Полный текст (2 909 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
والجواب عليه: أن النبي ﷺ ذكر أن عمل الميت الشخصي انقطع وليس في الحديث أنه لا يصله ما يتبرع له ويهدى إليه.
وبهذا أيضاً أجاب شيخ الاسلام ﵀ وهو جواب سديد.
= والقول الثاني: وهو الذي تبناه الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه أن جميع العبادات تصل إلى الميت.
واستدل على ذلك:
- بأنه ثبت في السنة وصول بعض العبادات فيقاس عليه سائر العبادات لعدم المانع.
بناء على هذا القول الذي تبناه الإمام أحمد: - لو صلى الإنسان ونوى أن أجره لزيد أو لأبيه أو لأمه فإن الثواب يصل.
- لو صام كذلك.
- لو قرأ القرآن كذلك ... إلخ ..
والأقرب والله أعلم مذهب الإمام أحمد ﵀ لأنه لا يظهر للإنسان وجه يخصص فيه العبادات التي جاءت في السنة وإنما هذه العبادات سأل عنها النبي ﷺ فقط.
ويؤيد هذا قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) مع أن الصيام ليس من المتفق عليه وإنما من المختلف فيه.
* * مسألة: إذا عرف الإنسان هذا الخلاف فمن فقه الرجل ومعرفته بأقوال العلماء أن لا يتبرع إلا بالعبادات التي اتفق عليها وأي ضرر يأتي الإنسان أن يقتصر في إهدائه الثواب على العبادات المتفق عليها فإنه بذلك يضمن وصول الأجر للميت ويحصل مقصوده ويخرج من الخلاف.
ثم العبادات التي اتفق عليها أسهل وأيسر من العبادات التي اختلف فيها.
ومن فقه الرجل أن يكثر في العبادات المتفق عليها من الاستغفار لأمرين:
- أولاً: أن الحديث نص: (أو ولد صالح يدعو له) فكأن هذا هو أحسن ما يصل إلى الميت.
- ثانياً: أنه ثبت فيث الصحيح أن النبي ﷺ جاء إلى بيت عائشة وخلع ردائه وحذائه واضطجع بجوار عائشة ثم لما ظن أنها نامت قام بهدوء ولطف وأخذ الرداء وانتعل النعال وخرج .. الحديث .. ثم خرجت معه لأنها ظنت ﵂ أنه سيذهب إلى نسائه .. إلى آخره .. والشاهد أن النبي ﷺ لما رجعوا إلى البيت قال: إن جبريل أتاني ووقف بجانب الباب وهو لا يدخل إذا وضعت ثيابك يعني عائشة ثم قال: أخرج واستغفر لأهل البقيع.
وجه الاستدلال أنه قال: استغفر لهم.
стр. 842
ولا شك أن النبي ﷺ أمر بأحسن الأعمال فإنه لم له صل لهم ولا تصدق عنهم ولا اقرأ القرآن عنهم وإنما قال: استغفر لهم.
- الوجه الثالث: ما صح أن النبي ﷺ قال: استأذنت ربي أن أزور قبر أمي وأن أستغفر لها فأذن لي بالزيارة ومنعني من الاستغفار.
ووجه الاستدلال: أنه طلب الإذن بالاستغفار.
فمن فقه الانسان إذا أراد أن ينفع أحداً من أمواته أن يكثر من قضية الاستغفار.
• ثم قال ﵀:
ويسن: أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم.
= اتفق الأئمة الأربعة كلهم على أن صنع طعام للميت سنة.
- لقول النبي ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم).
= وذهب الحنابلة إلى أن هذه السنة تستمر لمدة ثلاثة أيام.
= وذهب الشافعية إلى أنه يوم وليلة فقط: يعني يصنع لهم طعام لمدة يوم وليلة.
والأقرب والله أعلم ثلاثة أيام لما سيأتينا في التعزية.
بهذا انتهى الكلام عن أحكام وسنن ومحرمات الدفن وفي ختام هذا الفصل نذكر ثلاث مسائل أو مسألتين.
ـ المسألة الأولى: لا يشرع أن يوضع تحت رأس الميت أي حائل بينه وبين الأرض سواء كان قماش أو حجر خلافاً لمن قال بمشروعية ذلك لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أو أحداً من أصحابه صنع ذلك بل ثبت عن عمر أنه أمر أن يوضع خده على الأرض حتى في القبر.
وأما أن النبي ﷺ وضع تحته قطيفة حمراء فهذا صنع أحد الصحابة ولم يوافقه عليه سائر الصحابة وإنما نزل أخيراً ووضع هذه القطيفة ولم يصنع في قبور المسلمين ذلك ولم يصنعه النبي ﷺ .
ـ المسألة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية أن يحثو الإنسان ثلاث حثيات في القبر إما من جهة الرأس أو من غير جهة الرأس.
والصواب أن هذا لا يشرع ولا يسن لأنه فيما يظهر لي بعد جمع الأدلة والنصوص أن جميع ما جاء في هذا الباب ضعيف لا يصلح لإقامة السنة.
فهذا الذي ظهر لي في مسألة الحثيات لأنه لا يثبت حديث في هذا الباب والأحاديث التي رويت فيه معلولة.
стр. 843
ـ المسألة الأخيرة: لايشرع كشف وجه الرجل لأنه ليس في الآثار أن الصحابة كانوا بعد التكفين إذا وضعوه في اللحد كشفوا وجهه والأصل أن يبقى كما هو إلا في مسألة واحدة على القول بأن المحرم يحرم عليه أن يغطي وجهه فيبقى وجه الميت المحرم مكشوفاً بالإضافة إلى الرأس.
وعلى القول السابق الذي ذكرته لكم ورجحته وتبين لي ضعف هذه الرواية وأنها شاذة فيغطى وجه الميت المحرم أيضاً وإنما يكشف فقط الرأس.
• ثم قال ﵀:
ويكره لهم فعله للناس.
يعني يكره لأهل الميت أن يصنعوا هم للناس طعاماً.
الدليل على هذا من وجهين:
- الأول: ما روي عن جرير أنه قال: كنا نعد صنع الطعام والجلوس لأهل الميت من النياحة.
- الثاني: أن هذا يؤدي إلى اجتماع الناس والاجتماع لا يستحب.
- الثالث: أنه لم ينقل أن أهل الميت كانوا يصنعون للناس طعاماً في العهد النبوي وإنما العكس طلب من غير أهل الميت أن يصنعوا طعاماً.
* * مسألة: استثنى الشيخ الفقيه ابن قدامة من هذا صورة وهي: ما إذا جاء أقارب أهل الميت من بلد بعيد وسكنوا كضيوف قال: فإنه لا يسعهم عرفاً إلا أن يصنعوا لهم طعاماً.
وهذا القول وجيه جداً. وهذا الطعام المصنوع في الحقيقة ليس لأجل الاجتماع للعزاء بقدر ما هو إكرام للضيوف الأقارب الذين حضروا لتعزية أهل الميت بدليل أن هذا الطعام يصنع لهؤلاء ولا يصنع لسائر الناس.
فأقول: أن ما ذكره الشخ ابن قدامة ﵀ وجيه ولا بأس به وإن كان قد يفتح باباً لكن الأصل أنه لا بأس به إذا تقيدوا بهذا القيد وهو أن يأتي إليهم ضيوف يسكنون عندهم فيحرجون منهم عرفاً فيكرمونهم فلا بأس بهذا القدر إن شاء الله.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد ...
انتهى الدرس
стр. 844
فصل
[في زيارة القبور]
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فهذا الفصل هو آخر فصل في كتاب الجنائز وختم المؤلف ﵀ به كتاب الجنائز ليذكر أحكام زيارة القبور والتعزية وما يتعلق بهذه الأمور.
وصدر الفصل بحكم زيارة القبور:
стр. 845
• فقال ﵀:
تسن.
ومقصوده ﵀ بقوله: (تسن) يعني للرجال فهي سنة للرجال وهو محل اتفاق.
ودليل السنية:
- قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت). وهذا في مسلم.
وفي رواية للترمذي: (فإنها تذكر الآخرة).
ـ فزيارة الرجال للقبور سنة بالإجماع والنص.
ـ والغرض منها عند أهل السنة والجماعة:
- أولاً: الاعتبار والاتعاظ بحال الموتى للاستعداد.
- ثانياً: الدعاء للموتى.
وليس للزيارة قصد سوى ذلك.
ـ وأما قصد القبور لعمل عبادة أو لدعائه أصحابها أو للدعاء عند أصحابها كل هذا يدور بين الشرك والبدعة.
فبعض هذه الأعمال شرك وبعضها بدعة - ستأتيكم مفصلة إن شاء الله في كتاب التوحيد.
•
ثم قال ﵀:
تسن زيارة القبور إلاّ لنساء.
مسألة زيارة النساء للقبور مسألة الخلاف فيها قوي والأقوال متكافئة ولكل قول في الحقيقة وجهة نظر معتبرة.
= فمذهب الحنابلة واختاره شيخ الاسلام وابن القيم والإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأبنائه ﵏ جميعاً - أن زيارة المرأة للقبور محرمة، وهو رواية للحنابلة.
واستدلوا على التحريم:
- بقول النبي ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) وفي رواية: (زوَّارات القبور).
واعتمد الذين استدلوا بهذا الحديث على مسألة تصحيح رواية: (زائرات) وأن رواية: زائرات وزوَّارات كلاهما ثابت.
وإثبات رواية زوَّارات وزائرات الذي يظهر لي - الآن - أنه صحيح يعني: أن رواية زائرات صحيحة وثابتة عن النبي ﷺ .
= والقول الثاني: أن زيارة القبور مكروهة.
= والقول الثالث: أنها مباحة.
واستدل الذين قالوا بالإباحة بعدة أدلة - نأخذ أقوى وأصح هذه الأدلة:
- الدليل الأول: ما ثبت أن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن في مكة.
وأجاب المانعون بأجوبة منها: - أنها لم تزر أخاها وإنما مرت على قبره أثناء دخوةل مكة لأنها لم تحضر موته ومرور المرأة بالمقابر لا حرج فيه إنما الممنوع الزيارة فإذا مرت بدون قصد فيشرع أن تسلم ولا حرج في ذلك.
стр. 846
- وأجابوا بجواب آخر وهو: أنها قالت: أنها زارت أخاها لأنها لم تحضر موته وإلا لم تفعل ففي هذه العبارة منها دليل أنها ترى المنع لولا أنها لم تحضر الجنازة.
- الدليل الثاني: الحديث الذي سبق معنا وفيه خروج النبي ﷺ واستغفاره لأهل قباء وفي آخره قالت عائشة للنبي ﷺ كيف أقول لهم: يعني للموتى فأخبرها النبي ﷺ بصيغة الدعاء الذي سيأتينا.
وهذا الحديث ثابت في الصحيح.
والجواب عنه من وجهين: - الوجه الأول: أن يحمل هذا على أنها أرادت العلم لنشره لا للعمل به في هذه المسألة يعني: أرادت أن تعرف أحكام الزيارة لتنشر هذا العلم باعتبار أن عائشة ﵂ من علماء الصحابة ولها فتوى معتبرة فأرادت أن تطلب العلم فقط.
- والوجه الثاني: أنها أرادت بذلك - يعني: إذا مرت من غير قصد.
وإذا سمعت الأقوال عرفت أنه لا قائل بأن زيارة النساء سنة وإنما مكروهة أو محرمة أو مباحة فقط فلا أعلم أن أحداً من أهل العلم قال بأن زيارة النساء سنة.
والأقرب والله أعلم فيما يظهر القول الأول.: - لأنه يغلب على النساء عند زيارة القبور الوقوع في المحرم والمنهي عنه من البكاء والجزع وعدم الصبر.
- والحكم إذا علل بعلة منتشرة لا تنضبط منع كاملاً.
- ومما يدل على التحريم: - مما يقوي القول بالتحريم: حديث أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فإذا كانت المرأة منهية عن اتباع الجنازة فمن باب أولى الزيارة.
وعلى كل الأقرب المنع وإن كان الأمر كما قلت فيه إشكالات وفيه بحث من جهة تكافؤ الأقوال والأدلة ولكن الأقرب هو ما ذكرت من المنع وهو اختيار عدد كبير من المحققين المعاصرين والمتقدمين.
* * مسألة: فإذا قيل أن الزيارة محرمة: فالصواب أنه يستوي في ذلك زيارة قبور سائر الناس وزيارة قبر النبي ﷺ إذ لايوجد في الأدلة أبداً ما يدل على التفريق فزيارة قبر النبي ﷺ وغيره سواء.
بناء على هذا لا يجوز للمرأة أن تزور قبر النبي ﷺ ولا قبر صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄.
стр. 847
• ثم قال ﵀: - مبيناً السنة في أذكار دخول المقابر:
ويقول إذا زارها أو مر بها.
استفدنا من هذه العبارة أن هذا الذكر مندوب لمن زار: يعني: دخل. أو مر مروراً فإنه يقول هذا الذكر.
وسواء مر وبينه وبين المقبرة حائل أو ليس بينه وبين المقبرة حائل فما دام مر بالمقبرة فيقول هذا الذكر:
- ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ)).
المؤلف ﵀ في هذا الذكر خلط أربعة أحاديث والحقيقة إتيانه بالذكر على هذه الطريقة مشوش جداً ولو أنه اكتفى بلفظ واحد لأحد الصحابة مخرج في الصحيح لكان أولى من هذا التدخيل بين الألفاظ.
فليس في السنة حديث بهذا التركيب.
وممن أن نفصل الذي قاله:
- فقوله: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)) إلى هنا هذا الذكر كامل من حديث أبي هريرة في مسلم.
- قوله: ((يَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ)) هذا جزء من حديث عائشة في مسلم ولكن في مسلم بدل منكم: منا.
- وقوله: ((َسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)) جزء من حديث بريدة في مسلم.
- وقوله: (اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) هذا جزء من حديث عائشة عند الإمام أحمد.
وحديث عائشة الذي رواه الإمام أحمد آخره: ((اللهم لا تحرمنا أجرهم وأوله كلفظ حديث أبي هريرة في مسلم. فصار حديث عائشة الذي رواه الإمام أحمد: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم.
• ثم قال ﵀:
وتسن تعزية المصاب بالميت.
في التعزية عدة مسائل:
- المسألة الأولى: التعزية هي تسلية المصاب والتخفيف عنه وأمره بالصبر والدعاء له وللميت.
стр. 848
هذه هي التعزية في الشرع فليست ذكراً معيناً كما يفهم بعض الناس وإنما التعزية هي ما يجمع هذه المعاني.
- المسألة الثانية: التعزية مشروعة بجماع الفقهاء فلم يخالف أحد من الفقهاء أن التعزية سنة.
- المسألة الثالثة: اتفق الفقهاء على أن التعزية مشروعة قبل وبعد الدفن فكلهم رأى أن هذا جائز إلا أنهم اختلفوا في الأولى:
= فمنهم من قال: الأولى بعد الدفن.
= ومنهم من قال: الأولى قبل الدفن.
وعلل الذين قالوا بأن الأولى بعد الدفن: - بأنه قبل الدفن أهل الميت مشغولون به وبتجهيزه وبوقوع الخبر عليهم كما أنه بعد الدفن تزداد عادة الأحزان فيحتاج الإنسان إلى تعزية.
- المسألة الرابعة: الصواب أنه ليس للتعزية صيغة معينة وهذا قول الإمام أحمد واختيار شيخ الاسلام بن تيمية فكيفما عزى وبأي لفظ جاز.
- المسألة الخامسة: أفضل الصيغ ما صح عن النبي ﷺ ولا يتعين كما تقدم: (لله ما أخذ ولله ما أبقى وكل شيء عنده بمقدار) وأمرها أن تصبر وتحتسب.
- المسألة السادسة: مدة التعزية: = ذهب الجمهور من الفقهاء ومنهم الحنابلة إلى أن مدة التعزية ثلاثة أيام. ثم إذا انتهت صارت التعزية مكروهة.
واستدلوا على هذا بأمرين:
- الأول: أن أهل الميت بعد ثلاثة أيام تخف عندهم الأحزان وفي تعزيتهم إثارة من جديد لهذه الأحزان.
- الثاني: استأنسوا بقول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة مسلمة تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا).
فأجاز الإحداد ثلاثة أيام على غير الزوج فاستأنسوا به.
= القول الثاني: أنه لا حد لوقته وهو مذهب المالكية.
- لعدم الدليل على التحديد.
فيجوز أن يعزي الإنسان في اليوم الرابع والخامس والسادس.
والصواب: أن التعزية تنتهي بثلاثة أيام إلا إذا رأى المعزي أن الأثر والحزن باق على أهل الميت فلا بأس أن يخفف عنهم بلا كراهة.
وقوله: (تعزية المصاب). فيه دليل على أن التعزية لا تختص بأهل الميت بل يعزى أصدقائه ومعارفه الذين ليسوا من الأخلاء إذا أصيبوا بالميت.
لأنه يقول: تعزية المصاب. إذا أصيبوا بالميت. يعني: إذا وجدوا لفراقه حزناً وأسىً.
стр. 849
وقد تجد بعض معارف الميت موته أشد عليهم من بعض الأقارب وهذا معروف ولذلك نقول يعزى كل من أصيب بهذا الميت فإذا كان الميت كل الناس أصيبوا به كأن يكون من علماء الأمة المشهود لهم بالخير والصلاح فالجميع يعزي الجميع لأن الجميع مصاب.
• ثم قال ﵀:
ويجوز البكاءُ على الميت.
يجوز أن يبكي الإنسان على الميت عند الحنابلة والجمهور.
ـ لكثرة النصوصض الدالة على جوازه:
- منها: أن النبي ﷺ بكى على ابنه.
- ومنها: أنه ﷺ بكى على عثمان بن مظعون.
- ومنها: أن جابر بكى على أبيه فجعلوا يسكتونه والنبي ﷺ صامت ولم ينكر عليه.
- ومنها: أن أبا بكر الصديق ﵁ لما كشف وجه النبي ﷺ بكى.
وفي السنة غير هذه الأحاديث كثير في جواز البكاء.
ويشترط في البكاء: أن لا يصحبه منكر من النياحة أو الجزع أو التسخط كما سيأتينا.
وأما قول النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببكاء أهله).
فالجواب عليه: أن البكاء المقصود في هذا الحديث هو: النياحة. يعني البكاء المحرم جمعاً بينه وبين النصوص.
والبكاء رحمة بالميت وشفقة عليه وطلباً للخير أفضل من التجلد أو من الضحك.
ودليل الأفضلية:
- أنه حال النبي ﷺ .
ثم ختم المؤلف ﵀ الباب بالمحرمات التي تحصل فيما بعد الموت.
• فقال ﵀:
ويحرم: الندب، والنياحة، وشَق الثوب، ولطم الخد، ونحوه.
ـ الندب: هو تعداد محاسن الميت مع استخدام حرف الندب أو الندبة وهو: وا. هكذا عرفه الفقهاء كأن يقول: وارجلاه واجبلاه واسنداه. قال بعضهم: وأن يكون مع البكاء.
والصواب أن البكاء ليس شرطاً في الندب فقد يحصل بلا بكاء.
ـ وأما النياحة: فهي البكاء على الميت معه الجزع والتسخط وعدم الصبر ورفع الصوت. فالنياحة لا بد فيها من البكاء.
• قوله: وشق الثوب ولطم الخد ونحوه.
ـ شق الثوب: واضح.
ـ ولطم الخدود: واضح.
وقوله: ونحوه: يعني: كالصراخ فإنه من أكثر ما يعمل من الجزع عند موت [الإنسان].
والدليل على تحريم هذه الأمور:
стр. 850
- قول النبي ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية). وهذا نص في تحريم هذه الأمور.
- وقول النبي ﷺ : (النائحة إذا لم تتب قبل الموت جاءت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب). وإلباس المرأة سربال من القطران وهو عادة ما يكون حاراً جداً.
والدرع هو الثوب ومن جرب دليل على أن هذا الفعل محرم بل هو من الكبائر لما فيه من الاعتراض على قدر الله والتسخط.
والمعنى الذي يجمع هذه الأشياء المحرمة هو: إظهار الجزع وعدم الصبر وعدم الرضا مع ما يحتف به من قرائن من الضرب ورفع الصوت والصراخ .. إلى آخره.
وبهذا انتهى ولله الحمد الكلام عن كتاب الجنائز وننتقل إلى كتاب الزكاة.
يتبع الدرس = كتاب الزكاة.
стр. 851
كتاب الزكاة
قال شيخنا حفظه الله:
• قال ﵀:
كتاب الزكاة
[المسألة الأولى:] عقب المؤلف الصلاة بالزكاة لأمرين:
- الأول: اقتداء بالكتاب الكريم ففيه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.
- الثاني: أن الزكاة الركن الثاني من أركان الاسلام بعد الصلاة فذكرها ﵀ بعد الصلاة.
ـ المسألة الثانية: الزكاة في:
- اللغة: معناها: النماء والزيادة والطهارة والبركة والمدح.
فكل هذه المعاني تصدق عليها. إلا أن المعنى الأقرب الذي تتفرع عنه المعاني هو: الزيادة والطهارة.
- وفي الشرع: فهي إخراج مال مخصوص لأناس مخصوصين على صفة مخصوصة.
• قال ﵀:
تجب بشروط خمسة.
الزكاة لا تجب إلا إذا تحققت فيها خمسة شروط وإلا فإنها لاتجب.
والزكاة تتعلق بأموال معينة وهي في الشرع أربعة فقط: فما عدا هذه الأربع لا تجب فيها الزاكاة ولا ينظر في تحقق الشروط أصلاً لأنها ليست من الأموال الزكوية - أي ما عدا هذه الأربع.
والأموال الأربع هي:
١ - بهيمة الأنعام.
٢ - والخارج من الأرض.
٣ - والذهب والفضة.
٤ - وعروض التجارة.
•
قال ﵀:
تجب بشروط خمسة: حرية.
- فالأول الحرية: فإنه يشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالك المال حراً فإن كان عبداً فإنها لا تجب عليه الزكاة.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: الإجماع. فإنه حكي الإجماع على أن الزكاة لا تجب على العبد. إلا ما يذكر من الخلاف عن عطاء وأبي ثور. أما ما عداهما فهم يرون أن الزكاة لا تجب على العبد.
- الثاني: أن الزكاة فرع عن الملك. والعبد ماله لسيده.
بناء على هذا: ما يكون في يد العبد من مال تجب زكاته على سيده.
• ثم قال ﵀:
وإسلام.
-[الثاني: الإسلام] يعني: ويشترط لوجوب الزكاة أن يكون مالك المال: مسلماً.
ـ ومعنى أنه شرط وجوب: أي أنه شرط أداء. ويتفرع على هذا: أنه إذا أسلم لا يؤمر أو يطالب بقضاء الزكاة.
ـ وأما أنه واجب بمعنى: أنه يعاقب على تركه فهو واجب بهذا الاعتبار حتى على الكافر.
ـ إذاً: إذا قيل لك: هل تجب الزكاة على الكافر؟
стр. 852
فتقول: - باعتبار الأداء: لا. - وباعتبار العقوبة: نعم.
والدليل على عدم وجوب الزكاة على الكافر:
- الأول: حديث معاذ المشهور: حيث أمره بأن يأمرهم بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة. ثم قال: (فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) فنص الحديث على أن وجوب الزكاة يكون بعد الاسلام.
- الثاني: أن الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادات.
- الثالث: الإجماع. فقد أجمعوا على أن الكافر لا تجب عليه الزكاة.
فهذه المسألة لا إشكال فيها.
•
ثم قال ﵀:
وملك نصاب.
-[الثالث: ملك النصاب]. ملك النصاب من شروط وجوب الزكاة.
والنصاب هو: القدر الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة.
وبلوغ النصاب شرط بالإجماع:
- لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمس نوق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة) وهذا الحديث في البخاري.
فنص النبي ﷺ على أن المال إذا لم يبلغ النصاب الشرعي ليس فيه صدقة أي: ليس فيه زكاة.
* * مسألة: من ملك النصاب فهو غني شرعاً. - لقول النبي ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم). فكل من أخرج الزكاة بعد أن يبلغ ماله النصاب فهو غني في الشرع.
• ثم قال ﵀:
واستقراره.
-[الرابع: استقراره]. الضمير يعود على الملك: أي استقرار الملك. وعَبَّرَ غير المؤلف ﵀ من الحنابلة: بقوله: (تمام الملك). إذاً الشرط: استقرار الملك وتمامه.
ومعنى: استقرار الملك: أي أن لا يتعلق به حق الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء.
وبالإمكان أن نضيف ضابط يسهل الأمر فنقول: - (أن لا يكون المال عرضة للزوال).
وهذا الضابط يمكن أن يؤخذ من أمثلة الفقهاء، فمن أمثلة عدم استقرار الملك:
ـ مال المكاتب: فلا زكاة فيه لأن المكاتب قد ينصرف عن المكاتبة ويعجز نفسه ولا يدفع المال.
والمكاتب هو: من اتفق مع سيده أن يدفع له مبلغاً معيناً يكون العبد بعده حراً وعادة ما يكون المال الذي يدفعه المكاتب لسيده أقساط أو منجماً فبإمكانه أن يعجز نفسه في أي وقت ولذلك نقول مال المكاتبة ليس مستقراً.
стр. 853
من الأمثلة أيضاً على المال الذي لم يستقر الملك فيه:
ـ ربح المضارب: فإذا أعطى شخص شخصاً مالاً ليضارب به ونتج عن هذا المال ربح فإن هذا الربح بعضه للمضارب وبعضه لرب المال. فهذا الربح ليس فيه زكاة إلا بعد القسمة.
لماذا؟ - لأن ربح مال المضاربة تعوض به خسارة رأس المال.
فإذاً لا يمكن أن نوجب على المضارب زكاة إلا إذا تمت القسمة بعد استكمال رأس المال.
هذان مثالان لمسألة استقرار الملك.
واستقرار الملك محل إجماع.
• ثم قال ﵀:
ومضي الحول.
-[الخامس: ومضي الحول] يشترط لوجوب الزكاة مضي الحول: أي أن يملك الإنسان حولاً كاملاً.
والدليل على اشتراط مضي الحول من وجوه:
- الأول: حكي فيه الإجماع.
- الثاني: فيه حديث رواه علي بن أبي طالب ﵁ وعائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول).
وهذه الأحاديث ضعيفة لكنها تقوى بالآثار.
- الثالث: وهو الآثار. فقد صح عن أبي بكر وعلي وعثمان ﵃ أنهم اشترطوا الحول لوجوب الزكاة.
وهذا صحيح عنهم ﵃ أجمعين -.
- الرابع: - وهو أيضاً من الأدلة القوية: أن النبي ﷺ كان يبعث عمال الصدقة والسعاة في كل سنة مرة واحدة.
فإذاً اشتراط الحول ثابت ولله الحمد.
ثم لما ذكر مسألة اشتراط الحول بدأ فيما يستثنى:
• فقال ﵀:
في غير المعشر.
المعشر: هي الحبوب والثمار.
فالزروع والثمار لا يشترط لها الحول بل متى نبتت وخرجت وصلحت وجبت فيها الزكاة بعد الحصاد.
- لعموم قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
وسميت المعشرات بذلك: لأنه يؤخذ منها العشر أو نصف العشر كما سيأتينا.
فهذا الأمر الأول الذي يستثنى.
•
ثم قال ﵀:
إلاّ نتاج السائمة وربح التجارة ولو لم يبلغ نصاباً، فإن حولهما حول أصليهما: إن كان نصاباً، وإلاّ فمن كماله.
- نتاج السائمة وربح التجارة: لا يشترط فيه الحول.
[= الأول: نتاج السائمة]:
стр. 854
ـ فإذا جاء عمال الصدقة إلى من يملك المواشي ونتجت - يعني ولدت هذه المواشي قبل حولان الحول بشهر فكانت مثلاً: تسعين شار ثم أصبحت مائة والعشر الزائدة لم تأت إلا قبل حولان الحول بشهر واحد فإن عامل الصدقة يأخذ الزكاة من المائة.
- لأنه لا يشترط في نتاج السائمة أن يحول عليه الحول بل حولها حول أصلها.
وأصلها: يعني الأمهات.
والسائمة: هي التي ترعى الحول ويقصد بها الآن بهيمة الأنعام: البقر والغنم والإبل.
ـ فالبقر والغنم والإبل: لا يشترط في نتاجها يعني فيما تلده أن يحول عليه الحول بل يأخذ الساعي الزكاة من مجموع - الأغنام مثلاً - وإن كان بعضها نتج أثناء الحول.
ما الدليل؟
- الدليل الأول: أن النبي ﷺ كان يبعث السعاة إلى أصحاب المواشي فيأخذون الزكاة من الموجود كله ولا يسألون عن ما ولد أثناء الحول.
- الدليل الثاني: أنه صح عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يجعلون حول المولود من بهيمة الأنعام حول أصله.
= الثاني: ربح التجارة:
ربح التجارة لا يشترط له الحول بل حول الربح حول الأصل.
ـ فإذا ملك الإنسان مائة ألف وتاجر بها ثم ربحت بعد ستة أشهر خمسين ألف وحال الحول على المائة وخمسين ألفاً فالزكاة تجب فيها مع أن الذي حال عليه الحول كاملاً المائة ألف والخمسين ربح لكن الفقهاء يقولون: ربح التجارة تابع لأصله فلا يشترط له حول جديد.
الدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أن ربح التجارة تابع لأصله. والتابع لا يفرد بحكم.
- الثاني: أن المسلمين ما زالوا يخرجون صدقة عروض التجارة ويخرجون الزكاة من رأس المالل والأرباح ولو كانت حاصلة أثناء الحول.
ـ إذاً: الذي يستثنى من الحول فقط ثلاثة أشياء:
١ - المعشرات.
٢ - ونتاج السائمة.
٣ - وربح التجارة.
فيما عدا هذه الثلاثة أموال كل شيء يحتاج إلى حول. وهذه قاعدة تريح طالب العلم.
ـ مثال ذلك:
- رجل يملك خمسين رأس من الغنم وفي أثناء الحول اشترى خمسين أخرى.
فالخمسين الجدد التي اشتراها أخيراً: هل نقول: حولها حول الأول أو تحتاج إلى حول جديد؟
الجواب: أنها تحتاج إلى حول جديد: لأنها ليست من الثلاثة.
стр. 855
- رجل يملك مائة ألف ثم بعد مضي ستة أشهر وهبت له خمسين ألف أو ورث خمسين ألف.
فهذه الخمسين: تحتاج إلى حول جديد لأنها ليست من الأشياء المستثناة.
إذاً نقول: ما عدا هذه الثلاثة أشياء يحتاج إلى حول جديد.
وعرفنا الآن نتاج السائمة وربح التجارة
• يقول ﵀:
فإن حولهما حول أصليهما: إن كان نصاباً.
يشترط في عدم اعتبار حول جديد لنتاج السائمة أن يكون الأصل بلغ النصاب.
فإن لم يكن بلغ النصاب فإنه لا يبدأ الحول إلا من بلوغ النصاب.
ـ مثال ذلك: رجل يملك أربعاً من الإبل. ثم في أثناء الحول ولدت واحدة فصار المجموع خمسة. فإن الحول يحتسب من ولادة هذه الخامسة.
لماذا؟
لأنته يقول: بشرط أن يكون حول أصلهما أذا كان يبلغ النصاب.
• قال: وإلا فمن كماله:
أي وإلا نبدأ احتساب الحول من كمال النصاب ولو كان الكمال حصل بنتاج السائمة أو بربح التجارة.
•
ثم قال ﵀:
ومن كان له دين أو حق من صداق أوغيره.
المؤلف ﵀ يريد أن يبين في هذه العبارة حكم زكاة الدائن ثم سيذكر بعدها حكم زكاة المدين.
وهاتان مسألتان غاية في الأهمية لا سيما في وقتنا هذا فإنه لا يخلوا أحد من أن يكون دائن في الغالب أو مدين.
نبدأ بما بدأ به المؤلف ﵀ وهو أن يكون دائناً: ـ من كان له دين.
الدين في اللغة: كل ما كان غائباً فهو دين في لغة العرب.
وفي الشرع: - وهو الذي يهمنا -: اسم للمال الواجب في الذمة بدلاً عن قرض أو مبيع أو منفعة أو إتلاف.
فمن خلال هذا التعريف أيهما أعم: القرض أو الدين؟
- الدين: لأن القرض نوع من أنواع الدين.
عرفنا الآن الدين لغة واصطلاحاً.
الأذان ...
انتهى الدرس
стр. 856
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس توقف الكلام عن زكاة الدين: يعني: زكاة مال الدائن.
وقلت أن مسائل زكاة الدين مسائل مهمة وتشتد حاجة الناس إليها.
وذكرت تعريف الدين لغة واصطلاحاً.
وأضيف الآن وأقول: أن حكم زكاة الدين فيه اختلاف شديد بين أهل العلم وتعدد في الأقوال وتتداخل، فهي من المسائل التي قد تعتبر مشكلة.
ونأتي إلى حكم زكاة الدين:
ينقسم الدين إلى قسمين:
ـ القسم الأول: الدين المرجو.
ـ والقسيم الثاني: الدين غير المرجو.
- فالدين المرجو: هو الدين على غني باذل.
- والدين غير المرجو: هو الدين على معسر أو مماطل.
نأتي إلى:
القسم الأول: الدين المرجو - وقد عرفت ما هو الدين المرجو - اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
= فالقول الأول: للجمهور: أنه تجب فيه الزكاة لكل سنة.
إلا أن بعض الجمهور قال: يجوز له أن يؤخر إخراج الزكاة إلى حين القبض ثم يخرج زكاة السنين جميعاً.
واستدل هؤلاء بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أنه جاء في الآثار عن عدد من أصحاب النبي ﷺ إيجاب الزكاة.
- الدليل الثاني: أن الدين المرجو كالدين الذي في يده [لا يجب أن يزكيه].
- الدليل الثالث: عموم الأدلة.
= القول الثاني: أنه لا تجب الزكاة مطلقاً.
واستدل هؤلاء:
- بأن المال إذا كان ديناً لا يعتبر من الأموال النامية والزكاة تتعلق بالأموال النامية.
والجواب: أنه يعتبر نام حكماً لا حقيقة ويكتفى بكونه نام حكماً لا حقيقة.
= القول الثالث: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبضه لسنة واحدة.
واستدل هؤلاء:
- بأن من شروط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء. وهذا المال ليس بيده.
والجواب من وجهين:
- الأول: أن الصواب أنه لا يشترط في وجوب الزكاة القدرة على الأداء - كما سيأتينا في كلام الماتن.
- الثاني: أن الدائن بإمكانه أن يأخذ المال إلا أنا نفترض أن المدين باذل وغني فيستطيع هو أن يأخذ المال فإذا لم يأخذ المال هو فلا يسقط حق الله فإذا أسقط حق نفسه لا يسقط حق الله وهو الزكاة.
والصواب: إن شاء الله مع القول الأول وهو: وجوب الزكاة وله أن يؤخر إخراج الزكاة إلى أن يقبض المال بشرط أن يحسب زكاة كل سنة.
ورجح هذا القول عدد من المحققين منهم: أبو عبيد ﵀.
القسم الثاني: الدين غير المرجو - وقد عرفت ما هو الدين غير المرجو - واختلف أيضاً فيه الفقهاء على قولين:
стр. 857
= القول الأول: وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الاسلام: أنه لا تجب الزكاة فيه مطلقاً.
واستدل هؤلاء:
- بأن هذا الدين لا يمكن الانتفاع به بحال.
= والقول الثاني: وجوب الزكاة فيه.
واستدل هؤلاء:
- بأثر عن علي ﵁.
- وأثر عن أبي هريرة ﵁.
- وأثر عن ابن عمر ﵁.
ولا يصح من هذه الآثار إلا أثر علي ﵁.
= والقول الثالث: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبضه لسنة واحدة.
والصواب مع القول الثاني. وسبب الترجيح: صحة أثر علي ﵁ ولولا وجود هذا الأثر لكان القول الأول وهو: عدم الوجوب مطلقاً هو القول الصواب.
لكن مع وجود أثر علي ﵁ صرح فيه بأنه يخرج زكاته إذا قبضه فيكون هذا القول هو الراجح.
وله أيضاً أن يؤخر إخراج الزكاة إلى أن يقبض المال فيزكي عن الجميع.
وأما القول الأخير ففيه ضعف ظاهر. لأنه إما أن تجب الزكاة في كل السنين أو تنتفي في كل السنين. لأن هذا المال على حال واحدة وله حكم واحد فالتفريق بين السنة الأخيرة وما قبلها من السنوات لا دليل عليه.
فيكون الراجح مذهب الحنابلة.
• ولذلك يقول المؤلف ﵀:
ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره، على مليء أو غيره: أدّى زكاته إذا قبضه لما مضى.
فما ذكره المؤلف هو الراجح في المرجو وغير المرجو.
* * مسألة: حكم زكاة مال الصبي والمجنون: - ومكانها المناسب بعد الشرط الثاني.
ولا حظ معي فإن المؤلف ﵀ يقول في المتن:
(تجب بشروط خمسة: حرية وإسلام): هذان الشرطان يتعلقان بالمزكي.
ثم قال ﵀: (وملك النصاب واستقراره ومضي الحول) وهذه الشروط تتعلق بالمال.
فمن قول المؤلف ﵀: (حرية وإسلام) عرفنا أن الحنابلة لا يشترطون في المزكي أن يكون بالغاً.
= وهذا مذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم من السلف والصحابة ومن يعدهم فكلهم يرى أن الصبي تجب في ماله الزكاة.
واستدلوا:
ـ أولاً: بالنصوص الصريحة الصحيحة:
- كقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم ... ﴾.
فعلق الوجوب بالمال.
- وقوله ﷺ في حديث معاذ: (صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم).
стр. 858
ـ وثانياً: الآثار المتكاثرة عن أصحاب النبي ﷺ وفيها الأمر بإخراج الزكاة عن مال الصبي.
فهذا القول هو القول الراجح. وهو منذهب الجماهير.
= والقول الثاني: عدم الوجب.
واستدلوا:
- بأن الزكاة عبادة والصبي ليس من أهل العبادات.
- وبقول النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة ... ).
والصواب مع الجماهير. لكثرة الآثار ولأن ظواهر النصوص ربط الزكاة بالمال لا بالمزكي.
[ثم ننتتقل إلى زكاة المدين بعد أن بينا أحكام زكاة الدائن:].
• قال ﵀:
ولا زكاة في مال: من عليه دين ينقص النصاب، ولو كان المال ظاهراً.
تنقسم الأموال في الشرع إلى قسمين: - ونحن الآن في صدد الكلام عن زكاة المدين.
ـ القسم الأول: أموال ظاهرة.
ـ والقسم الثاني: أموال أو باطنة.
- فالأموال الظاهرة:
تعريفها: هي الأموال التي لا يمكن إخفائها.
وتعدادها هي: - الزروع. - والثمار. - والمواشي.
- وأما الأموال الباطنة:
تعريفها: هي الأموال التي يمكن إخفائها.
وتعدادها هي: - الذهب والفضة. - وعروض التجارة.
* * مسألة: جنح كثير من المتأخرين بل من المعاصرين إلى أن عروض التجارة أصبحت من الأموال الظاهرة لا من الأموال الباطنة في وقتنا هذا: - لا تساع التجارات وتنوعها وتنوع طريقة العرض فيها.
والصواب: أن عروض التجارة من الأموال الباطنة كما هو مذهب الجماهير.
وعلة كون عروض التجارة من الأموال الباطنة: أن المنظور فيها إلى القيمة. فهي باعتبار القيمة لا تعرف. لا كما ظن بعض أهل العلم أن المنظور فيها إلى طريقة العرض وكثر أو قلة البضائع. فليس الأمر كذلك. بل هي من الأموال الباطنة باعتبار الثمن وقيمة العروض.
ولذلك يحصل كثيراً أن تدخل محلاً ولا تتصور أن تبلغ البضاعة الموجودة في هذا المحل هذا المبلغ الكبير من حيث القيمة ويتفاجأ الإنسان أنه قيمة هذه البضائع تبلغ مبلغاً كبيراً.
وهذا دليل على أنها باطنة. لأن المنظور فيها للقيمة.
ولا نريد الإطالة في هذه المسألة. لكن هذا هو الراجح مع كذر أقوى دليل وهو أنها باطنة باعتبار الثمن.
وقبل نأتي إلى حكم زكاة المدين نبين ما معنى أنه لا زكاة على المدين؟
ـ معنى أنه لا زكاة على المدين:
стр. 859
أن المسلم إذا أراد أن يخرج الزكاة يخصم من الأموال التي بيده قدر الدين الذي عليه ويزكي الباقي إن بلغ نصاباً.
فهذا معنى أنه لا زكاة على المدين عند من يقول بهذا القول.
نأتي إلى الأحكام:
ـ أولاً: حكم زكاة المدين في الأموال الباطنة - ونبدأ بها لأنها الأهم - وقد عرفنا ما هي الأموال الباطنة:
= القول الأول: أنه لا تجب الزكاة على المدين في الأموال الباطنة.
وإذا قلنا لا تجب الزكاة - عرفنا ما معنى لا تجب الزكاة وليس المقصود لا تجب مطلقاً كما قد يفهم البعض - ولكن المعنى هو ما ذكرت لك كما قرره الفقهاء.
وإلى هذا القول ذهب الجماهير من الصحابة والسلف والتابعين وتابعوهم وجمهور الأئمة وعامة العلماء.
واستدلوا بأدلة كثيرة:
- الدليل الأول: ما روي عن عثمان ﵁ أنه خطب الناس وقال: قد جاء شهر زكاتكم فأخرجوا ديونكم لتزكوا أموالكم.
وجه الاستدلال: أنه لم يأمر بإخراج الزكاة من مبلغ الدين الذي سيقضى.
- الدليل الثاني: إجماع الصحابة. وممن أشار إلى هذا الإجماع ابن سيرين والزهري وذكره غيرهما من العلماء المتأخرين لكن من السلف أشار هذان الإمامان إلى الإجماع.
- الدليل الثالث: - مع إجماع الصحابة: الآثار عن الصحابة ﵃.
= القول الثاني: أنه تجب الزكاة على المدين في الأموال الباطنة.
وهؤلاء استدلوا:
- أولاً: بعموم الأدلة.
- وثانياً: أنه لا دليل على استثناء مقدار الدين من الزكاة.
والجواب على هذا الاستدلال: أن ما ذكره أصحاب القول الأول من أدلة هي الدالة على الاستثناء.
والراجح القول: الأول. كيف وقد حكي إجماع الصحابة.
ـ بناء على أن هذا القول هو الراجح: إذا كان الإنسان يملك مائة ألف ريال وهو مدين بثلاثين ألف ريال فالواجب عليه أن يخرج الزكاة عن سبعين ألف ريال.
وقد فصَّل هذا التفصيل تماماً من التابعين ميمون بن مهران فذكر أن الإنسان إذا أراد أن يزكي يصنع كما قلت لكم يخصم مما بيده مقدار الدين.
* * مسألة: - وهي مهمة جداً -:
يشترط لخصم الدين من الزكاة أن لا يجد سوى النصاب ليقضي به الدين.
فإن وجد غير النصاب زكى النصاب كاملاً سواء وجد أموالاً نقدية أو عينية.
стр. 860
مثال ذلك: إذا كان الإنسان يملك ألف وهو مدين بألف ويملك سيارة زائدة عن حاجته بألف فكم سيزكي؟
ألف. مع أنه مدين بألف. لكن الدين يقابله العرض الذي يساوي ألف.
وتطبيق هذا الشرط لا بد منه.
وإذا طبقنا هذا الشرط يندر أن يخصم الإنسان من الوعاء الزكوي لديه مقدار الدين لأنه غالباً يكون عنده عروض أخرى تصلح لسداد الدين.
ـ بناء عليه: ليس من المقبول أن يقول شخص: أنا مدين بمائة ألف وهو يملك سيارات واستراحات وأراضي. فنقول له: إذا كنت مديناً فسدد الدين من غير الزكاة وإنما مما تملك من العروض سواء كانت أراضي أو استراحات أو سيارات زائدة عن حاجتك.
* * مسألة: رجل يملك عشرة آلاف: وهو مدين بخمسة آلاف وعنده سيارة هي السيارة التي يتنقل عليها.
فكم سيزكي؟
خمسة آلاف.
ويصح هنا أن يخصم مقدار الدين من الزكاة لأن السيارة التي معه تقوم بحاجته التي لا يستغني عنها.
إذاً: لا بد أن ننتبه لهذا الشرط.
وهذا الشرط اشترطه جمهور الفقهاء ونص عليه الإمام أحمد وهو شرط صحيح.
ـ ثانياً: بقينا في الأموال الظاهرة:
والأموال الظاهرة هي: الزروع والثمار والمواشي كما تقدم معنا.
اختلف فيها الفقهاء على قولين:
= القول الأول: أنه لا يخصم الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة.
فإذا كان عند الإنسان مائة من الإبل وهو مدين بعشرة آلاف فالواجب أن يخرج زكاة كم؟
مائة من الإبل. ولا يخصم مقدار الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة.
وإلى هذا ذهب الجمهور.
واستدلوا بأدلة قوية جداً:
- الدليل الأول: أن النبي ﷺ والخلفاء ﵃ كانوا يبعثون عمال الصدقة - السعاة - إلى أصحاب الإبل والمواشي فيأخذون منهم الصدقة ولا يسألون عن مقدار الدين.
- الدليل الثاني: أن الزهري وابن سيرين نصوا على أن الإنسان يخصم الدين من العين دون المواشي والثمار ونسبوا هذا إلى الصحابة فقالوا: كانوا - يعني الصحابة -.
= والقول الثاني: أنه يخصم الدين حتى من الأموال الظاهرة.
واستدلوا:
- بما استدل به الجمهور بمسألة الأموال الباطنة.
стр. 861
والجواب عليه: أن الأدلة التي استدل بها الجمهور في المسألة الأولى وهي الأموال الباطنة هي بنفسها تفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة كما نقلنا عن ابن سيرين والزهري فإنهم نصوا على الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة.
فالسلف أنفسهم يفرقون بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة.
والراجح القول الأول.
فصار القول الراجح: التفريق بين الأموال الظاهرة والأموال الباطنة. وهذا مذهب الجمهور وممن رجحه من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀.
وبهذا اكتمل الكلام عن مسألة الأموال الظاهرة والباطنة في زكاة المدين.
•
قال ﵀:
ولا زكاة في مال: من عليه دين ينقص النصاب، ولو كان المال ظاهراً.
فعرفنا أن: = مذهب الحنابلة أنه يخصم الدين من الزكاة في الأموال الظاهرة وكذلك في الأموال الباطنة على حد سواء.
وتقدم معنا الراجح وهو: أنه لا يخصم في الأموال الظاهرة.
• ثم قال ﵀:
وكفارة كدين.
مقصود المؤلف أن دين الآدمي يخصم وكذلك دين الله.
أي التسوية بين دين الآدمي والدين الذي لله سواء كان الدين الذي لله مما له مطالب كالزكاة أو مما ليس له مكالب كالكفارات.
والدليل على أن دين الله كدين الآدمي فيخصم من الزكاة:
- قوله ﷺ فيما أخرجه البخاري: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء). فهذا نص أن دين الله كدين الآدمي.
• ثم قال ﵀:
وإن ملك نصاباً صغاراً: انعقد حوله حين مَلَكَهُ.
يعني: إذا ملك الإنسان من الموشي قدر النصاب إلا أنها صغيرة فتجب فيها الزكاة إذا حال الحول إذا بلغت صاباً.
ولا يشترط في المواشي أن تبلغ سناً معينة لكي تجب فيها الزكاة.
واستدل هؤلاء:
- بعموم ما أخرجه البخاري: (في كل أربعين شاة شاة). وهذا عام سواء كانت هذه الأربعين صغيرة أو كبيرة.
• ثم قال ﵀:
وإن نقص النصاب في بعض الحول ... انقطع الحول.
إذا نقص النصاب أثناء الحول انقطع الحول.
مثال ذلك: رجل يملك خمساً من الإبل وهو النصاب ثم بعد مضي ستة أشهر ماتت واحدة أو ذهبت لأي سبب فأصبح المجموع: أربع.
فإذا أصبح المجموع أربع انقطع الحول من حين ينقص النصاب.
стр. 862
فإذا اكتمل النصاب مرة أخرى استأنفنا الحول من جديد.
الدليل:
- أن اشتراط النصاب في كل الحول دلت عليه النصوص فإذا تخلف النصاب في بعض الحول انقطع.
• ثم قال ﵀:
أو باعه.
يعني: إذا باع النصاب أو باع بعض النصاب انقطع الحول أيضاً.
فإذا كان يملك ثلاثين من البقر ثم باع منها خمساً في أثناء الحول انقطع الحول.
فإذا اشترى ما يكمل النصاب استأنف الحول من جديد.
والدليل:
- هو: نفس الدليل السابق.
• ثم قال ﵀:
أو أبدله بغير جنسه.
إذا باعه أو أبدله بغير جنسه: انقطع الحول.
وتقدم معنا صورة البيع.
أما صورة الإبدال: فهي أن يبيع النصاب معاطاة وبعبارة أخرى: المؤلف ﵀ يقول: إذا باعه أو أبدله وسيأتينا أن البيع هو عبارة عن إبدال فلذلك هم يصدرون تعريفه بقولهم: مبادلة مال بمال.
فلماذا فرق المؤلف ﵀ بين البيع والإبدال؟
- نقول: نحمل الإبدال على أحد صورتين:
ـ الصورة الأولى: أن يكون: - البيع يقصد به: مبادلة عين بنقد.
- والإبدال: مبادلة عين بعين. والذي يسمى المقايضة.
ـ الصورة الثانية: أن يكون المقصود: - بالبيع: البيع الذي يتم بالإيجاب والقبول.
- وبالمبادلة: المبادلة التي ننم عن طريق المعاطاة بدون صيغة إيجاب وقبول.
بناء على هذا: إذا أعطى رجل رجلاً آخر ثلاثين من البقر وأخذ منه عشرين من الإبل.
فهل هذا بيع أو إبدال؟
الجواب: - باعتبار المصطلح الخاص الذي نتكلم به: إبدال.
وإذا باع الثلاثين بعشرة آلاف درهم؟
بيع.
إذاً هذا مال بمال أو مال بنقد.
إذا باع ثلاثين من البقر بعشرة آلاف درهم بإيجاب وقبول. قال: بعت. وقال الآخر: اشتريت. وتمت المبادلة فهذا: بيع.
وإذا كان عن طريق المعاطاة بأن يعطيه البقر ويأخذ النقد بدون كلام وإنما عن طريق المعاطاة فهو: مبادلة.
والأمر بسيط لكن نريد أن نعرف لماذا غاير المؤلف ﵀ وفاوت بين البيع والإبدال فخرجوه على أحد هذه التخريجات.
• ثم قال ﵀:
لا فراراً من الزكاة: انقطع الحول.
فصار الحول ينقطع:
- إذا نقص النصاب.
- أو باع النصاب.
- أو أبدل النصاب.
ففي هذه الصور الثلاث ينقطع الحول. وإذا اكتمل النصاب بدأ الحول من جديد.
стр. 863
قال: لا فراراً من الزكاة:
فإن كان يريد الفرار من الزكاة فإن عمله لا يقطع الحول.
بناء على هذا: إذا ملك الإنسان ثلاثين من البقر فلما بقي على حولان الحول شهر باع البقر بعشرة آلاف درهم ثم بعد عشرة أيام أو أقل أو أكثر اشترى الثلاثين أو غير هذه الثلاثين.
فهل يستأنف الحول أو لا؟
نقول: ما دام قصدك قطع الحول فتستمر على حولك الأول كأنك لم تصنع شيئاً.
- لأن القاعدة تقول: (أن الحيل لا تسقط الواجبات). بدليل أن الله ذم اليهود الذين احتالوا على صيد السمك في يوم السبت والأحد وذمهم بذلك واعتبر عملهم محرم مع أن الصورة جائزة.
وكذلك كل الحيل.
- ولأن النبي ﷺ : (لعن المحلل والمحلل له) ولماذا لعنه؟ لأنهم يحتالون على العقود الشرعية.
إذاً إذا كان قصد الإنسان الحيلة فلا يعتبر أن الحول انقطع ...
• ثم قال ﵀:
وإن أبدله بجنسه: بنى على حوله.
إذا أبدل النصاب بجنسه فإنه لا ينقطع الحول.
فإذا كان الإنسان يملك ثلاثين من البقر وباعها بثلاثين من البقر أخرى فإن الحول يستمر ولا ينقطع.
لكن إذا أبدل ثلاثين من البقر بعشرين من الإبل ينقطع الحول لأن البقر جنس والإبل جنس آخر.
إذاً إذا أبدل الإنسان الشيء بجنسه فإنه لا ينقطع.
استثنى الحنابلة من هذه القاعدة وهي: أنه إذا أبدله بغير جنسه انقطع: استثنوا الذهب والفضة وعروض التجارة.
- فإذا أبدل الإنسان دراهم بدنانير لا ينقطع الحول.
- وإذا أبدل دراهم بعروض تجارة أو دنانير بعروض تجارة لا ينقطع الحول.
والصواب أنه: لا يستثنى إلا فقط عروض التجارة. أما الذهب والفضة فهما جنسان إذا أبدل أحدهما بالآخر انقطع الحول إلا إذا كان الإبدال على سبيل التجارة فإنها تصبح الآن عروض تجارة.
فالآن: الذين يتعاملون بالعملات ما نقول: إذا اشتريت بالريال السعودي جنيه مصري أنه انقطع الحول أو درهم إماراتي أو أي عملة أخرى ما نقول انقطع الحول لأنهم الآن يبادلون هذه العملات على سبيل التجارة ونحن نقول أنه إذا أبدله بجنسه أو بغير جنسه ما دام على سبيل عروض التجارة فإن الحول لا ينقطع.
стр. 864
لكن لو أن قائلا قال: أنا أحتاج بدل الدراهم دنانير فاستبدل دراهمه بدنانير لينتفع بها لا للتجارة فإنه عند الحنابلة لا ينقطع الحول.
والصواب أنه ينقطع: لأن الذهب جنس والفضة جنس آخر.
• ثم قال ﵀:
وتجب الزكاة: في عين المال، ولها تعلق بالذمة.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة وهي: هل تجب الزكاة في عين المال أو في الذمة على أقوال كثيرة:
= المذهب خلاف ما ذكره المؤلف: فالمذهب أن الزكاة تجب في عين المال.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم ... ﴾.
- وقوله ﷺ : (في كل أربعين شاة شاة).
وقالوا: إن في في هذه النصوص للظرفية يعني أن مقدار الزكاة واجب في عين المال.
بناء على هذا القول:
- لو تلف النصاب لم يلزمه شيء لأن الوجوب يتعلق بالعين والعين تلفت.
وبناء على هذا القول:
- لا يجوز له أن يتصرف بمقدار الزكاة من المال.
ويترتب على هذا القول أيضاص أشياء كثيرة.
= القول الثاني: أن الزكاة تتعلق بالذمة لا بعين المال.
واستدلوا على هذا:
- بأنه يجوز أن نخرج الزكاة من غير النصاب. فدل على أنها تتعلق بالذمة لا بالعين.
مثال ذلك: لة كان عندي عدد من الإبل ووجب فيها بنت لبون أو حقه أو جذعة فهل يجوز أن أشتري من السوق بنت لبون وأخرجها زكاة؟ أو يجب أن أخرج من الإبل التي عندي؟
الجواب: يجوز أن أخرج ولو من غير الإبل التي أملك.
فهذا دليل على أن الزكاة تتعلق بالذمة. فلو كانت تتعلق بالعين لوجب أن أخرج من عين الإبل التي عندي.
= القول الثالث: أنها تجب في العين وتتعلق بالذمة. وهو القول الذي ذكره المؤلف ﵀.
= القول الرابع: أنها تجب في الذمة وتتعلق بالعين - عكس ما ذكره المؤلف ﵀. وهذا اختيار شيخ الاسلام ﵀.
وهو الأقرب والله أعلم. أن الأصل في الزكاة أنها تتعلق في الذمة لكن لها تعلق بالعين. فهذا القول تجتمع به المعاني والعلل التي ذكرها أصحاب القول الأول والثاني.
إذاًَ هذا القول الأخير هو الراجح.
стр. 865
وأرغب من كل طالب - وإن شئتم أن تعتبرونه ملزماً - أن يراجع آخر قواعد بن رجب فإنه في آخر قواعد بن رجب ذكر عدة مسائل ينبني عليها فروع كثيرة منها: هل تجب أو تتعلق الزكاة بعين المال أو بالذمة ثم ذكر ما يترتب على كل قول في تفريع بديع جداً يصقل طالب العلم ويدربه على فهم ما يترتب على القول.
فإنا أرجو من جميع الإخوة أن يقرأوا هذا الموضع وهو في آخر قواعد ابن رجب.
• ثم قال ﵀:
ولا يعتبر في وجوبها: إمكان الأداء.
ليس من شروط الزكاة إمكان الأداء بل تجب ولو لم يتمكن من الأداء.
مثال عدم التمكن من الأداء:
- أن يكون المال غائباً.
- أو أن يكون المال ديناً.
فهل يتمكن الإنسان أن يخرج الزكاة من المال الغائب؟
لا. لا يتمكن ومع ذلك نقول تجب الزكاة ولولم يتمكن من الأداء.
الدليل:
- قالوا: الدليل: قياساً على سائر العبادات فإن الصوم يجب على المريض وإن كان لا يستطيع.
فإذاً لا يشترط في وجوب الزكاة إمكان الأداء.
* * مسألة: يشترط لوجوب الإخراج إمكان الأداء.
فإذا لم يتمكن من الأداء لم يجب عليه أن يخرج الآن وله أن ينتظر إلى أن يتمكن.
فتحصل عندنا الفرق بين وجوب الزكاة ووجوب الإخراج.
فالأداء شرط في الإخراج. وليس شرطاً في الوجوب.
• ثم قال ﵀:
ولا بقاءُ المال.
يعني: أنه لا يشترط لوجوب الزكاة بقاء المال فلو تلف رالمال كله لوجبت الزكاة فيه.
وهذا القول يتوافق مع القول بأن الزكاة تجب في الذمة أو في العين؟؟
- في الذمة. وهذا مما يقوي القول الذي رجحه شيخ الاسلام ﵀.
إذاً الحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يخرج الزكاة ولو تلف كل المال.
الدليل:
- قالوا: الدليل أن هذا مال وجب في ذمته فيجب أن يخرجه ولو تلف كدين الآدمي. إذا كان الإنسان مطلوب مائة ألف ريال واحترق كل ما يملك من المال فهل يسقط هذا الدين؟ أو يبقى في ذمته؟
يبقى. فكذلك دين الله وهو الزكاة.
= والقول الثاني: أن المال الزكوي:
- إذا تلف بغير تفريط ولا تعدي فإنه لا يجب عليه أن يخرج شيئاً.
- وإن تلف بتفريط أوتعدي وجب عليه أن يخرج مقدار الزكاة.
وهذا القول اختيار شيخ الاسلام واختيار ابن قدامة.
стр. 866
لكن ابن قدامة بين التفريط فقال: والتفريط أن يتأخر بالإخراج مع إمكان الأداء.
وظاهر كلام غيره من الفقهاء أن التفريط لا يتعلق بمسألة الإخراج وإنما يتعلق بكيفية حصول التلف:
فإن كان لم يفرط بأن جائه آفة سماوية أو حريق ليس له يد في منعه فإنه لا يلزمه إخراج شيء.
وإن فرط بأن وضع المال في مكان لا ينبغي أن يوضع فيه أو قرب النار المهم فرط بإتلافه بأي طريقه فإنه تجب عليه.
هذا ظاهر كلام الفقهاء فيما عدا ابن قدامة الذي يرى أن التفريط هو بمجرد التأخر في إخراج الزكاة.
وهذا القول الذي مال إليه ابن قدامة قوي جداً ويتوافق مع ما سيأتينا من وجوب إخراج الزكاة فوراً.
ولذلك أنا أميل إلى هذا الضابط وهو أنه: إذا أخر إخراج الزكاة مع قدرته على إخراجها ثم تلف المال ولو بغير تفريط منه وجب عليه أن يؤدي الزكاة. لأن التفريط حصل بالتأخر في إخراج الزكاة.
وهذا الضابط الذي ذكره ابن قدامة جيد وقوي.
• ثم قال ﵀:
والزكاة كالدين في التركة.
الزكاة كالدين في التركة يعني: أنها مقدمة على الورثة وعلى الوصية.
فإذا مات الإنسان ولم يخرج زكاة ماله فإنا نخرج الزكاة قبل أن ننفذ الوصية أو نقسم التركة على الورثة.
وسواء في ذلك كان إخراج الزكاة من الميت على سبيل الجواز أو على سبيل التحريم: يعني: سواء كان أخرها قداً وهو آثم بذلك وارتكب محرماً أو مات قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة ففي الصورتين يجب أن يخرج الزكاة من مال الميت. لأن الزكاة فيها حق للفقراء فيجب أن يصل إليهم ولو كان الميت أخر إخراج الزكاة تعدياً وظلماً.
لكن إن كان الميت لم يتمكن من الإخراج أجزأت عنه ولا إثم وإن كان أخرها عمداً وقصداً وتعدياً وظلماً فإنا ندفعها للفقراء ومع ذلك يأثم بتركه الزكاة.
إذاً الزكاة كالدين في التركة تماماً تستوي مع دين الآدمي.
بقينا في مسألة: هل هي مثل دين الآدمي أو أقل من دين الآدمي إذا تعارض دين الله ودين الآدمي؟
الصواب: أنهما بمنزلة واحدة فنسدد دين الله ودين الآدمي بالمحاصة إذا لم يتسع المال للجميع.
أما إذا اتسع المال للدينين فلا إشكال فسنسدد دين الله ودين الآدمي.
стр. 867
وهذا الكلام الذي قلته فيما يتعلق بالزكاة ينطبق على غيره من ديون الله كالكفارات مثلاً. فلو مات وعليه كفارة يمين فنفس الكلام يجب أن نخرج كفارة اليمين قبل أن ننفذ الوصية أو نقسم التركة.
باب زكاة بهيمة الأنعام
• ثم قال ﵀:
باب زكاة بهيمة الأنعام.
بدأ المؤلف بباب زكاة بهيمة الأنعام قبل غيرها من الأموال الزكوية اقتداء بكتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس حين ذهب إلى البحرين فإن أبا بكر الصديق ﵁ بدأ بزكاة بهيمة الأنعام قبل زكاة غيرها من الأموال الزكوية.
فتأسياً بهذا الكتاب نبدأ بزكاة بهيمة الأنعام.
• يقول ﵀:
تجب في إبل وبقر وغنم.
وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم محل إجماع. فلم يخالف فيه أحد ولله الحمد والنصوص الصريحة الصحيحة أخرجها البخاري وغيره دالة على وجوب الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة.
وفهم من هذه العبارة أن الزكاة لا تجب في غير الإبل والبقر والغنم.
فمثلاً: لا تجب في الضباء البرية ولا تجب في البقر الوحشي ولكنها تجب في الجواميس لأن الجواميس نوع من أنواع البقر.
وقوله: الإبل والبقر والغنم. دليل على أن الزكاة تجب في هذه الأصناف مهما تنوعت ماختلفت أشكالها ومسمياتها ما دامت إبلاً أو بقر أو غنم فالماعز والشياه في هذا سواء.
• ثم قال ﵀:
إذا كانت سائمة الحول أو أكثره.
يشترط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام
الأذان ....
انتهى الدرس
стр. 868
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب زكاة بهيمة الأنعام
تكلمت بالأمس عن زكاة بهيمة الأنعام من حيث مشروعية الزكاة وإجماع الأمة عليه وما هي بهيمة الأنعام وتوقفنا عند شرط من شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام وهي:
- أن تكون سائمة.
• يقول المؤلف ﵀:
تجب في إبل وبقر وغنم: إذا كانت سائمة الحول أو أكثره.
السائمة في لغة العرب: الراعية.
وفي الاصطلاح في هذا الباب: هي التي ترعى المباح أكثر الحول وتكتفي به.
стр. 869
= ذهب الجمهور ومنهم الحنابلة إلى أنه يشترط في وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام أن تكون سائمة.
وخرج بقولهم: سائمة: المعلوفة والعاملة.
واستدل الجمهور على اشتراط هذا الشرط:
- بقول النبي ﷺ : (وفي الغنم في سائمتها) وهو حديث في البخاري ونص على أن الغنم التي تجب فيها الزكاة هي السائمة.
- وبقول النبي ﷺ : (ليس في البقر العوامل صدقة) وهذا الحديث فيه ضعف ولكنه ينجبر بالشواهد وبكثرة الآثار عن أصحاب النبي ﷺ الدالة على ذلك.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون سائمة. وهو مذهب المالكية ويوجبون الزكاة في المعلوفة والعاملة.
واستدلوا على ذلك:
- بعموم الأدلة. كقول النبي ﷺ : (في كل خمس من الإبل شاة) فإنه لم يقيد في هذا الحديث وجوب الزكاة بأن تكون البهائم سائمة.
والصواب مع الجماهير لأن القاعدة الفقهية الأصولية تقول: ((الخاص مقدم على العام)).
فأدلة الجمهور تخصص أدلة المالكية.
ـ المسألة الثانية: هي التي أشار إليها بقوله: (الحول أو أكثره).
أي أنه لا يشترط في السائمة أن تكون راعية كل الحول بل يكتفى بأكثر الحول.
واستدل الجمهور على هذا الحكم:
- بأن اسم السوم - يعني: اسم كونها سائمة - لا يرتفع عن البهيمة لكونها ترعى بعض الحول.
- الدليل الثاني: أنه لا يمكن التحرز عن ترك السوم في بعض الحول.
= والقول الثاني: أنه يشترط لوجوب الزكاة أن تكون سائمة في جميع الحول. أخذاً بظاهر النص.
والصواب مع الجمهور. ويؤيد ذلك أن العلماء ﵏ قرروا أن للأكثر حكم الكل.
• ثم قال ﵀:
فيجب في خمس وعشرين من الإبل: بنت مخاض.
بدأ المؤلف ببيان الأنصباء التي حددها النبي ﷺ في بهيمة الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم.
وقد جاء تحديد أنصبة الإبل في حديث أنس الذي رواه عن أبي بكر حين بعث بخطابه إليه في البحرين وذكر في الخطاب أن هذه الفروض سنها النبي ﷺ .
• فقال ﵀:
فيجب في خمس وعشرين من الإبل: بنت مخاض.
بنت المخاض هي: ما تم لها سنة.
وسميت بذلك: لأنه في الغالب تكون أمها حامل. والحامل تسمى مخاض.
стр. 870
وكونه في خمس وعشرين: بنت مخاض. هذا جاء صريحاً في حديث أبي بكر ونص عليه نصاً ﵁.
وهو محل إجماع.
ويجوز أن يخرج بدل بنت مخاض ابن لبون إذا لم نجد بنت مخاض بالإجماع لأنه في حديث أبي بكر نص على ذلك.
•
ثم قال ﵀:
وفيما دونها: في كل خمس شاة.
في كل خمس فيما دون الخمس والعشرين: شاة.
وهذا الحكم محل إجماع ودل عليه النص. فدل عليه النص والإجماع لأنه في حديث أبي بكر: (في كل خمس شاة).
ولو أن المؤلف بدأ بأنه: في كل خمس شاة قبل الخمس والعشرين لكان هو الموافق للترتيب التصاعدي.
• ثم قال ﵀:
وفي ست وثلاثين: بنت لبون.
بنت اللبون هي: التي تم لها سنتان.
وسميت بذلك لأنه في الغالب تكون الأم وضعت فهي ذات لبن فهي بنت ذات لبن.
إذا بلغت الإبل ستاً وثلاثين فإنها يجب أن نخرج زكاتها بنت لبون وهذا جاء نص في حديث أبي بكر الصديق ﵁.
• ثم قال ﵀:
وفي ست وأربعين: حقة.
والحقة: ما تم لها ثلاث سنين وهو منصوص عليه أيضاً في حديث أبي بكر ﵁.
وسميت حقة: - إما لأنها استحقت ضرب الفحل.
- أو أنها استحقت أن يحمل عليها.
باعتبار أنها وصلت مرحلة من العمر تتحمل الأمرين.
• ثم قال ﵀:
وفي إحدى وستين: جذعة.
وهي ما تم لها أربع سنين. وهذا هو أعلى سن تجب فيه الزكاة. وهذا من رحمة الله وتخفيفه على الناس بينما نجد في الأضاحي أقل سن يجزئ هو الخمس كما سيأتينا.
بينما في الزكاة اختلف الأمر فصار أرفع سن تجب فيه الزكاة هو أربع سنوات.
•
ثم قال ﵀:
وفي ست وسبعين: بنتا لبون. وفي إحدى وتسعين: حقتان. فإذا زادت عن مائة وعشرين ((وَاحِدَةٌ)): فثلاث بنات لبون.
كل هذا نص في حديث أبي بكر:
- أنه في ست وسبعين بنتا لبون.
- وفي إحدى وتسعين حقتان.
- فإذا زادت عن مائة وعشرين واحدة فثلاث بنات لبون.
ففي مائة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون.
ثم يستقر الأمر في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
وسنلقي الضوء في الجدول المرفق الذي استلمتموه عن كيفية توزيع الأنصباء.
لكن قبل ذلك نريد أن نذكر الأحكام التي تتعلق بالإخراج قبل دراسة المتن.
стр. 871
- جاء في حديث أبي بكر ﵁ أن من لم يجد السن المطلوب ووجد أعلى منه فإنه يجوز لعامل الصدقة أن يأخذ الأعلى ويعطي صاحب البهائم شاتين.
أو العكس: إذا لم يجد إلا أقل فإن العامل يأخذ الأقل ويعطي صاحب الإبل العامل شاتين.
مثال ذلك: وجبت عليه بنت مخاض ولم يجد في إبله إلا بنت لبون. فماذا يصنع؟
نقول: أعط العامل بنت لبون وخذ منه شاتين.
العكس: وجبت عليه بنت لبون ولم يجد إلا بنت مخاض:
فنقول: أعط العامل بنت مخاض وأعطه معها شاتين.
وهذا القدر الذي ذكرته الآن منصوص عليه في حديث أبي بكر في الصحيح.
ــ مسألة: إذا لم يجد إلا أربفع بمرتبتين - يعني: وجب عليه بنت مخاض ولم يجد بنت لبون ولا بنت مخاض ووجد حقة:
فحينئذ نقول تعطيه الحقو وتأخذ أربع شياه.
هذا الحكم: أنك تأخذ أربعةشياه مقيس على ما ذكر في حديثص أبي بكر وليس من المنصوص عليه لكن قياسهم صحيح وهو قول الحنابلة وهو الراجح إن شاء الله.
فإذا لم نجد إلا أكثر: وجبت عليه بنت مخاض ولم يجد إلا جذعة فيأخذ ست. .. وهكذا.
إذاً عرفنا الآن أن من لم يجد إلا أقل أو أعلى فإنه يأخذ أو يدفع حسب الموجود.
ــ المسألة الثانية هذا العمل وهو أخذ شاتين أو دفع شاتين حسب الموجود يسمى: الجبران ولا يدخل إلا في الإبل فقط لأن النص لم يأتي إلا في الإبل.
أما ما عداها من بهائم الأنعام فلا يدخل فيها ما يسمى بالجبران.
نقف بعض الشيء مع الجدول .... ((ثم تكلم الشيخ حفظه الله عن الجدول وفصل فيه فيستحسن أخذها من التسجيل بمتابعة الجدول)).
ثم قال الشارح حفظه الله:
إذاً المسألة أصبحت مسألة حسابية بعد أن فهمت فقه المسألة. فيبقى الآن أن تعرف الحساب وهذا أمر يرجع لكل شخص ومعرفته بتحديد كم في العدد من أربعين وكم في العدد من خمسين. فلا نقف طويلاً مع الأمثلة بعد أن عرف الإنسان فقه الأنصباء وكيفية التعامل معه.
فصل
[في زكاة البقر]
ثم نرجع إلى المتن:
• قال ﵀:
(فصل)
يعني في بيان أحكام زكاة البقر.
• قال ﵀:
ويجب في ثلاثين من البقر.
وجوب الزكاة في البقر ثابت بالنص والإجماع.
- فالإجماع: أجمع أهل العلم ﵏ أن تجب الزكاة في البقر.
стр. 872
- أما النص: فما جاء في حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أسمن ما كانت وأكمل ما كانت ثم تطأ عليه بأظلافها وتنطحه بقرونها) أو قال بأخفافها (ثم ترجع عليه كلما انتهت إلى أن يقضى بين العباد).
ففي هذا الحديث بيان أن الزكاة واجبة أن ترك الزكاة من كبائر الذنوب لأنه رتب على ترك الزكاة وعيد خاص يقع يوم القيامة.
وزكاة البقر لم تذكر في كتاب أبي بكر وإنما جاءت في حديث معاذ في السنن وهو حديث صحيح إن شاء الله بين فيه النبؤي ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن كيف يأخذون الزكاة من البقر.
وذكر أهل العلم ﵏ من شراح الأحاديث والفقهاء كلهم أن البقر لم تذكر في حديث أبي بكر لأن أهل الحجاز وأهل نجد قلما يتعاملون بالبقر فلما ذهب أصحاب النبي ﷺ إلى اليمن وفيها البقر بين لهم ﷺ كيفية أخذ الزكاة من البقر.
وكيفية أخذ الزكاة من البقر أسهل من الإبل بكثير:
• فيقول ﵀:
ويجب في ثلاثين من البقر. تبيع أو تبيعة.
التبيع والتبيعة: ما له سنة واحدة.
وسمي بهذا الاسم لأنه يتبع أمه في ذهابها ومجيئها.
فتبين أن ما دون الثلاثين من البقر لا زكاة فيه. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة ﵏. لأنه في حديث جابر نص على أنه: أمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيع أو تبيعه.
فدل على أن ما دون الثلاثين لا زكاة فيه.
وفي مسألة: البقر نستطيع أن نضع ضابط يسهل على الإنسان معرفة كيفية إخراج الزكاة بالنسبة للثلاثين.
فنقول: يجزئ الذكر في الثلاثين ومضاعفات الثلاثين.
ففي الثلاثين: تبيع.
وفي الستين: .....
وفي التسعين: .....
في كل مضاعفة للثلاثين يجزء الذكر.
ويجوز إذا قلنا يجزئ الذكر أنه تخرج تبيع أو تبيعة.
• كذلك نأتي إلى قوله ﵀:
وفي أربعين: مسنة.
المسنة ما لها: سنتان.
فالمسنة يجزئ في الأربعين مسنة. ثم نقول: مضاعفات الأربعين كذلك فيها مسنة.
فالثمانين كم فيها؟ ...... وهكذا.
إذاً تضيف أربعين وتضيف مع كل أربعين مسنة.
стр. 873
وفي قوله: في كل أربعين مسنة علمنا أنه لا يجزء المسن. وإنما في الأربعين لا بد من إخراج أنثى ولا يجزئ الذكر.
ــ مسألة: هل يجزئ في الأربعين تبيعان؟
اختلف الفقهاء في هذا:
= فمنهم من قال لا يجزئ في الأربعين تبيعان. لأنه في حديث معاذ نص النبي ﷺ أن الأربعين فيها مسنة.
= والقول الثاني: أنته يجزئ تبيعان.
واستدل هؤلاء بأنه إذا كان يجزء التبيعان في الستين فمن باب أولى أن يجزئ في الأربعين.
وهذا القول هو الصواب. لأن الستين أكثر من الأربعين والنعمة في الستين أكبر منها في الأربعين فإذا أجزأ تبيعان في الستين فكذلك في الأربعين.
• ثم قال ﵀:
وفي ستين تبيعان.
وهذا يتفق مع القاعدة: أن الثلاثين ومضاعفاتها فيها ذكر.
فالثلاثين تبيع وبطبيعة الحال الستين فيها تبيعان.
• قال ﵀:
ثم في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مسنة.
إذاً اتضح الأمر أنه في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة.
فالسبعين: فيها تبيع ومسنة.
مائة وعشرين: ثلاث مسنات أو أربعة أتبعه. فهو مخير بينهما.
وهكذا بعملية حسابية يستطيع الإنسان أن يعرف كيفية إخراج زكاة البقر بعد أن ذكرنا الأمثلة.
• ثم قال ﵀:
ويجزئ الذكر: هنا، وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً.
المؤلف ﵀ يريد بهذه العبارة بيان متى يجوز أن نخرج الذكر في الزكاة سواء كان في الإبل أو في البقر أو في الغنم.
لا يجوز أن نخرج الذكر في الزكاة إلا في ثلاث مواضع:
- الموضع الأول: يقول: هنا. ويقصد بقوله هنا: التبيه. فإنه يجوز في الثلاثين أن نخرج تبيع.
- الموضع الثاني: ما تقدم معنا: أنه يجوز أن نخرج بدل بنت مخاض ابن لبون.
- الموضع الثالث والأخير: إذا كان النصاب كله ذكور.
فإذا كان الإنسان يملك أربعين من البقر كلها ثيران. فالأربعين الأصل أنه يجب أن يخرج مسنة لكن نقول الآن أن تخرج بدل الأنثى ذكر لأنه جميع القطيع ذكران أي ثيران.
الدليل على الجواز:
- أن الزكاة وجبت على سبيل المواساة والإنسان إنما يواسي الغير بما يجد.
= القول الثاني: أنه لا يجوز في الصورة الثالثة إخراج الذكر بل يجب أن نخرج الأنثى.
стр. 874
- لأن الرسول ﷺ نص في الأحاديث أحياناً على الذكر وأحياناً الأنثى ولا يجوز أن نخرج عما نص عليه الحديث بلا دليل شرعي.
والنبي ﷺ بين أنه يجوز ابن لبون بدل بنت مخاض فقط وبين أنه يجوز التبيع مع التبيعة فقط ففيما عداه لا يجوز أن نخرج إلا الإناث تماشياً مع النص.
فنقول لصاحي الماشية يجب عليك وجوباً أن تشتري أنثى توافق النصاب المفروض وتخرج هذه الأنثى.
والأقرب والله أعلم. مذهب الحنابلة. لأن هذا الرجل لا يملك الآن إلا الذكور ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهو إنما أخرج الزكاة مواساة لإخوانه ولا يجب عليه أن يواسيهم بما لا يجد.
ولا شك أن الاحتياط أن يخرج أنثى في غير الصورتين وهو الأبر لذمته أن يخرج أنثى لكن لا أرى أنه يجب عليه وجوباً.
فيكوزن الراجح بهذه المسألة أنه يجوز أن نخرج الذكور إذا كان النصاب كله ذكور.
قال الشيخ حفظه الله: - قبل أن ننتقل إلى الغنم نلقي نظره على الجدول ......... ((ثم تكلم عن الجدول يحسن استماعه من التسجيل)).
فصل
[في زكاة الغنم]
• ثم قال ﵀:
(فصل) ويجب في أربعين من الغنم: شاة. وفي مائة وإحدى وعشرين: شاتان، وفي مائتين وواحدة: ثلاث شياه. ثم في كل مائة: شاة.
وجوب الزكاة في الغنم أيضاً محل إجماع.
ودل عليه النص والإجماع.
- أما الإجماع: فحكاه ابن المنذر وغيره ممن يعتنون بذكر الإجماعات.
- وأما النص فالغنم مذكورة في حديث أبي بكر الذي كتبه في كتابه الذي كتبه لأنس في البحرين وبين أنه أخذه عن النبي ﷺ .
والفروض المذكورة في زكاة الغنم كما بينها المؤلف موجودة في نصها في حديث جابر.
فنأخذ الجدول لأنه يتوافق مع ما ذكره المؤلف ﵀ .... ((ثم تكلم عن الجدول وبين وضرب أمثلة حفظه الله يحسن أخذها من التسجيل)).
ثم قال حفظه الله: (إذاً أنصبة البقر والغنم أسهل من أنصبة الإبل وأقل تفصيلاً .... ثم انتقل المؤلف إلى مسألة الخلطة.
• فقال ﵀:
والخُلطة تصير المالين كالواحد.
في الخلطة مسائل كثيرة:
ــ المسألة الأولى: أن الخلطة تؤثر في النصاب دون الحول.
стр. 875
ــ المسألة الثانية: الخلطة تؤثر في بهيمة الأنعام دون غيرها من الأموال الزكوية فلا تؤثر في الحبوب والثمار ولا في الذهب والفضة ولا في عروض التجارة ولا في غيرها من الأموال الزكوية. لأن النبي ﷺ ذكر أن الخلطة تؤثر في بهيمة الأنعام ولا يوجد دليل على أنها تؤثر في غيرها فنبقى على أنها لا تؤثر إلا في بهيمة الأنعام.
ــ المسألة الثالثة:
الخلطة في اللغة: هي الشركة.
وفي الاصطلاح: تنقسم إلى قسمين:
- خلطة أعيان.
- وخلطة أوصاف.
ـ فخلطة الأعيان هي: أن يشترك اثنان فأكثر في بهيمة الأنعام بلا تميز بين ماليهما.
مثاله: أن يرث رجلان مائة من الإبل فهذه المائة هي ملك لهما على سبيل الشيوع - مشاعة بينهما - فليس لكل واحد منهما جزء محدد.
وكأن يشتريا.
ـ وخلطة الأوصاف: هي أن يجتمع المالان في أشياء معدودة - سيأتي ذكرها - مع تميز مال كل واحد من الشريكين.
مثاله: إذا ملك زيد خمسين من الإبل وعمرو خمسين من الإبل وصارت هذه الإبل تجتمع ويكون مجموعها مائة فتجتمع في المرعى وفي الأكل وفي غيرها مما سنذكره فهذه تعتبر خلطة أوصاف وليست خلطة أعيان.
ففي خلطة الأوصاف: هل يعرف كل واحد من الشريكين ماله وما عليه؟
نعم.
أما في خلطة الأعيان فالأمر مشاع لا يتحدد مالكل واحد منهما.
= ذهب الجماهير - كما هو مذهب الحنابلة -: إلى أن الخلطة تؤثر في الزكاة.
واستدلوا:
- بقول النبي ﷺ : (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة).
فدل على أنهما إذا اجتمعا وجمعا المالين أو فرقاهما أثر.
- نمثل لمسألة لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع:
إذا ملك كل واحد من الشخصين عشرين من الشياه.
إذا استقل كل واحد منهما فهل نجب عليه الزكاة؟
وإذا اجتمعا؟ تجب.
إذاً هذا يتعلق بقوله: ولا يفرق بينهما خشية الصدقة.
- الجمع: إذا كان لزيد أربعبن وعمروا أربعين وخالد أربعين.
فلو اجتمعوا لوجب عليهم شاة واحدة ولو تفرقوا لوجب ثلاث شياه لكل واحد شاة فيقول النبي ﷺ : (لا يجوز أن تجمعوا بين هذه الشياه بقصد الفرار من الزكاة.
стр. 876
=القول الثاني: أن الخلطة لا تؤثر في الزكاة لا زيادة ولا نقصاً بل كل واحد من الشريكين يزكي ماله بحسب مقداره.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بالعمومات. كقوله: (في كل خمس شاة) (في كل ثلاثين في البقر (تبيع) فهذا الحديث عام يشمل ما إذا كانت الأنعام مجتمعة وما إذا كانت متفرقة.
والجواب عليه: كما تقدم معنا: أن الخاص مقدم على العام. وأن عموم أدلة القول الثاني تخصص بالأدلة الخاصة لأصحاب القول الأول وهم الجمهور.
والراجح: أن الخلطة تؤثر.
• يقول ﵀:
والخلطة تصير المالين كالواحد.
يعني: في الزكاة. من حيث المقدار وما يؤخذ منهما.
ــ مسألة: لا تؤثر الخلطة إلا إذا اشتركا في الشياه: - فمنهم من قال خمس. - ومنهم من قال سبع. - ومنهم من قال غير ذلك.
على المذهب هي خمسة أشياء:
- الأول: المراح. ويقصد بالمراح مكان المبيت.
- الثاني: الفحل. ويقصد بالفحل: أن لا يخصص فحل أحد المالين لضرب هذا المال فقط. بل يكون الفحل مشاع للجميع.
ولا يقصد الفقهاء بقولهم الفحل أنه يجب أن يكون فحل واحد لجميع الغنم مثلاً بل الشرط أن لا نخصص فحلاً معيناً لفئة من الأموال فنترك المجموعتين على سجيتها بدون أن نخصص فحلاً معينا لأحد المالين.
- الثالث: المسرح: وهو المكان الذي تجتمع فيه البهائم لتذهب إلى المرعى
- الرابع: الراعي.
- الخامس: مكان الحلب.
فيجب أنه يشترك المالان في هذه الخمسة أمور فإن لم يشتركا في جميع هذه الخمسة فلا يعتبر المال مخلوطاً وكل يخرج زكاته بحسب ماله.
وهذا عند الحنابلة.
= القول الثاني: أنه يرجع في معرفة الخلط وعدمه إلى العرف فإذا اعتبر العرف المال مختلطاً - البهائم مختلطه - اعتبرناها مختلطة وإلا فلا.
وإلى هذا ذهب ابن مفلح ﵀.
وهذا القول - الثاني - لا شك أنه هو الصواب. لأن القاعدة الشرعية تقول: (أنه إذا جاء لفظ في الشرع ولم يأت في الشرع له تحديداً فنرجع فيه إلى العرف).
والشارع لم يحدد معنى الخلطة.
والأحاديث التي فيها تحديد الفحل والمرعى والراعي ضعيفة. فنرجع إلى الأصل وهو أنه يعرف حد ذلك بالعرف.
فما اعتبره الناس جميعاً فهو جميع.
стр. 877
والغالب في الخلط: أن يكون بسبب اتحاد الراعي. فإذا كان يوجد في المدينة شخص يرعى الغنم ومعروف برعيه لها صار كل مجموعة من الناس يعطيه عدد من الغنم فتجتمع عند هذا الراعي من هذا خمس ومن هذا خمس إلى أن تجتمع عنده أعداد كبيرة فيأخذ حكم الخلطة ونقول أخرج الزكاة من مجموع ما لديك من الأغنام مثلاً مع العلم أنه قد يكون لكل واحد من الذي أعطوه شاة واحدة لكن أعطاه أربعين شخص أربعين شاة فوجبت فيه الزكاة شاة واحدة.
إذاً عرفنا الآن أن الخلطة تؤثر وعرفنا شروط تأثير الخلطة وعرفنا أن الصواب أنه يرجع في تحديد الخلطة إلى العرف الدارج بين الناس.
والراعي يخرج من أموالهم ثم يرجعون على بعضهم بالسوية.
فلو أن لشخص عشرين والآخر له عشرين وأخرجنا شاة من عشرين زيد فإن عمراً يعطي زيد نصف قيمة الشاة.
والنبي ﷺ يقول في آخر الحديث: (وما كان من الخليطان فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية).
يعني يرجع بالقيمة على من دفع.
باب زكاة الحبوب والثمار
بعد أن أنهى ﵀ الكلام عن زكاة بهيمة الانعام انتقل إلى باب زكاة الحبوب والثمار وهي ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
- أما الكتاب فآيات كثيره منها قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن عباس: حقه الزكاة.
- وأما الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم وهو إجماع في الجملة لأنه سيأتينا الإختلاف في الحبوب والثمار التي تجب فيها والتي لا تجب فيها.
فالإجماع يقصد به في الجملة فتجب الزكاة في الحبوب والثمار.
- وأما السنة فأحاديث مستفيضة كثيرة سيأتينا أفرادها أثناء بحث الباب.
• قال ﵀:
تجب: في الحبوب كلها ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر: كتمر وزبيب.
يريد المؤلف ﵀ في هذه العبارة أن يبين الضابط الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار فيقول:
في الحبوب كل وفي كل ثمر يكال ويدخر.
= ذهب الحنابلة إلى أنه كل ما يكال ويدخر من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة ولذلك قال: في الحبوب كلها. بناء على أن الحبوب كلها مما يكال ويدخر.
فالحنابلة يرون: أن كل حب أو ثمر يكال ويدخر فإنه تجب فيه الزكاة.
واستدلوا على هذا:
стр. 878
- بقول النبي ﷺ ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر الاوق فدل على أن ما لا يكال لا تتعلق به الزكاة.
فهذا دليل الكيل.
وأما دليل الادخار فقالوا:
- أن النعمة تتم وتكمل في الادخار يعني فيما يدخر دون ما لا يدخر فلا تجب فيه الزكاة.
فيشترط في الحبوب والثمار لكي تجب فيها الزكاة أن تجمع بين وصفين: - الادخار. - والكيل. وهذا مذهب الحنابلة.
= القول الثاني: أنه تجب الزكاة في كل ما يخرج من الارض. وهذا مذهب داود الظاهري وهو الذي تبناه الأحناف.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده). فإن الآية عامة لم تستثن شيئاً.
= والقول الثالث: أن الزكاة تجب في كل ما يقتات ويدخر.
ونستطيع أن نقول أن هذا مذهب الجمهور لأنه مذهب المالكية والشافعية.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ ذكر أنه لا زكاة في القثاء والبطيخ. وقالوا: سبب ذلك أنها ليست مما يقتات فليست قوتاً.
وأما الادخار ف:
- لأن النعمة إنما تعظم بما يدخر دون غيره - يعني: قريب مما استدل به الحنابلة.
= والقول الأخير: الذي مال إليه شيخ الاسلام أن الضابط: الادخار فقط.
- لأنه هو المعنى الذي يناسب أن يربط به وجوب الزكاة دون غيره.
والصواب: مع الحنابلة. ما يكال ويدخر. فكل حب أو ثمر يكال أو يدخر فإنه تجب فيه الزكاة.
بناء على هذا لا تجب الزكاة في جميع الخضراوات والفواكه. لأنها لا تكال ولا تدخر.
ونذكر قول الظاهرية والذي تبناه ابن حزم: وهو أنه لا تجب الزكاة إلا في أربعة أشياء: البر والشعير والزبيب والتمر.
فهذا مذهب الظاهرية وذهب إليه أيضاً بعض المحققين مثل أبو عبيد وأيضاً ذهب إليه بعض السلف من التابعين.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي ﷺ لما أرسل معاذ إلى اليمن أمره أن لا يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربعة.
وحديث معاذ هذا الذي فيه الأمر بخذ الزكاة من أربعة أصناف فقط فيه خلاف في تصحيحه وتضعيفه. فممن ضعفه الإمام الدارقطني والترمذي. وومن صححه الإمام البيهقي فقد رأى أن إسناده حسن.
стр. 879
وأنا عندي توقف في هذا الحديث ففي تصحيحه وتضعيفه إشكال فإن له شواهد ممكن أن تقويه وفي المقابل متنه غريب وفي اسناده ارسال ومما يزيد الاشكال أن الذين تكلموا فيه المتقدمون. وكما تلاحظ الخلاف بين البيهقي وهو من المتقدمين والدارقطني.
فأوجد هذا نوع إشكال ففي تصحيحه وتضعيفه فيه نوع توقف عندي لكن مع ذلك أقول أن مذهب الحنابلة هو الصواب لأن في حديث الاوساق الإشارة الواضحة إلى مسألة الكيل.
وحديث معاذ إن صح يحمل على أنه لا يوجد في ذلك الوقت في اليمن مما تأخذ منه الزكاة إلا هذه الأربع أصناف .. (((الأذان))).
انتهى الدرس
стр. 880
قال شيخنا حفظه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما بين المؤلف الانواع التي تجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار انتقل بعد ذلك إلى بيان شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار.
- فالشرط الأول: أن يبلغ النصاب. وعبر عن هذا بـ:
• قوله ﵀:
ويعتبر: بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي.
اشتراط بلوغ النصاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمس أوسق صدقة).
فنص على أن الصدقة لا تجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق.
والخمسة أوسق تساوي بميزاننا الحديث ستمائة واثنا عشر كيلو.
فإذا ملك الانسان هذا المقدار وجبت عليه الزكاة.
وتحديده بستمائة واثنا عشر كيلو مما اختلف فيه المعاصرون ولكن نختار هذا التقدير لكون شيخنا ﵀ صنعه بيده. فقام بقياس المقدار بيده ﵀.
والاختلاف بينهم أمره يسير.
فيكون النعتبر والمعتمد إن شاء الله هذا الرقم: ٦١٢ كيلو.
• ثم قال ﵀:
وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض: في تكميل النصاب.
أي إذا وجدت ثمرة واحدة لها أنواع فإن هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ولا يعتبر كل نوع على حدة.
следующие страницы →