Полный текст (2 909 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
- الدليل الأول: قول النبي ﷺ : (من غسل مسلماً فستره غفر له أربعين مرة) وهذا الحديث إسناده إن شاء الله تعالى - حسن.
- الدليل الثاني: قوله ﷺ : (من ستر مسلماً ستره الله).
- الدليل الثالث: أن هذا من الغيبة وهي من الكبائر.
فلاشك أنه المغسل يجب عليه وجوباً أن يستر ما رآه من أحوال الميت السيئة فإن أشاع ذلك فهو آثم.
واستثنى بعض الفقهاء من هذا مسألتين:
- المسألة الأولى: إذا كان الميت معروفاً ببدعة شنيعة. وهو يدعو إليها. فقال بعض الفقهاء: يجوز أن نخبر بأحواله السيئة تنفيراً عن ما يدعو إليه من البدعة والخروج عن الدين.
- المسألة الثانية: استثنى الفقهاء أن نخبر عن أحوال بعض الموتى السيئة بدون تسمية. ليتعظ الناس.
ـ المسألة الثانية: (التي شملها كلام المؤلف) أنه ينبغي للمغسل أن يظهر ما رآه حسناً على الميت.
وهذا على سبيل الاستحباب لا الوجوب بخلاف المسألة الأولى.
الدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: ليكثر الترحم والدعاء له.
- الوجه الثاني: - وهو في الأهمية كالوجه الأول - ليحصل التأسي بجميل سيرته.
وهذا صحيح. ينبغي على المغسل أن يظهر الأحوال الطيبة التي يراها على بعض الموتى.
وقد ذكر عن السلف أشياء كثيرة من العلامات الحسنة بعد الموت بغض النظر عن حال السياق فبعد الموت نقل عنهم أشياء كثيرة يحسن بطالب العلم أن يقرأها في مظانها.
فصل
[في تكفين الميت]
• ثم قال ﵀:
فصل
هذا الفصل مخصص للتكفين وهو الترتيب المنطقي بعد التغسيل.
• يقول ﵀:
يجب كفنه: في ماله ... إلى آخره ...
الكفن هي: الثياب التي يلف بها الميت.
والتكفين لغة: التغطية.
وشرعاً: إلباس الميت ثياب الموت.
فعرفنا ماهو الكفن وما هو التكفين لغة واصطلاحاً.
• يقول ﵀:
يجب كفنه: في ماله مقدماً على دين وغيره.
يعني: ومقدم على الوصية ومقدم على الإرث فهو مقدم على الدين والوصية والإرث.
إذاً الكفن هو أول شيء يبدأ به من تركة الميت.
والدليل على هذا:
- أن الحي المدين الذي لا يملك إلا ثوبه لا يجب عليه أن يدفعه في سداد الدين فكذلك كفن الميت.
وهذا صحيح. أن أول ما نبدأ به هو كفن الميت.
стр. 807
ويلحق بالكفن كل ما لا بد منه للميت. فكل شيء لا بد منه: من أجرة حمل وتغسيل وكفن وأجرة حفر القبر فكل ما لا بد منه يقدم على الدين والوصية والإرث.
• ثم قال ﵀:
فإن لم يكن له مال: فعلى من تلزمه نفقته.
- فعلى من تلزمه نفقته: أي: في الحياة.
فالشخص الذي تلزمه نفقة هذا الميت في الحياة يلزمه الكفن.
الدليل على ذلك:
- أنه تلزمه نفقته في الحياة فكذلك في الممات.
ثم إذا لم يوجد له منفق ننتقل إلى المرتبة الثانية وهي: بيت المال.
ثم إذا لم يوجد نفقة من بيت المال ننتقل إلى المرتبة الثالثة وهي: عامة المسلمين فمن علم بحاله وجب عليه أن يبذل كفنه.
فإذاً: صارت المراتب أربع:
١ - في ماله.
٢ - ثم من تجب عليه نفقته.
٣ - ثم في بيت المال.
٤ - ثم على عامة المسلمين.
لا ننتقل من مرحلة حتى نعجز عن السابقة.
• ثم قال ﵀:
إلاّ الزوج لا يلزمه كفن امرأته.
= ذهب الحنابلة والمالكية ونصره ابن حزم إلى أن الزوج لا يلزمه أن يبذل كفن الزوجة بعد الموت.
واستدلوا بأمرين:
- الأول: أن النفقة إنما وجبت لتمكين الزوجة الزوج من الاستمتاع وبعد الموت لا يوجد استمتاع.
- الثاني: أن الواجب على الزوج النفقة والكسوة. وكفن الزوجة لا يسمى ولا كسوة لا شرعاً ولا عرفاً.
= والقول الثاني: أنه يجب على الزوج أن يبذل كفن زوجته.
واستدلوا على هذا:
- بأن الله أمر بالمعاشرة بالمعروف وهذا منها.
- الثاني: أن علاقة الزوجة بالزوج لم تنه بالموت بدليل: الإرث وجواز التغسيل فيلحق بذلك الكفن.
ومن وجهة نظري أن الخلاف قوي ولكن عامة المتأخرين على ترجيح القول الثاني وهو وجيه وهو أنه تلزم الزوج النفقة.
• ثم قال ﵀:
ويسن تكفين رجل: في ثلاث لفائف ... إلى آخره:
بدأ المؤلف بذكر الكيفية التفصيلية للتكفين وبدأ بالرجل ثم يذكر المرأة.
وبدأ بما يسن ويستحب ثم سيذكر الواجب.
- فالسنة بالنسبة للرجل أن يكفن في ثلاث ثياب.
- لحديث عائشة الصحيح أنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
والثوب السحولي: هو ثوب أبيض نقي لا يكون إلا من قطن. وهو منسوب إلى مدينة في اليمن.
стр. 808
ففي هذا الحديث دليل على أن الأفضل والأولى للرجل أن يكفن في ثلاث أثواب فقط.
* * مسألة: فإن زيد على هذه الثلاثة فهو:
= مكروه عند الحنابلة. لوجهين:
- الأول: أنه مخالف للسنة ولم يكن أصحاب النبي ﷺ ليختاروا للنبي ﷺ إلا الأفضل.
- الثاني: لما فيه من إسراف من غير حاجة فإن الثلاثة تكفي وزيادة.
• ثم قال ﵀:
بيض.
يعني: أنه يسن في هذه اللفائف أن تكون بيضاء.
والدليل على أن الكفن يسن أن يكون أبيضاً من ثلاثة أوجه:
- الأول: حديث عائشة السابق. فهو نص أنها بيض.
- الثاني: الإجماع فقد أجمعوا على أنه يستحب أن يكون الكفن أبيضاً.
- والثالث: قول النبي ﷺ : (خير ثيابكم البياض إلبسوها وكفنوا فيها موتاكم). وله ألفاظ وهو صحيح إن شاء الله.
وعرفنا من قول المؤلف ﵀: ويسن. أنه يجوز أن يكون الكفن أحمراً أو أسوداً أو أخضراً أو بأي لون عدا الأبيض وإنما كونه أبيض فقط مستحب.
• ثم قال ﵀:
تجمر.
يعني: يستحب أن نجمر اللفائف.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أن النبي ﷺ قال: (إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً). وهذا إسناده حسن.
- الثاني: أنه فعله عدد من أصحاب النبي ﷺ .
واستحب الفقهاء قبل التجمير أن نجعل في الكفن ما يسبب مسك الرائحة وبقائها كأن نبلله بماء أو بدهن ورد سائل أو بأي سائل يسبب مسك الرائحة وبقائها في الكفن.
•
ثم قال ﵀:
ثم يبسط بعضها فوق بعض.
يعني: أن المشروع أن نبسط الثلاث لفائف بعضها فوق بعض ونجعل السفلى منها هي الأكبر والأجمل لأنها التي ستكون ظاهرة.
ويستحب أن يجمل الميت كما يجمل الحي. كا أنا نلبس أثناء الحياة في الأعلى الأجمل فكذلك في تكفين الميت.
• ثم قال ﵀:
ويجعل الحنوط فيما بينها.
أفادنا المؤلف:
- أولاً: أن الحنوط سنة وأنه يوضع بين الأكفان لا في الأعلى منها.
أما الدليل على أنه سنة: - فقول النبي ﷺ : (ولاتحنطوه) فهذا دليل على أن الحنوط مشروع ومعروف بين النبي ﷺ وأصحابه في كفن الموتى.
стр. 809
- ثانياً: أنه يكون بين الأكفان ولا يوضع في الأخير. - لأنه روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ وغيرهما من الصحابة كراهية ذلك وهو أن يكون الحنوط في الكفن الأعلى وإنما يكون بين الأكفان.
والحنوط هو: أخلاط من الطيب تصنع للميت ولا تسمى بهذا الاسم إلا إذا وضعت وصنعت للميت.
• قال ﵀:
ثم يوضع عليها مستلقياً.
إذاً صفة وضع الميت على الأكفان أن يكون مستلقياً.
والتعليل: - أن هذا أمكن في إدراجه وشد الكفن عليه.
واستحب الفقهاء أن تستر عورة الميت أثناء نقله من المكان الذي غسل فيه إلى مكان الأكفان.
والصواب: أنه واجب. لأنه تقدم معنا أن ستر عورة المغسل واجب فإذا أراد أنه ينقله يجب ان يغطي عورته سواء كانت امرأة أو رجل.
•
ثم قال ﵀:
ويجعل منه في قطن بين أليتيه.
يجعل منه: الضمير يعود إلى الحنوط. يعني أنه يغمس القطن في الحنوط ثم يجعل منه بين إليتيه.
والغرض من ذلك: تحقيق مصلحتين:
- الأولى: منع خروج ما قد يخرج من النجاسات.
- والثانية: نشر الرائحة الطيبة.
فإذاً يسن أن يصنع هكذا بالميت.
• ثم قال ﵀:
ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف: كالتبان تجمع أليتيه ومثانته.
يشرع إذا وضع الإنسان القطنة أن يصنع هكذا.
فقوله: فوقها: يعني فوق هذه القطنة. يشرع أن يشد عليها خرقة تشبه التبان وهو السروال القصير.
والغرض أيضاً من هذا الشد: أن نأمن خروج شيء ونأمن بقاء هذا القطن بما فيه من حنوط.
فهذا هو سبب وضع مثل هذه الخرقة.
وتقدم معنا قاعدة الشافعي وهي تصلح للتطبيق هنا إن شاء الله.
• ثم قال ﵀:
ويجعل الباقي.
مقصوده بالباقي: يعني من القطن المحنط.
• قال:
على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
توضع على منافذ الوجه يعني: في العينين من الخارج وبين الشفتين وفي المنخرين. هذه هي منافذ الوجه.
والغرض من وضع ذلك:
- أولاً: لكي لا يدخله الهوام.
- ثانيا: لكي لا يسرع له الفساد فإنهم يقولون أن وضع مثل هذه الأشياء في منافذ الوجه يبطئ من الفساد.
وتقدم معنا أنه اليوم هناك وسيلة تمنع الفساد وهي الثلاجة.
فإذاً نضع في المنافذ هذه القطنة وفي الأذنين.
إذاً: في كل منافذ الوجه.
стр. 810
ـ أما مواضع السجود فالغرض منه: تكريم هذه المواضع ليس إلا. لأنها أشرف مواضع البدن لكون الإنسان يباشر السجود عليها لله .
• ثم قال ﵀:
وإن طيب كله فحسن.
يعني: إن طيبنا الميت كله فهذا جيد وحسن.
والدليل على هذا:
- أن الصحابة فعلوا ذلك كابن عمر وغيره فعل ذلك: طيب جسد الميت كله.
• ثم قال ﵀:
ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه.
لا حظ قوله: (ثم يرد طرف اللفافة العليا). أي من الجانب الأيسر للميت لا للمغسل. فنرد الطرف إلى الجانب الأيمن ثم نرد طرف اللفافة الأيمن إلى الجانب الأيسر ونصنع هكذا باللفائف الثلاث.
= وقيل العكس: إما من اليمين إلى اليسار.
وقيل: الأمر سواء. وهذا هو الأقرب أنه إن رأى أن يشد الميت هكذا أو هكذا فالأمر فيه حسن.
• ثم قال ﵀:
ثم الثانية والثالثة كذلك.
يعني: يصنع بها ما صنع باللفافة الأولى.
• ثم قال ﵀:
ويجعل أكثر الفاضل على رأسه.
يعني: إذا فضل شيء من اللفائف التي يكفن بها الميت يجعل هذا الفاضل من جهة الرأس.
لأمرين:
- الأول: لشرف الرأس.
- الثاني: أن تغطية الرأس أوجب من تغطية الرجلين لما تقدم معنا في حديث مصعب ﵁.
• ثم قال ﵀:
ثم يعقدها.
يعني: ثم يربط اللفائف. وذلك خشية الانتشار وتفكك الكفن.
وسواء عقد اللفائف هي بذاتها كما يصنع عند العض أو ربطها بالأحزمة فإن الأمر واحد لأن المقصود أن نأمن انتشار وانفكاك هذه اللفائف التي كفن فيها الميت.
• ثم قال ﵀:
وتحل في القبر.
يعني: أن السنة إذا وضعنا الميت في القبر أن نحل هذه اللفائف.
الدليل: - قالوا: إن النبي ﷺ لما وضع مسعود بن نعيم فل عنه هذه اللفائف وكان مربوطاً بشوكة فنزع هذه الشوكة ﷺ .
- وأيضاً روي عن اثنين من الصحابة ﵃ أنهم كانوا إذا وضعوا الميت في القبر حلوا عنه هذه اللفائف.
- ويستدل أيضاً على حل اللفائف أن المقصود من اللفائف هو أن نأمن انتشار وتفكك الكفن وهذا في القبر مأمون لكون الميت لا يتحرك لكونه في اللحد.
стр. 811
ففي الحقيقة حل الكفن هذا لا بأس به وهو مستحب. صحيح أنه ليس في السنة نص صريح لكن وجود هذه الآثار مع المعنى القوي يجعل الإنسان يجزم إن شاء الله بأن هذا مستحب.
وأما حديث نعيم بن مسعود فلم أتمكن من النظر في إسناده ولو صح لكان سنة منصوصة.
• ثم قال ﵀:
وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة: جاز.
يعني: إن كفن في ثلاث لفائف فهذه هي السنة.
وإن كفن في ثلاث ثياب ليست لفائف وإنما كما قال: قميس ومئزر فيجوز أيضاً.
والدليل على ذلك:
- أن النبي ﷺ أعطى قميصه لعبد الله بن أبي وكفن فيه.
فهذا دليل على أنه يشرع ويجوز أن نكفن الميت بقميص.
وأما طريقة ذلك: فنجعل الأول المئزر ثم القميص ثم فوق الجميع اللفافة إذا أردنا أن نكفن بهذه الأشياء لا باللفائف.
وأخذنا الآن أنه جائز والسنة أن تكون باللفائف.
• ثم قال ﵀:
وتكفن المرأة: في خمسة أثواب.
في تكفين المرأة مسائل:
ـ المسألة الأولى: أن المرأة والخنثى حكمهما واحد فطريقة تكفين المرأة هي طريقة تكفين الخنثى.
ـ المسألة الثانية: قوله ﵀: (في خمسة ثياب) يعني: من قطن وبيض.
ـ المسألة الثالثة: لم أر خلافاً بين الفقهاء أن كفن المرأة يختلف عن كفن الرجل إلا قول لبعض المعاصرين.
ولا حظ: ماذا أقول؟ أقول أنه يختلف كفن المرأة عن كفن الرجل ولم أتحدث عن عدد الثياب التي تكفن فبها المرأة.
فإن قيل: أن ابن قدامة ﵀ ذكر أن عطاء ﵀ يرى أن المرأة تكفن في ثلاث ثياب.
قالجواب: أن الصواب في أثر عطاء ﵀ كما رواه عبد الرزاق في مصنفه أنه قال: تكفن المرأة في ثلاث ثياب ويوضع فوقها لفافة فصار المجموع أربع فلفظه يدل على أن الثياب التي تكفن فيها المرأة أربع وليست ثلاث كما ساقه ابن قدامة ﵀.
ثانياً: فإن قيل: أنه روي عن بعض السلف غير عطاء كسليمان بن موسى أنها ثلاث.
فالجواب: صحيح أما عن سليمان فثلاث لكن ذكر من الثلاث الخمار والقميص. ونحن نقول أن كفن المرأة يختلف عن كفن الرجل بغض النظر عن عدد الثياب.
стр. 812
فإذاً قول بعضهم أن الأقرب أن كفن الرجل ككفن المرأة ليس بصحيح بل إنه فيما أرى مخالف للإجماع فبعد البحث لم أجد أحداً ساوى بين كفن المرأة والرجل.
ـ المسألة الأخيرة: عدد الثياب. في كم تكفن المرأة؟
= ذهب الجماهير والجم الغفير واختاره ابن المنذر وابن حزم وعدد من السلف أن المرأة تكفن في خمسة ثياب.
وتكفين المرأة في خمسة ثياب صح عن ابن سيرين والنخعي والشعبي وغيرهم من السلف بإسناد صحيح. وابن حزم أخذ بهذه الآثار عن هؤلاء الأربعة.
الدليل على أنها خمسة ثياب:
- أنه روي في طريق من حديث أم عطية خارج الصحيح: أنهن - النساء اللاتي غسلن ابنت النبي ﷺ زينب - كفنها في خمسة ثياب وجعلن عليها خماراً كما تخمر الأحياء.
وابن حجر يقول عن هذا الحديث أن إسناده صحيح.
وروي بإسناد ضعيف أن أم كلثوم ابنت النبي ﷺ كفنت في خمسة ثياب.
فالعمدة في مسألة عدد ثياب المرأة أثناء التكفين - هذا الطريق في حديث أم عطية والآثار الصحيحة الثابتة عن السلف.
فهذان دليلان يستطيع الإنسان أن يجزم بهما ثم هو قول عامة الفقهاء.
= القول الثاني: أنها تكفن في ثلاث ثياب.
= والقول الثالث: أنها تكفن في أربع ثياب.
= والقول الرابع: أنها تكفن في سبع ثياب.
والصواب: أنها تكفن في خمس ثياب.
واختلفوا في هذه الثياب. ماذا تكون؟
الصواب أنها على ما ذكر المؤلف وهي: إزار وخمار. وقميص ولفافتين
والإزار: هو ما يستر به الجزء الأسفل من البدن.
والخمار هو الذي يغطى به الرأس.
والقميص: هو الدرع وهو معروف.
فهذه الأثواب الخمس هي الصواب وهو قول الجماهير واختيار ابن المنذر. أن تحديد الثياب هي هذه الثياب التي ذكرها المؤلف ﵀.
والنبي ﷺ صح عنه في البخاري أنه أعطى النساء اللاتي غسلن زينب إزاره وقال: (أشعرنها إياه).
والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد. فأعطاهم ﷺ إزاره.
فإذاً إذا أردنا أن نكفن المرأة فنجعل عليها هذه الثياب الخمس.
فنبدأ بالإزار ثم نضع فوق الإزار القميص ثم نضع فوق القميص الخمار ثم نلف اللفافتين على جميع الجسد.
стр. 813
هذا هو السنة. ويراعى في المرأة ما قيل في الرجل في مسألة القطن والحنوط فإن المؤلف لم يكرر في المرأة ما لا يحتاج إلى تكراره مما ذكر في حق الرجل.
فالمرأة تختلف عن الرجل فقط في الثياب مما ذكر المؤلف وفيما عدا هذا يستويان تماماً.
وبعد أن سألت تبين لي أن عمل الناس عندنا على هذا القول: أن المرأة تكفن في خمس ثياب وهذا موافق للسنة ولله الحمد.
إلا أني فهمت أن تغسيل المرأة الآن يختم بوضع غطاء على الجزء الأسفل من البدن. يعني يغطون الفم خشية خروج الدم.
ونحن الآن درسنا أن الفقهاء يرون أنه إذا خشينا من خروج الدم أن نضع قطن فمن وجهة نظري أنهم لو وضعوا قطن لكانأولى لا سيما وأن القطن يتقبل وضع الحنوط فيه والطيب بخلاف اللفافة على الفم.
لكن مع ذلك لا نستطيع أن نقول أن هذا عمل غير مشروع لأن وضع القطن إنما استحبه الفقهاء لمصلحة الميت وليس فيه نص عن النبي ﷺ .
فإذا رأى المغسل أن مصلحة الميت أكثر في وضع هذه الغطاء على الفم خشية خروج الدم فأرى أنه لا بأس إن شاء الله لكن تحرص المغسلة أن تضع على هذا اللثام طيب لينوافق عملها مع ما ذكره الفقهاء.
ثم ختم المؤلف ﵀ هذا الفصل ببيان الواجب في الكفن بعد أن بين السنة أراد أن يبين الواجب أي: الذي لا يجوز الاقتصار على دونه.
• فقال ﵀:
والواجب: ثوب يستر جميعه.
فالواجب ثوب يستر جميع بدن الميت سواء في ذلك المرأة والرجل.
والدليل على هذا:
- أن النبي ﷺ هكذا صنع بمصعب فإنه لم يوجد له إلا ثوب واحد فستره به.
- أضف إلى هذا أن المنصوص في حديث الزبير وصفية أن النبي ﷺ كفن حمزة بثوب واحد.
فهذان دليلان على أن الواجب في التكفين أن يغطى الميت بثوب واحد.
= القول الثاني: أن الواجب في المرأة والرجل فقط ستر العورة. فلو قام المغسل بستر عورة الميت فقط لصح الكفن وجاز وصار أدى فرض الكفاية.
= وزالقول الثالث: أنه يجب ستر جميع بدن المرأة والعورة من الرجل. يعني: التفريق بين المرأة والرجل.
فصارت الأقوال ثلاثة.
والصواب القول الأإول لأنه مؤيد بدليلين عن النبي ﷺ .
стр. 814
وبهذا تم البحث في ما يتعلق بمسألة التكفين وبقي ما يتعلق بالصلاة ثم في آخر الباب مسألة الزيارة والتعزية وما يتعلق بها.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ....
انتهى الدرس
стр. 815
فصل
[في الصلاة على الميت]
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف الكلام عن طريقة تكفينه الميت وما هي أجزاء الكفن وحكم الكفن انتقل إلى الصلاة.
وبدأ في الصلاة من أول مراحل الصلاة وهي موقف الإمام من المأموم.
• فقال ﵀:
السنة: أن يقوم الإمام عند صدره.
فيه مسائل:
- المسألة الأولى: أن مكان وقوف الإمام من الميت سنة فإذا وقف في أي مكان تجاه الميت صحت الصلاة بلا كراهة.
- المسألة الثانية: موقف الإمام من الرجل وموقفه من المرأة.
نبدأ بالمسألة الأولى وهي: موقف الإمام من الرجل.
= موقف الإمام من الرجل: عند الحنابلة: أن يقف عند الصدر كما قال المؤلف ﵀. وهذا هو المذهب الاصطلاحي عند الحنابلة.
= والقول الثاني: أن السنة أن يقف عند رأس الرجل.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ وقف عند رأس الرجل ووسط المرأة.
= والقول الثالث: أن الإنسان إذا وقف عند الرأس أو الصدر فالأمر بسيط لتقارب المكانين.
فإن الإمام في الحقيقة إذا وقف أمام الصدر فهو واقف أمام الرأس.
والراجح: أنه يقف أمام الرأس. باعتبار أن الحديث الصحيح ورد بذلك فنلتزم بالحديث الصحيح ثم قد يميل الإمام يمين كثيراً فلا يصدق عليه إلا أنه أمام الرأس.
إذاً قوله: أن السنة أن يقوم الإمام عند صدره. أخذنا الآن الخلاف وأن في المسألة ثلاثة أقوال وأن الراجح أنه يقف عند الرأس وأنه اختيار بن قدامة.
• ثم قال ﵀:
وعند وسطها.
يعني يقف الإمام عند وسط المرأة للحديث الصحيح عن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ صلى على امرأة فقام عند وسطها.
فهو نص في أن الإمام يقف عند وسط المرأة.
وهذا الحديث في مسلم.
стр. 816
وبهذا علمنا أن تحديد الموقف من المرأة ثبت بسنة صحيحة لا إشكال فيها وأنه أصح من السنة التي فيها تحديد موقف الإمام من الرجل.
وظاهر كلام البخاري أن الإمام يقف عند الوسط للرجل والمرأة.
واستظهر الحافظ ابن حجر ﵀ أنه يميل - أي البخاري - إلى تضعيف الحديث الذي فيه التفريق بين المرأة والرجل.
في الحقيقة بعد البحث في إسناد هذا الحديث الذي يفرق فيه الرسول ﷺ بين الموقف عند الرجل والمرأة لم أجد له علة فإسناده صحيح ومتصل وخال من العلل الخفية والظاهرة.
أضف إلى هذا أن الإمام البخاري لم يصرح بالتضعيف لكن يفهم من التبويب حسب فهم ابن حجر ﵀ أنه يميل إلى التسوية بين المرأة والرجل ويضعف حديث التفريق.
بعد هذا البحث:
الراجح: التفريق لأنا لم نجد في الحديث علة نتمسك بها.
• ثم قال ﵀:
ويكبر أربعاً.
يعني أن السنة أن لا يزيد عن الأربع ولا يجوز أن ينقص عن الأربع.
= هذا المذهب: لا يجوز النقص ويكره الزيادة.
- لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه خرج بأصحابه وصلى بهم صلاة الجنازة على النجاشي وكبر أربع تكبيرات.
وأما التكبير خمس فهو جائز أيضاً. فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم أن النبي ﷺ كبر على الجنازة خمساً.
إذاً التكبير أربع وخمس هذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المروية بالأسانيد الثابتة عن النبي ﷺ .
* * مسألة: حكم التكبير الزائد عن الخمس - ست وسبع وثمان وتسع:
التكبيرات الزائدة عن الخمس فيها آثار صحيحة ثابتة عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أصحاب النبي ﷺ .
ولا أعلم أن في التكبيرات الزائدة عن الخمس حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ومع ذلك نقول: يشرع أحياناً أن يزيد عن الخمس إلى الست والسبع لأنه مروي بأسانيد صحيحة عن أصحاب النبي ﷺ ولم يكونوا ليأتوا بما ليس له أصل.
* * مسألة: الأقرب والله أعلم أن التكبيرات الزائدة عن الأربع تكون لأهل الفضل والعلم.
стр. 817
وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يكبر على أهل بدر ست وعلى سائر الصحابة خمس وعلى الناس أربع.
ولما كبر ست في الآثار الأخرى عنه علل ذلك بقوله: إنه بدري. - يعني من أهل بدر.
ولذلك ترجم الطحاوي ﵀ على هذه الآثار بأن الزيادة عن الأربع تشرع لأهل الفضل والعلم.
وهذا هو الأقرب. لأنا لم نأخذ مشروعية الزيادة على الأربع إلا للآثار عن الصحابة وهم خصوها بأهل بدر وأهل الفضل والخير.
فالأقرب أن نقول:
- إذا صلى الإنسان على رجل من أهل الخير والفضل فإنه يزيد كما صنع علي بن أبي طالب ﵁.
- وإن صلى على عامة الناس فإنه يكبر أربعاً.
لكن ينبغي على الإمام إذا صنع ذلك وخشي أن يفهم الناس أن الزيادة خاصة بفلان أن يبين العلم والسنة وأنه كبر خمساً أو ستاً لا لذات الرجل وإنما لوصفه وهو أنه من أهل الفضل والخير والتقدم وغيره يساويه.
هذا الذي يظهر من آثار الصحابة.
= والقول الثاني: أن التكبير خمس وست لا يتعلق بأهل الفضل بل يجوز لكل الناس.
•
ثم قال ﵀:
يقرأُ في الأُولى بعد التعوذ: الفاتحة.
إذا كبر الإمام فإنه كما قال المؤلف يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة.
وفي هذه العبارة عدة مسائل:
ـ المسألة الأولى: يفهم من كلام المؤلف أنه لا يشرع لمن يصلي صلاة الجنازة أن يستفتح - يعني: أن يقرأ دعاء الاستفتاح.
= وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد وهو المذهب وإليه ذهب الجماهير.
واستدلوا بأدلة:
- منها: أن صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف بدليل: أنه لا يشرع أن يقرأ الإنسان فيها بعد الفاتحة سورة أخرى. وبدليل: أنه ليس فيها ركوع ولا سجود.
- الدليل الثاني: أنه لم يرد في الآثار أن النبي ﷺ وأصحابه قرأوا دعاء الاستفتاح.
= الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ أن الإنسان إذا صلى صلاة الجنازة يقرأ دعاء الاستفتاح ورجح هذه الرواية الفقيه الكبير الإمام الخلال.
واستدل على ذلك:
- بالعمومات وهو: أنه كما يشرع للمصلي في سائر الصلوات أن يستفتح فكذلك في هذه الصلاة.
الراجح والله أعلم: أنه لا يشرع لقوة أدلة أصحاب القول الأول.
стр. 818
ـ المسألة الثانية: أنه يشرع لمن صلى صلاة الجنازة أن يستعيذ.
والدليل على هذا:
- أن الاستعاذة تلحق القراءة وتختص بها فكلما شرعت القراءة شرعت الاستعاذة.
ـ المسألة الثالثة: أنه يشرع للمصلي أن يقرأ فاتحة الكتاب.
= ومذهب الحنابلة أنه يجب فإن تركها بطلت الصلاة.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- منها: عموم قول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وصلاة الجنازة من جملة الصلوات.
- ثانياً: وهو دليل خاص بالمسألة: ما صح عن ابن عباس ﵁ أنه صلى صلاة الجنازة وقرأ فاتحة الكتاب ثم قال: لتعلموا أنها السنة.
= والقول الثاني: أنه لا يشرع للمصلي صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب.
واستدلوا على هذا:
- بأنه عمل أهل المدينة القديم.
- وثانياً: مروي عن ابن عمر ﵄ وغيره من الصحابة.
= والقول الثالث: أن قراءة الفاتحة مستحبة وليست بواجبة. وإلى هذا ذهب شيخ الاسلام ابن تيمية على طريقته في الجمع بين القولين.
وأصح وأرجح وأقوى هذه الأقوال وجوب قراءة الفاتحة. لصراحة الأدلة ووضوحها وليس للإنسان أن يخرج عن نص جاء عن النبي ﷺ . على أنكم سمعتم الخلاف في المسألة.
• ثم قال ﵀:
ويصلي على النبي ﷺ في الثانية.
يعني: أنه إذا كبر التكبيرة الثانية شرع له أن يصلي على النبي ﷺ .
والدليل على هذا:
- أنه صح عن ابن عباس وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ صلى على - النبي ﷺ في صلاة الجنازة في التكبيرة الثانية.
وحديث ابن عباس وحديث أبي أمامة إن شاء الله صحيح كما قلت.
• ثم قال ﵀:
كالتشهد.
يعني: أن المشروع أن يصلي على النبي ﷺ بالصيغة التي يصلي عليه فيها في التشهد الأخير في الصلاة الرباعية.
والدليل على هذا:
- أن هذه الصيغة هي أكمل أنواع التشهد وينبغي على الإنسان أن يأتي بالأكمل.
* * مسألة: فإن صلى على النبي ﷺ بأي صيغة صحت الصلاة.
فإن قال: ﷺ وسكت أجزأه.
• ثم قال ﵀:
ويدعو في الثالثة.
стр. 819
يعني: أن المشروع للإنسان بعد أن يكبر التكبيرة الثالثة أن يشرع في الدعاء.
والدليل على هذا من أوجه كثيرة: - لأن خلاصة صلاة الجنازة الدعاء ولذلك كثرت الأدلة الدالة على مشروعيته.
- فأولاً: حديث ابن عباس السابق. وفيه أنه ﷺ دعا بعد الثالثة.
- ثانياً: حديث أبي أمامة وكذلك فيه أنه دعا بعد الثالثة.
- ثالثاً: أن النبي ﷺ قال: (إذا دعوتم للميت فأخلصوا له الدعاء) وهذا الحديث إسناده جيد وممن جود إسناده الحافظ ابن كثير ﵀.
- رابعاً: أن المقصود من صلاة الجنازة الدعاء للميت ولذلك صار واجباً - بل ربما ركن من أركان صلاة الجنازة - كما سيأتينا.
فهذه أربعة أدلة تدل على أهمية الدعاء في صلاة الجنازة.
• ثم قال ﵀:
فيقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتَنَا وَشَاهِدَنَا وَغَائِبَنَا وَصَغِيْرَنَا وَكَبِيْرَنَا وَذَكَرَنَا وَأُنْثَانَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرِ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا)).
هذا الحديث رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان إذا صلى على الجنازة قال: .. فذكر الدعاء.
هذا الحديث مما اختلف فيه العلماء:
- فعامة المتأخرين يصححون هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي ﷺ
- وذهب الإمام أبو حاتم والإمام البخاري وأشار إليه الإمام الترمذي أن هذا الحديث مرسل لا يصح ذكر أبي هريرة فيه.
وهذا الأخير هو الصواب أن الحديث مرسل. ولكن مع ذلك يصلح للاستدلال وأن نستشهد به لما تقدم معنا مراراً أن المراسيل إذا لم يكن في الباب غيرها وصار لها شواهد صارت صالحة للعمل والاستدلال إن شاء الله على طريقة الإمام أحمد ﵀.
هذا هو الدعاء الأول ويسميه الفقهاء: الدعاء العام. ثم يبدأ بالدعاء الخاص.
• قال ﵀:
стр. 820
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ)).
هذا الحديث: حديث ثابت في صحيح مسلم بل قال الإمام البخاري هذا الحديث أصح حديث في الباب ولكنه لم يخرجه في الصحيح وإنما أخرجه الإمام مسلم.
عرفنا إذاً الدليل على مشروعية الدعاء العام الأول والدليل على مشروعية الدعاء الخاص الثاني وهو ينتهي بقوله: (عذاب النار).
أما قول المؤلف ﵀: (وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ) فهذا لم يأت في الآثار مرفوعاً إلى النبي ﷺ ولا موقوفاً.
والدليل على مشروعيته عند الحنابلة:
- أنه دعاء لائق بالمحل فشرع. يعني مناسب لهذه الصلاة باعتبار أن من يصلى عليه سيقبر بعد الصلاة فناسب أن يدعا له بهذا الدعاء.
ولما انتهى المؤلف ﵀ من الكلام عن كيفية الدعاء للكبير انتقل لكيفية الدعاء للصغير:
• فقال ﵀:
وإن كان صغيراً قال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطاً وَأَجْراً وَشَفِيْعاً مُجَاباً، اللَّهُمَّ ثَقِلْ بِهِ مَوَازِيْنَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُوْرَهُمَا وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيْمَ وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيْمَ)).
هذا الأثر جاء مرفوعاً وموقوفاً إلى قوله: (وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُوْرَهُمَا).
فالمشروع لمن صلى على الصغير أن يدعو بهذا الدعاء. وكما ترون الدعاء يتضمن أن يدعو المصلي لوالدي الطفل دون الطفل.
والدليل على أنه يدعو لوالديه دونه من أوجه:
- الأول: أنه في حديث المغيرة ﵁ قال: إذا صلى على الطفل فيدعو لوالديه.
стр. 821
- الثاني: أنه روي عن أبي هريرة ﵁ وعن ابن عمر ﵁ نحواً من هذا الدعاء.
وروي عن الحسن البصري ﵀ نحواً من هذا الدعاء.
- ثالثاً: أن هذا هو المنايب والأليق بالمحل لأن الطفل الصغير لا ذنوب عليه فليس من المناسب أن نستغفر لشخص ليس له ذنوب فصار المناسب بناء على ذلك أن ندعو لوالديه.
هكذا يقرر الحنابلة.
وما ذكروه صحيح باعتبار أنه جاء في بعض الآثار المروية عن النبي ﷺ وعن الصحابة وعن التابعين كما تقدم.
وأيضاً باعتبار أنه مناسب للحال.
•
ثم قال ﵀:
ويقف بعد الرابعة قليلاً.
يعني: يشرع للإمام إذا كبر الرابعة أن يقف قليلاً. أي: قبل أن يسلم.
والدليل على هذا:
- أن زيد بن أرقم ﵁ أخبر أن النبي ﷺ كان إذا كبر الرابعة وقف شيئاً.
- والتعليل: ليتمكن المأموم من التكبير.
وظاهر عبارة المؤلف ﵀ من قوله: (ويقف بعد الرابعة قليلاً ويسلم) أنه لا يدعو بأي شيء بعد التكبيرة الرابعة وإنما ينتظر قليلاً صامتاً ثم يسلم.
= وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀ واختاره بن قدامة أنه لا يدعو بشيء بعد التكبيرة الرابعة.
واستدل على ذلك:
- بأنه ليس في النصوص الصحيحة المرفوعة أن النبي ﷺ كان يدعو.
= والقول الثاني: أنه يشرع أن يدعو.
واستدلوا على مشروعية الدعاء بعد الرابعة:
- بأنه روي أن النبي ﷺ كما في حديث ابن أبي أوفى كان إذا كبر الرابعة دعا.
- الدليل الثاني: أن المعهود في الشرع أن لا يخلو جزء من الصلاة من الدعاء ولذلك يشرع الدعاء في هذا الموضع.
والأقرب أن الأمر فيه سعة: إن شاء دعا وإن شاء سكت.
وإذا أراد أن يدعو فذكر الحنابلة أنه مخير بين:
- أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).
- أو يقول: (اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده).
- أو - وهو القول الثالث عند الحنابلة: يخير بين أن يقول: هذا أو هذا.
стр. 822
والصواب: أنه يقول هذا الدعاء أو يقول غير هذا الدعاء باعتبار أنه ليس في الباب آثار صحيحة لا عن أصحاب النبي ﷺ ولا عن النبي ﷺ .
•
ثم قال ﵀:
ويسلم واحدة عن يمينه.
= مذهب الحنابلة: أن المشروع والمسنون والمستحب في حق المصلي صلاة الجنازة أن يسلم واحدة فإن سلم تسليمتين فهو مباح أو مكروه على خلاف بين الحنابلة - يعني لا يسن ولا يشرع.
واستدلوا على هذا:
- بأن الإمام أحمد ﵀ قال: عن ستة من أصحاب النبي ﷺ ولا يعلم مخالف إلا إبراهيم.
- وسئل الإمام أحمد ﵀ في موضع آخر: هل تحفظ عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه سلم تسليمتين؟ فقال: لم يصح عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه سلم تسليمتين.
ولذلك استنبط ابن قدامة من هذه العبارة أن التسليمة الواحدة محل إجماع عند الصحابة ومحل إجماع عند التابعين إلا عن إبراهيم النخعي - الخلاف الذي حكاه الإمام أحمد ﵀.
وتقدم معنا: أن حكاية مثل الإمام أحمد ﵀ لإجماع الصحابة أمر له ثقله الكبير بسبب عناية الإمام أحمد ﵀ بآثار أصحاب النبي ﷺ .
ثم مع ذلك:
= القول الثاني في هذه المسألة: أنه يسلم المصلي تسليمتين. يعني: أن المشروع والمستحب أن يسلم تسليمتين ويجوز أن يسلم تسليمة. عكس مذهب الحنابلة.
واستدلوا على ذلك:
- بحديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: أن النبي ﷺ كان يسلم في صلاة الجنازة كما يسلم في الصلاة.
والراجح: بلا إشكال إن شاء الله مذهب الحنابلة. بل إن ابن المبارك ﵀ قال: من سلم تسليمتين فهو جاهل.
إذاً الصواب إن شاء الله مع الحنابلة وهو: أن المشروع في صلاة الجنازة تسليمة واحدة ويجوز أن يسلم تسليمتين وإنما المشروع والمندوب والمنقول عن أصحاب النبي ﷺ وعن التابعين أن يسلم الإنسان تسليمة واحدة.
стр. 823
وحديث ابن مسعود يدل على الجواز فقط وفي الحقيقة: (لم أتمكن من البحث في إسناد هذا الأثر) لكن مع ذلك لا أشك أن الراجح مذهب الحنابلة باعتبار أن الإمام أحمد ينقل إجماع الصحابة والإمام أحمد ينقل إجماع الصحابة وينقل أقوال معينة عن ستة من الصحابة ولا يقصد أنه لا يعرف مخالف أو أنه لم يسمع وإنما يثبت فتاوى ستة أو سبعة من الصحابة ليس لهم مخالف.
فهذا أقوى بكثير من أثر ابن مسعود ﵁ وأثره ﵁ ليس نصاً في التسليمتين فإنه يقول: يسلم في الجنازة كما يسلم في الصلاة فربما أراد إثبات أصل التسليم.
ثم أيضاً: ربما نقول: أن النبي ﷺ أحياناً يسلم في الصلاة سوى صلاة الجنازة تسليمة واحدة فلعله أراد هذا المعنى.
وبكل حال: الأقرب ما ذكره الإمام أحمد أن الإنسان يسلم تسليمة واحدة لحكاية إجماع الصحابة.
• ثم قال ﵀:
ويرفع يديه مع كل تكبيرة.
تقدم معنا: أن تكبيرات صلاة الجنازة أربع.
وهذه التكبيرات تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: تكبيرة الإحرام. ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام محل إجماع فلم يخالف فيه أحد من الفقهاء.
ويدل عليه: - حديث أبي هريرة ﵁ وغيره أن النبي ﷺ : لما كبر لصلاة الجنازة رفع يديه.
- القسم الثاني: التكبيرات الأخرى. وهذه لم يثبت فيها عن النبي ﷺ حديث صحيح أنته كان يرفع يديه. لكن مع ذلك صح بإسناد ثابت عن ابن عمر ﵁ وصح بإسناد ثابت عن ابن عباس ﵁ أنهم كانوا يرفعون أيديهم في صلاة الجنازة في التكبيرات الأربع.
= وذلك ذهب الجمهور إلى مشروعية رفع اليدين.
= القول الثاني: أنه لا يشرع أن يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه.
والراجح. والله أعلم القول الأول. وسبب الترجيح: ما علم من عناية ابن عمر باتباع السنة فالغالب أنه لم يصنع ذلك إلا عن توقيف.
وإذا كنا نقبل الآثار كما قبلها الجماهير في الزيادة على التكبيرات فلأن نقبلها في رفع اليدين من باب أولى.
стр. 824
ولذلك الجمهور الذين قبلوا زيادة التكبيرات قبلوا أيضاً رفع اليدين في صلاة الجنازة.
•
ثم قال ﵀:
وواجبها.
هكذا عبر المؤلف بقوله: وواجباتها. وعبر ابن قدامة في الكافي بقوله: وأركانها.
ومقصود المؤلف هنا بقوله: وواجباتها: يعني: الأركان. ولا يقصد الواجب الذي يقابل الركن ولكن مع ذلك لو أن المؤلف ﵀ قال: وأركانها. لكان أوضح لقارئ الكتاب كما عبر الشيخ ابن قدامة ﵀
• قال ﵀:
قيام.
القيام. ركن من أركان صلاة الجنازة.
والدليل على ذلك:
- أنها صلاة مفروضة فوجب القيام فيها كسائر الفرائض.
وعلم من هذا التعليل:
- أن الصلاة التي يجب فيها القيام هي الصلاة الأولى التي حصل الفرض بأدائها.
- وأما الصلاة الثانية. فإنه يجوز أن يصليها الإنسان وهو جالس لأنها ليست فريضة وإنما نافلة.
= وقيل: وهو قول عند الحنابلة: بل يجب القيام ولو تكررت الصلاة.
والراجح الذي مال إليه المرداوي في الإنصاف وغيره أن الثانية لا يجب فيها القيام.
• ثم قال ﵀:
وتكبيرات.
التكبيرات أيضاً أركان والسبب أنها أركان أنها تقوم مقام الركعات.
واستدلوا على ركنية التكبيرات:
- بأن النبي ﷺ لم يصل صلاة الجنازة قط إلا وكبر فيها أربعاً كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ صلى على الجنازة فكبر أربعاً.
إذاً التكبيرات لها دليل من النظر ودليل من النقل.
• ثم قال ﵀:
والفاتحة.
أي: ركن من أركان الصلاة. وتقدمن معنا الخلاف والأدلة على أنها واجبة ومن أركان الصلاة وأنها إن لم تقرأ بطلت الصلاة.
•
ثم قال ﵀:
والصلاة على النبي ﷺ .
- لأنه جاء ثابتاً في حديث ابن عباس ﵁ وفي حديث أبي أمامة أنه ﷺ قرأ الصلاة عليه ﷺ فدل على أنه ركن في صلاة الجنازة.
وذكر شيخنا ﵀ مناسبة لطيفة جداً: أن الصلاة على النبي ﷺ مناسبة في هذا المقام لتكون بين يدي الدعاء.
• ثم قال ﵀:
ودعوة للميت.
يعني: أن الركن أن يدعو دعوة واحدة للميت.
стр. 825
- لقول النبي ﷺ : (فأخلصوا له الدعاء) وهذا الحديث ثابت والأمر فيه ظاهر.
- والدليل الثاني: على ركنية الدعاء أنه المقصود في صلاة الجنازة. والشيء المقصود في العبادة غالباً أودائماً ما يكون ركن فيها.
• ثم قال ﵀:
والسلام.
أي: والسلام ركن من أركان الصلاة لدليلين:
- الأول: قوله ﷺ : (وتحليلها السلام).
- ثانياً: القياس على سائر الفرائض. فإنه في الفرائض جميعاً يجب أن يسلم الإنسان وهو من أركان الصلاة.
وبهذا انتهى من سرد أركان الصلاة.
فصار القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة والدعوة والسلام. يعني أنها ست أركان في صلاة الجنازة.
• ثم قال ﵀:
ومن فاته شيءٌ من التكبير: قضاه على صفته.
يريد المؤلف أن يبين حكم المسبوق فإذا فات الإنسان شيء من تكبيرات الصلاة سن له أن يقضيه على صفته.
وفي هذه العبارة عدة مسائل:
- المسألة الأولى: أن القضاء واجب وأنه لو سلم قبل أن يقضي بطلت صلاته.
- لعموم قول النبي ﷺ : (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا).
= القول الثاني: أن قضاء ما فات من التكبيرات لا يجب.
بناء عليه إذا دخل مع الإمام وقد فاته التكبيرة أو أكثر ثم سلم الإمام فله أن يسلم ولا يقضي وصلاته صحيحة.
واستدلوا بدليلين:
- أولاً: أنه روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: عن تكبيرات صلاة الجنازة: لا تقضى.
- ثانياً: القياس على تكبيرات صلاة العيد. فإنه لا يجب أن يقضي الإنسان تكبيرات صلاة العيد.
والصواب: إن شاء الله وجوب القضاء لعموم النص وصلاة الجنازة صلاة.
إذا تقرر أن القضاء واجب: فكيفية القضاء: أن يدخل مع الإمام في الموضع الذي هو فيه ويتابع الإمام ثم إذا سلم الإمام قضى ما عليه على صفته.
والدليل أنه على صفته:
- أن القاعدة المشهورة التي اتفق عليها - تقريباً - الفقهاء أن القضاء يحكي الأداء. يعهني: يطابق الأداء.
стр. 826
إلا إذا خشي أن ترفع الجنازة فإنه يتابع التكبير بلا ذكر ودعاء بينه ثم يسلم لأن من شروط صحة صلاة الجنازة أن تكون بين يدي المصلي إلا ما استثني مما سيذكره المؤلف ﵀ كالصلاة على الغائب والصلاة على المقبور هذا مستثنى وفيما عدا ذلك يشترط لصحة الصلاة أن يكون الميت بين يدي المصلي.
فإذا خشي الإنسان أن ترفع الجنازة فماذا يصنع؟
يتابع.
* * فإن رفعت وهو يتابع يتم المتابعة ويسلم.
إذاً: يقضي الصلاة على صفتها. إلا إن خشي أن ترفع فإنه يتابع التكبير ويكمل المتابعة ولو رفعت. هذا ملخص مذهب الحنابلة. وهو الصحيح إن شاء الله.
• ثم قال ﵀:
ومن فاتته الصلاة عليه: صلى على القبر ... إلى شهر.
أيضاً في هذه العبارة عدة مسائل:
ـ المسألة الأولى: أفاد المؤلف أن الصلاة على القبر مشروعة.
= وهذا مذهب الحنابلة بل مذهب الجمهور:
- لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ صلى على قبر ميت في أكثر من مناسبة
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن نصلي على القبر مطلقاً.
والصواب مع الحنابلة لصحة الدليل.
فإذا ثبت أن مذهب الحنابلة هو الصواب وهو الأحظ بالدليل وهو جواز الصلاة على القبر ننتقل إلى:
ـ المسألة الثانية: وهي إلى متى يصلى على القبر؟
= فمذهب الحنابلة: أنه يصلى على القبر إلى شهر فقط. ثم بعد الشهر لا يجوز أن يصلي إلا إذا زاد الوقت بشيء يسير كاليوم واليومين.
- الدليل على هذا:
- أن النبي ﷺ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر.
فإذا قيل لك: من أين لكم الزيادة يوم أو يومين؟
فتقول: تؤخذ من قوله: (صلى بعد شهر) فحملوا هذه البعدية على أنها شيء يسير كاليوم واليومين.
= القول الثاني: أنه يجوز أن يصلي الإنسان على القبر أبداً.
- لأن النبي ﷺ خرج وصلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين.
= القول الثالث: أنه يجوز أن يصلى على القبر ما لم يتفتت الميت ويبلى.
والقول الثاني والثالث - الذين ذكرتهما الآن - أقوال ضعيفه. والدليل على ضعفها:
- أن النبي ﷺ أخبر أنه لا يبلى ومع ذلك أجمع المسلمون على أنه لا يصلى على قبره.
стр. 827
- ثانياً: أن النبي ﷺ بقي ولم يصل أحد على قبره.
فإذاً القول بأن الصلاة على القبر دائماً أبداً تستمر أو أنها إلى أن يبلى كلا القولين ضعيف بوجود قبر النبي ﷺ وتجنب المسلمين الصلاة عليه.
= القول الرابع: أنه يصلي بلا حد إذا كان من أهل الصلاة حين موت الميت. يعني إذا كان هذا المصلي لما مات الميت من أهل الصلاة على الميت فإنه يصلي على القبر ولو بعد سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع بهذا الشرط.
واستدل هؤلاء:
- بأنه بهذا القول تجتمع الآثار والنصوص. وأن القول الذي فيه الجمع بين الأخبار أرجح من غيره من الأقوال التي تأخذ بنص وتدع الآخر.
وهذا القول ظاهر القوة ووجيه كما ترى وفيه جمع بين الأخبار وأخذ بالآثار جميعاً فهو الراجح إن شاء الله.
•
ثم قال ﵀:
وعلى غائب: بالنية إلى شهر.
وهذا أيضاً يتضمن مسألتين:
ـ المسألة الأولى: أنه يشرع الصلاة على الغائب من حيث الأصل.
= وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا:
- بأن النبي ﷺ صلى على الغائب وهو النجاشي.
= القول الثاني: أنه لا يشرع مطلقاً أن يصلي الإنسان على الغائب.
- لأن عدداً من أصحاب النبي ﷺ ماتوا ولم ينقل أنه صلي عليهم.
- ولأن الخلفاء الراشدين ﵃ لما ماتوا لم ينقل أن أحداً من أهل الأمصار صلى عليهم.
فدل هذا على أنه لا يشرع أن يصلي الإنسان على الغائب الميت.
والصواب مع الحنابلة: لأن النبي ﷺ صلى على غائب بالنص الصريح وهو النجاشي.
ـ المسألة الثانية: حد الغائب:
الغائب: هو ما كان خارج البلد ولو كان دون مسافة قصر بشرط أن لا يكون في موضع تجب إجابة نداء الجمعة منه.
إذاً: هل يشترط في الغائب أن يكون على مسافة قصر؟
الجواب: لا. لكن يشترط فقط أن لايكون في موضع تجب على إجابة نداء الجمعة.
هذا كله تقرير مذهب الحنابلة.
إذا تقرر مشروعية الصلاة على الغائب نأتي أيضاً الضابط:
стр. 828
= فالضابط عند الحنابلة أنه يصلى عليه إلى شهر. وأنه يصلى على كل غائب سواء صلي عليه أو لم يصلى عليه فعلى كل غائب يشرع أن تصلي فإذا سمعت أن إنساناً مات فإنه يشرع لك أن تصلي عليه ولو كان صلي عليه عند قومه.
أخذاً بعموم صلاة النبي ﷺ على النجاشي.
بناءً على هذا القول يشرع للإنسان أن يصلي كل يوم على أموات المسلمين. لأنه قطعاً أنه مات عدد كبير من المسلمين في هذا اليوم.
ولكن هذا القول استبشعه جداً شيخ الاسلام ﵀ ورأى أنه بدعة: (وهو: أنه يشرع أن يصلي على أموات المسلمين في كل يوم). وقال ﵀: هذا بدعة ولا يشرع.
= القول الثاني: أنه يصلى على من كان في حياته مصلحة ونفعاً للمسلمين - نفعاً عاماً. كالنجاشي. فإن المسلمين انتفعوا به في الهجرة وفي غيرها.
ودليل هؤلاء: ظاهر.
= والقول الثالث: أنه يصلى على من لم يصلى عليه فقط.
والمذهب الثالث - الأخير اختيار شيخ الاسلام وابن القيم هو الراجح.
وأما الجواب عن قولهم: أن النجاشي ملك ولا يعقل أنه لم يصلى عليه: فنقول أن النبي ﷺ وأبو بكر وعمر لما ماتوا وهم أكثر الأمة غناء في الأمة لم ينقل أنه صلي عليهم في مكة.
فدل على أن هذا الضابط وهو أنه إذا مات رجل له غناء ونفع للمسلمين يصلى عليه أنه قول ضعيف بغض النظر عن النجاشي فإذا كان هذا القول ضعيف لم يبق إلا القول أن يصلي على من لم يصلى عليه وأن هذا ظاهر حال النجاشي مع قيام الاحتمال بأنه صلي عليه لكن دائماً وأبداً نحن في الشرع نأخذ بالظاهر والظاهر من حال النجاشي أنه لم يصلى عليه فيكون هذا القول الأخير قول قوي ووجيه.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ....
بعد الأذان:
• ثم قال المؤلف ﵀ في ختام هذا الفصل:
ولا يصلي الإمام: على الغال ولا على قاتل نفسه.
يعني أنه لا يشرع للإمام خاصة أن يصلي على الغال ولا على قاتل نفسه.
والدليل على ذلك:
- أن النبي ﷺ أوتي برجل قتل نفسه فلم يصل عليه. وهو حديث صحيح.
- والدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال في الغال صلوا على صاحبكم.
стр. 829
= القول الثاني: أن الإمام وسائر الناس يصلون على الغال وقاتل نفسه وعلى كل المسلمين.
واستدلوا على هذا:
- بعموم قول النبي ﷺ : صلوا على من قال لا إله إلا الله.
= والقول الثالث: وهو أغرب الأقوال: أن الإمام وسائر المسلمين لا يصلون على الغال وعلى قاتل نفسه يعني: لا يصلى عليه بحال.
وكما ترون أحظ الناس بالأدلة الحنابلة. والنبي ﷺ يقول: صلوا على صاحبكم. فكيف لا يصلى عليه بحال وهو مسلم ونحن تقدم معنا أن الأدلة تدل على أن الصلاة فرض كفاية لكن نقول الإمام لا يصلي عليه زجراً عن فعله.
وذهب الحنابلة في الصحيح عندهم إلى أنه لا يصلى أيضاً على أهل البدع. قال الإمام أحمد ما كنت لأصلي على جهمي ولا رافضي.
واستدل على هذا - الإمام أحمد:
- أنهم - أي الجهمي والرافضي - شر من الغال وقاتل نفسه. لأن أولئك وقعوا في معصية عملية وهؤلاء وقعوا في بدعة عقدية.
وذهب المجد والشيخ الفقيه ابن مفلح إلى أنه: - وهو النوع الثالث الذين لا يصلى عليهم - لا يصلى على كل من عرف بمعصية ظاهرة مات لم يتب منها.
بناء على هذا: إذا عرف شخص من الأشخاص بمعصية مشهورة اشتهر بها فإنه إذا مات وقد عرف بالمغصية وعرف أنه لم يتب منها ينبغي على الإمام أن لا يصلي عليه.
فصار الذين لا يصلي عليهم الإمام: قاتل نفسه والغال وصاحب البدعة ومن عرف بمعصية لم يتب منها يعني اشتهر بمعية كبيرة لم يتب منها فإن هذا لا يصلى عليه. مثل إنسان مشهور بشرب الخمر واشتهر به وهو يتبجح بمثل هذا بكتاباته ومات ولم يتب فكذلك.
أو يتبجح بالزنى ونحو ذلك بكتاباته وهو معروف ومات ولم يتب فإنهه لا يصلى عليه.
وما ذكره الشيخ الفقيه المجد وابن مفلح وهما من أكبر فقهاء الحنابلة صحيح ووجيه.
الدليل:
- أن هؤلاء شر من الغال على أقل تقدير: فلا نقول أنه شر من قاتل نفسه.
- الدليل الثاني: أن النبي ﷺ إنما ترك الصلاة على هؤلاء زجراً عن أفعالهم وهؤلاء ينبغي أن يزجر الناس عن أفعالهم بترك الصلاة عليهم.
• ثم قال ﵀:
ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد.
يعني لا بأس أن نصلي على الجنازة في المسجد.
стр. 830
- لما صح في صحيح مسلم أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد.
- وأيضاً روي وأظنه صحيح أن أصحاب النبي ﷺ صلوا على أبي بكر وعمر في المسجد.
فصار الآن: ثبتت السنة بإجماع الصحابة وإلى هذا ذهب ابن قدامة يقول وهذا إجماع لأنه لم ينكر أحد من الصحابة الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد.
فثبت بهذه الآثار النبوية والآثار المروية عن أصحاب النبي ﷺ جواز الصلاة على الميت في المسجد.
واشترط الحنابلة لهذا شرطاً واحداً وهو أن يؤمن التلويث.
ومع ذلك السنة أن يوضع مصلى خاص للجنائز خارج المسجد وتكون الصلاة في المسجد جائزة فقط ..
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
انتهى الدرس
стр. 831
فصل
[في صفة حمل الميت ودفنه]
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما أنهى المؤلف ﵀ الكلام عن الصلاة انتقل إلى الكلام عن حمل الجنازة والتشييع وما يتعلق بهذا الأمر من أحكام.
وبدأ بالمرحلة الأولى وهي: حمل الجنازة:
• فقال ﵀:
يستحب: التربيع في حمله.
وفيه مسائل:
ـ المسألة الأولى: التربيع هو: الأخذ بقوائم السرير الأربع.
= وهو عند الحنابلة سنة لحديث ابن مسعود أنه قال: (من تبع جنازة فليأخذ بقوائهما ثم ليتطوع إن شاء أو ليذهب فإنه من السنة).
وهذا الأثر صحيح إن شاء الله وله حكم الرفع لوجهين:
- الأول: أن ابن مسعود صرح فقال إنه من السنة.
- الثاني: أن هذا لا يقال من قبل الرأي.
ـ المسألة الثانية: صفة التربيع: صفته:
= عند الحنابلة: أن يبدأ بالقائمة اليسرى الأمامية فيضعها على كتفه الأيمن ثم يرجع إلى الخلفية فيضعها على كتفه الأيمن ثم إلى الأمامية اليمنى فيضعها على كتفه الأيسر ثم يرجع إلى الخلفية فيضعها على كتفه الأيسر.
فتبين عند الحنابلة أنه يبدأ بالأماميات قبل الخلفيات فهم يرون أن هذا هو السنة.
стр. 832
والأقرب أن الأمر واسع وأن المقصود هو أن يحمل الجنازة مع القوائم الأربع ولا يقتصر على قائمة واحدة وإنما يدور على القوائم الأربع فإذا دار عليها بأي صفة كانت فقد حقق السنة المذكورة في حديث ابن مسعود.
وهذه صفة غفل عنها كثير من الناس اليوم فهي صفة وسنة مقصودة أن يربع ويفاوت بين الحمل بين القوائم الأربع ويحتسب هذا عند الله.
ويشترط في التربيع أن لا يتسبب ذلك بمضايقة الناس والمشاحة الشديدة بين الذين يحملون الجنازة وإلا لم يستحب كما سيأتينا في مسألة تقبيل الحجر الأسود فكذا يقال هنا إذا كان يحصل زحام ومشادة فإن الإنسان ينبغي له أن لا يفعل.
• ثم قال ﵀:
ويباح بين العمودين.
يعني: أنه يجوز أن يحمل بين العمودين.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أنه روي عن النبي ﷺ أنه صنع ذلك.
- الثاني: أنه روي عن أصحاب النبي ﷺ .
وأشار الإمام الشافعي إلى أن المنقول عن الصحابة هو الثابت دون المنقول عن النبي ﷺ .
فهذا هو الدليل على أن الوقوف بين القائمتين مباح ولا بأس به.
• ثم قال ﵀:
ويسن: الإسراع بها.
الإسراع بالجنازة سنة.
وضابطه: أن يكون فوق المشي المعتاد وأن لا يزيد على ذلك. وإلى هذا الضابط ذهب المجد بن تيمية ﵀ وهو الضابط الصحيح والإسراع فوق ذلك لا يستحب.
ـ المسألة الثانية: الدليل على الإسراع:
- قول النبي ﷺ : (أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن أعناقكم). وهذا الحديث تقدم معنا وهو نص في مشروعية المسارعة بالجنازة بهذا الضابط.
ويستثنى من ذلك: إذا خشي أهل الميت من حدوث ضرر بالجنازة عند الإسراع بها فإنه لا يشرع مطلقاً إذا خشوا من ذلك.
وهذا يحصل أحياناً بحيث تكون الجنازة لو أسرع بها ولو مقداراً يسيراً فإنه يحصل فيها ضرر إما لتفككها أو لكونها مشدودة جداً فيخشى أن تنفجر مع كثرة المياه أو كثرة الهواء فالمهم الضابط أنه إذا خشي أولياء الميت أن تتضرر فإنه لا يسن الإسراع.
•
ثم قال ﵀:
وكون المشاة أمامها.
стр. 833
يعني: ويسن لمن اتبع الجنازة ماشياً أن يكون أمامها لا خلفها.
قال ابن المنذر ﵀:ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.
= والقول الثاني: أن الإنسان إن شاء مشى أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها بشرط أن يكون قريباً منها.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي ﷺ : (الراكب خلف الجنازة والماشي أمام الجنازة أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها).
وهذا الحديث مما اختلف في تصحيحه وتضعيفه. وذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه مضطرب في الاسناد والمتن.
ومع هذا الاضطراب في الاسناد والمتن اختلف أيضاً عل هو مرفوع أو موقوف؟
والمحصلة: أن في هذا الحديث ضعف.
لذلك الأقرب أن يكون الماشي أمام الجنازة لأنه ثابت عن سادات الناس: النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر.
ثم انتقل إلى الراكب:
• فقال ﵀:
والركبان خلفها.
أي: والسنة بالنسبة للراكب أن يكون خلف الجنازة.
والدليل على هذا من ثلاثة أوجه:
- الأول: حكي الإجماع على ذلك حكاه الخطابي. لكن الواقع أن فيه خلاف فمن الذين خالفوا: الإمام الشافعي فإنه يرى أن الراكب الأفضل له أن يكون أمام الجنازة.
لكن على كل حال حكي الإجماع على أن السنة للراكب أن يكون خلف الجنازة.
- الثاني: حديث المغيرة السابق لأن في أوله أن النبي ﷺ قال: والراكب خلف الجنازة).
- الثالث: أن الراكب إذا كان أمام الجنازة آذى الناس وإذا كان خلف الجنازة لم يؤذهم.
والصواب مع الحنابلة أن السنة في حق الراكب أن يكون خلف الجنازة.
* * مسألة: لم يذكرها المؤلف وهي مفيدة: الركوب في تشييع الجنازة ذهاباً عند الحنابلة مكروه.
لأن النبي ﷺ شيع جنازة فعرض عليه الركوب فقال ﷺ ما كنت لأركب والملائكة تمشي.
هذا الحديث إن شاء الله حسن.
وما ذهب إليه الحنابلة من أن هذا مكروه صحيح لأن النبي ﷺ دفع الركوب وعلل بأن الملائكة يمشون فمن الأدب والاحترام أن لا يركب الإنسان.
стр. 834
* * المسألة الثانية: يجوز الركوب إذا عاد من التشييع. لأن النبي ﷺ صح عنه في مسلم أنه شيع جنازة ثم رجع على فرس.
فالركوب في الرجوع لا بأس به ولا حرج لكن في الذهاب مكروه فينبغي على الإنسان أن يتحرا المشي ما أمكن وسهل وأن يترك الركوب إذا لم يكن عليه مشقة.
• ثم قال ﵀:
ويكره: جلوس تابعها حتى توضع.
يكره لمن تبع الجنازة أن يجلس إلا إذا وضعت الجنازة.
- لقول النبي ﷺ من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع.
= والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف أن الجلوس في هذه الحال محرم. لأن النهي صريح ولا صارف له.
وهذا صحيح والأقرب أن الجلوس قبل وضع الجنازة محرم.
* * مسألة: المقصود بوضع الجنازة: أن توضع على الأرض لا في اللحد لأن الثوري لما روى هذا الحديث ذكر في رواية له أنه قال حتى توضع على الأرض.
وأما رواية حتى توضع في اللحد فضعيفة.
إذاً إذا وضعت على الأرض سواء وضعت ليصلى عليها أو وضعت ليهيء القبر أو وضعت لأي سبب فمتى وضعت على الأرض جاز للناس أن يجلسوا أما قبل ذلك فعلى المذهب مكروه والصواب أنه محرم.
ومن هنا نقول ينبغي للإنسان إذا دخل المقبرة أن ينبه الناس الذين شيعوا الجنازة أن لا يجلسوا إلا إذا وضعت على الأرض.
واليوم الجنازة بمجرد ما تدخل المقبرة توضع على الأرض فالأمر يسير فإن انتظار الناس سيكون قصيراً.
•
ثم قال ﵀:
ويسجى قبر امرأة.
يعني ويشرع أن يغطى قبر المرأة حال قبرها أي في وقت إنزالها في القبر.
والدليل على هذا:
- الإجماع فقد أجمع العلماء على أن هذا مشروع.
- والدليل الثاني: أن في هذا العمل ستر للمرأة والمرأة عورة ينبغي أن تستر خشية أن ينكشف منها شيء حال تنزيلها في القبر. فتغطية القبر مستحب ومشروع وهو يفعل الآن في بعض المناطق دون بعض وهو مستحب ينبغي أن يفعل دائماً.
• قوله ﵀:
ويسجى قبر امرأة فقط.
أي دون الرجل فإن تغطية قبر الرجل مكروهه لأنه لم يأت عن الصحابة ولا عن السلف أنهم فعلوا ذلك.
ولأن الرجل لا يحتاج أن يغطى قبره أثناء تنزيله في اللحد.
• ثم قال ﵀:
واللحد أفضل من الشق.
стр. 835
اللحد هو السنة وهو أفضل من أن يشق القبر شقاً.
والشق عند الحنابلة مكروه إذا كان بلا عذر.
واللحد هو: أن يحفر في أرض القبر حفرة مما يلي القبلة. أي إذا انتهى من يحفر القبر إلى أرض القبر فإنه يحفر حفرة جهة القبلة.
والشق: أن يحفر حفرة في وسط القبر.
وله صورة أخرى هي: أن يقيم من اللبن في وسط القبر كالحفرة ويوضع الميت في وسطها.
يعني: إما أن نحفر أو أن نبني شيئاً يسيراً ليكون كالشق في وسط القبر.
فاللحد هو السنة والشق مكروه إلا لعذر.
والدليل: - ما صح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (الحدوا لي لحداً وضعوا عليه اللبن كما صنع بالنبي ﷺ ). وهذا الحديث صحيح.
- ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي فيه ضعف: (اللحد لنا والشق لغيرنا).
والحديث الأول يكفي في إثبات سنية اللحد.
ويستثنى من هذا إذا كانت الأرض لا تقبل اللحد وإنما تقبل الشق فحينئذ يوضع الشق.
وأجمع الفقهاء على جواز اللحد والشق.
لكن البحث الآن في أيهما أفضل وعرفنا أيهما أفضل.
• ثم قال ﵀:
ويقول مدخله: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)).
يستحب لمن أراد أن يدخل الميت في اللحد أن يقول: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)).
- لما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يصنع ذلك.
وهذا الحديث اختلف فيه العلماء:
= فمنهم من رأى أنه مرفوع. وإلى هذا ذهب عامة المتأخرين.
= ومنهم من يرى أنه موقوف. وإلى هذا ذهب أئمة كبار منهم الإمام النسائي والإمام الدراقطني.
والصواب أنه موقوف.
فإذا تقرر أن حديث ابن عمر موقوف نأتي إلى بحث آخر وهو:
هل له حكم الرفع أولا؟ - هل هو مما يقال بالرأي أو لا؟
في الحقيقة أن فيه تردد ولكن الأقرب أن مثل هذا الذكر الغالب أنه على سبيل الرفع والتوقيف عن النبي ﷺ وإن كان الإنسان عنده نوع تردد لكن يغلب في النظر أن له حكم الرفع.
- ن قيل: له حكم الرفع: فهو يسن أن من أراد أن ينزل في القبر ويضع الميت في اللحد أن يقول: ((بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رِسُولِ اللَّهِ)).
стр. 836
- وإذا قيل: أنه ليس له حكم الرفع فلا يسن أن يقال ولا نكتفي بأنه مروي عن ابن عمر في الحقيقة لأن هذه عبادة عظيمة خاصة وتكرر أن النبي ﷺ شارك في دفن عدد من أصحابه ﷺ فإذا لم ينقل أنه صنع ذلك فلا يستحب أن يفعل إلا إذا قلنا أن أثر ابن عمر له حكم الرفع وهو الذي أقول أنه أرجح.
بناء على هذا تكون الخلاصة: أنه يستحب بناء على أن لهذا الحديث حكم الرفع.
• ثم قال ﵀:
ويضعه في لحده: على شقه الأيمن.
استحباباً بلا نزاع عند الحنابلة.
والدليل على هذا الحكم من وجهين:
- الأول: القياس على النوم لأن النوم هو الموتة الصغرى والموت هو الموتة الكبرى فيقاس أحدهما على الآخر وقد جاءات السنة الصريحة الصحيحة بأنه يستحب للنائم أن ينام على جنبه الأيمن.
- الثاني: ما ذكره بن حزم ﵀ أنه على هذا عمل المسلمين من عهد النبوة إلى يومنا هذا.
وهذا صحيح. هو يقول إلى يومنا هذا ونحن نقول وأيضاً إلى عصرنا هذا فما زال الناس يضعون الميت على شقه الأيمن.
• ثم قال ﵀:
مستقبل القبلة.
يعني: ويستحب إذا وضع على شقه الأيمن أن يستقبل به القبلة.
= وهذا عند الحنابلة على سبيل الوجوب.
= والقول الثاني: عند الحنابلة أنه على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
الدليل على استحبابه:
- قول النبي ﷺ قبلتكم أحياء وأمواتاً.
وتقدم معنا أن هذا الحديث في إسناده رجل مجهول.
- الدليل الثاني: أيضاً أن ابن حزم قال: أنه على هذا عمل المسلمين من العهد اللنبوي إلى يومنا هذا إنه إذا وضع على جنبه فإنه يوضع مستقبل القبلة.
• ثم قال ﵀:
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر.
فيث هذه العبارة ذكر سنتين:
- الأولى: استحباب رفع القبر.
- والثانية: أن مقدار الرفع شبر.
فعلمنا من هذا أنه لا يسن أن يكون القبر متساوي مع الأرض بل السنة أن يرفع وأن يكون قدر الرفع شبر.
والدليل على ذلك:
- أن قبر النبي ﷺ رفع قدر شبر.
وفي هذا الحديث ضعف.
والتعليل: - أن هذا العمل ينتج عنه أن يعرف أنه قبر فيترحم على صاحبه ولا يؤذى أو يهان فتحصل هذه الفائدة.
стр. 837
والقول بأنه يرفع شبراً صحيح وهو السنة.
ويؤيده ما:
• قاله المؤلف ﵀:
مسنماً.
يعني: السنة في القبر إذا رفعناه قدر شبر أن نجعله مسنماً أي كهيئة سنام البعير ولا نجعله مسطحاً وإنما يكون مسنماً.
- لما رواه سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً. وهذا في صحيح البخاري.
وكون قبر النبي ﷺ مسنم هذا يدل على أنه مرفوع وعلى أنه نحو الشبر.
* * مسألة: استحب الإمام أحمد وكثير من الفقهاء أن لا نزيد في التراب الذي يوضع على القبر عن المقدار الذي أخرجناه منه.
وإذا صنعنا هذا الشيء يعني: وضعنا التراب الذي أخرجناه من القبر فقط فوق القبر صار مسنماً ومرفوعاً بقدر شبر.
ففي الحقيقة تجد أن هذه الأقوال تجتمع على معنى واحد تؤيده الآثار.
لما أنهى ما يتعلق بالسنة انتقل إلى المكروهات.
• فقال ﵀:
ويكره: تجصيصه، والبناء عليه، والكتابة.
يكره عند الحنابلة أن نجصص القبر أو أن نبني عليه بناء سواء كان مما له صفة الدوام أو مما له صفة الزوال كالخيمة فلا يجوز هذا ولا هذا.
وأيضاً يكره أن نكتب عليه.
والدليل على هذا:
- ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ : نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها وأن يقعد عليها.
وفي الترمذي: وأن يكتب عليها.
فالنهي عن الكتابة ليس قي صحيح مسلم ولكنه في رواية عند الترمذي.
واختلف العلماء في صحة هذه الرواية وضعفها.
= فذهب بعضهم إلى تصحيحها.
= وذهب بعضهم إلى تضعيفها.
والصواب إن شاء الله أنها صحيحة.
وممن صححها العلامة المعلمي.
= القول الثاني: أن التجصيص والبناء والكتابة محرم.
- لأن النهي لا صارف له هذا أولاً.
- ثانياً: لأنه عهد من الشارع التشديد فيما يتعلق بالقبور لكثرة الافتتان بها.
وبهذا البحث عرفنا أن الكتابة الصواب أنها لا تستثنى بل هي محرمة بناء على ثبوت رواية الترمذي وأن من استثنى الكتابة لم يحالفه الصواب لأنها منصوص على النهي عنها ومقرونة بالبناء والتجصيص والجلوس وهذا منهي عنه أشد النهي.
•
ثم قال ﵀:
والجلوس.
يعني: ويكره أن يجلس على القبر.
ويدل على هذا:
стр. 838
- ما تقدم معنا في حديث جابر أنه قال نهى عن أن تجصص وأن يقعد عليها.
- والدليل الثاني: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور والجلوس عليها.
- والدليل الثالث: أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتنفذ إلى جلدة خير من أن يجلس على قبر) وهذا الحديث صحيح.
ومن هذه الأحاديث الثلاثة عرفنا أن الشارع يشدد في مسألة الجلوس على القبر لأن في الجلوس إهانة للميت المسلم والشارع جاء بتكريمه.
• ثم قال ﵀:
والوطء عليها.
الوطء على القبر مكروه.
والدليل:
- أنه في حديث جابر السابق الذي في مسلم رواية وأن يوطأ عليها.
فعرفنا أن رواية الوطء والكتابة خارج مسلم لكن مع ذلك الأقرب أن الوطء محرم: إما أن نقول هذه الرواية صحيحة وثابتة - رواية الوطء - ,إن لم تثبت فكذلك الوطء محرم لأن الوطء أشد من الجلوس.
فإذا ثبت النهي الصحيح الصريح عن الجلوس فالوطء من باب أولى.
والجلوس والوط على الإنسان أشد إهانة من الجلوس عليه.
• ثم قال ﵀:
والإتكاءُ إليه.
الاتكاء على القبر مكروه عند الحنابلة. لأن النبي ﷺ رأى رجلاً متكأ على قبر فقال له ﷺ : لا تؤذي صاحب القبر) وهذا الحديث إسناده حسن.
= والقول الثاني: أنه محرم وهذا القول في الحقيقة ينسجم مع النصوص والقواعد العامة في احترام الميت.
* * مسألة: المشي بين المقابر يختلف عن الوطء على المقابر فإن الوطء تقدم معنا أنه مكروه عند الحنابلة والأقرب أنه محرم والمشي بين المقابر مكروه
- لما فيه منن إيذاء الأموات.
- وقلة الإحترام.
- ولأن النبي ﷺ رأى رجلاً يمشي بين القبور فأمره أن يخلع نعليه.
وسواء قلنا أن هذا الحديث صحيحاً أو كان الحديث ضعيفاً فالحكم صحيح وتدل عليه النصوص العامة.
وكثير من الناس لا يفرق بين المشي بين القبور ووطء القبور. ولا يستثنى من وطء القبور أن يجلب الإنسان معه أبنائه الصغار ثم يدعهم يهينون الموتى فإن هذا محرم بل يجل عليه إذا اصطحبهم أن يمنعهم من أن يقوموا على القبور أو يطأوا عليها أو يجلسوا عليها.
стр. 839
والشارع كما مر معنا في الأحاديث الثلاثة وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار اعتنى عناية خاصة بإكرام الموتى لأنه مسلم والمسلم يجب أن نحخترمه حياً وميتاً.
ثم انتقل إلى المحرمات:
• فقال ﵀:
ويحرم فيه: دفن اثنين فأكثر.
يحرم أن ندفن اثنين في القبر الواحد.
الدليل على هذا:
- أن النبي ﷺ كان يقبر أصحابه كل إنسان لوحده.
=والقول الثاني: الذي مال إليه شيخ الاسلام وابن مفلح وغيره من المحققين أنه مكروه ولا يصل إلى التحريم.
- إذ أن مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل على التحريم.
والذي أميل إليه في الحقيقة أنه يحرم لأن عمل النبي ﷺ وإن كان مجرد فعل لكنه خرج لبيان الواجب وهو التشييع وقبر الموتى وإذا كان خرج لبيان واجب فهو واجب هذا شيء والشيء الثاني: أنه لم يعرف أبداً أن النبي ﷺ أو أحداً من أصحابه قبر اثنين معاً في قبر واحد.
فالأقرب أنه محرم.
•
ثم قال ﵀:
إلاّ لضرورة.
فيجوز لأن النبي ﷺ لما قبر شهداء أحد صار يجعل الاثنين في قبر واحد ويقدم أكثرهما أخذاً للقران إلى جهة القبلة.
• ثم قال ﵀:
ويجعل بين كل اثنين: حاجز من تراب.
يعني: ويستحب ولا يجب إذا وضعنا اثنين في قبر واحد في الحالة التي يجوز فيها ذلك أن نضع بينهما تراب.
والتعليل: ليكوون كل واحد كأنه في قبر مستقل.
وهذا صحيح لأن في هذا إكرام للميت وفيه تقريب من مسألة وضع كل واحد في قبر.
• ثم قال ﵀:
ولا تكره: القراءَة على القبر.
القراءة على القبر لا تكره لأنه روي عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه أوصى إذا قبر أن يقرأ على قبره فواتح البقرة وخواتيمها. وقد كان الإمام أحمد يكره أن يقرأ على القبر فلما بلغه أثر ابن عمر رخص فيه.
= والقول الثاني: أن القراءة على القبر بدعة. لأن القراءة لو كانت مستحبة لفعلها النبي ﷺ وأمر بها أصحابه وهذا ما يفهم من كلام الإمام مالك والإمام الشافعي: أن هذا الأمر بدعة.
* * مسألة: على القول بالمشروعية المقصود أن يقرأ عند قبره. يعني: بعد قبره مباشرة.
стр. 840
أما إذا قبر وصار له فترة على القبر فإنه لا يشرع مطلقاً - وهذا من تحرير محل النزاع وذكره شيخ الاسلام ﵀.
• ثم قال ﵀:
وأيّ قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي: نفعه ذلك.
القرب التي تفعل وينوى ثوابها للميت تنقسم إلى قسمين - وهو الذي يسمى عند الفقهاء: إهداء الثواب:
ـ القسم الأول: عبادات أجمع الفقهاء على أن ثوابها يصل إلى الميت وهي أربع:
١ - الصدقة.
٢ - والعتق.
٣ - والاستغفار.
٤ - والحج.
فهذه أجمع الفقهاء كلهم على أن ثوابها إذا تبرع به العامل فإنه يصل للميت إلا في خلاف شاذ في الحج.
والدليل على هذه:
- ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن رجلاً سأل النبي ﷺ أن أباه مات ولم يحج أفأحج عنه قال: نعم. وهذا في الصحيح.
- وأن رجلاً سأل النبي ﷺ أن أمه ماتت ولم تحج أفأحج عنها قال: نعم.
- وأن رجلاً سأل النبي ﷺ أن أمه ماتت وكانت ستتصدق أفأتصدق عنها؟ فقال النبي ﷺ : تصدق عن أمك.
- وأما الاستغفار فلعموم قول النبي ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له). والاستغفار من جملة الدعاء.
- أما العتق فليس له دليل خاص - لا أذكر له دليل خاص - لكنه من جملة العبادات المالية.
ـ القسم الثاني: ما عدا هذه العبادات فمختلف فيها ومن أبرز الأمثلة لها: كالصلاة والصيام وقراءة القرآن وغالب الإهداء يكون بقراءة القرآن.
= فهذه ذهب الجمهور إلى أنه لا يشرع أن يتبرع بها ولا يصل للميت.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
والجواب على الآية: أن معنى الآية أن لكل إنسان سعيه له خاصة ليس لأحد غيره وهذا لا يمنع أن يتبرع به الإنسان لغيره كما أن المكاتب المالية الدنيوية هي للإنسان ليست لغيره ومع ذلك يجوز أن يتبرع بها لغيره.
وبهذا أجاب شيخ الاسلام ﵀ وهو أقوى الأجوبة.
وأضعف الأجوبة: القول بأنها منسوخة.
- الدليل الثاني للجمهور: قوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فنص على أن عمله ينقطع إلا من ثلاث وذكرها.
стр. 841
والجواب عليه: أن النبي ﷺ ذكر أن عمل الميت الشخصي انقطع وليس في الحديث أنه لا يصله ما يتبرع له ويهدى إليه.
وبهذا أيضاً أجاب شيخ الاسلام ﵀ وهو جواب سديد.
= والقول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه أن جميع العبادات تصل إلى الميت.
واستدل على ذلك:
- بأنه ثبت في السنة وصول بعض العبادات فيقاس عليه سائر العبادات لعدم المانع.
بناء على هذا القول الذي تبناه الإمام أحمد: - لو صلى الإنسان ونوى أن أجره لزيد أو لأبيه أو لأمه فإن الثواب يصل.
- لو صام كذلك.
- لو قرأ القرآن كذلك ... إلخ ..
والأقرب والله أعلم مذهب الإمام أحمد ﵀ لأنه لا يظهر للإنسان وجه يخصص فيه العبادات التي جاءت في السنة وإنما هذه العبادات سأل عنها النبي ﷺ فقط.
ويؤيد هذا قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) مع أن الصيام ليس من المتفق عليه وإنما من المختلف فيه.
* * مسألة: إذا عرف الإنسان هذا الخلاف فمن فقه الرجل ومعرفته بأقوال العلماء أن لا يتبرع إلا بالعبادات التي اتفق عليها وأي ضرر يأتي الإنسان أن يقتصر في إهدائه الثواب على العبادات المتفق عليها فإنه بذلك يضمن وصول الأجر للميت ويحصل مقصوده ويخرج من الخلاف.
ثم العبادات التي اتفق عليها أسهل وأيسر من العبادات التي اختلف فيها.
ومن فقه الرجل أن يكثر في العبادات المتفق عليها من الاستغفار لأمرين:
- أولاً: أن الحديث نص: (أو ولد صالح يدعو له) فكأن هذا هو أحسن ما يصل إلى الميت.
- ثانياً: أنه ثبت فيث الصحيح أن النبي ﷺ جاء إلى بيت عائشة وخلع ردائه وحذائه واضطجع بجوار عائشة ثم لما ظن أنها نامت قام بهدوء ولطف وأخذ الرداء وانتعل النعال وخرج .. الحديث .. ثم خرجت معه لأنها ظنت ﵂ أنه سيذهب إلى نسائه .. إلى آخره .. والشاهد أن النبي ﷺ لما رجعوا إلى البيت قال: إن جبريل أتاني ووقف بجانب الباب وهو لا يدخل إذا وضعت ثيابك يعني عائشة ثم قال: أخرج واستغفر لأهل البقيع.
وجه الاستدلال أنه قال: استغفر لهم.
стр. 842
ولا شك أن النبي ﷺ أمر بأحسن الأعمال فإنه لم له صل لهم ولا تصدق عنهم ولا اقرأ القرآن عنهم وإنما قال: استغفر لهم.
- الوجه الثالث: ما صح أن النبي ﷺ قال: استأذنت ربي أن أزور قبر أمي وأن أستغفر لها فأذن لي بالزيارة ومنعني من الاستغفار.
ووجه الاستدلال: أنه طلب الإذن بالاستغفار.
فمن فقه الانسان إذا أراد أن ينفع أحداً من أمواته أن يكثر من قضية الاستغفار.
• ثم قال ﵀:
ويسن: أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم.
= اتفق الأئمة الأربعة كلهم على أن صنع طعام للميت سنة.
- لقول النبي ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم).
= وذهب الحنابلة إلى أن هذه السنة تستمر لمدة ثلاثة أيام.
= وذهب الشافعية إلى أنه يوم وليلة فقط: يعني يصنع لهم طعام لمدة يوم وليلة.
والأقرب والله أعلم ثلاثة أيام لما سيأتينا في التعزية.
بهذا انتهى الكلام عن أحكام وسنن ومحرمات الدفن وفي ختام هذا الفصل نذكر ثلاث مسائل أو مسألتين.
ـ المسألة الأولى: لا يشرع أن يوضع تحت رأس الميت أي حائل بينه وبين الأرض سواء كان قماش أو حجر خلافاً لمن قال بمشروعية ذلك لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أو أحداً من أصحابه صنع ذلك بل ثبت عن عمر أنه أمر أن يوضع خده على الأرض حتى في القبر.
وأما أن النبي ﷺ وضع تحته قطيفة حمراء فهذا صنع أحد الصحابة ولم يوافقه عليه سائر الصحابة وإنما نزل أخيراً ووضع هذه القطيفة ولم يصنع في قبور المسلمين ذلك ولم يصنعه النبي ﷺ .
ـ المسألة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية أن يحثو الإنسان ثلاث حثيات في القبر إما من جهة الرأس أو من غير جهة الرأس.
والصواب أن هذا لا يشرع ولا يسن لأنه فيما يظهر لي بعد جمع الأدلة والنصوص أن جميع ما جاء في هذا الباب ضعيف لا يصلح لإقامة السنة.
فهذا الذي ظهر لي في مسألة الحثيات لأنه لا يثبت حديث في هذا الباب والأحاديث التي رويت فيه معلولة.
стр. 843
ـ المسألة الأخيرة: لايشرع كشف وجه الرجل لأنه ليس في الآثار أن الصحابة كانوا بعد التكفين إذا وضعوه في اللحد كشفوا وجهه والأصل أن يبقى كما هو إلا في مسألة واحدة على القول بأن المحرم يحرم عليه أن يغطي وجهه فيبقى وجه الميت المحرم مكشوفاً بالإضافة إلى الرأس.
وعلى القول السابق الذي ذكرته لكم ورجحته وتبين لي ضعف هذه الرواية وأنها شاذة فيغطى وجه الميت المحرم أيضاً وإنما يكشف فقط الرأس.
• ثم قال ﵀:
ويكره لهم فعله للناس.
يعني يكره لأهل الميت أن يصنعوا هم للناس طعاماً.
الدليل على هذا من وجهين:
- الأول: ما روي عن جرير أنه قال: كنا نعد صنع الطعام والجلوس لأهل الميت من النياحة.
- الثاني: أن هذا يؤدي إلى اجتماع الناس والاجتماع لا يستحب.
- الثالث: أنه لم ينقل أن أهل الميت كانوا يصنعون للناس طعاماً في العهد النبوي وإنما العكس طلب من غير أهل الميت أن يصنعوا طعاماً.
* * مسألة: استثنى الشيخ الفقيه ابن قدامة من هذا صورة وهي: ما إذا جاء أقارب أهل الميت من بلد بعيد وسكنوا كضيوف قال: فإنه لا يسعهم عرفاً إلا أن يصنعوا لهم طعاماً.
وهذا القول وجيه جداً. وهذا الطعام المصنوع في الحقيقة ليس لأجل الاجتماع للعزاء بقدر ما هو إكرام للضيوف الأقارب الذين حضروا لتعزية أهل الميت بدليل أن هذا الطعام يصنع لهؤلاء ولا يصنع لسائر الناس.
فأقول: أن ما ذكره الشخ ابن قدامة ﵀ وجيه ولا بأس به وإن كان قد يفتح باباً لكن الأصل أنه لا بأس به إذا تقيدوا بهذا القيد وهو أن يأتي إليهم ضيوف يسكنون عندهم فيحرجون منهم عرفاً فيكرمونهم فلا بأس بهذا القدر إن شاء الله.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
انتهى الدرس
стр. 844
فصل
[في زيارة القبور]
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فهذا الفصل هو آخر فصل في كتاب الجنائز وختم المؤلف ﵀ به كتاب الجنائز ليذكر أحكام زيارة القبور والتعزية وما يتعلق بهذه الأمور.
وصدر الفصل بحكم زيارة القبور:
стр. 845
• فقال ﵀:
تسن.
ومقصوده ﵀ بقوله: (تسن) يعني للرجال فهي سنة للرجال وهو محل اتفاق.
ودليل السنية:
- قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت). وهذا في مسلم.
وفي رواية للترمذي: (فإنها تذكر الآخرة).
ـ فزيارة الرجال للقبور سنة بالإجماع والنص.
ـ والغرض منها عند أهل السنة والجماعة:
- أولاً: الاعتبار والاتعاظ بحال الموتى للاستعداد.
- ثانياً: الدعاء للموتى.
وليس للزيارة قصد سوى ذلك.
ـ وأما قصد القبور لعمل عبادة أو لدعائه أصحابها أو للدعاء عند أصحابها كل هذا يدور بين الشرك والبدعة.
فبعض هذه الأعمال شرك وبعضها بدعة - ستأتيكم مفصلة إن شاء الله في كتاب التوحيد.
•
ثم قال ﵀:
تسن زيارة القبور إلاّ لنساء.
مسألة زيارة النساء للقبور مسألة الخلاف فيها قوي والأقوال متكافئة ولكل قول في الحقيقة وجهة نظر معتبرة.
= فمذهب الحنابلة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأبنائه ﵏ جميعاً - أن زيارة المرأة للقبور محرمة، وهو رواية للحنابلة.
واستدلوا على التحريم:
- بقول النبي ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) وفي رواية: (زوَّارات القبور).
واعتمد الذين استدلوا بهذا الحديث على مسألة تصحيح رواية: (زائرات) وأن رواية: زائرات وزوَّارات كلاهما ثابت.
وإثبات رواية زوَّارات وزائرات الذي يظهر لي - الآن - أنه صحيح يعني: أن رواية زائرات صحيحة وثابتة عن النبي ﷺ .
= والقول الثاني: أن زيارة القبور مكروهة.
= والقول الثالث: أنها مباحة.
واستدل الذين قالوا بالإباحة بعدة أدلة - نأخذ أقوى وأصح هذه الأدلة:
- الدليل الأول: ما ثبت أن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن في مكة.
وأجاب المانعون بأجوبة منها: - أنها لم تزر أخاها وإنما مرت على قبره أثناء دخوةل مكة لأنها لم تحضر موته ومرور المرأة بالمقابر لا حرج فيه إنما الممنوع الزيارة فإذا مرت بدون قصد فيشرع أن تسلم ولا حرج في ذلك.
следующие страницы →