← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والدليل على هذه القاعدة والتي تشمل الأصناف جميعاً: - أولاً: قوله: (وعمن يمونون) وهذا اللفظ ضعيف لكنه يصلح للإستدلال به لأنه صح موقوفاً. فهو فتوى من صحابي. - ثانياً: عرفنا فيما سبق أنه فيث بعض المواضع - في ثلاثة مواضع - أجمع أهل العلم على وجوب إخراج زكاة الفطر عنهم وهم: العبيد والأبناء الصغار والآباء مع خلاف أبي حنيفة في الآباء فقط. وإذا نظرت في المواضع التي أجمع عليها أهل العلم لم تجد قاسماً مشتركاً بينها ولا معنى تخرج عليه إلا وجوب النفقة. فتبين أن من وجبت نفقته وجب إخراج زكاة الفطر عنه. - ثالثاً: ما تقدم معنا: أن زكاة الفطر في الحقيقة تتعلق بالبدن وليست تتعلق بالمال. فهي تشبه من هذه الجهة النفقة وتأخذ أحكامها. فهذا القول هو الراجح فيما ظهر لي بعد تأمل في النصوص والأدلة: أن الإنسان يجب عليه أن يخرج زكاة من وجب عليه أن ينفق عليهم. • ثم قال ﵀: ولو شهر رمضان. قصده في قوله: (ولو شهر رمضان): أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن تبرع بالنفقة عليه كما إذا قدم ضيف سكن عنده في رمضان فإنه إذا جاء وقت زكاة الفطر وهذا الضيف الذي تبرع بالنفقة عليه لكونه ضيفاً يجب أيضاً عند الحنابلة أن يخرج زكاة الفطر عنه على سبيل الوجوب. بناء على هذا: الضيوف الذين يأتون عادة في العشر الأواخر من روضان إذا بقوا عند الإنسان في بيته ينفق عليهم فإنه يجب عليه وجوباً أن يخرج زكاة الفطر عنهم. = عند الحنابلة. = القول الثاني: أنه لا يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن أنفق عليه تبرعاً. وهذا القول اختاره عدد من المحققين المتقدمين. واستدلوا: - بأن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب ولا دليل على إخراج الصدقة عمن لا تجب نفقته. وهذا القول الثاني: هو الصواب. وقوة هذا القول ظاهره ولله الحمد. • ثم قال ﵀: فإن عجز عن البعض. يعني: إذا لزمته زكاة الفطر عن عدد من أقاربه بما فيهم الزوجات والآباء والأبناء والعبيد ولكنه لا يستطيع أن يخرج زكاة الفطر عن الجميع فيرجع إلى الترتيب الذي ذكره المؤلف ﵀: • قال ﵀: - أولاً: بدأ بنفسه. أول ما يبدأ بنفسه:

стр. 912

- لقول النبي ﷺ كما تقدم معنا: (ابدأ بنفسك) وهو في سياق الكلام عن النفقة. - الدليل الثاني: أن نفقة الإنسان نفسه مقدمة على غيره فكذلك زكاة الفطر. ثم في المرتبة الثانية: • قال ﵀: فامرأته. وأتت المرأة في النرتبة الثانية لـ: تأكد النفقة. والإجماع على وجوبها في حق الزوجة فتكون هي في المرتبة الثانية. • ثم قال ﵀: فرقيقه. يأتي الرقيق في المرتبة الثالثة لأمرين: - أولا ً: أن وجوب زكاة الفطر على السيد متفق عليه ومحل إجماع كما تقدم. - ثانياً: أنه يجب على الإنسان أن ينفق على العبد الذي يملكه سواء كان السيد موسراً أو معسراً فإن النفقة لا تسقط. المرتبة الرابعة: • قال ﵀: فأُمه. الأم تأتي في المرتبة الرابعة: - لأن النبي ﷺ سأل عن أوجب الناس برا فقال: أمك ثم أمك ثم أمك وقال في الرابعة قال ثم أبيك. فدل الحديث على أن الأم مقدمة على الأب في البر. • ثم قال ﵀: فأَبيه. - للحديث السابق حيث أنه يأتي في البر بعد الأم. • ثم قال ﵀: فولده. يعني: أنه يجب بعد هؤلاء وفي الأخير: الولد. - لأنه محل إجماع بالنسبة للصغير. في زكاة الفطر وأيضاً محل إجماع في وجوب النفقة فجاء مقدماً على بقية الأقارب. = والقول الثاني: أن ابن الإنسان مقدم على أبويه وزوجته. والراجح مذهب الحنابلة. • ثم قال ﵀: فأقرب في ميراث. بعد هؤلاء: يرتب الأقارب حسب قربهم باعتبار الميراث. والتعليل: - لأن من كان أقرب فهو أولى. وإنما يتصور أن يكون عند الإنسان كل هؤلاء أبناء وآباء وأقارب وعبيد، يتصور غالباً في أحد حالين: - إما في المجاعات والكوارث العامة حيث يمتليء البيت من العائلة الواحدة. - أو في الحروب. فإنه في الحروب يجتمع في البيت الواحد من الأقارب عدد كبير. ففيما سوى هاتين الحالتين يندر أن يجتمع عند الإنسان مثل هذا العدد من الأقارب حتى يحتاج إلى أن يرتبهم حسب الترتيب الفقهي الذي ذكره الحنابلة. على كل حال: هذا هو الترتيب إذا فرض أنه وجب على الإنسان أن ينفق على كل هؤلاء. • ثم قال ﵀: والعبد بين شركاء عليهم صاع.

стр. 913

مقصوده: أنه إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص فإن الصاع يجب على الملاك جميعاً لكن يقيد ذلك بأنه بحسب الملك. فمن ملك ثلثي العبد وجب عليه أن يخرج ثلثي الصاع وهكذا. وحكي على هذه المسألة الإجماع ولم يخالف إلا أبو حنيفة فإنه قال ليس عليهم شيء. وعن الإمام أحمد روية أنه على كل مالك صاع ولو كثر الملاك. - مسألة: كيف نقول: أن المسألة إجماع ثم نذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد؟ الجواب: أن الإمام أحمد رجع عن هذه الرواية وقوله الأخير هو الموافق للإجماع فلما رجع عن هذه الرواية أجمعو ولم يوجد مخالف إلا ما ذكرت عن أبي حنيفة. والصواب مع الجماهير أن عليهم صاع بحسب ملكهم. • ثم قال ﵀: ويستحب عن الجنين. أي ولا يجب. فيستحب للإنسان إذا كان الجنين في بطن زوجته أن يخرج عنه صاعاً على سبيل زكاة الفطر. وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن استحباب زكاة الفطر عامة سواء كان هذا الحنين نفخت فيه الروح أو لم تنفخ فيه الروح. وسواء كان في أول الحمل أو بعد التخليق. وبعبارة أخرى في كل مراحل الحمل. دليل الاستحباب: - أنه روي أن عثمان ﵁ أمر بإخراج زكاة الفطر عن الحمل. = والقول الثاني: أن إخراج زكاة الفطر عن الحمل واجب. = والقول الثالث: أنه يجب أن يخرج زكاة الفطر عن الحمل إذا نفخت فيه الروح. والصواب أنه مستحب. إذ لادليل على الوجوب والجنين في البطن لا تتعلق به الأحكام إلا في موضعين: - الإرث. - والوصية. أما ما عداهما فلا تتعلق به الأحكام. فالصواب والله أعلم أنه يستحب. لكن كما أشرت مراراً وتكراراً أنك إذا عرفت الخلاف في هذه المسألة عرفت أن الاحتياط أن الإنسان إذا كان مستطيعاً أن يخرج عن الحمل صاعاً زكاة فطرة. • ثم قال ﵀: ولا تجب لناشز. يعني لا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته الناشز. التعليل: - لأنه لا تجب نفقتها وسبيل زكاة الفطر سبيل النفقة. لذلك نقول أن قول المؤلف ﵀ ولا تجب لناشز. إنما هو على سبيل التمثيل ومثل به لأنه هو الغالب. والقاعدة: أن كل زوجة لا يجب على الزوج أن ينفق عليها فلا يجب تبعاً لذلك أن يخرج زكاة الفطر عنها. كالزوجة التي لم يدخل بها. •

стр. 914

ثم قال ﵀: ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه: أجزأت. إذا أخرج الإنسان عن نفسه زكاة الفطر وهي تجب على غيره فينقسم إلى قسمين: - الأول: أن يكون بإذن الغير. الذي يجب عليه أن يخرجها عنه فهذا مجزئ بالإجماع. - الثاني: وهو الذي ذكره المؤلف: أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه بغير إذن من تجب عليه: كأن تخرج الزوجة زكاة الفطر بغير إذن الزوج أو الابن الصغير بغير إذن أبيه. فالحنابلة يرون أن هذا مجزئ ولو لم يأذن من تجب عليه الزكاة. واستدلوا على هذا: - بأن المخرج أخرج الزكاة عن نفسه والنبي ﷺ يقول: على كل حر وعبد فدخل في الحديث. = والقول الثاني: أنه لا تجزئ عنه. - لأنه فعل ما يجب على غيره بغير إذنه. - وقياساً على زكاة المال. والصواب إن شاء الله أنها تجزئ. لكن لا ينبغي للإنسان أن يصنعى هذا الأمر بأن يخرج الزكاة وهي تجب على غيره إلا بعد أن يستأذن هذا الغير خروجا من الخلاف. ثم انتقل ﵀ إلى مسألة مهمة وهي: وقت الوجوب: • فقال ﵀: وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر. نقل عن الإمام أحمد ﵀ أربع روايات. لكن أصول الأقوال قولان فقط وهما روايتان: - الأولى: هي المذهب: أنه بغروب الشمس ليلة العيد تجب زكاة الفطر. وهو مذهب الجمهور. واستدلوا على هذا القول: - بقول ابن عمر ﵁: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر) فأضاف الزكاة إلى الفطر. قالوا: والإضافة تقتضي التخصيص والسببية. وأول وقت يحل فيه الفطر هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. = والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أن الوجوب يتم بطلوع الفجر الثاني يوم العيد. واستدلوا: - بنفس الحديث: فقالوا: قوله: (فرض رسول ﷺ زكاة الفطر) يعني: زكاة يوم الفطر ويوم الفطر يبدأ من طلوع الفجر الثاني. - وبقول النبي ﷺ : (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) فأطلق على يوم العيد أنه يوم الفطر. والأقرب القول الأول. - لأن ليلة العيد يحصل بها الفطر وتترتب عليها الأحكام من مشروعية التكبير وغيره مما يتعلق بالفطر فدل على أنه زمن الوجوب.

стр. 915

ولا يخفاكم أن ثمرة الخلاف في الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. فمن ولد أو مات ... الخ كما سيذكره المؤلف في هذا الوقت صار محل خلاف. • يقول ﵀: فمن أسلم بعده، أو ملك عبداً، أو تزوج، أو ولد له ولد: لم تلزمه فطرتهم. لأنهم وقت الوجوب ليسوا من أهل الوجوب بالنسبة للمنفق. فإذا ولد للإنسان مولود بعد مغيب الشمس فإنه لا يجب عليه أن يخرج فطرته. وكذا لو اشترى عبداً وتزوج زوجة. = وعلى القول الثاني: تجب عليه. أما لو ولد للإنسان مولود بعد طلوع الفجر الثاني فإنه بالإجماع لا يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر عنه لأنه وقت الوجوب ليس من أهل الوجوب. • ثم قال ﵀: مقرراً لما تقدم وهو أمر واضح: وقبله تلزم. قبل هذا الوقت: يعني: إذا أسلم قبل غروب الشمس أو ملك أو تزوج أو ولد قبل غروب الشمس فإنه تلزم الإنسان نفقة هؤلاء. أي تلزمه زكاة الفطر عنهم. وقد عرفت الخلاف في هذه المسألة. • ثم قال ﵀: ويجوز إخراجها: قبل العيد بيومين فقط. = يجوز عند الحنابلة أن نخرج زكاة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين. - لما صح عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (كانوا يخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين) وهذا الحديث ثابت في الصحيح وهو نص في المسألة. = القول الثاني: أنه يجوز أن نخرج زكاة الفطر قبل العيد بثلاثة أيام. = القول الثالث: أنه يجوز أن نخرج زكاة الفطر من أول الشهر. واستدل هؤلاء: - بأن سبب الوجوب مركب من أمرين: الصوم والفطر. فإذا وجد أحد السببين جاز إخراج الزكاة. - وبأن في هذا توسعة على المسلمين لا سيما إذا كان أهل الزكاة يحتاجون إلى مشقة في الوصول إليهم. والصواب مع الحنابلة لأن معهم نصاً ظاهراً صريحاً واضحاً أنهم كانوا يخرجون الزكاة قبل العيد بيوم أو يومين فقط والتقييد بثلاثة أو بأول الشهر قول ضعيغ مخالف للنص الصريح. • ثم قال ﵀: ويوم العيد قبل الصلاة أفضل. يعني أن أفضل الأوقات لإخراج الزكاة هو ما بين طلوع الفجر إلى صلاة العيد. وهذه الأفضلية محل إجماع ويدل عليه: - ما في حديث بن عمر أنه ﵁ قال: وكانوا يأمرون بها أن تخرج قبل صلاة العيد.

стр. 916

= - ولقول النبي ﷺ : (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة). فإذاً اعتبار الوقت هو أفضل الأوقات دل عليه النص والإجماع فلا إشكال فيه. • ثم قال ﵀: وتكره في باقيه. يتركب هذا من قولين - هذه العبارة تدل على مسألتين بعبارة أخرى: - أنه يجوز أن نخرج الزكاة بعد الصلاة ولكنه مكروه. أما دليل الكراهة فهو: - مخالفة السنة فإنهم كانوا يخرجونها قبل الصلاة. وأما دليل الجواز: - فعموم قول النبي ﷺ : (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم). يعني بزكاة الفطر. والإغناء يحصل ولو بعد الصلاة. = والقول الثاني: أنه يجوز بلا كراهة أن يخرج الزكاة بعد الصلاة. = والقول الثالث: أنه يحرم ولا يجزئ أن يخرج الزكاة بعد الصلاة. واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ قال: (من أخرجها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات). فنص الحديث على أنها إذا أخرجت بعد صلاة العيد لا تعتبر زكاة فطر فدل على أن هذا محرم وأنه لا يجزئ. وهذا اختيار شيخ الاسلام وابن القيم وهو في الحقيقة الذي يتوافق مع النصوص وإن كان يخالف مذهب أكثر أهل العلم. ويستثنى من هذا: إذا كان التأخير له سبب مقبول. وعذر واضح فإنه حينئذ يرجى أنه إن شاء الله تجزئ عنه ولا يأثم بهذا التأخير كأن لا يجد من يعطيه أو يضيع المال أو - وهو أكثر الأعذار انتشاراً - أن يوكل شخصاً ولا يخرج هذا الموكل الزكاة فإنه من أكثر أسباب التأخر كأن يفرط الموكل فإن الموكل لا حرج عليه وله أن يخرج بعد الصلاة. • ثم قال ﵀: ويقضيها بعد يومه آثماً. يعني أنه إذا لم يخرج في كل اليوم فإنه آثم وعمله محرم ويجب عليه أن يتوب ولكن مع ذلك يجب أن يخرج الزكاة وتصبح قضاء. واستدلوا على هذا: - بأن زكاة الفطر تعلق بها حقان: - الأول: حق الآدمي. - والثاني: حق الله . فحق الله بين الإنسان وربه سبحانه وهو آثم ويحتاج إلى توبه. أما حق الآدمي فهو دين في ذمة الذي يجب عليه إخراج الزكاة ولا يسقط بمضي الوقت قياساً على دين الآدمي فيجب أن يخرج الزكاة بعد العيد.

стр. 917

هذا القول: الذي فيه وجوب إخراج الزكاة بعد العيد = مذهب الجماهير وحكاه بعضهم إجماعاً. لكن الذين حكوا الإجماع هم من المتأخرين فلم أر أحداً من المتقدمين - حسب ما وقفت عليه - حكى الإجماع. ولكن هذا الإجماع يدلك على أن هذا القول هو قول عامة أهل العلم. = والقول الثاني: أنه لا يجزئ ولو أخرجها فلا قيمة لها لا أداء ولا قضاء ولا ينظر إليها وهو أيضاً اختيار الشيخين: ابن تيمية وابن القيم وتمسكوا بالحديث. - وهو قوله ﷺ : (ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات). واختيارهم قوي. ومذهب الجماهير أحوط. فنقول للإنسان: مهما أخرت الزكاة أخرجها لأنها كالدين في ذمتك. وما استدل به الجمهور فقوي وهو أن هذا دين يتعلق به حق الفقراء فمهما أخر فيجب أن يخرج قياساً على زكاة المال. فإن زكاة المال لها موعد إذا أخر عنه أثم من أخره كما سيأتينا على الخلاف في تحديد هذا الموعد. ومع ذلك نقول: مهما أخرت وأثمت وارتكبت هذا المحرم فيجب أن تخرج الزكاة فكذلك هنا نقول. مهما أخرت وأثمت فيجب أن تخرج الزكاة. فصل [في قدر الواجب ونوعه ومستحقه وما يتعلق بذلك] • ثم قال ﵀: (فصل). المقصود بهذا الفصل بيان القدر الواجب وما يتعلق بالأجناس وما يجزئ منها وما لا يجزئ. وهو مبحث مهم جداً. • قال ﵀: ويجب صاع. الصاع: مكيال معروف. والمقصود بالصاع هنا: صاع النبي ﷺ وهو أربع أمداد. فهذا هو المقصود بقول الفقهاء: يجب صاع. • قال ﵀: يجب صاع من بر أو شعير ..... إلى آخره .. = ذهب الأئة الثلاثة إلى أنه لا يجزئ من جميع الأصناف إلا إخراج صاع كامل سواء كان المخرج بر أو شعير أو تمر أو إقط أو زبيب أو أي نوع مما سيأتينا. واستدلوا على هذا: - بقول ابن عمر ﵁: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر. - وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كنا نخرج الزكاة إذ كان رسول الله ﷺ فينا صاعاً من طعام أو شعير أو إقط أو زبيب أو تمر. وهذه أربعة أصناف.

стр. 918

ففي الحديثين لم يفرق النبي ﷺ بين نوع وآخر. = القول الثاني: أنه يجوز في البر خاصة نصف صاع. وإلى هذا ذهب الأحناف وبعض اليلف على رأسهم الإمام الكبير سعيد بن المسيب وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية. واستدلوا بعدة أدلة: - الدليل الأول: أن النبي ﷺ قال: (صاع من بر يكفي عن اثنين). وهو حديث إما ضعيف أو ضعيف جداً. - الدليل الثاني: أن المسلمين استمروا على هذا العمل من زمن معاوية إلى أزمان متأخرة بعده. فما زال عمل المسلمين على هذا. - الدليل الثالث - والأخير -: أن هذا القول مروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ . والراجح والله أعلم القول الأول وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. - لأن أبا سعيد الخدري وهو أعرف الناس بهذه المسألة قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان رسول الله ﷺ فينا صاعاً من تمر أو شعير أو إقط أو زبيب حتى إذا قدم معاوية قال: أرى نصف صاع من سمراء الشام تكفي عن صاع من هذا التمر قال: فأخذ الناس بذلك. وسمراء الشام: هو القمح الدمشقي. والمقصود به: البر. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنا نخرجه على عهد رسول الله ﷺ . ومع كون القول بوجوب إخراج الصاع هو الراجح إلا أنه لا يخفى أبداً قوة القول الثاني. لا سيما وقد عمل به نحو خمسة من الصحابة فكلهم يرى هذا الرأي ولا سيما أن معاوية خطب بهذا على المنبر وأخذ الناس به والناس في زمن معاوية هم الصحابة والتابعون. فهذا القول قوي ولهذا اختاره شيخ الاسلام بن تيمية لهذه الاعتبارات. لكن القول الراجح هو القول الأول باعتبار أن في المسألة نص وباعتبار أن أبا سعيد الخدري لم يرض بهذا القول وإنما رأى أنه يلزمهم أن يستمروا على إخراج صاع مهما كان نوع المخرج. • قال ﵀: ويجب صاع من بر. البر لم يذكر في النصوص لكن أهل العلم أجمعوا على أنه يجزئ لأنه أولى مما ذكر من الشعير وغيره. • قال ﵀: أو شعير. الشعير مذكور في جميع الأحاديث. أنه من الأصناف التي يجزئ إخراجها في زكاة الفطر: في حديث ابن عمر وفي حديث أبي سعيد الخدري. • قال ﵀:

стр. 919

أو دقيقهما. يعني: أنه يجوز أن نخرج دقيق القمح أو دقيق الشعير. لأن الدقيق هو عبارة عن القمح والشعير مطحون فهو أجزاء لما يشرع إخراجه. فدقيق القمح أجزاء للقمح ولذلك جاز إخراجه. لكن يشترط: ١ - أن يكون بالوزن. ٢ - وأن يحتاط إذا كان ثقيلاً بالزيادة. فيحتاط إذا كان وزنه ثقيل بأن يزيد عليه. لأن الصاع مكيال وليس ميزان. والصاع بالميزان الحديث اختلفوا فيه: = منهم من قال: كيلوين وربع. = ومنهم من قال: كيلوين ونصف. = ومنهم من قال: كيلوين وأربعين جرام. هذه ثلاثة أقوال. الوسط منها هو اختيار شيخنا ﵀ وهو الأقرب لكون الشيخ ﵀ بيده قد قاس هذا الأمر فنحن نرى أن هذا أدق شيء. فكيلوين وأربعين جرام إذا كان البر ثقيل صار كمية قليلة من البر تزن كيلوين وأربعين جرام بينما لو وضعنا هذه الكمية في المكيال لكانت أقل من صاع لأن المكيال يعتمد على الحجم والميزان يعتد على الوزن. فإذا كان ثقيلاً فيجب أن نحتاط بالزيادة., والفقهاء ﵏ كلهم يقولون: إذا أردت أن تخرج دقيق فيجب أن يكون بالوزن حتى ينضبط ويجب أن تحتاط إذا كان ثقيلاً. • ثم قال ﵀: أو سويقهما. يعني سويق الشعير والبر. والسويق هو: ما يحمص من هذه الأشياء ثم الطحن. فهو في الحقيقة قريب من الدقيق لكنه قبل أن يطحن يحمص فالحكم واحد. • ثم قال ﵀: أو تمر أو زبيب أو أقط. هذا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكرته لك آنفاً فقد ذكر فيه: التمر والزبيب والإقط. فزاد الزبيب والإقط. هذه الخمسة أصناف هي التي نص عليها الفقهاء ﵏: ١ - البر. ٢ - والشعير. ٣ - والتمر. ٤ - والزبيب. ٥ - والإقط. • ثم قال ﵀: فإن عدم الخمسة: أجزأ كل حب وثمر يقتات ... إلخ. = أفادنا المؤلف ﵀ بهذه العبارة أنه لا يجوز أن نخرج من غير هذه الأصناف الخمسة إذا كانت موجودة فإذا وجدت وأخرج الإنسان غيرها ولو كان هذا الغير من قوت البلد فإنه: لا يجزئ. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ نص على هذه الأصناف. - والصحابة اتفقوا على البر. فهي أصناف منصوص عليها ومتفق عليها لا يخرج عنها إلا إذا لم توجد.

стр. 920

= والقول الثاني: أنه يجوز أن نخرج من أي نوع من الطعام بشرط أن يكون قوتاً للبلد. - لأن النبي ﷺ إنما نص على هذه الأصناف لأنها في وقتهم هي قوت البلد. بدليل: أنه لم يذكر البر مع أنه أعلى هذه الأصناف لأنه لا يوجد في المدينة بكثره. فنص على الأقوات المعروفة في المدينة. بناءً عليه: يجوز للإنسان أن يخرج أي نوع من أنواع الطعام إذا كان قوتاً ولو لم يكن من هذه الأصناف المنصوص عليها. ووقتنا هذا يؤكد رجحان هذا القول: لأن من الأصناف الآن: الشعير وهو صنف لا يقتات أبداً ولا ينتفع منه الفقير ولا أظن أحداً يقول أنه يخرج شعيراً ولو كان منصوصاً عليه لأن الفقير لا ينتفع منه مطلقاً. وبالإجماع المقصود من زكاة الفطر إغناء الفقير وأن ينتفع بها فكيف نعطيه ما لا ينتفع به. فدل هذا على أن النبي ﷺ إنما أراد أن ينص على الأقوات فمهما كان الطعام قوتاً جاز أن يخرج. بل من الممكن أن نقول: كما ذكرت الآن: أنه إذا كان بعض هذه الأنواع أصبح ليس من الأقوات فإنه لا يشرع أن نخرجه: - لأنا نجزم أن العلة هي القوت فإذا خرج عن أن يكون قوتاً صار لا يجزئ. • ثم قال ﵀: أجزأ كل حب وثمر يقتات. لما تقدم من أن القاسم المشترك بين الأصناف أو العلة المعتبرة فيها هي: الاقتيات. • ثم قال ﵀: لا معيب. يعني: لا يجوز أن يخرج الإنسان لا من هذه الأصناف ولا من غيرها إذا لم توجد شيئاً معيباً. - لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ... ﴾ [البقرة/٢٦٧] - ولأن نفع الفقير يقل أو ينعدم إذا أخرج المعيب. والمعيب: كـ: المبلول وكالذي تغيرت رائحته وطعمه من طول البقاء وكأي عيب يعرفه الناس. • ثم قال ﵀: ولا خبز. لا يجوز أن يخرج الإنسان في زكاة الفطر خبزاً. لأمرين: - الأول: أنه لا يمكن أن نعرف بالدقة وزن هذا الخبز؟ - الثاني: أن هذا الخبز لا يبقى. وبناءً على هذا يتضرر الفقير من تلفه ولا ينتفع به على الوجه الأكمل. = والقول الثاني: أنه يجوز أن نخرج الخبز في حال واحدة: إذا عرف عن أهل هذا البلد أنهم يأكلون الطعام يوم العيد. فإنه في هذه الحالة لا يفسد لأنه سيؤكل يوم العيد.

стр. 921

وإلى هذا القول - الثاني - ذهب الحافظ ابن القيم. والأقرب والله أعلم: أنه لايجزئ الخبز. لأنه لا ينضبط الوزن فمهما قيل حتى لو وزنت ثم خبزت فإنه سيختلف الوزن والإنسان مطالب إبراءً لذمته أن يخرج صاعاً كاملاً. هذا من جهة. من جهة أخرى: أنه لا شك أن البر أنفع بمراحل. لأنه وإن كان البر يخبز لكنهم يخبزونه على مراحل حسب الحاجة وأيضاً يدخر وينتفع به بشتى الوسائل بخلاف الخبز. فالأقرب والله أعلم أنه لا يجزئ ولو كان أهل البلد يأكلون يوم الفطر. • ثم قال ﵀: ويجوز أن يعطي الجماعة: ما يلزم الواحد. أي: يجوز أن نعطي الجماعة من الفقراء ما يلزم الواحد يعني: الصاع. صاع واحد. فيجوز أن نفرق الصاع بين جماعة من الفقراء. ولكن ينبغي أن نخبر الفقير أنه أقل من صاع حتى لا يخرجه ظاناً أنه صاع. الدليل على هذا الحكم بالنسبة لهذه الصورة: - الإجماع. فإنه لا يوجد مخالف أن هذا جائز. فيجوز أن نعطي الجماعة صاعاً واحداً. • ثم قال ﵀: وعكسه. عكس هذه الصورة: يعني يجوز أن يعطي الجماعة فقيراً واحداً. الدليل: - قالوا الدليل: أن الواجب إخراج صاع وقد حصل ولم ينص الشارع على تعداد الأصواع على الفقراء أو تفريق الأصواع على الفقراء بل الواجب إخراج صاع وقد حصل. وهذا كما ترون صحيح ووجيه. إذاً: يجوز أن يعطي الإنسان عدة فقراء ويجوز لعدة أناس أن يعطوا فقيراً واحداً. باب إخراج الزكاة • ثم قال ﵀: باب إخراج الزكاة. يعني: هذا باب خصص لبيان أحكام إخراج الزكاة. فالحكم الأول: • قال ﵀: يجب على الفور مع إمكانه. يحرم على الإنسان أن يؤخر إخراج الزكاة بعد تمام الحول. فإن أخر فهو آثم. الدليل: الدليل على ذلك من وجوه: - أولاً: أن الأصل في الأوامر أنها على الفور. وستأتيكا هذه المسألة مبسوطة أتم البسط في باب الأوامر والنواهي في أصول الفقه في الورقات. - ثانياً: أن التأخير يؤدي إلى ضياع حق الفقير بالنسيان والإتلاف والتقصير والتفريط. - ثالثاً: أن المأمور إذا تأخر في التنفيذ استوجب العقوبة شرعاً وعرفاً. والعقوبة تكون على المحرم. إلا أن الحنابلة يقولون: يجوز التأخير اليسير للحاجة.

стр. 922

وحد بعض الحنابلة هذا اليسير: - بيوم أو يومين. - والمصلحة بما إذا أراد أن يعطي قرابته فأخر بعض الشيء ليتمكن من ذلك. - أو إذا أراد أن يعطي من هو أشد فقراً فأخر ليتمكن. - أو أراد أن يعطي من هو أورع وأقرب إلى الله. وقد نصوا على هذه الأمثلة الثلاثة ليقاس عليها ما يشبه هذه الأمثلة الثلاثة. = القول الثاني: أنه يجوز التأخير لمدة شهر فقط فإن زاد عن الشهر أثم. وإلى هذا ذهب ميمون بن مهران. = القول الثالث: أنه يجوز التأخير بلا حد. - لأن الأمر المطلق لا يستوجب وقتاً معيناً بل يحصل الامتثال مهما صنع ولو تأخر. أو بعبارة أوضح: يحصل الامتثال إذا صنع ولو تأخر. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ﵀. وهو أضعف وأبعد الأقوال عن روح الشرع والنصوص العامة. لأن الافراط في السماح بالتأخير يؤدي غالباً إلى ضياع حق الفقير ودخول الشهوات بأن يقصد المؤخر الانتفاع بالمال لا تحقيق مصلحة معينة. الراجح القول الأول. وفي المسألة: = قول آخر أنه لا يجوز التأخير ولو لحاجة ولو لشي يسير. وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀: أنه لا يجوز التأخير مطلقاً إلا في حالة واحدة فقط: للضرورة ففي ما عدا هذه الصورة لا يجوز التأخير. وهذا القول الأخير الذي هو رواية عن الإمام أحمد أضيق من مذهب الحنابلة. لكن الأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة أنه يجوز للإنسان أن يؤخر تأخيراً يسيراً لتحقيق مصلحة معتبرة. مسألة / بناء على ما تقدم: لا يجوز للإنسان أن يصنع ما يصنعه بعض الناس اليوم: أن يجعل الزكاة عنده ويعطي قريبه الفقير أقساط شهرية فإن هذا لا يجوز لأن الأقساط المؤخرة مؤخرة والزكاة تجب على الفور. والأنفع للفقير في مثل هذه الحالة وهي: أنه إذا رأى أن الفقير لا يحسن التصرف ولا يمكن أن يعطى جميع المال فبدل أن يقسط عليه الزكاة ويدخل في هذا المحذور يجعل الفقير يوكل المخرج أو غيره في شراء أعيان وأشياء ينتفع بها الفقير على مدار السنة. فيشتري له قوتاً أو مسكناً أو فراشاً أو كتباً إن كان من طلاب العلم - كما سيأتينا - المهم يشتري له بها ما تقوم به حاجته في السنة فإن هذا الحل خير من التقسيط.

стр. 923

وقد نص الإمام أحمد في رواية أن جمع الزكاة وإخراجها مقسطة على القريب لا يجوز. • ثم قال ﵀: إلا لضرر. إذا كان إخراج الزكاة الآن يسبب ضرراً على المخرج: جاز له التأخير. وذكر الفقهاء ﵏ مثالين: - المثال الأول: أن يكون صاحب ماشية فيبادر بإخراج الزكاة ويخشى أن يأتي السعاة فيأخذوا الزكاة منه مرة أخرى. فحينئذ فإن له أن يؤخر إلى أن يأتي عمال الصدقة فيعطيهم الزكاة. - المثال الثاني: أن يخشى أنه إذا أخرج الزكاة لا سيما إذا كانت من الذهب والفضة: أن يجترئ عليه اللصوص. فحينئذ له أن يؤخر إلى أن يكون في مأمن. وهذا مثالان. والقاعدة أنه ((إذا ترتب على إخراج الزكاة ضرر فله أن ينتظر)) لأن هذا من دفع الضرر. والضرورات تبيح المحرمات. • ثم قال ﵀: فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارف بالحكم. يعني: أن من لم يخرج الزكاة بسبب أنه يجحد وجوب الزكاة ... (الأذان). إذاً: من تركها جاحداً لوجوبها فهو - نتم هذه المسألة فقط -: فهو كافر بشرط أن يكون عالماً بالحكم. فإن كان من البادية الذين نشأو في الصحراء ولا يعرف الحكم فإنه لا يكفر حتى يعلم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام وأن الجاحد لوجوبها يكفر. والجاحد لوجوبها يكفر ولو أخرجها فلو جاءنا إنسان وقال: أنا لا أرى أن الزكاة واجبة لكن سأخرج الزكاة. فنقول: أنت كافر لأن الزكاة واجبة. الدليل على كفره: - أنه مكذب لله مكذب لرسوله مخالف لإجماع المسلمين. ولهذا أصبح كافراً. والقرآن - كما قال الفقهاء ﵏ مليء بإيجاب الزكاة فلال عذر بعد ذلك لمن أنكر الوجوب فهو كافر.

стр. 924

من الأسئلة: قال شيخنا حفظه الله: يسأل عن مسألة إخراج القيمة بدلاً من الأصناف المذكورة في زكاة الفطر وهي مسألة كثر البحث فيها في وقتنا هذا: والصواب باختصار أنه: لا يجوز. والدليل على ذلك: - أن النبي ﷺ أمر بإخراجها من هذه الأصناف وحدد هذه الأصناف. وبناء على هذا لا يجوز أن نخرجها مالاً لأنه يؤدي إلى ذهاب هذه الشعيرة. فإن قيل: أنه أنفع للفقراء: فالجواب: أن الناس في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر ﵄ أيضاً فقراء جداً حتى أن سيد الخلق ﷺ كان لا يجد ما يأكل أحياناً وعدد من الصحابة فقراء وأصحاب الصفة فقراء فمعلوم أن وقت النبي ﷺ كان يشتهر فيه الفقر والإعواز ومع ذلك لم تخرج من الأموال وإنما أمر بإخراجها من هذه الأصناف المذكورة في الحديث.

стр. 925

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم معنا الكلام عن حكم من أنكر وجحد وجوب الزكاة وأنه يكفر ولو أخرجها لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين. • وتوقفنا على قول المؤلف ﵀: وأخذت. يعني إذا حكمنا عليه بالكفر فإنه مع ذلك تؤخذ منه الزكاة فيأخذها الإمام قهراً. - لأن الزكاة وجبت في ذمته قبل أن يكفر فلا بد من إخراج هذه الزكاة لأنها حق للفقراء ولا يسقط هذه الزكاة كونه كفر. • ثم قال ﵀: وقتل. وهذا هو الحكم الثالث. إذاً يترتب على إنكار وجوب الزكاة أنه: ١ - يكفر. ٢ - وتؤخذ منه. ٣ - ويقتل. يجب أن يقتل وجوباً لدليلين: - الأول: قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة). وهذا لم يؤت الزكاة. - الثاني: لأنه مرتد والمرتد حكمه القتل. ولكن الفقهاء ﵏ قالوا: أنه يستتاب ثلاثة أيام قبل أن يقتل. وهذا الحكم لا يختص بجاحد الزكاة بل بكل مرتد. لأنه نقل عن بعض الصحابة أنهم أمهلوه ثلاثة أيام وسيأتينا إن شاء الله في باب حكم المرتد الكلام حول هذه المسألة. • ثم قال ﵀: أو بخلاً. أُخذت منه وعزر هذا هو السبب الثاني لمنع الزكاة وهو: البخل. ومقصود المؤلف ﵀ بقوله: أو بخلاً. يعني: مع الإقرار بالوجوب. فإذا كان مقراً بالوجوب ومنعها بخلاً ترتب على ذلك الأحكام التي ذكرها المؤلف ﵀. • أولاً: قال ﵀: أخذت منه.

стр. 926

أجمع الفقهاء على أن الإمام يأخذ الزكاة قهراً من منعها بخلاً. والحكم الثاني: ما أشار إليه بقوله ﵀: وعزر. وفهم من قوله: وعزر: أنه لا يكفر وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم أنه لا يكفر إذا كان السبب في منعه إخراج الزكاة هو البخل لا إنكار الوجوب. إلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وهو المنقول عن الصحابة أن من منع إخراج الزكاة بخلاً لا يكفر. إذاً قال: وعزر: فهو لا يكفر ولا يقتل وإنما يعزر. - لأن القاعدة عند أهل العلم أن كل ذنب لم يرتب الشارع عليه حداً ولا كفارة ففيه التعزير. والمقصود بقوله: التعزير. هنا أي: يعزره حسب ما يراه الإمام كافياً في ردعه وردع أمثاله الذين يمتنعون عن إخراج الزكاة. = وذهب بعض أهل العلم إلى أن التعزير هنا يكون بأخذ شطر ماله. - لأن رجلاً امتنع عن إخراج الزكاة فقال له النبي ﷺ : (إنا آخذوها وشطر مالك). وهذا الحديث اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه. والصحيح إن شاء الله أنه صحيح. وممن صححه الإمام أحمد ﵀ ولكن مع ذلك الجماهير وأكثر أهل العلم لم يأخذوا بهذا الحديث. وممن لم يأخذ بهذا الحديث الإمام أحمد ﵀ مع أنه صححه لكنه ﵀ صححه وقال: لا أدري ما وجهه. والسبب الذي جعلهم لا يعملون بهذا الحديث: - أن الصحابة ﵃ لم يأخذوا ممن منع الزكاة شطر ماله هذا أولاً. - ثانياً: ما حكاه بعض الفقهاء بقوله: انعقد الإجماع على عدم العمل بهذا الحديث. فلهذين السببين لم يأخذ الجمهور بهذا الحديث. = والقول الثاني: العمل بمقتضى هذا الحديث. واختلف الذين رأوا أن يعملوا بهذا الحديث: هل مقصود النبي ﷺ : (شطر ماله) يعني شطر ماله الزكوي أو شطر ماله كله؟ فإذا كان عنده مائة من الإبل ولم يخرج زكاتها نأخذ الزكاة ونصف المائة أو المقصود أن تؤخذ الزكاة وشطر كل ماله فلو كان عنده مائة من الإبل ومائة من الغنم ومائة من البقر وما يقدر بمائة ألف من عروض التجارة ... إلخ. ومنع الزكاة في شيء واحد - في الإبل مثلاً - فنأخذ زكاة الإبل ونصف جميع هذه الأموال.؟ = الذي عليه الجمهور أن المقصود: شطر ماله الزكوي.

стр. 927

- قال الصنعاني: قوله: (وشطر ماله) يعني: بعض ماله. وهذا يشعر أنه يميل إلى قول الجمهور. • ثم قال ﵀: وتجب: في مال صبي ومجنون، فيخرجها وليهما. تقدم معنا في أول الباب الكلام عن حكم زكاة مال الصبي وحكم زكاة مال المجنون وأن الجماهير من أهل العلم رأوا وجوب إخراج الزكاة من مال الصبي وأن من عليه أن يخرج هو: الولي. وأن هذا مذهب أكثر الصحابة. وتقدم معنا الكلام عن هذه المسألة. • ثم قال ﵀: ولا يجوز إخراجها إلاّ بنية. المقصود بالنية هنا: أن ينوي أن هذا المال زكاة. والدليل على وجوب النية في إخراج الزكاة: - قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). - والدليل الثاني: أن الزكاة عبادة بل من أعظم العبادات فهي ركن من أركان الإسلام وأي عبادة لا تصح إلا بنية. يستثنى من هذه المسألة - وجوب النية -: مسألة واحدة وهي: إذا أخرج الإمام الزكاة قهراً لمن ترك الإخراج سواء كان جحداً أو بخلاً. فهنا يكتفي بنية الإمام عن نية المزكي. وتجزيء مانع الزكاة وليس له الأجر. - ومعنى قول الفقهاء: تجزئ: يعني لا يجوز أن يطالب بها مرة أخرى. - ومعنى: أنه ليس له أجر: أي لا يؤجر عليها وإنما تبرأ ذمته فقط مع الإثم. فهو - نسأل الله العافية والسلامة - يخرج الزكاة ولا أجر له وعليه الإثم. • ثم قال ﵀: والأفضل: أن يفرقها بنفسه. الأفضل في الزكاة سواء كانت زكاة مال أو زكاة الفطر فالأفضل أن يخرجها بنفسه. وسواء كانت الزكاة من الأموال الظاهرة أو من الأموال الباطنة. وسواء كان المزكي صغيراً أو كبيراً بشرط أن يتمكن من الإخراج إذا كان صغيراً. الدليل على أن هذا هو الأفضل من وجهين: - الأول: ليباشر أداء العبادة. فإن مباشرة أداء العبادة فضل في حد ذاتها. - الثاني: ليستيقن من وصول الزكاة لمستحقيها على الوجه المطلوب ليحصل له اليقين من وصول الزكاة إلى مستحقيها على الوجه المطلوب. فإن الإخلال يقع أحياناً في إعطاء الزكاة لغير مستحقها ويقع أحياناً في أعطاء الزكاة لمستحقها لكن يكون الخلل في كيفية الإعطاء. مثال ذلك: تقدم معنا أن الفقراء والمساكين يجب أن يملكوا الزكاة ولا يجوز أن يعطوا عروضاً.

стр. 928

فمن الخطأ أن نشتري بالزكاة مؤونة للفقير فهذا خطأ في كيفية الإخراج وإن كان صواباً من حيث المستحق للزكاة. الخلاصة: أنه ينبغي أن يفرق الإنسان بنفسه ليأمن من الخطأ فيها - في الكيفية وفي المستحق. • ثم قال ﵀: ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد. يعني ويستحب أن يقول الدافع ماورد والآخذ ما ورد. فالدافع: يستحب أن يقول: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً. وهذا الحديث ضعيف. والصواب أنه لا يوجد دعاء فيما أعلم خاص نصت عليه السنة يقوله من أراد أن يخرج الزكاة. أما الآخذ: فثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ : كان إذا أخذ الزكاة من أربابها صلى عليهم. ولما جاء بزكاة آل أبي أوفى قال: اللهم صل على آل أبي أوفى. - مسألة: هل يختص هذا الدعاء بما إذا أخذ الإمام الزكاة أو يقوله من أخذها ولو كان هو الفقير مباشرة؟ الأقرب والله أعلم - كما هو ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل الفقير والإمام فكل من أخذ الزكاة يشرع له أن يدعو لمن أعطاه بهذا الدعاء وهو أن يصلي عليه. ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى مسألة أخرى: • فقال ﵀: والأفضل إخراج زكاة كل مال: في فقراء بلده. مقصود بقوله: بلده يعني: بلد المال لا بلد الرجل أي في فقراء بلد المال. وقوله: الأفضل: يعني ويجوز أن يخرج الزكاة في غير بلده بشرط: أن يكون بين بلده والبلد الذي أخرج فيه الزكاة دون مسافة القصر. والدليل: - أن البلد الذي لا يبعد مسافة قصر حكمه حكم بلد المال. إذاً فقول المؤلف: الأفضل يتعلف بالبلد الذي لا يبعد مسافة قصر ولا يريد المؤلف مطلقاً أن توزيع المال في البلد أفضل ويجوز في غيره. إنما هو أفضل ويجوز في غيره فقط إذا كان دون مسافة القصر. أما إذا كان مسافة قصر فبين المؤلف حكمها: • فقال ﵀: ولا يجوز: نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة. نقل الزكاة إلى خارج بلد المال الذي يبعد مسافة قصر محل خلاف لكن قبل أن نذكر الخلاف نذكر محل الوفاق:

стр. 929

- اتفق أهل العلم كلهم على أنه يجوز إخراج الزكاة من بلد المال إذا استغنى كل الفقراء فيها وفاض منها فائض جاز أن نخرجها إلى البلدان الأخرى وسيأتينا في كلام المؤلف أنه يخرجها حسب الأقرب فالأقرب. إذا بقي في البلد فقراء فهذا محل خلاف بين أهل العلم: = فذهب الأئمة الثلاثة والجماهير إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يخرج الزكاة من بلده إلى بلد آخر ذهب إلى هذا: مالك والشافعي وأحمد. واستدلوا: - بقول النبي ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فأمر برد الزكاة في فقراء البلد. - والدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ أنكر على معاذ لما أرسل له زكاة اليمن فبين له معاذ ﵁ أنه لم يرسلها إلا بعد أن استغنى الفقراء. = القول الثاني: للأحناف. أن إخراج الزكاة عن بلد المال مكروه فقط وترتفع الكراهة إذا أخرج المال لقريب أو لأشد حاجة أو لأكثر ورعاً. ففي هذه الثلاثة أحوال يجوز بلا كراهة وفي غير هذه الثلاثة أحوال يجوز لكن مع الكراهة. = القول الثالث: أنه يجوز إخراج الزكاة إذا كان الإخراج لمصلحة شرعية معتبرة وهو قول لبعض الفقهاء اختاره شيخ الاسلام ﵀. = القول الرابع: أنه يجوز إخراج الزكاة مطلقاً. وإلى هذا ذهب الإمام البخاري ﵀. واستدل بدليلين: - الأول: قوله تعالى: - (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... ) -[التوبة/٦٠] يعني: في أي بلد. فالآية مطلقة عامة. - والثاني: قوله ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) يعني: في فقراء المسلمين كما قال ﵀ لا في فقراء البلد. والراجح: القول الثالث فإنه وسط بين الأقوال وبه تجتمع الأدلة وتدل عليه آثار الصحابة. وفهم من هذا: أنه من الخطأ أن يتساهل الإنسان بإخراج الزكاة عن بلده بلا مبرر شرعي فإن هذا أقل ما يقال فيه أنه مكروه.

стр. 930

إن لم نجزم كما هو مذهب الجمهور بالتحريم بسبب إنكار عمر على معاذ مع العلم أن أهل المدينة كانوا فقراء بل قد يكونوا أشد حاجة من أهل اليمن باعتبار أن أهل اليمن كانوا يأتيهم مدد من جهتين: بلد تجارة وبلد زراعة فكانوا أحسن حالاً من أهل المدينة ومع ذلك أنكر عمر ﵁ على معاذ لما أرسل له زكاة اليمن. الخلاصة: أنه ينبغي على الإنسان إذا لم يكن هناك مبرر شرعي واضح وحاجة ظاهرة يقدرها أهل العلم ينبغي أن لا يخرج الزكاة عن بلده. ومن أشهر المبررات: شدة الحاجة فشدة الحاجة لا شك ولا ريب أنها مبرر فإذا كان بلد آخر يكاد أهله أن يموتوا من الجوع فليس من المنطق ولا من الأخوة أن نحصر الزكاة في بلد غني ونترك ذلك البلد الفقير لا سيما إذا كانت الزكاة تصرف فيما هو محل ضرورة كالأكل واللباس والسكن والعلاج فهذه الأمور الأربعة من أهم ما يدعم به الفقير. • ثم قال ﵀: فإن فعل أجزأت. يعني: إذا تقرر أن الإخراج محرم وأن المخرج آثم لكن إن فعل فهل تجزئ أو لا تجزئ. = ذهب الجماهير وأكثر أهل العلم إلى أنه إن فعل أثم وأجزأت. واستدلوا على ذلك: - بأن هذا الرجل أخرج الزكاة لمستحقها فلا يوجد ما يدل على بطلانها. = والقول الثاني: أنه آثم والزكاة باطلة ولا تجزئ. واستدلوا: - بأن هذا الرجل أخرج الزكاة في غير أهلها لأن أهلها شرعاً هم فقراء البلد. وهذا القول - الثاني - ضعيف بل الصواب أنها تجزئ إن شاء الله لأنه لا يوجد دليل شرعي واضح يدل على البطلان إنما غاية ما تدل عليه النصوص تحريم النقل أما البطلان فلا دليل عليه ويصدق عليه أن أخرج الزكاة في أحد الأصناف الثمانية. • ثم قال ﵀: إلاّ أن يكون في بلد لا فقراء فيه: فيفرقها في أقرب البلاد إليه. إذا لم يكن في البلد فقراء: تقدم معنا حكاية الإجماع على جواز إخراجها. وقولهم: أنها في أقرب البلدان. لأنها الأولى. ولأن البلدان التي دون مسافى القصر لا يحرم إخراج الزكاة إليها عند الحنابلة.

стр. 931

والإخراج إذا اغتنى البلد عمل به الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ فإن النصوص والآثار التي فيها أنه جيء إلى المدينة بالزكاة والصدقات تحمل على أن أهل البلد الذي أخرجت منه الزكاة اكتفوا. وهذا الحمل صحيح. توفيقاً بين النصوص ولأثر معاذ السابق لما أنكر عليه عمر قال: لم أرسل لك منها شيئاً حتى اكتفى أهل البلد. فإذاً يحمل ما نراه من النصوص التي تفيد إحضار الزكوات إلى المدينة على هذا المحمل: أن أهل البلد الذي أخرجت منه اكتفوا. وفي هذه الحالة: في حال النقل: تكون أجرة النقل على المزكي = عند الحنابلة. - لأنه الذي يجب عليه أن يخرج الزكاة ومن وجب عليه شيء وجب عليه مؤونته. = والقول الثاني: أنها إذا أخرجت فمؤونة النقل على بيت المال. والراجح: الأول. وهو: أنه يجب على المزكي أن يدفع من غير الزكاة أجور نقلها لأنه يجب عليه أن يخرج الزكاة لمستحقها وهي لا تصل إلى مستحقها إلا بذلك وهذه الأجور - أجور نقل الزكاة - تشبه ما إذا ذهب هو داخل البلد وتكلف مالاً ليصل إلى الفقير فهنا نفس الشيء. إلا أن هذا قريب وذاك بعيد فالأجرة على المزكي. • ثم قال ﵀: فإن كان في بلد وماله في آخر: أخرج زكاة المال في بلده. يعني: في بلد المال: إذا كان الشخص في بلد وماله في بلد وهذا يقع كثيراً فإن الزكاة تخرج في البلد الذي فيه المال وهذا يتعلق بزكاة المال دون زكاة الفطر كما سيأتينا. والدليل على هذا: - أن البلد الذي فيه المال تتعلق أنظار الفقراء فيه بهذا المال. فناسب أن تخرج فيه. - ثانياً: أن سبب وجوب الزكاة: المال. فوجب أن تخرج الزكاة حيث وجد سبب الوجوب. وإذا كان الإنسان في بلد وأمواله متفرقة بين البلدان كما يحصل الآن عندنا كثير أن يكون الإنسان يملك محلات معروفة فله في كل بلد فرع فيجب أن يخرج زكاة كل فرع في بلده. لما تقدم: من تعلق أنظار الفقراء بها وأن سبب الوجوب وجد في هذا البلد. • ثم قال ﵀: وفطرته في بلد هو فيه. يعني: ويجب أن يخرج زكاة الفطر في البلد الذي هو فيه سواء كان هذا البلد بلد إقامة أو بلد سفر فحيث ما كان الإنسان يخرج زكاة الفطر. والدليل على هذا:

стр. 932

- أن زكاة الفطر تتعلق بالبدن لا بالمال فحيثما وجد سبب الوجوب وهو البدن وجب إخراج الزكاة. والأظهر والله أعلم: أن إخراج زكاة المال في بلد المال وزكاة الفطر في بلد البدن على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب. فإن أخرج وخالف فلا يأثم وزكاته مجزأة إلا أن الأولى أن لا يفعل. • قال ﵀: ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل. يجوز أن يعجل الإنسان زكاة ماله لحولين فأقل. ولكن بشرط أن يكتمل النصاب حال التعجيل. لأنه يجوز إنفاذ الحكم بعد وجود السبب ولو قبل وجود الشرط. فاكتمال النصاب سبب في الوجوب والحول شرط للوجوب. بناء عليه: لا يجوز أن يعجل الإنسان زكاته قبل وجود النصاب. المسألة الثانية: = ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تعجيل الزكاة لحولين فقط. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ تعجل الزكاة من العباس لحولين. وهذا الحديث فيه ضعف لكن مال الحافظ ابن حجر إلى تقوية متنه بمجموع الطرق والشواهد. وهذا صحيح إن شاء الله. = والقول الثاني: أنه يجوز تعجيل الزكاة مطلقاً. وهو مذهب الأحناف. يعني: لسنتين وثلاث وأربع ... . والصواب: مع الجمهور لأن النص ورد بسنتين فقط والأصل أن لا تخرج الزكاة إلا بعد الحول. فمذهب الجمهور هو الصواب. • ثم قال ﵀: ولا يستحب. يعني: مع جواز التقديم إلا أنه لا يستحب ولا ينبغي أن يقدم. دليل عدم الاستحباب: - أن الأصل في الزكاة أنها عبادة مؤقتة بالحول والخروج عن هذا الأصل لا يستحب. = والقول الثاني: أن مسألة التقديم - تقديم الزكاة - ترجع إلى المصلحة فإذا اقتضت المصلحة التقديم قدم وإلا فلا. وإلى هذا مال ابن مفلح والمرداوي وهو لا شك قول صحيح. ولا يحسن بالإنسان أن يطلق عدم الا ستحباب على عمل قام به النبي ﷺ . فإنه ﷺ تعجل الزكاة. لكن الجمع. هو ما ذكره ابن مفلح: أن نقول: إذا اقتضت المصلحة فالأحسن التقديم وإلا فلا.

стр. 933

وبهذا تجتمع النصوص: لأن الأصل في عمل النبي ﷺ أنه لا يأخذ الزكاة إلا عن كل حول بحوله ولكن وجدناه مرة أخذ واستسلف حولين فدل على أنه يرجع للمصلحة ولا نقول أنه كطلقاً لا يستحب فكأنا نحكم على عمل النبي ﷺ أنه لا يستحب. باب أهل الزكاة • ثم قال ﵀: باب أهل الزكاة. مقصود المؤلف ﵀ بهذا الباب بيان من يجوز أن تصرف لهم الزكاة وما يتعلق بهذا من تفصيلات. • قال ﵀: ثمانية. مقصود المؤلف ﵀ بقوله: ثمانية. أي: ولا يجوز أن تصرف لغيرهم مهما بلغت الجهة المصروف إليها من الفضل والإغراق في العبادة. فلا يجوز في بناء المساجد ولا في طباعة المصاحف ولا في شق الطرق ولا في إقامة الجسور ولا في أي عمل مهما بلغ من الفضل إلا في هؤلاء الثمانية. الدليل على ذلك: - أن الله قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء ... ﴾. وإنما: عند الأصوليين جميعاً تقتضي الحصر. ومعنى الحصر عند الأصوليين: إثبات الحكم فيمن ذكر ونفيه عما عداه. فالآية أثبتت الحكم وهو جواز دفع الزكاة في الأصناف الثمانية ونفته عما عداهم. وحصر الزكاة في الأصناف الثمانية محل إجماع فلم يخالف فيه إلا الحسن ﵀ فجوز إعطاء الزكاة في الطرق والجسور. ولكن لم يوافقه ﵀ العلماء على هذا ورأوا انحصار الزكاة في الأصناف الثمانية. لكن هذه الفتوى عن الحسن تفيد طالب العلم مقدار فضل بناء الجسور أو تعبيد الطرق وأنه من العبادات المهمة في الإسلام مما جعل الحسن يدخل هذه العبادة في أصناف الزكاة. والصحيح والراجح خلاف قوله ﵀ لكن مع ذلك يدل على أن هذا من أعظم الطاعات. • ثم قال ﵀: (١) الفقراء: وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية (٢) والمساكين: يجدون أكثرها أو نصفها. في مسألة الفقراء والمساكين عدة مسائل: - المسألة الأولى: أن الفقراء والمساكين صنفان في باب الزكاة وصنف واحد في غيره من الأبواب. - المسألة االثانية: أن الفقير على الصحيح أشد حاجة من المسكين. لأن الله بدأ به ولا يبدأ إلا بالأهم.

стр. 934

- المسألة الثالثة: الفرق بين المسكين والفقير هو ما ذكره المؤلف. فالفقراء عند المؤلف هم: هم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية. وقوله: (أو يجدون بعض الكفاية.) ينبغي أن يقيد بما دون النصف. والمساكين هم: (يجدون أكثرها أو نصفها.). فالفقير من يجد من الكفاية دون النصف. والمسكين من يجد الأكثر أو النصف فأكثر. وبعبارة أدق: النصف فأكثر يعتبر مسكين. وأقل: يعتبر فقير. والنصف بالذات: مسكين. وبهذا يصح ما تقدم من أن الفقير أشد حاجة من المسكين. عرفنا الآن من هو الفقير؟ هو: من لا يجد كفايته أكثر السنة. وأن المسكين: هو من لا يجد كفايته النصف فأكثر. فأي إنسان ما يجد كفايته من الأشياء المهمة والضرورية هذا المقدار فهو إما مسكين أو فقير وكلاهما من أصناف الزكاة. - المسألة الرابعة: يرتفع اسم الفقر والمسكنة بأحد ثلاثة أمور: = الأمر الأول: أن يجد مالاً يكفيه مهما كان نوع المال. سواء كان من الأثمان أو من المتاع. فإذا وجد الإنسان مبلغاً من المال يكفي مؤونته وحاجاته فإنه ليس بفقير ولا يجوز له أن يأخذ من الزكاة. وإن وجد من الأعيان ما يكفيه لو باعه وجب عليه أن يبيع هذا الشيء وينفق من ثمنه على نفسه. إلا أن يكون هذا الشيء من الحاجات الأصلية له كمسكنه ووسيلة التنقل التي لا يستغني عنها. أما ما زاد عن حاجاته الأصلية فيجب عليه وجوباً أن يبيعه وينفق على نفسه منه ولا يجوز أن يأخذ من الزكاة. فإن كان الفقير يسكن في بيت تقدر قيمته بخمسمائة ألف ويستطيع أن يسكن في بيت تبلغ قيمته ثلاثمائة ألف وجب عليه أن يصنع ذلك: أي أن يبيع ويشنري ما يناسبه من المنازل وينفق الباقي على نفسه ومن تجب عليه نفقتهم. إلا أن يكون البيت الذي يبلغ قيمته خمسمائة ألف لا يعتبر من يسكنه مسرفاً أو مبالغاً بل يتناسب مع وضع عامة الناس فإنه يجوز له أن يسكن فيه. وكذلك لو كان بيع هذا البيت يسبب ضرراً كبيراً عليه بحيث لو باع هذا البيت لم يتمكن من إيجاد مسكن بنصف قيمته مناسب لمثله أن يسكن فيه. الأمر الثاني: - الرافع لاسم الفقر والمسكنة -: أن يوجد من يجب عليه أن ينفق على الفقير ويستطيع. كالأب بالنسبة للإبن والزوج بالنسبة للزوجة.

стр. 935

فإذا كان الإنسان فقير لكن يوجد من يجب عليه أن ينفق عليه فلا نعطيه من الزكاة بل نقول: يجب على وليك أن ينفق عليك. مسألة: فإذا امتنع ولي الأمر من النفقة فهو آثم لأنه ترك ما وجب عليه لكن يجوز أن نعطي الفقير من الزكاة لأنه يصدق عليه حينئذ أنه لا يجد كفايته. الأمر الثالث: - الذي يرفع اسم الفقر والمسكنة - أن يوجد للإنسان مرتب يكفيه أو صنعة يتكسب منها. ولو لم يكن هو مالكاً للمال الآن وإنما يأتيه تباعاً فإنه لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة. مسألة: لا يجوز أن نعطي من الزكاة من كان قادراً على التكسب ولو ترك التكسب تفرغاً للعبادة بل يقال له إعمل واكسب وأنفق على نفسك. ويجوز أن نعطي الزكاة من ترك التكسب تفرغاً للعلم ولا ينبغي له أن يصنع ذلك. لا ينبغي له أن يترك التكسب ويبقى على زكوات الناس لكن إن صنع فيجوز أن نعطيه. لأنه يعمل في مصلحة المسلمين فإن العلم نوعى من الجهاد. • ثم قال ﵀: (٣) والعاملون عليها: وهم جباتها وحفاظها. العمال على الصدقة هم الذين يبعثهم الإمام ولي الأمر - لجمع وتحصيل الزكوات والقدوم بها عليه. مسألة: ويدخل فيهم كل من لا يتم العمل إلا به كالرعاة والذين يحسبون والذين يكتبون وكل من لا يقوم العمل إلا به يدخل في العاملين عليها. مسألة: ما يعطى هذا العامل من الأجر من المال يعتبر أجرة مقابل عمله تصرف من الزكاة. بناء على تقرير هذا المبدأ: يعطى أجرة نظيره - أجرة المثل. فإذا قررنا أن ما يعطى هذا العامل هو أجره فيرجع في تقدير هذه الأجرة إلى نظيره ومثيله فيرجع إلى أهل العرف من عمل نظير هذا العمل فكم يعطى؟ فيعطى من الزكاة بهذا المقدار. وعرف مما تقدم - من التعريف - أن الذين يجتهدون في جمع الزكاة ممن لم يرسلهم ولي الأمر لا يعتبرون في عرف الفقهاء من العاملين عليها وإنما يختص هذا بمن يرسله الإمام. وسهم العاملين عليها محل إجماع. ودل عليه: الإجماع والكتاب والسنة. - فالإجماع: حكاه غير واحد من أهل العلم. - والكتاب: الآية.

стр. 936

- والسنة: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يرسل العمال لإحضار الصدقة ويعطيهم وممن أرسل ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ وأرسل غيره أيضاً. • ثم قال ﵀ (٤) الرابع: المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه , المؤلفة ينقسمون إلى قسمين: - من المسلمين. - ومن الكفار. والمؤلفة من الكفار ينقسمون إلى قسمين: - القسم الأول: من يعطى رجاء إسلامه. - والقسم الثاني: من يعطى لكف شره ولو لم يرجا أن يسلم. - القسم الثاني: المؤلفة من المسلمين وهم أنواع: - النوع الأول: من يعطى ليسلم نظرائه. ولو كان هذا الشخص الذي يعطى ممن أسلم وحسن إسلامه. فإنه يعطى ليسلم نظرائه. بدليل: أن عدي بن حاتم ﵁ أسلم وحسن إسلامه ومع ذلك أعطي من هذا السهم ليتألف من هم على شاكلته. - النوع الثاني: من يعطى ليزداد إيمانه وليثبت في الإسلام. بدليل: أن النبي ﷺ أعطى الأقرع بن حابس وأعطى مسلمة الفتح تقوية لإيمانهم. - النوع الثالث: من يكون من المسلمين في أطراف البلاد فيعطون ليكفوا الشر عمن دونهم. - النوع الرابع والأخير: من إذا أعطي سعى بجمع الزكاة ممن حوله وتحصيلها للإمام. مسألة: نص الحنابلة في أكثر الكتب أن سهم المؤلفة يتعلق بمن كان رئيساً في قومه وسيداً مطاعاً. أما غير الرئيس والسيد فإنه لا يعطى فإذا رجي إسلام شخص من عامة الكفار فإنه لا يعطى. = والقول الثاني: أنه يعطى. وهذه المسألة: نريد أحد الإخوة يتبرع ببحثها وهي مسألة مهمة وفيها أقوال وأدلة ونحن لن نعين شخصاً لكن نقول إذا أحد نشط لبحثها فهي مسألة مهمة لا سيما من الإخوة الذين ليس عندهم اختبارات في الوقت القريب. • ثم قال ﵀: (٥) الخامس: الرقاب وهم المكاتبون، ويفك منها الأسير المسلم. في الرقاب: يتناول صنفين: وعلى ما ذكر المؤلف ثلاثة:

стр. 937

- الصنف الأول: المكاتبون. فيجوز أن نعطي المكاتب ليكمل المكاتبة ويتحرر. لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. ولا يجوز أن نعطي المكاتنب القادر على تسديد ما عليه من الأقساط ولا يجوز أن نعطيه أكثر مما يحتاج إليه في تسديد دين المكاتبة إنما يقتصر على ما يحتاج إليه بشرط أن لا يتمكن هو من تسديد ماعليه. - الصنف الثاني: أن نشتري عبداً من مال الزكاة ثم نعتقه. = وذهب إلى جواز ذلك الجمهور. وذهب إليه الإمام أحمد ثم صار في آخر أمره يتردد في جواز ذلك. وسبب التردد عن الإمام أحمد أنه إذا جاء زيد ممن يخرج الزكاة واشترى العبد وأعتقه صار الولاء لمخرج الزكاة فصارت الزكاة تجر على المخرج نفعاً فلهذا تردد فيها الإمام أحمد ﵀. والأقرب والله أعلم ما ذهب إليه الجمهور من جواز إعتاق العبيد من الزكاة لأن الآية عامة بل المتبادر إلى الذهن في قوله: (وفي الرقاب) هم الذين يشترون ويعتقون. فالأقرب والله أعلم الجواز لا سيما إذا كان العبد له غناء في الإسلام كأن يكون من العلماء أو من المجاهدين أو يحسن صنعه لا يحسنها غيره فالمهم أن يكون فيه صفة مرغوب فيها فينبغي أن يتبارى الناس في إعتاق مثل هذا الشخص وفي المقابل إذا كان العبد ممن يحسن صنعة محرمة كأن يكون مغنياً فإنه لا ينبغي أولا يجوز أن يعتق من مال الزكاة فاحتمال أنه لا ينبغي أو أنه لا يجوز. لأن اعتاق مثل هذا الشخص مفسدة في الحقيقة. الصنق الثالث: هم من أشار إليهم المؤلف ﵀: (ويفك منها الأسير المسلم). = ذهب الإمام أحمد في رواية اختارها المجد وحفيده أنه يجوز أن نعتق الأسير. - أولاً: لأن هذا فك رقبة الأسير من الأسر. - ثانياً: لأنه أولى من المؤلف فهو مسلم مأسور فيكون أولى من المؤلفة. = والقول الثاني: أنه لا يجوز أن نفك الأسير بمال الزكاة وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد لأنه لا يدخل في عموم: (وفي الرقاب). والصواب الأول إن شاء الله - وهو جواز فك الاسير من الزكاة. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .... مسألة: تلحق في الكلام عن المؤلفة قلوبهم. سؤال: ألم يسقط سهم المؤلفة قلوبهم؟

стр. 938

الجواب: = من الفقهاء من ذهب إلى أن سهم المؤلف سقط ولا يشرع الآن أن نعطي أحداً من المؤلفة. - لقوة الإسلام واستقراره. - ولأن الصحابة ﵃ لم يعطوا هذا السهم في خلافتهم. = والقول الثاني وهو الذي عليه الجماهير أن هذا السهم باق كما هو. - لأن آية حصر الزكاة في الأصناف الثمانية من آخر القرآن نزولاً ولم يثبت لها ناسخ لا في السنة ولا في صريح فتاوى الصحابة. وهذا القول الثاني - هو الصواب. والجواب عن أن الصحابة - الخلفاء الراشدين ﵃ لم يعطوا هذا السهم لأصحابه: أنهم لم يحتاجوا إلى ذلك لقوة الإسلام. فنحن نقول إذا لم يحتنج ولي الأمر إلى هذا السهم فإنه لا يخرجه. وإذا احتاج إليه يخرجه. أما أنه ينسخ ونقول لا يجوز فهذا قول مرجوح. انتهى الدرس

стр. 939

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. انتهى المؤلف ﵀ من الكلام عن خمسة من الذين يستحقون الزكاة بنص كتاب الله وانتقل إلى السادس: • فقال ﵀: باب أهل الزكاة (٦) السادس: الغارم لإصلاح ذات البين. قوله: (الغارم). الغارم يقصد به هنا المدين. والغارم الذي يستحق الزكاة ينقسم إلى قسمين - ذكرهما المؤلف: - - القسم الأول: هو الغارم لإصلاح ذات البين. وتعريفه هو: من يتحمل في ذمته مالاً لإصلاح الخصومة التي تقع بين فئتين في مال أو دم. فهذا الرجل الذي يتحمل هذا المال في ذمته للإصلاح بين المتخاصمين يستحق أن يعطى من الزكاة. والدليل على هذا من وجهين: - الوجه الأول: عموم الآية فإن هذا الرجل يصدق عليه أنه غارم. - الوجه الثاني: ما ثبت في الصحيح أن فبيصة ﵁ تحمل حمالة بين فئتين متخاصمتين ثم جاء إلى النبي ﷺ وطلب أن يساعده فقال النبي ﷺ : (أمكث عندنا فإن الصدقة تأتي ونعطيك). ثم قال النبي ﷺ : (إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة:) ثم قال في تعريف الأول: (إلا لثلاثة: من تحمل حمالة فيسأل حتى يقضيها).

стр. 940

فهذا الحديث نص لقوله: (من تحمل حمالة فيسأل حتى يقضيها). فإذاً: أخذ الغارم دل عليه في الحقيقة الكتاب والسنة وعرفنا من هو الغارم لإصلاح ذات البين؟ • ثم قال ﵀: ولو مع غنى. يعني يجوز لمن تحمل حمالة للإصلاح أن يأخذ من الزكاة ولو كان غنياً. الدليل على هذا أيضاً من وجهين: - الوجه الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) وذكر منهم الغارم. - الوجه الثاني: - أو الدليل الثاني لجواز أخذه مع غناه - أنه إنما يأخذ لمصلحة المسلمين لا لمصلحة نفسه فجاز أن يأخذ ولو كان غنياً. كالعامل والمؤلفة قلوبهم. مسألة: فهم مما تقدم أن المصلح لو تحمل مالاً بين الناس ودفعه نقداً ولم يلتزمه في ذمته فإنه لا يجوز له أن يأخذ من الصدقات. التعليل: - أنه بعد أن دفعه نقداً لا يسمى مديناً والغارم هو المدين. والله إنما أجاز للمدين أن يأخذ دون من دفع نقداً. = والقول الثاني: أنه يجوز له أن يأخذ ولو دفع نقداً. - لأن لا ينسد باب الإصلاح. - ولأن لا يدخل الضرر على المصلحين. ويشترط لأخذه على هذا القول أن: - ينوي الرجوع: أي حال الدفع نقداً. ثم انتقل المؤلف ﵀ للقسم الثاني: وهو الغارم لنفسه مع الفقر. • فقال ﵀: أو لنفسه مع الفقر. - - فالقسم الثاني - من الغارمين -: الغارم لإصلاح نفسه. وتعريفه هو: الفقير الذي يستدين لينفق على نفسه ومن يعول أو ليعالج نفسه أو نحو هذا من المهمات. فهذا يجوز له أن يأخذ من الزكاة ويقضي الدين الذي عليه بإجماع العلماء. فلم يخالف فيه أخد. ودل على مشروعية أخذه: - عموم الآية. ويشترط ليأخذ شرطان: - الشرط الأول: أن لا يكون اقترض الدين لمعصية فإن كان اقترض الدين ليعصي الله فإنه لا يجوز أن يسدد عنه من الزكاة إلا إذا تاب. - الشرط الثاني: أن لا يوجد عنده من المال ما يتمكن به من السداد مهما كان نوع المال سواء كان هذا المال أثمان كالذهب والفضة أو عروض منقولة أو ثابتة. المهم أنه يشترط أن لا يكون عنده أي مال يستطيع أن يسدد به هذا الدين سواء كانت التسديد مباشرة أو بأن يبيع العرض ويسدد دينه.

стр. 941

فإن أخذ مع وجود ما يمكن أن يسدد به الدين فقد أخذ مالاً محرماً عليه. • ثم قال ﵀: (٧) السابع: في سبيل اللَّه. السابع من مصارف الزكاة: في سبيل الله. ويقصد به: المجاهد. وهذا عند الحنابلة. فإن المجاهد في سبيل الله يجوز له أن يأخذ من الزكاة. واختلف العلماء في تحديده: = فذهب الجماهير من الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف وعامة العلماء إلى أن المقصود بسبيل الله هو: المجاهد في سبيل الله فقط. واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول: أن مصطلح في سبيل الله يراد به في الشرع المجاهد. فإن كلمة في سبيل الله جاءت في كتاب الله في جميع المواضع - إلا شيئاً يسيراً -: يقصد بها المجاهد. وإذا كان يقصد بها المجاهد فإن العلماء قرروا قاعدة وهي: ((أن حمل اللفظ على معناه المتبادر المعروف المنتشر أولى من حمله على غيره من المعاني)). - الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: (لاتحل الصدقة لغني إلا لخمسة: ثم قال: (لغاز في سبيل الله). فنص على الغازي. والغازي هو: المجاهد. - الدليل الثالث: أن القول بأن مصرف في سبيل الله يقصد به: جميع أوجه البر والخير يؤدي إلى إلغاء الحصر الموجود في الآية فيصبح كأنه لا معنى له. = القول الثاني: وهو قول لبعض الأحناف وقول لبعض المعاصرين أن فس سبيل الله يقصد به جدميع أوجه البر. واستدلوا بدليلين: - الأول: أن سبيل الله لفظ عام يقصد به جميع أنواع رالطاعات والبر والخير. فحصر مدلول اللفظ على شيء واحد - وهو الغازي - بلا دليل لا يجوز. والجواب: نقول: تقدمت الأدلة الواضحة على هذا الحصر. - الثاني: قالوا: أنه روي عن ابن عمر وابن عباس ﵄ أنهما قالا: الحج من سبيل الله. والحج نوع من الطاعات يختلف كما هو معلوم عن الجهاد. والجواب: أن الحج من سبيل هذا صحيح. لكن لا يقصد به السبيل الذي ذكر في الآية بل يقصد به السبيل العام. وبهذا أجاب الجمهور. وبكل حال لا يمكن لفتوى ابن عباس وابن عمر أن يعارض بها النص الصريح وأنا أعتبر أن الآية صريحة بأن المقصود المجاهد لأنه لا معنى للحصر لو جعلنا المقصود بها جميع أنواع الطاعات.

стр. 942

ثم يكون التنصيص على الفقير والمسكين والعامل والمؤلفة والغارم لا معنى له مطلقاً لأن هذه جميعاً تدخل في سبيل الله وغيرها من بناء الجسور وتمهيد الطرق والحج وغيره فصارت الآية لا معنى لها ولا مفهوم ولذلك لم يذهب إلى هذا القول أحد من الأئمة المتقدمين سوى بعض الأحناف وأولع به بعض المعاصرين وصار يتبناه وهو قول فيما أرى ضعيف بل ضعيف جداً. • ثم قال ﵀: وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم. قوله: (وهم الغزاة) يدل على أنه يجب أن نعطي المجاهد في سبيل الله المال مباشرة ولا يجوز أن نشتري له فرساً أو آلة حرب. الدليل: - أنا إذا أعطيناه الفرس فقد أعطيناه فرساً ولم نعطه الزكاة. قال الإمام أحمد: آتاه فرساً ولم يؤته الزكاة. والواجب أن يؤتيه الزكاة. = القول الثاني: أنه يجوز للإنسان أن يشتري بماله الزكوي ما يتعلق من آلاته ووسائل النقل الخاصة به التي تستعمل فيه أي في الحرب ثم يعطيها المجاهدين أو يرسلها للثغور. واستدلوا على هذا: - بأن من اشترى بزكاته آلة الحرب فقد صرف الزكاة في سبيل الله أي في الجهاد. وهذا القول الثاني إن شاء الله هو الأقرب وإن كان القول الأول أحوط. لكن القول الثاني هو الراجح. ومن أسباب ترجيحه أن الله تعالى قال: - (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ). فعبر بفي ولم يعبر باللام. واللام: هي التي تقتضي التمليك. وفي: تقتضي أن يبذل مال الزكاة في هذه الجهة. ومن اشترى آلة حرب وأرسلها للمجاهدين فقد بذل هذا المال في هذه الجهة. ولهذا نقول أن الثاني إن شاء الله أرجح لكن الأول أحوط باعتبار أنه إذا أعطى المجاهد المال مباشرة فقد أخرج الزماة في مصرفه بإجماع أهل العلم. وقوله: (وهم الغزاة المتطوعة) قوله وهم الغزاة لم يقيد هذا بأن يكونوا فقراء فيجوز أن تعطي المجاهد ولو كان غنياً ولو كان يستطيع أن يجهز نفسه. = وإلى هذا ذهب الجماهير: أنه يجوز أن نعطي المجاهد ولو كان غنياً. واستدلوا على هذا: - بأن الآية عامة: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) ومن أعطاها مجاهداً غنياً فقد بذلها في سبيل الله.

стр. 943

- واستدلوا بدليل آخر: وهو: أن المجاهد إنما يأخذ الزكاة لمصلحة المسلمين لا لمصلحة نفسه وكل من أخذ الزكاة لمصلحة المسلمين جاز أن يأخذ مع غناه كالعامل كما تقدم. = وذهب الأحناف إلى أنه لا يجوز أن نعطي المجاهد زكاة إلا إذا كان فقيراً. - لعموم قول النبي ﷺ تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. والصواب اتلقول الأول: - لأن قوله ﷺ فترد في فقرائهم مخصوص بالنصوص العامة. هذا أولاً. - وثانياً: لأن اشتراط الفقر في المجاهد يلغي مصرف في سبيل الله مستقلاً يعني: يصبح مصرف في سبيل الله غير مستقل فيصير تبعاً للفقير فيكون لا حاجة لذكره. والقول الذي يؤدي إلى إلغاء مصرف من المصارف الثمانية دليل على ضعفه ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة الأربعة إلا أبو حنيفة فقط وأما الجماهير من الأئمة الثلاثة وغيرهم من السلف فيرون جواز إعطاء المجاهد ولو كان غنياً. • ثم قال ﵀: المتطوعة أي - وفي نسخة - (الذين) لا ديوان لهم. ونسخة الذين أوضح. وقوله: (الذين لا ديوان لهم) أي: فإن كان لهم مرتب من الديوان فإنه لا يجوز أن نعطيهم من الزكاة لاستغنائهم بما يأخذون من بيت المال عن الزكاة. إلا في حالة واحدة: إذا كان الذي يأخذون من بيت المال لا يكفي فيجوز أن نعطيهم كمال الكفاية من الزكاة. • ثم قال ﵀: (٨) الثامن: ابن السبيل. وعرف ابن السبيل بقوله: المسافر المنقطع به. ابن السبيل: تعرفه: هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده. فإذا وجدنا رجلاً فقيراً انقطع ولم يستطع الرجوع إلى بلده جاز أن نعطيه من الزكاة ولو كان غنياً في بلده كما سيأتينا في كلام المؤلف ﵀. مسألة: تبين من هذا التعريف أنه لا يعتبر داخل في مفهوم ابن السبيل من أراد أن يسافر من بلده إلى بلد آخر ولو كان فقيراً. ويجب أن تفهموا أنه إذا قيل المسافر إذا أراد أن يسافر من موطنه لا نعطيه من الزكاة ولو كان فقيراً أنا لا نعطيه بسبب ابن السبيل لكن إذا أردنا أن نعطيه لكونه فقير فهذا باب آخر وإنما البحث الآن في مصرف ابن السبيل.

стр. 944

فالإنسان الذي في بلده يريد أن يسافر ولو كان فقيراً ولو كان سيسافر لحاجة مهمة فإنه لا يجوز أن عطيه. الدليل: الدليل: - أن المتبادر من إطلاق ابن السبيل: الغريب. ومن كان في وطنه فهو في وطنه وليس غريباً. - ثانياً: أن قوله: (ابن السبيل) تعني: من يلازم السبيل أي الطريق ومن كان في بلده فليس كذلك. مسألة: علم من التعريف أن من كان مسافراً ويريد أن يسافر إلى بلد غير بلده ثم يرجع إلى بلده فإنه لا يعطى من الزكاة إنما الذي يعطى من أراد أن يرجع إلى بلده. فإن كان يريد أن يذهب من البلد التي هو فيها إلى بلد آخر ثم يرجع إلى بلده فإنه لا يعطى. = وإلى هذا ذهب بن قدامة ونصره. واستدل على هذا: - بأن النص إنما جاء بإعطاء من يريد أن يرجع إلى بلده لحاجته أما من يريد أن يذهب إلى بلد آخر ثم يرجع إلى بلده فلا يدخل في هذا المصرف. = القول الثاني: - وهو وجه للحنابلة - أنه يجوز أن نعطي من كان هذا شأنه ليذهب إلى البلد التي يريد ثم يرجع إلى بلده إلا إذا كان ذهابه لتلك البلد على سبيل النزهة. الدليل: - لأن هذا الرجل يصدق عليه أنه ابن السبيل وكونه سيذهب إلى بلده أو سيذهب إلى بلد آخر ثم يرجع إلى بلده لا يرفع عنه أنه ابن سبيل لا سيما وأن سفره سيكون لحاجة لأنه اشترطنا أن لايكون سفره سفر نزهة. ويبدو لي والله أعلم أن هذا القول - الثاني - أقرب لمقصود الشارع وهذا فيما يبدو لي مع العلم أن المسألة تحتمل البحث وما ذكره ابن قدامة قوي. لأنا نقول: إذا كنت فقير إذهب إلى بلدك مباشرة وخذ من الزكاة لكن الذي يجعل الإنسان يرجح القول الثاني أنه قد يحتاج الإنسان إلى الذهاب إلى بلد آخر قبل أن يذهب إلى بلده إما لحاجة العلاج أو لأي حاجة لابد له منها فيعطى وحتى لا تكون المسألة شكلية لأنه إذا ذهب إلى البلد الآخر ثم أراد أن يرجع إلى بلده فسنعطيه عند جميع المذاهب. فبقينا فقط في ذهابه من البلد الآخر إلى البلد الذي سيذهب منه إلى بلده فما دام أنه محتاج وفقير ولا يستطيع أن يسافر وهو منقطع الآن ولن يصل إلى بلده ويريد أن يذهب إلى بلد آخر ثم بلده فالأقرب والله أعلم أنه يعطى. • ثم قال ﵀: فيعطى قدر ما يوصله إلى بلده.

стр. 945

يعني: ولو كان غنياً فيه. - لأن المال الذي في بلده لا قدرة له عليه فوجوده كعدمه. وفهم من هذا - بطبيعة الحال - أنه إذا كان له مال في بلده وهو بلد آخر لكن يتمكن من الحصول على هذا المال كما في وقتنا هذا ببساطة وسهولة فإنه يحرم عليه أن يأخذ من الزكاة وليس مصرفاً من مصارف الزكاة. فإن أخذه فقد أخذ مالاً محرماً. • ثم قال ﵀: دون المنشئ للسفر من بلده. هذه تحدثنا عنها ... ثم انتقل المؤلف ﵀ للكلام عن قدر ما يعطى الفقير. • فقال ﵀: ومن كان ذا عيال: أَخَذَ ما يكفيهم. يعني أن الفقير يجوز له أن يأخذ ما يكفيه ويكفي من يعول سواء كان من يعول من عياله أو من أقاربه الذين يجب عليه أن ينفق عليهم. التعليل: - لأن مقصد دفع الزكاة كفايته وكفاية من يعول. فإذا كان مع الرجل في منزله عشرة أنفس فإنه يعطى من الزكاة قدر ما يكفي عشرة ولا يعطى قدر ما يكفيه هو فقط. عرفنا الآن أنه يجوز أن نعطي الفقير كفايته وكفاية من يعول. ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: كم يعطى؟ وما هي الكفاية؟ اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً طويلاً: = فالجمهور ومنهم الحنابلة: أنه يعطى ما يكفيه لسنة واحدة فقط. واستدلوا: - بأن الله شرع الزكاة حوليه فيأخذ ما يكفيه لسنة فإن استغنى فبها ونعمت وإلا أخذ من الزكاة للسنة القادمة. = القول الثاني: أنه يأخذ ما يغنيه لفتح متجر أو لشراء آلة عمل. يعني: يعطى من المال ما يكون سبباً في غناه عن طريق فتح متجر أو اشتراء آلة عمل. وإلى هذا ذهب الشيخ ابن قاضي الجبل - وقد تقدم معنا أن له اختيارات قوية. = القول الثالث: أنه يعطى من المال دفعة واحدة ما يكون به غنياً ولو كثر. وهذا قول لبعض الحنابلة ونسب إلى شيخ الاسلام اختياراً. = القول الرابع: أنه يعطى مقدار النصاب فقط. يعني يعطى مقدار مائتي درهم فقط فاضلاً عن مسكنه وفرشه وخادمه. يعني: يعطى ما يتمكن به من السكن واللباس والأكل والخادم ثم يعطى فوق ذلك النصاب مائتي درهم. استدلوا: - بأن من ملك نصاباً فهو غني لقوله: (تؤخذ من أغنيائهم). ومن ملك نصاباً فعليه زكاة.

стр. 946

= [القول الخامس] وقيل: يعطى من المال ما يكفيه العمر كله حسب الغالب في سنه. = [والقول السادس] وقيل: أنه لاحد لذلك. فليس لما يعطى حد معروف بل يرجع فيه إلى رأي ولي الأمر حسب ما تقتضيه الحال. وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀. لأنه ليس في الباب أدلة. وذكرنا ستة أقوال في المسألة. والأقرب والله أعلم القول الأول وهو رأي الجمهور إلا في حالة واحدة إذا كثرت الزكاة واتسع الأمر فإنه يعطى ما يصير به غنياً مما يتمكن به من التجارة. يعني القول الثاني. يعني ما نعطيه نقداً ما يكون به غنياً كما هو القول الثالث ولكن نعطيه ما يتمكن به من الشراء شراء ما يتاجر به ويصبح غنياً وينتفع المجتمع به. فالحقيقة هذا القول جيد جداً ويكاد يكون هو الراجح. لكن لابد من تقييده أنه في حال السعة فليس من المعقول ولا من المقبول أن يبقى رجل فقير لا يجد ما يأكل ونعطي الفقير الآخر ما يشتري به حانوتاً أو يشتري به آلة ليتاجر بها. لكن في حال السعة إخراج هذا الفقير من فقره إلى حد الغنى عن طريق التجارة ونفع المسلمين أمر مقصود للشارع بهذا القيد. ولعل هذا القول الأخير يكون جامعاً بين القول الأول والثاني وهو الأقرب. • ثم قال ﵀: ويجوز صرفها إلى صنف واحد. إذا أراد الإنسان أن يخرج الزكاة فإما أن يخرج الزكاة إلى جميع الأصناف أو إلى صنف واحد. فإن أخرج الزكاة إلى جميع الأصناف فهو المستحب ويجزيء بالإجماع. فهو خارج محل النزاع. وإن أخرجها - وهو القسم الثاني - إلى بعض الأصناف ففيه خلاف: = القول الأول وهو مذهب الحنابلة والجمهور: أنه يجوز أن تدفع الزكاة إلى صنف واحد بل إلى رجل واحد من صنف واحد. أي فلا يجب أن نقسم الزكاة بين المستحقين من صنف واحد. واستدل هؤلاء: - بعموم قوله ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم). فنص على صنف واحد. - وقوله: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة/٢٧١]. ونص على صنف واحد. = القول الثاني: وهو للإمام مالك أنها تصرف حسب الحاجة الأولى فالأولى مهما كان الصنف. = القول الثالث: وهو للشافعية: أنه يجب أن نقسم الصدقة على الأصناف الثمانية وجوباً.

стр. 947

- لأن الله عطف الأصناف بالواو مما يدل على التشريك بينهم حال التوزيع. والراجح والله أعلم: أنه يجوز أن تصرف لصنف واحد وتعطى الأولى فالأولى على سبيل الاستحباب لا الوجوب. - لأن من أعطى الزكاة صنفاً ولم يعطه آخر أو أعطى شخصاً مع وجود من هو أولى منه يصدق عليه أنه أخرج الزكاة لمستحقها. والقول بأنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية بل والقول بأنه يتحتم إعطاء الأولى فالأولى يتعذر العمل به ولا تكاد تجد أحداً يعمل بهذا القول: - أولاً: لصعوبة التقصي ومعرفة حال الناس. - وثانياً: لتوزع الأصناف واختلافها ووجود بعضها في منطقة دون بعض فلا شك أن هذا متعذر العمل به. فنقول: نجمع بين القول الأول والثاني. أنه يجوز صنف ويستحب فقط أن نعطيها الأولى فالأولى. • ثم قال ﵀: ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم. يعني: يسن أن يقدم الإنسان من هذه الأصناف قريبه. يسن وليس ذلك من المحابات في شيء بشرط: أن لا يلزم المخرج نفقة الفقير. والدليل على استحباب هذا الأمر من وجهين: - الأول: الإجماع. وحكاه المجد. وقال ﵀:إجماعاً. - الثاني: قوله ﷺ : (الصدقة على القريب صدقة وصلة). فلاشك أنه ينبغي للإنسان أن يعطي قريبه ويقدم هذا القريب على غيره من الناس مادام من أهل الزكاة. فصل • ثم قال ﵀: (فصل). المقصود بهذا الفصل: - بيان الأصناف الذين لا يجوز أن نعطيهم من الزكاة ولو كانوا في الجملة من الأصناف الثمانية. - وليبين مسألة صدقة التطوع وما يتعلق بها من أحكام. • قال ﵀: ولا يدفع: إلى هاشمي. الهاشمي هو من كان من سلالة: هاشم جد النبي ﷺ . فلا يجوز لمن كان هاشمياً أن يأخذ من الصدقة. ولا يجوز لمن أراد أن يدفع الصدقة أن يعطيها من يعلم أنه من بني هاشم. والدليل على هذا أيضاً من وجهين: - الأول: الإجماع. فقد أجمعوا - في الجملة - على أن الهاشمي لا يأخذ من الصدقات. أجمعوا - في الجملة - ففي بعض المسائل فيها خلاف لكن في الجملة أن الهاشمي لا يجوز أن يأخذ من الزكاة.

стр. 948

- الثاني: قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس). - الثالث: ما صح أن الحسن ﵁ أراد أن يأخذ تمرة من الصدقة فنهاه النبي ﷺ وقال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد). فلم يبق شك ولا إشكال بعد هذه النصوص والإجماع أن الصدقة أي الزكاة لا تحل لآل النبي ﷺ من بني هاشم. • ثم قال ﵀: ومطلبي. = يعني أيضاً: لا يجوز أن نعطي المطلبي من الزكاة. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن النبي ﷺ قال: (بنو المطلب بنو هشام شيء واحد). - الثاني: أنه ثبت في السنة أن المطلبي له حق في الخمس كما للهاشمي فاستووا في استحقاق الخمس فيستوون في منع الزكاة. = والقول الثاني: أنه يجوز دفع الزكاة للمطلبي. - لأن النبي ﷺ نص على المنع في آل محمد وليسوا من آله. وأما أن الخمس يستحقه المطلبي فلأن هذا مرجعه إلى النصرة لا إلى القرب بدليل: أن الذين يساوونهم في القرب من النبي ﷺ كبني عبد شمس ليس لهم من الخمس شيء فدل على أنهم استحقوا الخمس بالنصرة والوقوف مع النبي ﷺ لا بالقرابة. وهذا القول الثاني هو الصواب. بناء على هذا: يحصر المنع في الهاشمي فقط. مسألة/ هل يجوز أن يأخذوا من الصدقة التي ليست واجبة؟ فيه خلاف: = القول الأول: أنه لا يجوز. - لأنها تسمى صدقة. = القول الثاني: أنه يجوز. - لأن النبي ﷺ علل بأنها أوساخ الناس وصدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بل من فضائل الناس. مسألة / هل يجوز للهاشمي أن يأخذ من زكاة الهاشمي؟ فيه خلاف: والأقرب والله أعلم في مسألة هل يجوز للهاشمي أن يأخذ من زكاة الهاشمي؟ - أنه لا يجوز.: - لأن النص عام. - ولأن الزكاة سواء كانت من بني هاشم أو من غيرهم إنما هي أوساخ الناس. مهما كان المخرج. ففي المسألة الثانية وهي: صدقة الهاشمي: لا يجوز أن يأخذ. • ثم قال ﵀: ومواليهما. يعني مولى الهاشمي ومولى المطلبي. مولى الهاشمي ومولى المطلبي: لا يجوز له أيضاً أن يأخذ.

стр. 949

- أما مولى الهاشمي: فلا يجوز له أن يأخذ. ولا إشكال: لأن أبا رافع مولى النبي ﷺ أراد أن يخرج مع عامل الصدقة ليأخذ معه فنهاه النبي ﷺ وقال: (إن مولى القوم من أنفسهم). فحكم مولى بني هاشم حكم بني هاشم. - وأما مولى المطلبي فإذا كان الراجح في المطلبي أنه يأخذ فمولاه من باب أولى. ولو رجحنا أن المطلبي لا يأخذ لكان المولى أيضاً لا يأخذ. • ثم قال ﵀: ولا إلى فقيرة تحت غني منفق. لا يجوز للفقيرة أن تأخذ إذا كانت تحت غني منفق سواء كان هذا الغني المنفق زوج أو أب أو أي قريب ممن يجب عليه أن ينفق عليها. والتعليل: - أنها مستغنية بهذه النفقة. والمستغني بالنفقة لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة. وهذا الحكم معلوم مما تقدم معنا حين بحثنا مسألة: متى يرتفع اسم الفقر؟ وأخذنا أنه يرتفه بثىثة أمور منها: وجود المنفق. فتلك المسألة توضح هذه ولكن نص المؤلف ﵀ عليها لكزيد الإيضاح. فنقول: من وجد من ينفق عليه فإنه لا يجوز أن يأخذ من الزكاة. • ثم قال ﵀: ولا إلى فرعه وأصله. لا يجوز للانسان أن يدفعه الزكاة إلى فرعه ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى أصله. والمقصود بالأصل: الوالد وإن علا. وبالفرع: الولد وإن نزل. والكلام حول هذا الموضوع ينقسم إلى قسمين: ــ القسم الأول: من تجب عليه نفقتهم: سواء كان والد أو ولد. = فهذا لا يجوز أن يدفع الزكاة لهم بالإجماع.: - لأن دفعه الزكاة فيه وقاية لماله. - ولأن حقيقة هذه الزكاة تعود إليه. ولأن فائدة هذه الزكاة تعود إليه لأنه يوفر على نفسه في النفقة. ــ القسم الثاني: من لا تلزمه نفقته: - إما أنه لا يرثه كابن البنت. - أو لأن ماله لا يتسع له. فهذا فيه خلاف. = القول الأول: للحنابلة أن أيضاً هذا لا يجوز أن ندفع الزكاة له. - لدخوله في عموم مسمى الابن ولو لم يرث. = والقول الثاني: أنه يجوز أن نعطي من كان هذه حاله من الزكاة. - لوجود المقتضي السالم من المعارض. المقتضي للزكاة: هو أنه فقير. وهذا المقتضي لا يجوز له معارض أو دافع لأنه ليس هو الذي ينفق عليه.

стр. 950

بناء على هذا: إذا كان شخص عنده عائلة ويخرج الزكاة ولا يستطيع أن ينفق إلا على من في بيته وله ابن بنت فقير: = فعند الحنابلة: لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة. = وعلى القول الصواب يجوز أن يعطيه من الزكاة. وهذا القول الأخير اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو اختيار قوي ومسدد لأن لا يدفع الإنسان زكاته للغريب مع حاجة القريب لأن هذا الابن بكل حال لن ينفق عليه فدفع الزكاة للبعيد مع بقاء حاجة القريب. مسألة / يجوز أن يدفع الزكا للوالد وإن علا والولد وإن نزل إذا كانت الزكاة تعطى لمصلحة المسلمين لا لمصلحته الخاصة: كأن يكون مجاهداً أو عامل أو من المؤلفة أو كل من يعطى الزكاة لمصلة المسلمين. أو أن يكون غارماً لإصلاح ذات البين. فإذاً إذا كان الإنسان ابن مجاهد أو ابن لأحد العاملين عليها أو من المؤلفة قلوبهم أو غارم لإصلاح ذات البين فيجوز أن يعطيه من الزكاة ولو كثرت. حتى لو كان هو الذي ينفق عليه. مسألة / يجوز للوالد أن يعطي ابنه وللابن أن يعطي أباه من الزكاة في كل ما لا يجب عليه أن يقضيه عنه. مثاله: الدين. فإذا كان الأب مديناً فإنه لا يجب على الابن أن يقضي دين أبيه. كذلك العكس: لو كان الابن مديناً فإنه لا يجب على الأب أن يقضي دين الإبن. بل يجب عليه فقط أن ينفق أما قضاء الديون فليس بواجب. فإذا كان لا يجب عليه جاز أن يعطيه من الزكاة. • ثم قال ﵀: ولا إلى عبد. - لأن العبد مستغني بنفقة سيده. - ولأن حقيقة الأمر أن المال سيذهب إلى السيد فسيكون ملكاً للسيد. بناء على هذا التعليل: يجوز أن نعطي العبد إذا كان السيد يستحق الزكاة. لأن إعطاء العبد هو بمثابة إعطاء السيد. • ثم قال ﵀: وزوج. لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها: = عند الحنابلة. وعللوا ذلك: - بأنها تنتفع من الزكاة. لأن الزوج سينفق على الزوجة. = والقثول الثاني: أنه يجوز للزوجة أن يعطي الزوج. واستدلوا: - بحديث ابن مسعود لما ذهبت زوجه زينب تستفتي رسول الله ﷺ ان تعطيه من الصدقة أولا فقال النبي ﷺ : (زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه).
следующие страницы →