Полный текст (2 909 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال شيخنا حفظه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
وغيره نفسه
يعني ويسمع غير الإمام نفسه - وهو المنفرد والمأموم فالمنفرد والمأموم يجب عليهما أن يسمعا أنفسهما
والدليل على هذا الحكم أنه لا يسمى الكلام كلاماً إلا إذا كان مع الصوت والصوت حده ما يتأتى سماعه بلا عذر
بناء على هذا إذا لم يسمع المنفرد والمأموم نفسه أثناء القراءة فإنه لم يقرأ فإذا كان منفرداً وقرأ الفاتحة بلا صوت بطلت الصلاة
والقول الثاني أنه لا يشترط أن يسمع نفسه بل يكتفى بالنطق بالحرف لأن الصوت أمر زائد على النطق ولا دليل على إيجابه
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وهذا هو الصواب
فائدة مهمة هذا البحث يتعلق بكل ما يشترط له النطق كالطلاق والأذكار وغيرها مما يشترط له النطق فالخلاف فيه كالخلاف في هذه المسألة فإذاً هي مسألة مهمة
стр. 352
ومذهب الحنابلة مع كونه مرجوحاً من حيث الدليل فهو مع ذلك يسبب التشويش على الناس فإن المأموم إذا صار يقرأ بصوت يسمع نفسه شوَّش على من بجانبه كما هو مشاهد من بعض الناس الذين يرفعون أصواتهم إذا أرادوا أن يقرؤوا
• ثم قال ﵀
ثم يقبض كوع يسراه
ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن السنة للمصلي أن يقبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة
واستدلوا على هذا الحكم بنصوص كثيرة أصحها ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال كان الناسي يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة
واستدلوا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر ﵁ أن النبي ﷺ كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة
وهذه أحاديث صحيحة ثابتة في البخاري ومسلم
والقول الثاني أن السنة الارسال لا القبض وإلى هذا ذهب الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد رحمهما الله
واستدلوا على هذا القول بأن النبي ﷺ لم يأمر المسيء صلاته بالقبض
والجواب على دليلهم من وجهين
الوجه الأول أن النبي ﷺ لم يذكر في هذا الحديث إلا الواجبات فقط ونأخذ السنن الكثيرة من الأحاديث الأخرى
والوجه الثاني قاعدة تقدمت معنى كثيراً وهي من القواعد التي تساعد في الترجيح ومعرفة الحق من الأقوال أن الخاص مقدَّم على العام
فأحاديث الجمهور خاصة بالقبض وحديث المسيء عام في صفة الصلاة
والراجح كما لا يخفى الذي ينبغي المصير إليه أن السنة القبض لا الإرسال
وقد يخلط بعض إخواننا بين هذه المسألة وبين مسألة القبض بعد الرفع من الركوع وهذه مسألة أخرى إذا وصل المؤلف إلى الكلام عليها تكلمنا عنها
الآن عرفنا أن القبض هو السنة وأن الإرسال خلاف السنة
المسألة الثانية كيفية هذه السنة؟
عن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان صحيحتان عنه
الرواية الأولى أن السنة أن يقبض باليمنى على اليسرى على الرسغ والرسغ هو العظم الذي يفصل الكف عن الذراع
стр. 353
وهذه الرواية هي المذهب وقول المؤلف يقبض على كوعه لا يختلف مع ما ذكرته من القبض على الرسغ وإنما عبَّرت بالرسغ لأنه هو المروي عن الإمام أحمد ولأنه أدق ولكن هذا لا يختلف عما ذكره المؤلف لأن الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام فهو والرسغ واحد فمن قبض على الرسغ فقد قبض على الكوع
دليل هذه الرواية حديث وائل بن حجر في مسلم أن النبي ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى وفي رواية أخرجها الدارقطني في سننه قبض بيمينه على شماله
الرواية الثانية أن السنة أن يضع يده اليمنى على الكف والرسغ والذراع لا على الكف ولا على الذراع وإنما هكذا
ودليل هذه الرواية أيضاً لفظ في حديث وائل بن حجر أنه قال ووضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد
ودليل هذه الرواية ايضاً اللفظ الذي في مسلم وهو أنه وضع يده اليمنى على اليسرى
وليس عن الإمام أحمد فيما أعلم رواية سوى هاتين الروايتين
وذهب بعض الفقهاء إلى أن للقبض صفة ثالثة وهي أن يضع يده اليمنى على الذراع
واستدل على هذا باللفظ الذي أخرجه مسلم عن سهل الساعدي ﵁ أنه قال ووضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى
ولكن في النفس من ثبوت هذه الصفة شيء بل الأقرب عدم ثبوتها أولاً لأنه لم يذكر أحد من متقدمي العلماء هذه الصفة – فيما أعلم – ثانياً لما أراد الحافظ بن حجر أن يشرح حديث سهل في البخاري ووصل إلى هذه اللفظة وهي وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى قال وأبهم الراوي موضع القبض وفصلته الأحاديث الأخرى
فهو لا يرى أن هذه الصفة مقصوده أو هذا الفظ مراد للراوي فلذلك يعتبر أن الصحابي الجليل سهل في هذه الرواية أبهم
وإن تمسك أحد بظاهر النص وعمل به واعتبر هذه الصفة صفة ثالثة فلا حرج عليه إن شاء الله
• ثم قال ﵀
تحت سرته
لما بين المؤلف أن السنة القبض وبين كيف يقبض بيده اليمنى على يده اليسرى أراد أن يبين الموضع الذي يضع عليه يديه فقال تحت سرته
وهذا مذهب الحنابلة المذهب الاصطلاحي والأحناف أن الإنسان يقبض تحت السرة
والقول الثاني أن القبض يكون فوق السرة وتحت الصدر وهو مذهب الشافعية
стр. 354
القول الثالث أنه يضع حيث شاء وأن المصلي مخير وهذا رواية عن الإمام احمد واختارها الحافظ الكبير الترمذي واختارها أيضاً الشيخ الفقيه المجد ابن تيمية واستدلوا بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على موضع وضع اليدين
وهذا القول الاخير هو القول الصحيح وفهم من حكاية الخلاف انه لا يوجد من يقول بسنية وضع اليدين على الصدر وهذا صحيح بل الامام ابو داود صاحب السنن سئل الامام أحمد عن وضع اليدين على الصدر فكرهه
فوضه اليدين على الصدر عند الإمام أحمد حكمه مكروه
لأنه لم يرد ولما فيه من التشدد الغير وارد في الشرع
فإذاً لا يشرع أن يضع الإنسان يديه على صدره ولا قائل بذلك بل قيل بالكراهة
فإن قيل أليس في هذا الباب حديث صحيح يدل على موضع وضع اليدين من الصدر أو مما تحت الصدر؟
الجواب لا ليس في الباب أي حديث صحيح أي حديث يمرُّ بك يحدد موضع وضع اليدين فهو حديث ضعيف
فإن قلت في حديث وائل بن حجر أنه قال وضع يده اليمنى على اليسرى على صدره
فالجواب هذا صحيح وهو مروي في السنن وهو أقوى ما يستدل به على وضعها على الصدر ولكن مع ذلك هذه اللفظة شاذة منكرة لا تثبت عن النبي ﷺ وحديث وائل رواه الإمام مسلم بدون هذه الزيادة
الخلاصة أنه لا يثبت في هذه المسألة حديث صحيح فيضع الإنسان يده حيث شاء
ولكن من المعلوم أن وضع اليدين تحت الصدر وفي المنطقة التي بين الصدر والبطن أنه والله أعلم أقرب للخشوع
• ثم قال ﵀
وينظر مسجده
كما تلاحظ عناية المؤلف العناية الشديدة بتفصيل كل مرحلة من مراحل الصلاة اهتماماً وتعظيماً لأمرها
ينظر إلى مسجده أي أن السنة أن ينظر المصلي إلى مكان السجود فإن رفع بصره في قيامه عن مكان السجود فقد خالف السنة
وإن رفع بصره إلى السماء فقد ارتكب محرَّماً
الدليل على سنية النظر إلى موضع السجود مارواه سعيد بن منصور بإسناده عن ابن سير ين أن النبي ﷺ كان يقلب بصره في السماء فلما نزل قوله تعالى والذين هم في صلاتهم خاشعون طأطأ رأسه ﷺ -
стр. 355
وهذا الاسناد صحيح ثابت إلى ابن سيرين ومعلوم ان ابن سيرين من التابعين فهو حديث منقطع لكنه ثابت إلى ابن سيرين أي أنا نجزم أن ابن سيرين نسب هذا الحديث إلى النبي ﷺ
وتقدم معنى أن الحديث المرسل الثابت من طريقة الإمام أحمد أن يأخذ به وأنه أولى من أقوال الرجال لا سيما وأنه يجزم هذا التابعي الجليل بنسبته إلى النبي ﷺ
وهذا المذهب هو اختيار الجمهور
والقول الثاني وهو مذهب المالكية أن الإنسان ينظر إلى الأمام وهو مذهب ضعيف جدا إذ لا يعتمد على أثر ثم إن فيه تشتيتاً وإشغالاً للمصلي وإبعاداً له عن الخشوع الطمأنينة ولوضح ضعف هذا القول نجد أن محققي المالكية ضعفه واختار مذهب الجمهور وهو الحافظ ابن عبد البر مع كونه مالكياً إلا أنه يرى أن هذا القول ضعيف وأن الصواب مع الجمهور في أن السنة النظر إلى موضع السجود
واستثنى العلماء من هذا الحكم العام بعض الصور العارضة
فمثلاً في صلاة الخوف إذا كان العدو تجاه القبلة فالمشروع أن ينظر إلى العدو لا إلى موضع سجوده
أيضاً إذا كان الإنسان يخشى على ماله وولده وهم في تجاه القبلة يخشى عليهم من الهلاك أو الضرر فإنه ينظر إليهم ولا ينظر إلى موضع سجوده
وذكروا عدة مسائل مستثناة
ولكن الأصل الثابت الواضح أن السنة في حق المصلي أن ينظر إلى مصلاه
مسألة هل ينظر المصلي إلى مصلاه وإن كان في الجلوس بين السجدتين أو للتشهد الجواب أن هذا موضع خلاف بين الفقهاء
فمنهم من يرى أن المصلي ينظر إلى إصبعه في الجلوس لحديث رواه أبو داوه في سننه أن النبي ﷺ كان يصنع هكذا
والقول الثاني أن الانسان ينظر في جميع أجزاء الصلاة إلى موضع السجود
والأقرب النظر إلى اليد إن صح الحديث الذي في سنن أبي داود
• ثم قال ﵀
ثم يقول سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ
السنة بعد أن يقبض الإنسان يديه ويلقي ببصره إلى موضع سجوده أن يبدأ بالاستفتاح
стр. 356
وقد روي عن النبي ﷺ أنواع عديدة من الاستفتاحات اختار الإمام أحمد منها هذا الاستفتاح المروي عن عمر بن الخطاب ﵁
مع تجويزه ﵀ قول غير هذا النوع من أنواع الاستفتاحات
فيتعلق بهذا عدة مباحث أولاً هذا الحديث المروي عن عمر في الاستفتاح روي مرفوعاً إلى النبي ﷺ وموقوفاً على عمر بن الخطاب ﵁
والصواب الذي رجحه الإمام مسلم أن هذا الحديث موقوف على عمر ﵁
ولكني لا أشك أنه مرفوع حكماً لأنه لا يعقل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحدث ذكراً في الصلاة ويعلمه الناس ولم يأثره عن النبي ﷺ
إذا هو من جهة الاسناد موقوف على عمر لكن له حكم الرفع
المسألة الثانية لماذا رجح الامام أحمد هذا النوع من الاستفتاحات على غيره؟
مع أن البخاري ومسلم أخرجا في صحيحيهما حديث أبي هريرة المشهور أن النبي ﷺ كان يستفتح صلاته بقوله اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث
لماذا اختار الإمام أحمد هذا الحديث على ذاك مع تجويزه قول الامرين
اختاره لسببين
السبب الاول مافيه من تمجيد وتعظيم لله
السسبب الثاني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهذا الاستفتاح يعلمه الناس مما يدل على أهميته واعتناء الصحابة به
مسألة هل المشروع في دعاء الاستفتاح الجهر أو الاسرار؟
الجواب المشروع فيه إجماعاً الاسرار
السؤال لماذا إذا جهر به عمر بن الخطاب الجواب ليعلمه للناس
وباعتبار أنا نتكلم عن الجهر والاسرار فينأخذ قاعدة في هذه المسألة وهي أن كل ما يشرع أن يجهر به وكل مايشرع أن يسر به فهو على سبيل السنية
فمثلاً المشروع في قراءة الركعة الأولى والثانية من صلاة المغرب الجهر أو الاسرار؟ الجهر فهذا الجهر هو مشروع على سبيل السنية والاستحباب لا الوجوب
وما حكم الاسرار بقراءة الركعة الثالثة من المغرب؟ سنة
فالاسرار به يسن على سبيل الاستحباب لا الوجوب لدليلين
الأول إجماع الفقهاء على ذلك
стр. 357
الثاني أنه هكذا روي عن النبي ﷺ أنه جهر فيما جهر به وأسر فيما أسر به
فإن قرأ سراً في الركعة الأولى من المغرب فقد خالف السنة ولا حرج عليه
وإن جهر في الركعة الثالثة فقد خالف السنة ولا حرج عليه
ومن المعلوم أن هذا وإن قرر علماً وفقها ودليلاً إلى أنه لا ينبغي أن يعمل به بين الناس
اولاً لأنه مخالفة صريحة للسنة ثانياً لما يسببه من تشوش وإشكال بالنسبة لعوام الذين لا يعرفون الأحكام الفقهية
•
ثم قال ﵀
ثم يستعيذ
الاستعاذة سنة عند جماهير الفقهاء عند أحمد والشافعي وأبي حنيفة
واستدلوا على سنية الاستعاذة بقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله
والآية عامة في القراءة داخل الصلاة وخارجها
واستدلوا على ذلك بعدة أحاديث لا يخلو شيء منها منن ضعف ولكن هذه الأحاديث باعتبار أن ضعفها يسير مع ما تدل عليه الآية يكفي لإثبات سنية الاستعاذة
والقول الثاني للأمام مالك أن المصلي لا يستعيذ وإنما يشرع بالقراءة واستدل على ذلك بحديث أنس أنه قال كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العاملين والجواب عن الاستدلال بالحديث أن مقصوده يفتتحون القراءة – قراءة القرآن – بالحمد لله رب العالمين وهذا صحيح ولا يمنع ذلك أن يسر بالاستعاذة
والراجح من القولين القول باستحباب الاستعاذة والعمدة في الحقيقة على الآية
ثم لما ذكر الاستعاذة انتقل إلى البسملة فقال
ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة
ذكر عدة مسائل في البسملة نأخذ هذه المسائل على ترتيب المؤلف ثم يبسمل
أي أن المشروع للمصلي بعد أن يستعيذ وقبل أن يبدأ بالفاتحة أن يبسمل فيقول بسم الله الرحمن الرحيم
وإلى هذا أيضاً ذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة أنه ﵁ صلى وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال إني أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ
ففي هذا الحديث إثبات البسملة وأنه إنما قالها اقتداء بالنبي ﷺ -
стр. 358
والقول الثاني للمالكية وهو أن المصلي لا يذكر بسم الله الرحمن الرحيم قبل القراءة واستدل الإمام مالك ﵀ على ذلك بحديث أنس قال صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يفتتحون القراءة بالحمدلله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها
وهذا نص صريح في نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب أن مقصوده ﵁ أنهم كانوا لا يجهرون ببسم الله ويدل على أن هذا مراده الرواية الأخرى عنه وفيها كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وبهذه الرواية يزول الاشكال وإلا بلى هذه الرواية فإن الحديث مشكل فهو ينفي البسملة صراحة لكن لما جاءات هذه لاالرواية زال معها الاشكال واستطعناأن نجمع بين أقوال الصاحبي الجليل أبي هريرة ﵁
والصواب أن المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
المسألة الثانية هل يسر بها أويجهر؟
فالحنابلة والجمهور كما ترون يذهبون إلى أن المصلي لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واستدلوا بدليلين الأول حديث أنس السابق حيث تقدم معنا أن المنفي فيه هو الجهر
والدليل الثاني وهو قوي جداً ومن أسباب الترجيح في المسألة أنه لا يعقل أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل يوم بسم الله الرحمن الرحيم جهراً في ثلاث صلوات ولا ينقل هذا نقلاً متواتراً ولا يعرفه الخلفاء الراشدون
قال ابن القيم هذا من أمحل المحال – وصدق ﵀ فلا يمكن أي يقع هذا مطلقاً
وذهب الشافعية كمل هو المشهور وكما ترون بعض إخواننا الشافعية إلى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
واستدلوا على هذا بأحاديث كثرة ثبت فيها الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عن النبي ﷺ والجواب عن هذه الأحاديث التي ذكروها إجمالاً من وجهين
الجواب الأول أن الإمام الحافظ الناقد الدارقطني قال لايصح في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حديث قط
الجواب الثاني عن أحاديثهم ماذكره ابن القيم فقال أحاديبثهم صريحة غير صحيحة أو صحيحة غير صريحة
إما أن تكون صريحة في المقصود لكنها ضعيفة غير صحيحة
стр. 359
أو تكون ثابتة من جهة الإسناد لكنها غير صريحة يعني لايفهم منها الجهر
والراجح من القولين الاسرار
وإنما ينتفع طالب العلم إذا سمع هذا الخلاف أنه إذا سمع من يجهر عرف أن هذا قول معتبر وأن من ذهب إليه إمام أهل الحديث وهو الشافعي فلا إنكار وإنما الإنسان مقصوده معرفة الحق
•
ثم قال ﵀ وهو المبحث الثالث
وليست من الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم الصواب فيها أنها آية من كتاب الله ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما أتي بها للفصل بين السور وتذكر قبل كل سورة إلا التوبة
هذا خلاصة الراجح في بسم الله الرحمن الرحيم إذاً هي آية في كتاب الله لكنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور أتي بها للفصل بين السور عدا سورة التوبة
الدليل على هذه الأجزاء الثلاثة
أولاًَ الدليل على أنها آية في كتاب الله استدل الفقهاء على ذلك بأن بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة في المصاحف وقد جرد الصحابة في المصاحف القرآن أي لم يذكروا فيه إلا القرآن
فإذا وجدنا أن الصحابة كتبوا في المصحف بسم الله الرحمن الرحيم وهم لم يكتبوا فيه إلا القرآن علمنا أنها من القرآن آية يعني أن جبريل نزل بها من عند الله وأن الله تكلم بها كما تكلم بغيرها من السور والآيات وتأخذ جميع أحكام المصحف في اليمين والمس وفي كل شيء والقراءة
ثانياً الدليل على أنها ليست من الفاتحة ما أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإاذا قال الحمدلله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي الحديث ولم يذكر في أوله بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت من الفاتحة لذكرها
فهذا الدليل على أنها ليست من الفاتحة وهو مذهب الجمهور واختاره ابن تيمية وغيره من المحققين
стр. 360
وهذه المسألة وهي - هل بسم الله الرحمن الرحيم من الفاتحة أو لا - ينبني عليها أحياناً صحة الصلاة وبطلانها لأن الإنسان قد يبدأ في قراءة الفاتحة بقوله الحمد لله رب العالمين فإذا كانت البسملة منها فإن صلاته باطله باعتبار أنه لم يقرأ الفاتحة كاملة
فإذاً هي مسألة مهمة ويحتاج طالب العلم أن يعرف الحق فيها فالأقرب - والله أعلم - أنها ليست من الفاتحة
بناء على هذا كيف نقسم الآيات؟ فإنك إذا فتحت المصحف ستجد أن بسم الله الرحمن الرحيم تأخذ رقم واحد ونحن نعتبر أن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فإذا أخرجنا بسم الله الرحمن الرحيم كيف سيكون تقسيم الفاتحة؟
التقسيم سهل وهو أن نقول أن الحمد لله رب العالمين آية ثم تستمر كما التقسيم في المصحف إلى قوله صراط الذين أنعمت عليهم بعد عليهم انتهت الآية السادسة وبدأت الآية السابعة وتبدأ من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين
هذا ليتصور الإنسان عدد الآيات وإلا لا إشكال أنه إذا قرأ من الحمدلله إلى آخرها فقد قرأ الفاتحة كاملة وصلاته صحيحة وإن لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
ثم بدأ رحمه الله تعالى بمسألة الفاتحة كما ستلاحظ سيذكر عدة مباحث كما تلاحظ في المتن كلها يتعلق بالفاتحة
• ثم قال ﵀
ثم يقرأ الفاتحة
الفاتحة كما أشرت يتعلق بها أحكام كثيرة سيذكرها المؤلف ﵀
الحكم الأول الفاتحة ركن من أركان الصلاة بالنسبة للإمام والمنفرد أما بالنسبة للمأموم فسيأتي بحث هذه المسألة مطولاً عند موضعها إن شاء الله
وهذا مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها واستدلوا ﵏ على هذا الحكم بقول النبي ﷺ في حديث معاذ الثابت الصحيح لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
انتهى الدرس
стр. 361
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال ﵀:
ثم يقرأ الفاتحة
التعليق على هذه المسألة من الدرس الثالث:
بدأنا بالأمس بالمسألة الأولى وهي حكم قراءة الفاتحة:
فنعيد هذه المسألة:
نقول الجمهور يرون من الأئمة من الصحابة ومن بعدهم أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فإن تركها عمداً أو سهواًَ بطلت الصلاة.
واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ "" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "" وهو حديث صحيح ومعناه صريح.
واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة في مسلم أن النبي ﷺ قال كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج "" قال ثلاثاً.
وهذه الأدلة صريحة في المقصود وهي صحيحة ثابتة من حيث الإسناد.
القول الثاني: للأحناف أن قراءة الفاتحة سنة فإن تركها وقرأ غيرها من كتاب الله صحت صلاته.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى ((فاقرأوا ما تيسر منه)) وجعلووا الآية عامة في الصلاة وخارج الصلاة.
والدليل الثاني: استدلوا بقول النبي ﷺ للأعرابي ثم اقرأ ماتيسر معك أي في الصلاة.
وهذا الخلاف خاص بالمنفرد والإمام وأن حكم قراءة الفاتحة للمأموم سيأتي في موضعه وهي مسألة مهمة سنتحدث عنها إذا جاء موضعها من الكتاب.
والراجح من القولين السابقين مذهب الجماهير لصحة وقوة وصراحة ما ستدلوا به فهي أحاديث صريحة في المقصود وصحيحة من حيث الثبوت.
كما أن في هذه الأحاديث زيادة علم وهو تخصيص الفاتحة بالقراءة وزيادة العلم يجب المصير إليها.
ويشترط في قراءة الفاتحة أن تكون متوالية مرتبة والمؤلف ﵀ سيذكر هذين الشرطين وسيبدأ بشرط التوالي:
• فيقول ﵀:
فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال
لزمه أن يعيد قراءة الفاتحة من الأول فيستأنف القراءة ووجوب الإعادة في موضعين:
إما أن يسكت سكوتاً طويلاً أو يذكر ذكراً طويلاً ويشترط في السكوت وفي الذكر أن لا يكونا مشروعين.
التعليل: لأن في هذا السكوت والذكر الذي قطع به قراءة الفاتحة إخلال بنظم الفاتحة فإذا قرأها على هذا الوجه لم يقرأها كما كان ﷺ يقرأها.
стр. 362
وفهم من كلام المؤلف أنه إن قطع القراءة بسكوت قصير أو بذكر قصير فإن القراءة صحيحة ولا يحتاج إلى الإعادة والاستئناف لان هذا السكوت القصير والذكر القصير لا يخل بنظم السورة.
وفهم من كلام المؤلف أيضاً إن قطع الفاتحة بذكر وسكوت طويلين لكنهما مشروعين فإن قراءة الفاتحة أيضاً صحيحة لأنه ذكر وسكوت مشروعين.
من أمثلة الذكر المشروع قول المصلي آمين ومن أمثلة الذكر المشروع تسبيح المصلي لتنبيه الإمام.
ومن أمثلة السكوت المشروع أن يسكت استماعا لقراءة الامام.
فهذه أمثلة للذكر والسكوت المشروعين.
إذاً تبين أن معنا ثلاث صور وجوب الاعادة في صورة واحدة وهي: إذ قطعها بذكر وسكوت طويل وأيضا غير مشروع وهذا هو شرط التوالي لانه في الحقيقة اذا قطعها في ذكر وسكوت طويلين قطع الموالاة.
• ثم قال ﵀:
أو ترك منها تشديدة
في الفاتحة إحدى عشرة تشديدة إن ترك منها واحدة لم تصح قراءة الفاتحة.
التعليل: أن التشديدة بمنزلة الحرف فإذا ترك تشديدة فكأنه ترك حرفاً.
• ثم قال ﵀:
أو حرفاً
أي أو ترك حرفاً فإذا ترك حرفاً واحداً من الفاتحة وجب عليه أن يعيد.
السبب: أنه إذا ترك حرفاً من الفاتحة فهو في الحقيقة لم يقرأ الفاتحة وإنما قرأ بعض الفاتحة والواجب قراءة الفاتحة بأكملها.
إذا هذا هو تعليل وجوب الإعادة على من ترك حرفاً من الفاتحة.
•
ثم قال ﵀:
أو ترتيباً:
إذا ترك ترتيب الفاتحة فإنه يجب عليه أن يعيد والإخلال بالترتيب يحصل في صورتين:
الأول: تقديم كلمة على كلمة.
والثاني: قراءة الفاتحة منكسة.
فإن فعل وجبل عليه أن يعيد قراءة الفاتحة لأن من شروط صحة القراءة أن نقرأ كما نزل من الله إلى محمد ﷺ .
• ثم قال ﵀:
لزم غير مأموم إعادتها
إذا أخل الإنسان بالموالاة فإنه يجب عليه أن يعيد السورة من أولها لأن شرط الموالاة اختل ولا يمكن الاتيان به على وجهه إلا بإعادة قراءة الفاتحة من أولها.
وإن أخل بالفاتحة بترك تشديدة أو حرفاً أو ترتيباً ففي وجوب الإعادة عليه تفصيل:
إن كان ترك ذلك عمدً فيجب عليه أن يعيد القراءة من أول الفاتحة.
وإن ترك ذلك بلا تعمد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة.
стр. 363
فإذا قرأ كلمة من الفاتحة بلا تشديدة كأن يقرأ الرحمن بلا تشديدة أو الرحيم بلا تشديدة بلا قصد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة فقط ولا يجب عليه أن يستأنف قراءة الفاتحة من أولها.
وإن ترك ذلك متعمداً وجب عليه أن يبدأ قراءة الفاتحة من أولها.
هذا إذا لم تبطل صلاته بتعمده ترك حرف من الفاتحة لأنه متلاعب ولكن قد يتصور هذا بسبب التساهل لا بسبب التلاعب كأن يتساهل في النطق ويستعجل عامداً ويترك حرفاً حينئذ نقول له أعد السورة ولا تعد الكلمة.
أما إذا اجتهد ونطق بالكلمة ناقصة حرفاً بلا تعمد فنقول أعد الكلمة فقط.
الخلاصة إذا ترك هذه الثلاثة أشياء التشديدة أو الحرف أو الترتيب متعمدا وجب أن يعيد قراءة الفاتحة من أولها.
وإذاتركها بلا تعمد وجب أن يعيد الكلمة فقط.
•
ثم قال ﵀:
ويجهر الكل
يقصد بالكل: المأموم والإمام والمنفرد فكلهم يجهرون بآمين والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الإمام غفر له وفي رواية غفر له ما تقدم من ذنبه.
وفي السنن أن النبي ﷺ كان إذا أمن ارتج المسجد تأميناً.
ولكن الذي يظهر أن في إسناد هذا الحديث ضعف.
مسألة: متى يؤمن المأموم؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المأموم يؤمن مع الإمام فإذا قال الإمام ولا الضالين قال الإمام والمأموم: آمين.
والقول الثاني: أن المأموم يؤمن إذا انتهى الإمام من قوله آمين.
وعلى هذا إذا قال الإمام ولا الضالين يسكت المأموم وينتظر إلى أن يقول الإمام آمين ثم يقول هو بعد ذلك آمين.
واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة لأنه يقول إذا أمن الإمام فأمنوا.
والصواب القول الأول لأن حديث أبي هريرة ﵁ جاء مفسراً في صحيح البخاري حيث قال: فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين.
стр. 364
وهذه الرواية وهي - فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين - موجودة في صحيح البخاري لكن المجد في المنتقى نسبها إلى سنن النسائي ومسند الإمام أحمد فوهم بذلك وهي موجودة في صحيح البخاري وهي مرجح قوي للقول الأول وهو دليل على أن عمل الناس اليوم هو الموافق للسنة أنهم يقولون آمين هم والإمام في وقت واحد.
ثم إن في القول الثاني: وهو انتظار قول الإمام آمين إرباك للمصلين كما يشاهد ممن يفعل هذه السنة فإنا لا ندري متى سيقول آمين ولاندري هل سيجهر الإمام بآمين أو لن يجهر إلى آخره فيحصل إرباك بسبب هذا القول.
فالراجح والله أعلم دليلاً ونظراً مع القول الأول.
•
قال ﵀:
ويجهر الكل ((بِآمِيْنَ)) في الجهرية
عندكم في نسخة في الجهريات هذه النسخة أصح لوجهين:
أولاً أنها أوضح في المقصود.
ثانياً هي أرجح من حيث النسخة الخطية لأن النسخة الخطية التي أخذت منها لفظة الجهريات هي النسخة المنقولة عن نسخة الشيخ عبد الله بن با بطين التي صححها هو بنفسه ومعلوم أن الشيخ ﵀ أولاً بارع في الفقه ثانياً له عناية جداً بهذا المتن وهذه الأمور ترجح النسخة التي أشرف عليها.
فاجتمعت في هذه الكلمة المرجحات من حيث النسخ الخطية ومن حيث المعنى والأمر سهل لكن على كل حال في الجهريات أحسن.
• ثم قال ﵀:
ثم يقرأ بعدها سورة:
يسن بعد قراءة الفاتحة أن يقرأ الإنسان سورة في الركعتين الأولتين فقط والدليل على قراءة هذه السورة السنة المستفيضة المشهورة عن النبي ﷺ "أنه كان يفعل ذلك أي يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية فقط دون الثالثة.
مسألة والسنة أن يقرأ الإنسان سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة والدليل أن هذا هو الغالب على النبي ﷺ أنه يقرأ سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة وهذا سنة ويجوز أن يقرأ الإنسان بعض السورة بدليل أن النبي ﷺ قرأ الأعراف في صلاة المغرب ومن المعلوم أن قرأ بعضها في الركعة الأولى وبعضها في الركعة الثانية فقرأ في ركعة بعض سورة.
• ثم قال ﵀:
تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه.
стр. 365
طوال المفصل من القرآن يبدأ من ق إلى عم.
وأوساط المفصل: من عم إلى والضحى.
وقصار المفصل من والضحى إلى الناس.
فالسنة أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي الفجر بطواله وفي الباقي وهي العشاء والظهر والعصر اوساط المفصل.
والدليل على هذا حديث أبي هريرة أنه قال ﵁ ماصليت خلف رجل أشبه صلاة برسول الله ﵁ من فلان قال وكان يقرأ في الفجر بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بأوساط المفصل.
قال الحافظ بن حجر إسناده صحيح.
ويدل على ذلك أيضاً أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى كتابا وقال فيه واقرأ في الظهر من أوساط المفصل.
فهذان دليلان على هذا التفصيل الذي ذكره المؤلف.
• ثم قال ﵀:
ولا تصح بقراءَة خارجة عن مصحف عثمان ٠
مصحف عثمان هو المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وله رسم معين معروف وهو الرسم الموجود بين أيدينا اليوم وتناقلته الأمة بالتواتر العظيم سلفاً عن خلف إلى أن وصل إلينا محفوظاً بحفظ الله كاملاً برسمه الذي رسمه الصحابة.
فإذا رويت قراءة خارجة عن رسم المصحف العثماني فإنه لا يجوز أن نقرأ بها في الصلاة ولو صح إسنادها.
التعليل: لأن هذه القراءة ليست متواترة ولا يصح أن نقرأ في الصلاة بغير المتواتر.
والقول الثاني: أن القراءة إذا صح إسنادها إلى النبي ﷺ جازت القراءة بها في الصلاة والاستدلال بها على الأحكام.
وهذا القول اختاره ابن الجوزي واختاره أيضاًَ شيخ الإسلام بن تيمية ﵏.
الدليل: قال شيخ الإسلام: اتفق أئمة السلف على أن مافي مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة التي نزلت على النبي ﷺ وأن المصحف لم يستوعب جميع الحروف وقد كان أصحاب النبي ﷺ يقرأون في عصره وبعد عصره بالقراءات السبع بالأحرف السبع وكانت صلاتهم صحيحة بلا شك فدل ذلك على أن القراءة بهذه القراءات تصح معها الصلاة.
وهذا القول الثاني: هو القول الراجح بل يظهر لي أنه لا ينبغي القول بخلافه لأننا نجزم أن صلاة الصحابة بالقراءات الخارجة عن مصحف عثمان كانت صحيحة.
стр. 366
مسألة: فإن رويت قراءة بإسناد صحيح متوافقة مع الرسم العثماني صحت الصلاة بها ولو كانت خارج القراءات العشر المعروفة.
بهذين الشرطين صحة الإسناد وأن توافق الرسم العثماني حينئذ تصح حتى عند الحنابلة.
انتهى المؤلف من الكلام على القراءة وانتقل إلى الركوع.
• قال ﵀:
ثم يركع
يعني بعد فراغه من القراءة يركع.
وفات المؤلف ﵀ سنة وهي السكتة اليسيرة التي تكون بين القراءة والركوع فإن الإمام أحمد كره أن يصل المصلي القراءة بالتكبير وذلك لما ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يسكت قليلاً قبل أن يركع.
وليس في السنة تحديد لمقدار هذه السكتة.
وذهب ابن القيم إلى أنها بقدر ما يرجع النفس للقارئ.
ومن هنا نعلم أن ما يفعله بعض الأئمة من أنهم يصلون القراءة بالتكبير مباشرة أنه خلاف السنة بل كرهه الإمام أحمد.
ثم بعد هذه السكتة كما قال المؤلف: يركع:
والركوع ركن من أركان الصلاة فإن تركه جاهلاً أو ناسياً بطلت صلاته إلا أن يذكر وهو في الصلاة فإنه يأتي به على تفصيل سيأتينا في باب سجود السهو.
الدليل على ركنيته أن النبي ﷺ قال للمسيء ثم اركع حتى تطمأن راكعاً والله يقول: ((اركعوا واسجدوا)).
• ثم قال ﵀:
مكبراً
يعني أن السنة أن يكبر للانتقال والدليل على تكبير المصلي إذا أراد أن ينتقل من القيامإلى الركوع حديث أبي هريرة الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة كبر وإذا أراد أن يركع كبر فنص ﵁ على أن المصلي إذا أراد أن ينتقل يكبر تكبيرة الانتقال.
مسألة: واختلف الفقهاء في موضع هذه التكبيرة.
فذهب الحنابلة إلى أنه يجب أن يبدأ التكبير مع بداية الانتقال وينتهي من التكبير مع انتهاء الانتقال. فإن خرج شيء من التكبير عن ذلك لم يصح.
التعليل: قالوا: أن خروجه عن ذلك تكبير في غير محله والتكبير في غير محله لا يصح.
стр. 367
الوجه الثاني: أن الأمر في هذه المسألة واسع فيجوز أن يبدأ بالتكبير قبل أن يبدأ بالانحناء ويجوز أن يتم بعض التكبير بعد انتهاء الركوع وهذا القول وجه عند الحنابلة واختاره منهم ابن تميم من الحنابلة وعللوا ذلك بأن مراعاة هذا الأمر شاق جداً وعسر على الناس ولا يكاد يلتزم به مصلي.
وهذا القول الثاني هو القول الصواب لأنه كما قالوا يكاد يتعذر على المصلي أن يراعي هذا دائماً وأبداً فمن الصعب أن يلتزم الإنسان أن يبدأ بالتكبير إذا بدأ بالانتقال وينتهي من التكبير إذا انتهى من الانتقال الالتزام بهذا لاشك أنه متعذر أو أشبه ما يكون بالمتعذر.
•
ثم قال ﵀:
رافعاً يديه:
يعني أن السنة لمن أراد أن يركع أن يرفع يديه إذا كبر.
ذهب الجمهور إلى أنه يسن للمصلي إذا راد أن يكبر للركوع أن يرفع يديه واستدلوا على ذلك بأحاديث صريحة صحيحة كثيرة منها حديث ابن عمر ﵁ أنه قال أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا استفتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع من الركوع.
ومنها حديث الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ كان يرفع في هذه المواضع.
والرفع عند الركوع سنة ثابتة.
والقول الثاني أنه لا يشرع للإنسان إذا أراد أن يركع لأنه لم يذكر في حديث المسيء.
وتقدم معنا مراراً أن النبي ﷺ إنما ذكر في حديث المسيء الواجبات فقط.
• قال ﵀ مبيناً ماذا يفعل المصلي بعد الركوع:
ويضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع
السنة للمصلي ....
انتهى الدرس
стр. 368
قال شيخنا حفظه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
ويقول سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ
يجب عند الحنابلة أن يدعو المصلي إذا ركع بهذا الدعاء سبحان ربي العظيم وهو واجب من واجبات الصلاة كما سيأتينا عند تعداد واجبات الصلاة
والدليل على هذا الحك
حديث حذيفة ﵁ الذي أخرجه مسلم قال وكان إذا ركع أي النبي ﷺ يقول سبحان ربي العظيم
والدليل الآخر
حديث عقبة أنه لما نزل قوله تعالى ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبي ﷺ اجعلوها في ركوعكم وفي إسناد هذا الحديث ضعف
مسألة والواجب في قول سبحان ربي العظيم مرة
وأدنى الكمال ثلاث
وأقصى الكمال عشر
وقيل لا حد لأكثره
وقيل أن الأمر في عدد التسبيح واسع ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وليس في السنة ما يحدد الكمال وأدنى الكمال
وهذا القول الأخير هو الصواب
مسألة هل يتعين على المصلي أن يسبح بهذا اللفظ؟ فإن سبح بغيره فإنه لا يجزئ
فيه خلاف على قولين
القول الأول أن هذا اللفظ يتعين
لقوله ﷺ اجعلوها في ركوعكم
ويصدق هذا عمله ﷺ حيث كان يقول في الركوع سبحان ربي العظيم
والقول الثاني أن هذا اللفظ لا يتعين فإن سبح الله بأي صيغة كأن يقول سبحانك أجزأ وهذا مذهب المالكية
واستدلوا
بأنه ثبت في الصحيحين وفي غيرهما أذكار متعددة للركوع كما في حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي
فدل ذلك على أنه لا يتعين قول المصلي سبحان ربي العظيم
والقول الثاني هو الراجح
والأحوط أن لا يترك المصلي في ركوعه سبحان ربي العظيم اقتداء بالنبي ﷺ وخروجاً من الخلاف
مسألة هل يشرع أن يزيد المصلي في ركوعه وسجوده على قوله سبحان ربي العظيم؟
في هذا أيضاً خلاف
فذهب الحنابلة إلى أنه في صلاة الفريضة لا يزيد على هذا اللفظ ويجوز أن يزيد في النافلة
وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أن يزيد على سبحان ربي العظيم في الفريضة والنافلة
لأن الأحاديث التي فيها زيادات على هذا الذكر لم تخصص النافلة بهذا الحكم
من أمثلته قول المصلي سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقوله وما ثبت في النفل ثبت مثله في الفريضة
وهذا كما قلت لكم مذهب الشافعي
стр. 369
ومذهب الشافعي في هذه المسألة أصح من مذهب الحنابلة
مسألة هل يشرع أن يقول المصلي سبحان الله العظيم وبحمده؟ فيزيد كلمة وبحمده
أيضاً اختلفوا فيه على قولين
القول الأول أنه لا يزيد هذه اللفظة
قال الإمام أحمد ﵀ أما أنا فلا أقول وبحمده
والقول الثاني أن هذه الزيادة مشروعة
لما جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يقول سبحان الله العظيم وبحمده في ركوعه
والراجح القول الأول وزيادة وبحمده ضعيفه وممن أشار إلى ضعفها الحافظ أبي داود وقد نقول أن إعراض الإمام أحمد عن العمل بها أيضاً يدل على تضعيفها
وعلى كل حال هي زيادة ضعيفة
هذه بعض المسائل التي تتعلق بالتسبيح في الركوع وينبغي أن تعلم أن مثل هذه المسائل ستتكرر معنا في تسبيح السجود فمن المفيد لطالب العلم أن يتقنها
• ثم قال ﵀
ثم يرفع رأْسه ويديه
المشروع للمصلي إذا رفع من الركوع أن يرفع يديه مع التكبير
والدليل على سنية الرفع في هذا الموضع
حديث ابن عمر السابق
ولكن اختلف الفقهاء متى يرفع يديه؟
على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد
القول الأول أنه يرفع يديه مع التكبير
لحديث أبي حميد الساعدي وفيه ثم قال سمع الله لمن حمده ورفع يديه
ولحديث ابن عمر ثم رفع رأسه ورفع يديه كذلك
والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهو القول الثاني أنه لا يرفع يديه حتى يستتم قائماً فيقول سمع الله لمن حمده فإذا استتم قائماً رفع يديه
واستدلوا
برواية في حديث ابن عمر وفيها ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه
ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند ذكر أن راوي الحديث وهو سفيان كان يتردد في هذه اللفظة كأنه لم يضبطها قال الإمام أحمد كان أحياناً يقول فرفع يديه وأحياناً يقول ثم بعد ذلك رفع يديه ثم ثبت على ثم بعد ذلك رفع يديه
فإشارة الإمام أحمد في المسند إلى تردد الإمام سفيان وهو يقصد ابن عيينة لأن الإمام أحمد لا يروي عن الثوري يضعف هذا القول لا سيما وأن اللفظ الذي في الصحيحين ليس فيه كلمة بعد ذلك
стр. 370
الخلاصة أن الراجح القول الأول وهو أن الرفع يكون مع سمع الله لمن حمده ولا ينتظر إلى أن يستتم وإنما يرفع مع الرفع وهذا هو المذهب الرواية الأولى القول الأول هي المذهب وهذا يفهم من عبارة المؤلف ﵀
• ثم قال ﵀
قائلاً إمام ومنفرد
أي دون المأموم فلا يقول هذا الذكر وسيأتي الكلام في الذكر المشروع للمأموم في هذا الموضع ونبقى الآن مع ذكر الخاص بالإمام والمنفرد
•
يقول ﵀
قائلاً إمام ومنفرد سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ
المشروع للإمام إذا رفع رأسه وكذا المنفرد فقط
عند الحنابلة أن يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً ملء السموات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
وهذا الذكر بطرفيه سمع الله لمن حمده وملء السموات وملء الأرض
جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن أبي أوفى ﵁
كذلك جاء من حديث أبي هريرة ﵁
وكذلك جاء من حديث ابن عباس ﵁
وكذلك جاء بعضه من حديث أنس ﵁
فالذين رووا تسميعه ﷺ وذكره عدد من الصحابة نحو أربعة أو خمسة وهم كما ذكرت لكم ابن عباس وأبي هريرة وابن أبي أوفى وبعضه أنس
كلهم أثبت أنه يقول سمع الله لمن حمده
• ثم قال ﵀
وبعد قيامهما
أي الإمام والمنفرد
رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ
هذا الذكر وهو المكمل لذكر الإمام بعد قوله سمع الله لمن حمده جاء كما قلت لكم في عدة أحاديث
ملخص هذه الأحاديث أنه على أربع صيغ
أن يقول ربنا لك الحمد هذه الأولى
الصيغة الثانية أن يقول ربنا ولك الحمد بزيادة الواو
الثالثة أن يقول اللهم ربنا لك الحمد
والرابعة والأخيرة أن يقول اللهم ربنا ولك الحمد
هذه الصيغ في الأحاديث التي ذكرت لك ابن عباس وأيضاً أضف إليهم علي وابن أبي أوفى وأبي هريرة
وعلى المذهب الأفضل والمستحب أن يقول ربنا ولك الحمد أي يختار التي بزيادة الواو
стр. 371
لسببين
الأول لأن هذه الرواية أصح فهي في الصحيحين
والثاني ولأن فيها زيادة وهي الواو والزيادة أولى بالقبول
وأما بالنسبة ل اللهم ربنا لك الحمد والتي معها اللهم ربنا ولك الحمد فالأفضل عند الحنابلة التي بدون الواو
وأيضاً لنفس السبب لأنها أصح وأشهر وأكثر رواة
مع العلم أنهم يجوزون أن يقول الإنسان الصيغ الأربع ولكن يقولون بالنسبة ل ربنا ولك الحمد الأفضل بالواو وبالنسبة ل اللهم الأفضل بدون الواو ويرجعون في هذا إلى صحة الأسانيد وكثرة الطرق وعدد الرواة
مسألة قال ابن القيم لم يثبت في السنة أن النبي ﷺ قال اللهم ربنا ولك الحمد فلم يأت في السنة اللهم مع الواو
ووهم ﵀ فإنه ثبت في صحيح البخاري حديث أنس أن النبي ﷺ كان يقول اللهم ربنا ولك الحمد
فالصيغ الأربع ثابتة في السنة
والأولى للمصلي أن ينوع بين الأربع ويكثر من اللهم ربنا لك الحمد أو يكثر من ربنا ولك الحمد
• ثم قال ﵀
ومأموم في رفعه رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فقط
أي أن المشروع للمأموم أن يقول ربنا ولك الحمد فلا يشرع له أن يقول سمع الله لمن حمده ولا يشرع له أن يقول أيضاً ربنا ولك الحمد ولا اللهم ربنا ولك الحمد
الدليل
قالوا الدليل على هذا
حديث أنس في البخاري أن النبي ﷺ قال إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد
فبين الحديث أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده ولا يقول أيضاً ملء السماء وملء الأرض
ونحن نريد تسهيلاً أن نفصل الخلاف فنتكلم أولاً في حكم قول المأموم ملء السماء ومل الأرض ثم نذكر الخلاف في حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده
إذاً
الحنابلة يرون أن المأموم لا يقول ملء السماء وملء الأرض ولا يقول سمع الله لمن حمده
نأخذ الخلاف في المسألة الأولى
أخذتم مذهب الحنابلة ودليلهم وهو حديث أنس ﵁
القول الثاني أن المأموم يقول ملء السماء وملء الأرض وهو اختيار المجد بن تيمية وأبو الخطاب
стр. 372
لحديث مالك بن الحويرث صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا الحديث عام يشمل قول المأموم ملء السماء وملء الأرض وهذا القول هو الصحيح
ثانياً مسألة سمع الله لمن حمده
فالقول الأول وهو المذهب أنه لا يشرع للمأموم أن يقولها لحديث أنس السابق
القول الثاني للمالكية والشافعية وإسحاق ورواية لأحمد أنه يقول سمع الله لمن حمده
الدليل
قالوا النبي ﷺ لما أراد أن يودع مالك بن الحويرث قال له ائت قومك صل بهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وهو ﷺ كان يقول سمع الله لمن حمده
وقوله صلوا كما رأيتموني أصلي عام يشمل المأموم والإمام والمنفرد
الجواب على حديث أنس من وجهين
الوجه الأول أن النبي ﷺ إنما قال فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ولم ينص على قول سمع الله لمن حمده لأن المأمومين كانوا يسمعون النبي ﷺ يقول سمع الله لمن حمده فكانوا يقتدون به بلا قول
وبهذا أجاب النووي ﵀
أي أنه لم يؤمر المأموم بقول سمع الله لمن حمده لأنه يسمعه من النبي ﷺ جهراً فسيقتدي به
شرح آخر لوجود إشكال إذا قيل للشافعية كيف تقولون يقول المأموم سمع الله لمن حمده والنبي ﷺ يقول إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا أيها المأمومين ربنا ولك الحمد فجعل ذكر الإمام سمع الله لمن حمده وذكر المأمومين ربنا ولك الحمد
الجواب أن النبي ﷺ لم يأمرهم بقول سمع الله لمن حمده لأنهم يسمعونه يجهر بها ويعرفونها فلم يحتاجوا إلى الأمر بها
الجواب الثاني أن حديث أنس لو أفاد منع المأموم من سمع الله لمن حمده لأفاد منع الإمام من قوله ربنا ولك الحمد
والتزم بهذا أبو حنيفة فأبو حنيفة يقول الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد
стр. 373
مرة أخرى أن حديث أنس لو أفاد منع المأموم من قول سمع الله لمن حمده لأفاد منع الإمام من قوله ربنا ولك الحمد لأنه جعل الإمام يقول سمع الله لمن حمده والمأموم يقول ربنا ولك الحمد
وهذا لا يلتزم به الحنابلة بل يجعلون الإمام يقول ربنا ولك الحمد فهو إيراد عليهم
والذي يظهر لي في هذه المسألة أن المأموم يقول سمع الله لمن حمده
وهذا هو الراجح
انتهينا من هذه المسألة
المسألة الثانية
الحنابلة يرون أن المأموم لا يقول ملء السموات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد وإنما يقول فقط ربنا ولك الحمد كما في حديث أنس بلا زيادة ملء السماء وملء الأرض إلخ
استدلوا
بحديث أنس ﵁
والقول الثاني أنه يشرع لمأموم أن يقول ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
لأن حديث أنس ليس فيه المنع من الزيادة على هذا الذكر والأصل أن ماثبت في حق الإمام ثبت في حق المأموم إلا بدليل
والراجح أيضاً أن المأموم يقول ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
لعموم قوله ﷺ صلو كما رأيتموني أصلي
تنبيه الخلاف في حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده أقوى من الخلاف في حكم قول المأموم ملء السماء وملء الأرض
ويجب أن يعرف طالب العلم قوة الخلاف وضعفه فيعرف أن هذه المسألة الخلاف فيها قوي فيحتاط ويجتهد في معرفة الحق ويعرف أن الخلاف في هذه المسألة ضعيف فيكون اجتهاده في غيرها أكثر لأن بعض الناس لا يهمه إلا الراجح ولا يهتم بمسألة قوة الخلاف وضعف الخلاف
إذاً قول المؤلف ﵀ هنا ومأموم في رفعه ربنا ولك الحمد فقط كلمة فقط تخرج قول المأموم سمع الله لمن حمده وأيضاً قول المأموم ملء السماء وملء الأرض
والآن عرفنا أن الراجح فيهما والله أعلم أن المأموم يقولهما
•
قال ﵀
ثم يخر مكبراً
لم يبين المؤلف ﵀ إذا رفع المصلي من الركوع هل يقبض أو يرسل وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين
стр. 374
القول الأول وهو مذهب الإمام أحمد وليس له في هذه المسألة إلا رواية واحدة جزم بها وليس له روايات أخرى أن المصلي بالخيار إن شاء قبض وإن شاء أرسل
دليل الإمام أحمد
أنه ليس في السنة نص صريح يدل على سنية القبض أو الإرسال
ويجب أن تقف عند العبارة وهي قوله وهذا ليس لفظ الإمام أحمد لكن هذا معنى كلامه ليس في السنة لفظ صريح فيوجد نصوص ولكنها ليست صريحة في المقصود
إذاً ليس في السنة شيء صريح ولذا قال الأمر فيه سعة إن شاء قبض وإن شاء أرسل
والقول الثاني وهو قول عند الحنابلة وليس رواية عند الإمام أحمد أن السنة القبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة
واستدلوا
بعموم حديث أبي حميد الساعدي السابق كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة
وجه الاستدلال قوله في الحديث في الصلاة عام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع فأخذوا بعموم اللفظ
والذين قالوا لا يقبض قالوا العام يحمل على المخصص فالسنة نصت بصراحة على القبض في القرءاة في قيام الصلاة ولم تذكر القبض صراحة بعد الرفع من الركوع
وهو قول ثالث لكن لا نريد أن نذكر هذا
المهم الآن المسألة على قولين
بالخيار إما القبض والإرسال
وأن السنة القبض
هذا القول الثالث وهو أن السنة الإرسال في ساعتي هذه لا أذكر من المتقدمين لا أقول ما قال به أحد لكن الآن ما أذكر هل قال به أحد من الأئمة المتقدمين أو أن أصحاب الأقوال في القرون الأربعة اختلفوا فقط على قولين الخيار أنه مخير أو أنه يقبض فربما يوجد قول ثالث لا أذكره أو لم أقف عليه كما يغلب على ظني لكن لا أنفي الآن فلم أراجع هل من الفقهاء من قال بأن السنة الإرسال وإن كان يعرف في المعاصرين من يتبنى هذا القول
لكن أريد قبل أن أقرر أنه قولاً ثالثاً أن أتأكد من وجوده في القرون الأربعة لأن هذه مسألة في الصلاة وفي الحقيقة الآن لا أذكر هل قيل به من الأئمة المتقدمين أو لا؟
الخلاصة أنهم اختلفوا على قولين
التخيير والقبض
والأقرب القبض أولاً لأن هذا أقرب للخشوع
стр. 375
ثانياً أن إدخاله في العموم مقبول ولا يعتبر بعيد في الاستدلال
• قال ﵀
ثم يخر مكبراً
السنة أن يخر الإنسان مكبراً بلا رفع لليدين
أي أن السنة أن لا يرفع يديه إذا أراد أن يسجد
والدليل على هذا
ما جاء في حديث ابن عمر أنه ﵁ قال وكان لا يرفع في السجود
والقول الثاني أن السنة أن يرفع أيضاً إذا أراد أن يسجد
واستدلوا
بحديث أن النبي ﷺ كان يرفع في كل خفض ورفع وهذا من الخفض
والجواب على هذا الاستدلال أن لفظ كان يرفع وهم
والصواب وكان يكبر في كل خفض ورفع أما لفظ وكان يرفع فهو وهم لا يثبت
وكل زيادة فيها الرفع للسجود فهي شاذة
والأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحيحين وغيرهما ليس فيها الرفع للسجود بل فيهما نفي الرفع كما سمعت عن ابين عمر ﵁
فلا شك أن رفع اليدين فيما يظهر والله أعلم ليس من السنة
•
ثم قال ﵀
ساجداً على سبعة أعضاء
يجب على المصلي بل هو من أركان الصلاة أن يسجد على سبعة أعضاء
لحديث ابن عباس ﵁ قال أمرنا بالسجود على سبعة أعضاء اليدين والركبتين والقدمين والجبهة هذه سبعة
فإن أخل بالسجود على أحد هذه الأعضاء السبعة بطل سجوده
لأنه أخل بركن من أركان الصلاة
القول الثاني أن الواجب السجود على الجبهة وباقي الأعضاء تبع للجبهة فإن سجد على الجبهة صحت الصلاة ولو لم يسجد على باقي الأعضاء السبعة
إذاً العمدة عند هؤلاء ماهو؟ الجبهة
استدلوا بدليلين
الأول أن النبي ﷺ كان يقول في دعاء السجود سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره الحديث
فقال سجد وجهي: فأضاف السجود إلى الوجه
الثاني قالوا أن من سجد على وجهه فهو المسمى ساجداً فصدق عليه الإتيان بالركن
والراجح القول الأول وهو مذهب الجمهور لصراحة وصحة ووضوح دليل ابن عباس
وإن الإنسان ليعجب ممن يخالف حديث ابن عباس مع وضوحه وصراحته أمرنا بالسجود على سبعة أعضاء
مسألة هل يجب السجود على الأنف؟
اختلفوا على قولين
стр. 376
الأول أنه يجب أن يسجد على الجبة والأنف معها فإن لم يسجد عليه لم يتم سجوده
واستدلوا
بحديث ابن عباس السابق وفيه أن النبي ﷺ قال والجبهة وأشار إلى أنفه
والقول الثاني أن الواجب السجود على الجبهة مع باقي الأعضاء ولا يجب أن يمكن ولا أن يسجد على أنفه
دليلهم
قالوا لو أوجبنا السجود على الأنف لكان الواجب السجود على ثمانية أعضاء لا سبعة والحديث نص على أن أعضاء السجود سبعة
الجواب على هذا الاستدلال
أن الأنف والجبهة بحكم العضو الواحد ولذلك سمى النبي ﷺ الجبهة وأشار إلى الأنف ليبين أنهما كالعضو الواحد
وبهذا لا يكون ثامناً وإنما هو السابع لأنه مع الجبهة كالعضو الواحد
والراجح القول الأول أيضاًلأن حديث ابن عباس نص فيه على وجوب السجود على الجبهة مع الأنف
• قال ﵀
ساجداً على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه
أفاد المؤلف ﵀ أن الواجب عند الهوي إلى الأرض إذا خر ساجداً لله أن يقدم ركبتيه
وهذا مذهب الجمهور وأكثر الصحابة واختاره ابن المنذر وشيخ الا سلام ابن تيمية وعدد من المحققين
استدلوا بدليلين
الأول حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان إذا سجد قدم ركبتيه على يديه ... وهذا الحديث فيه ضعف
الثاني صح إن شاء الله عن عمر ﵁ أنه كان يقدم ركبتيه على يديه
القول الثاني في هذه المسألة أن السنة تقديم اليدين على الركبتين
استدلوا بدليلين
الأول صح في البخاري معلقاً أن ابن عمر ﵁ كان يقدم يديه
الثاني أن النبي ﷺ قال إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه
وهذا الحديث خاض الناس في تأويله وفي الأجوبة عنه وفي بيان معناه مع العلم أن الراجح أنه حديث ضعيف
وهذه من فوائد إتقان طالب العلم لعلم الحديث ودراسة العلل ومعرفة ما يثبن عن النبي ﷺ وما لا يثبت حتى لا يشتغل فيما لا يثبت
فهذا الحديث لا يثبت
стр. 377
وممن ضعفه الإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن المنذر وعدد من الأئمة لولم يكن معهم إلا البخاري لكفى كيف ومعه الترمذي كيف ومعه الدارقطني
إذاً هذا الحديث لا يثبت
والراجح القول الأول وهو المذهب وهو أن المشروع تقديم الركبتين على اليدين
سبب الترجيح
سبب الترجيح في الحقيقة الدرجة الأولى أنه مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو ﵁ له سنة متبعة فضلاً عن أنه يغلب على الظن أنه أخذه عن النبي ﷺ
ومن المرجحات أن حديث وائل بن حجر أقل ضعفاً من حديث أبي هريرة
إذاً الراجح هو ما سمعتم أنه يقدم ركبتيه
• قال ﵀
ثم جبهته مع أنفه
دليل على أن الحنابلة يرون أن السجود على الأنف يجب كما يجب السجود على الجبهة
الأذان
بعد صلاة العشاء
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده
أفاد المؤلف ﵀ بهذه العبارة أنه يجوز أن يسجد الإنسان بأعضائه السبعة على الأرض ولو وجد حائل بينهن وبين الأرض
ولإيضاح هذا الحكم نقول تنقسم الأعضاء إلى أقسام
- القسم الأول
الركبتان والقدمان
فهذه أجمع الفقهاء على عدم وجوب كشفهما وأنه لا يجب أن يباشرا الأرض
لدليلين
الأول أن النبي ﷺ صح عنه أنه صح بالنعال وإذا صلى بالنعال فلم تباشر القدم الأرض
الثاني أن الركبتين يجب أن يسترا لأنهما من العورة التي يجب أن تستر في الصلاة
- القسم الثاني
اليدان
على المذهب لا يجب أن يباشر المصلي الأرض بيديه
واستدلوا على هذا
بما أخرجه البخاري عن الحسن البصري أنه قال كان القوم يصلون بالعمائم والقلانس ويده في كمه هكذا قال ﵀
قال الحافظ ابن حجر مراده بالقوم الصحابة
وقوله ويده في كمه أراد أن ينص على كل صحابي أن كل واحد منهم كان يفعل ذلك
وكل هذا من كلام ابن حجر ﵀ -
стр. 378
ولكن يشترط في اليدين أن لا يكون الساتر لهما أحد أعضاء السجود فلو وضع يداً فوق يد لم يصح السجود
- القسم الثالث
الجبهة
تنقسم إلى أنواع
النوع الأول أنه يكون الحائل بينها وبين الأرض أحد أعضاء السجود كأن يسجد على يده
فهنا لا يصح السجود
لئلا تتداخل أعضاء السجود
النوع الثاني أن يكون الحائل من غير أعضاء السجود وليس متصلاً بالمصلي
فهذا يصح بلا إشكال
لأنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ سجد على الحصير
وأيضاً ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ سجد على خمرة
والحصير والخمرة كلاهما مصنوع من سعف النخيل لكن الفرق بينهما أن الحصير أكبر من الخمرة
النوع الثالث أن يسجد مع حائل من غير أعضاء السجود ولكنه متصل بالمصلي كأن يسجد على طرف ثوبه
فهذا ينقسم إلى قسمين
الأول - أن يكون مع الحاجة فهو جائز بلا كراهة لما ثبت أن الصحابة كانوا يضعون حائلاً من شدة الحر فكان أحدهم يسجد على كمه من شدة الحر
والثاني - أن يكون بلا حاجة فهو جائز مع الكراهة لأن النبي ﷺ كان يسجد بلا حائل
فإن قيل ما هو الجواب على الحديث الذي مر معنا وهو قولهم شكونا إلى النبي ﷺ شدة الحر فلم يشكنا؟ ولو كان السجود على حائل يجوز لسجدوا على حائل
فالجواب أن معنا لم يشكنا أي لم يزل شكوانا بتأخير الصلاة تأخيراً زائداً ولا علاقة له بمسألة السجود على حائل
مسألة هل يشترط في الحائل بين المصلي والأرض في الحائل المنفصل أن يكون من جنس الأرض كما مثلنا بالحصير؟ أو يجوز ولو لم يكن من جنس الأرض كالفرش؟
الجواب يجوز أن يسجد الإنسان على حائل سواء كان من جنس الأرض أو مما صنع بيد الإنسان بدليل
ماثبت في البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان يسجد أحياناً على طرف الفراش
فهذا دليل على أن الحائل سواء كان من جنس الأرض أو مما صنعه الآدمي فإنه يجوز للمصلي أن يسجد عليه
وبهذا التقسيم كملت عند الإنسان الصورة
فإذا قيل لك ما حكم السجود على طرق الشماغ فماذا تقول؟
стр. 379
فإذا قيل لك ما حكم ما يفعله بعض الصبيان إذا أراد أن يسجد وضع يديه مجتمعتين ثم سجد عليهما لا سيما إذا كان في التراب؟
فإذا قيل لك ما حكم السجود على الحصير؟ مسائل ناقش فيها شيخنا الطلاب تقريراً لما سبق لم تتبين إجاباتها من التسجيل
• ثم قال ﵀
ويجافي عضديه عن جنبيه
أي أن السنة لمن سجد أن يجافي أثناء السجود بين يديه وجنبيه
وسبق معنا أن معنى المجافاه هي: المباعدة
والدليل على هذا
حديث عبد الله بن بحينه ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سجد باعد بين يديه حتى نرى بياض إبطيه وهذا في البخاري
وبياض الإبطين إنما يرى مع شدة المجافاة لأنه لو كان يجافي مجافاة يسيرة لم ير الصحابة بياض إبطي النبي ﷺ
فإذاً السنة أن يباعد الإنسان بين جنبيه ويديه ولا يجعل يده ملتصقه كما يفعل كثير من الناس بأن ينضم إذا سجد سيأتينا أن هذا ليس من سنن الرجال وإنما هو من سنن النساء وعلى قول فإنه سيأتينا الكلام حول هذا الموضوع
• ثم قال ﵀
وبطنه عن فخذيه
أيضاً السنة أن يباعد بين فخذيه وبطنه
لما ثبت في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ كان يباعد بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه
فالحديث أفاد أنه يباعد بين فخذيه ولا يحمل بطنه على شيء من الفخذين بل يباعد بين الفخذين والبطن
إذاً هذا الحديث سيتكرر معنا لأنه دليل على عدة سنن وهو أن النبي ﷺ كان يباعد بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه
فيباعد بين الفخذين الاثنين وأيضاً يباعد بين البطن والفخذ وهذا أيضاً يدل على ما دل عليه الحديث الأول أن المصلي لا يشرع له أن يكون كهيئة المنضم عند إرادة السجود وإنما يجافي أعضائه ويبعدها لأن الهيئة الأولى تنافي الخشوع وتنافي استحضار أن الإنسان بين يدي الرب
بل هي تفيد نوعاً من الكسل والتثاقل في أداء مثل هذا الركن العظيم وهو السجود
• ثم قال ﵀
وبطنه عن فخذيه
стр. 380
تقدم معنا الآن في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ كان لا يجعل بطنه ملتصقاً بشيء من فخذيه
فإذاً السنة المباعدة بين الفخذين وبينهما وبين البطن كما ذكرت
مسألة لم يبين المؤلف ﵀ السنة في هيئة القدمين
والسنة في هيئة القدمين أن يجعل الأصابع أثناء السجود متجهة إلى القبلة
واختلفوا هل يلصق القدمين أثناء السجود أو يباعد بين القدمين؟
القول الأول أنه يباعد بين القدمين وهو المذهب
لحديث أبي حميد السابق قالوا لن تفريق الفخذين يؤدي إلى التفريق بين القدمين
والقول الثاني أن السنة أثناء السجود أن يلصق القدمين
واستدلوا على هذا
بحديث عائشة أنها بحثت عن النبي ﷺ وهو يصلي بالليل فوقعت يدها على قدميه وهو ساجد
وجه الاستدلال أنه لو لم يكن ملصق لقدميه لم تقع اليد على القدمين مجتمعتين
وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة قوي لأن حديث أبي حميد فيه دلالة على إبعاد القدمين لأنه إذا أبعد الفخذين فسيبعد القدمين
وحديث عائشة أيضاً فيه دلالة لأنه يصعب على الإنسان أن يضع يداً واحدة على قدمين في وقت واحد وهما بعيدان عن بعضيهما لا سيما وأن النبي ﷺ يوصف بأنه كبير الأعضاء فهو ﷺ كبير اليدين والقدمين والمنكبين
بالإضافة إلى أن عائشة لا توصف إلا بأنها صغيرة
وهذه الأمور مجتمعة تقوي القول الثاني
وإن كانت المسألة فيها إشكال والخلاف فيها قوي ولكن الأظهر والله أعلم هو أن يلصق
كما أن الإلصاق يعين على الطمأنينة والخشوع ويعين على طول السجود
فهذه الأشياء مجتمعة تجعل الإنسان يرجح القول الثاني الذي يأخذ بحديث عائشة
وإن كان مذهب الحنابلة هو القول الأول
• ثم قال ﵀
ويقول سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى
إذا سجد المصلي فالمشروع له أن يقول سبحان ربي الأعلى
لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سجد قال سبحان ربي الأعلى
ولما جاء في حديث عقبة أنه لما نزل فسبح باسم ربك الأعلى قال النبي ﷺ اجعلوها في سجودكم
стр. 381
فهذه الأحاديث تدل على مشروعية التسبيح في السجود
ومسألة هل التسبيح وباقي الأذكار واجبة أو سنة ستأتينا في واجبات الصلاة
• قال ﵀
ثم يرفع رأسه مكبراً
السنة أنه إذا رفع من السجدة الأولى ليجلس الجلسة بين السجدتين أن يكبر
لما صح أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع
وتقدم معنا أن هذا هو اللفظ الصحيح لهذا الحديث وأن لفظ كان يرفع وهم من أحد الرواة
فإذاً هذا الحديث أنه يكبر فيث كل خفض ورفع ودليل على أنه يكبر إذا رفع من السجدة الأولى
• ثم قال ﵀
ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه
أولاً قوله ويجلس الدليل عليه
أن النبي ﷺ قال للمسيء صلاته ثم اجلس حتى تطمأن جالساً
وهو نص في ركنية هذه الجلسة بين السجدتين
ثانياً قوله أنه يفترش اليسرى وينصب اليمنى
ثبت هذا في حديث عائشة أن النبي ﷺ كان إذا جلس افترش اليسرى ونصب اليمنى وهو في الصحيح
وفي حديث أبي حميد أيضاً أنه ﷺ كان يفعل ذلك
فحديث عائشة وحديث أبي حميد يدلان على الحكم نفسه
وحديث عائشة وحديث أبي حميد السياق فيهما في التشهد وليس في الجلوس بين السجدتين لكن الفقهاء يقيسون الجلسة التي بين السجدتين على الجلسة التي في التشهد ويقولون أن صفة الجلوس في الجلسة بين السجدتين كصفة الجلوس في التشهد الأخير
ويستدلون بأحاديث الجلوس للتشهد كما في حديث عائشة وأبي حميد وغيرهما على هذا الجلوس
كذلك السنة أن الإنسان يبسط يده اليسرى ويضع يده اليمنى على فخذه كما يصنع في التشهد الأخير والتشهد الأول
أيضاً قياساً على التشهد الأخير
وأضافوا تعليلاً آخر لمشروعية هذا الجلوس ووضع اليدين وهو قولهم
وأن هذا عمل المسلمين سلفاً عن خلف أي أن كل المسلمين إذا جلسوا بين السجدتين توارثوا هذا العمل أنهم يضعون أيديهم على أفخاذهم ويفترشون اليسرى وينصبون اليمنى
ففي الحقيقة لا يوجد دليل صريح لكن قياساً على التشهد الأخير وهو قياس صحيح ولا أظن في المسألة خلاف
стр. 382
مسألة هي التي فيها خلاف هل يشرع لمن جلس بين السجدتين أن يشير بالسبابة؟
في هذه المسألة خلاف
القول الأول وهو الظاهر من كلام الحنابلة أنه لا يشرع
واستدلوا على ذلك
بأن الأحاديث الصحيحة ليس فيها رفع السبابة في الجلوس بين السجدتين ولو كان النبي ﷺ يفعل ذلك لنقل لنا لشدة عناية الصحابة بصفة الصلاة
والقول الثاني أنه يسن أن يشير بالسبابة
واستدلوا بدليلين
الدليل الأول أن الجلوس بين السجدتين داخل في عموم الأحاديث التي فيها الإشارة
الدليل الثاني أنه في حديث وائل بن حجر قال ثم أشار بسبابته ثم سجد فهو دليل على أن الإشارة كانت بين السجدتين
والراجح والله أعلم في هذه المسألة أنه لا يشرع للإنسان أن يشير بسبابته بل يبسط كفه اليمنى على فخذه اليمنى واليسرى معلوم أنها مبسوطة
أولاً الجواب على الاستدلال بالعمومات أن هذه العمومات تبينها وتفصلها الأحاديث الأخرى التي فيها أن رفع السبابة إنما هو في التشهدين
والمجمل يفهم من المفصل
ثانياً أن قوله ثم سجد لفظة شاذة لا تثبت في الحديث ولو ثبتت لكانت فيصلاً في المسألة لكنها لا تثبت
لذلك الأقرب والله أعلم أن الإنسان بين السجدتين لا يشير
هذا الذي يظهر لي من السنة وإن كانت المسألة كما ترون لكل فريق من الفقهاء مستند قوي في الحقيقة لكن مثل الصلاة مع عنية الصحابة بها واهتمامهم بصفتها إذا لم ينقل لنا فالأقرب أنه لم يقع
• ثم قال ﵀
ويقول رَبِّ اغْفِرْ لِي
السنة أن الإنسان بين السجدتين يقول رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي ثلاثاً أو يزيد
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي
وهو حديث ثابت صححه الإمام أحمد وغيره
وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول ذكراً آخر وهو رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني
لكن هذا الحديث أشار بعض الحفاظ إلى ضعفه كابن عدي في الكامل أشار إلى أنه من منكرات أحد الرواة
стр. 383
وأشار الإمام أحمد إلى أنه يستحب أن يقول الإنسان رب اغفر لي وأنه مقدم على حديث ابن عباس رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني إشارة إلى ضعف حديث ابن عباس
فنحن نقول من الخطأ البين أن يقتصر الإنسان على مافي حديث ابن عباس ويترك حديث رب اغفر لي، رب اغفر لي لأنه أصح كما قال الإمام أحمد
بل كان الإمام أحمد يقول رب اغفر لي رب اغفر لي
وإن أراد الإنسان أن يجمع بين رب اغفر لي وحديث ابن عباس رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني فإن هذا لا بأس به لكن الخطأ أن يقتصر الإنسان على ما في حديث ابن عباس لأن الحديث الآخر أصح وأثبت منه عن النبي ﷺ
ثم نختم بـ
• قوله ﵀
ويسجد الثانية كالأولى
أي أن الثانية من حيث الهيئة ومن حيث الأذكار تكون كالأولى تماماً
لعموم قول النبي ﷺ للمسيء ثم افعل هذا في صلاتك كلها
فهذا دليل على أن السجدة الثانية كالسجدة الأولى
في كل شيء تماماً من غير فرق
ولذلك قال المؤلف ﵀ كالأولى
نكتفي بهذا ونبقى على مسألة الرفع وما يتبعه من أحكام
انتهى الدرس
стр. 384
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس وفي موضعه من الدرس لم نتكلم عن أين يضع الساجد يديه أثناء السجود؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
=القول الأول: أنه يضع يديه بحذاء منكبيه.
واستدلوا:
- بحديث أبي حميد أن النبي ﷺ (هكذا كان يصنع إذا سجد).
= والقول الثاني: أنه يضع يديه حذو إذنيه.
- وهذا في حديث وائل.
= والقول الثالث: أن المصلي مخير إن شاء فعل هذا وإن شاء فعل هذا ويكون من السنة التي جاءت على أنواع متعددة.
وهذا الثالث هو الصواب جمعاً بين الأدلة وإعمالاً للنصوص.
وهذه الجملة تناسب أن تقال عند قوله (عضديه عن جنبيه) فكان ينبغي أن تقال في هذا الموضع.
ونرجع إلى موضع الدرس.
стр. 385
انتهى المؤلف ﵀ من الكلام عن السجدة الأولى كاملة والركعة الاولى بسجدتيها ثم انتقل إلى الكلام عن الركعة الثانية بداية من الرفع.
• فقال ﵀:
ثم يرفع مكبراً.
تقدم معنا مراراً أن السنة على تكبيرات الانتقال أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع.
وليس في الصلاة من الأعمال إلا ماهو إما خفض أو رفع. إما ركوع أو سجود أو رفع منهما.
•
ثم قال ﵀:
ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إن سهل.
إذا أراد المصلي أن يقوم من السجود:
= فإنه عند الحنابلة: كما ترون ينهض على صدور قدميه معتمداً أثناء ذلك على ركبتيه إن سهل.
وهذا هوخلاصة مذهب الحنابلة: أن السنة أن يقوم على صدور قدميه ويعتمد على ركبتيه إن سهل.
فإن شق اعتمد على يديه.
إذاً السنة للقوي المستطيع أن لا يعتمد على يديه وهذا مراد المؤلف ﵀ وإنما يعتمد على صدور قدميه وعلى ركبتيه إلا في حالة واحدة إذا شق عليه أن يقوم بهذه الصفة كالمريض وكبير السن والعاجز عموماً فإنه حينئذ لا بأس أن يعتمد على يديه.
الآن تصورنا مذهب الحنابلة.
الأدلة:
استدلوا على هذا التفصيل:
- بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقوم على صدور قدميه.
وهذا الحديث إسناده ضعيف.
- ولكن صح عن ابن مسعود ﵁ وهو من فقهاء الصحابة انه كان يصنع ذلك.
- واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يقوم اعتمد على فخذيه ونهض على ركبتيه.
وهذا الحديث إيضاً في إسناده ضعف.
= القول الثاني: أن الإنسان يعتمد على يديه ثم يقوم.
أي يقوم معتمداً على يديه.
واستدلوا على هذه الصفة:
- بحديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الثانية جلس ثم قام معتمداً على الأرض.
فهؤلاء معهم حديث صريح وهو حديث مالك بن الحويرث.
= القول الثالث:
أن المصلي إذا أراد أن يقوم إن جلس للاستراحة قام معتمداً على يديه.
وإن لم يجلس جلسة الاستراحة وقام مباشرة فإنه يقوم معتمداً على صدور قدميه وعلى ركبتيه.
стр. 386
هذا القول نصره الحافظ الفقيه الشيخ ابن رجب وقال ﵀: إنه يفهم من كلام الإمام أحمد. هذا التفصيل يفهم من كلام الإمام أحمد.
وإذا نظر الإنسان في هذا التفصيل وجد أن النصوص تجتمع بهذا التفصيل. وأنه يؤلف بينها وهذا القول الثالث هو الصواب.
وهذا يدعونا إلى الحديث عن مسألة أخرى لصيقه بهذا البحث وهو:
حكم جلسة الاستراحة؟
وجلسة الاستراحة اختلف الفقهاء أيضاً فيها على ثلاثة أقوال:
=القول الأول:: أنها لا تستحب.
وإلى هذا ذهب الجماهير وهو منقول عن أغلب الصحابة وجمهور الأئمة.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: أن أكابر أصحاب النبي ﷺ الذين يأخذون عنه ويقتدون به لم يكونوا يجلسون جلسة الاستراحة.
- الدليل الثاني: أن النصوص الصريحة الصحيحة المتكاثرة التي وصفت صلاة النبي ﷺ لم يذكر فيها أنه كان يجلس جلسة الاستراحة إلا في حديث واحد فقط وهو حديث مالك بن الحويرث.
= القول الثاني: أنه يشرع ويسن للمصلي أن يجلس جلسة خفيفة إذا قام إلى الثانية وإذا قام إلى الرابعة.
واستدلوا:
- بحديث مالك بن الحويرث السابق أن النبي ﷺ كان يجلس جلسة ثم يقوم معتمداً على الأرض.
وقال أصحاب هذا القول: إذا ثبت الحديث وجب أن نأخذ به وهو حديث في البخاري.
فائدة / قال الإمام أحمد: ليس لهذا الحديث ثان.
أي أن أي حديث يروى في جلسة الاستراحة عدا حديث مالك بن الحويرث فاعلم أنه حديث غير محفوظ وأنه ضعيف هذا مراد الإمام أحمد.
وهذا الذي يسمونه الاستقراء وهو أهل للاستقراء ﵀.
= القول الثالث: وهو قول للحنابلة واختاره الموفق واختاره ابن القيم وغيره من المحققين: أن جلسة الاستراحة تشرع لكبير السن أو للمريض ونحوهما ولا تشرع في جميع الأحوال.
واستدلوا على ذلك:
- بأن النبي ﷺ إنما جلس هذه الجلسة في آخر عمره لما جاءه الوفد الذي فيهم مالك بن الحويرث بعد ما ثقل ﷺ وكبرت سنه صار يجلس هذه الجلسة.
стр. 387
وفهم أكابر الصحابة من هذه الجلسة أنه إنما جلسها ﷺ لهذا السبب ولذلك لم يقتدوا به فيها مع حرصهم على الصلاة وما فيها من سنن.
وإذا قال الإنسان بهذا القول يعتبر لم يضيع أي شيء من الأدلة وإنما أخذ بأدلة القول الأول وأخذ بأدلة القول الثاني ولكن جمع بينها ووفق.
وهذا القول هو الراجح وهو الذي يرتاح إليه الإنسان ويرى أنه أن شاء الله متوافق مع السنة.
بناء على هذا: نرجع للمسألة السابقة: عرف الإنسان بالنسبة للتفصيل في القول الثالث: أنه إن جلس اتكأ على يده وإن لم يجلس اتكأ على ... عرف متى يجلس ومتى لا يجلس في هذا التفصيل.
• ثم قال ﵀:
ويصلي الثانية كذلك.
تقدم معنا أن الثانية تصلى كالأولى.
- لأن النبي ﷺ قال للمسيء ثم افعل هذا في صلاتك كلها.
فهذا دليل على أن الإنسان يصلي الركعة الثانية كما يصلي الركعة الأولى عدا ما سيستثنيه المؤلف ﵀ وإلا ما لم يستثنى فالأصل أن تتساوى فيه الركعة الأولى مع الركعة الثانية. لحديث المسيء.
• يقول ﵀:
ما عدا التحريمة. التحريمة: شرعت لافتتاح الصلاة ولذلك فهي لا تكون إلا في الركعة الأولى ولا يشرع في الركعة الثانية.
بل لو كبر تكبيرة ينوي بها التحريمة في الركعة الثانية فكأنه أبطل صلاته لأنه لا يدخل في صلاة ثانية إلا وقد أبطل الأولى.
وعلى كل حال المؤلف ﵀ ذكر هذا القيد احترازاً وإلا من المعلوم أن أحداً لن يكبر في الثانية بنية التحريمة.
•
ثم قال ﵀:
والاستفتاح.
لا يشرع للمصلي أن يقول دعاء الاستفتاح في الركعة الثانية ولو كان نسيه في الركعة الأولى أو تركه عمداً.
التعليل:
- أن هذه السنة محلها في الركعة الأولى وإذا فات محلها فاتت فلا يشرع أن يذكر هذا الاستفتاح في الركعة الثانية.
• ثم قال ﵀:
والتعوذ.
= ذهب الحنابلة واختاره ابن القيم أن المصلي إذا قام إلى الثانية فإنه لا يشرع له أن يستعيذ.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بحديث أبي هريرة الصحيح أن النبي ﷺ إذا نهض إلى الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت. هكذا قال أبو هريرة ﵁.
стр. 388
فدل ذلك على أن الاستعاذة خاصة بالركعة الأولى.
واستدلوا على هذا الحكم بدليل آخر معنوي وهو:
- أن الصلاة كلها دعاء وذكر والفصل بين القراءتين بالدعاء والذكر لا يعتبر فصل حقيقي ولذلك يكتفي المصلي بالاستعاذة التي وقعت في الركعة الأولى لأنه في الحقيقة لم يفصل القراءة كأنه لم يفصل لأنه لم يفصل إلا بذكر ودعاء ولا يعتبر هذا من الفصل.
= والقول الثاني: أنه يشرع أن يستعيذ في كل ركعة.
وهو مذهب الظاهرية واختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
واستدل على ذلك:
- بالآية. وقال: الآية عامة في كل بداية قراءة. فالله أمرنا أن نستعيذ في كل مرة نريد أن نقرأ.
والراجح القول الثاني: - لأن دليلهم نص في المسالة. ودليل أصحاب القول الأول مفهوم.
إذاً أبو هريرة ﵁ لم ينص على أن النبي ﷺ لم يذكر الاستعاذة وإنما فهم من كلامه أنه لم يستعذ.
فالأقرب والله أعلم أن المصلي يستعيذ في كل ركعة.
إذاً قول المؤلف ﵀: والتعوذ. الأقرب أنه لا يستثنى.
• ثم قال ﵀:
وتجديد النية.
أي: أنه لا يشرع للإنسان أن يجدد نيته في الركعة الثانية اكتفاء باستصحاب النية.
وقال بعض الفقهاء أن ذكر النية مع المستثنيات خطأ من أصله لأن النية ليست من صلب الصلاة وإنما من شروط الصلاة التي تتقدم على الصلاة فلا حاجة لاستثنائها من الركعة الثانية أصلاً.
وهذا القول قريب جداً أنه لا ينبغي أن لا تذكر أصلاً لأنها من الشروط وليست من أركان الصلاة.
• ثم قال ﵀:
ثم يجلس مفترشاً.
هذا الجلوس هو الجلوس للتشهد الأول.
تقدم معنا أدلة صفة الافتراش.
وأن الذين رووا هذه الصفة عن النبي ﷺ اثنان من الصحابة: أبو حميد وعائشة. هم الذين ذكروا أن النبي ﷺ كان يفترش اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى.
فإذاً أدلة الافتراش في التشهد سبقت.
• ثم قال ﵀:
ويداه على فخذيه.
يريد المؤلف أن يبين كيف يضع الإنسان يديه في التشهد الأول.
= فالحنابلة يرون: أن الإنسان يضع يديه على فخذيه.
واستدلوا على هذا:
стр. 389
- بحديث عبد الله بن الزبير أن ﷺ كان إذا جلس وضع يده اليمنى على فخذه الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر وألقم يده اليسرى ركبته. هذا اللفظ ثابت في مسلم.
فقوله: (وضع يده اليمنى على فخذه الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر) دليل على أن المصلي إذا جلس للتشهد الأول هكذا يصنع. يضع يده اليمنى باسطها على فخذيه.
الصفة الثانية: أن يضع المصلي يديه على ركبتيه.
واستدلوا على هذه الصفة:
- بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ إذا جلس وضع يديه على ركبتيه. وهذا حديث صحيح.
هناك صفة ثالثة جاءت في الآثار والأحاديث لكني لم أقف على قائل بها وهي أن يضع الإنسان يده على الفخذ والركبة.
والصفة هذه جاءت مصرحاً بها في حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان إذا جلس للتشهد وضع يده على فخذه وركبته. هكذا.
ولعل الذين قالوا يضع يده على ركبته يقصدون هذا المعنى: يعني: مع فخذه.
لأن الإنسان قد لا يتمكن من وضع كل اليد على الركبة إلا بالتلقيم والتلقيم سيأتينا أنه سنة في اليسار فقط هكذا في الأحاديث. أما في اليمين فكيف سيصنع فلا يستطيع.
فلعل مقصودهم أن يضع الإنسان يده على فخذه وركبته.
الخلاصة أن السنة أن يضع أحياناً يده على فخذه وأحياناً يضع يده على ركبته.
ومن الطبيعي أنه إذا وضعها على ركبته سيكون بعضها على فخذه.
ويقصد الإنسان في الصلاة أن ينوع لتحصل له السنة في التنويع ويثاب ولا يضع يده كيفما تيسر وإنما يقصد أحياناً إن يضعها على الفخذ وأحياناً يضعها على الركبة.
مسألة / هل يسن أن يلقم يده اليسرى لركبته اليسرى؟
= الحنابلة يرون: أنه لا يسن.
= والقول الثاني: وهو قول للحنابلة واختاره ابن مفلح وقبله ابن قدامة - رحمهما الله - أنه يسن أن يضع الإنسان يده على ركبته اليسرى كالمقلم لها أحياناً.
والقول الثاني هو الصواب أن هذا يسن أحياناً للحديث الصريح وهو حديث بن الزبير وهو في مسلم فالأخذ به متعين لصحته وصراحته.
والذي يظهر لي - مع أن الحديث عام - أن هذه السنة الأنسب أن تفعل أثناء التورك ومن جرب هذه السنة سيجد أن الأنسب أن تكون أثناء التورك.
стр. 390
وإن كان الإنسان يستطيع أن يفعلها من غير تورك لكن قد يكون في هذا شيء من الصعوبة لكن أثناء التورك سهل جداً ولعلها كانت تفعل هكذا وإلا فإن الحديث عام أنه كان يلقم يده اليسرى ركبته اليسرى ولم يعين هل هو في التشهد الأول أو في الأخير وإنما هو عام.
بعدما انتهى المؤلف ﵀ من بيان أين يضع يده من رجله بالنسبة للفخذ والركبة انتقل إلى كيفية وضع اليد من حيث هي
•
فقال ﵀:
يقبض خنصر اليمنى وبنصرها ويحلق إبهامه مع الوسطى ويشير بسباحته.
هذه إحدى صفات وضع اليد وهو أن يقبض الخنصر وهو الاصبع الصغير والبنصر وهو الذي يليه ويحلق بالوسطى - كحلقة الحديدة - مع الإبهام ويشير بالسبابة.
وهذه الصفة جاءت في حديث وائل بن حجر وهي صحيحة.
الصفة الثانية: وجاءت في حديث ابن عمر ﵁ في صحيح مسلم أنه يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويجعل الإبهام عند أصل السبابة ويشير بالسبابة.
هذا في حديث ابن عمر في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قبض على يده ثلاثة وخمسين وهذا العدد .. وبين الشارح حفظه الله ذلك عملياً ...
الصفة الثالثة والأخيرة: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام يعني يقبض جميع الأصابع إلا السبابة ويشير بها كما سيأتينا وهذه الصفة أيضاً في صحيح مسلم عن ابن عمر صراخة أن النبي ﷺ قبض أصابعه كلها وأشار بالسبابة.
صارت الصفات ثلاثة.
واختلف الفقهاء هل هذه الصفات صفات متنوعة يشرع أن يأتي بكل واحد منها مرة؟ أو أنها صفات لفعل واحد؟
= فالقول الأول: أنها صفات متنوعة ولذلك جاء عن الإمام حمد ثلاث راويات في هذه الصفات فيشرع للإنسان أن ينوع أحياناً بالصفة الأولى وأحياناً بالثانية وأحياناً الثالثة.
= والقول الثاني: أن هذه الصفات عبارة عن صفة واحدة ولكن كل من الرواة عبر حسب ما شاهد وليس هناك اختلاف وإنما صفة القبض واحدة.
وذهب إلى هذا القول الحافظ ابن القيم. وقال: أن هذه الصفات لا تختلف وإنما كل يعبر بما رأى والصفة واحدة.
следующие страницы →