Полный текст (2 909 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
قوله: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا)): يعني: حوالي المدينة. والسبب: أن نزول المطر في المناطق المجاورة للمدينة لا ينتج عنه ضرر ولا خطر على الناس مع ما فيه من مصلحة الدواب وخروج النبات. فحصلت المصلحة واندفعت المفسدة.
وقوله ((اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ ... إلى آخره. هنا تفصيل لمسألة الأشياء التي حول المدينة فهو كالتأكيد في الدعاء.
- الظراب: هي: الروابي الصغير.
- والآكام: إما أن تكون التلال. أو تكون الجبال الصغيرة.
وبهذا علمنا أن الظراب والآكام معناها متقارب لأن الروابي معناها يقارب التلال. نعم. الجبال الصغيرة تختلف في الشكل لكن بالنسبة للتلال والروابي أشكالها متقاربة.
- وبطون الأودية: أي الأماكن المنخفضة من الأرض. وتفسير الفقهاء لقول النبي ﷺ : ((وبطون الأودية)) بأنه الأماكن المنخفضة يدل على أن النبي ﷺ لا يريد فقط بطون الأودية. يعني: لا يريد فقط المكان الذي يعتبر وادياً بل يريد أي مكان منخفض ولو لم يكن في بطون الأودية.
- ومنابت الشجر: أي أصول الشجر لتنتفع الأشجار بهذا الماء وتنتفع تبعاً لذلك بهيمة الأنعام.
• ثم قال ﵀:
﴾ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴿الآية.
يعني: ويقول هذا الدعاء.
الدليل على أنه يشرع للإمام أن يقول هذا الدعاء:
- أنه مناسب للحال.
وعلم من ذلك أنه ليس في السنة أن النبي ﷺ قال هذا الدعاء فالصواب أن الإنسان إن قاله أحياناً لا بنية أنه سنة ولكن لمناسبة المقام فهو أمر حسن وهو من جملة الخطبة.
وإن قالها دائماً أو بنية أنها سنة فهو دعاء لا يشرع لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .
وبهذا انتهى الكلام عن كتاب الصلاة ولولا تيسير الله ورحمته وإعانته لم ينتهي هذا الكتاب ولكن نحمد الله أن أعان عليه ونسأله أن يعين على ما بعده من الكتب وأن يجعل ذلك كله خالصاً لوجهه الكريم.
((نهاية كتاب الصلاة - - والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))
يتبع الدرس = كتاب الجنائز.
стр. 772
كتاب الجنائز
قال شيخنا حفظه الله:
• قال المؤلف رحمه الله تعالى:
كتاب الجنائز
هذا الكتب يقصد به بيان أحكام المريض والميت.
وفي الحقيقة تفصيل الإسلام لمثل هذه الأمور من حيث يولد الإنسان إلى أن يدفن يعتبر من أعظم محاسن الإسلام وكثير ما يغفل المسلمون عن محاسن الإسلام.
ولذلك أنا أوصي إخواني الكرام بمسألة الإعجاز التشريعي حقيقة إذا قرأ فيه الإنسان حصل له أمران:
- الأول: زيادة الإيمان.
- والثاني: التفقه في دين الله.
قبل أسبوعين أعلنت إحدى ولايات الصين أنها لن ترقي أي موظف في الدولة إلا إذا أتى بشهادة تفيد أنه يحسن معاملة والديه فإذا لم يأت بهذه الشهادة لم يرقى وظيفياً.
لما قرأت هذا الخبر تعجبت جداً كيف أنهم لم يصلوا إلى هذا المعنى إلا بعد هذه السنين بينما القرآن والسنة مليئان بالنصوص الدالة على بر الوالدين.
فأقول أن تنظيم الإسلام لمثل هذه الأمور هذا التنظيم الدقيق العجيب المعجز يستدعي من طالب العلم الوقوف في هذا الجانب بالذات وهو الإعجاز التشريعي.
قوله: الجَنَائز: الجَنَائز لا تنطق إلا بالفتح فإن كسرت فهو خطأ - لحن.
هذا ما يتعلق بالجنائز.
والجنائز جمع جنازة. وجنازة: يجوز أن نفتح ويجوز أن نكسر.
وقيل أنها بالفتح للميت. وبالكسر للنعش.
وقيل العكس.
والجنازة لغة: اسم للميت أو للسرير الذي عليه الميت.
•
قال ﵀:
تسن: عيادة المريض.
لما كان يعرض كثيراً على الإنسان أن يمرض أراد المؤلف ﵀ أن يبدأ ببيان أحكام المرض.
والمرض اصطلاحاً: هو اعتلال صحة الجسم.
والمقصود بالمرض في قول المؤلف: عيادة المريض. مرض الأبدان ولا يقصد مرض القلوب الذي أشارت إليه الآية في قوله تعالى: ﴿فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ [الأحزاب/٣٢] هذا المرض لا يقصد بهذا السياق.
قوله: تسن عيادة المريض.
عيادة المريض مشروعة بالإجماع لم يخالف في هذا أحد من أهل العلم.
ولكن اختلفوا في حكمها:
= فالجماهير ذهبوا إلى أن عيادة المريض سنة.
واستدلوا بأحاديث كثيرة:
стр. 773
- من أصحها: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس) وذكر منها عيادة المريض.
- واستدلوا: بأن النبي ﷺ أمر بسبع. هكذا لفظ الحديث. وذكر منها عيداة المريض.
فدل هذا على أن عيادة المريض سنة مرغوبة للشارع.
= والقول الثاني: أن عيادة المريض واجبة - فرض عين - إذا علم الإنسان بمريض فيجب أن يزوره وإلى هذا مال البخاري قال ابن مفلح: ويحمل ذلك على الزيارة مرة واحدة.
يعني: أن الواجب الزيارة مرة واحدة.
= والقول الثالث: أن زيارة المريض فرض كفاية وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام ابن تيمية وذهب أيضاً إليه الشيخ الفقيه ابن قاضي الجبل.
ويلحظ الإنسان أن ما اختاره شيخ الاسلام فيه توسط فإذا مرض الإنسان ولم يزره أحد من المسلمين أثم الجميع كيف وقد أمر به النبي ﷺ وجعله حق من حقوق المريض.
قوله: تسن عيادة المريض.
المراد بالمريض هنا: أي مريض ومهما كان المرض. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر ولو كان يستطيع أن يقوم أو أن يخرج أحياناً.
والدليل على هذا:
- أن زيد ابن الأرقم ﵁ أصيب بمرض في عينيه فعاده النبي ﷺ .
ومن المعلوم أن مرض العين لا منع غالباً من القيام وقضاء المصالح.
ثم بدأ المؤلف ببيان السنن التي ينبغي أن يفعلها منن زار المريض:
• فقال ﵀:
وتذكيره التوبة والوصية.
يعني: ويسن لمن زار المريض أن يذكره التوبة والوصية.
أما تذكيره التوبة فلأمرين:
- الأول: النصوص العامة الدالة على وجوب التوبة.
- الثاني: تأكد هذا الأمر في حق المريض خشية أن يموت.
وأما الوصية:
- فلقول النبي ﷺ : (ماحق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي به إلا كتبه).وهذا الحديث صحيح.
وحمل الفقهاء قوله ليلتين على المبالغة والتغليب.
وكونه يسن أن يذكر بالتوبة والوصية الصواب أن هذا مستحب ولا يسن لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صنع ذلك قصداً مع زيارته للمرضى من أصحابه لكنه مستحب لدلالة النصوص العامة وقواعد الشرع عليه.
ومما يسن عند زيارة المريض - مما تركه المؤلف وهو مفيد -: يسن لمن زار المريض أن يقرأ عليه لدليلين:
стр. 774
- الأول: أن جبريل ﵇ زار النبي ﷺ وقد اشتكى فقرأ عليه. وهذا صحيح.
- الثاني: أن أنس ﵁ زار رجلاً من أصحابه وهو يشتكي فقرأ عليه. وهو صحيح.
فثبت بهذين النصين أنه ينبغي لمن زار المريض أن يقرأ عليه.
ومما يسن لمن زار المريض: أن يدخل على المريض السرور وأن يطمأن المريض وأن يتحدث معه بما يوجب انشراح الصدر لأن النبي ﷺ لما زار بعض أصحابه قال كيف تجدك؟ فهذا من جملة السؤال عن المريض وإدخال السرور عليه.
ومن جملة المستحبات والسنن أن يبقى عند المريض بالقدر المناسب للحال بطبيعة علاقة الزائر بالمريض وحسب طبيعة مرض المريض فأحياناً نقول ينبغي أن تطيل الجلوس وأحياناً نقول وهو الغالب ينبغي أن لا تطيل الجلوس.
ثم انتقل المؤلف للمرحلة التي تلي المرض.
• فقال ﵀:
وإذا نُزل به: سن.
معنى إذا نزل به يعني: إذا حضر ملك الموت.
وإنما يعرف أن المريض حضره ملك الموت بعلامات يعرف منها الخبير أن هذا الرجل يحتضر الآن وهو في السياق ولذلك روي أن سفيان الثوري لما حضرته الوفاة كان في بيت عبد الرحمنن بن مهدي فمسه عبد الرحمن فوجده حار فقال كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ قال: أرجو أن تخرج النفس رشحاً ثم قال: ويلي ثم غشي عليه فلما غشي عليه بقي قليلاً ثم أفاق ثم قال لعبد الرحمن بن مهدي: نادي حماد بن سلمة فإني أحب أن يحضر مصرعي فخرج عبد الرحمن بن مهدي وقال لحماد إن أبا عبد الله في النزع يناديك فخرج حماد بإزار دون رداء ونسي نعله وخرج مسرعاً ولم يغلق الباب وجاء مسرعاً فلما دخل وجد أن سفيان الثوري أغمي عليه فظن أنه مات ثم أفاق فقال سفيان الثوري: لقونني - لاحظ ثبات هذا الإمام - لا إله إلا الله. ثم الفت إلى حماد فقال: وهذا الشاهد - أي حماد اتق مصرعي هذا ثم قضى ﵀.
فإنما علم عبد الرحمن بن مهدي بأنه حضر بالعلامات والسياق.
• قال ﵀:
تعاهد بل حلقه بماء أو شراب.
يعني ويسن إذا نزل به تعاهد بل حلقه ... إلى آخره.
يسن أن يلي الميت من أهله من يتصف بصفتين:
- الأولى: أنه أرفق أهله به.
- والثانية: أن يكون أتقاهم.
فإذا وجدت الصفتان في رجل فينبغي أن يكون هو من يلي الميت.
стр. 775
فإذا وليه ينبغي أن يتعاهده بأمرين:
- أولاً: بل حلقه بماء أو شراب.
- والثاني: وندى شفتيه بقطنه.
يعني أنه ينبغي عليه أن يرطب حلقه بقطرات من الماء وأن يندي شفتيه وعللوا ذلك بأمرين:
- الأول: أن في هذا تخفيفا للكرب عن الميت.
- والثاني: أن في هذا إعانة له ليتشهد الشهادتين.
وعلم من هذا أنه لا يوجد دليل نصي على أن هذا من السنن التي تفعل عند المحتضر لكن سيأتينا قاعدة عظيمة جداً وجيدة ذكرها الإمام الشافعي بعد أن ننتهي من هذه السنن.
• ثم قال ﵀:
ولقنه ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)) مرة.
السنة أن يلقنه لا إله إلا الله.
- لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله).
- ولقول النبي ﷺ في الحديث الحسن: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
فإذاً تلقين الميت سنة ثابتة في الحديث الصحيح لا إشكال فيها.
• ثم قال ﵀:
مرة ولم يزد على ثلاث.
يعني أنهخ يلقنه مرة إلى ثلاث ولا يزيد عن الثلاث لأن لا يضجر الميت من التكرار بلا إله إلا الله ..
= والقول الثاني: أنه لا يشرع أن يلقن إلا مرة واحدة فقط ولا يزيد إلا في حالين:
- إذا لم يستجب.
- أو إذا تكلم بعدها كما سيأتينا.
فإذا لم يستجب أو تكلم بعد أن نطق بالشهادة فإنا نكرر عليه.
أما إذا قيل له: قل لا إله إلا الله فقال: لا إله إلا الله فإن الصواب أنه لا يشرع أن نكررعليه لأنه لا فائدة من هذا التكرار وقد يضجر ويتكلم بالكلمة التي تكره.
فإذا قال لا إله إلا الله نكتفي بذلك.
ولذلك روي أن رجلاً حضر عبد الله بن المبارك عند الموت فقال له قل: لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله فقال: قل لا إله إلا الله قال: إذا قلت لا إله إلا الله فلا تكرر علي فإنما أنا عليها ما لم أغير.
وصدق ﵀ إذا قال الميت: لا إله إلا الله فعلام يكرر عليه.
وهذا القول الثاني: هو قول عند الحنابلة وهو الصواب أنه يكتفى بمره إذا استجاب الميت.
وهل معنى قول المؤلف ﵀ لقنو أن نقول: قل لا إله إلا الله أو أن نقول: لا إله إلا الله فيسمع ويفهم المراد؟
стр. 776
الحقيقة الأمر واسع. لكن فيما أرى أن النبي ﷺ يقول: (لقنوا) هذا الشيء الأول. فهذا يؤيد أن نلقن ونقول: قل لا إله إلا الله.
الشي الثاني: أن الميت قد لا يلاحظ أو يفهم إذا قلت أنت لا إله إلا الله أنك تريد أن يسمع فيقول بينما إذا سمعك تقول: قل. استجاب.
وبالإمكان أن نجمع بين القولين فنقول: أنت قل عند الميت: لا إله إلا الله. فإن استجب فالحمد لله. فإن لم يستجب فقل له: قل لا إله إلا الله.
• ثم قال ﵀:
إلاّ أن يتكلم بعده: فيعيد تلقينه برفق.
إذا تكلم بعد أن قال: لا إله إلا الله فإنا نرجع ونلقنه.
والتعليل: - ليكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله.
• ثم قال ﵀:
ويقرأُ عنده ((يس)).
أي يشرع ويسن أن يقرأ عند الميت بسورة يس لقول النبي ﷺ : (اقرأوا على موتاكم يس).
وهذا الحديث ضعيف ضعفه الإمام الدارقطني وابن القطان.
والمقصود بموتاكم هنا: المحتضر وليس من في القبر فهو أطلق على المحتضر باعتبار ما سيؤول إليه.
= القول الثاني: أنه لا يشرع أن نقرأ يس ولا غيرها من السور كالفاتحة ولا غيرها لأنه لم يأت عن النبي ﷺ أنه أمر بذلك.
إذاً الصواب أن هذا ليس بسنة.
• ثم قال ﵀:
ويوجهه إلى القبلة.
أي ويسن أن يوجه الميت إلى القبلة.
واستدلوا على هذا بأحاديث:
- أولاً: قوله ﷺ : (قبلتكم أحياء وأمواتاً).
- ثانياً: قول النبي ﷺ : (خير المجالس ما استقبلت به القبلة).
وهذان الحديثان ضعيفان.
= والقول الثاني: أنه لا يوجه الميت إلى القبلة وإنما يترك على حاله.
وإلى هذا ذهب التابعي الجليل سيد التابعين سعيد بن المسيب.
والراجح والله أعلم أنه يوجه.
والدليل: - أنه جاء بإسناد صحيح ثابت عن عطاء وعن الحسن أنهم قالوا: كانوا يستحبون التوجه إلى القبلة.
ومعلوم أن مثل هؤلاء من التابعين الكبار إذا قالوا: كان يستحب فإنما يقصدون الصحابي بل إن عطاء لما سأل عن توجيه الميت إلى القبلة قال: سبحان الله وهل يترك هذا أحد؟.
стр. 777
ففي الحقيقة كون مثل عطاء والحسن يصح عنهما أنهم نشأوا والسنة المعروفة بين الصحابة توجيه الميت إلى القبلة يجعل الإنسان يرى أن هذا مشروع ومستحب إن شاء الله.
- بقينا في مسألة:
* * كيفية توجيهه إلى القبلة: أكثر النصوص عن الإمام أحمد أن الميت يوضع على شقه الأيمن باتجاه القبلة كحال الميت في القبر.
= والقول الثاني: وهو قول عند الحنابلة. أنه يجعل على ظهره وتجعل الرجلين باتجاه القبلة ويرفع رأسه قليلاً.
ومما يرجح القول الثاني: سهولة صنع ذلك بالميت. فإنك إذا تصورت أنت الميت على فراش الموت وهو يتألم من الصعوبة بمكان أن تجعله على شقه الأيمن لكن أن يجعل على ظهره وتوجه الرجلان إلى القبلة فهذا أمر سهل.
فإذا استطاع الإنسان أن يجعله على شقه الأيمن فهو أحسن وإلا فيجعله على ظهره مستلقياً ويرفه رأسه قليلاً باتجاه القبلة.
وبهذا انتهى من المرحلة الثانية وهي: ما يكون في سياق الموت.
ثم انتقل انتقالاً طبيعياً إلى ما بعد الموت.
• فقال ﵀:
فإذا مات سن: تغميضه.
أي أنه يسن أول ما يموت الميت أن يقوم من عنده بتغميض عينيه لدليلين:
- الأول: أنه ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وجلس عنده فلما توفي شخص بصره إلى السماء فأغمض النبي ﷺ عينيه.
فهذا نص صريح بأن إغماض العينين سنة.
- الثاني: أن بقاء العين مفتوحة فيه تشويه لمنظر الميت.
• ثم قال ﵀:
وشد لحييه.
يعني أن يضم الفك الأسفل إلى الأعلى مربوطاً.
وعللوا استحباب هذا الأمر بأمرين:
- أولاً: لأن لا يدخل مع فمه هواء.
- ثانياً: أن لا يدخل الماء أثناء غسل الميت.
• ثم قال ﵀:
وتليين مفاصله.
يعني ويستحب لمن حضر الميت إذا مات أن يلين مفاصله.
- ليسهل تغسيله.
وتليين المفاصل يكون بثني اليد ثم إرجاعها كما كانت وثني الرجل ثم إرجاعها كما كانت.
• ثم قال ﵀:
وخلع ثيابه.
أي: ويشرع أن يخلع ثياب الميت لأن بقاء الثياب على الجسد يزيد من حرارة الجسم مما يؤدي إلى سرعة فساد الميت.
• ثم قال ﵀:
وستره بثوب.
أي: ويشرع أن يغطى جميع جسد الميت بثوب من الرأس إلى القدمين.
والدليل على هذا:
стр. 778
- أن النبي ﷺ لما مات سجي بثوب حبر. وكانت من الثياب التي يحبها النبي ﷺ فغطي تغطية كاملة.
ويستثنى من هذا إذا كان الميت محرماً فإنه لا يغطى رأسه.
فهذه سنة ثابتة.
• ثم قال ﵀:
ووضع حديدة على بطنه.
هذا مستحب بالنسبة للميت لأمرين:
- أولاً: أن مولى لأنس ﵁ مات فأمر بوضع حديدة على بطنه.
- ثانياً: أنه لو لم توضع لا نتفخ البطن.
• ثم قال ﵀:
ووضعه على سرير
يعني: ويستحب أن يوضع الميت على سرير ولا يترك على الأرض لأن وضعه على السرير أحفظ لجسده من وضعه على الأرض. فقد يتأذى من رطوبة الأرض أو من الهوام.
•
ثم قال ﵀:
غسله: متوجهاً منحدراً نحو رجليه.
يعني: أن يوضع على السرير بحيث يرتفع الجزء الأعلى من جسده وينخفض الجزء الأسفل من جسده.
وعللوا ذلك:
- بأن هذا يسهل ذهاب الماء أثناء الغسل وعدم بقائه تحت جسد الميت.
- وأيضاً خروج الفضلات وذهابها فلا تبقى تحت جسد الميت.
نرجع الآن إلى الأمر التي لم تأت في السنة الصريحة وهي:
- شد اللحيين.
- وتليين المفاصل.
- وخلع الثوب
- ووضع الحديدة.
- ووضعه على سرير.
هذه الخمس لم تأت في السنة إنما جاء في السنة الستر بالثوب وتغميض العينين.
وذكر الشافعي ﵀ قاعدة في هذه الأمور: يقول: ((إنه مهما أمكن أن نصنع للميت ما يفيده فإنه لا بأس بذلك)).
يعني: أن كل عمل هو من مصلحة الميت لا بأس أن نفعله.
وقول الشافعي: لا بأس بذلك: دليل على أن هذه الأعهمال ليست سنن وإنما مستحبة فقط وجائزة.
فقول المؤلف: إذا مات سن أن يفعل كذا وكذا ليس بصحيح فإن هذه ليست سنن وإنما هي مستحبات دلت عليها القواعد العامة والتي تدل على أنه يستحب أن نحافظ على الميت وعلى جسده وعلى حرمته وعلى شكله أكثر ما نستطيع.
فإذاً نقول هذه الأشياء وغيرها مما يمكن أن يصنع من مصلحة الميت فإنه يستحب أن يصنع به.
من ذلك: مثلاً في وفتنا هذا: وضع الميت في الثلاجة فإن هذا من أعظم ما يحافظ به على جسد الميت فإذا كانوا هم يقولون يوضع على السرير ويوضع عليه حديده ويلين ... إلى آخره كل هذه الأمور وأكثر من هذه الأمور تحصل إذا وضعناه في الثلاجة.
стр. 779
فنقول: يستحب المبادرة بوضع الميت في الثلاجة بشرط التأكد التام من مسألة أنه توفي وأنه لم يكن مغمى عليه فقط.
•
ثم قال ﵀:
وإسراع تجهيزه.
يعني ويستحب أن يسرع في تجهيز الميت قدر الإمكان بلا مشقه.
- لقول النبي ﷺ أسرعوا بها فإن كانت صالحة فإلى خير تقدمونها إليه وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم.
وإّا كان الشارع الحكيم أمر بالإسراع الجنازة أثناء التشييع فمن باب أولى أن نسرع بها في التجهيز.
فإذاً لا ينبغي أبداً التأخير في مسألةتجهيز الميت والذي سيبين لنا المؤلف كيفية تجهيزه لكن الآن الذي نحتاج أن نفهمه هو أنه يستحب المبادرة الإسراع بتجهيزه.
• قال ﵀:
إن مات غير فجأة.
يعني إذا مات على إثر مرض وعلم موته يقيناً فيسرع به.
وأما إن مات فجأة فلا يستحب أن يسرع به خشية أن يكون مازال حياً.
ومن المعلوم أنه في وقتنا هذا يكاد هذا المحذور قد زال لأن التأكد من موت الميت الآن أصبح ميسوراً وأشبه ما يكون على وجه القطع ولذلك لم نسمع أبداً أن الأطباء حكموا عهلى شخص بالموت ثم تبين أنه ما زال حياً إلا في مسألة واحدة هم ما زالوا يقولون أنه ميت والآخرون يقولون أنه حي وهو الشخص الذي مات دماغه وصارت أعضؤه تعمل على أجهزة خارجيه فالقلب يعمل على جهاز والرئة على جهاز والكلية على جهاز لكن المخ توفى دماغياً هذا الشخص الأطباء يعتبرونه أنه ميت ومن الناس من ينازع في هذا ويقول أنه ما زال حياً.
فهذا نستثنيه من البحث.
فمن مات موتاً طبيعياً فإن لم نسمع أن الأطباء حكموا عليه أنه مات وتبين أنه حي مما يدل على أنه أشبه ما يكون بالمقطوع به أن حكم الأطباء على شخص بالموت أنه ميت.
إذا ثبت ذلك فنقول: ينبغي الإسراع في وقتنا هذا بتجهيز الميت مهما كان موته فجأة أو على إثر مرض.
•
ثم قال ﵀:
وإنفاذ وصيته.
يعني ويتحب الإسراع بإنفاذ الوصية.
ولذلك كان يجدر بالمؤلف أن يقول والإسراع بإنفاذ الوصية لأن هذا هو المستحب أما إنفاذ الوصية فهو واجب.
وهو يقول في صدر هذه الجملة: فإذا مات سن. فصارت العبارة فإذا مات سن إنفاذ وصيته وهذا ليس بصحيح بل المسنون هو الإسراع.
стр. 780
وتعليل: أن الإسراع في إنفاذ الوصية مستحب هو أن هذا أسرع في حصول الأجر لهذا الميت.
• ثم قال ﵀:
ويجب في قضاء دينه.
يعني: ويجب الإسراع في قضاء الدين.
لوجهين:
- الأول: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه).
- والثاني: أن الدين من حقوق العباد التي يجب الإسراع بأدائها.
فإذاً: الصواب كما قال المؤلف أن قضلء الدين واجب على لاالفور ولا يستحب فقط بل يجب والله أعلم .... ((الأذان)) ...
انتهى الدرس
стр. 781
فصل
[في غسل الميت وما يتعلق به]
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فبدأ المؤلف بالكلام عن غسل الميت وما يتعلق به من أحكام وكيفية ... إلى آخره.
فبدأ ببيان حكم تغسيل الميست وتكفينه ... إلى آخره.
• فقال ﵀:
غُسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه: فرض كفاية.
ـ غسل الميت وتكفينه فرض كفايه لدليلين:
- الأول: قول النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته ومات: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين).
- الثاني: الإجماع.
بناء على هذا إذا لم يغسل الميت من أهله وجب على غيرهم أن يغسلوه فإن لم يغسله أحد من المسلمين أثموا جميعاً وهذا معنى كونه فرض كفايه.
إذاً تبين معنا الآن حكم الغسل والتكفين.
• ثم قال ﵀:
والصلاة عليه.
الصلاة عليه أيضاً فرض كفاية فإن لم يصلوا عليه أثموا جميعاً.
[لدليلين:
- الدليل الأول]: قول النبي ﷺ في الذي غل في الحرب لما أراد أن يصلي عليه ترك الصلاة عليه وقال النبي ﷺ لأصحابه: (صلوا على صاحبكم) وهذا أمر.
- والدليل الثاني: الإجماع. فقد أجمعت الأمة على أن الصلاة على الميت فرض كفاية.
• ثم قال ﵀:
ودفنه.
أيضاً الدفن فرض كفاية.
لعدة أدلة:
- الدليل الأول: - وهو أقوى الأدلة - الإجماع.
- الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس/٢١]. فامتن الله على عباده بالدفن.
стр. 782
- الدليل الثالث: لأن لا يتأذى به الناس من جهة ولأن لا تهتك حرمة هذا الميت من جهة أخرى.
فثبت بهذه الأدلة أن دفن الميت فرض كفاية فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه فإن تركوها أثموا.
ثم بدأ المؤلف ﵀ بالكلام التفصيلي على مسألة الغسل بالذات لأن الفصل مخصص للغسل وسيخصص فصلاً آخر للتكفين والصلاة ... إلى آخره.
• قال ﵀:
وأولى الناس بغسله: وصيه.
(الناس: مضبوطة بالضم عندكم [طبعة الهبدان ص ١٢٥] وهي بالكسر).
معنى أولى الناس يعني: أحق الناس بغسل الميت من سيذكرهم المؤلف ﵀.
= أحق الناس بالغسل عند الحنابلة: الوصي.
فإذا وصى الميت أن يغسله فلان فهذا أحق الناس وأولى من والد المتوفى وابنه وأخيه وكل الناس.
وهذه من مفردات مذهب الإمام أحمد.
واستدل بدليلين:
- الأول: أن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أن تغسله زوجته. وهذا مرسل لكن مقبول في هذا الباب.
- الثاني: أن أنس ﵁ أوصى أن يغسله ابن سيرين ﵀. وهذا إسناده صحيح.
وبهذا استدل الإمام أحمد وهناك تعليل وهو:
- أن الميت لم يوص إلا بمن يرى أنه سيقوم بالأمر على الوجه الأكمل.
= القول الثاني: مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي - الجمهور أن العصبات مقدمون على الأوصياء.
واستدلوا على هذا بأنهم:
- أولى وأحق بالصلاة فكذلك بالغسل.
والصواب مع الإمام أحمد لأنه يستدل بآثار عن الصحابة وأولئك يستدلون بعلل والعلل لا ترد الآثار الصحيحة. نعم مسألة أثر أبي بكر ﵁ مرسل لكن المراسيل في مثل هذا الباب مقبولة إن شاء الله.
• ثم قال ﵀:
ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته.
= ترتيب الأحق بغسل الميت عند الحنابلة كما ذكره المؤلف - على ثلاثة جهات.
- الجهة الأولى: الأبوة. يعني: الأب وإن علا.
- والجهة الثانية: - لم يذكره المؤلف فكان من الأنسب كغيره من الحنابلة أن يقول: ثم أبوه ثم جده ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب - نقول: البنوة: الابن وإن نزل.
- الجهة الثالث: باقي العصبات.
ومن الطبيعي أنا سنبدأ بباقي العصبات بمن: بالأخ.
وترتيب باقي العصبات حسب ترتيبهم في الإرث.
دليل الحنابلة على تقديم الأبوة على البنوة:
стр. 783
- أن الأب في العادة أكثر شفقة من الإبن ولذا قدم.
= القول الثاني: أن البنوة مقدمة على الأبوة فالابن أحق من الأب فابن الميت أحق من أبيه في غسله.
= القول الثالث: أن البنوة مقدمة على الجد فقط دون الأب.
= القول الرابع: أن الزوجين يقدمان على غيرهما فإذا مات الزوج فالزوجة أحق من غيرها وإذا ماتت الزوجة فالزوج أحق من غيره وهذا مذهب المالكية. ويظهر لي والله أعلم أن هذا المذهب قوي جداً وأن الزوج مقدم في غسل الزوجة على أبيها وابنها وأخيها وأمها وكل الناس.
لماذا؟ التعليل من وجهين:
- الأول: أنا وجدنا أن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى على زوجته.
- الثاني: أن عائشة ﵂ قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه مع أن الذي تولى غسل النبي ﷺ من العصبات علي بن أبي طالب ﵁.
- ثالثاً: أن الزوج اطلع من زوجته والزوجة اطلعت من زوجها على ما لم يطلع عليه غيرهما في الحياة.
ولذلك أقول أن هذا القول وجيه جداً وإن كان لم يقل به إلا المالكية من بين المذاهب الأربعة.
عرفنا الآن كيفية ترتيب الأحق بالغسل عند الحنابلة وعند غيرهم.
• ثم قال ﵀:
ثم ذووا أرحامه.
ذووا أرحامه هم: كل قريب لا يرث فرضاً ولا تعصيباً كالجد من جهة الأم والخال والعم من جهة الأم وكل قريب لا يرث لا فرضاً ولا تعصيباً. فهؤلاء يقدمون على غيرهم إذا لم يوجد من ذكر أولاً ولهذا عبر بقوله: ثم ذووا أرحامه.
وبهذا عرفنا أن بعد ذوي الأرحام يتساوى الناس فلا أحد أحق من أحد.
= والقول الثاني: أنه بعد ذوي الأرحام الأصدقاء.
ومن خلال ما سبق عرفت أن مقصود الفقهاء في الترتيب ينبني على مسألة الأكثر شفقة ولهذا ذكروا الأصدقاء.
فالضابط الذي في الحقيقة تدور عليه المسألة من أكثر شفقة مِن مَن؟
• ثم قال ﵀:
وبأُنثى: وصيتها.
تقدم الكلام على الوصي والخلاف بين الحنابلة والجمهور في مسألة تغسيل الرجل فكذلك هنا.
• ثم قال ﵀:
ثم القربى فالقربى من نسائها.
بناء عليه أحق الناس بغسل المرأة: أمها ثم ابنتها ثم أختها وهكذا حسب ترتيبهم في الميراث.
стр. 784
وعرفنا مما ذكره المؤلف أنه ليس للشخص أن يغسل أمه ولا أخته وسيأتي التصريح بهذا في كلام المؤلف.
• ثم قال ﵀:
ولكل واحد من الزوجين: غسل صاحبه.
يعني: ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يغسل الآخر إذا مات أحدهما.
فذكر المؤلف مسألتين:
- المسألة الأولى: غسل الزوج لزوجته.
- والمسألة الثانية: غسل الزوجة لزوجها.
نبدأ بالمسألة الأولى: غسل الزوج لزوجته:
= ذهب الجمهور إلى جواز أن يغسل الزوج زوجته إذا ماتت.
واستدلوا بدليلين:
- الأول: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: (ما ضرك لو مت فغسلتك وكفنتك وصليت عليك).
- الثاني: أن علي بن أبي طالب ﵁ تولى غسل فاطمة ﵂
وهي نصوص ريحة كما ترى وقوية جداً.
= القول الثاني: أنه لا يجوز للزوج أن يغسل زوجته.
- لأنه لو شاء لتزوج أختها. فدل على أن العلاقة انتهت بالموت وصارت أجنبية ولا يجوز للإنسان أن يمس الأجنبية.
ونلاحظ أن الأحناف وهم أصحاب هذا القول أيضاً قابلوا الآثار الصحيحة بعلل وأدلة عقلية.
ولذلك الراجح هو القول الأول بلا إشكال إن شاء الله.
وتغسيل علي لفاطمة صحيح ثابت بإسناد صحيح.
المسألة الثانية: تغسيل الزوجة للزوج. هذا حكي فيه الإجماع ممن حكاه: ابن المنذر بل حكاه الإمام أحمد نفسه فقال ﵀: لا أعلم الناس يختلفون فيه.
لكن الواقع أن في المسألة خلاف.
= فالقول الأول وحكي إجماعاً الجواز. كما سمعت.
واستدلوا:
- بقول عائشة ﵂: لو استقدمت من أمري ما استأخرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه.
- وبأن زوجة أبي بكر ﵁ غسلته بوصية منه ﵁.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز للزوجه أن تغسل زوجها. والغريب أنه رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض الفقهاء مع أنه حكى الإجماع.
فربما نقول أن الإمام أحمد ﵀ في الأول علم أن المسألة إجماع ثم تبين أن فيها خلاف فصار له رواية في المسألة أو أن نقول أن الرواية الثانية لا تصح عن الإمام أحمد ﵀ وإلا لا يمكن أن الإمام أحمد يحكي الإجماع ثم يكون له فيها قول إلا على أحد التخريجين الذين ذكرتهما.
واستدل هؤلاء:
стр. 785
- بأن الموت فراق كالطلاق فلا تغسل الزوجة زوجها.
والصواب القول الأول بلا إشكال إن شاء الله.
•
ثم قال ﵀.
وكذا سيد مع سريته.
يعني: أنه يجوز للسيد أن يغسل أمته وللأمة أن تغسل سيدها.
واستدلوا على ذلك:
- بأن الأمة فراش للزوج فهي كالزوجة تماماً بل هي أولى من الزوجة لأن الحنابلة يرون أنه يجب على الزوج أن ينفق على الزوجة في التكفين والغسل ولا يرون أنه يجب عليه أن ينفق على ... فهي أولى بالعلاقة بعد الموت من الزوجة فالقياس قياس أولوي.
• ثم قال ﵀:
ولرجل وامرأة: غسْل من له دون سبع سنين فقط.
يعني أنه يجوز للمرأة أن تغسل الطفل ويجوز للرجل أن يغسل الطفلة.
نبدأ بالمسألة الأولى:
يجوز للمرأة أن تغسل الطفل فهذا محل إجماع لم يختلفوا فيه.
لكن اختلفوا في حد هذا الطفل - إلى متى يجوز للمرأة أن تغسل الطفل؟
= فالحنابلة يرون أنه إلى سبع فإن تم سبع سنوات لم تغسله. لأنه يقول من له دون سبع.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ علق الصلاة بسبع فقال: (مروهم بالصلاة لسبع). فعلمنا أن الشارع يعلق بعض الأحكام على سن السابعة.
= القول الثاني: للشافعية. أنه يختص بالفطيم - من فطم قريباً -.
= والقول الثالث: من له أربع أو خمس سنوات.
وكما ترون أقوال بلا أدلة وبلا مستند واضح وإنما هي تفقهات وإذا كانت المسألة تفقهات نحن نقول مذهب الحنابلة هو أقوى الأقوال لأنه على أقل تقدير أخذ الحد من نظير جعل الشارع الأحكام تترتب عليه وهو وجوب الصلاة فلأن ننظر بهذا خير من أن نحكم بسن بلا أي دليل وإنما مجرد تعليلات.
المسألة الأخرى: تغسيل الرجل للطفلة:
هذا فيه خلاف:
= فالحنابلة يرون: أنه يجوز له أن يغسل الطفلة ما لم تبلغ سبع سنوات. هذا هو القول الأول.
= القول الثاني: التوقف. وهذا مروي عن الإمام أحمد ﵀. فتوقف في المسألة وتقدم معنا أن الإمام أحمد ﵀ إذا توقف دليل على وجود إشكال قوي في المسألة أوجب للإمام أحمد أن يتوقف.
= القول الثالث: أنه لا يجوز مطلقاً للرجل أن يغسل الطفلة. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ واختيار ابن قدامة.
واستدل على هذا القول:
стр. 786
- بأن عورة المرأة أغلظ وأفحش من عورة الرجل وقد جرت العادة أن المرأة تقوم على الطفل بالعناية والتنظيف ولم تجر العادة أن الرجل يقوم على الطفلة بالعناية والتنظيف. بناء عليه يقول لا يجوز للرجل أن يغسل الطفلة مطلقاً.
وهذا هو الراجح أنه لا يجوز للرجل أن يغسل الطفلة فمذهب المالكية الذي ذهب إليه أحمد في رواية ورجحه ابن قدامة في الحقيقة قوي ووجيه فيما أرى.
تنبيه: قال النووي ﵀: أن تغسيل الرجل للطفلة والمرأة للطفل يجوز ما لم يبلغا حداً يشتهيان فيه. فما دام الطفل لا يشتهى من المرأة والطفلة لا تشتهى من الرجل فمادام هذا الوصف موجود فيجوز وإلا فلا.
فجعل الضابط ليس من جهة السن وإنما من جهة وجود الشهوة أو عدم وجود الشهوة.
هذا القول في الحقيقة قول يلي القول الأخير في القوة فهو وجيه وفيه في الحقيقة تعليق بمعنى اعتاد الشارع أن يعلق عليه الأحكام وهو وجود الشهوة ومظنة وقوع المفسدة.
فنجعله كقول ثاني بعد قول المالكية.
نرجع إلى مسألتنا التي أشرنا إليها: فيفهم من قول المؤلف: ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين أنه لا يجوز للرجل أن يغسل أمه ولا أخته ولا عمته ولا خالته يعني لا يجوز له أن يغسل النساء ولو كن محارم. ولا يجوز للمرأة أن تغسل أباها ولا أخاها ولا أي رجل ولو كان من المحارم. هذا أحد قولي الفقهاء وهو قول صحيح ففيما أرى أنه قول وجيه لأنه لا يناسب أن تغسل المرأة الرجل ولو كان من محارمها بل يتولى غسل الرجال الرجال وغسل النساء النساء.
ويستثنى من هذا فقط الزوجة والزوج ومن له دون سبع سنوات فيما عدا هذا فلا يجوز.
= والقول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يغسل محارمه من الرجال والنساء ويجوز للمرأة أن تغسل محارمها من الرجال والنساء ولكن هذا القول ضعيف في الحقيقة ويؤدي إلى مفاسد.
•
ثم قال ﵀:
وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يمم كخنثى مشكل.
أو عكسه: أي ماتت امرأة بين رجال.
هذه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا ماتت المرأة بين الرجال.
والمسألة الثانية: إذا مات الرجل بين النساء.
والمسألة الثالثة: إذا مات الخنثى المشكل.
في هذه الثلاث مسائل يقول المؤلف: ييمم ولا يغسل.
стр. 787
وطريقة التيمم أن يضرب الإنسان المسلم العاقل يده بالتراب ثم يمسح بها وجه الميت وكفيه.
وعلم من هذا أنه ليست الطريقة أن يأخذ كفي الميت ويضرب بهما التراب وإنما يضرب هو التراب بيديه وييمم الميت.
الدليل على هذا:
- ما رواه مكحول مرسلاً أن النبي ﷺ قال: (إذا ماتت المرأة مع الرجال أو مات الرجل مع النساء يمما ولم يغسلا).
= القول الثاني: أنه في هذه الصورة يدفن الميت بلا تيمم ولا غسل وإنما يدفن مباشرة.
= القول الثالث: أنه يغسل من خلف القميص. - يعني: المرأة إذا ماتت بين الرجال أو الرجل مات بين النساء يغسل من فوق القميص بلا تجريد.
والراجح مذهب الحنابلة لأمرين:
- الأول: أن معهم أثر وإن كان مرسلاً.
- الثاني: أنه وسط بين القولين.
لما بين ﵀ من له أن يغسل ومن لا يجوز له أن يغسل تطرق إلى من يحرم عليه أن يغسل:
• فقال ﵀:
ويحرم: أن يغسل مسلم كافراً أو يدفنه.
يعني: أو يكفنه أو يتبع جنازته فكل هذه الأشياء محرمة.
استدل الحنابلة على ذلك:
- بأنه: إذا كان الله نهى عن الصلاة على الكافرين وعن الدعاء لهم دل ذلك على تحريم أيضاً أن يغسلوا أو يكفنوا أو يدفنوا.
- واستدلوا بقوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) -[الممتحنة/١٣] ... ومن التولي صنع ذلك.
= والقول الثاني: أنه يجوز الدفن فقط دون باقي الأشياء.
واستدل هؤلاء:
- بقول علي ﵁ للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال مات فقال النبي ﷺ : (اذهب فواره).
فدل على أن الدفن فقط يجوز.
- الدليل الثاني مع هذا النص: أن بقاء جثة الكافر فيها ضرر على المسلمين لما تسببه من الأمراض والروائح.
- الدليل الثالث: أنه قد يتأذى أقارب هذا الميت من المسلمين إذا كان له أقارب من المسلمين.
والعمدة في الباب الحديث الأول.
وهذا هو الراجح إن شاء الله أنه يجوز الدفن فقط.
ولا يدفن على صفة دفن المسلمين وإنما يغمس في الأرض غمساً بدون الترتيبات التي توضع للمسلم.
• ثم قال ﵀:
بل يوارى لعدم.
أي لعدم من يواريه يوارى.
стр. 788
يعني: إذا لم يوجد أحد من أقاربه الكفار يواري هذا الميت الكافر فإنه يوارى من قبل المسلمين.
والتعليل: - لأن لا يتأذى الناس به فنحن نواريه دفعاً لضرره لا إكراماً له.
- والدليل الثاني: ما صح أن النبي ﷺ أمر بكفار بدر أن يلقوا في قليب.
علمنا من قول المؤلف: ويحرم أن يغسل مسلم كافر حكم تغسيل المسلم للكافر.
ونأخذ الآن مسألة وهي:
حكم تغسيل الكافر للمسلم:
فنقول: لا يجوز أن يغسل الكافر المسلم ولا يجزئ.
- لأن تغسيل الميت عبادة عظيمة ولا تتأتى من غير المسلمين ولا تصح لأن العبادات لا تصح إلا من المسلمين.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يغسل الكافر المسلم.
والصواب الأول. ورجح الأول وهو: تحريم تغسيل الكافر للمسلم وأنه لا يجزئ ابن قدامه ﵀.
• ثم قال ﵀:
وإذا أخذ في غسله.
معنى إذا أخذ في غسله: يعني إذا شرع وبدأ في تغسيل الميت.
فالمؤلف بدأ الآن في التفصيل الدقيق لمراحل تغسيل الميت.
• قال ﵀:
وإذا أخذ في غسله: ستر عورته.
أي: وجوباً.
ووجوب ستر عورة الميت محل إجماع.
فيجب على من غسل ميتاً أن يستر عورته. وهو على المذهب ما بين السرة إلى الركبة وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة في شروط الصلاة.
• قال ﵀:
وجرده.
أي: ويستحب للغاسل إذا أراد أن يغسل الميت أن يجرده من الثياب.
بطبيعة الحال إلا ما يستر عورته.
واستدل الحنابلة على استحباب التجريد بدليلين:
- الأول: أن هذا أمكن وأبلغ في التنظيف. وهذا صحيح: فبلى شك أنه إذا جرد فإن تنظيفه سيكون أبلغ وأحسن.
- الثاني: حديث عائشة الثابت الصحيح أن أصحاب النبي ﷺ لما أرادوا غسله اختلفوا فقالوا: هل نجرده كما نجرد موتانا؟.
وجه الاستدلال: أن هذه العبارة تفيد أن التجريد كان معروفاً بينهم.
= والقول الثاني: أن الميت لا يجرد من ثيابه بل تبقى عليه الثياب وهو مذهب الشافعية ويغسل بإدخال اليد تحت الثوب.
واستدل الشافعية على هذا:
- بأن النبي ﷺ هكذا غسل وهو أسوة للمسلمين.
والراجح مذهب الحنابلة - القول الأول وهو أنه يجرد.
стр. 789
والجواب عن حديث أن النبي ﷺ غسل في قميصه أن هذا من خصائص النبي ﷺ .
•
ثم قال ﵀:
وستره عن العيون.
أي: ويستحب لمن أراد أن يغسل الميت أن يستره عن العيون بأن يغسله بغرفة أو بخيمة أو بأي مكان محجوب.
والدليل على هذا:
- أن الميت ربما كتم من جسده لا يحب أن يطلع عليه الناس.
- ولأن تغسيل الميت على ملإٍ من الناس فيه إيذاء للناس.
• ثم قال ﵀:
ويكره لغير من يعين في غُسْله: حضوره.
يعني: يكره ولا يحرم أن يحضر أحد تغسيل الميت وليس ممن يعين على ذلك.
- لأنه قد يطلع من الميت على ما لا يحب أن يطلع عليه الميت.
= القول الثاني: أنه يحرم أن يحضر من لا يعين لأن جسد الميت بعد الموت يكون كله عورة.
والراجح مذهب الحنابلة.
* * مسألة: استثنى الحنابلة من مسألة الدخول على الميت أثناء التغسيل ممن لا يعين استثنوا الأولياء فقالوا: للأولياء الدخول بلا كراهة ولو لم يكونوا من المعينين.
والأقرب: أن الأولياء إذا لم يكن لحضورهم فائدة الأحسن أن لا يحضروا ولا نقول مكروه لكن الأحسن أن لا يحضروا لأن الميت قد لا يحب أن يطلع على شيء من جسده ولا من قبل بعض الأولياء سواء كان هذا الولي ابن أو أب أوأخ أوغيره.
فالأحسن أن لا يحضر إذا لم يكن لحضوره داعي.
ومن الدواعي لحضور الأولياء المقبولة: أن يكون الولي حضر ليتأكد من غسل الميت على السنة فهذا جيد فإنه إذا حضر لهذه العلة فهذا جيد لأنه قد يكون الغاسل من المتساهلين - قد يكون - فحضور الولي لأجل أن يتأكد أن التغسيل يتم على وفق السنة فلا بأس به.
• ثم قال ﵀:
ثم يرفع رأسه برفق إلى قرب جلوسه.
يعني: ويستحب للمغسل أن يرفع رأس الميت برفقإلى قرب جلوسه ولا يصل به إلى حد الجلوس لأن هذا مؤذي للميت.
وأما أصل الرفع: فلإتمام التنظيف.
•
ثم قال ﵀:
ويعصر بطنه برفق.
أفادنا المؤلف أن العصر سنة وأن السنة أن يكون هذا العصر برفق.
استدل الحنابلة على ذلك:
- بأن هذا العصر يخرج من بطن الميت ما كان على وشك الخروج لأن لا يخرج أثناء نقله.
=القول الثاني: للشافعي وهو أنه يعصر بطن الميت بشدة ولا يقصد بعنف لكن يقصد عصراً قوياً ليخرج كل ما في بطنه.
стр. 790
= والقول الثالث: أنه لا يعصر بطن الميت أصلاً لا برفق ولا بغيره.
- لأنه ليس في العصر سنة تتبع عن النبي ﷺ .
والراجح أنه يعصر عصراً رفيقاً ليخرج فقط ما كان على وشك الخروج. وإلى هذا مال الحافظ ابن المنذر.
وتقدم معنا قاعدة للشافعي وهي: ((أن كل عمل فعله من صالح الميت يعمل على أساس أنه مستحب وليس على أنه سنة)).
• ثم قال ﵀:
ويكثر صب الماء حينئذ.
يعني: مع العصر ليذهب ما يخرج من الميت ولا يتأذى الميت - يعني: لا يتسخ جسده ولا يتأذى الغاسل بل يذهب ما يخرج مع الماء.
• ثم قال ﵀:
ثم يلف على يده خرقة فينجيه.
يعني: يستحب أن يفعل ذلك: أن يلف على يده خرقه فينجي الميت.
التعليل: - إزالة للنجاسة وطلباً للطهارة الكاملة.
ويكون الاستنجاء في هذه الصورة من تحت الثوب الذي يستر العورة.
• ثم قال ﵀:
ولا يحل مس عورة من له سبع سنين.
يعني: فأكثر.
- لأن التطهير يمكن بدون هذا المس ولذلك لا يحل له أن يمس عورته.
أما من له أقل من سبع سنوات فيجوز أن يطهره وينجيه بمس العورة.
- لأن عورة من كان عمره دون سبع سنوات لا حكم لها في النظر والمس.
•
ثم قال ﵀:
ويستحب أن لا يمس سائره إلاّ بخرقة.
يعني: يستحب أن لا يمس سائر الجسد أثناء الغسل إلا بخرقة يلفها على يده. لأمرين:
- الأول: أنه مروي عن علي ﵁ أنه كان يصنع ذلك.
- الثاني: أن هذا أبلغ في التنظيف.
وعلمنا من هذا أن غسل الميت بمباشرة الجسد باليد جائز لكن الأحسن أن يفعل كما قال المؤلف ﵀.
فصارت الخرق التي يحتاج إليها المغسل: خرقتان.
= القول الثاني: أن المغسل يحتاج إلى ثلاث خرق لكل سبيل من السبيلين خرقة ولسائر الجسد خرقة أخرى.
فصار المجموع: ثلاث.
والصواب: أن المغسل من جهة الخرق يصنع ما فيه الأصلح للميت إن احتاج إلى ثلاث أو أكثر فيأخذ ما فيه صلاح للميت.
• ثم قال ﵀:
ثم يوضيه ندباً.
ذكر صاحب الروض أنه كان ينبغي على الماتن أن يقدم النية على الوضوء بينما نجد أن الماتن قدم الوضوء على النية.
стр. 791
وما ذكره صاحب الروض صحيح لأن الوضوء من جملة الغسل الذي يحتاج إلى نية وتقدم معنا أن تغسيل الميت من جملة العبادات التي تحتاج إلى نية.
إذاً كان ينبغي من جهة الترتيب أن يقدم النية.
نرجع إلى الوضوء: توضأة الميت سنة بالإجماع.
- لقول النبي ﷺ في حديث أم عطية: (ابدأن بمايامنها ومواضع الوضوء منها).
= والقول الثاني: أن الوضوء واجب.
والصواب مع الحنابلة لأنه لا دليل على وجوب الوضوء .... (الآذان).
انتهى الدرس
стр. 792
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما ذكر المؤلف حكم توضأة الميت ذكر تفصيلاً يتعلق بالوضوء.
• [قال ﵀:
ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه.]
فذكر أنه لا يدخل في أنفه ولا في فمه.
= وهذا مذهب الحنابلة: أن المغسل لا يمضمض ولا ينشق الميت.
واستدلوا على هذا:
- بأن في إدخال الماء في أنف وفم الميت ضرر لأنه قد ينزل إلى بطن الميت فيسبب تغيراً فيه.
- وأيضاً قد يخرج بعد التكفين.
- (الدليل الثالث): أن في المضمضة والاستنشاق بالنسبة للميت عسر ومشقة ظاهرة.
وإلى هذا ذهب الجماهير.
= والقول الثاني: للشافعية. أنه يمضمض ويستنشق كما يفعل بالحي تماماً.
- لعموم حديث أم عطية: (ومواضع الوضوء منها).
وأحب أن أنبه إلى أن حديث أم عطية أثنى عليه العلماء ثناء عاطراً جداً وذكر الأئمة جميعاً أنه أصل في باب تغسيل الميت ولذلك اعتنى به أصحاب السنن بألفاظه وطرقه وأسانيده وهو حديث ينبغي لطالب العلم أن يعتني به من حيث تحرير الألفاظ الصحيحة التي رويت خارج الصحيحين.
والراجح: قول الجماهير في المضمضة والاستنشاق.
• ثم قال ﵀:
ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء: بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما.
أي: يشرع ويستحب أن يعمل هذا العمل بأن يضع على أصبعه خرقه ويبلل هذه الخرقة ثم يمسح فم وأسنان وأنف الميت.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: أن هذا من عموم التنظيف وهو مطلوب في حق الميت.
стр. 793
- الوجه الثاني: لعموم حديث أم عطية: (ومواضع الوضوء) وهذا من مواضع الوضوء.
فإذاً يستحب: = عند الجمهور - الذين لا يرون المضمضة والاستنشاق للميت - أن يفعل بدلاً منه هذا الفعل.
وهذا صحيح لما فيه من كمال التنظيف والطهارة.
• ثم قال ﵀:
ولا يدخلهما الماء.
معلوم أن هذا تكرار. وتقدم الكلام على إدخال الماء في فيه وفي أنفه.
• ثم قال ﵀:
ثم ينوي غسله ويسمي.
ـ أما النية: فهي من شروط صحة غسل الميت.
- لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
- ولأن هذا الغسل من العبادات بل هو فرض كفاية ولا تصح العبادة إلا بنية.
ـ وأما الوضوء فالخلاف فيه كالخلاف الذي تقدم معنا في مسألة الوضوء وغسل الجنابة. وتقدم أن الراجح إن شاء الله أنه لا يجب بل الأقوى أنه لا يشرع على ما تقدم تفصيله.
• ثم قال ﵀: - مبتدأً بالكيفية التفصيلية لتغسيل الميت.
ويغسل برغوة السدر: رأسه ولحيته فقط.
إذا أراد المغسل أن يغسل الميت فإنه يأتي بورق السدر ويدق هذا الورق إلى أن يكون نعاماً ثم يخلط هذا الورق بالماء ثم يضرب هذا الماء - يعني: يحركه - لأجل أن يخرج له رغوة فإذا خرجت الرغوة بدأ فغسل الرأس واللحية بالرغوة.
ولا يغسلهما بما يتبقى من الفتات الذي يترسب في قعر الإناء.
- التعليل: أنه لو غسله بغير الرغوة لبقي حب وفتات في الرأس واللحية لا يخرج مع الماء بينما إذا غسله برغوة السدر فقط فإن الماء كفيل بإزالة ما غسل به الشعر واللحية.
فتبين من كلام المؤلف ﵀ أن الرغوة خاصة للشعر وللحية أما سائر البدن فهو: = عند الحنابلة لا يغسل بالرغوة وإنما يغسل بما يتبقى من ورق السدر وهو الحبيبات التي تترسب في أسفل الإناء.
= والقول الثاني: أنه يغسل الشعر واللحية وسائر الجسد برغوة السدر.
وهذا القول هو الصواب: بشرط أن يحصل بذلك التطهير للجسد - يعني التنظيف -.
والدليل على هذا:
- ما تقدم معنا مراراً أن النبي ﷺ قال: (اغسلوه بماء وسدر). فنص على وضع السدر مع الماء ليحصل التنظيف به.
• ثم قال ﵀:
ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر.
ـ طريقة غسل الشق الأيمن والأيسر هي أن:
стр. 794
- يغسل الميت مما يلي الوجه من شقه الأيمن.
- ثم إذا أرا أن يغسل الأسفل - وهو الظهر والإليتين وأسفل القدمين -: قلبه على جنبه الأيسر وغسل شقه الأيمن.
ـ فإذا أراد أن يغسل شقه الأيسر فيفعل نفس الشيء: يقلبه على شقه الأيمن ويغسل الظهر والإليتين والقدمين.
وعلم من ذلك أنه لا يسن أن يكبه على وجهه وإنما هكذا يصنع:
- يقلبه على الجهة اليمنى ثم يغسل ظهره وإليتيه وقدميه.
- ويقلبه على الشق الأيمن ويغسل الشق الأيسر.
إذاً هذه هي الطريقة في غسل الميت ولا يقلب قلباً كاملاً بحيث يكبه على وجهه.
• ثم قال ﵀:
ثم كله.
أي: ثم يفيض الماء على كل الجسد بما في ذلك الرأس.
وهذه الغسلة هي الغسلة الكفيلة بإذهاب ما قد يعلق بالجسم والشعر من رغوة السدر أو من الصابون في وقتنا الحاضر.
• ثم قال ﵀:
ثلاثاً.
أي: يكرر كل ما صنع ثلاثاً تماماً.
- لقول النبي ﷺ في حديث أم عطية: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً). فبدأ بالثلاث.
فإن اقتصر على واحدة:
= كره عند الحنابلة لمخالفة السنة.
= وحرم عند الظاهرية.
والصواب أن غسل الميت مرة واحدة إذا طهر به فيحوز بلا كراهة.
- لأن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر). ومطلق الغسل يتحقق بواحدة.
فإذاً الصواب إن شاء الله أنه جائز بلا كراهة.
• ثم قال ﵀:
يمر في كل مرة: يده على بطنه.
أي: أن إمرار اليد على البطن يشرع في الغسلات الثلاث.
فعرفنا أن إمرار اليد على البطن مشروع في الغسلات الثلاث لسببين:
- الأول: ليخرج ما تبقى.
- والثاني: لأجل أن لا يخرج بعد ذلك شيء من السبيلين فيفسد الغسل والوضوء.
* * مسألة: يفعل ثلاثاً كل ما تقدم إلا الوضوء فإنه لا يكون إلا في المرة الأولى فقط أما باقي الأمور فتكرر ثلاثاً.
إذاً التكرار يصح للجميع إلا مسألة الوضوء.
• ثم قال ﵀:
فإن لم ينق بثلاث: زيد حتى ينقى ولو جاوز السبع.
المشروع: أن يكرر الغاسل غسل الميت إذا لم ينق ثلاثاً وأربعاً وخمساً وستاً وسبعاً وأكثر من ذلك تسع .. إلى آخره.
стр. 795
- لقول النبي ﷺ : (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك) وفي رواية: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) ولم يذكر أكثر من ذلك.
وهذا تنبيه لطيف جداً من الحافظ ابن حجر فهو يقول: لم يأت في رواية صحيحة - يقصد في الصحيح - أن النبي ﷺ جمع بين السبع وأكثر من ذلك.
يعني: - إما أن يقول: ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك.
- أو ن يقول ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.
لكن في سنن النسائي ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك. لكن في البخاري ومسلم لا يوجد الجمع بين السبع ومسألة أو أكثر من ذلك.
= فعند الحنابلة يزيد ولو أكثر من سبع.
- لأن الزيادة على السبع صارت لمصلحة وهي تطهير الميت.
- وقد يكون الميت مع طول المرض أو لأي ملابسة أخرى تراكم عليه الوسخ مما يحتاج معه إلى تكرار للغسل ليتطهر وينظف جسمه.
وهذا هو الصواب أنه يزيد على السبع.
= والقول الثاني: أنه لا يزيد على السبع بل إذا غسله سبع كرات كفنه وانتهى الغسل بذلك.
واستدلوا:
- أن الحديث لم يذكر أكثر من سبع.
والزيادة على ثلاث غالباً لا يحتاج إليها إلا للمرضى الذين طال مرضهم.
• ثم قال ﵀:
ويجعل في الغسلة الأخيرة: كافوراً.
- لقول النبي ﷺ في حديث أم عطية: (واجعلن في الآخرة كافوراً). والكافور نوع من أنواع الطيب البارد.
= فذهب الجماهير: الأئمة الأربعة والجم الغفير إلى أنه يستحب وضع الكافور.
= وذهب ابن حزم إلى أنه يجب وجوباً أن نضع الكافور.
• ثم قال ﵀:
والماءُ الحار والأشنان والخلال: يستعمل إذا احتيج إليه.
الماء الحار: معروف.
والإشنان: نبات يستخدم للتنظيف والتطهير.
والخلال: هو العود الذي يستعمل للتخليل بين الأسنان.
هذه الأشياء الثلاثة تستعمل عند الحاجة فقط.
فإذا كان فيه وسخ لا يذهب إلا بماء حار أو لا يذهب إلا بالإشنان أو كان في فمه طعاماً متبقياً كثيراً يحتاج معه إلى استخدام العود الذي يخلل فيه بين الاسنان: شرع ذلك.
ومفهوم عبارة المؤلف أنه إذا لم يحتج إليه فلا يفعل. = وهو كذلك عند الحنابلة بل يكره إذا لم يحتج إليه الإنسان لأنه لم يأت في السنة.
• ثم قال ﵀:
ويقص شاربه ويقلم أظفاره.
стр. 796
قص الشارب وتقليم الأظافر ويضاف إليه نتف الإبط:= يشرع مطلقاً عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن هذا من جملة التنظيف.
- الدليل الثاني: قياساً على الحي: لأنه كما شرع في الميت الغسل لأن فيه تنظيفاً بلا مضرة فكذلك بالنسبة للميت.
= والقول الثاني: أنه لايشرع فعل ذلك إلا إذا زادت هذه الأشياء زيادة فاحشة ظاهرة.
- لأن في تركها في هذه الحالة تقبيح لشكل الميت.
= والقول الثالث: أنه لا تشرع هذه الأشياء مطلقاً.
- لأنه لم يأت في سنة النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم فعلوا بالميت ذلك.
- ولأنه لا ينتفع الميت بمثل ذلك.
- ولأن الإبط والأظفار لا تظهر حتى تقبح وإنما تغطى وكذلك الوجه.
فصارت الأقوال: ثلاثة.
وأيها أرجح؟
نقول: إن المسألة فيها إشكال ولذلك فيها ثلاثة أقوال وأكثر العلماء على الأخذ لكن يظهر لي أنه لا يؤخذ.
السبب:
- ما يمكن أن نطبق قاعدة الشافعي لأن قاعدة الشافعي تصلح فيما ينفع الميت ولم يوجد سببه في عهد النبوة.
فوضع الحصا على البطن ربما لم ينتفخ أحد من الصحابة ولذلك لم يضعوه.
ومسألة وضعه على السرير وأشياء كثيرة ممكن أن لا يوجد لها سبب في عهد النبي ﷺ لكن مسألة الشارب والأظفار والإبط موجودات في كل إنسان ومع ذلك لم يذكر أبداً.
- ثم أن الميت لا ينتفع بهذا انتفاعاً ظاهراً.
- وأما أنه من سنن الفطرة فهذا خاص بالحي دون الميت.
- ثم إن الذين قالوا بأنها تؤخذ اشترطوا على من أخذها أن يضعها في الكفن لدفن مع الميت لأنها من الميت.
ففي الحقيقة الأظهر والله أعلم أن لا يؤخذ هذا الشيء.
* * مسألة: مسألة العانة:
= ذهب الجماهير إلى أنها لا تؤخذ
- لما فيها من كشف العورة وهتك حرمة الميت.
= والقول الثاني: أن العانة تؤخذ
- لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ غسل ميتاً فجز عانته. ولا أعرف صحة هذا الأثر لم أقف على صحته ولم أبحث في ذلك.
والراجح. القول الأول في الحقيقة. لأن هذا الأمر وهو نتف العانة ينبني عليه كشف العورة وغاية ما يقال في نتف عانة الميت أنه سنة فلا نجعل هذا سبباً في كشف عورته وهتك حرمته.
* * المسألة الأخيرة: الختان.
стр. 797
= الختان لم يختلف أصحاب الإمام أحمد ﵀ بلا نزاع أنه لا يختن الميت. فلو فرضنا أنه أسلم ومات قبل أن يختتن فإنه لا يختتن أثناء تغسيله.
•
ثم قال ﵀:
ولا يسرح شعره.
لا يسن ولا يستحب للمغسل أن يسرح شعر الميت.
- خشية أن يقع ويتمزق.
- وأيضاً لأنه لم ينقل.
• ثم قال ﵀:
ثم ينشف بثوب.
يعني: بعد أن يغسل الميت وقبل أن يكفن يشرع أن ينشف.
- لأنه لو كفن وهو رطب لأدى ذلك إلى إفساد الكفن.
• ثم قال ﵀:
ويضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل وراءَها.
- لأن هذا جاء صريحاً في حديث أم عطية أن أم عطية ومن معها ضفرن شعر زينت ﵂ ثلاثاً وألقينه خلف ظهرها.
فهو سنة صريحة. وهذا كمال هو معلوم لا يقتضي التمشيط فإن ضفر الشعر لا يلزم منه التمشيط وإنما تضفر الشعر إذا كان طويلاً ثلاث قرون ويوضع خلف الظهر.
• ثم قال ﵀:
وإن خرج منه شيءٌ بعد سبع: حشي بقطن.
يعني إذا غسله سبع مرات وما زال يخرج منه خارج من أحد السبيلين أو من الأنف كما يحصل أحياناً بالمرضى أو من الفم فإنه بعد الغسلة السابعة يحشى الأنف أو الفم أو أحد السبيلين بقطن.
- والتعليل: لأن لا يخرج منه بعد ذلك شيء فيلوث الميت.
• ثم قال ﵀:
فإن لم يستمسك: فبطين حر.
الطين الحر: هو الطين الخالص من التراب.
والطين إذا خلص من التراب صار أقوى في منع خروج الخارج.
وفيما يظهر لي الآن: أن القطن كفيل في أحيان كثيرة بمنع خروج الخارج، لكن لو فرضنا أنه لم يستمسك فبالإمكان وضع هذا الطين.
•
ثم قال ﵀:
ثم يغسل المحل ويوضأُ.
= عند الحنابلة: ـ إذا خرج شيء قبل الغسلة السابعة فيجب أن نعيد الغسل والوضوء.
ـ وإذا خرج بعد الغسلة السابعة فيجب أن نعيد الوضوء فقط.
- لأن طهارة هذا الميت انتقضت بخروج هذا الخارج.
= والقول الثاني: أنه إذا خرج منه شيء بعد الغسلة الأولى فإنه لا يعاد إلا الوضوء فقط.
= والقول الثالث: أنه إذا خرج منه شيء لا يعاد لا الوضوء ولا الغسل وإنما ينظف ويطهر محل هذه النجاسة.
والأرجح. القول الثالث.
والأحوط القول الثاني.
стр. 798
لأنه إذا غسل الميت الغسلة الأولى طهر وانتهت مسألة الطهارة وصلح للصلاة. ومسألة خروج شيء بعد هذا لا ينقض هذا الغسل.
- بدليل: أن خروج النجاسة من أحد السبيلين في غسل الجنابة لا ينقضها فكيف بغسل الميت وهو لا شك أقل وجوباً وتحتيماً من غسل الجنابة.
فإذا غسلوه غسلاً كاملاً ولو خرج منه شيء لا يجب إعادة لا الغسل ولا الوضوء وإنما يطهر هذا المحل الذي خرج منه النجاسة.
• ثم قال ﵀:
وإن خرج بعد تكفينه: لم يعد الغسل.
- وهذا بالإجماع: إذا كفنوه ثم لا حظو خروج نجاسة فإنه لا يعاد الغسل بالإجماع لما في ذلك من مشقة ظاهرة.
• ثم قال ﵀:
ومُحْرِم ميت كحي: يغسل بماء وسدر.
يعني في جميع ما تقدم. - لأن النبي ﷺ قال: (اغسلوه بماء وسدر). إلا ما سيذكر المؤلف مما يستثنى.
وقوله: يغسل بماء وسدر. لما تقدم من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال في المحرم: (اغسلوه بماء وسدر).
ثم ذكر ما يستثنى:
•
فقال ﵀:
ولا يقرب طيباً، ولا يُلبس ذكر مخيطاً، ولا يغطى رأسه.
- لأن النبي ﷺ قال: (اغسلوه بماء وسدر ولا تحنطوه ولا تغطوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).
فقوله: (لا تحنطوه). دليل على أنه لا يمسه الطيب.
وقوله: (لاتغطوا رأسه). دليل على المنع من تغطية الرأس. لأن أحكام الإحرام ما زالت باقية.
وها صحيح وحديث ابن عباس نص فيه.
ويستثنى من هذا إا كان الحاج تحلل التحلل الأول فيجوز أن نغطيه وأن نطيبه وأن نفعل معه كل شيء لأن محظورات الإحرام زالت بالنسبة له بعد التحلل الأول.
• قال ﵀:
ولا يغطى رأسه:
يفهم من حديث ابن عباس السابق ويفهم من كلام المؤلف جواز تغطية الوجه.
وفيه عن الإمام أحمد روايتان:
- الرواية الأولى: جواز تغطية وجه المحرم. وبناء عليه جواز تغطية وجه الميت.
- والرواية الثانية: المنع من ذلك.
والخلاف مبني على رواية: (ولا تغطوا رأسه ولا وجهه). والصواب أن هذه الزيادة ضعيفة.
وإذا كانت هذه الزيادة ضعيفة فيجوز أن يغطى وجه الميت ولا يغطى رأسه فيوضع القماش على الوجه ويبقى الرأس مكشوفاًَ.
• ثم قال ﵀:
ولا وجه أُنثى.
стр. 799
ولا يغطى وجه الأنثى. - لأن إحرام المرأة في وجهها عند الحنابلة فهي ممنوعة من تغطية الوجه من حيث هو بغض النظر عن الآلة التي غطي بها الوجه.
= والقول الثاني: أن المرأة ممنوعة من تغطية الوجه بشيء معين هو النقاب لقول النبي ﷺ : (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين).
وهذا اختيار شيخ الاسلام ﵀.
بناء عليه: يجوز أن نغطي وجه المرأة الميتة بغير النقاب في الحج وللميتة.
والمنع من تغطية وجه المرأة رواية واحدة عن الإمام أحمد ﵀ في تغسيل الميتة بخلاف الحج.
والراجح أنه يغطى بغير النقاب.
• ثم قال ﵀:
ولا يغسل: شهيد.
يعني أن المشروع عدم تغسيل الشهيد.
- لما ثبت في صحيح البخاري عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يغسل ولم يصل على شهداء أحد. فهذا نص على أن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه.
= وإلى هذا ذهب الجماهير.
وأصحاب هذا القول اختلفوا على قولين:
- منهم من قال: يحرم الصلاة وتغسيل الشهيد.
- ومنهم من قال: وهو مذهب الحنابلة: يكره.
فهم اتفقوا على أنه يمنع لكن بعضهم قال على وجه التحريم وبعضهم قال على وجه الكراهة.
= والقول الثاني: - في أصل المسألة - أنه يصلى على الشهيد.
- لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ في صحيح البخاري - خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم كالصلاة على الميت بعد ثمان سنين من قبرهم كالمودع لهم ﷺ .
وفي الباب أحاديث لكن هذا الحديث في صحيح البخاري وهو أقوى هذه الأحاديث.
ومعنى قولنا: في الباب أحاديث: يعني توجد أحاديث تدل على وشروعية الصلاة وتغسيل الشهيد.
= القول الثالث: أنه مخير إن شاء صلى وإن شاء لم يصل. وهذا اختيار ابن القيم وعلل ذلك:
- باختلاف الآثار المروية عن النبي ﷺ .
стр. 800
وهذا القول - الأخير - هو الصواب بالنسبة للصلاة. ولولا حديث البخاري أن النبي ﷺ خرج فصلى على شهدا أحد لقلنا أن الصواب أنه لا يصلي ولا يشرع أن يصلي. لكن هذا الحديث قطع في الحقيقة الخلاف والذين رأوا أنه لا يصلى قالوا أن النبي ﷺ لم يصل عليهم صلاة الجنازة وإنما دعل لهم فقط وخرج كالمودع لهم بدليل أنه لم يصل بجماعة ولم يطلب أصحابه ليصفوا خلفه لكن هذا الكلام مع أنه قوي يجول بيننا وبينه أنه في صحيح البخاري بالنص: (وصلى عليهم صلاة الجنازة). أو الصلاة على الميت. هذا لفظ البخاري وحاول بعض الباحثين أن يثبت أن هذا ليس لفظاً في البخاري والصواب أنه ثابت في صحيح البخاري في جميع النسخ أنه قال: فصلى عليهم صلاة الميت أو الصلاة على الجنازة. فهذا نص في الحقيقة صريح.
ولذلك نقول أن الصواب إن شاء الله كلام ابن القيم أن الإنسان مخير إن شاء صلى وإن شاء لم يصل.
ولكن مع القول بالتخيير فهل الأولى أن يصلي أو لا يصلي؟
= من الفقهاء من قال: الأولى أن يصلي: لأن في الصلاة دعاء وبركة للميت.
والصواب والله أعلم: أنه أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي كما فعل النبي ﷺ فأحياناً صلى وأحياناً لم يصل لأنه لو قلنا أنه مخير والأولى أن يصلي لنتج عن هذا أن يصلى دائماً على الميت فتنسى سنة أنه لا يصلى على الشهيد.
(((وهذا البحث كله في مسألة الصلاة لأن المؤلف يقول: ولا يصلى عليه ونكون بهذا شرحنا قوله: ولا يصلى عليه.
نرجع إلى تغسيل الميت:
ذكرنا أن الأئمة الأربعة والجماهير يرزن أنه لا يغسل وأنه اختلف هل هذا على سبيل التحريم أو الكراهة؟
هذا كله في الغسل فقط.
هناك قول يرى بعضهم أنه شاذ لكن نحن لا نقول أنه شاذ وهو مروي فقط عن اثنين من التابعين الحسن وابن المسيب فهؤلاء يرون أن الشهيد يغسل مخالفين لآراء جماهير أهل العلم.
واستدلوا على هذا:
- بأن التغسيل إكرام وأحق الناس بالإكرام هو الشهيد.
لكن هذا تعليل في مقابلة النص لأنه في حديث جابر في البخاري أن النبي ﷺ لم يغسل شهداء أحد)))
إذاً نرجع ونلخص هذه المسألة:
مسألة تغسيل الشهيد:
стр. 801
= الجماهير والجم الغفير يرون أنه لا يغسل. ويستدلون بحديث جابر في البخاري أنه لم يغسل شهداء أحد.
= والقول الثاني: ينسب إلى الحسن البصري وسعيد بن المسيب. أنههم يرون أنه يغسل إكراماً للشهيد وهو تعليل في مقابلة النص.
والصواب إن شاء الله مع الجماهير.
•
ثم قال ﵀:
إلاّ أن يكون جنباً.
وحينئذ عند الحنابلة يشرع أن يغسل الجنب.
ويستدلون بأن حنظلة ﵁ خرج لما سمع الداعي مقاتلاً في سبيل الله ثم قتل فرأى النبي ﷺ أن الملائكة يغسلونه بين السماء والأرض فقال: ما شأنه اسألوا زوجه. فلما سألوها قالت: خرج جنباً.
فاستدلوا بذلك على أنه يغسل إذا كان عليه جنابه.
= وذهب الجماهير - مخالفين للحنابلة - إلى أن الشهيد لا يغسل ولو كان جنباً.
واستدلوا على ذلك:
- بعموم حديث جابر.
والجواب عن حديث حنظلة. أنه ليس فيه تغسيل لأن الصحابة لم يغسلوا حنظلة وإنما الذين غسلوه الملائكة فنحن نقول إذا غسلته الملائكة فهنيئاً له ولكن نحن لا نغسل الشهيد ولو كان جنباً.
• قال ﵀:
ويدفن بدمه في ثيابه.
يعني أن الميت الذي قتل في سبيل الله يدفن في ثيابه وهذا بلا خلاف بين أهل العلم.
- لقول النبي ﷺ : (وادفنوه في ثيابهم). هذا الحديث حسنه بعض المتأخرين والصواب أنه ضعيف.
لكن يشهد له الحال فإن له شواهد كثيرة تقويه إن شاء الله ولا نقول أنه حسن لكن مع الإجماع الذي في المسألة يصلح للاستدلال.
• ثم قال ﵀:
بعد نزع السلاح والجلود عنه.
- لأن النبي ﷺ أمر بنزع الحديد والجلود عن أهل بدر. وهذا الحديث هو نفسه الحديث السابق حسنه بعض المتأخرين وإسناده فيه ضعف لكن تقويه المعاني العامة والظواهر لأن الشهيد لا يستفيد من دفنه بسلاحه وعتاده وجلده.
بقي أن نقول: من هو الشهيد؟ لم نعرف الشهيد.
الشهيد هو: من قتل في سبيل الله أي: لتكون كلمة الله العليا. على أن يقتل أثناء الحرب مع الكفار.
فإن قتل بعد ذلك سيأتينا نص المؤلف على حكمه لكن نقول الآن أن الشهيد المقصود به هنا: هو من قتل في المعركة أثناء القتال لتكون كلمة الله هي العليا.
•
ثم قال ﵀:
وإن سلبها كفن بغيرها.
стр. 802
إذا قتل هذا الشهيد وسلب ماله أو لباسه كفن بغيرها على سبيل الوجوب.
لأن مصعب ﵁ لما قتل لم يجدوا معه إلا ما يغطي الرأس دون القدمين أو القدمين دون الرأس فأمرهم النبي ﷺ بأن يغطوا الرأس ويجعلوا على القدمين الإذخر.
فهذا دليل أنه إذا كان معه ما لا يكفي وجب على الإمام أن يكفنه بما تيسر. وهذا لا إشكال فيه أنه إذا سلب أو مزقت ثيابه كما يحصل الآن فإنه يشرع أن يكفن بل يجب أن يكفن.
• ثم قال ﵀:
ولا يصلى عليه.
وذكرنا الخلاف على ثلاثة أقوال والراجح في ذلك.
انتهى الدرس
стр. 803
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام على مسألة دفن الميت بثيابه ومسألة حكم الصلاة عليه وقبل أن ننتقل إلى [حكم السقط] أشير إلى إضافة في مسألة دفن الميت في ثيابه فقد ذكرت أنه يدفن في ثيابه وأن هذه المسألة محل إجماع وأن فيها حديث وهو حديث جابر ﵁ أن شهداء أحد دفنوا في ثيابهم.
يضاف إلى هذا كله أن هذا ليس على سبيل الوجوب بل يجوز أن نخلع ثياب الشهيد وأن نكفنه.
بدليل:
- أن النبي ﷺ بعد معركة أحد - وهذا حديث صحيح - جلس هو وأصحابه وكان القتلى يملؤون الأرض وبعضهم مثل به فرأى النبي ﷺ من بعيد امرأة فقال ﷺ : (المرأة المرأة) فقال الزبير وقع في ذهني أنها أمي - هم لا يدرون من هي بسبب البعد - فأخذ يجري ليردها عن القتلى بسبب ما هم عليه من التمثيل والتشويه فلما وصل فإذا هي صفية - أمه ﵂ فقالت: إليك عني - وكانت امرأة جلدة - فقال: لقد عزم عليك رسول الله ﷺ فتوقفت ثم قالت: إليك هذين الثوبين فكفن فيهما حمزة فأخذ النبي ﷺ الثوبين وكفن حمزة في واحد وكفن أنصارياً آخر في الثوب الآخر.
ففي هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن نكفن الشهيد وحمزة ﵁ سيد الشهداء بثوب آخر.
نبدأ بدرس اليوم:
• قال ﵀:
стр. 804
وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به ... غسل وصلي عليه.
إذا سقط من دابته فمات أو وجد ميتاً ساقطاً على الأرض ولا أثر عليه ولو كان في أرض المعركة ولو كان في الوقت الذي تدور فيه المعركة فإنه يغسل ويصلى عليه.
وهذا باتفاق الأئمة كلهم إلا الشافعي.
والدليل على ذلك:
- أن الذي لا يغسل ولا يصلى عليه هو من باشر الكفار قتله. وأما هذا فلم يباشر الكفار قتله وليس عليه أثر القتل.
وفهم من قول المؤلف ﵀: ولا أثر به. أنه إن وجد ميتاً قريباً من المعركة وفيه آثار من سيف أو رمح أو سهم فإنه يعتبر شهيداً ولا يغسل ولا يصلى عليه.
وهذا صحيح: لأن الغالب أن هذا الرجل الذي مات بقرب المعركة وهو من جنود المسلمين في وقت دوران المعركة أن موته بسبب إصابة الكفار والإسلام يبني الأحكام غالباً على الظاهر والظاهر أنه قتله الكفار.
• ثم قال ﵀:
أو حُمِلَ فَأَكَلَ، أو طال بقاؤُه: غسل وصلي عليه.
إذا حمل من المعركة وإن كان جرح جرحاً بليغاً يؤدي غالباً إلى الوفاة لكنه بقي على قيد الحياة وحمل وبعد أن حمل أكل فإنه لا يعتبر في باب الغسل والصلاة من الشهداء وإن كان - إن شاء الله - عند الله شهيد لَكِنَّ من هذا حاله يغسل ويصلى عليه.
وكذلك إذا نقل وطال الوقت بين نقله من المعركة وبقائه حياً - طال الوقت عرفاً - فكذلك يغسل ويصلى عليه.
الدليل على هذه الأمور: من وجهين:
- الأول: أن النبي ﷺ غسل وصلى على سعد بن معاذ مع أنه مات بأثر جرح وقع في المعركة.
- الثاني: أنه إذا أكل دل ذلك على أن فيه حياة مستقرة.
فلهذين الدليلين نقول أن من أكل أو نقل وبقي وقتاً طويلاً حياً فإنه يغسل ويكفن ولا يعامل في هذا الباب معاملة الشهيد لما ذكرت من أدلة.
* * مسألة: إذا نقل فشرب ولم يأكل: - يعني: استطاع أن يشرب ولم يستطع أن يأكل -:
= فعند الحنابلة في قول كذلك: لا يعامل معاملة الشهيد في باب الغسل والصلاة.
= والقول الثاني: - الذي رجحه المرداوي وغيره من محققي الحنابلة - أنه ليس كذلك. بل إذا نقل فشرب ثم مات لا يغسل ولا يصلى عليه لأن القتيل أو المجروح قد يشرب وهو في سياق الموت ولكن لا يمكن أن يأكل وهو في سياق الموت.
стр. 805
ولذلك نقول لا يستوي الأكل والشرب في هذا الباب.
(فاحفظ هذا الموضع فهو من المواضع القليلة التي يختلف فيها حكم الأكل عن الشرب).
• ثم قال ﵀:
والسقط إذا بلغ أربعة أشهر: غسل وصلي عليه.
السقط فيه مسائل:
ـ المسألة الأولى: تعريفه: السقط هو: كل جنين سقط من بطن أمه قبل تمام مدته.
ـ المسألة الثانية: قوله: (إذا بلغ) يعني: إذا تم له أربعة أشهر.
ـ المسألة الثالثة: تحرير محل النزاع في هذه المسألة وهو كالتالي:
- أولاً: اتفق الفقهاء على أن الجنين إذا سقط حياً واستهل صلي عليه وغسل بالإجماع.
- ثانياً: اتفق الفقهاء - إلا من قد نقول أنه شذ - على أنه إذا سقط قبل الأربعة أشهر فإنه لا يصلى عليه ولا يغسل.
- ثالثاً: - في محل البحث - إذا سقط بعد الأربعة أشهر:
= فذهب الجمهور إلى أنه يغسل ويصلى عليه ويسمى.
واستدلوا على ذلك: - بأنه نفخت فيه الحياة فصار بذلك إنساناً له أحكام بني آدم.
وهذا القول هو الصواب الذي يدل عليه حديث ابن مسعود فإنه قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفه وأربعين يوماً علقه وأربعين يوماً مضغة - هذه أربعة أشهر ثم قال: (ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح).
فإذا سقط الطفل بعد الأربعة أشهر يغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى ويعق عنه - وسيأتينا.
•
ثم قال ﵀:
ومن تعذر غسله يمم.
إذا تعذر على الناس غسل هذا الميت لأي سبب من الأسباب لكونه متمزق أو لكونه إذا غسل تضرر وتقطع أو لأي سبب من الأسباب فإذا لم يمكن أن يغسل فإنه ييمم.
الدليل على ذلك:
- قياساً على حال الحياة فإن الإنسان إذا لم يستطع أن يغتسل غسلاً واجباً عدل إلى التيمم.
= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد. أنه إذا لم نتمكن من غسله فإننا ندفنه بلا غسل ولا تيمم.
واستدل هؤلاء:
- بأن غسل الميت: المقصود منه تنظيفه. والتيمم لا يزيده إلا اتساخاً.
وهذا القول الثاني: أقرب. فإذا لم نتمكن من غسله يدفن على حاله.
• ثم قال ﵀:
وعلى الغاسل ستر ما رآه: إن لم يكن حسناً.
شمل كلام المؤلف ﵀ مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أنه يجب وجوباً على الغاسل أن يستر ما رآه سيئاً من أحوال الميت.
واستدلوا على هذا بأدلة كثيرة منها:
стр. 806
- الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (من غسل مسلماً فستره غفر له أربعين مرة) وهذا الحديث إسناده إن شاء الله تعالى - حسن.
- الدليل الثاني: قوله ﷺ : (من ستر مسلماً ستره الله).
- الدليل الثالث: أن هذا من الغيبة وهي من الكبائر.
فلاشك أنه المغسل يجب عليه وجوباً أن يستر ما رآه من أحوال الميت السيئة فإن أشاع ذلك فهو آثم.
واستثنى بعض الفقهاء من هذا مسألتين:
- المسألة الأولى: إذا كان الميت معروفاً ببدعة شنيعة. وهو يدعو إليها. فقال بعض الفقهاء: يجوز أن نخبر بأحواله السيئة تنفيراً عن ما يدعو إليه من البدعة والخروج عن الدين.
- المسألة الثانية: استثنى الفقهاء أن نخبر عن أحوال بعض الموتى السيئة بدون تسمية. ليتعظ الناس.
ـ المسألة الثانية: (التي شملها كلام المؤلف) أنه ينبغي للمغسل أن يظهر ما رآه حسناً على الميت.
وهذا على سبيل الاستحباب لا الوجوب بخلاف المسألة الأولى.
الدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: ليكثر الترحم والدعاء له.
- الوجه الثاني: - وهو في الأهمية كالوجه الأول - ليحصل التأسي بجميل سيرته.
وهذا صحيح. ينبغي على المغسل أن يظهر الأحوال الطيبة التي يراها على بعض الموتى.
وقد ذكر عن السلف أشياء كثيرة من العلامات الحسنة بعد الموت بغض النظر عن حال السياق فبعد الموت نقل عنهم أشياء كثيرة يحسن بطالب العلم أن يقرأها في مظانها.
فصل
[في تكفين الميت]
• ثم قال ﵀:
فصل
هذا الفصل مخصص للتكفين وهو الترتيب المنطقي بعد التغسيل.
• يقول ﵀:
يجب كفنه: في ماله ... إلى آخره ...
الكفن هي: الثياب التي يلف بها الميت.
والتكفين لغة: التغطية.
وشرعاً: إلباس الميت ثياب الموت.
فعرفنا ماهو الكفن وما هو التكفين لغة واصطلاحاً.
• يقول ﵀:
يجب كفنه: في ماله مقدماً على دين وغيره.
يعني: ومقدم على الوصية ومقدم على الإرث فهو مقدم على الدين والوصية والإرث.
إذاً الكفن هو أول شيء يبدأ به من تركة الميت.
والدليل على هذا:
- أن الحي المدين الذي لا يملك إلا ثوبه لا يجب عليه أن يدفعه في سداد الدين فكذلك كفن الميت.
وهذا صحيح. أن أول ما نبدأ به هو كفن الميت.
стр. 807
ويلحق بالكفن كل ما لا بد منه للميت. فكل شيء لا بد منه: من أجرة حمل وتغسيل وكفن وأجرة حفر القبر فكل ما لا بد منه يقدم على الدين والوصية والإرث.
• ثم قال ﵀:
فإن لم يكن له مال: فعلى من تلزمه نفقته.
- فعلى من تلزمه نفقته: أي: في الحياة.
فالشخص الذي تلزمه نفقة هذا الميت في الحياة يلزمه الكفن.
الدليل على ذلك:
- أنه تلزمه نفقته في الحياة فكذلك في الممات.
ثم إذا لم يوجد له منفق ننتقل إلى المرتبة الثانية وهي: بيت المال.
ثم إذا لم يوجد نفقة من بيت المال ننتقل إلى المرتبة الثالثة وهي: عامة المسلمين فمن علم بحاله وجب عليه أن يبذل كفنه.
فإذاً: صارت المراتب أربع:
١ - في ماله.
٢ - ثم من تجب عليه نفقته.
٣ - ثم في بيت المال.
٤ - ثم على عامة المسلمين.
لا ننتقل من مرحلة حتى نعجز عن السابقة.
• ثم قال ﵀:
إلاّ الزوج لا يلزمه كفن امرأته.
= ذهب الحنابلة والمالكية ونصره ابن حزم إلى أن الزوج لا يلزمه أن يبذل كفن الزوجة بعد الموت.
واستدلوا بأمرين:
- الأول: أن النفقة إنما وجبت لتمكين الزوجة الزوج من الاستمتاع وبعد الموت لا يوجد استمتاع.
- الثاني: أن الواجب على الزوج النفقة والكسوة. وكفن الزوجة لا يسمى ولا كسوة لا شرعاً ولا عرفاً.
= والقول الثاني: أنه يجب على الزوج أن يبذل كفن زوجته.
واستدلوا على هذا:
- بأن الله أمر بالمعاشرة بالمعروف وهذا منها.
- الثاني: أن علاقة الزوجة بالزوج لم تنه بالموت بدليل: الإرث وجواز التغسيل فيلحق بذلك الكفن.
ومن وجهة نظري أن الخلاف قوي ولكن عامة المتأخرين على ترجيح القول الثاني وهو وجيه وهو أنه تلزم الزوج النفقة.
• ثم قال ﵀:
ويسن تكفين رجل: في ثلاث لفائف ... إلى آخره:
بدأ المؤلف بذكر الكيفية التفصيلية للتكفين وبدأ بالرجل ثم يذكر المرأة.
وبدأ بما يسن ويستحب ثم سيذكر الواجب.
- فالسنة بالنسبة للرجل أن يكفن في ثلاث ثياب.
- لحديث عائشة الصحيح أنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
والثوب السحولي: هو ثوب أبيض نقي لا يكون إلا من قطن. وهو منسوب إلى مدينة في اليمن.
стр. 808
ففي هذا الحديث دليل على أن الأفضل والأولى للرجل أن يكفن في ثلاث أثواب فقط.
* * مسألة: فإن زيد على هذه الثلاثة فهو:
= مكروه عند الحنابلة. لوجهين:
- الأول: أنه مخالف للسنة ولم يكن أصحاب النبي ﷺ ليختاروا للنبي ﷺ إلا الأفضل.
- الثاني: لما فيه من إسراف من غير حاجة فإن الثلاثة تكفي وزيادة.
• ثم قال ﵀:
بيض.
يعني: أنه يسن في هذه اللفائف أن تكون بيضاء.
والدليل على أن الكفن يسن أن يكون أبيضاً من ثلاثة أوجه:
- الأول: حديث عائشة السابق. فهو نص أنها بيض.
- الثاني: الإجماع فقد أجمعوا على أنه يستحب أن يكون الكفن أبيضاً.
- والثالث: قول النبي ﷺ : (خير ثيابكم البياض إلبسوها وكفنوا فيها موتاكم). وله ألفاظ وهو صحيح إن شاء الله.
وعرفنا من قول المؤلف ﵀: ويسن. أنه يجوز أن يكون الكفن أحمراً أو أسوداً أو أخضراً أو بأي لون عدا الأبيض وإنما كونه أبيض فقط مستحب.
• ثم قال ﵀:
تجمر.
يعني: يستحب أن نجمر اللفائف.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أن النبي ﷺ قال: (إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً). وهذا إسناده حسن.
- الثاني: أنه فعله عدد من أصحاب النبي ﷺ .
واستحب الفقهاء قبل التجمير أن نجعل في الكفن ما يسبب مسك الرائحة وبقائها كأن نبلله بماء أو بدهن ورد سائل أو بأي سائل يسبب مسك الرائحة وبقائها في الكفن.
•
ثم قال ﵀:
ثم يبسط بعضها فوق بعض.
يعني: أن المشروع أن نبسط الثلاث لفائف بعضها فوق بعض ونجعل السفلى منها هي الأكبر والأجمل لأنها التي ستكون ظاهرة.
ويستحب أن يجمل الميت كما يجمل الحي. كا أنا نلبس أثناء الحياة في الأعلى الأجمل فكذلك في تكفين الميت.
• ثم قال ﵀:
ويجعل الحنوط فيما بينها.
أفادنا المؤلف:
- أولاً: أن الحنوط سنة وأنه يوضع بين الأكفان لا في الأعلى منها.
أما الدليل على أنه سنة: - فقول النبي ﷺ : (ولاتحنطوه) فهذا دليل على أن الحنوط مشروع ومعروف بين النبي ﷺ وأصحابه في كفن الموتى.
стр. 809
- ثانياً: أنه يكون بين الأكفان ولا يوضع في الأخير. - لأنه روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ وغيرهما من الصحابة كراهية ذلك وهو أن يكون الحنوط في الكفن الأعلى وإنما يكون بين الأكفان.
والحنوط هو: أخلاط من الطيب تصنع للميت ولا تسمى بهذا الاسم إلا إذا وضعت وصنعت للميت.
• قال ﵀:
ثم يوضع عليها مستلقياً.
إذاً صفة وضع الميت على الأكفان أن يكون مستلقياً.
والتعليل: - أن هذا أمكن في إدراجه وشد الكفن عليه.
واستحب الفقهاء أن تستر عورة الميت أثناء نقله من المكان الذي غسل فيه إلى مكان الأكفان.
والصواب: أنه واجب. لأنه تقدم معنا أن ستر عورة المغسل واجب فإذا أراد أنه ينقله يجب ان يغطي عورته سواء كانت امرأة أو رجل.
•
ثم قال ﵀:
ويجعل منه في قطن بين أليتيه.
يجعل منه: الضمير يعود إلى الحنوط. يعني أنه يغمس القطن في الحنوط ثم يجعل منه بين إليتيه.
والغرض من ذلك: تحقيق مصلحتين:
- الأولى: منع خروج ما قد يخرج من النجاسات.
- والثانية: نشر الرائحة الطيبة.
فإذاً يسن أن يصنع هكذا بالميت.
• ثم قال ﵀:
ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف: كالتبان تجمع أليتيه ومثانته.
يشرع إذا وضع الإنسان القطنة أن يصنع هكذا.
فقوله: فوقها: يعني فوق هذه القطنة. يشرع أن يشد عليها خرقة تشبه التبان وهو السروال القصير.
والغرض أيضاً من هذا الشد: أن نأمن خروج شيء ونأمن بقاء هذا القطن بما فيه من حنوط.
فهذا هو سبب وضع مثل هذه الخرقة.
وتقدم معنا قاعدة الشافعي وهي تصلح للتطبيق هنا إن شاء الله.
• ثم قال ﵀:
ويجعل الباقي.
مقصوده بالباقي: يعني من القطن المحنط.
• قال:
على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
توضع على منافذ الوجه يعني: في العينين من الخارج وبين الشفتين وفي المنخرين. هذه هي منافذ الوجه.
والغرض من وضع ذلك:
- أولاً: لكي لا يدخله الهوام.
- ثانيا: لكي لا يسرع له الفساد فإنهم يقولون أن وضع مثل هذه الأشياء في منافذ الوجه يبطئ من الفساد.
وتقدم معنا أنه اليوم هناك وسيلة تمنع الفساد وهي الثلاجة.
فإذاً نضع في المنافذ هذه القطنة وفي الأذنين.
إذاً: في كل منافذ الوجه.
стр. 810
ـ أما مواضع السجود فالغرض منه: تكريم هذه المواضع ليس إلا. لأنها أشرف مواضع البدن لكون الإنسان يباشر السجود عليها لله .
• ثم قال ﵀:
وإن طيب كله فحسن.
يعني: إن طيبنا الميت كله فهذا جيد وحسن.
والدليل على هذا:
- أن الصحابة فعلوا ذلك كابن عمر وغيره فعل ذلك: طيب جسد الميت كله.
• ثم قال ﵀:
ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه.
لا حظ قوله: (ثم يرد طرف اللفافة العليا). أي من الجانب الأيسر للميت لا للمغسل. فنرد الطرف إلى الجانب الأيمن ثم نرد طرف اللفافة الأيمن إلى الجانب الأيسر ونصنع هكذا باللفائف الثلاث.
= وقيل العكس: إما من اليمين إلى اليسار.
وقيل: الأمر سواء. وهذا هو الأقرب أنه إن رأى أن يشد الميت هكذا أو هكذا فالأمر فيه حسن.
• ثم قال ﵀:
ثم الثانية والثالثة كذلك.
يعني: يصنع بها ما صنع باللفافة الأولى.
• ثم قال ﵀:
ويجعل أكثر الفاضل على رأسه.
يعني: إذا فضل شيء من اللفائف التي يكفن بها الميت يجعل هذا الفاضل من جهة الرأس.
لأمرين:
- الأول: لشرف الرأس.
- الثاني: أن تغطية الرأس أوجب من تغطية الرجلين لما تقدم معنا في حديث مصعب ﵁.
• ثم قال ﵀:
ثم يعقدها.
يعني: ثم يربط اللفائف. وذلك خشية الانتشار وتفكك الكفن.
وسواء عقد اللفائف هي بذاتها كما يصنع عند العض أو ربطها بالأحزمة فإن الأمر واحد لأن المقصود أن نأمن انتشار وانفكاك هذه اللفائف التي كفن فيها الميت.
• ثم قال ﵀:
وتحل في القبر.
يعني: أن السنة إذا وضعنا الميت في القبر أن نحل هذه اللفائف.
الدليل: - قالوا: إن النبي ﷺ لما وضع مسعود بن نعيم فل عنه هذه اللفائف وكان مربوطاً بشوكة فنزع هذه الشوكة ﷺ .
- وأيضاً روي عن اثنين من الصحابة ﵃ أنهم كانوا إذا وضعوا الميت في القبر حلوا عنه هذه اللفائف.
- ويستدل أيضاً على حل اللفائف أن المقصود من اللفائف هو أن نأمن انتشار وتفكك الكفن وهذا في القبر مأمون لكون الميت لا يتحرك لكونه في اللحد.
следующие страницы →