← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

=القول الثاني: أن الخلطة لا تؤثر في الزكاة لا زيادة ولا نقصاً بل كل واحد من الشريكين يزكي ماله بحسب مقداره. واستدلوا على هذا الحكم: - بالعمومات. كقوله: (في كل خمس شاة) (في كل ثلاثين في البقر (تبيع) فهذا الحديث عام يشمل ما إذا كانت الأنعام مجتمعة وما إذا كانت متفرقة. والجواب عليه: كما تقدم معنا: أن الخاص مقدم على العام. وأن عموم أدلة القول الثاني تخصص بالأدلة الخاصة لأصحاب القول الأول وهم الجمهور. والراجح: أن الخلطة تؤثر. • يقول ﵀: والخلطة تصير المالين كالواحد. يعني: في الزكاة. من حيث المقدار وما يؤخذ منهما. ــ مسألة: لا تؤثر الخلطة إلا إذا اشتركا في الشياه: - فمنهم من قال خمس. - ومنهم من قال سبع. - ومنهم من قال غير ذلك. على المذهب هي خمسة أشياء: - الأول: المراح. ويقصد بالمراح مكان المبيت. - الثاني: الفحل. ويقصد بالفحل: أن لا يخصص فحل أحد المالين لضرب هذا المال فقط. بل يكون الفحل مشاع للجميع. ولا يقصد الفقهاء بقولهم الفحل أنه يجب أن يكون فحل واحد لجميع الغنم مثلاً بل الشرط أن لا نخصص فحلاً معيناً لفئة من الأموال فنترك المجموعتين على سجيتها بدون أن نخصص فحلاً معينا لأحد المالين. - الثالث: المسرح: وهو المكان الذي تجتمع فيه البهائم لتذهب إلى المرعى - الرابع: الراعي. - الخامس: مكان الحلب. فيجب أنه يشترك المالان في هذه الخمسة أمور فإن لم يشتركا في جميع هذه الخمسة فلا يعتبر المال مخلوطاً وكل يخرج زكاته بحسب ماله. وهذا عند الحنابلة. = القول الثاني: أنه يرجع في معرفة الخلط وعدمه إلى العرف فإذا اعتبر العرف المال مختلطاً - البهائم مختلطه - اعتبرناها مختلطة وإلا فلا. وإلى هذا ذهب ابن مفلح ﵀. وهذا القول - الثاني - لا شك أنه هو الصواب. لأن القاعدة الشرعية تقول: (أنه إذا جاء لفظ في الشرع ولم يأت في الشرع له تحديداً فنرجع فيه إلى العرف). والشارع لم يحدد معنى الخلطة. والأحاديث التي فيها تحديد الفحل والمرعى والراعي ضعيفة. فنرجع إلى الأصل وهو أنه يعرف حد ذلك بالعرف. فما اعتبره الناس جميعاً فهو جميع.

стр. 877

والغالب في الخلط: أن يكون بسبب اتحاد الراعي. فإذا كان يوجد في المدينة شخص يرعى الغنم ومعروف برعيه لها صار كل مجموعة من الناس يعطيه عدد من الغنم فتجتمع عند هذا الراعي من هذا خمس ومن هذا خمس إلى أن تجتمع عنده أعداد كبيرة فيأخذ حكم الخلطة ونقول أخرج الزكاة من مجموع ما لديك من الأغنام مثلاً مع العلم أنه قد يكون لكل واحد من الذي أعطوه شاة واحدة لكن أعطاه أربعين شخص أربعين شاة فوجبت فيه الزكاة شاة واحدة. إذاً عرفنا الآن أن الخلطة تؤثر وعرفنا شروط تأثير الخلطة وعرفنا أن الصواب أنه يرجع في تحديد الخلطة إلى العرف الدارج بين الناس. والراعي يخرج من أموالهم ثم يرجعون على بعضهم بالسوية. فلو أن لشخص عشرين والآخر له عشرين وأخرجنا شاة من عشرين زيد فإن عمراً يعطي زيد نصف قيمة الشاة. والنبي ﷺ يقول في آخر الحديث: (وما كان من الخليطان فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية). يعني يرجع بالقيمة على من دفع. باب زكاة الحبوب والثمار بعد أن أنهى ﵀ الكلام عن زكاة بهيمة الانعام انتقل إلى باب زكاة الحبوب والثمار وهي ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع. - أما الكتاب فآيات كثيره منها قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن عباس: حقه الزكاة. - وأما الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم وهو إجماع في الجملة لأنه سيأتينا الإختلاف في الحبوب والثمار التي تجب فيها والتي لا تجب فيها. فالإجماع يقصد به في الجملة فتجب الزكاة في الحبوب والثمار. - وأما السنة فأحاديث مستفيضة كثيرة سيأتينا أفرادها أثناء بحث الباب. • قال ﵀: تجب: في الحبوب كلها ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر: كتمر وزبيب. يريد المؤلف ﵀ في هذه العبارة أن يبين الضابط الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار فيقول: في الحبوب كل وفي كل ثمر يكال ويدخر. = ذهب الحنابلة إلى أنه كل ما يكال ويدخر من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة ولذلك قال: في الحبوب كلها. بناء على أن الحبوب كلها مما يكال ويدخر. فالحنابلة يرون: أن كل حب أو ثمر يكال ويدخر فإنه تجب فيه الزكاة. واستدلوا على هذا:

стр. 878

- بقول النبي ﷺ ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر الاوق فدل على أن ما لا يكال لا تتعلق به الزكاة. فهذا دليل الكيل. وأما دليل الادخار فقالوا: - أن النعمة تتم وتكمل في الادخار يعني فيما يدخر دون ما لا يدخر فلا تجب فيه الزكاة. فيشترط في الحبوب والثمار لكي تجب فيها الزكاة أن تجمع بين وصفين: - الادخار. - والكيل. وهذا مذهب الحنابلة. = القول الثاني: أنه تجب الزكاة في كل ما يخرج من الارض. وهذا مذهب داود الظاهري وهو الذي تبناه الأحناف. واستدلوا: - بقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده). فإن الآية عامة لم تستثن شيئاً. = والقول الثالث: أن الزكاة تجب في كل ما يقتات ويدخر. ونستطيع أن نقول أن هذا مذهب الجمهور لأنه مذهب المالكية والشافعية. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ ذكر أنه لا زكاة في القثاء والبطيخ. وقالوا: سبب ذلك أنها ليست مما يقتات فليست قوتاً. وأما الادخار ف: - لأن النعمة إنما تعظم بما يدخر دون غيره - يعني: قريب مما استدل به الحنابلة. = والقول الأخير: الذي مال إليه شيخ الاسلام أن الضابط: الادخار فقط. - لأنه هو المعنى الذي يناسب أن يربط به وجوب الزكاة دون غيره. والصواب: مع الحنابلة. ما يكال ويدخر. فكل حب أو ثمر يكال أو يدخر فإنه تجب فيه الزكاة. بناء على هذا لا تجب الزكاة في جميع الخضراوات والفواكه. لأنها لا تكال ولا تدخر. ونذكر قول الظاهرية والذي تبناه ابن حزم: وهو أنه لا تجب الزكاة إلا في أربعة أشياء: البر والشعير والزبيب والتمر. فهذا مذهب الظاهرية وذهب إليه أيضاً بعض المحققين مثل أبو عبيد وأيضاً ذهب إليه بعض السلف من التابعين. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ لما أرسل معاذ إلى اليمن أمره أن لا يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربعة. وحديث معاذ هذا الذي فيه الأمر بخذ الزكاة من أربعة أصناف فقط فيه خلاف في تصحيحه وتضعيفه. فممن ضعفه الإمام الدارقطني والترمذي. وومن صححه الإمام البيهقي فقد رأى أن إسناده حسن.

стр. 879

وأنا عندي توقف في هذا الحديث ففي تصحيحه وتضعيفه إشكال فإن له شواهد ممكن أن تقويه وفي المقابل متنه غريب وفي اسناده ارسال ومما يزيد الاشكال أن الذين تكلموا فيه المتقدمون. وكما تلاحظ الخلاف بين البيهقي وهو من المتقدمين والدارقطني. فأوجد هذا نوع إشكال ففي تصحيحه وتضعيفه فيه نوع توقف عندي لكن مع ذلك أقول أن مذهب الحنابلة هو الصواب لأن في حديث الاوساق الإشارة الواضحة إلى مسألة الكيل. وحديث معاذ إن صح يحمل على أنه لا يوجد في ذلك الوقت في اليمن مما تأخذ منه الزكاة إلا هذه الأربع أصناف .. (((الأذان))). انتهى الدرس

стр. 880

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. لما بين المؤلف الانواع التي تجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار انتقل بعد ذلك إلى بيان شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار. - فالشرط الأول: أن يبلغ النصاب. وعبر عن هذا بـ: • قوله ﵀: ويعتبر: بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي. اشتراط بلوغ النصاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمس أوسق صدقة). فنص على أن الصدقة لا تجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق. والخمسة أوسق تساوي بميزاننا الحديث ستمائة واثنا عشر كيلو. فإذا ملك الانسان هذا المقدار وجبت عليه الزكاة. وتحديده بستمائة واثنا عشر كيلو مما اختلف فيه المعاصرون ولكن نختار هذا التقدير لكون شيخنا ﵀ صنعه بيده. فقام بقياس المقدار بيده ﵀. والاختلاف بينهم أمره يسير. فيكون النعتبر والمعتمد إن شاء الله هذا الرقم: ٦١٢ كيلو. • ثم قال ﵀: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض: في تكميل النصاب. أي إذا وجدت ثمرة واحدة لها أنواع فإن هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ولا يعتبر كل نوع على حدة.

стр. 881

فمثلاً: إذا قلنا تجب الزكاة في العنب. فإن العنب منه الأحمر ومنه الأبيض ومنه الطائفي ومنه البلدي وله أنواع معروفة فجمع هذه الانواع تضم بعضها إلى بعض فيما لو كانت مزرعة الإنسان تحتوي على جميع هذه الانواع فإذا بلغت النصاب المعتبر وجبت فيها الزكاة. إذاً: الأنواع المختلفة لجنس واحد يضم بعضها إلى بعض. ثم أراد المؤلف ﵀ أن يبين حكم الجنس بعد أن بين حكم النوع. وقبل ذلك نشير إلى أن قوله: (وتضم ثمرة العام الواحد) فالذي يضم ثمرة عام واحد أما ثمرة الأعوام المختلفة فلا يضم بعضها إلى بعض لأن النبي ﷺ كان يبعث السعاة في كل سنة مرة واحدة. فإذاً لا نضم بعضها إلى بعض فلو فرضنا أن الثمرة بقيت في بعض الشجر إذا أمكن ذلك إلى أن طلع الثمر من السنة القادمة فإنه لا يضم ثمر هذه السنة إلى ثمر السنة القادمة. • ثم قال ﵀: لا جنس إلى آخر. يعني: لا يضم جنس من الحبوب أو الثمار إلى آخر. فلا يجوز أن نضم البر إلى الشعير. ولا التمر إلى العنب. لأن هذه أجناس مختلفة لا يكمل نصاب بعضها من بعض لاختلاف الجنس وإنما يضم إلى بعضها إلى بعض إذا كانت أنواع مختلفة لجنس واحد. • ثم قال ﵀: - مبيناً الشرط الثاني: ويعتبر أن يكون النصاب: مملوكاً له وقت وجوب الزكاة. - الشرط الثاني: أن يكون المال الزكوي من الحبوب والثمار مملوكاً للإنسان وقت وجوب الزكاة. وسينص المؤلف ﵀ في الفصل اللاحق على وقت وجوب الزكاة. ووقت وجوب الزكاة هو: صلاح الثمر واشتداد الحب. فبالنسبة للثمر: أن يصلح: بأن يحر أو يصفر. وبالنسبة للحب: أنه يشتد. فإذا وصلت الحبوب أو الثمار إلى هذه المرحلة فقد بلغت وقت الوجوب. فمن شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال مملوك للإنسان وقت الوجوب. - فإذا باع المزارع الثمرة قبل بدو الصلاح - وجوب الزكاة - فالزكاة على المشتري. لأن المشتري هو الذي سيصادف وقت وجوب الزكاة. - وإذا باع الإنسان ثمرة بستاه بعد بدو الصلاح فالمشتري لا زكاة عليه وتكون الزكاة على البائع. فيجب أن يخرج زكاة هذه الثمرة التي باعها.

стр. 882

ولما قرر المؤلف ﵀ هذا الشرط: أنه لا تجب الزكاة إلا على من ملك النصاب وقت وجوب الزكاة وعرفت الآن متى يكون وقت وجوب الزكاة - انتقل إلى التفريع على هذا الشرط: • فقال ﵀: فلا تجب فيما: يكتسبه اللقاط. اللقاط: هو الذي يتتبع المزارع ليأخذ ما سقط منه سوار من الحب أو من الثمر. فلو فرضنا أن هذا اللقاط أخذ من الأرض ما يبغ نصاباً فلا زكاة عليه لأن الشرط لم يتحقق في حقه فإنه ملك هذه الثمار والزروع بعد وقت الوجوب. ونحن عرفنا أنه إذا ملك الإنسان الحبوب والثمار بعد وقت الوجوب فإن الزكاة لا تجب عليه. • ثم قال ﵀: أو يأخذه بحصاده. يعني: ولا تجب الزكاة على من أخذ الزرع بحصاده. وصورة هذا: أن يقول شخص لآخر: قم بحصاد الزرع ولك ثلث ما نتج. فإذا حصده وأخذ الثلث وبلغ الثلث نصاباً فإنه لا زكاة عليه لأنه ملكه بعد وقت الوجوب وهو: اشتداد الحب ز • ثم قال ﵀: ولا فيما: يجتنيه من المباح كالبطم والزَعْبَل وبزر قطونا، ولو نبت في أرضه. هذه الأشياء مباحه. ومعنى أنها مباحه: أي أنها لا تملك إلا بعد الأخذ وهب قبل الأخذ ملك لجميع المسلمين. - لقول النبي ﷺ : (الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ). فالكلأ ونحوه مما ينبت بغير فعل الآدمي لا يملك إلا بالأخذ فقبل الأخذ هو مباح لجميع المسلمين. فإذا أخذ الإنسان من هذه الأشياء المباحة ما يبلغ نصاباً فإنه لا زكاة عليه. والتعليل: أن هذه الأشياء لا تملك إلا بالأخذ. فإذاً هي وقت الوجوب لم تكن مملوكه لهذا الشخص. ويستثنى من هذا: - إذا سقط في أرض الإنسان بذر مما اعتاد الآدمي على وضعه في الأرض فإنه تجب عليه الزكاة ولو سقط بغير قصد منه. فلو أن شخصاً وقع أو سقط في أرضه المملوكة له بذر وأنبتت الأرض قمحاً ولم يكن وقوع هذا البذر بقصد منه وإنما بغير قصد منه فيجب عليه مع ذلك أن يزكي هذا الذي نبت في أرضه لأن هذا مما يملك وليس من الكلأ الذي يباح لجميبع الناس. إذاً: هذه المسائل الثلاث مفرعة على الشرط الثاني: ما يأخذه اللقاط وما يأخذه بحصاده وما يجتنيه من المباح. فصل [في قدر الواجب في الحبوب والثمار]

стр. 883

• ثم قال ﵀: (فصل) المؤلف ﵀ يريد أن يبين في هذا الفصل القدر الواجب ويريد أن يبين متى يكون وقت الوجوب وسيبين جملة من المسائل المهمة جداً والتي تتعلق بالحبوب والثمار. • قال ﵀: يجب: عُشر فيما سُقي بلا مؤونة. كلمة مؤنة هنا في هذه النسخة (نسخة الهبدان) يبدو أنها خطأ من الطابع أو شيء من هذا .. المهم أن النون عليها ضمة والصواب فتحة. وأيضاً تضاف بعد الواو المهموزة واواً أخرى. العشر هو: الواحد من عشرة. فيجب في الزرع والثمر الذي سقي بغير بمؤونة العشر: بالإجماع. - لقول النبي ﷺ : (فيما سقت السماء أو العيون أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر). وهذا الحديث في البخاري ومسلم ولا إشكال في صحته. إذاً إذا كان الزرع سقي بالسماء - يعني بالمطر - أو من خلال العيون التي تخرج من غير فعل آدمي أو كان عثرياً وهو الماء الذي يتجمع في البرك من غير فعل الإنسان ففي كل هذه الأحوال التي نص عليها الحديث يجب على المزارع أن يخرج العشر لأنه سقي بلا مؤونة. وهذه الأشياء المذكورة في الحديث ذكرت على سبيل التمثيل. فكل زرع سقي بلا مؤونة ففيه العشر. ـ مسألة: كل عمل يقوم به المزارع مرة واحدة في السنة ثم لا يعود إليه إلا من السنة القادمة فإن الزرع يعتبر سقي به بلا مؤونة. مثاله: إذا قام المزارع بشق حفرة ليأتي الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة في أول السنة ثم صار الماء يأتي من النهر إلى المزرعة بلا عمل من المزارع فهذا يعتبرربلا مؤونة لأنه عمل في السنة مرة واحدة. مثال آخر: إذا قام المزارع بتركيب الدولاب الذي يخرج الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة والذي يدير الماء هو النهر لا الحيوانات فإنه يركبه في السنة مرة واحدة ثم لا يعود إليه فهذا يعتبر بلا مؤونة. هذه الأشياء التي ذكرت في الحديث والتي ذكرتها الآن مما مثل به الفقهاء فكلها أمثلة. والقاعدة: أن ما سقي بلا مؤونة فيه العشر. • ثم قال ﵀: ونصفه معها. يعني ويجب نصف العشر في الزرع الذي سقي بمؤونة. - للحديث السابق وللإجماع.

стр. 884

ـ مسألة: توضح المقام: كل ما احتاج المزارع لإخراجه من الأرض وإيصاله للزرع إلى آله فهو بمؤونه. والمقصود بقول الفقهاء هنا: (آله) يعني تدار من قبل الآدمي. أي بصنع وعمل الآدمي. فإذا وضع آلة تدار بالحيوانات أو بالكهرباء أو بغيره من الوقود الذي تدار به الآلات فإنه يعتبر بمؤونة. أما الآلة التي تدور بمرور الماء في النهر فهذه بغير صنع الآدمي وإنما بمجرد جريان النهر. بناء على هذا: ما يوجد من آلات حديثة يخرج الماء عن طريقه في وقتنا المعاصر - كالدينموات والمكائن - فكل هذا يعتبر بمؤونة. لأن المزارع احتاج في إخراج الماء إلى الزرع إلى آله وهذه الآلة تدار من قبل الإنسان. عرفنا الضابط فيما سقي بمؤونة وعرفنا الحكم وهو: وجوب نصف العشر. • ثم قال ﵀ وثلاثة أرباعه بهما. يعني إذا سقي بمؤونة النصف وسقي بلا مؤونة النصف الآخر فإنه يجب فيه ثلاثة أرباع بإجماع الفقهاء. - لأن هذا مقتضى العدل. فإذا سقي ستة أشهر بمؤونة وسقي ستة أشهر أخرى بلا مؤونة فإن فيه ثلاثة أرباع إذا افترضنا أن النبتة بقيت هذا المقدار: اثنا عشر شهراً فإذا كانت عادة تبقى ستة أشهر فإذا سقيت ثلاثة بمؤونة وثلاثة بلا مؤونة ففيها كما قال المؤلف: ثلاثة أرباع. • ثم قال ﵀: فإن تفاوتا: فبأكثرهما. يعني إذا تفاوت السقي بين أن يكون تارة بمؤونة وتارة بلا مؤونة فـ: = عند الحنابلة يعتبر بأكثرهما. والمقصود بالأكثرية هنا: الأكثر نفعاً ونمواً لا عدداً ووقتاً. وهذا مهم في فهم مذهب الحنابلة. فإذا افترضنا أن المزارع سقى الشجرة لمدة شهر بلا مؤونة وسقاها لمدة عشرين يوماً بمؤونة والذي أثر في نضج الثمرة ونموها السقي الأخرين لمدة عشرين يوماً ففيه النصف لأن السقي الذي أثر هو الذي بمؤونة. الدليل: - قالوا: أن اعتبار كل سقيه ومعرفة مقدار كل سقيه أمر يشق فنرجع إلى الأكثر كما في السوم - في البهائم السائمة فإن في السائمة اعتبرنا الأكثر فكذلك هنا. = القول الثاني: أنه إذا تفاوت السقي بمؤونة وبغير مؤونة يؤخذ بالقسط منهما. لأنا إذا اعتبرنا القسط في النصف فكذلك فيما دون النصف أو أكثر من النصف.

стр. 885

يعني: أصحاب هذا القول يقولون: - عند جميع العلماء: إذا سقي النصف والنصف ففيه ثلاثة أرباع فإذا كنتم تعتبرون النصف حداً طبيعياً فكذلك إذا تفاوت فكان أكثر من النصف وأقل من النصف فكذلك يجب أن نراعي الحساب بحسب السقي. فنعتبر هذا الأمر بالنسبة فالأكثر هو المعتبر. وهذا القول الثاني هو: مقتضى العدل. • ثم قال ﵀: ومع الجهل العشر. يعني إذا قال المزارع أنا لا أدري أيهما أكثر السقي بمؤونة أو بغير مؤونة ولا أعرف مقدار كل منهما فنقول الواجب عليك حينئذ العشر. لدليلين: - أولاً: ليخرج من العهدة بيقين. - ثانياً: لأن الأصل في الحبوب والثمار وجوب العشر وإنما خفف إلى النصف إذا كان يسقى بالمؤونة. فنرجع إلى الأصل. إذاً إذا قال المزارع أنه يجهل: نقول: الواجب عليك العشر. ولو قيل في هذه المسألة أن المزارع يقدر ويحتاط لكان له وجه قوي جداً. فنقول: قدر واحتط في هذا التقدير ثم زك بحسب النسبة. فإذا قال: أنا لا أدري الزرع بقي لمدة ستة أشهر ولا أدري كم سقي بمؤونة وبغير مؤونة؟ نقول: هل تجزم بشهرين؟ فإذا قال: لا. نقول: شهر ونصف. إذا قال لا أجزم. إذا قلنا فشهر؟ فقال: الشهر قطعاً. أنه مر عليه شهر سقي بمؤونة. فنقول: اعتبر هذا الذي تجزم به واخصم من الزكاة بمقداره. أما على المذهب فإنه بمجرد ما يجهل نسبة كل منهما فيجب عليه مباشرة أن يخرج العشر. ثم انتقل المؤلف إلى بيان وقت الوجوب: • فقال ﵀: وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر: وجبت الزكاة. = ذهب الجماهير إلى هذا الضابط. أنه إذا اشتد الحب وبدا الصلاح فقد حصل وقت الوجوب. واستدلوا على هذا: - بأنه حينئذ يقصد بالأكل والاقتيات. فإذاً وقت الوجوب هو اشتداد الحب وبدو الصلاح. وبدو الصلاح يعني: أن تحمر أو تصفر الثمرة إذا كانت مما يحمر أون يصفر. ويأتي معنا ما تقدم من المسائل المهمة التي كثير من الناس يضطرب فيها فيقول من يخرج الزكاة. هل الذي يشتري المزرعة يخرج الزكاة أو مالك المزرعة يخرج الزكاة؟ وقد عرفنا من هو الذي يخرج الزكاة؟ وهو: الذي تكون الثمرة مملوكة له وقت الوجوب سواء كان البائع أو المشتري.

стр. 886

فأي إنسان يملك الثمرة أو الزرع وقت الوجوب فهو الذي مخاطب بوجوب إخراج الزكاة. وغالباً سيكون: المالك - البائع - لأنه لا يجوز أصلاً بيع الثمر قبل بدو الصلاح. فدائماً سيكون من يجب عليه الزكاة هو: المالك - البائع. لأنه أصلاً لا يجوز له أن يبيع إلا بعد الصلاح. إذاً: لو قيل: هل لهذه المسألة فائدة؟ نقول: نعم لها فائدة لأنه يوجد صور فيها خلاف لكن أجاز بعض أهل العلم شراء الثمر فيها قبل بدو الصلاح. من أمثلة هذه الصورة: أن يشتري الإنسان الثمر قبل بدو الصلاح بشرط القطع ثم يبقيها من غير حيلة. فلو جاء إنسان ليشتري ثمر النخيل لهذا العام قبل بدو الصلاح نقول له: لا يجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح. فإذا قال: سأشتري ثم أقطع مباشرة ولن أنتظر النضج لأني سأستعمل هذه الثمار لإعلاف الدواب. نقول: إذا كان ستقطع مباشرة فيجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح. ثم لما اشترى بدا له أن يترك الثمرة - من غير حيلة بحيث يكون نوى من الأصل فحينئذ يجوز له أن يشتري وأن يبقي الثمرة ويكون الزكاة على امشتري في هذه الصورة. فالمهم نقول: من ملك هذه الحبوب والثمار وقت وجوب الزكاة فهو الذي يجب عليه أن يخرج الزكاة. • ثم قال ﵀: ولا يستقر الوجوب: إلاّ بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه: سقطت. البيدر هو: اسم للمكان الذي تجمع فيه الثمار ليتم نضجها ويبسها. فالمؤلف ﵀ يقول: لا يستقر الوجوب إلا بجعلها بالبيدر. يعني: إذا خرصنا الثمر على رؤس النخل وعرفنا مقدار الزكاة فيه ثم قبل أن تحصل هذه الثمرة وتجعل في مكان جاف تحت الشمس لتيبس فقبل ذلك أصابتها جائحة فإنه لا يجب على مالك الثمرة الزكاة. = وهذا مذهب الجمهور. واستدلوا على ذلك: - بأن هذه الثمرة قبل التحصيل ليست في يده ولا تحت تصرفه ولو أصابتها جائحة بعد البيع لرجع البائع على المشتري فإذا تلفت لم تجب فيها الزكاة. لكن اشترط المؤلف ﵀ كما تلاحظ في المتن شرطاً: أن يكون ذلك بغير تعد منه: • فقد قال ﵀: فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت. إذا تلفت بغير تعد من المزارع قبل أن يجعلها في البيدر سقطت. أما إذا تلفت بتعد منه فإنها لا تسقط.

стр. 887

مثال التعدي: أن يتساهل المزارع قبل جني الثمرة ويرش هذه الثمرة بالسم القاتل للحشرات المضرة ولكن يتساهل ويفرط ويكثر من الرش ولا يراعي الطريقة الصحيحة للرش فيؤدي ذلك إلى فساد الثمر. فعلى المذهب يجب على المزارع أن يضمن الزكاة لأنها فسدت بتفريط منه. وعرفنا بهذه للمؤلف: أن الثمرة من حيث التعدي والتفريط ووجوب الزكاة لها ثلاثة أنواع: - النوع الأول: أن تفسد قبل وجوب الزكاة: يعني: قبل بدو الصلاح: فحينئذ: لا تجب الزكاة ولو فسدت بتعدي وتفريط المزارع. لأن الزكاة لم تجب في ذمته أصلاً قبل وقت الوجوب. - النوع الثاني: الذي ذكره المؤلف عندنا هنا: أن تتلف بعد وجوب الزكاة وقبل جني الثمرة: فإن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن. - النوع الثالث: أن تتلف الثمرة بعد جنيها ووضعها في البيدر: فحينئذ يجب على المالك أن يضمن الزكاة ولو كان التلف بغير تفريط ولا تعدي. إذاً هذه ثلاثة أنواع مهمة جداً للمزارعين: متى يجب عليه أن يضمن. - ومتى يجب أن يضمن؟. بالنسبة للنوع الأول وهو: إذا تلفت قبل وجوب الزكاة لا إشكال أنه لا يضمن لأنها لم تجب أصلاً سواء كانت بتعدي أو تفريط أو بغير تعدي أو تفريط. وبالنسبة للنوع الثاني والثالث: = القول الثاني: أن المزارع لا يضمن مطلقاً في أي مرحلة من مراحل الثمرة إلا بالتعدي والتفريط. - تعليل ذلك: أن يد المزارع على الثمرة يد أمانة والقاعدة تقول: ((أن يد الأمانة لا تضمن إلا بتعدي أو تفريط)). وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله. ـ مسألة: - تبين ثمرة الخلاف - إذا خذ الإنسان التمر ووضعه في الجريد أو في البيدر لينضج أن ليتم نضجه ويبسه واحترق بغير تفريط ولا تعدي منه: فما الحكم؟ = عند الحنابلة: يضمن. لأنه بعد جني الثمرة. = وعلى القول الصواب: لا يضمن. إذا تلفت الثمرة بعد وقت الوجوب وقبل الجني بغير تعد ولا تفريط فعلى القولين لا يضمن لا عند الحنابلة ولا عند أحاب القول الثاني. إذا تلفت الثمرة قبل وجوبها بتعد وتفريط: لا يضمن. إذا تلفت قبل جنيها بتعد وتفريط: يضمن عند الجميع. وإذا تلفت بعد جنيها بتعد وتفريط: يضمن. إذاً يضمن دائماً بتعد وتفريط إلا إذا كان ذلك قبل الوجوب. • ثم قال ﵀ -

стр. 888

ويجب: العشر على مستأجر الأرض. يعني: أن الذي يجب عليه إخراج الزكاة هو: المستأجر لا مالك الأرض. لأن المستأجر الذي زرع هو المالك الحقيق للثمرة لا صاحب الأرض. يدل على هذا: أن من استأجر حانوتاً فإن وجوب زكاة التجارة عليه على مؤجر الحانوت فكذلك من أجر أرضاً لمن يزرعها فالزكاة على الزارع لا على مالك الأرض. ثم انتقل المؤلف ﵀ للكلام عن العسل: • فقال ﵀: وإذا أخذ من ملكه أو مواته من العسل مائة وستين رطلاً عراقياً ففيه: عشره. بين المؤلف ﵀ في هذه العبارة مسألتين: ـ المسألة الأولى: النصاب وهي مائة وستين رطلاً. الدليل على هذا التقدير: - أنه روي عن عمر ﵁ أنه قدر نصاب العسل بهذا المقدار وهو يساوي: بالكيلوات المعاصرة ٦٢كيلو تقريباً. = القول الثاني: لأبي حنيفة أن الزكاة تجب في العسل في قليله وكثيره. - لعموم قوله تعالى: - (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ .. ) -[البقرة/٢٦٧]. فإنه يعتبر العسل من جنس الخارج من الأرض فتجب عنده في القليل والكثير. والصواب. أنها لا تجب إلا إذا بلغت هذا المقدار لوروده عن عمر ﵁. ـ المسألة الثانية: عند قوله: (ففيه عشره) يعني: أن الزكاة تجب في العسل وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀. وهو مذهب الحنابلة والمذهب الشخصي للإمام أحمد. استدلوا على هذا بأمرين: - أولاً: أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ أنه أوجب الزكاة في العسل على بعض أهل اليمن. ولا يصح في وجوب زكاة العسل حديث عن النبي ﷺ مطلقاً. فجميع الأحاديث المرفوعة التي تفيد وجوب زكاة العسل ضعيفة. - ثانياً: أنه صح عن عمر ﵁ أنه أمر رجلاً من أهل اليمن أن يخرج زكاة العسل الذي يملك نحله ومقابل ذلك يقوم عمر ﵁ بمنحه مساحة من الأرض لنحله ويحميها له فقال: نحمي لك وتخرج الزكاة. = القول الثاني: أنه لا تجب الزكاة في العسل. - لأن الأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم. - ولأنه لم يثبت في حديث صحيح وجوب الزكاة في العسل. والقول الثاني هو الصواب.

стр. 889

والقول الأول يتعين فيه الاحتياط لأنه مروي عن عمر ﵁ ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالفه أو اعترض عليه. فينبغي لمن ملك عسلاً أن يحتاط ويخرج العشر من القيمة أو من نفس العسل. وكما قلت الاحتياط في هذا في الحقيقة متعين - نقول الاحتياط متعين لا الزكاة .. • ثم قال ﵀: والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية. الركاز عرفه المؤلف. فهو ما يوجد من دفن الجاهلية. يعني: ما يجده الإنسان مدفوناً عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في العهد الجاهلي. فتبين من هذا أنه إذا وجد مدفوناً عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في عهد المسلمين فليس من الركاز. وهو كذلك ويعتبر من اللقطة. ثم بين المؤلف ﵀ حكمه: • فقال ﵀: فيه الخمس في قليله وكثيره. الركاز: تميز بأحكام يختص يها لا يشترك معه غيره من الأموال الزكويه: - منها: أن الزكاة تجب في قليله وكثيره. - ومنها: أنه لايشترط له حول وأنه - كما قلنا لا يشترط له نصاب. - ومنها: أن مصرفه في مصالح المسلمين لا كما في الزكاة في الأصناف الثمانية التي ستأتينا. إذاً اختلف عن غيره من الأموال الزكوية بهذه الثلاثة أمور. الدليل على هذا: - قوله ﷺ : (وفي الركاز الخمس). وقوله: الخمس. قال الحنابلة: المقصود بالخمس هنا ال في الخمس للعهد الذهني يعني: الخمس المذكور في كتاب الله (لله ولرسوله) يعني بعبارة أخرى: الخمس الذي يجب في الفيء وهو يصرف في مصالح المسلمين العامة. فإذا أخرج الخمس من الرماز مهما كانت قيمة هذا الركاز فإن الباقي له قد ملكه إياه الشارع مهما كان نوع الموجود فما دام له قيمة وثمن سواء كان من الذهب أو الفضة أو من غيرهما. فإذا وجد معدناً نفيساً ففيه الخمس ولو لم يكن من الذهب والفضة. باب زكاة النقدين . • ثم قال ﵀: باب زكاة النقدين. يجب في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالاً .. الخ. الذهب تجب في الزكاة بالإجماع فلم يخالف في هذا أحد من أهل العلم ولله الحمد. وقد دل على وجوبه: الكتاب والسنة. - أما من الكتاب: فقوله تعالى: - (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) -[التوبة/٣٤].

стр. 890

ومن المعلوم أن البشارة بالعذاب الأليم لا تكون إلا على ترك واجب بل على ترك فريضة. - ومن السنة: قوله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ثم أحمي عليها في نار جهنم ثم كوي بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس). ولا يخفى مقدار المبالغة في العذاب المذكور في هذا الحديث فإنه ذكر أنها تصفح صفائح من نار ومع هذا يحمى عليها في نار جهنم ومع هذا يبقى يكوى عليها لمدة طويلة وهي خمسين ألف سنة ومع هذا يكوى في أكثر من موضع ومع هذا يكوى في أماكن يشتد فيها الألم وهو الجنب والظهر والجبين ومع هذا يكوى في موقع فيه إهانة وتوبيخ وهو الجبين. فلاحظ كيف شدد في العذاب على تارك الزكاة ولهذا اتفقوا على أن تارك الزكاة مرتكب كبيرة. • قال ﵀: يجب في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالاً: ربع العشر. مع اتفاق العلماء على وجوب الزكاة في الذهب إلا أنه ليس في السنة حديث صحيح يدل على نصاب الذهب وهذا من الغرائب ومن حكمة الله. إذاً: ما هو الدليل؟ الدليل: ذكروا أشياء: - الأول: الإجماع فإن أهل العلم أجمعوا على أن نصاب الذهب عشرين دينار إلا واحد من السلف خالف وهو الحسن البصري فقال: النصاب أربعين مثقالاً. إذاً الدليل الأول الإجماع إلا ما يذكرلا عن الحسن. - الثاني: روي في الباب أحاديث عن عائشة ﵂ وعن علي ﵁ ولكنها ضعيفة. - الثالث: فيه آثار عن أصحاب النبي ﷺ . فلا إشكال إن شاء الله في أن النصاب هو عشرون مثقالاً. ـ مسألة - مهمة جداً -: هل نصاب الذهب يعتبر نصابا مستقلا أو يعتبر بالفضة؟ أي: إذا وجدنا عشرين دينار قيمتها أقل من مائتي درهم فهل تجب فيها الزكاة؟ وأيضاً: إذا وجدنا أقل من عشرين دينار لكن قيمتها مائتي درهم فهل تجب فيها الزكاة؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين: = القول الأول: أن الذهب له نصاب مستقل لا يعتبر ولا يرتبط بالفضة فيجب لكي نخرج زكاة الذهب أن يبغ عشرين مثقالاً برأسه.

стр. 891

= القول الثاني: أن نصاب الذهب معتبر بالفضة. ففي الحقيقة نصاب الذهب هو ما يبلغ قيمته مائتي درهم سواء كان أقل أو أكثر من عشرين ديناراً. واستدل هؤلاء: - بأن الله ورسوله أوجبا في الذهب ومع ذلك لم يأت عنهم ما يدل على النصاب فدل على أنهم أرادوا ربطها بالفضة وأنه يعتبر نصاب الذهب بنصاب الفضة. وإلى هذا القول - الثاني - ذهب عدد من السلف. وأنا أرى أنه هو القول الراجح وأن نصاب الذهب يعتبر بالفضة وأنه لهذا المعنى لم يأت في السنة ما يدل على نصاب الذهب ليرتبط بالفضة. أضف إلى هذا أن ربط الذهب بالفضة في الغالب هو من صالح الفقير. فإذا تقرر هذا تبين أن الأصل في اعتبار القيمة في باب الزكاة هو الفضة لا الذهب. هذا إذا رجحنا القول الثاني فدل هذا على أن الأصل أن نعتبر القيمة في الفضة لا بالذهب. فإذا بلغت قيمة الريالات بالفضة زكاة ولم تبلغه بالذهب فهل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ الجواب: فيها زكاة. لأن المعتبر هو الفضة. هذا إذا رجحنا القول الثاني وهو قول وجيه جداً كما ترى. • ثم قال ﵀: وفي الفضة: إذا بلغت مائتي درهم، ربع العشر منهما. نصاب الفضة دل عليه النص والإجماع. فقد أجمع العلماء على أن نصابه مائتي درهم. وقال النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق صدقة). والأوقية الواحد أربعين درهماً. فالمجموع: مائتي درهم. وهي تساوي في موازيننا المعاصرة: خمسمائة وخمس وتسعين جراماً. وأما الذهب - ولم نذكره في محله - يساوي خمس وثمانون جراماً. فمن ملك خمس وثمانين جرام وجبت عليه الزكاة. ومن ملك من الريالات ما قيمته خمس وثمانون جراماً وجبت عليه الزكاة. ومن ملك من الريالات ما قيمته خمسمائة وخمس وتسعين جراماً وجبت عليه الزكاة. وهذا كما هو معلوم يختلف باختلاف سعر الجرام. فإذا أراد الإنسان أن يعرف هل ملك نصاباً من الريالات أو من العملة أي نوع من أنواع العملة المعاصرة فعليه أن يسأل عن سعر الجرام ثم يضرب السعر بالذهب بخمس وثمانين وبالفضة بخمسمائة وخمس وتسعين. • ثم قال ﵀: ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب. يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب في كل منهما.

стр. 892

فإذا كان عنده نصف نصاب من الفضة وعنده من الذهب ما قيمته مائة درهم صار مجموع ما عنده مائتي درهم وهو نصاب الفضة. إذاً يضم نصاب الذهب إلى الفضة في التكميل - يكمل الذهب من الفضة والفضة من الذهب. الدليل: - أولاً: قالوا: الدليل على ذلك: أن المقصود من الذهب والفضة واحد وجهة الانتفاع منهما واحدة لأن كلا منهما يعتبر ثمناً للأشياء. - ثانياً: أن الذهب والفضة كل منهما يقيم ويضم في عروض التجارة. يعني: الذهب يضم إلى عروض التجارة والفضة تضم إلى عروض التجارة فدل على أنهما واحد. = القول الثاني: أن لكل منهما نصاباً مستقل فلا يضم نصاب الذهب إلى الفضة ولا نصاب الفضة إلى الذهب. - لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق صدقة). قالحديث نص على أن الإنسان إذا ملك من الفضة دون خمس أواق أو دون مائتي درهم فإنه لا يجب عليه أن يزكي ولم يشر الحديث لا من قريب ولا من بعيد إلى التكميل بالذهب بالنسبة للفضة. وهذا القول هو الصواب إن شاء الله. والسبب في ترجيحه أن مال المسلم الأصل فيه العصمة في الحقيقة فما دام لا يوجد دليل صحيح في الضم نبقى على الأصل وهو عدم الوجوب. وإن كان ما ذهب إليه الجنابلة وجيه جداً في الحقيقة لأن الذهب والفضة وعروض التجارة سيأتينا أنها شيء واحد لكن الذي سبب ترجيح القول الثاني هو عصمة مال المسلم وأن الأصل عدم الوجوب وبراءة الذمة. ـ مسألة: هل المعتبر بالفضة الوزن أو العدد؟ اختلف الفقهاء: = فذهب الجماهير والجم الغفير إلى أن المعتبر الوزن لا العدد. فإذا ملك الإنسان أقل من مائتي رهم لكن وزنها خمس أواق فتجب عليه الزكاة. واستدلوا: - بقول النبي ﷺ ليس فيما دون خمس أواق صدقة. = القول الثاني: أن المعتبر في الدراهم في تافضة العدد لا الوزن. - لقول النبي ﷺ فإذا بلغ مائتي درهم وجبت فيه الزكاة فنص على العدد. والحديثان صحيحان. وإلى هذا القول - الثاني - ذهب شيخ الاسلام ابن تيمية. واستدل على هذا: - بأن النبي ﷺ أوجب في مائتي درهم زكاة مع العلم أن الدراهم في وقته تختلف أوزانها فدل على أن المعتبر العدد لا الوزن.

стр. 893

والأقرب: أنه ينظر في ذلك إلى مصلحة الفقير فإذا وجبت الزكاة باعتبار الوزن أو باعتبار العدد وجبت الزكاة. لأن النبي ﷺ أوجب الزكاة باعتبار الوزن تارة وباعتبار العدد تارةة فمتى وجبت الزكاة بأي منهما وجبت الزكاة. فإذا ملك مائتي درهم تساوي أربعة أواق: = فعند الجمهور: لا تجب. = وعلى القول الثاني: تجب. وإذا ملك الإنسان مائة درهم وزنها خمس أواق: = فعند الجمهور: تجب. = وعلى القول الثاني: لا تجب. = وعلى القول الثالث: في المسألتين: تجب. • ثم قال ﵀: وتضم قيمة العروض إلى كل منهما. يعني: يكمل النصاب في قيمة عروض التجارة من: - الذهب. - ويكمل أيضاً من الفضة. - ويكمل من الذهب والفضة. الأول والثاني واضح. وأما الثالث فمثاله: لو ملك عروض تجارة قيمتها خمسين درهماً وعنده خمسين درهم وعنده ذهب بقيمة مائة درهم. فكم قيمة المجموع؟ مائتي درهم. وهو النصاب. فالآن أكملنا العروض بالذهب والفضة. وإلى هذا ذهب العلماء كلهم وهي محل إجماع. والدليل على هذا: - أن عروض التجارة تقوم بالذهب تارة وبالفضة تارة. فدل على أنه يكمل منهما النصاب جميعاً. وهذا واضح جدا لأن عروض التجارة أحياناً نعتبرها بالفضة وأحياناً نعتبرها بالذهب. بناء على هذا: نكمل النصاب من الذهب ومن الفضة. وهذه ليست محل خلاف. وقبل الدخول في مسألة ما يباح للذكر وما لا يباح: - ذكرنا أنه الأقرب أنه لا يكمل نصاب الذهب من الفضة ولا نصاب الفضة من الذهب: ـ مسألة: تضاف إلى هذا: مع ذلك الصواب أنه يجوز أن يخرج زكاة الذهب من الفضة وزكاة الفضة من الذهب خلافاً للحنابلة. الدليل: - لأن الغرض يحصل بإخراج الزكاة من أي منهما. وإذا حصل مقصود وغرض الشارع فأي مانع من أن نخرج الزكاة من الذهب عن الفضة أو العكس. بشرط أن لا يضر ذلك بالفقراء. (((الأذان))). انتهى الدرس

стр. 894

توقفنا بالأمس عند الكلام عن حكم الفضة عند قوله ﵀: ويباح للذكر. • فقال المؤلف ﵀: ويباح للذكر من الفضة: الخاتم وقبيعة السيف وحلية المنطقة ونحوه. ظاهر كلام المؤلف ﵀ عندما قال: (ويباح للذكر). أن الأصل في الفضة التحريم. إلا ما دل الدليل على جوازه مما سيذكره المؤلف ﵀. = وإلى هذا ذهب الجمهور. = والقول الثاني: أن الأصل في الفضة الإباحة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الاسلام ﵀ وعدد من المحققين. لدليلين: - الأول: قوله ﷺ : (أما الفضة فالعبوا بها لعباً). - الثاني: عدم وجود دليل صريح صحيح يدل على تحريم الفضة مطلقاً. وهذا القول أقرب للدليل. • قال ﵀: ويباح للذكر من الفضة: الخاتم وقبيعة السيف عرفت أن هذا التفصيل إنما هو على القول بالمنع المطلف للفضة. فإذا قلنا: تمنع مطلقاً فيجوز منها: ــ الخاتم: فيجوز للإنسان أن يتخذ خاتماً من فضة. - لأن النبي ﷺ صح عنه في الصحيحين أنه اتخذ خاتماً من وَرِقٍ. فدل هذا على جواز أن يتخذ الذكر المسلم خاتماً من وَرِقٍ. وقد صح عن النبي ﷺ أنه اتخذه تارة باليمين وتارة بالشمال ولم يخص إحدى اليدين بوضع الخاتم فيها. وهذا يدل على أن ما يلبس في اليدين مما هو من جنس الخاتم ليس هناك سنة فيه: أن يكون في اليمين أو أن يكون في الشمال لأنه صح عن النبي ﷺ أنه جعله تارة في اليمين وتارة في الشمال. • ثم قال ﵀: وقبيعة سيف. قبيعة السيف هي: ما يجعل على طرف المقبض من السيف. فهذا يجوز أن يكون من الفضة. بعبارة أخرى: يجوز أن نحلي السيف بالفضة. الدليل من وجهين: - الأول: أن النبي ﷺ اتخذ سيفاً وفي طرف قبضته فضة. وهذا الحديث حكم الأئمة بالإرسال وله شواهد. - الثاني: أن الزبير بن العوام وعروة ﵄ اتخذوا سيوفاً محلاة بالفضة. فدل هذا على الجواز. • ثم قال ﵀: وحلية المنطقة. المنطقة هي: ما يشدها الرجل على وسطه ليضع فيها ما يشاء من أشيائه. فهذه المنطقة يجوز أن نحليها بالفضة. والدليل على هذا: - ما اشتهر بين أصحاب النبي ﷺ أنهم فعلوا ذلك. يعني: حلوا المناطق التي يشدونها بأوساطهم بالفضة فدل هذا على الجواز.

стр. 895

• ثم قال ﵀: ونحوه. المقصود بنحوه: في هذا السياق يعني: آلات الحرب والملبوسات. فيجوز في هذين الأمرين أن نحليها باليسير من الفضة كما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه. وقد سمعت الخلاف في الأصل من حيث حكم الفضة. ولما انتهى المؤلف ﵀ من الفضة انتقل إلى الذهب. • قال ﵀: ومن الذهب: قبيعة السيف. = يعني: أنه يجوز أن نحلي قبيعة السيف أو أن تكون قبيعة السيف من الذهب. وقوله قبيعة السيف: يعني فقط دون غيره من آلات الحرب. - لأنه جاة عن أصحاب النبي ﷺ أنهم اتخذوا السيوف المحلاة بالذهب. يعني: التي كانت يوضع في طرفها شيء من الذهب. = والقول الثاني: أنه يجوز أن نحلي كل آلات الحرب السيف وغيره وأن الحكم لا يختص بالسيف. - إذ لا يوجد معنى يخصص الحكم بالسيف. = والقول الثالث: أنه يجوز اليسير من الذهب في آلات الحرب وفي الملبوسات جميعاً. بشرط أن يكون يسيراً. والدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ لبس قباءً أزراره من ذهب. وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري. فدل هذا على جواز لبس اليسير من الذهب سواء كان في آلات الحرب من السيف والرمح والسهم وغيرها أو في الملبوسات بشرط أن يكون يسيراً كما جاء في هذا الحديث الأزرار ونحوها. وهذا القول الأخير: اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀. والأقرب أن يسير الذهب جائز فإن فيه نص في البخاري. • ثم قال ﵀: وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه. - لأن عرفجة بن أسعد ﵁ قطع أنفه في الجهاد فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن ثم اتخذ أنفاً من ذهب. فدل على أنه يجوز أن نضع من الذهب ما دعت ليه الحاجة. ويدل على ذلك أيضاً: - النصوص العامة الدالة على رفع الحرج. - وأن الضروران تبيح المحرمات. ويدل عليه أيضاً: - ما اشتهر عن عدد كبير من السلف ﵃ أنهم شدوا أسنانهم بالذهب. فإذاً: مجموع هذه النصوص يدل دلالة أشبه ما تكون بالقطعية على جواز استخدام الذهب للضرورة. • ثم قال ﵀: ويباح للنساء من الذهب والفضة: ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر. يجوز للنساء أن تتحلى بالذهب.

стр. 896

وهذا أمر مجمع عليه. ودلت عليه النصوص. فمن ذلك: - أن النبي ﷺ لما خطب يوم العيد ثم انتقل إلى النساء وأمرهن بالصدقة صرن يتصدقن بحليهن والنبي ﷺ يأخذ ذلك بقبول. فدل على أن اتخاذ المرأة للحلي جائز. - الدليل الثاني: قول النبي ﷺ عن الذهب والحرير. أحل لإناث أمتي وحرم على ذكورها. - والإجماع: فقد أجمعوا على جواز لبس الذهب بالنسبة للنساء. ولو كان كثيراً: - لأن النصوص عامة. ويستثنى من هذا إذا كانت الكثرة تدخل في حد الإسراف. فإنه حينئذٍ يعتبر محرم. مسألة / دَلَّ عموم كلام المؤلف ﵀ أن الذهب يجوز بجميع أنواعه سواء كان محلق أو غير محلق. وهذه المسألة في الحقيقة أشبه ما تكون متفق عليها بين أهل العلم أن الذهب المحلق يجوز ولك تزل نساء الصحابة والنبي ﷺ يلبسن الذهب المحلق وأكثر ما يتخذ الذهب إنما يتخذ محلقاً ووجد الخلاف عند بعض المعاصرين المتأخرين فذهب إلى المنع من الذهب المحلق متمسكاً بظواهر بعض النصوص والصواب الذي لا إشكال فيه إن شاء الله وعليه عامة السلف ولا أذكر الآن خلاف أصلاً بين السلف أن الذهب بجميع أنواعه جائز سواء كان محلق أو غير محلق. وربما يوجد عن واحد أو اثنين - أنا لا أذكر الآن لكن أقول ربكا نقل عن رجل أو اثنين من السلف: المنع من المحلق. لكن هذا القول أصبح كالمهجور واستقر أهل الرأي وأهل الفتوى من علماء المسلمين وأقصد بذلك المتقدمين بالقرون الأولى والثانية والثالثة والرابعة أن المحلق جائز ولا إشكال فيه. • ثم قال ﵀: ولا زكاة في حليهما المعد للإستعمال أو العارية. أفادنا المؤلف ﵀ أنه لا زكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية: يعني الذي يعار ويقاس عليه كل ذهب مباح. كل ذهب أبيح اتخاذه واستعماله. وهذه المسألة مسألة كبيرة وهي هل في الذهب - الحلي المعد للاستعمال زكاة أو لا؟ فيه خلاف كبير: على أقوال: - القول الأول: الذي ذكره المؤلف ﵀ وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وجماهير الصحابة وعلمة العلماء أنه ليس في الذهب إذا اتخذ حلياً زكاة.

стр. 897

واستدل هؤلاء بأدلة: - الدليل الأول: صح عن عائشة ﵂ أنها كانت لا تخرج الزكاة عن الذهب إذا اتخذ حلياً. - الدليل الثاني: صح عن ابن عمر ﵁ أنه لا يرى في الذهب الذي اتخذ حلياً زكاة. - الدليل الثالث: أن الذهب إذا اتخذ على هيئة الحلي أن هذا الذهب يشبه أدوات القنية أكثر منه الأموال النامية فهو يشبه الملبوس والمركوب والسكن وآلات القنية أكثر منه شبهاً بالأموال الزكوية الأخرى باعتبار أن المناط المشترك أو القاسم المشترك بين الأموال الزكوية قبولها للنماء وهذا الذهب غير قابل للنماء باعتبار أنه يعد للاستعمال. فهذه ثلاثة أدلة تدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي وسيأتي إتمام لهذه الأدلة وتأكيد عندما نذكر الراجح. = القول الثاني وهو مذهب الأحناف ومال إليه ونصره بقوة ابن حزم وكثير من المتأخرين. أن الزكاة تجب في الحلي المعد للاستعمال. واستدل هؤلاء بنوعين من الأدلة: ١ - أدلة عامة. ٢ - وأدلة خاصة. ــ النوع الأول: الأدلة العامة. استدلوا: - بقوله تعالى ﴿ ... والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة/٣٤]. ولاشك أن الحلي ذهب أو فضة. والجواب على هذا الدليل: أن الكنز في لغى العرب واستعمال الشارع لا يطلق إلا على الدراهم والدنانير دون الحلي فإن الحلي لا يسمى في اللغة ولا في العرف: كنزاً. ويدل على هذا المعنى أنه قال: ﴿ ... ولا ينفقونها .. ﴾ والتي تنفق هي الدراهم والدنانير لا الحلي المعد للإستعمال فإن الحلي المعد للإستعمال لا ينفق وإنما يبقى للإستعمال. فهذا الدليل الأول وجوابه. - الدليل الثاني: استدلوا أيضاً بالعمومات من السنة: ــ كقول النبي ﷺ : (وفي الرقة ربع العشر). ــ وكقوله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها ... ) الحديث. والجواب عليه: أن الرقة والفضة تطلق في العرف والاستعمال على المضروب دون الحلي.

стр. 898

فما أجبنا به عن الآية هو الجواب عن نصوص السنة العامة وهو أنه يقصد بالذهب والفضة في هذه النصوص الدراهم والدنانير التي تتخذ للإنفاق والتنمية دون الحلي فإنها لا تدخل في منطوق هذه النصوص. ــ النوع الثاني: الأدلة الخاصة. واستدلوا بعدة أدلة: - الدليل الأول: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة دخلت على النبي ﷺ وفي يدها مسكتان من ذهب فقال النبي ﷺ (أتؤدين زكاة هذين). قالت: لا. قال: (أيسرك أن يطوقك الله بهما طوقين من نار يوم القيامة). - الدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ نحو حديث عمرو بن شعيب تماماً. - الدليل الثالث: حديث أم سلمة ﵂ وهو أيضاً نحو حديث عائشة وعمرو بن شعيب. فإن ألفاظ هذه الأحاديث الثلاثة متقاربة. وهذه الأحاديث الثلاثة: عمرو وعائشة وأم سلمة هي أقوى الأدلة في الباب. يوجد أدلة أخرى لكن لا نشتغل بها لضعف أسانيدها. نبقى في هذه الأدلة التي تنص على وجوب الزكاة في الحلي. أجاب الجمهور عن هذه الأدلة بجوابين: ــ الجواب الأول: أن المقصود في هذه النصوص: العارية وأن هذا فهم الصحابة فإن الصحابة فهموا أن زكاة الحلي بإعارته. ــ الجواب الثاني: أن هذه الأحاديث ضعيفة. وممن ضعف هذه الأحاديث جميعاً الحافظ الترمذي فإنه قال في السنن: ولا يصح في هذا الباب شيء. وممن ضعف هذه الأحاديث ابن حزم فإنه قال: إنه في وجوب زكاة الحلي آثار ضعيفة. فهو ﵀ يرى وجوب الزكاة لكن مع ذلك يضعف جميع الأحاديث فهو يعتمد في الوجوب على العمومات حتى لا يشكل على الإخوان كيف يضعف الأحاديث ويقول بوجوب زكاة الحلي. وممن أشار إلى ضعفها أيضاً الإمام الكبير الشافعي فإنه أشار إلى أنه لا يثبت في وجوب زكاة الحلي شيء. فهؤلاء ثلاثة من الأئمة وهذه الأحاديث لا تخلو أسانيدها من ضعف ولا تخلو متونها من بعض النكارة. فكل متن من هذه المتون فيه نوع نكارة والكلام عن كل واحد من هذه الأحاديث من حيث المتن يطول جداً فإن متون هذه الآثار أعلت كل واحد منها بأكثر من وجه.

стр. 899

والذي يظهر والله أعلم أن هذه الأحاديث لا تثبت عن النبي ﷺ وأن الجواب الثاني هو الأقرب ولا يثبت أن النبي ﷺ أمر تلك المرأة أو عائشة أو أم سلمة بزكاة ما عليها من حلي. - الدليل الأخير لهم: ثبت عن ابن مسعود أنه يرى وجوب الزكاة في الحلي. ونقل عن غيره. والصواب أنه لا يثبت القول بوجوب الزكاة عن أحد من الصحابة إلا عن ابن مسعود فقط. وقد صرح بهذا عدد من الحفاظ. وابن مسعود سكن الكوفة وفقهاء الكوفة أخذوا عنه هذا القول ولذلك تجد أن أبا حنيفة وروي أحد القولين عن الثوري يرون وجوب الزكاة في الحلي لأنهم أخذوا فقه هذه المسألة عن الصحابي الفقيه الجليل الكبير ابن مسعود ﵁. الراجح: الراجح والله أعلم بالصواب: أنه لا تجب الزكاة في الحلي. لماذا؟ أولاً: لأن المنقول عنهم من الصحابة القول بعد الوجوب فيهم امرأتان عائشة وأختها. ومن المعلوم لكل إنسان أن أكثر الناس عناية بحكم الحلي هم النساء لا سيما هذه المرأة الفقيهه العارفة الفاهمة عائشة ﵂ فإنه يبعد جداً أن لا تعرف حكم زكاة الحلي. كيف وهي بيت النبوة وتأخذ العلم عنه ﷺ فهذا بعيد كل البعد أن لا تعرف حكم زكاة الحلي. أضف إلى هذا أن الغالب أن ابن عمر ﵁ أخذ حكم هذه المسألة عن حفصة أخته ﵂ وهي أيضاً نشأت في بيت النبوة ويبعد جداً أن لا تعرف حكم زكاة الحلي. فإذا كان ثبت عن زوجتين من أزواج النبي ﷺ عدم وجوب زكاة الحلي ففي الحقيقة المصير إلى قول هاتين الفقيهتين أشبه ما يكون بالمتعين. ثانياً: أن هذا هو قول جمهور الصحابة قال الإمام أحمد ﵀ عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ أنه لا تجب الزكاة في الحلي وعرفنا أن الذي نقل عنه الوجوب هو ابن مسعود فقط أما خمسة من أصحاب النبي ﷺ بإثبات الإمام أحمد ﵀ يرون عدم الوجوب فنستطيع أن نقول جمهور الصحابة وجمهور الأئمة يرون عدم الوجوب.

стр. 900

ثالثاً: لو كانت زكاة الحلي واجبة لما خفي هذا على المسلمين فكل بيت من بيوت المسلمين فيه حلي فلو كانت الزكاة واجبة لعرف ونقل واشتهر كيف وقد نقل عن خمسة من الصحابة منهم عائشة عدم الوجوب. أما الخلفاء الراشدون فإنه لم ينقل عنهم شيء في هذه المسألة. فلم يصح عن الخلفاء الراشدين شيء في هذه المسألة. فإذا وجدت أحداً ممن يسوق الخلاف ينسب إلى أحد من الخلفاء الراشدين ﵁ أنهم يرون وجوب زكاة الحلي أو عدم وجوب زكاة الحلي فهو ليس بصحيح فلن يثبت عنهم شيء. والخلاصة: أن الأقرب للآثار وللمعنى المفهوم من الزكاة عدم وجوب زكاة الحلي. ولعلك عرفت من خلال سياق الخلاف والنصوص أن الاحتياط في مثل هذه المسألة جيد ووجيه بسبب وجود بعض النصوص التي اختلف الفقهاء في تصحيحها وتضعيفها وبسبب وجود آثر عن ابن مسعود وكل هذا يستدعي أن الإنسان يحتاط بإخراج الزكاة. أما الوجوب فأنا أرى أنه لا يجب على المرأة أن تخرج زكاة الحلي. • ثم قال ﵀: ولا زكاة في حليهما المعد للإستعمال أو العارية. يقاس على هذا: ما أبيح استعماله للرجل فلا زكاة فيه أيضاً. فلو كان عند الإنسان مائة سيف وفي مقابض هذه السيوف ذهب يبلغ نصاباً فإنه لا زكاة فيه لأنها معدة للاستعمال. ولو اتخذ الإنسان - مثلاً - أنفاً من ذهب واحتاج إلى سن من ذهب فلو فرضنا أنه بلغ مجموع ما احتاج إليه إلى نصاب وهذا بعيد لم تجب الزكاة عليه فيه لأنه استعمله استعمالاً مباحاً. إذاً: أي ذهب يستعمل استعمالاً مباحاً للرجل أو للمرأة فلا زكاة فيه. فقولهم: زكاة الحلي. هذا خرج مخرج الغالب لأن الغالب في استعمال الذهب أن يكون على شكل حلي. • ثم قال ﵀: وإن أُعد للكرى أو النفقة أو كان محرماً: ففيه الزكاة. إذا أعدت المرأة الحلي للإيجار: تؤجره أو أعدته للنفقة أو كما يصنع الآن كثير من النساء للإدخار أو بضابط أعم: إذا اتخذت الحلي لا للاستعمال. وإنما للنفقة أو للإيجار أو للادخار أو لغيرها مما قد يطرأ فإنه تجب فيه الزكاة. لماذا؟ لأن الحلي المستعمل استثنيناه من وجوب الزكاة لكونه خرج من المعنى وهو أن يكون مالاً نامياً إلى أن يكون مالاً مستعملاً.

стр. 901

فإذا لم يكن مستعملاً رجع إلى الأصل وهو وجوب الزكاة. وهذا ما لا يتفطن له كثير ممن يعتمد القول بعدم وجوب الزكاة إذا اتخذ الحلي لا للاستعمال. • ثم قال ﵀: أو كان محرماً: ففيه الزكاة. إذا كان الذهب محرماً كأن تسرف المرأة أو وهو الذي يقع الآن كثيراً: تتخذ حلياً على شكل حيوان فهذا محرم. فلو اتخذت حلياً على شكل حيوان فإن هذا محرم وتجب فيه الزكاة. لأنه بالتحريم لم يصبح مستعملاً لأن هذا استعمالاً محرماً. وأخذنا: أن هذا الحلي إذا فقد خاصية الاستعمال رجع إلى الأصل وهو وجوب الزكاة في الذهب والفضة. إذاً: - عرفنا أنه يستثنى ما أعد للإجارة أوالنفقة وما كان محرماً. - وعرفنا القاعدة في هذه المستثنيات وهو أنه إذا لم يعد مستعملاً أو استعمل استعمالاً محرماً فإنه يرجع إلى الأصل. فما يتخذه بعض الرجال الآن من أنواع الحلي - ذهب - تجب فيه الزكاة ولو كان حلياً مستعملاً لأن استعمال الرجل له محرم. باب زكاة العروض . • ثم قال ﵀: باب زكاة العروض. العروض: جمع عرض. والعرض: هو ما عدا الأثمان من الأموال. كالأواني والثياب والمنازل وكل ما عدا الأثمان. فإنه يعتبر من العروض. هذا في اللغة. في الاصطلاح الخاص في باب الزكاة العروض هي: كل ما أعد للبيع أوالشراء بقصد الربح ولو كان من الأثمان. فإن هذا يدخل في زكاة عروض التجارة. • قوله ﵀: إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصاباً: زكى قيمتها. زكاة العروض فيها خلاف: انقسم العلماء فيها إلى قسمين: ــ القسم الأول: وجوب الزكاة في عروض التجارة. وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وعامة التابعين وجمهور الصحابة وحكي إجماعاً وكأنه قول جميع أهل العلم إلا من سنذكر فكلهم ذهب إلى وجوب الزكاة في عروض النجارة. واستدلوا بأدلة: - الأول: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ... ﴾ [البقرة/٥٧]. والكسب هنا بتفسير عدد من السلف: التجارة. - الثاني: حديث سمرة ﵁: كنا نؤملا بإخراج الزكاة مما نعد للتجارة. وهذا الحديث ضعيف: ففي إسناده ضعف. ولو صح لكان فيصلاً في الباب.

стр. 902

- الثالث: صح عن عدد من الصحابة ﵃ منهم: عمر وابنه وابن عباس وهؤلاء من فقهاء الصحابة. - وصح عن عدد من التابعين: كعطاء والنخعي وغيرهم من أئمة السلف. ولا يعلم للصحابة القائلين بالوجوب ولا للتابعين القائلين بالوجوب لا يعلم لهم مخالف فليس لهم مخالف. ــ القسم الثاني: أنها لا تجب زكاة عروض التجارة. وإلى هذا ذهب ابن حزم وبعض المعاصرين. واستدلوا: - بقول النبي ﷺ ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه. وهذا الحديث عام يشمل ما إذا اتخذت للتجارة أو لغير التجارة. - الدليل الثاني: أنه لم يثبت في حديث صحيح أن النبي ﷺ أمر بزكاة عروض التجارة. والقول الراجح هو وجوب زكاة عروض التجارة بل الذي اعتقده ما قاله شيخ الاسلام ﵀ أن القول بعدم الوجوب: شاذ. وأشار إلى الشذوذ عدا شيخ الإسلام بن تيمية أبو عبيد فإنه قال: والقول بعدم الوجوب ليس من أقوال أهل العلم عندنا. ففي الحقيقة هذا القول شاذ خارج عن قول جماهير الفقهاء أهل الفقه وعن فتاوى الصحابة وعن ما جرى عليه عمل المسلمين من القديم ثم أحياناً غالب الأموال تكون من عروض التجارة. فعدم إخراج الزكاة عنها يؤدي إلى عدم إخراج الزكاة عن جملة كبيرة من الأموال. ثم يبعد جداً في حكمة الشارع والله أعلم أن يفرق بين المتماثلات فكف يأمر إنسان يملك عشرة آلاف ريال بالزكاة ولا يأمر إنساناً يملك ملايين من عروض التجارة لا يأمره بالزكاة مع أنه لا مقارنة بينهما في الغنى والغنى هو مناط وجوب الزكاة. • ثم قال ﵀: مبيناً شروط وجوب زكاة العروض. إذا ملكها بفعله. يشترط لوجوب زكاة العروض عند الحنابلة أن يملكها بفعله سواء مكلكها بثمن - بعوض كالبيع أو بغير ثمن كقبول الهبة. ففي الصورتين يتحقق الشرط وهو أنه ملكهعا بفعله. وخرج بقوله: (ملكها بفعله). ما إذا صارت إليه عن طريق الإرث. واستدلوا على هذا: - بأن الإرث ليس من طرق الكسب. والتجارة تتعلق بالكسب. فإذاً الإرث ليس من التجارة فلا زكاة فيه. وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة. • ثم قال ﵀: بنية التجارة.

стр. 903

مقصوده بقوله: (بنية التجارة). أن ينوي التكسب بها. هذا معنى بنية التجارة. ومراد الحنابلة بقولهم: بنية التجارة أن ينوي التجارة بها من حين اشتراها - من أول الشراء. فإن اشتراها لغير التجارة ثم نواها للتجارة لم تجب فيها الزكاة. الدليل: الدليل على ذلك: - قالوا: النبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات). والزكاة عبادة والعبادات يجب أن تقترن فيها النية من أول العبادة فإذا لم تقترن نية التكسب من أول الشراء لم يتحقق الشرط. = والقول الثاني: في هذين الشرطين: ١ - إذا ملكها بفعله. ٢ - أو بنية التجارة: أنه لا يشترط لا أن يملكها بفعله ولا أن ينوي التجارة بها من حين اشتراها. والدليل على هذا من وجهين: - الأول: أن الآثار المروية عن عمر وابنه وغيرهما من الصحابة ﵃ عامة لم تشترط هذه الشروط فكل من ملك مالاً ونوى به التجارة وجبت عليه الزكاة. - الوجه الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). وهذا المال نويت به التجارة والتكسب فصدق عليه أنه من عروض التجارة. وهذا القول الثاني هو الصواب وممن اختاره من المحققين ابن عقيل وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. • ثم قال ﵀: وبلغت قيمتها نصاباً: زكى قيمتها. قوله: (بلغت قيمتها نصاباً). هذا في الحقيقة لا يعتبر من الشروط الخاصة بعروض التجارة. إذاً: كم هي الشروط الخاصة بعروض التجارة؟ شرطان فقط. أما هذا فهو شرط في جميع الأموال. فكل مال زكوي لا تجب فيه الزكاة إلا إذا بلغ النصاب. لكن يفهم من قوله: (إذا بلغت قيمتها نصاباً). أن يشترط أن يستمر النصاب في كل الحول. = فإن نقصت قيمة عروض التجارة في بعض الحول استأنف الحول من جديد. = ومنهم من قال: بل إذا نقصت قيمة عروض التجارة في أثناء الحول فإنه لا يضر فإنه من عادة التجار أن ترتفع القيم وتنزل. والصواب أنه يشترط أن يبقى النصاب على مدار الحول أخذاً بالعمومات الدالة على اشتراط النصاب في جميع الحول. • ثم قال ﵀: مفرعاً على الشرطين: فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها: لم تصر لها.

стр. 904

كما تقدم معنا مفصلاً في اشتراتط هذين الشرطين وهذا ما ذكره المؤلف ﵀ هو ثمرة هذين الشرطين. وهو: أنه إذا ملك المال بإرث فلا زكاة وإذا اشترى المال لغير التجارة ثم نوى بها التجارة فلا زكاة وتقدم معنا الخلاف وأن الصواب عدم اشتراط ذلك. • ثم قال ﵀: وتقوّم عند الحول: بالأحظ للفقراء من عين أو ورق. عروض التجارة تقوم بالأحظ للفقراء. فإن كان الأحظ لهم: الذهب أي تبلغ نصاباً إن قومت بالذهب. فتقوم بالذهب. وإن كانت إن قومت بالفضة بلغت النصاب وجي أن تقوم بالفضة. والدليل على هذا: - أن التقويم أصلاً إنما شرع مراعاة لحظ الفقراء فعندما نقوم فيجب أن نراعي فيه حظ الفقراء. مسألة / إذا كانت عروض التجارة تبلغ النصاب بالذهب وبالفضة فبأيهما يقوم؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: = القول الأول: أنه مخير إن شاء بالذهب وإن شاء بالفضة. - لأنه إن قومه بالذهب أو بالفضة حصل المقصود وهو إخراج الزكاة. = القول الثاني: أنه إذا بلغ نصاباً بالذهب وبالفضة: فيجب أن نقومه بالأحظ لهما. - قياساً على أصل الوجوب. - ومراعاة لحال الفقراء. وهذا القول الثاني هو الأقرب ومال إليه الشيخ الفقيه المجد ﵀. فهذا القول أقرب. وفي الحقيقة قيمة العروض سيعتبرها التاجر بالأغلى بالأكثر فكذلك في حق الفقراء. المقصود أن الراجح أنها تقوم بالأحظ وإن بلغن نصاباً بالنقد الآخر. • ثم قال ﵀: ولا يعتبر ما اشتريت به. لا يعتبر ما اشترتيت به لا قدراً ولا جنساً. فإذا اشترى بالدراهم سلعة ثم لما تم الحول صارت تبلغ النصاب بالدنانير دون الدراهم: فإننا نعتبر الدنانير ونترك الدراهم. وهنا نعتبر لم ننظر لما اشترتيت به: جنساً أو قدراً؟ جنساً. لم ننظر إليه جنساً. وأما قدراً: إذا اشترى سلعة بمائة ألف وأصبحت بعد نهاية العام تساوي مائة وخمسين فلا ننظر لما اشترتيت به قدراً وهو المائة وإنما ننظر إلى المائة وخمسين وهو قيمتها بعد الحول. إذاً: لا ننظر إليها لا قدراً ولا جنساً. الدليل: قالوا الدليل على ذلك: - أنه لولا ذلك لذهبت فائدة التقويم على الفقراء.

стр. 905

يعني: لولا أنا نقدرها بقيمتها بعد الحول لذهبت فائدة التقدير على الفقراء. • ثم قال ﵀: وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض: بنى على حوله. إذا اشترى عرضاً يعني عروضاً للتجارة في أثناء الحول فإنه لا يستأنف الحول بل يستمر على حوله ويبني على الأول. والدليل على هذا: - أن من شأن التجار تقليب الأموال والبضائع والسلع تارة تكون سلع وتارة تكون نقود. ولو اعتبرنا أنها إذا كانت نقوداً انقطع الحول وإذا كانت سلعاً انقطع الحول لم يتم حول على تاجر. فإذاً يبني التاجرل على نصابه إذا قَلَّبَ الأموال التي عنده بين النقود والسلع. • ثم قال ﵀: وإن اشتراه بسائمة: لم يبن. إن اشتراه بسائمة لم يبن: - لأن السائمة تختلف عن عروض التجارة في النصاب وفي الواجب. وما كان كذلك لا يمكن أن يبنى بعضه على بعض بل يستأنف الحول من جديد. مسألة / وهي مهمة جداً: إذا اشترى إنسان سائمة من الماشية ونوى بها التجارة: جعلها ترعى الحول كله ونوى بها التجارة فهل يخرج الزكاة منها باعتبارها من السائمة أو باعتبارها من عروض التجارة؟ فيه خلاف: = فالمذهب: باعتبارها عروض تجارة. إلا في حالة واحدة إذا بلغت النصاب إذا لااعتبرناها سائمة دون إذا اعتبرناها عروض تجارة فحينئذ نزكيها باعتبار أنها سائمة. وإلا فالأصل عند الحنابلة أن تعتبر بأنها عروض تجارة. = القول الثاني: أنها تزكا باعتبارها سائمة. - لأن هذا مجمع عليه - يعني: إخراج الزكاة باعتبارها سائمة - وفيه النصوص بخلاف عروض التجارة. = القول الثالث: أنها تخرج بالأحظ للفقراء. وفي الغالب الأعم أن الأحظ لهم أن تعتبر: عروض تجارة. وبهذا يقترب القول الأخير من مذهب الحنابلة. لكن نقول: الأصل والقول الراجح أن نعتبرها بالأحظ للفقراء. فنقول: انظر: هل الأحظ للفقراء أن تزكيها باعتبارها عروض تجارة أو تزكيها باعتبارها سائمة. باب زكاة الفطر . • ثم قال ﵀: باب زكاة الفطر. يعني: باب لبيان الأحكام التي تتعلق بالزكاة التي سببها الفطر. • قال ﵀: تجب. أجمع الفقهاء على أن زكاة الفطر واجبة. وَدَلَّ على الوجوب:

стр. 906

- قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵁: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى من المسلمين). وهذا حديث متفق عليه. فدل على الوجوب النص والإجماع. • وقوله ﵀: وتجب على كل مسلم. يعني ولو كان صغيراً ولو كان من أهل البادية ومهما كانت صفته فتجب عليه زكاة الفطر. - لعموم قوله ﷺ : (على الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى .. ). فإذاً الزكاة واجبة على جميع المسلمين ولهذا لم يشترط إلا أن يكون مسلماً: • فقال ﵀: على كل مسلم. فلم يقل كبير ولا صغير ولا عاقل ولا مكلف ولا غير مكلف وإنما تجب على كل مسلم. • ثم قال ﵀: فَضَلَ له يوم العيد وليلته: صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية. يعني: أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم ملك صاعاً يوم العيد فاضل عن ثلاثة أمور: ١ - قوته. ٢ - وقوت عياله. ٣ - وحوائجه الأصلية. فإذا ملك هذا الصاع بهذه الشروط الثلاثة وجبت عليه الزكاة. وفهم من كلام المؤلف ﵀ أنه لا يشترط أن يملك نصاباً. بل تجب على من ملك صاعاً واحداً فقط. وهذا هو الصحيح خلافاً لم خرج عن ظاهر نص ابن عمر واشترط أن يملك نصاباً فإن هذا القول ضعيف. بناء على هذا: من ملك متاعاً خارجاً عن حاجته الأصلية وجاء يوم العيد وهو من أهل الوجوب كما سيأتينا متى يكون وقت الوجوب؟ وجب عليه أن يبيع هذا المتاع ويشتري صاعاً ليخرجه عن زكاة الفطر بشرط أن يكون هذا المتاع زائداً عن حاجته الأصلية. ومن الحوائج الأصلية: ١ - ما لا يستغني عنه الإنسان في البيت. ٢ - وآلة العمل. ٣ - وكتب طالب العلم التي لا يستغني عنها. فإن كتب طالب العلم من حاجاته الأصلية. بشرط أن لا تكون زائدة وإنما نقتصر على ما يحتاجه طالب العلم في المذاكرة ومراجعة المسائل. • ثم قال ﵀: ولا يمنعها الدين إلاّ بطلبه. الدين لا يمنع زكاة الفطر بخلاف الزكاة التي تتعلق بالمال فهو يمنعها كما تقدم معنا. الدليل: الدليل على ذلك: - أن زكاة الفطر آكد باعتبار أنها تتعلق بالبدن لا بالمال.

стр. 907

فهي آكد من هذه الجهة. فتقدم على الدين ولا يمنع الدين وجوبها. إلا في حالة واحدة وهي التي قال عنها المؤلف ﵀: إلا بطلبه. يعني: إذا طلب الدائن الدين فحينئذ يقدم على زكاة الفطر. والدليل: - أنه إذا طلبها الدائن صارت آكد من الزكاة. لأنها تتعلق بحق الآدمي. فوجب أن تقدم. وهذا صحيح. فإذا كان عند الإنسان صاع وهو مدين بصاع فالواجب أن يخرج هذا الصاع إلا إذا جاء الدائن يوم العيد وطلب هذا الدين فحينئذ يخرج الدين ولا يخرج زكاة الفطر لأن الدين الذي له مطالب يوم العيد مقدم على زكاة الفطر. • ثم قال ﵀: فيخرج: عن نفسه. يجب أن يخرج الزكاة أول ما يخرجها عن نفسه. - لقول النبي ﷺ : في سياق الكلام عن النفقات: (ابدأ بنفسك). وسيأتينا مراراً وتكرارً أن زكاة الفطر تشبه إلى حَدٍّ كبير أحكام النفقات - كما سيأتينا. - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: (على كل حرٍّ وعبد وصغير وكبير ... الخ. وأول من يدخل بهذا اللفظ نفس الإنسان. • ثم بين ﵀ القاعدة العامة فيمن يجب على الإنسان أن يخرجها عنهم بقوله ﵀: ومسلم يمونه.

стр. 908

من الأسئلة: = ما حكم اتخاذ سن من الذهب للزينة؟ - لا يجوز اتخاذ سن من الذهب للزينة لأنه تقدم معنا أنه يجوز للضرورة والسن الذي للزينة ليس من الضرورة في شيء ثم هو ليس باليسير. (((الأذان))). قال شيخنا حفظه الله: أسألكم سؤالاً: ما هي المناسبة أن المؤلف ﵀ ذكر ما يجوز اتخاذه من الذهب والفضة دون ما لا يجوز؟ لأنه يترتب على هذا مسألة الزكاة.

стр. 909

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • باب زكاة الفطر بين المؤلف ﵀ في الدرس السابق أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وتحدثت عن أدلة هذا الحكم. ثم انتقل المؤلف ﵀ في هذا الدرس إلى الكلام عن الذين يلزم الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عنهم: • فقال ﵀: ومسلم يمونه. عني: ويجب أن يخرج زكاة الفطر عن كل مسلم يقوم هو بالنفقة عليه من الأبناء والزوجات والعبيد ... إلخ. فهذه هي القاعدة العامة عند الحنابلة. والدليل على هذا: - رواية في حديث ابن عمر أنه قال: (وعمن يمونون). والذين يخرج الإنسان الصدقة عنهم ثلاثة أصناف: - الصنف الأول: الزوجات. - الصتف الثاني: العبيد. - الصنف الثالث: الأقارب.

стр. 910

نبدأ بالصنف الأول: - الزوجات. = ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته وأنه لا يجب عليها هي أن تخرج ذلك. واستدلوا بأمرين: - الأول: الرواية السابقة: (وعمن يمونون) والزوجة ممن يجب على الإنسان أن ينفق عليها. - الثاني: أن صدقة الفطر تقاس على النفقة لأن كلاً منهما يتعلق بالبدن. = والقول الثاني: للأحناف واختاره من المحققين ابن المنذر ﵀ أنه يجب على الزوجة أن تخرج هي بنفسها الزكاة ولا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عنها إلا إذا أراد أن يتبرع. واستدلوا على هذا: - بقوله ﷺ : - في حديث ابن عمر: (فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير قال على الحر والعبد والذكر والأنثى) وهو بعمومه يتناول الزوجة. وسيأتينا الراجح بعد أن نستكمل الحديث عن الأصناف الثلاثة. - الصنف الثاني: العبيد. والعبيد يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عنهم بالنص والإجماع فهي مسألة لا إشكال فيها. - أما النص فقواه ﷺ : (ليس على الإنسان صدقة في فرسه ولا في عبده إلا زكاة الفطر) وهذا الحديث في صحيح مسلم. - والإجماع: فقد أجمع أهل العلم على أنه يجب على الإنسان أن يخرج الزكاة عن عبده. - الصنف الثالث: الأقارب. وهو أنواع: - النوع الأول: الأبناء. - الصغار: فقد أجمع أهل العلم على أنه يجب على الأب أن يخرج زكاة الفطر عنهم. - النوع الثاني: الأبوين: كذلك أجمع أهل العلم ولم يخالف إلا أبو حنيفة في أنه يجب على الإنسان أن يخرج الزكاة عن أبويه. - والنوع الثالث: بقية الأقارب: فيهم خلاف. والراجح والله أعلم. أنه: - يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عن كل شخص يجب عليه أن ينفق عليه من الزوجات والأبناء والأقارب والآباء.

стр. 911

والدليل على هذه القاعدة والتي تشمل الأصناف جميعاً: - أولاً: قوله: (وعمن يمونون) وهذا اللفظ ضعيف لكنه يصلح للإستدلال به لأنه صح موقوفاً. فهو فتوى من صحابي. - ثانياً: عرفنا فيما سبق أنه فيث بعض المواضع - في ثلاثة مواضع - أجمع أهل العلم على وجوب إخراج زكاة الفطر عنهم وهم: العبيد والأبناء الصغار والآباء مع خلاف أبي حنيفة في الآباء فقط. وإذا نظرت في المواضع التي أجمع عليها أهل العلم لم تجد قاسماً مشتركاً بينها ولا معنى تخرج عليه إلا وجوب النفقة. فتبين أن من وجبت نفقته وجب إخراج زكاة الفطر عنه. - ثالثاً: ما تقدم معنا: أن زكاة الفطر في الحقيقة تتعلق بالبدن وليست تتعلق بالمال. فهي تشبه من هذه الجهة النفقة وتأخذ أحكامها. فهذا القول هو الراجح فيما ظهر لي بعد تأمل في النصوص والأدلة: أن الإنسان يجب عليه أن يخرج زكاة من وجب عليه أن ينفق عليهم. • ثم قال ﵀: ولو شهر رمضان. قصده في قوله: (ولو شهر رمضان): أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن تبرع بالنفقة عليه كما إذا قدم ضيف سكن عنده في رمضان فإنه إذا جاء وقت زكاة الفطر وهذا الضيف الذي تبرع بالنفقة عليه لكونه ضيفاً يجب أيضاً عند الحنابلة أن يخرج زكاة الفطر عنه على سبيل الوجوب. بناء على هذا: الضيوف الذين يأتون عادة في العشر الأواخر من روضان إذا بقوا عند الإنسان في بيته ينفق عليهم فإنه يجب عليه وجوباً أن يخرج زكاة الفطر عنهم. = عند الحنابلة. = القول الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن أنفق عليه تبرعاً. وهذا القول اختاره عدد من المحققين المتقدمين. واستدلوا: - بأن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب ولا دليل على إخراج الصدقة عمن لا تجب نفقته. وهذا القول الثاني: هو الصواب. وقوة هذا القول ظاهره ولله الحمد. • ثم قال ﵀: فإن عجز عن البعض. يعني: إذا لزمته زكاة الفطر عن عدد من أقاربه بما فيهم الزوجات والآباء والأبناء والعبيد ولكنه لا يستطيع أن يخرج زكاة الفطر عن الجميع فيرجع إلى الترتيب الذي ذكره المؤلف ﵀: • قال ﵀: - أولاً: بدأ بنفسه. أول ما يبدأ بنفسه:

стр. 912

- لقول النبي ﷺ كما تقدم معنا: (ابدأ بنفسك) وهو في سياق الكلام عن النفقة. - الدليل الثاني: أن نفقة الإنسان نفسه مقدمة على غيره فكذلك زكاة الفطر. ثم في المرتبة الثانية: • قال ﵀: فامرأته. وأتت المرأة في النرتبة الثانية لـ: تأكد النفقة. والإجماع على وجوبها في حق الزوجة فتكون هي في المرتبة الثانية. • ثم قال ﵀: فرقيقه. يأتي الرقيق في المرتبة الثالثة لأمرين: - أولا ً: أن وجوب زكاة الفطر على السيد متفق عليه ومحل إجماع كما تقدم. - ثانياً: أنه يجب على الإنسان أن ينفق على العبد الذي يملكه سواء كان السيد موسراً أو معسراً فإن النفقة لا تسقط. المرتبة الرابعة: • قال ﵀: فأُمه. الأم تأتي في المرتبة الرابعة: - لأن النبي ﷺ سأل عن أوجب الناس برا فقال: أمك ثم أمك ثم أمك وقال في الرابعة قال ثم أبيك. فدل الحديث على أن الأم مقدمة على الأب في البر. • ثم قال ﵀: فأَبيه. - للحديث السابق حيث أنه يأتي في البر بعد الأم. • ثم قال ﵀: فولده. يعني: أنه يجب بعد هؤلاء وفي الأخير: الولد. - لأنه محل إجماع بالنسبة للصغير. في زكاة الفطر وأيضاً محل إجماع في وجوب النفقة فجاء مقدماً على بقية الأقارب. = والقول الثاني: أن ابن الإنسان مقدم على أبويه وزوجته. والراجح مذهب الحنابلة. • ثم قال ﵀: فأقرب في ميراث. بعد هؤلاء: يرتب الأقارب حسب قربهم باعتبار الميراث. والتعليل: - لأن من كان أقرب فهو أولى. وإنما يتصور أن يكون عند الإنسان كل هؤلاء أبناء وآباء وأقارب وعبيد، يتصور غالباً في أحد حالين: - إما في المجاعات والكوارث العامة حيث يمتليء البيت من العائلة الواحدة. - أو في الحروب. فإنه في الحروب يجتمع في البيت الواحد من الأقارب عدد كبير. ففيما سوى هاتين الحالتين يندر أن يجتمع عند الإنسان مثل هذا العدد من الأقارب حتى يحتاج إلى أن يرتبهم حسب الترتيب الفقهي الذي ذكره الحنابلة. على كل حال: هذا هو الترتيب إذا فرض أنه وجب على الإنسان أن ينفق على كل هؤلاء. • ثم قال ﵀: والعبد بين شركاء عليهم صاع.

стр. 913

مقصوده: أنه إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص فإن الصاع يجب على الملاك جميعاً لكن يقيد ذلك بأنه بحسب الملك. فمن ملك ثلثي العبد وجب عليه أن يخرج ثلثي الصاع وهكذا. وحكي على هذه المسألة الإجماع ولم يخالف إلا أبو حنيفة فإنه قال ليس عليهم شيء. وعن الإمام أحمد روية أنه على كل مالك صاع ولو كثر الملاك. - مسألة: كيف نقول: أن المسألة إجماع ثم نذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد؟ الجواب: أن الإمام أحمد رجع عن هذه الرواية وقوله الأخير هو الموافق للإجماع فلما رجع عن هذه الرواية أجمعو ولم يوجد مخالف إلا ما ذكرت عن أبي حنيفة. والصواب مع الجماهير أن عليهم صاع بحسب ملكهم. • ثم قال ﵀: ويستحب عن الجنين. أي ولا يجب. فيستحب للإنسان إذا كان الجنين في بطن زوجته أن يخرج عنه صاعاً على سبيل زكاة الفطر. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن استحباب زكاة الفطر عامة سواء كان هذا الحنين نفخت فيه الروح أو لم تنفخ فيه الروح. وسواء كان في أول الحمل أو بعد التخليق. وبعبارة أخرى في كل مراحل الحمل. دليل الاستحباب: - أنه روي أن عثمان ﵁ أمر بإخراج زكاة الفطر عن الحمل. = والقول الثاني: أن إخراج زكاة الفطر عن الحمل واجب. = والقول الثالث: أنه يجب أن يخرج زكاة الفطر عن الحمل إذا نفخت فيه الروح. والصواب أنه مستحب. إذ لادليل على الوجوب والجنين في البطن لا تتعلق به الأحكام إلا في موضعين: - الإرث. - والوصية. أما ما عداهما فلا تتعلق به الأحكام. فالصواب والله أعلم أنه يستحب. لكن كما أشرت مراراً وتكراراً أنك إذا عرفت الخلاف في هذه المسألة عرفت أن الاحتياط أن الإنسان إذا كان مستطيعاً أن يخرج عن الحمل صاعاً زكاة فطرة. • ثم قال ﵀: ولا تجب لناشز. يعني لا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته الناشز. التعليل: - لأنه لا تجب نفقتها وسبيل زكاة الفطر سبيل النفقة. لذلك نقول أن قول المؤلف ﵀ ولا تجب لناشز. إنما هو على سبيل التمثيل ومثل به لأنه هو الغالب. والقاعدة: أن كل زوجة لا يجب على الزوج أن ينفق عليها فلا يجب تبعاً لذلك أن يخرج زكاة الفطر عنها. كالزوجة التي لم يدخل بها. •

стр. 914

ثم قال ﵀: ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه: أجزأت. إذا أخرج الإنسان عن نفسه زكاة الفطر وهي تجب على غيره فينقسم إلى قسمين: - الأول: أن يكون بإذن الغير. الذي يجب عليه أن يخرجها عنه فهذا مجزئ بالإجماع. - الثاني: وهو الذي ذكره المؤلف: أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه بغير إذن من تجب عليه: كأن تخرج الزوجة زكاة الفطر بغير إذن الزوج أو الابن الصغير بغير إذن أبيه. فالحنابلة يرون أن هذا مجزئ ولو لم يأذن من تجب عليه الزكاة. واستدلوا على هذا: - بأن المخرج أخرج الزكاة عن نفسه والنبي ﷺ يقول: على كل حر وعبد فدخل في الحديث. = والقول الثاني: أنه لا تجزئ عنه. - لأنه فعل ما يجب على غيره بغير إذنه. - وقياساً على زكاة المال. والصواب إن شاء الله أنها تجزئ. لكن لا ينبغي للإنسان أن يصنعى هذا الأمر بأن يخرج الزكاة وهي تجب على غيره إلا بعد أن يستأذن هذا الغير خروجا من الخلاف. ثم انتقل ﵀ إلى مسألة مهمة وهي: وقت الوجوب: • فقال ﵀: وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر. نقل عن الإمام أحمد ﵀ أربع روايات. لكن أصول الأقوال قولان فقط وهما روايتان: - الأولى: هي المذهب: أنه بغروب الشمس ليلة العيد تجب زكاة الفطر. وهو مذهب الجمهور. واستدلوا على هذا القول: - بقول ابن عمر ﵁: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر) فأضاف الزكاة إلى الفطر. قالوا: والإضافة تقتضي التخصيص والسببية. وأول وقت يحل فيه الفطر هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. = والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أن الوجوب يتم بطلوع الفجر الثاني يوم العيد. واستدلوا: - بنفس الحديث: فقالوا: قوله: (فرض رسول ﷺ زكاة الفطر) يعني: زكاة يوم الفطر ويوم الفطر يبدأ من طلوع الفجر الثاني. - وبقول النبي ﷺ : (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) فأطلق على يوم العيد أنه يوم الفطر. والأقرب القول الأول. - لأن ليلة العيد يحصل بها الفطر وتترتب عليها الأحكام من مشروعية التكبير وغيره مما يتعلق بالفطر فدل على أنه زمن الوجوب.

стр. 915

ولا يخفاكم أن ثمرة الخلاف في الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. فمن ولد أو مات ... الخ كما سيذكره المؤلف في هذا الوقت صار محل خلاف. • يقول ﵀: فمن أسلم بعده، أو ملك عبداً، أو تزوج، أو ولد له ولد: لم تلزمه فطرتهم. لأنهم وقت الوجوب ليسوا من أهل الوجوب بالنسبة للمنفق. فإذا ولد للإنسان مولود بعد مغيب الشمس فإنه لا يجب عليه أن يخرج فطرته. وكذا لو اشترى عبداً وتزوج زوجة. = وعلى القول الثاني: تجب عليه. أما لو ولد للإنسان مولود بعد طلوع الفجر الثاني فإنه بالإجماع لا يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عنه لأنه وقت الوجوب ليس من أهل الوجوب. • ثم قال ﵀: مقرراً لما تقدم وهو أمر واضح: وقبله تلزم. قبل هذا الوقت: يعني: إذا أسلم قبل غروب الشمس أو ملك أو تزوج أو ولد قبل غروب الشمس فإنه تلزم الإنسان نفقة هؤلاء. أي تلزمه زكاة الفطر عنهم. وقد عرفت الخلاف في هذه المسألة. • ثم قال ﵀: ويجوز إخراجها: قبل العيد بيومين فقط. = يجوز عند الحنابلة أن نخرج زكاة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين. - لما صح عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (كانوا يخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين) وهذا الحديث ثابت في الصحيح وهو نص في المسألة. = القول الثاني: أنه يجوز أن نخرج زكاة الفطر قبل العيد بثلاثة أيام. = القول الثالث: أنه يجوز أن نخرج زكاة الفطر من أول الشهر. واستدل هؤلاء: - بأن سبب الوجوب مركب من أمرين: الصوم والفطر. فإذا وجد أحد السببين جاز إخراج الزكاة. - وبأن في هذا توسعة على المسلمين لا سيما إذا كان أهل الزكاة يحتاجون إلى مشقة في الوصول إليهم. والصواب مع الحنابلة لأن معهم نصاً ظاهراً صريحاً واضحاً أنهم كانوا يخرجون الزكاة قبل العيد بيوم أو يومين فقط والتقييد بثلاثة أو بأول الشهر قول ضعيغ مخالف للنص الصريح. • ثم قال ﵀: ويوم العيد قبل الصلاة أفضل. يعني أن أفضل الأوقات لإخراج الزكاة هو ما بين طلوع الفجر إلى صلاة العيد. وهذه الأفضلية محل إجماع ويدل عليه: - ما في حديث بن عمر أنه ﵁ قال: وكانوا يأمرون بها أن تخرج قبل صلاة العيد.
следующие страницы →