومتنفل راكب سائر في سفر.
هذا هو النوع الثاني الذي يسقط فيه الاستقبال وهو: المتنفل المسافر.
ويسقط عنه الاستقبال بثلاثة شروط - ذكرها المؤلف ﵀:
- الشرط الأول: أن تكون الصلاة نافلة.
- الشرط الثاني: أن يكون راكباً سائراً.
الشرط الثالث: أن يكون مسافراً لا مقيماً.
إذا وجدت هذه الشروط الثلاثة جاز له بإجماع الفقهاء أن يصلي إلى غير القبلة.
إذاً: إذا تحققت هذه الشروط: - النافلة. - وأن يكون راكباً. - وأن يكون في سفر. يعني: وأن يكون هذا الركوب في سفر: جاز له بالإجماع.
الدليل:
- ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يسبح على راحلته قِبَلَ أي وجهة توجه ويصلي الوتر إلا أنه لا يصلي المكتوبة.
فدل الحديث على صحة تنفل المسافر إلى غير القبلة.
مسالة / هل يجوز للراكب السائر المتنفل داخل المدينة وفي الأمصار أن يصلي إلى غير القبلة؟
في هذا خلاف بين الفقهاء: على قوبين:
= الأول: أنه ليس له ذلك.
لدليلين:
- الأول: أنه لم يرو عن النبي ﷺ مع حرصه على الخير أنه كان يتنفل أثناء ركوبه داخل المدينة.
стр. 320
- الثاني: أن المعنى الذي لأجله أباح الشارع للمسافرأن يتنفل إلى غير القبلة لا يوجد في الراكب داخل الأمصار.
وهذا المعنى هو: أن الراكب المسافر يكثر ركوبه ويطول فلو مُنِعَ من النافلة لأدى هذا إلى تركه النافلة وقتاً طويلاً.
وهذا المعنى لا يوجد في الراكب داخل الأمصار.
= والقول الثاني: جواز التنفل إلى غير القبلة حتى ولو كان داخل المدينة من غير سفر.
وأيضاً استدلوا بدليلين:
- الأول: قياساً على الراكب في السفر.
- الثاني: أن هذا كان يفعله الصحابي الجليل أنس ﵁.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله أنه لا يشرع أن يتنفل إلى غير القبلة وأن الصلاة لا تصح إن صلى داخل المدينة إلا غير القبلة ولو راكباً.
والجواب على فعل أنس ﵁ مع وجوب تعظيم الآثار أن نقول:
هناك قاعدة مهمة لطالب العلم أن الإنسان يتقبل الآثار المروية عن الصحابة ويستدل بها ويقف عندها لا سيما إذا رويت من أكثر من وجه: ما لم يوجد ما هو أرجح منها.
فإن وجد ما هو أرجح منها قدم.
من أمثلة ما يكون أرجح منها:
- هذه المسالة:
- لأن هذه المسألة تتعلق بكون النبي ﷺ وجد السبب ولم يفعل هذا الفعل.
- ولأن الحاجة إليه كثيرة في الرسول ﷺ وفي باقي الصحابة.
وإذا لم ينقل عن أحد منهم مطلقاً أنه فعل هذا الفعل إلا أنس دل على أنه شيء رآه يخالف ما عليه الباقين.
فهنا لا نستدل بأثر هذا حاله: يعني من مخالفته ظواهر حال الصحابة مع الرسول ﷺ كذلك مخالفته الأصول فإنه من الأصول المتقررة وجوب استقبال القبلة. فهذا الأصل الكبير الذي دلت عليه نصوص عديدة لا نتنازل عنه إلا بشيء مثله في القوة.
ثم أكمل المؤلف ﵀ الحديث عن هذه المسائل:
• فقال ﵀:
ويلزمه افتتاح الصلاة إليها.
إذا أراد الإنسان أن يتنفل في السفر فيجب عليه:
= عند الحنابلة إذا أراد أن يكبر أن يستقبل القبلة ثم يكبر ثم ينصرف عن القبلة ويتم صلاته.
ولكن هذا مشروط عند الحنابلة - أيضاً - بالإمكانية: أن يمكنه أن يفعل ذلك.
فإن لم يمكنه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة لم يلزمه قولاً واحداً عند الحنابلة.
стр. 321
دليل هذا الشرط:
- حديث أنس أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتنفل في السفر: يستقبل القبلة عند التكبير ثم انصرف.
وهذا الحديث إسناده ضعيف. وممن أشار إلى ضعفه من الحفاظ - المتأخرين - الحافظ ابن كثير ﵀.
= والقول الثاني: أنه لا يلزم المسافر أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة. واختار هذا القول عدد من المحققين منهم: الخلال ومنهم ابن قدامه ومنهم ابن القيم وغيرهم من المحققين.
واستدلوا على هذا الحكم - وهو: عدم وجوب استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة للمسافر المتنفل:
- أن الأحاديث الصحيحة المتكاثرة ليس فيها هذا الشرط: فإنهروى صلاة النبي ﷺ للنافلة في السفر عدد من الصحابة لم يذكر أحد منهم هذا الشرط.
فدل هذا على أن ما ذكر في حديث أنس وهم. وهم من أحد الرواة لا من أنس ﵁.
وهذا القول الثاني هو: الصواب. كما لا يخفى إن شاء الله.
•
ثم قال ﵀:
وماش ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها.
- وماش: يعني ويشرع: أو ويجوز للماشي أيضاً أن يتنفل في السفر إلى غير القبلة فيما عدا الافتتاح والركوع والسجود.
وجواز تنفل الماشي هي:
= إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهي المذهب.
والدليل عليها:
- قياساً على الراكب فإن الماشي والراكب كلاهما محتاج إلى التنفل.
- الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ [البقرة/١١٥].
وقد روي عن ابن عمر أن هذه الآية في استقبال القبلة. وهي عامة للراكب والماشي.
= الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الماشي في السفر لا يجوز له أن يتنفل إلى غير القبلة. فإن فعل بطلت صلاته.
والدليل:
- قالوا: أن المتنفل الماشي يتحرك بنفسه لا بمركوبه وهذا يؤدي إلى كثرة العمل التي تؤدي إلى بطلان الصلاة.
- الدليل الثاني: أن هذا لم يصح عن النبي ﷺ في السفر أنه كان يتنفل ماشياً.
الراجح في هذه المسألة: مذهب الحنابلة: الجواز. أنه يجوز له أن يتنفل ماشياً إلى غير القبلة.
- لأن المعنى الذي شرع من أجله هذا الحكم للراكب موجود في الماشي. هذا شيء.
стр. 322
- الشيء الثاني: أن مسألة كثرة الحركة معفو عنها كما أننا نتجاوز عن كون المصلي الراكب يصلي على غير مستقر وهو مبطل عند جمع من الفقهاء ومع ذلك لم نبطل صلاته لورود النص فكذلك الماشي.
- وأما أن النبي ﷺ لم يتنفل ماشياً فلأنه ﷺ كان غالباً ما يسافر راكباً ففي الغالب كان راكباً ﷺ .
إذاً الخلاصة أن الراجح: جواز التنفل للماشي.
وهذه المسألة في الحقيقة الحاجة إليها موجودة إلى الآن ففي كثر من الدول إلى الآن يسافرون على أقدامهم لا سيما في الدول التي يكون ما بين المدن ليس طويلاً ومأهولاً بالمزارع والسكان والمحطات ... إلخ.
فتشاهد الناس يسافرون بين المدن القريبة على أرجلهم فقد يحتاجون - من كان منهم يريد أن يتنفل فله ذلك وصلاته إن شاء الله صحيحة.
وهو مذهب الحنابلة وهو الصواب كما سمعتم الآن في هذه المسألة.
لكن يلزمه كما يقول المؤلف ﵀ أن يفتتح ويركع ويسجد إلى القبلة وهذا معنى قوله: (ويلزمه الإفتتاح والركوع والسجود إليها).
سنقسم هذه المسألة إلى قسمين:
- القسم الأول: الافتتاح إلى القبلة بالنسبة للماشي.
هذه ليس بين الحنابلة خلاف فيها: لم أر خلافاً بين الحنابلة في لزوم افتتاح الماشي الصلاة إلى القبلة.
التعليل: - أن هذا وإن شق على الراكب فإنه لا يشق على الماشي. فمن اليسير عليه أن يتوقف ويتجه إلى القبلة ويكبر ثم يمضي.
ولذلك الصواب في هذه المسألة: أنه يلزمه أن يتوجه إلى القبلة.
- (المسألة الثانية) - القسم الثاني: الركوع والسجود إلى القبلة.
= مذهب الحنابلة: وجوب الركوع والسجود إلى القبلة بالنسبة المتنفل الماشي.
- لأنه يستطيع ذلك لكونه يمشي على الأرض وليس كالراكب.
= والقول الثاني: أنه لا يلزمه الركوع والسجود إلى القبلة.
- لأن الركوع والسجود يتكرر وفي توقفه - يعني المصلي الماشي - له - للركوع والسجود - قطع له عن السفر.
- وفي ذلك مشقة ظاهرة.
وهذا القول هو الصواب: أنه لا يلزمه أن يركع ويسجد إلى القبلة خلافاً لمذهب الحنابلة.
стр. 323
إذاً بالنسبة للماشي يحتاج أن يستقبل القبلة إذا أراد أن يكبر ثم بعد ذلك يمضي إلى وجهته ولا يحتاج في الركوع والسجود أن يتوجه إلى القبلة.
أما الحنابلة - فكما سمعتم - فيلزمه عندهم: الافتتاح والركوع والسجود.
• ثم قال ﵀:
وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها.
عندنا: - مباحث تتعلق بمن قرب من القبلة.
- ومباحث تتعلق بمن بعد من القبلة.
وإذا عرفت من قرب فستعرف من بَعُد. لأن من بعد هو الذي لم يقرب.
فمن هو المقصود بمن قرب؟
يقصد به من عاين الكعبة.
ويقصد به من عاش في مكة زمناً طويلاً.
ويقصد به من كان في مكة ووجد ثقة يخبره عن يقين عن اتجاه القبلة.
كم هؤلاء؟
ثلاثة:
١ - المعاين للقبلة.
٢ - ومن عاش في مكة زمناً طويلاً.
٣ - والغريب إذا قدم مكة ولكنه وجد ثقة يخبره عن يقين.
فهؤلاء يعتبرون قريبين من القبلة.
- ما هو فرضهم؟
• يقول المؤلف ﵀:
فرضهم إصابة عينها.
هؤلاء يجب عليهم أن يصيبوا عين الكعبة لا جهة الكعبة.
= ووجوب إصابة عين الكعبة للمعاين محل إجماع بلا خلاف.
- لأن هذا هو الواجب وهو قادر عليه.
فإن صلى منحرفاً عن عين الكعبة ولو قليلاً فإن صلاته باطلة.
• ثم قال ﵀:
ومن بعد: جهتها.
من بعد عن القبلة فرضه جهة الكعبة لا عين الكعبة.
ولا نحتاج أن نبين من هو الذي يبعد لأنه المقابل لمن يقرب.
من بعد ففرضه إصابة الجهة:
= هذا هو مذهب الحنابلة.
واستدلوا على هذا بأدلة:
- منها قوله تعالى - في الآية السابقة - ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة/١٤٤].
وجه الاستدلال: أن المسجد الحرام في الآية هو كل الحرم. فالبعيد مأمور بالاتجاه إلى الحرم لا إلى عين الكعبة. يعني إلى حدود الأميال لا إلى عين الكعبة. هذا الدليل الأول.
- الدليل الثاني: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال قال: رسول الله ﷺ (ما بين المشرق والمغرب قبلة).
قال الإمام أحمد: ضعيف. ولكنه صح عن عمر.
والظاهر والله أعلم أنه ليس مما يقال من قبل الرأي.
- الدليل الثالث: أن هذا محل إجماع بين الصحابة.
= والقول الثاني: وجوب إصابة عين الكعبة حتى لمن بعد.
стр. 324
- لعموم قوله ﷺ (ثم استقبل القبلة).
وهذا القول - الثاني - وهو إيجاب استقبال عين الكعبة لمن بعد ضعيف جداً بل يمكن أن نقول يتعذر العمل به.
ولذلك فالصواب مع الجماهبر الذي قالوا: من بعد ففرضه الجهة لا العين: جهة الكعبة لا عين الكعبة.
انتهى الدرس
стр. 325
قال شيخنا حفظه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
فإن أخبره ثقة بيقين
بدأ المؤلف ﵀ بالكلام على الطرق التي يتعرف بها المسلم على القبلة
وسيذكر نحو أربعة طرق
• قال ﵀
فإن أخبره ثقة بيقين
هذا هو الطريق الأول وهو
أن يخبره ثقة بيقين
والثقة هو البالغ العدل
ويقولون هو من اتصف بالعدالة ظاهراً وباطناً
ومعنى قوله أخبره ثقة بيقين أي أخبره عن يقين
ومن أمثلة اليقين المشاهدة
إن أخبره ثقة بيقين يعني إذا أخبره ثقة بطريق متيقن عن جهة القبلة وجب عليه أن ينصرف إلى الجهة التي أشار إليها المخبر
وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه إذا أخبره ثقة باجتهاد لا بيقين فإنه لا يصير إلى قوله بل يجب عليه أن يجتهد هو إذا كان من أهل الاجتهاد
وهذا باتفاق الأئمة الأربعة أنه لا يجوز أن يقبل خبر الثقة عن اجتهاد بل يجب أن يجتهد هو بنفسه إذا كان من أهل الاجتهاد
وهذا الحكم أخذ من قول المؤلف ﵀ بيقين أي لا باجتهاد
والقول الثاني أن المجتهد يجوز له أن يأخذ خبر الثقة المجتهد إذا ضاق الوقت وهذا القول اختاره شيخ الاسلام بن تيمية ﵀
والقول الثالث أنه يجوز له أن يأخذ خبر الثقة الذي اجتهد مطلقاً ولا يلزمه هو أن يجتهد
والذي يظهر والله أعلم أن عمل الناس على الثالث فتجد مجموعة من الناس كلهم أو أكثرهم يعرف كيفية الاستدلال على القبلة ثم يجتهد واحد منهم ويصلي البقية باجتهاد هذا المجتهد فعلى هذا عمل الناس وفي إلزام الكل بالاجتهاد مشقة
стр. 326
فما دام هذا المجتهد عارف بأدلة القبلة وهو ثقة فإنه يجوز قبول قوله ولو كان القابل لقوله يستطيع أن يجتهد هو بنفسه وهذه المسألة كثيرة الوقوع
وأرجو أن تكون مفهومة
• ثم قال ﵀
أو وجد محاريب إسلامية عمل بها
نحتاج إلى عدة مباحث
المبحث الأول
أنه يشترط في هذه المحاريب أن تكون إسلامية فإن كانت محاريب لليهود أو للنصارى أو لغيرهم من أهل الملل فإنه لا يجوز للمسلم أن يستدل بها
المبحث الثاني
التعليل الذي يدل على هذا الحكم والتعليل هو أن هذه المحاريب عمل بها المسلمون وتتابعوا على ذلك عصراً من بعد عصر بما يشبه الإجماع على صحتها فوجب المصير إلى ما تدل عليه
المبحث الثالث
هل المحاريب مشروعة أو تعتبر بدعة لا يجوز أن تبنى في المساجد؟
في هذا خلاف بين أهل العلم وهو خلاف قوي
ومن الفائدة أن تعلم أن أول من بنى المحاريب هو أمير المؤمنين عمر بن عبدا لعزيز ﵁ ورحمه ثم من عهده حين كان والياً قبل أن يكون خليفةً بنى المحاريب ثم من ذلك الوقت إلى يومنا هذا والمحاريب تبنى في المساجد
واختلف الفقهاء على قولين
منهم من يرى أن المحاريب بدعة
لأنها لم تفعل في عهد النبي ﷺ
ولأن عدداً من السلف ذموا وجود المحاريب في المساجد
والقول الثاني أن هذه المحاريب مشروعة ولا تعتبر بدعة
لدليلين
الدليل الأول أنها داخلة في عموم المصالح المرسلة والمصالح المرسلة هي: المصالح التي لم ينص الشارع على مشروعيتها ولكن دلت على ذلك النصوص والقواعد العامة
ومن أبرز أمثلة المصالح المرسلة التي اتفق عليه الصحابة جمع المصحف فإن جمع القرآن لم يحدث في عهد النبي ﷺ وإنما جمعه أبو بكر ﵁ لما رأوا المصلحة في جمعه
إذاً بعد أن أخذنا فكرة موجزة عن المصالح المرسلة فقد استدل الذين قالوا بمشروعية المحاريب بمبدأ المصالح المرسلة
ذو القعدة الدليل الثاني إجماع الأمة بعد عصر الصحابة على وضع المحاريب في المساجد
• ثم قال ﵀
ويستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما
- القطب
стр. 327
هو أحد النجوم التي يستدل بها على جهة القبلة وهو أهم هذه العلامات
والسبب في أهميته ثباته الدائم في مكانه فإن له مكاناً ثابتاً لا يتغير عنه
وهذا مما يسهل على من يطلب القبلة أن يستدل به عليها
- والشمس والقمر ومنازلهما
أي ويستدل الإنسان بالشمس والقمر ومنازل كل منهما
وهي: ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في الشهر والشمس في السنة
واليوم أصبح الاستدلال على القبلة أمر يسير مع وجود الآلات الحديثة وسهولة استخدام هذه الآلات مع تيسر الاتصالات
ولذلك من الخطأ البين التساهل في معرفة القبلة مع هذا التيسير في الاستدلال عليها إما من طريق الآلات أو السؤال
ثم بدأ المؤلف ﵀ الكلام عن الاختلاف في القبلة بين المجتهدين
•
فقال ﵀
وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر
في هذه المسألة تفصيل وليست على الإطلاق الذي ذكره المؤلف
فإذا اختلفا المجتهدان في تحديد القبلة فإن ذلك على قسمين
القسم الأول
أن يكون اختلافهما في جهة واحدة
كأن يميل أحدهما يميناً والآخر شمالاً ولكن في جهة واحدة ففي هذا القسم يصح أن يقتدي احدهما بالآخر عند الحنابلة وعند غيرهم
التعليل
أنهما استقبلا جهة واحدة والواجب في الاستقبال استقبال الجهة وهو حاصل منهما
القسم الثاني أن يكون اختلافهما في جهتين لا في جهة واحد
بأن يستقبل أحدهما الشمال والآخر الغرب مثلاً
ففي هذه الصورة لا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر
وهو مذهب الحنابلة
الدليل
أن كل منهما يعتقد خطأ الآخر فلا يجوز أن يقتدي بمن يعتقد خطأه
والقول الثاني أنه يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر ولو اختلفا جهة
وممن ذهب إلى هذا القول الفقيه المشهور أبو ثور ﵀
التعليل
أن الاختلاف في المسائل الفقهية لا يمنع الاقتداء في الصلاة
ولذلك يجوز أن يصلي من يرى نقض الطهارة بلحم الإبل خلف من يرى أن لا نقض بلحم الإبل
وأمثلة هذا الحكم كثيرة
стр. 328
بناء على هذا القول يصلون جماعة ولو اتجه بعضهم إلى غير جهة الإمام وبأس ولا محذور في ذلك كما أن الذين يصلون بجوار الكعبة يصلون إلى جهات مختلفة ولم يضر هذا بالإئتمام فكذلك في مسألتنا
والأقرب والله أعلم القول الثاني
•
ثم قال ﵀
ويتبع المقلد أوثقهما عنده
المقلد هو من لا يحسن الاجتهاد لتحديد القبلة
يبتع أوثقهما عنده لم يبين المؤلف ﵀ مناط الثقة أوثقهما في ماذا؟
ومراده ﵀ أوثقهما علماً وأكثرهما تحرياً لدينه
وهذا ضابط جيد في
مسألة القبلة
وفي مسالة أهم منها
وهي: مسألة الاستفتاء
فإن المقلد أي العامي يجب عليه في الاستفتاء أن يقلد ويستفتي الأوثق علماً الأكثر تحرياً لدينه
وقد يظن البعض أنهما شيء واحد وهذا خطأ فقد يكون الإنسان كثير العلم لكن قليل الدين وقد يكون كثير الدين وقليل العلم
فيجب أن يسأل من هو أكثر علماً وأكثر تحرياً لدينه
فإن استويا عنده تحرياً لدينه وعلماً بأدلة القبلة اختار من شاء منهما فيقلد من شاء من المجتهدين في تحديد القبلة
• ثم قال ﵀
ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده ويجتهد العارف
أذاً من صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده
من صلى بغير اجتهاد أي ممن هو أهل للاجتهاد
ولا تقليد أي ممن ليس أهلاً للاجتهاد قضى
أي أعاد الصلاة
التعليل
أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولم يأت به فبطلت صلاته
ومفهوم كلام المؤلف أن من صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن صلاته باطلة ولو أصاب
وهذا أحد القولين في المسألة أي في مسألة إذا أصاب
فالقول الأول أنه يعيد ولو أصاب
التعليل
قالوا أنه لم يفعل ماأمر به على الوجه الشرعي فلم تنفعه أصابته كما أن من أفتى بغير علم آثم ولو أصاب ومن قضى بين خصمين آثم ولو قضى بالعدل فكذلك من صلى إلى القبلة بغير اجتهاد ولا تقليد فصلاته باطلة ولو أصاب
والقول الثاني أنه إن أصاب فصلاته صحيحة
لأن شرط الاستقبال تحقق فيه
أي القولين أرجح؟
стр. 329
- ما ترون في رجل صلى بغير طهارة فلما انتهى من الصلاة وجد أنه على طهارة؟
فهل صلى في حقيقة الأمر مستكملاً الشروط؟
الجواب لا
وهل صلاته صحيحة؟
الجواب لا
هذه الصورة من صلى وهو يرى أنه على غير طهارة صلاته باطلة بل قد يكفر لأنه مستهتر
فلو كان صلى على طهارة في حقيقة الأمر لم تقبل صلاته
فهذا كذلك إذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن صلاته ليست صحيحة
وهذا الذي يظهر والله أعلم
• ثم قال ﵀
ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة
أي إذا اجتهد لصلاة الظهر ورأى أن القبلة في اتجاه معين ثم حضرت صلاة العصر فإنه يجب أن يجتهد وينظر في الأدلة مرة أخرى إلى أن يتبين له الاتجاه الصحيح للقبلة وإن كان في نفس المكان
وهذا باتفاق الأئمة الأربعة أنه يجب أن يجتهد مرة أخرى
القول الثاني وهو وجه فقط عند الشافعية أنه لا يجب أن يجتهد
التعليل لأن الأصل بقاء الظن الأول إلا إذا وُجِدَ سبب يقتضي إعادة الاجتهاد فيجب حينئذ أن يجتهد أن يعيد الاجتهاد
والراجح والله أعلم القول الثاني
بقينا في شيء واحد وهو
ما هو دليل الأئمة الأربعة؟
دليلهم أنها حادثة جديدة فتحتاج إلى اجتهاد جديد
والأقرب كما قلت لكم القول الثاني أنه لا يحتاج أن يجتهد مرة أخرى
• ثم قال ﵀
ويصلي بالثاني
يصلي بالثاني دون الأول لأنه بالاجتهاد الثاني ترجح عنده الظن الثاني والعمل بالظن الراجح واجب وترك المرجوح أيضاً واجب
ولا إشكال في هذا إذا اجتهد مرة أخرى فإنه يأخذ بالإجتهاد الثاني ولا يجوز له أن يأخذ بالاجتهاد الأول
وهذا يقع عند كثير من الناس فمثلاً إذا خرجوا خارج المدينة اجتهدوا أن القبلة بالاتجاه المعين ثم إذا حضرت الصلاة الثانية قال أحدهم أنا أرى جازماً أن القبلة في اتجاه آخر لكن سأصلي معكم
فنقول إنه لا يجوز له أن يصلي معهم إذا كان من أهل الاجتهاد فإنه لا يجوز أن يصلي معهم
لماذا؟
لأن العمل بالاجتهاد الثاني واجب
стр. 330
لكن كثير من الناس يتساهل في هذا لأنه يرى أن الأول اجتهاد والثاني اجتهاد فإن صلينا إلى الأول أو إلى الثاني فلا بأس وهذا خلاف القواعد الشرعية بل يجب أن يعمل بالاجتهاد الثاني
• ثم قال ﵀
ولا يقضي ما صلى بالأول
يعني بالاجتهاد الأول
وهذا صحيح للقاعدة المتفق عليه أن الاجتهاد لا ينقض بمثله
فهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم وتدخل في أبواب كثيرة من أبواب الفقه
انتهى المؤلف ﵀ بهذا من الكلام عن الشرط الخامس وهو مسألة استقبال استقبال القبلة وما فيها من تفاصيل وانتقل إلى الشرط السادس وهو النية
• فقال ﵀
ومنها النية
النية هي: الشرط السادس من شروط الصلاة ويتعلق بها مباحث كثيرة
المبحث الأول تعريف النية
أولاً النية في لغة العرب هي: القصد
أي معنى نويت كذا قصدته
ثانياً تعريف النية في الإصطلاح هي: قصد العمل على وجه القربة
هذا المبحث الأول
المبحث الثاني أدلة اشتراط النية
لها أدلة نأخذ دليلاً من الكتاب وآخر من السنة
فدليلها من الكتاب
قوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ البينة
يعني أن العبادة تقبل حال كونها مع الإخلاص
ودليلها من السنة
قوله ﷺ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
وأدلة النية أكثر من أن تحصر نصاً واستنباطاً في الكتاب والسنة
المبحث الثالث المراد بالنية
ذكر الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ بحثاً جيداً في المراد بالنية فقال يراد بالنية أمران
الأول نية المعمول له
والثاني نية نفس العمل
فالمقصود
- بنية المعمول له يعني الإخلاص
والمعمول له في العبادات هو الرب جلا وعلا
وهذه النية لا يتكلم عنها الفقهاء وإنما يتكلم عنها الذين يتكلمون عن أعمال القلوب وهو من المباحث العقدية
وأعمال القلوب فيها مؤلفات كثيرة مفيدة ونافعة لطالب العلم من أحسنها وأخصرها التحفة العراقية لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو مطبوع
- الثاني نية نفس العمل
والمقصود بها
تمييز العبادة عن العادة
стр. 331
تمييز العبادة عن العبادة
يعني تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض
من أمثلة تمييز العادة عن العبادة
أن الإنسان قد يغتسل بنية التبرد
أو بنية التنظف
وقد يغتسل بنية غسل الجمعة أو الجنابة
فالصورة واحدة والفرق بين العملين هو في النية
من أمثلة الثاني وهو تمييز العبادات بعضها عن بعض مثل
إذا أراد الإنسان أن يصلي الظهر والعصر جمعاً فإن كلاً من الظهر والعصر أربع ركعات متشابهات في كل شيء إلا في النية فالذي يميز هذه عن هذه هو فقط النية
إذاً عرفنا الآن أن فائدة النية عند الفقهاء تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض
• ثم قال ﵀
فيجب أن ينوي عين صلاة معينة
يقصد المؤلف ﵀ أنه يجب أن ينوي المصلي عين الصلاة
فيجب أن ينوي من يصلي الظهر أنه يصلي الظهر ويحدد هذه النية
ويجب أن ينوي من يصلي العصر أنه يصلي العصر
فإن لم ينوي هذه النية المعينة المحددة بطلت الصلاة وتخلف شرط النية
الدليل
استدلوا بدليلين
الأول عموم الحديث وهو قوله ﷺ إنما الأعمال بالنيات
والثاني أنه بهذا يحصل التمييز بين العبادات
والرواية الثاني عن الإمام أحمد أنه لا يشترط تعيين الصلاة
لأن في إلزام المكلف بتعيين عين الصلاة قبل الشروع فيها مشقة وحرج إذ قد ينسى الإنسان إذا أراد الشروع في الصلاة أن يعين أنها صلاة الظهر
وهذا القول ضعفه المجد جد شيخ الإسلام بن تيمية
القول الثالث في هذه المسألة المهمة أن الواجب أن ينوي أنه يصلي فرض الوقت أو إذا فاتته صلاة الظهر والعصر ونسي أيهما التي فاتته فإنه يصلي بنية أنه يصلي عن تلك التي فاتته من غير تحديد
وهذا القول أومأ إليه الإمام أحمد ورجحه القاضي من أصحابه
فاحفظ هذا المثال فإنه من أمثلة إذا سمعت أن من شدة عناية أصحاب الإمام أحمد به وبأقواله أنهم كتبوا كل شيء من فتاويه وأقواله وإيماءاته فهذا من أمثلة الإيماء أومأ الإمام أحمد ولم يذكره وإنما فقط أومأ ومع ذلك حفظ وكتب
وهذا دليل على فضله وتمكنه في العلم
стр. 332
هذا القول هو القول الراجح
الدليل
أنه بهذا القول تجتمع الأدلة فيحصل التمييز وتنتفي المشقة
بناء على هذا إذا أراد الإنسان أن يصلي الظهر ونوى أنه سيصلي الفريضة في هذا الوقت ولم يأت في ذهنه أنها الظهر
فعلى القول الثالث والثاني الصلاة صحيحة
وعلى المذهب الصلاة باطلة
والأقرب والله أعلم القول الثالث كما قلت لكم
• ثم قال ﵀
ولا يشترط في الفرض والأداء إلى آخره
يعني لا يشترط أن ينويه فرضاً وإنما يكتفي بنية الظهر
التعليل
قالوا أن نية التعيين تغني عن نية الفرض
فإذا أراد أن يصلي فإنه لا يشترط أن ينوي أنه يصلي فرضاً بل يكتفي بأنها الظهر بل يكتفي بالتعيين
إذاً إذا قيل لك لماذا لا يشترط من يصلي الظهر أن ينويها فرضاً؟
فتقول لأن نية التعيين تكفي
ومعلوم أنه على القول الثالث السابق أنه إذا لم ينو أنها الظهر يجب أن ينوي أنها الفرض أنها فرض الوقت
فإذاً المصلي لا يخلو أبداً
إما أن ينوي عين الصلاة وأنها الظهر مثلاً
أو ينوي أنها فرض الوقت
فإن لم ينو لا أنها الظهر ولا أنها فرض الوقت فهي باطلة عند جميع العلماء إلا على هذه الرواية التي لا تشترط نية التعيين
وفي الغالب أن هذا لا يحصل لأن الإنسان إذا توضأ وقصد المسجد ففي الغالب ينوي فرض الوقت
•
ثم قال ﵀
ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء
يعني أن المصلي إذا أراد أن يصلي صلاة أداء أو قضاء فإنه لا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة أداء ولا أنها قضاء إذا كانت أداء أو قضاء
بعبارة أخرى لا يشترط أن ينوي الأداء أداء والقضاء قضاء
لماذا؟ ... التعليل
قالوا لأنه إذا تبين الأمر بخلاف ذلك صحت الصلاة بالإجماع
فلو صلى الإنسان يظن أن الوقت خرج فنوى أنها قضاء ثم تبين بعد الصلاة أن الوقت باقٍ فالصلاة الأولى صحيحة مع أنه نواها قضاء وهي في الواقع أداء فهذه صحيحة بالإجماع
والعكس صحيح لو صلى الإنسان يظن أن الوقت باقٍ بنية الأداء ثم تبين أنه خرج فإنها تصح بالإجماع
الأذان
تكملة بعد صلاة العشاء
قال شيخنا حفظه الله
стр. 333
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
• قال ﵀
والأداء والقضاء
تقدم معنا قبل الصلاة أن ذكرت أن من صلى القضاء أو الأداء فإنه لا يشترط أن ينوي الأداء أداء والقضاء قضاء
وتعليل ذلك
أنه لو صلى الصلاة بنية الأداء فتبين أنها قضاء أو صلى الصلاة بنية القضاء فتبين أنها أداء صحت بالإجماع
وذكرت صورة ذلك
فصورة الأولى أن يصليها ناوياً أنها أداء ظاناً بقاء الوقت ثم يتبين أن الوقت خرج فهي في الحقيقة قضاء ومع ذلك تصح الصلاة
والعكس أن يصلي ظاناً خروج الوقت بنية القضاء ثم يتبين بقاء الوقت وأنه لم يخرج فالصلاة أيضاً في هذه الصورة صحيحة
فلهذا الإجماع قال الفقهاء أنه تصح الصلاة
• ثم قال ﵀
والنفل والإعادة
من صلى صلاة النافلة فإنه لا يشترط أن ينوي أنها نفل سواء كانت الصلاة
نافلة معينة كالوتر والاستسقاء والتراويح
أو كانت نافلة مطلقة كصلاة الليل
في الصورتين لا يشترط أن ينوي أنها نفل
ويدخل في عبارة المؤلف الصبي الذي لم يبلغ إذا صلى الظهر فهي في حقه نافلة ومع ذلك لا يشترط أن ينويها نافلة
لماذا؟ ... قالوا
لأن نية الوتر مثلاً تكفي عن نية النفل
كذلك لأن نية صلاة الليل المطلقة تكفي عن تحديد نية صلاة الليل
كذلك الصبي الذي لم يبلغ إذا صلى الظهر فنيته للظهر تكفي عن نية النفل
الخلاصة أن نية النفل لا تشترط لمن يصلي نفلاً سواءً كان النفل معيناً أو كان مطلقاً لما تقدم معنا الآن
•
ثم قال ﵀
والنفل والإعادة
لا يشترط فيمن صلى الصلاة الفريضة إعادة أن ينوي أنها إعادة
قياساً على عدم وجوب نية الفريضة بل هذا أولى
فإذا صلى الظهر ثم تبين له بطلان الصلاة وأراد أن يعيدها فإنه لا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة إعادة وإنما يكتفى على
المذهب بالتعيين
أو يكتفى على القول الراجح بنية الفريضة فريضة الوقت
• ثم قال ﵀
وينوي مع التحريمة
يعني أنه يستحب أن ينوي الفريضة ويعينها مع التكبيرة فيأتي بالتكبيرة مع النية في وقت واحد
التعليل
стр. 334
لكي تقارن النية الفريضة
التعليل الثاني لتكون الصلاة جاءت بجميع أجزاءها بنية حقيقية لا حكمية
ولكن هل هذا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟
في هذا خلاف بين الفقهاء
فالقول الأول أن هذا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب وهو مذهب الحنابلة
التعليل
أن من نوى قبل التكبيرة بزمن يسير فقد صلى الصلاة مع النية فتحقق الشرط وهو شرط النية
والقول الثاني في هذه المسألة هو القول الذي تبناه الإمام الشافعي أنه يجب أن تقارن النية التكبيرة
واستدل
بالحديث إنما الأعمال بالنيات
والصواب القول الأول بل إن أصحاب الإمام الشافعي أنفسهم يحكون قول الشافعي ويرجحون خلافه
لماذا؟
لأن في هذا القول مشقة وعنت شديدين
•
ثم قال ﵀
وله تقديمه عليها بزمن يسير في الوقت
يجوز تقديم النية على التكبيرة بشرطين
الأول أن يكون التقديم بزمن يسير
الثاني وأن يكون التقديم بعد دخول وقت الفريضة
- نبدأ بالشرط الأول
يشترط لجواز تقديم النية وإجزائها أن يكون التقديم بزمن يسير
التعليل
لأن هذا هو الذي يُحْتَاجُ إليه
ثانياً لأن التطويل يقطع الارتباط بين النية والعمل
والقول الثاني أنه يجوز أن يقدم النية على التحريمة ولو بوقت طويل ما دام مستديماً للنية ولم يقطعها
لأن الاستصحاب الحكمي كالاستصحاب الحقيقي
وأظن أنا أخذنا في أول كتاب الطهارة الفرق بين الاستصحاب الحكمي والاستصحاب الحقيقي
وهذا القول الثاني هو الصواب
- الشرط الثاني
أن يكون هذا التقدم بعد دخول الوقت
ولتوضيح هذا الشرط نذكر التفصيل التالي
ـ أولاً إن نوى النية قبل دخول الوقت ثم عزبت عن ذهنه وقطعها أيضاً قبل دخول الوقت فالنية لا تجزئه بلا خلاف
لأن النية والإبطال حصلا قبل دخول الوقت
ـ ثانياً أن ينوي قبل الوقت ويستصحبها إلى ما بعد الوقت
وهذه الصورة هي التي يريدها المؤلف ﵀ فهي على
المذهب لا تجزئ
لأنه نوى قبل دخول الوقت
والقول الثاني أنه إذا نوى قبل الوقت واستصحبها إلى ما بعددخول الوقت فإنه يجزئ
стр. 335
لأن وهذا هو التعليل المهم استصحاب النية التي حصلت قبل الوقت كابتدائها فيه
وهذا القول هو الصواب إن شاء الله
فتبين معنا أنه يجوز أن يقدم النية على التحريمة بوقت طويل قبل الوقت وبعد الوقت بشرط أن لا يفسخ ويقطع هذه النية وسيذكر المؤلف ﵀ مسألة قطع النية
• يقول ﵀
فإن قطعها في أثناء الصلاة بطلت
إذا قطعها في أثناء الصلاة بطلت بلا خلاف
وكذا إذا قطعها قبل الصلاة ثم صلى بلا نية جديدة فإنها تبطل بلا خلاف
التعليل
أن النية من شروط الصلاة ولم يأت بها وهذا أمر متبادر إلى الذهن
إذاً إذا فسخ وقطع النية بطلت بلا إشكال ولا خلاف
• ثم قال ﵀
أو تردد بطلت
إذا تردد الإنسان في النية أثناء الصلاة فإن الصلاة تبطل
وهذا مذهب الحنابلة
لأن هذا التردد يذهب اليقين
ولأنه لم يبق جازماً مع هذا التردد
والقول الثاني أن التردد لا يبطل الصلاة
لأن اليقين مقدم على الشك فهو متيقن للنية متردد في ما عداها
وهذا القول اختاره من الحنابلة الشيخ ابن حامد ﵀ وهو من علماء الحنابلة الذين لهم اختيارات ليست كثيرة لكنها جيدة
وهذا القول هو الصواب وهوعدم الإبطال
بدليل يعني سبب الترجيح
أن ابن مسعود ﵁ قال صليت مع النبي ﷺ فقرأ وأطال حتى هممت بأمر شر قيل وبما هممت؟ قال هممت أن اجلس وأدعه
ففي هذا الحديث تردد ابن مسعود لأنه يقول هممت فهو متردد في الاستمرار في الصلاة أو قطعها وترك النبي ﷺ ومع ذلك لم تبطل صلاته
فدل هذا الأثر على صحة قول من قال أن التردد لا يبطل الصلاة ولا يقدح في النية
•
ثم قال ﵀
وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز
تأمل معي في هذه المسألة
يقول إن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز
أي أنه يجوز عند الحنابلة أن يقلب المصلي فرضه الذي دخل به إلى نفل جاز بشرط أن يكون الوقت متسعاً ط
وفي هذه المسألة تفصيل فهي تنقسم إلى قسمين
القسم لأول أن يقلب فرضه نفلاً لسبب صحيح
стр. 336
القسم الثاني أن يقلب فرضه نفلاً لغير سبب
- نبدأ بالقسم الثاني
إذا قلب فرضه إلى نفل بغير سبب صحيح
فعند الحنابلة تصح مع الكراهة
قال تصح
لأن نية النفل مندرجة في الفرض
بدليل لو أحرم وهو يظن دخول الوقت ثم تبين له أن الوقت لم يدخل انقلبت صلاته إلى نفل
فهذا يدل على أن النفل مندرج في الفرض
وقالوا يكره
لأنه أبطل عمله
والقول الثاني أنه لا يجوز ولا يصح أن يقلب فرضه نفلاً بلا عذر ولا سبب صحيح
لأن في هذا إبطال لفريضته بلا سبب
- القسم الثاني وهو الذي ذكرته لك أولاً
أن يقلب فرضه نفلاً لسبب صحيح
فالصواب أنه يجوز بلا كراهة
مثال للسبب الصحيح أن يحرم بالفريضة ثم تحضر جماعة ويريد أن يدخل معهم ليصلي الفريضة جماعة فيجوز له أن يقلب هذه الفريضة إلى نفل ويتمها ثم يدخل مع الجماعة التي حضرت
فهذا سبب شرعي صحيح
وقلت أنه يجوز ويصح بلا كراهة
لأن جنس قلب النية جاء في السنة
فالنبي ﷺ لما صلى الليل منفرداً دخل معه ابن عباس ﵁ وهو في هذه الحالة قلب النية من الانفراد إلى الإمامة
وسيأتينا شواهد كثيرة في المسائل التالية
بهذا كمل الكلام حول مسألة قلب المفترض نيته إلى نافلة قلب الفريضة إلى نافلة بهذا التفصيل كمل
والذي يظهر لي في المسألة الأولى إذا كان القلب بلا حاجة مطلقاً أنه لا يجوز
ولا أظن أن أحداً يفعل هذا الفعل إذ ما هو السبب أن الإنسان يدخل في الفريضة ثم يقلبها نافلة بلا سبب
فإن فعل لو تصور وجود هذه الصورة فالذي أراه أنه لا يجوز ولا يصح كما هي الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀
• ثم قال ﵀
وإن انتقل بنيته من فرض إلى فرض بطلى
إذا انتقل بنيته من فرض إلى فرض بطل الفرض الأول والفرض الثاني
وهذا يحتاج إلى إيضاح
أولا
يقول وإن انتقل بنيته
ولهذ الكلمة مفهوم لأنه لو انتقل بغير النية بأن كبر ونوى نية جديدة للفريضة الثانية بطلت الأولى وصحت الثانية
لأنه هنا لم ينتقل بنيته وإنما انتقل بنيته وتكبيره وشروعه في فرض آخر
إذاً عندنا صورتان
стр. 337
الصورة الأولى أن ينتقل بمجرد النية فقط ينوي كمن كان يصلي العصر وتذكر أنه لم يصل الظهر فقلب نيته فوراً إلى نية الظهر فهو هنا هل كبر للظهر من جديد أو انتقل بمجرد النية؟ بمجرد النية
إذا انتقل بمجرد النية بطلت الأولى ولم تصح الثانية
لماذا؟
بطلت الأولى لأنه قطع نيتها
ولم تصح الثانية لأنه لم يدخل فيها دخولاً شرعياً
إذاً عرفنا الآن أنه إذا انتقل بغير النية بأن يشرع شروعاً جديداً بتكبيرة الإحرام ونية جديدة في الفريضة الثانية فإنه في هذه الصورة تبطل الأولى وتصح الثانية
وأما إن انتقل وهو المقصود بكلام المؤلف ﵀ بنيته فقط بطلت الأولى ولم تصح الثانية وعرفت التعليل
- مسألة هل الذي بطل الفريضة بالنسبة للأولى أو الصلاة؟
الجواب
إن نوى إبطال الفريضة صحت الصلاة نافلة لأنه إنما نوى إبطال الفريضة لا الصلاة من أصلها
وإن نوى إبطال الصلاة من أصلها لم تصح الأولى لا فريضة ولا نافلة
بعبارة أخرى أسهل
إذا انتقل الإنسان بنيته من فريضة إلى فريضة بطلت الفريضتان ولكن هل تصبح الأولى نافلة؟
الجواب
إن نوى بالإبطال إبطال الفرض فقط بالنسبة للأولى دون الصلاة صحت الأولى نافلة وبطلت فريضة
وإن نوى إبطال الصلاة من أصلها بطلت الأولى والثانية
فنفرق بين نية الفريضة ونية أصل الصلاة لأن نية الفريضة أمر زائد على مجرد الصلاة
مداخلة من أحد الطلاب ليست واضحة من الشريط قال الشيخ بعدها هذا ينبني على الخلاف السابق قال الحنابلة وهذا ينبني على الخلاف السابق فيمن قلب فرضه نفلاً إن صحت تلك صحت هذه أحسنت تنبه ممتاز
إذاً نقول إذا انتقل الإنسان نت فرضه إلى فرضه فهل تصبح الأولى نافلة أو تبطل؟
الجواب تصبح نافلة إن نوى إبطال الفريضة فقط
وتبطل برمتها إن نوى إبطال الصلاة
والقول بكونها تصبح نافلة مبني على المسألة السابقة وعي قلب المصلي نيته من الفرض إلى النفل
وهاتان الصورتان اللتان ذكرتهما الأولى أن ينوي إبطال الفريضة فقط والثانية أن ينوي إبطال الصلاة برمتها فهذه هي الصورة الثانية
стр. 338
أن ينوي إبطال الصلاة كلها لا إبطال فريضة الظهر فقط في المثال المذكور
يعني إذاً الصورة الثانية تسهيلاً من يصلي العصر ثم يذكر أنه لم يصل الظهر فإن نوى إبطال فريضة العصر صحت نافلة على القول بصحة النافلة
وإن نوى إبطال الصلاة برمتها لم تصح لا نافلة ولا فريضة
•
ثم قال ﵀
وتجب نية الإمامة والائتمام
المؤلف ﵀ يقول تجب نية الإمامة والائتمام
يعني
يجب على الإمام أن ينوي أنه إمام يقتدى به
ويجب على المأموم أن ينوي أنه مأموم يقتدي بالإمام
فان لم ين هذه النية الإمام والمأموم بطلب الصلاة في الإمام والمأموم
إذاً عندنا مسألة الإمامة ومسألة المأموم
- نبدأ بالمأموم
المأموم بلا نزاع بين الفقهاء الأربعة أنه لا يكون مأموم إلا بنيته فإن لم ينو لم يكن مأموماً
إذاً لا إشكال في مسألة الإئتمام أنه لا تصح إلا بالنية
- نأتي لنية الإمامة
فالمذهب يرون أنه يتشرط لصحة الإمامة وصحة صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة
الدليل
قالوا الدليل على ذلك قوله ﷺ إنما الأعمال بالنيات
وذكروا تعليلاً حسناً آخر
فقالوا أنه يترتب على صلاة الجماعة أحكام كثيرة منها
سقوط السهو عن المأموم
ومنها وجوب المتابعة
وأحكام أخرى كثيرة
ولا يتميز الإمام عن المأموم إلا بنية
بناء على هذا لو صلى اثنان كل منهما يظن أنه الإمام بطلت صلاة الجميع
ولو صلى اثنان يظن كل منهما أنه مأموم بطلت صلاة الاثنين
لماذا؟
لأن شرط الإمامة والإئتمام لم يتوفر فبطلت الصلاة
والقول الثاني أنه لا يتشرط للإمام أن ينوي الإمامة بل لو اقتدى شخص بشخص لم ينو أن يكون إماماً صحت الصلاة جماعة
واستدل هؤلاء
بحديث عائشة الثابت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ صلى في حجرته وكان جدار الحجرة قصيراً فصلى بصلاته أناس من الصحابة
فظاهر هذا الخبر أنهم اقتدوا بالنبي ﷺ ولم ينو أن يكون إماماً
стр. 339
ولا يستدل بحديث ابن مسعود ولا حديث ابن عباس ﵄ لأن بعد دخولهما نوى النبي ﷺ الإمامة فصار يؤمهما
لكن في هذا الحديث لم يعلم بهم أصلاً فهو ألصق
وهذا القول كما ترون فيه حديث صحيح يجب المصير إليه
فالراجح أنه لا يشترط للإمامة وصحت صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة
فما يحصل كثيراً وهو أن يقوم شخص يقضي الصلاة فيقف بجواره شخص لم يدرك الصلاة وؤيصلي بصلاته مع أن الإمام لم يشعر بذلك كله ففي هذه الصورة عند
الحنابلة لا تصح
لأن نية الإمامة والإئتمام واجبة
وعلى القول الثاني صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم صحيحة ولو لم ينو الإمام الإمامة
لكن هناك بحث آخر الإمام له أجر الجماعة في مثل هذه الصورة وأن لم ينو؟ أو له أجر الانفراد لأنه لم ينو؟
هذا فيه خلاف والأقرب أنه ليس له نية الجماعة
لأن الأعمال بالنيات
ومعنى قوله ﷺ إنما الأعمال يعني صحتها بالنيات يعني إنما تصح الأعمال وتبطل بالنية
•
ثم قال ﵀
وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح
يعني إذا نوى المنفرد في أثناء الصلاة الائتمام لم يصح
لأن النية لم توجد من أول الصلاة والنية شرط
والقول الثاني أن المنفرد إذا نوى الإئتمام تصح الصلاة ولو في أثناء الصلاة
الدليل على هذا
ما تقدم معنا أن في السنة شواهد كثيرة لقلب النية وأن الصلاة تصح مع ذلك منها
حديث ابن مسعود ﵁ السابق حيث دخل مع النبي ﷺ في أثناء الصلاة
ومنها حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قام يصلي الليل فقام معه ابن عباس في أثناء الصلاة وصف عن يساره فأخذه وجعله عن يمينه
ومنها أن أبا بكر الصديق ﵁ صلى بالناس إماماً فلما حضر النبي ﷺ رجع وصار الإمام النبي ﷺ فهنا انقلبت نية أبي بكر الصديق ﵁ من الإمامة إلى الائتمام
وفي حديث ابن عباس انقلبت نية النبي ﷺ من الإنفراد إلى الإمامة
стр. 340
فهذه الشواهد تدل على أن جنس قلب النية ما دام لغرض شرعي صحيح أنه جائز ولا حرج فيه
فالقول الثاني هو ما قلت لك في مسألة المنفرد إذا نوى الإئتمام أنه يصح
• ثم قال ﵀
قوله كنية إمامته فرضاً
أي كما أنه لا يجوز أن يقلب المنفرد نيته من الانفراد إلى الإمامة في الفريضة فقط
يعني أن
الحنابلة يرون أن المنع من قلب نية المنفرد إلى نية الإمامة ممنوع في الفريضة فقط دون النافلة
لأن الإمام أحمد يقول في النافلة جاء حديث ابن عباس فهو نص في قلب النية من الانفراد إلى الإمامة لكن قاتل الإمام أحمد هذا جاء في النافلة وليس كذلك يقول الفريضة لأنه لم يأت
والقول الثاني أنه يجوز
لأن ما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة إلا بدليل خاص ولا دليل يستثني هذه الصورة
• ثم قال ﵀
وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت
مقصود المؤلف ﵀ بقوله إذا انفرد المؤتم يعني خرج عن الجماعة وصلى منفرداً
فالحكم يقول ﵀ بطلت بشرط أن يكون ذلك بلا عذر
التعليل
أنه ترك متابعة الإمام بلا عذر كما لو تركها في أثناء الصلاة فإن المأموم لو ترمك متابعة الإمام في صلاة الجماعة بلا عذر بطلت صلاته فكذلك إذا انفرد
والقول الثاني أنه إذا ترك متابعة الإمام بلا عذر تصح الصلاة
قياساً على ما إذا نوى المنفرد الإمامة أو نوى المنفرد الائتمام
والصواب القول الأول وهو المذهب ومن ترك الجماعة بلا عذر ولا سبب شرعي فصلاته باطلة
- القسم الثاني
أن ينفرد عن الجماعة ويترك المتابعة بعذر فهنا صلاته صحيحة
لما ثبت في البخاري ومسلم أن معاذاً ﵁ صلى بقومه فقرأ بالبقرة فانصرف رجل وصلى وحده فلما أخبر معاذ ﵁ قال إنك منافق فقال الرجل لآتين النبي ﷺ فلما أخبر النبي ﷺ بما حصل قال ﷺ أفتان أنت يا معاذ
ففي الحديث إقرار للرجل على انفراده ولم يأمره بإعادة الصلاة
الخلاصة أن انفراد المؤتم عن الجماعة ينقسم إلى قسمين
إما أن يكون بعذر
أو يكون بغير عذر
стр. 341
فإن كان بعذر جاز وصح
وإن كان بغير عذر حرم وبطل
•
ثم قال ﵀
وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه بلا استخلاف
مقصود المؤلف ﵀
أنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم
وأنه لا يجوز ولا يصح للإمام أن يستخلف وهذا معنى قوله بلا استخلاف
والاستخلاف هو أن ينيب الإمام رجلاً من الجماعة ليكمل الصلاة بالباقين
فعند الحنابلة إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم ولا يصح ولا يجوز أن يستخلف
التعليل
قالوا لارتباط صلاة الإمام بالمأموم فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم
والقول الثاني أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم وعليه أن يستخلف
الدليل
الدليل على ذلك
أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ فأتم بالمسلمين الصلاة
وقد وقع هذا بحضرة الصحابة ولم ينكره منهم أحد فهو كالإجماع
وهذا القول الثاني ظاهر القوة
فتبين من ذلك أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم إلا
إذا بطلت في ما يحمله الإمام عن المأموم ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإمام والمأموم
القاعدة أن بطلان صلاة الإمام لا يؤدي إلى بطلان صلاة المأموم إلا فيما يحمله الإمام عن المأموم
مثاله على القول بأنه لا يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الجهرية أو في السرية على هذا القول من الذي يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة؟
الإمام
فلو فرضنا أن الإمام في السرية نسي أن يقرأ الفاتحة وذهب والمأموم لم يقرأ الفاتحة بناء على أن الإمام يحمل عنه قراءة الفاتحة ففي هذه الصورة بطلت صلاة الإمام وبطلت أيضاً صلاة المأموم
هذا على القول بأن الإمام يحمل عن المأموم قراءة الفاتحة وستأتينا هذه المسألة في صفة الصلاة
ثم في المسألة الأخير
• قال ﵀
وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح
معنى هذه المسألة
أنه إذا تأخر الإمام عن الصلاة وتقدم النائب وأحرم بالصلاة ثم حضر بعد ذلك الإمام فإنه يجوز أن يؤم الجماعة ويصبح النائب مأموماً بعد أن كان إماماً
стр. 342
وهذا معنى قوله ﵀ وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح
الدليل على هذا الحكم
حديث أبي بكر الصديق ﵁ فإنه نص في هذه المسألة بالذات حيث أصبح الإمام مأموماً وهو أبو بكر وأصبح النبي ﷺ إماماً
فهذه المسألة دليها هذا النص
وبهذا نكون قد توقفنا على باب صفة الصلاة والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
انتهى الدرس
стр. 343
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[باب صفة الصلاة]
هذا الباب من كتاب الزاد هو أهم باب على الإطلاق لأنه يتعلق بالصلاة والصلاة هي أهم مباحث كتاب الزاد واهم مباحث الفقهاء وإنما اعتبرنا هذا الباب هو أهم الأبواب لمزيد عناية الشارع بالصلاة والتأكيد عليها وفزع النبي ﷺ إليها وكونها فرضت في السماء وأهمية الصلاة لا تخفى على مسلم.
فإن قيل: الأبواب السابقة أيضاً في الصلاة فهي في شروط الصلاة؟
فالجواب: أن هذا صحيح لكن الباب الذي يتحدث عن ماهية الصلاة والأعمال داخلها أهم من الأبواب التي تتحدث عن الشروط التي تسبق الصلاة.
فمن هذه الجهة صار باب صفة الصلاة أهم من الأبواب السابقة له وإن كانت تتعلق بالصلاة أيضاً.
ومما يؤسف له أن عامة المسلمين اليوم لا يؤدون الصلاة كما كان النبي ﷺ يؤديها.
ونظرة سريعة إلى المصلين في المساجد تنبئك عن حال الناس اليوم في معرفة صلاة النبي ﷺ والإخلال بها من قبل عامة الناس.
ويزيد الأمر سوءاً أن يقع هذا الإخلال من طلبة العلم الذين يفترض فيهم وبهم أن يفقهوا صفة الصلاة تماماً وأن يدرسوها ويقرؤوا الأحاديث التي تعتني ببيان كيفية صلاة النبي ﷺ .
وكذلك لو نظر الإنسان إلى صلاة طلبة العلم لوجد أنها صلاة فيها كثير من الأخطاء والتجاوز السرعة الإخلال بالسنن.
стр. 344
وقد نظرت أنا إلى كثير من إخواننا في مناسبات مختلفة وهم يصلون فراعني وأحزنني جداً كيفية الصلاة التي يصلون عليها لا سيما بالذات ما يتعلق بالطمأنينة. فإنك تجد بعض الناس يصلي ولا تدري هل هو يصلي أو لا يصلي من كثرت الحركة.
وأنا ذكرت مثالاً - لكثير من الإخوان - لأنه يحزنني جداً وهو أن الفقهاء ذكروا أن من ضوابط الطمأنينة والخشوع أن من يصلي إذا رأيته وحسبت أنه لا يصلي فقد أخل بشرط الطمأنينة وهو ركن من أركان الصلاة وكنت إذا مرَّ عليَّ هذا الكلام أو هذا الضابط عند الفقهاء أستغرب أن يوجد إلى هذه الدرجة أن لا يميز الإنسان هل هو يصلي؟ أو لا يصلي؟ من كثرت حركته حتى نظرت مرَّةً من المرَّات في أحد المساجد إلى شخص يصلي وقد والله ظننت أنه لا يصلي إلى أن ركع فعلمت أنه يصلي وقبل كنت لا أشك أنه لم يبدأ بالصلاة من كثرت حركته وعدم إقباله على الله إلى آخره ...
وهذه الهيئة لا شك أنها تخالف سيرة النبي ﷺ وأصحابه وتعلمون كلكم يعلم القصص الكثيرة عن صلاة الصحابة لا سيما صلاة أبي بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه وكثير من السلف الذين كانوا يصلون صلاة تشبه صلاة النبي ﷺ ومن أكثر هذه القصص لفتاً للانتباه ما روي أن رجلاً دخل البصرة لزيارة الحسن البصري ﵁ ورحمه وكان لا يعرف وجهه فقال لرجل في الشارع كيف لي بالحسن؟ أين أجد الحسن؟ فقال أدخل هذا الجامع يقصد جامع البصرة وابحث عن أحسنهم صلاة وأكثرهم طمأنينة فسيكون هو الحسن البصري.
فسيستدل عليه لا بشكله وإنما بهيئته في الصلاة.
نسأل الله أن يعيننا على الخشوع والطمأنينة كما نسأله أن يعيننا فقه هذا الباب وأن يوفقنا فيه لإصابة الحق مما اختلف فيه أهل العلم.
• قال رحمه الله تعالى
((باب صفة الصلاة))
الصفة هي: الهيئة صفة الشيء أي هيئة الشيء ومقصود الفقهاء بصفة الصلاة أي الكيفية التي تصلَّى بها الصلاة على جهة التفصيل لا الإجمال.
والعمدة في معرفة صفة الصلاة قول النبي ﷺ ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فأمر أمراً عامَّاً بالاقتداء به اقتداء خاصاً.
стр. 345
وباب صفة الصلاة ذكره المؤلف بعد باب شروط الصلاة لأن هذا هو الترتيب المنطقي والطبعي وهو أن يذكر الشرط قبل ذكر المشروط وهذا الترتيب شرعي وعقلي ومنطقي.
•
قال ﵀:
يسن القيام عند: ((قَدْ)) من إقامتها
المؤلف ﵀ سيذكر في هذا الباب السنن والواجبات والأركان والمكروهات وكل ما يتعلق بالصلاة على جهة التفصيل ثم يعقد باباً خاصَّاً للأركان والواجبات والمكروهات إلى آخره تفصيلاً.
لكنه في هذا الباب سيذكر كل ما يفعله المصلي سواء كان واجباً أو مسنوناً أو ركناً أو غير ذلك.
• يقول ﵀:
((يسن القيام عند: قَدْ من إقامتها)) أي عند قول المقيم: قد قامت الصلاة.
والمؤلف يريد بهذه العبارة بيان الوقت الذي يستحب فيه أن يقوم المصلي.
وفي هذه المسألة تفصيل فهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يقيم المؤذن الصلاة والإمام لا يرى في المسجد – ليس موجوداً في المسجد.
ففي هذا القسم لا يقوم المصلي إلا إذا رأى الإمام لما في الصحيحين من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)).
القسم الثاني: أن يكون الإمام موجوداً يرى وفي هذا القسم اختلف الفقهاء على أقوال:
القول الأول: وهو المذهب أن المصلي يقوم إذا قال المقيم قد قامت.
والقول الثاني: أن المصلي يقوم إذا بدأ المقيم بالإقامة وهذا مذهب الأحناف.
والقول الثالث: أن المصلي ليس لقيامه حدَّاً محدوداً شرعياً وإنما يختلف ذلك بالمصلي فإن كان ضعيفاً شرع له أن يقوم مبكراً ليتمكن من تحصيل تكبيرة الإحرام وإن كان قويَّاً فلا بأس بتأخره لأنه يستطيع أن يقوم ويدرك تكبيرة الإحرام.
والخلاصة أنه ليس لهذا القيام حدٌّ معروفٌ شرعاً.
وهذا مذهب الإمام مالك.
وهذا القول الثالث هو أعدل الأقوال.
وأنتم الآن عرفتم أن هذا الخلاف والتفصيل متى؟ إذا كان الإمام يرى إذا كان الإمام لا يرى فالأمر محسوم بالحديث الذي أخرجه الشيخان.
•
قال ﵀:
وتسوية الصف
أي ويسن أن يسوي الإمام الصف الصفوف وتسوية الصفوف سنة بإجماع الفقهاء.
ولكن اختلفوا هل هي واجبة؟ أو ليست بواجبة؟
فالجمهور على أنها سنَّة وهو القول الأول وهو المذهب.
стр. 346
والقول الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة.
وهو مذهب الإمام البخاري ﵀ وغفر له – واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
واستدل هؤلاء بالنصوص الآمرة كقوله ﷺ ((سووا صفوفكم))
وكقوله ﷺ : ((لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)).
وهذه النصوص صريحة بالأمر والإيجاب.
وهذا القول هو المتوافق مع ظواهر النصوص.
وعلى القول بالوجوب هل تبطل صلاة من ترك التسوية؟ أو لا تبطل.
أيضاً اختلف فيه الفقهاء ونكتفي فيه بالقول الراجح وهو أن الصلاة لا تبطل بترك التسوية.
وهي مسألة مهمة جدا لكثرة من يترك تسوية الصفوف من الأئمة.
إذا القول الراجح: أنها واجبة ولكن تركها لا يبطل الصلاة.
الدليل الأول أن أنس بن مالك ﵁ دخل المدينة بعد غياب طويل ووجد الناس لا يعتنون بتسوية الصفوف فأنكر عليهم ولم يحكم ببطلان الصلاة.
الدليل الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
فتركها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
ومع كون هذا القول هو الراجح وهو عدم البطلان إلا أن طالب العلم يعرف من خلال هذا الخلاف خطورة ترك تسوية الصفوف.
المقدار الواجب:
بماذا يحصل تسوية الصفوف؟
تحصل بتطبيق ضابطين ذكرهما الفقهاء – وهي المسألة الثالثة من مسائل تسوية الصفوف.
الضابط الأول:
اعتدال الصف على سمت واحد.
الضابط الثاني: تراص الصف بحيث لا يبقى فيه فرجة.
هذا ضابطان إذا تحققا تحققت التسوية وإذا اختل أي منهما اختلت التسوية.
• قال ﵀:
ويقول: ((اللَّه أَكْبَرُ)).
أيضاً تتعلق بهذا اللفظ عدة مباحث.
المبحث الأول: أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ وهو قول المصلي: الله أكبر.
وعلى هذا جماهير العلماء من السلف والخلف أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ بدليل أن النبي ﷺ لم يفتتح الصلاة إلا به ولم يحفظ عنه قط افتتاح الصلاة بغير هذا اللفظ فدلَّ ذلك على تعين هذا اللفظ.
فإذا قال: الله الأكبر أو الله الأعز أو الله الجليل فإن صلاته لم تنعقد.
المسألة الثانية:
الدليل على ركنية التكبير:
له أدله نأخذ دليلاً من القرآن ودليلاً من السنة.
فدليله من القرآن قوله تعالى ((وربك فكبر)).
стр. 347
وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية في الصلاة.
الدليل الثاني وهو من السنة أن النبي ﷺ قال للمسيء لصلاته استقبل القبلة ثم كبِّر.
مسألة ثالثة: معنى الله أكبر.
اختلفوا في معناها على قولين:
القول الأول: أن الله أكبر تفسر بتقدير محذوف وهو الله أكبر أي من كل شيء.
وإلى هذا ذهب العلامة سيبويه.
القول الثاني: أن معنى الله أكبر أي من أن يذكر بغير التحميد والتمجيد والتعظيم.
والصواب أن التكبير يشمل المعنيين.
المبحث الثالث:
أن التكبير لا ينعقد في الفريضة إلا من قائم فإن قال التكبير أو قال بعضه قبل أن يستتم قائماً انقلبت الفريضة إلى نافلة إن اتسع الوقت وإن لم يتسع لزمه قطع الأولى واستئناف الفريضة.
•
قال ﵀:
رافعاً يديه
أي أنه يسن لمن أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه وهذه السنة وهي رفع اليدين لتكبيرة الإحرام ثابتة بإجماع الفقهاء ورواها عدد كبير من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة ﵏ ورضي الله عنهم وأرضاهم.
بل قال الشافعي: لم يرو سنة عدد من الصحابة كما رويت هذه السنة.
فهي سنة متواترة عن النبي ﷺ .
بقينا في مسألة وهي: متى يرفع اليدين بالنسبة للتكبير؟
فمذهب الحنابلة– كما ترون –ويفهم من عبارة المؤلف أن التكبير يقترن برفع اليدين.
فيرفع ويكبر في وقت واحد واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ كبَّرَ ورفع يديه.
ففهموا من هذا المقارنة.
والقول الثاني: أن الرفع يكون قبل التكبير فيرفع يديه ثم يكبر.
واستدل أصحاب هذا القول برواية لحديث ابن عمر وفيه: رفع يديه ثم كبَّر.
والقول الثالث: أن التكبير يسبق الرفع لما جاء في حديث مالك بن الحويرث في مسلم أنه كبر ثم رفع.
إذاً إذا أردنا أن نلخص الأقوال:
كبر ورفع في وقت واحد.
رفع ثم كبر وهو في حديث ابن عمر.
كبر ثم رفع وهو في حديث مالك بن الحويرث.
أغرب هذه الصفات الصفة التي جاءت في حديث مالك بن الحويرث ولذلك لا تكاد تجد أحداً من الفقهاء يقول بهذه الصفة.
لكن هذه الصفة ثابتة في حديث مسلم وإذا كانت ثابتة في حديث مسلم فإن الإنسان في سعة من أمره أن يأخذ بها إن شاء الله.
стр. 348
وعمل عامة الناس إما على حديث ابن عمر الذي يوافق مذهب الحنابلة أو على رواية ابن عمر الأخرى وهي التي توافق القول الثاني.
أما أن يقول الإنسان الله أكبر ثم بعد قليل يرفع قليل من الناس من يعمل هذه الصفة ففي الحقيقة فيها غرابة لكن مادام أنها ثابتة في حديث مالك بن الحويرث فالإنسان كما قلت في سعة أن يعتمدها.
والقول الرابع: أن السنة التنويع واختار هذا القول من العلماء المحققين الشيخ ابن مفلح في الفروع وقوله هو الأقرب: أن الإنسان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
• قال ﵀:
مضمومتي الأصابع
يعني أنه يسن لمن أراد أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أن يضم أصابعه هكذا.
الدليل قالوا الدليل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يكبر رافعاً يديه مدَّاً.
وجه الاستدلال في هذا الحديث أن المصلي إذا مدَّ يديه فإن هذا يؤدي في الغالب إلى ضم الأصابع.
والقول الثاني في هذه المسألة وهو مذهب الشافعية أن السنة نشر الأصابع لا الضم.
واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ كان إذا كبَّر نشر أصابعه وهذا الحديث ضعيف.
ولو قيل أن مسألة ضم أو تفريق الأصابع الأمر فيها فيه سعة وليس في هذا تحديد لكان قولاً حسناً جداً لأنه ليس في السنة ما يثبت الضم أو التفريق لكن هذا القول الثالث لم أجد من قال به ولو قيل به لكان قولاً متجهاً جداً فإن كان قيل بهذا القول فهو الراجح وإن كان العلماء اختلفوا على قولين فقط الضم والتفريق فالضم هو الصواب.
• ثم قال ﵀:
ممدودة حذو منكبيه
إذاً مع الضم السنة المد ودليل المد هو الحديث السابق كما هو ظاهر وهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يرفع يديه ممدودة.
ففي هذا دليل على أن الأصابع أثناء التكبير تضم وتمد.
واستدلوا على بأن هذه الصفة الضم والمد أقرب للخشوع من النشر والطوي وهذا صحيح ولذلك تجد غالب من يكبر بدون مد وبدون ضم ينسب إلى نوع من الاستهانة بالتكبير لأن صفته وهيئته لا تدل على الخشوع والعناية بالصلاة فهذا المعنى يؤيد مذهب الحنابلة.
• ثم قال ﵀:
((ممدودة حذو منكبيه))
стр. 349
يعني أن السنة أن يكون الرفع بحيث تكون اليد حذو المنكب وهذه الهيئة جاءت في حديثين صحيحين.
الحديث الأول: حديث أبي حميد الساعدي.
والحديث الثاني حديث ابن عمر.
ففي كل من الحديثين أن النبي ﷺ كان يرفع إلى أن يحاذي بيديه منكبيه ﷺ .
والقول الثاني أن الرفع إلى محاذاة الأذنين.
لما في حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إلى أذنيه ﷺ .
والقول الثالث: أن المصلي مخير فأحياناً يرفع إلى المنكبين وأحياناً إلى الأذنين.
فائدة: كان الإمام أحمد ﵀ يقول بالتخيير بين الرفع إلى الأذنين أو إلى المنكبين ولكنه يميل ويحب الرفع إلى المنكبين وعلل ذلك بقوله أن أحاديث الرفع إلى المنكبين أكثر وأصح وأشهر مع صحة حديث الرفع إلى الأذنين.
إذاً هو يرى التخيير ولكنه يحب ويقدم الرفع إلى المنكبين ولذلك نقول المستحب للإنسان أن ينوع تارة إلى الأذنين وتارة إلى المنكبين ولكن يكون الأغلب عليه إلى المنكبين لكثرة أحاديثه وشهرتها وصحتها.
كالسجود
أي كما يفعل في السجود فإنه في السجود يضع يديه حذو منكبيه – سيأتينا التفصيل في هيئة السجود لأن المؤلف سينص عليها.
• ثم قال ﵀:
ويسمع الإمام من خلفه
أي أنه يسن أن يسمع الإمام المأمومين التكبير فهذا عند الحنابلة بل عند الجمهور بل الجماهير كما سيأتينا سنة.
لقول النبي ﷺ فإذا كبر فكبروا.
والقول الثاني أن الجهر بالتكبير واجب والتعليل أن اقتداء المأموم بالإمام لا يتم إلا بذلك.
وهذا القول اختاره شيخنا ﵀ وغفر له الشيخ محمد العثيمين.
ولكن يشكل على هذا القول مسألة واحدة وهي أن الفقهاء يحكون الإجماع على الاستحباب وممن حكى الإجماع الشيخ النووي في كتابه المجموع.
فإذا لم يثبت الإجماع وصار في المسألة خلافاً فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط.
стр. 350
لأنه في الحقيقة لا يحصل الاقتداء والإئتمام على الوجه المطلوب إلا بالجهر بالتكبير وأسماع المصلين واستدل شيخنا على الوجوب بدليل آخر وهو أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يبلغ المأمومين تكبيرات النبي ﷺ ولو لم يكن تبليغ المأمومين واجباً لما فعله أبو بكر الصديق ﵁.
في الحقيقة الأدلة التي ذكرها قوية جداً وواضحة لكن فقط يشكل عليها هذه المسألة وهي حكاية الإجماع.
• ثم قال ﵀:
كقراءَته في أولتي غير الظهرين.
أي كما يسن أن يسمع من خلفه بالتكبير كذلك يسن أن يسمعهم القراءة في صلاة العشاء والمغرب والفجر.
والجهر بهذه الصلوات بالقراءة سنة لدليلين.
الأول: الإجماع فقد أجمع الفقهاء أن الجهر فيها سنة.
الثاني: فعله ﷺ فقد كان يجهر بالقراءة في هذه الصلوات.
انتهى الدرس
стр. 351
قال شيخنا حفظه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
وغيره نفسه
يعني ويسمع غير الإمام نفسه - وهو المنفرد والمأموم فالمنفرد والمأموم يجب عليهما أن يسمعا أنفسهما
والدليل على هذا الحكم أنه لا يسمى الكلام كلاماً إلا إذا كان مع الصوت والصوت حده ما يتأتى سماعه بلا عذر
بناء على هذا إذا لم يسمع المنفرد والمأموم نفسه أثناء القراءة فإنه لم يقرأ فإذا كان منفرداً وقرأ الفاتحة بلا صوت بطلت الصلاة
والقول الثاني أنه لا يشترط أن يسمع نفسه بل يكتفى بالنطق بالحرف لأن الصوت أمر زائد على النطق ولا دليل على إيجابه
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وهذا هو الصواب
فائدة مهمة هذا البحث يتعلق بكل ما يشترط له النطق كالطلاق والأذكار وغيرها مما يشترط له النطق فالخلاف فيه كالخلاف في هذه المسألة فإذاً هي مسألة مهمة
стр. 352
ومذهب الحنابلة مع كونه مرجوحاً من حيث الدليل فهو مع ذلك يسبب التشويش على الناس فإن المأموم إذا صار يقرأ بصوت يسمع نفسه شوَّش على من بجانبه كما هو مشاهد من بعض الناس الذين يرفعون أصواتهم إذا أرادوا أن يقرؤوا
• ثم قال ﵀
ثم يقبض كوع يسراه
ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن السنة للمصلي أن يقبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة
واستدلوا على هذا الحكم بنصوص كثيرة أصحها ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال كان الناسي يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة
واستدلوا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر ﵁ أن النبي ﷺ كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة
وهذه أحاديث صحيحة ثابتة في البخاري ومسلم
والقول الثاني أن السنة الارسال لا القبض وإلى هذا ذهب الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد رحمهما الله
واستدلوا على هذا القول بأن النبي ﷺ لم يأمر المسيء صلاته بالقبض
والجواب على دليلهم من وجهين
الوجه الأول أن النبي ﷺ لم يذكر في هذا الحديث إلا الواجبات فقط ونأخذ السنن الكثيرة من الأحاديث الأخرى
والوجه الثاني قاعدة تقدمت معنى كثيراً وهي من القواعد التي تساعد في الترجيح ومعرفة الحق من الأقوال أن الخاص مقدَّم على العام
فأحاديث الجمهور خاصة بالقبض وحديث المسيء عام في صفة الصلاة
والراجح كما لا يخفى الذي ينبغي المصير إليه أن السنة القبض لا الإرسال
وقد يخلط بعض إخواننا بين هذه المسألة وبين مسألة القبض بعد الرفع من الركوع وهذه مسألة أخرى إذا وصل المؤلف إلى الكلام عليها تكلمنا عنها
الآن عرفنا أن القبض هو السنة وأن الإرسال خلاف السنة
المسألة الثانية كيفية هذه السنة؟
عن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان صحيحتان عنه
الرواية الأولى أن السنة أن يقبض باليمنى على اليسرى على الرسغ والرسغ هو العظم الذي يفصل الكف عن الذراع
стр. 353
وهذه الرواية هي المذهب وقول المؤلف يقبض على كوعه لا يختلف مع ما ذكرته من القبض على الرسغ وإنما عبَّرت بالرسغ لأنه هو المروي عن الإمام أحمد ولأنه أدق ولكن هذا لا يختلف عما ذكره المؤلف لأن الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام فهو والرسغ واحد فمن قبض على الرسغ فقد قبض على الكوع
دليل هذه الرواية حديث وائل بن حجر في مسلم أن النبي ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى وفي رواية أخرجها الدارقطني في سننه قبض بيمينه على شماله
الرواية الثانية أن السنة أن يضع يده اليمنى على الكف والرسغ والذراع لا على الكف ولا على الذراع وإنما هكذا
ودليل هذه الرواية أيضاً لفظ في حديث وائل بن حجر أنه قال ووضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد
ودليل هذه الرواية ايضاً اللفظ الذي في مسلم وهو أنه وضع يده اليمنى على اليسرى
وليس عن الإمام أحمد فيما أعلم رواية سوى هاتين الروايتين
وذهب بعض الفقهاء إلى أن للقبض صفة ثالثة وهي أن يضع يده اليمنى على الذراع
واستدل على هذا باللفظ الذي أخرجه مسلم عن سهل الساعدي ﵁ أنه قال ووضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى
ولكن في النفس من ثبوت هذه الصفة شيء بل الأقرب عدم ثبوتها أولاً لأنه لم يذكر أحد من متقدمي العلماء هذه الصفة – فيما أعلم – ثانياً لما أراد الحافظ بن حجر أن يشرح حديث سهل في البخاري ووصل إلى هذه اللفظة وهي وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى قال وأبهم الراوي موضع القبض وفصلته الأحاديث الأخرى
فهو لا يرى أن هذه الصفة مقصوده أو هذا الفظ مراد للراوي فلذلك يعتبر أن الصحابي الجليل سهل في هذه الرواية أبهم
وإن تمسك أحد بظاهر النص وعمل به واعتبر هذه الصفة صفة ثالثة فلا حرج عليه إن شاء الله
• ثم قال ﵀
تحت سرته
لما بين المؤلف أن السنة القبض وبين كيف يقبض بيده اليمنى على يده اليسرى أراد أن يبين الموضع الذي يضع عليه يديه فقال تحت سرته
وهذا مذهب الحنابلة المذهب الاصطلاحي والأحناف أن الإنسان يقبض تحت السرة
والقول الثاني أن القبض يكون فوق السرة وتحت الصدر وهو مذهب الشافعية
стр. 354
القول الثالث أنه يضع حيث شاء وأن المصلي مخير وهذا رواية عن الإمام احمد واختارها الحافظ الكبير الترمذي واختارها أيضاً الشيخ الفقيه المجد ابن تيمية واستدلوا بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على موضع وضع اليدين
وهذا القول الاخير هو القول الصحيح وفهم من حكاية الخلاف انه لا يوجد من يقول بسنية وضع اليدين على الصدر وهذا صحيح بل الامام ابو داود صاحب السنن سئل الامام أحمد عن وضع اليدين على الصدر فكرهه
فوضه اليدين على الصدر عند الإمام أحمد حكمه مكروه
لأنه لم يرد ولما فيه من التشدد الغير وارد في الشرع
فإذاً لا يشرع أن يضع الإنسان يديه على صدره ولا قائل بذلك بل قيل بالكراهة
فإن قيل أليس في هذا الباب حديث صحيح يدل على موضع وضع اليدين من الصدر أو مما تحت الصدر؟
الجواب لا ليس في الباب أي حديث صحيح أي حديث يمرُّ بك يحدد موضع وضع اليدين فهو حديث ضعيف
فإن قلت في حديث وائل بن حجر أنه قال وضع يده اليمنى على اليسرى على صدره
فالجواب هذا صحيح وهو مروي في السنن وهو أقوى ما يستدل به على وضعها على الصدر ولكن مع ذلك هذه اللفظة شاذة منكرة لا تثبت عن النبي ﷺ وحديث وائل رواه الإمام مسلم بدون هذه الزيادة
الخلاصة أنه لا يثبت في هذه المسألة حديث صحيح فيضع الإنسان يده حيث شاء
ولكن من المعلوم أن وضع اليدين تحت الصدر وفي المنطقة التي بين الصدر والبطن أنه والله أعلم أقرب للخشوع
• ثم قال ﵀
وينظر مسجده
كما تلاحظ عناية المؤلف العناية الشديدة بتفصيل كل مرحلة من مراحل الصلاة اهتماماً وتعظيماً لأمرها
ينظر إلى مسجده أي أن السنة أن ينظر المصلي إلى مكان السجود فإن رفع بصره في قيامه عن مكان السجود فقد خالف السنة
وإن رفع بصره إلى السماء فقد ارتكب محرَّماً
الدليل على سنية النظر إلى موضع السجود مارواه سعيد بن منصور بإسناده عن ابن سير ين أن النبي ﷺ كان يقلب بصره في السماء فلما نزل قوله تعالى والذين هم في صلاتهم خاشعون طأطأ رأسه ﷺ -
стр. 355
وهذا الاسناد صحيح ثابت إلى ابن سيرين ومعلوم ان ابن سيرين من التابعين فهو حديث منقطع لكنه ثابت إلى ابن سيرين أي أنا نجزم أن ابن سيرين نسب هذا الحديث إلى النبي ﷺ
وتقدم معنى أن الحديث المرسل الثابت من طريقة الإمام أحمد أن يأخذ به وأنه أولى من أقوال الرجال لا سيما وأنه يجزم هذا التابعي الجليل بنسبته إلى النبي ﷺ
وهذا المذهب هو اختيار الجمهور
والقول الثاني وهو مذهب المالكية أن الإنسان ينظر إلى الأمام وهو مذهب ضعيف جدا إذ لا يعتمد على أثر ثم إن فيه تشتيتاً وإشغالاً للمصلي وإبعاداً له عن الخشوع الطمأنينة ولوضح ضعف هذا القول نجد أن محققي المالكية ضعفه واختار مذهب الجمهور وهو الحافظ ابن عبد البر مع كونه مالكياً إلا أنه يرى أن هذا القول ضعيف وأن الصواب مع الجمهور في أن السنة النظر إلى موضع السجود
واستثنى العلماء من هذا الحكم العام بعض الصور العارضة
فمثلاً في صلاة الخوف إذا كان العدو تجاه القبلة فالمشروع أن ينظر إلى العدو لا إلى موضع سجوده
أيضاً إذا كان الإنسان يخشى على ماله وولده وهم في تجاه القبلة يخشى عليهم من الهلاك أو الضرر فإنه ينظر إليهم ولا ينظر إلى موضع سجوده
وذكروا عدة مسائل مستثناة
ولكن الأصل الثابت الواضح أن السنة في حق المصلي أن ينظر إلى مصلاه
مسألة هل ينظر المصلي إلى مصلاه وإن كان في الجلوس بين السجدتين أو للتشهد الجواب أن هذا موضع خلاف بين الفقهاء
فمنهم من يرى أن المصلي ينظر إلى إصبعه في الجلوس لحديث رواه أبو داوه في سننه أن النبي ﷺ كان يصنع هكذا
والقول الثاني أن الانسان ينظر في جميع أجزاء الصلاة إلى موضع السجود
والأقرب النظر إلى اليد إن صح الحديث الذي في سنن أبي داود
• ثم قال ﵀
ثم يقول سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ
السنة بعد أن يقبض الإنسان يديه ويلقي ببصره إلى موضع سجوده أن يبدأ بالاستفتاح
следующие страницы →