← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96613

شرح زاد المستقنع - أحمد الخليل

أحمد الخليل

Полный текст (2 909 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

= [القول الخامس] وقيل: يعطى من المال ما يكفيه العمر كله حسب الغالب في سنه. = [والقول السادس] وقيل: أنه لاحد لذلك. فليس لما يعطى حد معروف بل يرجع فيه إلى رأي ولي الأمر حسب ما تقتضيه الحال. وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀. لأنه ليس في الباب أدلة. وذكرنا ستة أقوال في المسألة. والأقرب والله أعلم القول الأول وهو رأي الجمهور إلا في حالة واحدة إذا كثرت الزكاة واتسع الأمر فإنه يعطى ما يصير به غنياً مما يتمكن به من التجارة. يعني القول الثاني. يعني ما نعطيه نقداً ما يكون به غنياً كما هو القول الثالث ولكن نعطيه ما يتمكن به من الشراء شراء ما يتاجر به ويصبح غنياً وينتفع المجتمع به. فالحقيقة هذا القول جيد جداً ويكاد يكون هو الراجح. لكن لابد من تقييده أنه في حال السعة فليس من المعقول ولا من المقبول أن يبقى رجل فقير لا يجد ما يأكل ونعطي الفقير الآخر ما يشتري به حانوتاً أو يشتري به آلة ليتاجر بها. لكن في حال السعة إخراج هذا الفقير من فقره إلى حد الغنى عن طريق التجارة ونفع المسلمين أمر مقصود للشارع بهذا القيد. ولعل هذا القول الأخير يكون جامعاً بين القول الأول والثاني وهو الأقرب. • ثم قال ﵀: ويجوز صرفها إلى صنف واحد. إذا أراد الإنسان أن يخرج الزكاة فإما أن يخرج الزكاة إلى جميع الأصناف أو إلى صنف واحد. فإن أخرج الزكاة إلى جميع الأصناف فهو المستحب ويجزيء بالإجماع. فهو خارج محل النزاع. وإن أخرجها - وهو القسم الثاني - إلى بعض الأصناف ففيه خلاف: = القول الأول وهو مذهب الحنابلة والجمهور: أنه يجوز أن تدفع الزكاة إلى صنف واحد بل إلى رجل واحد من صنف واحد. أي فلا يجب أن نقسم الزكاة بين المستحقين من صنف واحد. واستدل هؤلاء: - بعموم قوله ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم). فنص على صنف واحد. - وقوله: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة/٢٧١]. ونص على صنف واحد. = القول الثاني: وهو للإمام مالك أنها تصرف حسب الحاجة الأولى فالأولى مهما كان الصنف. = القول الثالث: وهو للشافعية: أنه يجب أن نقسم الصدقة على الأصناف الثمانية وجوباً.

стр. 947

- لأن الله عطف الأصناف بالواو مما يدل على التشريك بينهم حال التوزيع. والراجح والله أعلم: أنه يجوز أن تصرف لصنف واحد وتعطى الأولى فالأولى على سبيل الاستحباب لا الوجوب. - لأن من أعطى الزكاة صنفاً ولم يعطه آخر أو أعطى شخصاً مع وجود من هو أولى منه يصدق عليه أنه أخرج الزكاة لمستحقها. والقول بأنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية بل والقول بأنه يتحتم إعطاء الأولى فالأولى يتعذر العمل به ولا تكاد تجد أحداً يعمل بهذا القول: - أولاً: لصعوبة التقصي ومعرفة حال الناس. - وثانياً: لتوزع الأصناف واختلافها ووجود بعضها في منطقة دون بعض فلا شك أن هذا متعذر العمل به. فنقول: نجمع بين القول الأول والثاني. أنه يجوز صنف ويستحب فقط أن نعطيها الأولى فالأولى. • ثم قال ﵀: ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم. يعني: يسن أن يقدم الإنسان من هذه الأصناف قريبه. يسن وليس ذلك من المحابات في شيء بشرط: أن لا يلزم المخرج نفقة الفقير. والدليل على استحباب هذا الأمر من وجهين: - الأول: الإجماع. وحكاه المجد. وقال ﵀:إجماعاً. - الثاني: قوله ﷺ : (الصدقة على القريب صدقة وصلة). فلاشك أنه ينبغي للإنسان أن يعطي قريبه ويقدم هذا القريب على غيره من الناس مادام من أهل الزكاة. فصل • ثم قال ﵀: (فصل). المقصود بهذا الفصل: - بيان الأصناف الذين لا يجوز أن نعطيهم من الزكاة ولو كانوا في الجملة من الأصناف الثمانية. - وليبين مسألة صدقة التطوع وما يتعلق بها من أحكام. • قال ﵀: ولا يدفع: إلى هاشمي. الهاشمي هو من كان من سلالة: هاشم جد النبي ﷺ . فلا يجوز لمن كان هاشمياً أن يأخذ من الصدقة. ولا يجوز لمن أراد أن يدفع الصدقة أن يعطيها من يعلم أنه من بني هاشم. والدليل على هذا أيضاً من وجهين: - الأول: الإجماع. فقد أجمعوا - في الجملة - على أن الهاشمي لا يأخذ من الصدقات. أجمعوا - في الجملة - ففي بعض المسائل فيها خلاف لكن في الجملة أن الهاشمي لا يجوز أن يأخذ من الزكاة.

стр. 948

- الثاني: قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس). - الثالث: ما صح أن الحسن ﵁ أراد أن يأخذ تمرة من الصدقة فنهاه النبي ﷺ وقال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد). فلم يبق شك ولا إشكال بعد هذه النصوص والإجماع أن الصدقة أي الزكاة لا تحل لآل النبي ﷺ من بني هاشم. • ثم قال ﵀: ومطلبي. = يعني أيضاً: لا يجوز أن نعطي المطلبي من الزكاة. واستدلوا على هذا بدليلين: - الأول: أن النبي ﷺ قال: (بنو المطلب بنو هشام شيء واحد). - الثاني: أنه ثبت في السنة أن المطلبي له حق في الخمس كما للهاشمي فاستووا في استحقاق الخمس فيستوون في منع الزكاة. = والقول الثاني: أنه يجوز دفع الزكاة للمطلبي. - لأن النبي ﷺ نص على المنع في آل محمد وليسوا من آله. وأما أن الخمس يستحقه المطلبي فلأن هذا مرجعه إلى النصرة لا إلى القرب بدليل: أن الذين يساوونهم في القرب من النبي ﷺ كبني عبد شمس ليس لهم من الخمس شيء فدل على أنهم استحقوا الخمس بالنصرة والوقوف مع النبي ﷺ لا بالقرابة. وهذا القول الثاني هو الصواب. بناء على هذا: يحصر المنع في الهاشمي فقط. مسألة/ هل يجوز أن يأخذوا من الصدقة التي ليست واجبة؟ فيه خلاف: = القول الأول: أنه لا يجوز. - لأنها تسمى صدقة. = القول الثاني: أنه يجوز. - لأن النبي ﷺ علل بأنها أوساخ الناس وصدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بل من فضائل الناس. مسألة / هل يجوز للهاشمي أن يأخذ من زكاة الهاشمي؟ فيه خلاف: والأقرب والله أعلم في مسألة هل يجوز للهاشمي أن يأخذ من زكاة الهاشمي؟ - أنه لا يجوز.: - لأن النص عام. - ولأن الزكاة سواء كانت من بني هاشم أو من غيرهم إنما هي أوساخ الناس. مهما كان المخرج. ففي المسألة الثانية وهي: صدقة الهاشمي: لا يجوز أن يأخذ. • ثم قال ﵀: ومواليهما. يعني مولى الهاشمي ومولى المطلبي. مولى الهاشمي ومولى المطلبي: لا يجوز له أيضاً أن يأخذ.

стр. 949

- أما مولى الهاشمي: فلا يجوز له أن يأخذ. ولا إشكال: لأن أبا رافع مولى النبي ﷺ أراد أن يخرج مع عامل الصدقة ليأخذ معه فنهاه النبي ﷺ وقال: (إن مولى القوم من أنفسهم). فحكم مولى بني هاشم حكم بني هاشم. - وأما مولى المطلبي فإذا كان الراجح في المطلبي أنه يأخذ فمولاه من باب أولى. ولو رجحنا أن المطلبي لا يأخذ لكان المولى أيضاً لا يأخذ. • ثم قال ﵀: ولا إلى فقيرة تحت غني منفق. لا يجوز للفقيرة أن تأخذ إذا كانت تحت غني منفق سواء كان هذا الغني المنفق زوج أو أب أو أي قريب ممن يجب عليه أن ينفق عليها. والتعليل: - أنها مستغنية بهذه النفقة. والمستغني بالنفقة لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة. وهذا الحكم معلوم مما تقدم معنا حين بحثنا مسألة: متى يرتفع اسم الفقر؟ وأخذنا أنه يرتفه بثىثة أمور منها: وجود المنفق. فتلك المسألة توضح هذه ولكن نص المؤلف ﵀ عليها لكزيد الإيضاح. فنقول: من وجد من ينفق عليه فإنه لا يجوز أن يأخذ من الزكاة. • ثم قال ﵀: ولا إلى فرعه وأصله. لا يجوز للانسان أن يدفعه الزكاة إلى فرعه ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى أصله. والمقصود بالأصل: الوالد وإن علا. وبالفرع: الولد وإن نزل. والكلام حول هذا الموضوع ينقسم إلى قسمين: ــ القسم الأول: من تجب عليه نفقتهم: سواء كان والد أو ولد. = فهذا لا يجوز أن يدفع الزكاة لهم بالإجماع.: - لأن دفعه الزكاة فيه وقاية لماله. - ولأن حقيقة هذه الزكاة تعود إليه. ولأن فائدة هذه الزكاة تعود إليه لأنه يوفر على نفسه في النفقة. ــ القسم الثاني: من لا تلزمه نفقته: - إما أنه لا يرثه كابن البنت. - أو لأن ماله لا يتسع له. فهذا فيه خلاف. = القول الأول: للحنابلة أن أيضاً هذا لا يجوز أن ندفع الزكاة له. - لدخوله في عموم مسمى الابن ولو لم يرث. = والقول الثاني: أنه يجوز أن نعطي من كان هذه حاله من الزكاة. - لوجود المقتضي السالم من المعارض. المقتضي للزكاة: هو أنه فقير. وهذا المقتضي لا يجوز له معارض أو دافع لأنه ليس هو الذي ينفق عليه.

стр. 950

بناء على هذا: إذا كان شخص عنده عائلة ويخرج الزكاة ولا يستطيع أن ينفق إلا على من في بيته وله ابن بنت فقير: = فعند الحنابلة: لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة. = وعلى القول الصواب يجوز أن يعطيه من الزكاة. وهذا القول الأخير اختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو اختيار قوي ومسدد لأن لا يدفع الإنسان زكاته للغريب مع حاجة القريب لأن هذا الابن بكل حال لن ينفق عليه فدفع الزكاة للبعيد مع بقاء حاجة القريب. مسألة / يجوز أن يدفع الزكا للوالد وإن علا والولد وإن نزل إذا كانت الزكاة تعطى لمصلحة المسلمين لا لمصلحته الخاصة: كأن يكون مجاهداً أو عامل أو من المؤلفة أو كل من يعطى الزكاة لمصلة المسلمين. أو أن يكون غارماً لإصلاح ذات البين. فإذاً إذا كان الإنسان ابن مجاهد أو ابن لأحد العاملين عليها أو من المؤلفة قلوبهم أو غارم لإصلاح ذات البين فيجوز أن يعطيه من الزكاة ولو كثرت. حتى لو كان هو الذي ينفق عليه. مسألة / يجوز للوالد أن يعطي ابنه وللابن أن يعطي أباه من الزكاة في كل ما لا يجب عليه أن يقضيه عنه. مثاله: الدين. فإذا كان الأب مديناً فإنه لا يجب على الابن أن يقضي دين أبيه. كذلك العكس: لو كان الابن مديناً فإنه لا يجب على الأب أن يقضي دين الإبن. بل يجب عليه فقط أن ينفق أما قضاء الديون فليس بواجب. فإذا كان لا يجب عليه جاز أن يعطيه من الزكاة. • ثم قال ﵀: ولا إلى عبد. - لأن العبد مستغني بنفقة سيده. - ولأن حقيقة الأمر أن المال سيذهب إلى السيد فسيكون ملكاً للسيد. بناء على هذا التعليل: يجوز أن نعطي العبد إذا كان السيد يستحق الزكاة. لأن إعطاء العبد هو بمثابة إعطاء السيد. • ثم قال ﵀: وزوج. لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها: = عند الحنابلة. وعللوا ذلك: - بأنها تنتفع من الزكاة. لأن الزوج سينفق على الزوجة. = والقثول الثاني: أنه يجوز للزوجة أن يعطي الزوج. واستدلوا: - بحديث ابن مسعود لما ذهبت زوجه زينب تستفتي رسول الله ﷺ ان تعطيه من الصدقة أولا فقال النبي ﷺ : (زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه).

стр. 951

فبين النبي ﷺ أنه يجوز بل هم أحق من غيرهم. وهذا القول هو الصحيح لأن الحديث فيه نص. مسألة / هل يجوز أن تعطي زوجها ولو كان لها أولاد منه وهو وهم فقراء؟ فيه خلاف قوب: = اقول الأول: أنه لا يجوز. - لأنه سينفق المال على الأولاد الفقراء. وهؤلاء الأولاد الفقراء إذا كانوا لا يجدون كفايتهم يجب على الأم أن تنفق عليهم. = والقول الثاني: أنه يجوز أن تعطي زوجها ولو كان لها منه أولاد فقراء. لدليلين: - الأول: أنه لا يجب على الأم أن تنفق على الأبناء بوجود الأب. كما قال الحافظ بن حجر ﵀. - الثاني: - وهو الدليل الأقوى - أن حديث ابن مسعود عام ولم يستفصل النبي ﷺ هل لك منه أولاد أو لا؟ وإنما أمرها بدفع الصدقة له بلا تفصيل. فإن قيل: الصدقة في حديث ابن مسعود هي صدقة التطوع لا الواجبة. فالجواب: من وجهين: - الأول: أنه لا دليل على تخصيص الصدقة للتطوع بل الحديث شامل التطوع والواجبة لأنه لا يوجد ما يدل على التخصيص وتخصيص اللفظ بلا دليل لا يجوز. - والثاني: أنه في صدقة التطوع أيضاً لا يجوز أن ترجع المصلحة للمتصدق أو المتطوع ولو كانت صدقة تطوع. وذلك نهى النبي ﷺ أن يشتري الإنسان ما تصدق به مع أنه سيأخذه بالثمن ومع ذلك نهاه. فالأقرب والله أعلم أنه يجوز للزوجه أن تعطي زكاتها للزوج مطلقاً بلا تفصيل كما جاء في الحديث فتعطيه ولو كان لها منه أولاد. • ثم قال ﵀: وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً ... لم يجزئه. يعني لم تجزئ عنه. لماذا؟ لأنه أعطى وهو شاك. والعبادة يجب أن يؤديها الإنسان وهو جازم على يقين. هذا شيء. الشيء الثاني: ان من أعطى زكاته لرجل يظن أنه ليس أهلاً للصدقة فهو إما متساهل أو متلاعب. ولا نقول دائماً أنه متلاعب. بل الغالب أنه متساهل. ولا يجوزأن يتساهل الإنسان في إبراء ذمته حين إخراج الزكاة. • ثم قال ﵀: أو بالعكس. لم يجزئه. إلاّ لغني ظنه فقيراً. يعني: لايجوز ولا تجزئ الزكاة إذا أعطاها لمن يظن أنه أهل ثم بان أنه ليس من أهل الزكاة إلا الغني إذا ظنه فقيراً.

стр. 952

إذاً: = عند الحنابلة إذا أعطى الزكاة لمن يظنه أهلاً للزكاة ثم تبين أنه ليس من أهل الصدقات فإنه لا يجزئه إلا في صورة واحدة إذا أعطاها غنياً يظنه فقيراً. الدليل على أنها لا تجزئه: - أن بالإمكان لنخرج الزكاة أن يتثبت بالعلامات الظاهرة من حال الفقير أو من حال المستحق. فإذا لم يفعل لم يجزئه لأنه ترك ما يستطيع فعله أثناء أداء الواجب. وأما استثناء الغني: - فلما ثبت في الصحيح أن رجلاً قال: لأتصدقن وفي رواية الليلة ثم خرج ووضع الصدقة في يد فقير ثم لما أصبحوا تحدثوا أنه تصدق البارحه على غني فقال على غني: الحمد لله ثم أتي أي في المنام وقيل له قد قبل الله صدقتك. فاستدلوا بهذا الدليل على استثناء الغني فقط من بين أصناف أهل الزكاة. = والقول الثاني: أن من دفع إلى من يظن أنه من أهل الزكاة فبان من غيرهم أجزأته مهما كان الصنف سواء كان غنياً أو غير هذا الصنف. - قياساً على الغني: لأنه لا يوجد ما يدل على تخصيصه بالحكم وإنما هذه حادثة عين. - والدليل الثاني: أن معن بن يزيد ﵁ أخذ صدقة والده ظاناً أنه يريده هو بالصدقة فقال والده: والله ما أردتك. فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: (لك ما أخذت يا معن ولك ما نويت يا يزيد). فصحح الصدقة مع العلم أن الأب ما كان ناوياً الابن فدل على أن الإنسان إذا وضع الزكاة في غير محلها أو أخطأ في مراده فإن صدقته تجزئ وتجوز. وهذا القول هو الصواب أنه مادام اجتهد ثم وضعها في غير أهلها تجزئ عنه. فائدة:/ ظاهر مذهب الحنفية: التفصيل التالي: - أنه إن اجتهد وبذل الوسع أجزأت عنه. - وأن لم يجتهد وفرط لم تجزئ عنه. وقالوا: الاجتهاد يكون بالنظر إلى المظاهر الخارجية للفقير ومعرفة أحواله التي يمكن للإنسان أن يعرفها من مظهره فهذا هو الاجتهاد. فإن اجتهد أجزأت وإن لم يجتهد لم تجزئ. هذا تفصيل عند الأحناف. والقول الثاني: الذي ذكرت أنه هو الراجح هو الأقرب.

стр. 953

أما مسألة: اجتهد أو لم يجتهد إذا لم يجتهد وفرط فهو آثم بكل حال وفي كل مناسبة فلا نحتاج أن نقيد في مثل هذا السياق مسألة أنه اجتهد أو لم يجتهد لكن الأصل أن من أراد أن يخرج الزكاة أن يجتهد في وضعها في أهلها فإن لم يجتهد فهو آثم بل ربما نقول: لو أن الإنسان لم يجتهد ووضعها في أهلها فإنه لا يسلم من الإثم مع أنها تجزئ عنه لأنه فرط لأن الواجب على من أراد أن يخرج أن يجتهد في إيقاعها في الأصناف التي نص الله عليها في كتابه. والله أعلم.

стр. 954

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. (نقص من التسجيل) وإلا فقد يعرض لصدقة العلانية ما تكون به أفضل من صدقة السر. لكن الأصل أن صدقة السر أفضل لقول النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... وذكر منهم رجل تصدق بصدقة قال في الحديث فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ففي قوله: أخفاها وفي قوله: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. تأكيد على أن السر أفضل من العلانية. وصدقة التطوع: مستحبة. • ثم قال ﵀: وفي رمضان. يعني: أفضل. أي أن هذا الوقت المحدد وهو شهر رمضان الصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الشهور. ويدل على هذا عدة أمور: - الأول: أن الحسنات تضاعف في هذا الشهر الكريم. - الثاني: أنه يستعان بالصدقة في هذا الشهر بالذات على أعمال البر والخيرات. كما قال النبي ﷺ : (من فطر صائماً فله مثل أجره). - الثالث: أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان. وكونه ﷺ يجتهد في إخراج الصدقة في رمضان ما لا يجتهده في سائر الشهور دليل على فضل هذا الشهر. • ثم قال ﵀: وأوقات الحاجات: أفضل. أوقات الحاجات الإطعام فيها أفضل من غيرها من أوقات السعة. فإذا تصدق الإنسان على الناس الفقراء في أوقات الحاجة فهو أفضل.

стр. 955

وكذلك يقال: أن الصدقة على الأشد حاجة أفضل من الأقل حاجة ولو كانت الحاجة ليست عامة لقوله تعالى: - (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) -[البلد/١٤] فنص على أن الإطعام في اليوم الشديد أحب إلى الله ولأن حاجة المسكين أشد في هذه الأحوال سواء كان حاجة خاصة كما قلت أو حاجة عامة كأن تنزل بالمسلمين نازلة عامة. • ثم قال ﵀: وتسن: بالفاضل عن كفايته ومن يمونه. يعني أن الصدقة تكون سنة ومحبوبة إلى الله إذا تصدق الإنسان بما يزيد عن نفقته ونفقة من يمونهم. فحينئذ تكون مستحبة. - لقول النبي ﷺ : (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً وابدأ بمن تعول). ففي هذا الحديث دليل على أن الصدقة المستحبة إنما تكون بما زاد عن نفقته ونفقة من يمونهم ولا يريد المؤلف في هذه العبارة أن يبين حكم النقص من النفقة للصدقة فإن هذا سيذكره بالعبارة التالية لكنه يريد أن يبين أن الصدقة إنما تستحب في هذه الحال بأن تكون بالزائد عن حاجته ونفقته. • ثم قال ﵀: ويأثم بما ينقصها. يُنَقِّصُهَا أو: ولعله الأقرب: يُنْقِصُهَا كما ضبطها شيخنا ﵀. والمعنى قريب إن شاء الله. إن تصدق بصدقة أدت إلى النقص في نفقته أو نفقة من يمونهم فهو آثم. - لأنه قدم المستحب على الواجب. فإن نفقة الإنسان على نفسه وعلى من يجب عليه أن ينفق عليهم واجبة ولا يجوز للإنسان أن يقدم المستحب على الواجب. - ويستدل لهذا أيضاً بما نقل عن النبي ﷺ أنه قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). فهذا الحديث دليل على أنه لايجوز للإنسان أن يضيع من يعول بأن ينفق نفقة تنقص من الواجب لهم. - ويدل على ذلك أيضاً أن رجلاً سأل النبي ﷺ أن عنده دينار يريد أن يتصدق به فقال: (تصدق به على نفسك) فقال عندي آخر فقال: (على ولدك) فقال عندي آخر فقال: (على زوجك) فقال عندي آخر فقال: (على خادمك) فقال عندي آخر فقال: (أنت أبصر). يعني ضعه حيث تشاء. فجعل الصدقة في المرتبة الرابعة أو الخامسة مما يدل على وجوب تقديم النفقات المذكورة في الحديث على صدقة التطوع. - - مسألة: هل يجوز للإنسان أن يتصدق بكل ماله؟

стр. 956

الجواب: أن هذا فيه تفصيل: - فإن كان يصبر على شظف العيش وقلة المؤونة هو وأهله ولا يترتب على هذا مفاسد فإنه يجوز له أن يتصدق بكل ماله وقد صنعه أبو بكر الصديق أكثر من مرة. - وإن كان لا يتحمل شظف العيش ولا نقص المؤونة فإنه يحرم عليه أن يتصدق بكل ماله لما يترتب على هذا من الضرر عليه وعلى من يعول. وفي الحقيقة حال غالب الناس هو هذا: أنهم لا يتمكنون من الصبر على شظف العيش. فإذا كان الإنسان يعلن من نفسه هذا فإنه لا يجوز له أن يتصدق بكل ماله. وبهذا انتهى ولله الحمد الكلام على كتاب الزكاة. وقبل أن ننتقل إلى كتاب الصوم أريد أن أتكلم عن مسألة الهاشمي والمطلبي لأني لا حظت أن بعض الإخوان لم تتضح لهم من حيث النسب تماماً. فسأذكر ما يتعلق بالشجرة الشريفة من كان منهم من المسلمين ويلحق ما سأذكره الآن (بالنسبة لأخينا الذي يكتب) بالكلام عن الهاشمي. نقول: جد النبي ﷺ الثالث هو عبد مناف بن قصي بن كلاب. عبد مناف هذا ولد له أربعة: ١ - هاشم. ٢ - والمطلب. ٣ - وعبد شمس. ٤ - ونوفل. هؤلاء أربعة. ١ - هاشم - والذي هو جد النبي ﷺ ولد له عبد المطلب. وعبد المطلب ولد له أولاد هم: ١ - أبو طالب. وهو والد: علي، وجعفر. كما هو معلوم. ٢ - وعبد الله: والد نبينا ﷺ . ٣ - والعباس: كما هو معروف. ٤ - وحمزة. ٥ - والحارث بن عبد المطلب. تقدم معنا عند قول المؤلف: (ولا يدفع إلى هاشمي ومطلبي). وذكرنا الآن أن عبد مناف له من الولد: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل. - فالمقصود بقوله: (مطلبي). هو هذا: المطلب بن عبد مناف أخو هاشم وهو يختلط بعبد المطلب عند كثير من الطلاب يخلطون بين عبد المطلب والمطلب. فعبد المطلب ابن لهاشم وأما المطلب فعمه. وهاشم هذا اسمه: عمرو. وهو أول من سافر إلى الشام واليمن - رحلة المشرق والمغرب وهذا الرجل - هاشم - تزوج من بني النجار ولهذا النبي ﷺ يعتبرهم أخواله. هذا بالنسبة لهاشم.

стр. 957

بالنسبة لعبد المطلب فإن هاشم لما تزوج من بني النجار اشترطوا عليه أن تبقى زوجته في المدينة فبقيت في المدينة وولدت له عبد المطلب وهو جد النبي ﷺ . وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد كما هو معروف وسمي بعبد المطلب لأن هاشم لما تزوج ودخل بزوجته سافر إلى الشام وتوفي فالمطلب صار هو الذي يرعى عبد المطلب جد النبي ﷺ فظنه الناس عبد للمطلب فسموه عبد المطلب وإلا فاسمه شيبة الحمد وهو أول من خضب بالسواد. المهم عبد المطلب كما تقدم أتى له من الأبناء أبو طالب وعبد الله والعباس ... إلخ. فالمطلب الآن وهاشم أخوين والنبي ﷺ يقول: (إنما بنوا هاشم وبنوا المطلب شيء واحد) وبني المطلب لهم الخمس كما أن لهاشم خمس. بينما عبد شمس ونوفل وهم في درجة واحدة ليس لهم شيء. وعبد شمس من أحفاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان. ونوفل من أحفاده جبير بن مطعم. فعثمان بن عفان وجبير بن مطعم أتوا إلى النبي ﷺ ثم قالوا: أنت تعطي بني المطلب من الخمس ولا تعطينا ونحن وهم سواء - يعني من حيث النسب. فبين لهم النبي ﷺ أن بني هاشم والمطلب شيء واحد. الخلاصة: الذين لهم ذرية من بني هاشم من الذين لا تجوز لهم الصدقة هم هؤلاء الذين سأذكرهم فقط وأما الباقي فليس لهم ذرية. : - آل علي بن أبي طالب. - وآل جعفر. - وآل عقيل. كلهم أبناء أبي طالب. : - وآل العباس. - وآل أبي لهب. - وآل الحارث بن عبد المطلب. هؤلاء هم الذين لهم نسل ويوجد إلى الآن وهم الذين لا يجوز لهم أن يأخذوا الصدقة. فكل إنسان من قريش عدا هؤلاء الذين ذكرت تجوز له الصدقة. إنما الذي تحرم عليه الصدقة هؤلاء الذين بقي لهم ذرية توجد إلى عصرنا هذا.

стр. 958

كتاب الصيام قال شيخنا حفظه الله: • قال ﵀: كتاب الصيام. الصيام في لغة العرب: الكف والإمساك سواء كان عن الطعام أو عن الكلام أو عن العمل أو عن أي شيء. وفي الاصطلاح: هو الإمساك بنية عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق - الثاني - إلى غروب الشمس. وهذا التعريف ذكره بعض الفقهاء. وهو أوضح من أن يقال: إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن أشياء مخصوصة. فإن هذا التعريف ما يفيد كثيراً لكن التعريف الذي ذكرت وذكره بعض الفقهاء أوضح في بيان المقصود. • يقول ﵀: يجب صوم رمضان. صيام رمضان مفروض بالكتاب والسنة والإجماع. ولم يختلف أهل العلم في فرضيته. وهو مما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة. فمن أدلة فرضيته: - في الكتاب: قوله تعالى: - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) -[البقرة/١٨٣]. - وأما من السنة: فقوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) وذكر منها صيام رمضان. - وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون علماء وعوام وكل من يعقل الأحكام من الإسلام أن صيام رمضان واجب متحتم. ورمضان فرض في السنة الثانية. وصام ﷺ : تسع رمضانات بإجماع الفقهاء. • يقول ﵀: يجب صوم رمضان برؤية هلاله. يجب الصوم بثلاثة أسباب: - السبب الأول: رؤية الهلال: فإذا رأى المسلمون الهلال وجب عليهم الصيام لدليلين: - أولاً: الإجماع. فإنه لم يختلف المسلمون أنه إذا رؤي الهلال وجب الصوم. - ثانياً: ما صح عن ابن عمر في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا). - السبب الثاني: إتمام عدة شعبان ثلاثين يوماً. وهذا أيضاً مما أجمع عليه الفقهاء. أنه إذا أتم المسلمون شهر شعبان ثلاثون يوماً وجب عليهم الصيام. - لقول النبي ﷺ : (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً).

стр. 959

- السبب الثالث: إذا كانت ليلة الثلاثين فيها غيم أو قتر. فيجب الصيام حينئذ عند الحنابلة وسيأتينا الآن قريباً تفصيل هذه المسألة وذكر الخلاف والراجح فيها. لكن المقصود الآن أن يتصور الإنسان الأسباب الثلاثة عند الحنابلة التي توجب على المسلمين الصيام وأن السبب الأول والثاني محل إجماع وأن الثالث محل خلاف سيأتي الكلام عليه. • ثم قال ﵀: فإن لم ير مع صحوٍ ليلة الثلاثين: أصبحوا مفطرين. وذلك لعدم استنادهم على ما يوجب الصيام شرعاً. لأنه إذا لم ير مع الصحو إذاً لم يهل ولا يجوز للإنسان أن يصوم إلا بموجب شرعي. وإذا تأملت تجد هذه الصورة التي ذكرها المؤلف تخرج عن الأسباب الثلاثة. • ثم قال ﵀: وإن حال دونه غيم أو قتر: فظاهر المذهب يجب صومه. إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر غيم أي: سحب أو قتر يعني: غبار وذلك ليلة الثلاثين من شعبان فإنه: = يجب عند الحنابلة أن يصوم الناس. واستدل الحنابلة لهذا الحكم بأدلة: - الأول: أنه يجب الصيام احتياطاً. - الثاني: أن النبي ﷺ قال: (فإن غم عليكم فاقدروا له). قالوا ومعنى (فاقدروا): يعني: ضيقوا وإذا ضيقنا شعبان صار تسعة وعشرين يوماً. فنصوم بناء على هذا من الغد. - الثالث: أنه صح أن ابن عمر ﵁ كان يصوم في يوم الغيم. إذاً استدل الحنابلة بثلاثة أدلة. = القول الثاني: أنه لا يجب الصيام. بل إما أن يكون مباحاً أو مستحباً. لكنه لا يجب. والقول: بأنه لا يجب. وهو إما مباح أو مستحب: كل هذه الأقوال نسبت لشيخ الإسلام أنه ﵀ قال: مباح وأنه قال مستحب. فكأن له في هذه المسألة أكثر من قول. واستدل: - بأنه لم ينقل عن الصحابة أبداً الوجوب ولا عن النبي ﷺ . = القول الثالث: أن الصيام في هذا اليوم محرم. لدليلين: - الأول: قوله ﷺ : (من صام يوم الشك فقد عصا أبا القاسم) ويوم الشك هو ليلة الثلاثين من إذا حال بين الناس وبين رؤية القمر سحاب أو قتر. - الثاني: قوله ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين). ومن صام هذا اليوم فقد تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين حسب الواقع.

стр. 960

= القول الرابع - الأخير -: أنه لا يستحب. وهذا أيضاً نسب لشيخ الاسلام ﵀. فصارت الأقول: يجب، يباح، يستحب، لا يستحب، يحرم. والأقرب أنه يحرم مع قوة القول بالإستحباب. وسبب قوة القول بالإستحباب: أنه مروي عن الصحابة. وسبب ترجيح التحريم: وضوح النصوص لأن معصية النبي ﷺ بصوم يوم الشك تؤدي إلى التحريم. • ثم قال ﵀: وإن رؤي نهاراً: فهو لليلة المقبلة. المقصود بهذا: أنه لا أثر لرؤية الخلال في النهار. أما بالنسبة لليلة السابقة فلا إشكال في أنه لا أثر له. وأما بالنسبة لليلة القادمة فكذلك لا أثر له. إلا إن رؤي بعد غروب الشمس. الدليل على هذا: - أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إذا رأيتموه في النهار فلا تصوموا حتى تروه في العشية. • ثم قال ﵀: وإذا رآه أهل بلد: لزم الناس كلهم الصوم. هذه مسألة مهمة وهي من المسائل التي يكثر فيها الخلاف والأخذ والعطاء. = ذهب الحنابلة والأحناف والمالكية. يعني: الأئمة الثلاثة. إلى أنه إذا رؤي القمر في بلد لزم جميع الناس الصوم. واستدلوا على هذا بأدلة: - الدليل الأول بقول النبي ﷺ : إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا. والخطاب في قوله: رأيتموه لجميع المسلمين. - الدليل الثاني: قوله : - (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ) -[البقرة/١٨٥] وشهادة الشهر لا يمكن أن تكون من جميع الناس بل يصدق عليها أنها شهادة ولو من بعض الناس. = القول الثاني: وهو للشافعية واختيار شيخ الاسلام ﵀. أنه إذا رؤي الهلال في بلد وجب عليهم الصيام وعلى كل بلد يوافقهم في مطلع القمر. واستدل هؤلاء: - بأن مطالع القمر تختلف باتفاق أهل الفلك. وإذا كانت تختلف فقد يطلع على قوم دون آخرين. - وبحديث كريب أنه قدم من معاوية من الشام إلى ابن عباس فقال: له ابن عباس متى رأيتم القمر قال ليلة الجمعة فقال: ابن عباس إنا لم نره إلا ليلة السبت فلا نزال صائمين حتى نراه أو نكمل العدة ثلاثين. وجه الاستدلال: أن ابن عباس لم يعتد برؤية أهل الشام.

стр. 961

= القول الثالث: أنته لكل بلد رؤية خاصة به. فإذا رؤي في بلد لزم أهله الصيام دون سائر البلدان. = القول الرابع - الأخير -: أنه يرجع إلى رأي الحاكم. فإذا أمر بالصيام وجب على من تحت ولايته أن يصوموا ولو كانوا في بلدان مختلفة المطالع. والراجح والله أعلم القول الأول: أنه إذا رآه أحد من المسلمين وجب على الجميع الصيام. - أولاً: لعموم قول النبي ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا) هذا الحديث لا يوجد عنه جواب صحيح وهو عام: إذا رأيتموه فصوموا: للجميع. - ثانياً: أن اختلاف المطالع الذي قال به شيخ الاسلام ﵀ يشكل عليه أن كثيراً من الناس لا يحسن ولا يعرف مسألة اختلاف المطالع وتقدم معنا مراراً من القواعد التي قررها أهل العلم ومنهم شيخ الاسلام: ((أن الشارع لا يربط الحكام بما لا يحسنه كثير الناس وإنما يربطه بالأشياء الواضحة التي يشترك جميع الناس في معرفته)). كطلوع الشمس وغروبها والزوال فكل الناس يحسن هذه الأشياء. - ثالثاً: لم يأت في النصوص أبداً الإشارة إلى اعتبار اختلاف المطالع. - رابعاً - وأخيراً: أنا نجد نظير هذا في الأحكام الشرعية الأخرى ومنها: أن يوم الجمعة في الدنيا كلها يوم واحد يتقدم ويتأخر لكنه يوم واحد عند جميع الأمصار. مما يدل على أن قضية تأخر طلوع الشيء أو تقدمه وإنما يوم الجمعة بكل ما تترتب عليه من أحكام سواء كانت أحكام العبادات أو المعاملات يحل في الدنيا كلها بيوم واحد يتقدم ويتأخر لكنه هو يوم واحد في زمن واحد. كذلك نقول رمضان في جميع البلدان والأمصار هو شهر واحد يبدأ بوقت واحد وينتهي بوقت واحد وإن تقدم وإن تأخر لكنه من حيث اليوم واحد. المهم: أن الراجح إن شاء الله هذا القول الأول ومع ما ذكرت من أدلة وتعليلات يضاف إليه شيء يستأنس به وإن كان لا يعتمد عليه ما يحصل بسبب هذا القول من اتفاق الكلمة واتحادها والبعد عن الاختلاف لأنه بناء على هذا القول إذا رؤي في أي بلد من البلدان رؤية شرعية صحيحة مستوفية الشروط وجب على جميع المسلمين أن يصوموا. وبهذا يتحدوا اتحاداً تاماً في مسألة دخول الشهر وخروجه. • ثم قال ﵀: - مبيناً شروط الرؤية:

стр. 962

ويصام: برؤية عدل ولو أُنثى. يعني: أن وجوب صيام شهر رمضان يكتفى به برؤية عدل واحد ولو أنثى ولا يشترط أن يشهد بذلك اثنان. = وهو مذهب الحنابلة والشافعية. واستدل هؤلاء بنصوص واضحة: - أولاً: بحديث ابن عباس أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ أنه رأي الهلال فقال له النبي ﷺ أتشهد أن لا إله إلا الله فقال: نعم. فأمر الناس بالصيام. فهذا الأعرابي رجل واحد قبل النبي ﷺ شهادته. وهذا الحديث يصححه بعض المتأخرين. والصواب أنه مرسل كما قال الإمام النسائي. - ثانياً: ما صح عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أمر الناس أن يتراؤوا الهلال قال: فرأيته وأخبرت النبي ﷺ فصامه وأمر الناس بصيامه. - أي: الشهر. وهذا الحديث الصواب أنه ليس له علة وهو صحيح ثابت إن شاء الله وهو نص في قبول شهادة الرجل الواحد. = القول الثاني: أنه تقبل شهادة الرجل الواحد إذا قدم من خارج البلد وترد إذا شهد وهو في البلد. - لأنه إذا شهد قادماً من الخارج فيحتمل أن يرى ما لا يراه الناس لكونه في موقع يتمكن من الرؤية دون الناس. وأما إذا كان في وسط البلد مع الناس وزعم أنه رآه ولم يره الناس فترد شهادته لأنهم يتمكنون من رؤية ما يرى. - ولأن الأعرابي الذي شهد عند النبي ﷺ قدم من الخارج. = والقول الأخير - وهو الثالث - أنه يشترط في ثبوت دخول الشهر شهادة اثنان. - لقول النبي ﷺ : (فإذا شهدا شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا). والصواب: القول الأول. • قوله ﵀ : (ولو أنثى). يعني خلافاً للشافعية الذين يشترطون أن يكون الرائي من الرجال. والدليل على صحة مذهب الحنابلة: - أن هذا خبر ديني يقبل به قول الرجل والمرأة كرواية الحديث وكالإخبار بمواقيت الصلاة فإن هذه الأخبار الدينية لا يشترط فيها أن يكون المخبر رجل بل تقبل من النساء. وهذا هو الصواب بلا شك. - - مسألة: خروج الشهر - بل نقول رؤية شهر شوال وغيره من الشهور فيما عدا رمضان لا يقبل في إثباتها إلا شهادة رجلين ولا يكتفى بالواحد.

стр. 963

وحكي على هذا الإجماع - حكاه أكير من واحد من أهل العلم ولم يخالف فيه إلا فقيه واحد وهو أبو ثور. فمن الفقهاء من حكى الإجماع ولم يشر إلى خلاف أبي ثور ومنهم من حكى الإجماع وقال: خالف أبو ثور فقط. وهذا هو الصواب لأنها محل إجماع أنه يشترط في إثبات دخول سائر الشهور عدا رمضان أن يشهد اثنان. • قوله ﵀ : (ويصام برؤية عدل). اشتراط العدالة دل عليه الحديث السابق: وهو قوله ﷺ : (فإذا شهدا شاهدان ذوا عدل). فيشترط لقبول الشهادة أن يكون الشاهد عدل مستقيم تارك للكبائر لقوله تعالى: - (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) -[الحجرات/٦] فالفاسق لا يقبل قوله في الأخبار العادية فكيف بدخول شهر رمضان. • ثم قال ﵀: وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال .... لم يفطروا. قوله: (لم يفطروا): لأنه لا يمكن أن يخرج الشهر بشهادة واحد إذا تقدم معنا الآن أنه يشترط في إثبات خروج الشهر شهادة اثنان. وإذا أخرجنا الشهر بتمام الثلاثين نكون اعتمدنا على شهادة رجل واحد وهو الذي شهد بإدخال الشهر. وذلك لا نقبل هذا ويشترط شهادة شاهدان. = القول الثاني: أنه إذا تم ثلاثون يوماً أفطر الناس ولو كان الشهر دخل بشهادة رجل واحد. - لأن الإفطار هنا إنما هو بإتمام الشهر ثلاثين لا بشهادة الرجل الأول. والقاعدة المتفق عليها: (يثبت تبعاً ما لايثبت استقلالاً). فإتمام الثلاثين تبع لشهادة الرجل ولكن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. فنثبت الآن الفطر بثلاثين تبعاً لشهادة الرجل الواحد لا أصلاً. وهذا القول لا شك أنه هو الراجح إن شاء الله: أنه إذا تم الشهر ثلاثون يوماً أفطر الناس ولو كان دخول الشهر بشهادة رجل واحد. وعلى هذا عمل الناس. • قال ﵀: أو صاموا لأجل غيم: لم يفطروا. تقدم معنا أن الحنابلة يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان عليها غيم أو قتر وجب الصيام فإذا صام الناس بناء على هذا القول فإنهم لا يفطرون بإتمام الثلاثين يوماً لأن الصيام في أول الشهر إنما وجب احتياطاً والاحتياط في آخر الشهر أن الأصل بقاء رمضان. وهذه المسألة مفروضة عند الحنابلة.

стр. 964

وعلى القول الراجح لا إشكال لأنه لا يجب أن يصام بل يحرم فلا ترد هذه المسألى على هذا القول. • ثم قال ﵀: ومن رأى وحده هلال رمضان وردّ قوله ... صام. إذا رأى الإنسان هلال رمضان وحده ولم يره الناس وجب عليه أن يصوم وحده باتفاق الأئمة الأربعة. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ يقول: (إذا رأيتموه فصوموا) وهذا رآه. - وبقوله تعالى: - (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... ) -[البقرة/١٨٥] وهذا شهد الشهر. - وبأن هذا الذي رأى الهلال يعلم قطعاً أن هذا اليوم من رمضان فلا يجوز له أن يفطر. = القول الثاني ك رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الاسلام: أن من رأة هلال رمضان وحده فإنه لا يجب عليه أن يصوم. واستدلوا بدليلين: - الدليل الأول: أن هذا اليوم محكوم عليه شرعاً أنه من شعبان. لأنه عند الناس من شعبان فهو شرعاً من شعبان فكيف يصوم يوماً من شعبان. - الدليل الثاني: - وهو الدليل القوي - قوله ﷺ (فطركم يوم تفطرون وصومكم يوم تصومون) ومعنى الحديث أن الفطر المعتبر وكذلك الصيام المعتبر ما وافق فيه المسلم جماعة المسلمين. واختيار شيخ الاسلام هو الاقرب. ومذهب الأئمة الأربعة لا يخفاكم أنه هو الأحوط لكن مع ذلك إذا صام الإنسان فينبغي أن يصوم سراً. والسبب في ذلك: لأن لا يدخل بين الناس النزاع والخصومة بسبب أنه صائم فإنه مافي شك أنه إذا رؤي أنه صائم في يوم يعتبره من رمضان صار بينه وبين الذين لم يصوموا مخاصمة وهذا لاشك يقع كثيراً فإذا أراد أن يحتاط ويصوم يصوم سراً. • ثم قال ﵀: أو رأى هلال شوال: صام. يعني: أنه إذا رأى الإنسان هلال شوال وحده دون الناس فيجب عليه أن يصوم. (= على المذهب: إذا رأى هلال شوال لا يجوز له أن يفطر وهومذهب الجمهور واختيار شيخ الاسلام. واستدلوا: - بالحديث السابق: (فطركم يوم تفطرون وصومكم يوم تصومون). - ولأن - وهذا دليلهم الأقوى - خروج رمضان لا يثبت إلا بشهادة اثنان والذي رآه الآن واحد فهو شرعاً لم يخرج الشهر - وإن كان هو رآه. إذاً ذهب الجمهور كلهم بمن فيهم شيخ الاسلام إلى أنه إذا رأى هلال شوال وحده لا يفطر.

стр. 965

= القول الثاني: وهو قول للشافعية: ونصره ابن حزم ومن المتأخرين الصنعاني أنه يجوز له أن يفطر. واستدلوا: - بالحديث (وإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا). والصواب مع الجمهور أنه لا يجوز له أن يفطر بل يبقى إلى أن يفطر الناس. - - مسألة: يستثنى من المسائل السابقة إذا رآه وحده سواء رأى هلال رمضان أو هلال شوال يستثنى إذا رآه منفرداً كأن يكون في البر فرأى الهلال أو كان محبوساً لا يتمكن من الكلام مع الناس ورأى الهلال من النافذة لو فرضنا وقوع مثل هذا الشيء فإنه حينئذ يجب عليه أن يعمل برؤيته. وهذا اختيار شيخ الاسلام بن تيمية. - لأن هذه الرؤية لا تتعارض مع قول النبي ﷺ : (صومكميوم تصومون وفطركم يوم تفطرون). إذاً عرفنا الآن أن الإنسان إذا رأى الهلال وحده منفرداً عن الناس - أثناء سفر أو في أي ملابسات أخرى فيجب عليه أن يصوم ويعمل بقوله: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطرو). • ثم قال ﵀: ويلزم الصوم: لكل مسلم مكلف قادر. هذه شروط وجوب الصيام. فيشترط لوجوب الصيام أن يكون مسلماً وبالغ وعاقل والشرط الرابع: قادر. لكن المؤلف جمع المسلم العاقل بقوله: مكلف. اشتراط هذه الشروط محل إجماع في الجملة. نأتي إلى التفصيل: - الشرط الأول: أن يكون مسلماً. فيشترط في وجوب الصيام أن يكون مسلماً. لأن الصيام عبادة والعبادة تحتاج إلى نية والنية لا تتأتى من الكافر. وتقدم معنا في الزكاة أن معنى قول الفقهاء لا يجب عليه يعني: لا يطالب بها ولا بقضائها إذا أسلم وليس المراد أنه لا يعاقب على تركها. - الشرط الثاني: أن يكون مكلفاً. يعني: بالغ وعاقل. والدليل عليه: قوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق). فهؤلاء لا يجب عليهم الصيام وسيأتينا تفصيل أحوال الصبي والمجنون لكن من حيث الأصل لا يجب عليهم الصيام. - الشرط الثالث - الأخير - أن يكون قادراً. والدليل على اشتراط هذا الشرط: - أولاً: الإجماع. فإنه أجمع العلماء أنه لا يجب على من لا يستطيع الصيام أن يصوم. - ثانياً: قوله تعالى: - (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) -[التغابن/١٦].

стр. 966

- ثالثاً: قوله تعالى: - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ) -[البقرة/٢٨٦]. - الرابع: قوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). وترك الصيام لغير القادر لمرض أو غيره ينقسم إلى قسمين: - الأول: أن لا يستطيع في الوقت ويستطيع بعد الوقت كالمريض الذي يرجى برؤه فهذا يجوز له الفطر. وعليه القضاء فقط. - الثاني: من لا يستطيع في الوقت ولا بعد الوقت. والمقصود بالوقت هنا: شسهر رمضان. فهذا يجوز له الفطر وعليه الإطعام. ومثاله: الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه. وسيأتي تفصيل أكثر لأحكام المريض الذي يرجى والذي لا يرجى برؤه. • ثم قال ﵀: وإذا قامت البينة في أثناء النهار: وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه. في الواقع المؤلف ﵀ في هذه العبارة كأنه خلط بين مسألتين ولذلك لو رجعت للمقنع أو لكشاف القناع أو لأي كتاب من كتب الحنابلة ستجد أنه فصل بين المسألتين: - المسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار. - والمسألة الثانية: من صار أهلاً للوجوب في أثناء النهار .. نبدأ بالمسألة الأولى: إذا قامت البينة في أثناء النهار: وجب الإمساك والقضاء. إذا قامت البينة في أثناء النهار: يعني عرف في وسط النهار أن هذا اليوم من رمضان فيترتب على هذا: وجوب أمرين: - الأول: وجوب الإمساك. - والثاني: وجوب القضاء. أما الأول: وهو وجوب الإمساك: فهومحل إجماع. فيجب على من علم بأن هذا اليوم من رمضان في أثناء النهار أن يمسك. والدليل على هذا: - أولاًِ: قوله ﷺ : (فاتقوا الله ما استطعتم) وهذا يستطيع أن يتقي الله في باقي اليوم بامتثال الأمر. - ثانياً: لحرمة اليوم فإن هذا اليوم من رمضان لا يجوز للإنسان أن يأكل فيه. - ثالثاً: لما صح عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أرسل إلى قوم أكلوا أول اليوم من عاشوراء أن أمسكوا وأتموا الصيام. مع أنهم أكلوا أول اليوم بنص الحديث. وكما قلت المسألة محل إجماع. وأما الثاني: وهو وجوب القضاء. يجب على المسلمين إذا أمسكوا مع ذلك أن يقضوا هذا اليوم. والدليل:

стр. 967

- أن هؤلاء الناس لم يصوموا يوماً شرعياً كاملاً ولم يأتوا بشروط الصيام الصحيحة. إذاً اختل الصيام من جهتين: أنه لم يصوموا يوماً كاملاً وأنهم لم يأتوا بشروط الصيام: كالنية من الليل. = وإلى هذا ذهب الجماهير من أهل العلم. أنه: يجب مع الإمساك القضاء. = والقول الثاني: أنه يجب الإمساك دون القضاء. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام بن تيمية. واستدل بدليلين: - الأول: أن الذين أكلوا أول اليوم في عاشوراء وأمرهم النبي ﷺ بالإمساك لم يأمرهم بالقضاء مع أن صيام عاشوراء كان واجباً في صدر الإسلام. - الثاني: أن الوجوب وجوب العبادة فرع العلم. فقبل العلم لم يجب أصلاً. فالإمساك على هؤلاء يجب من حين علموا إلى آخر اليوم دون صدر اليوم ولا يجب على الإنسان أن يقضي ما لا يجب عليه. والراجح. القول الثاني. وهذه المسألة إن كانت تقع في القديم فإنها لا يتصور أن تقع في وقتنا هذا إذ لا يتصور أن يرىحد الهلال ثم لا يستطيع أن يخبر المختصين والمختصون بدورهم يخبرون الناس لكن في القديم يقع كثيراً أن يراه في مكان بعيد ثم لا يصل إلا في منتصف النهار ثم يشهد وتقبل شهادته ويؤمر الناس بالصيام فهذا كان يقع. أما اليوم فهي ولله الحمد لا تقع أو يندر جداً أن تقع مثل هذه المسألة. • ثم قال ﵀: على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه. من صار أهلاً للوجوب في أثناء اليوم أيضاً يجب عليه أن يمسك وأن يقضي. مثاله: أن يسلم الكافر. أو يبلغ الصبي. أو يفيق المجنون. فإذا بلغ الصبي في أثناء اليوم أو أسلم الكافر ترتب على هذا: - أنه يجب عليهم أن يمسكوا. - وأيضاً يجب أن يقضوا. وهذه المسألة فيها عن الإمام أحمد روايتان وقيل ثلاثة لكن تشككوا في إثبات الرواية الثالثة. = فالرواية الأولى: وجوب الإمساك والقضاء. وهو المذهب. . أما وجوب الإمساك فلما تقدم أنه احتراماً للزمن ولأنهم أفطروا لعذر فزال هذا العذر فوجب أن يمسكوا. = القول الثاني: لا يجب لا الإمساك ولا القضاء وهو رواية عن الإمام أحمد وهي الثانية. أما أنه لا يجب الإمساك: فاستدلوا بأن من أفطر في أول اليوم ظاهراً وباطناً جاز له أن يفطر في آخر اليوم.

стр. 968

والصبي قبل أن يبلغ يجوز له أن يفطر في صدر اليوم ظاهراً وباطناً. بخلاف الذين لم يبلغهم الخبر إلا في أثناء اليوم فهؤلاء يجوز لهم أن يفطروا ظاهراً فقط. أما هؤلاء فإنه يجوز لهم أن يفطروا ظاهراً وباطناً. إذاً هذا الدليل على عدم الإمساك. وأما الدليل على عدم القضاء فلأن هؤلاء حال التلبس بالعبادة ليسوا من أهل العبادة. ((الأذان)) (نتم هذه المسألة فقط). = والقول الثالث: ما قال عنه الزركشي: أظنه رواية عن الإمام أحمد: أنه يجب الإمساك دون القضاء. والزركشي يقول: أظن أن شيخ الاسلام جعله رواية. يعني: في إثبات هذه الرواية عن الإمام أحمد شك. وهذا القول الأخير هو الصواب أنه يجب الإمساك دون القضاء. أما عدم وجوب القضاء فلما تقدم: من أنهم لم يدركوا وقتاً يتمكنوا فيه من العبادة. أي أنهم في صدر النهار لم يكونوا من أهل العبادة. وأما وجوب الإمساك فلحديث عاشوراء حيث أمرهم النبي ﷺ بالإمساك فكذا هؤلاء نأمرهم بالإمساك بقية النهار ولا يجب عليهم أن يقضوا. انتهى الدرس

стр. 969

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. • قال ﵀: وكذا حائض ونفساءُ طهرتا، ومسافر قدم مفطراً. هؤلاء ثلاثة: ١ - الحائض إذا طهرت. ٢ - والنفساء إذا طهرت. ٣ - والمسافر إذا قدم. ويلحق بهم شخص رابع وهو: ٤ - المريض إذا شفي. فهؤلاء أيضاً يأخذون الحكم السابق وهو وجوب القضاء ووجوب الإمساك. - فنبدأ بالأول: وهو: وجوب القضاء بالنسبة لمن كان يمنعه مانع من الصيام كالحيض والنفاس أو كان يجوز له الفطر كالمريض والمسافر فهؤلاء يجب عليهم القضاء إجماعاً. - لقوله تعالى: - (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) -[البقرة/١٨٤]. فمسألة القضاء لا إشكال فيها بنص الكتاب وإجماع أهل العلم. - والمسألة الثانية: الإمساك: فيجب على هؤلاء أن يمسكوا إذا زال العذر في أثناء النهار. = واستدل الحنابلة على ذلك:

стр. 970

- بأن العذر المبيح للفطر زال فيجب أن يزول حكمه وهو الإفطار ويمسك هذا الشخص. = والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجب على هؤلاء الأربعة أن يمسكوا. واستدلوا بأدلة: - الأول: أن الله إنما فرض على المسلم صيام يوم ولا يجوز أن نلزمه بصيام يوم وصيام بعض يوم. لأنا نوجب عليه أن يقضي. فإذا أوجبنا عليه أيضاً أن يمسك صرنا أوجبنا عليه أن يصوم يوماً أو بعض يوم وهذا لا يدل عليه دليل من الشرع. - الثاني: أنهم أفطروا في صدر النهار ظاهراً وباطناً بإذن الشارع الذي لا شك فيه فكذلك في آخر النهار. لأن الصوم الشرعي: الإمساك يوماً كاملاً. وهذا القول الثاني هو الراجح إن شاء الله. • ثم قال ﵀: ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤهُ: أطعما لكل يوم مسكيناً. أي جاز له أن يفطر وعليه أن يطعم. فالشيخ الكبير - الرجل الكبير السن - ومن كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه إذا لم يستطيعوا الصيام جاز لهم الفطر وعليهم فقط الإطعام. = وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم: الشافعية والحنابلة والأحناف والجماهير. واستدلوا: - بما صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الشيخ والشيخة الكبير يفطرون ويطعمون. واستدل بقوله تعالى: - (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) -[البقرة/١٨٤]. = القول الثاني: للإمام مالك وهو أنهم يفطرون ولا شيء عليهم. واستدل: - بأنهم أفطروا بعذر شرعي ومن أفطر بعذر شرعي فإنه لا يلزم بالفدية. وقول الإمام مالك ضعيف والصواب مع الجمهور لما استدلوا به عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف من أصحاب النبي ﷺ . • ثم قال ﵀: أطعما لكل يوم مسكيناً. لم يبين المؤلف ﵀ المراد بالإطعام هنا ولا مقداره. = ومقصود الحنابلة هنا هو ما يجزئ في الكفارات وهو مد بر أو نصف صاع من غيره من الأطعمة. واستدلوا على ذلك: - بأن النبي ﷺ أوجب في فدية الحج بالحديث الصحيح - نصف صاع. وأما أن البر مد: - فلأنه أغلى ثمناً وأنفس فهو يساوي مدين من غيره من الأطعمه من الشعير أو التمر. = والقول الثاني: أن الواجب نصف صاع من أي طعام كان.

стр. 971

واستدلوا: - بنفس الدليل: قياساً على ما جاء في فدية الحج وقالوا: لا دليل على التفريق بين البر وغيره من الأطعمة. = والقول الثالث: أنه مد من كل الأطعمة. واستدلوا: - بأنه روي عن أصحاب النبي ﷺ . = والقول الرابع: أنه لاحد ولا قدر لما يطعمه الإنسان. - لأن الله أمر بالإطعام ولم يذكر حداً ولا مقداراً. - وليس في السنة تحديد لمقدار ما يطعم. فالواجب في الإطعام هنا كالواجب في كفارة اليمين (من أوسط ما تطعمون أهليكم). فيخرج الإنسان طعاماً يكفي شخصاً واحداً ويبرأ بذلك. وعلى القول بالتقدير فالأقرب أن يكون نصف صاع كما جاء في فدية الحج. فإن فدية الحج تشابه هذه الفدية. والتقدير النبوي خير من التقدير بالرأي إذا أردنا أن نقدر. ولكن الصواب أنه لا تقدير فيه. بناء على هذا: إذا أراد الإنسان أن يطعم: - فإما أن يصنع طعاناً يكفي لثلاثين شخص من الفقراء ويدعوهم ليأكلوا في منزله. - أو يدفع من الطعام ما يكفي ثلاثين مسكيناً. وبذلك تبرأ ذمته. • ثم قال ﵀: ويسن لمريض يضره. يعني: يسن له أن يفطر. فإن صام مع حاجته للفطر فقد أتى مكروهاً. ونحتاج في هذا الموضوع إلى عدة مسائل: - المسألة الأولى: ما هو المرض؟ المرض هو: خروج البدن عن حد الصحة إلى الاعتلال. فإذا خرج البدن عن حد الصحة إلى الاعتلال فهو مريض. - المسألة الثانية: ضابط المرض الذي يجوز أن يفطر من أصيب به: هو: كل مرض يتسبب الصيام في تأخير شفائه أو زيادة المرض. بناء على هذا: كل مرض لا يكون للضيام تأثير عليه فإنه لا يجوز لصاحبه أن يفطر. كما إذا أصيب الإنسان بألم في الضرس أو جرح في الإصبع ونحو هذه الأمور التي لا دخل للصيام بها لا زيادة ولا نقصاً. فإن صاحب هذا المرض إن أفطر فقد ارتكب محرماً. - المسألة الثالثة - الأخيرة -: يجوز للصحيح الذي لم يمرض أن يفطر إذا خشي أنه لو صام مرض. لأن هذا بمعنى زيادة المرض. بل هو أبلغ من زيادة المرض لأنه حدوث للمرض.

стр. 972

والفطر بالمرض محل إجماع في الجملة بين أهل العلم: للآية. - (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) -[البقرة/١٨٤] فهي نص في جواز فطر المريض. • ثم قال ﵀: ولمسافر يقصر. يعني: ويسن لمسافر يقصر أن يفطر. والفطر للمسافر جائز بإجماع أهل العلم. ويجوز له أن يصوم على الصحيح: - لما أخرجه البخاري ومسلم عن أنس أنه قال: كنا في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر ولم يعب أحدنا على الآخر. وينقسم الصيام في السفر إلى قسمين: - القسم الأول: ما يترتب عليه مشقة. فالسنة في السفر الشاق أن يفطر. فإن صام فقد ارتكب مكروهاً أو محرماً بحسب الأذى الذي يلحق البدن من الصيام. والدليل على هذا التفصيل: - أولاً: قوله ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر). - وثانياً: أن النبي ﷺ أفطر في سفر فقيل له إن قوماً ما زالوا صائمين فقال النبي ﷺ : (أولئك العصاة، أولئك العصاة). - القسم الثاني: أن لا يترتب على الصيام في السفر مشقة. فهذا فيه خلاف بين أهل العلم: = فذهب الحنابلة: الإمام أحمد - المذهب الإصطلاحي والشخصي - إلى أنه يسن للمسافر أن يفطر ولو لم يجد مشقة. واستدل ﵀: - بالنصوص السابقة وبالآثار التي نقلت عن أصحاب النبي ﷺ والتي تدل على كراهية الصيام في السفر ولو بلا مشقة. = القول الثاني: للأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي أن الصيام أفضل في السفر إذا لم يترتب عليه مشقة. واستدل الجمهور بدليلين: - الأول: أن النبي ﷺ سافر في يوم حار فصام هو وابن رواحة. فدل صيام النبي ﷺ على أنه إذا لم يجد مشقة فالأفضل الصيام لأنه لا يصنع إلا الأفضل. - الثاني: أن في الصيام في السفر إسراع في إبراء الذمة. والجواب على حديث: (أولئك العصاة):أنه ثبت في هذا الحديث أن الصيام شق على أصحابه. ونحن نقول: أنه إذا شق الصيام فهو مكروه أو محرم. وإنما البحث مفروض فيما إذا لم يجد مشقة. والذي يظهر والله أعلم أن مذهب الأئمة الثلاثة أحسن وأقوى وأقرب للجمع بين النصوص.

стр. 973

• ثم قال ﵀: وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه: فله الفطر. يعني: إذا صام الإنسان في بلده ونوى الصيام وصام ثم سافر في أثناء اليوم وخرج عن البلد فإنه يجوز له عند الحنابلة أن يفطر. ولو كان في أول النهار مقيماً صائماً. واستدلوا: - بأنه ثبت عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يفطرون في أثناء اليوم في السفر. = والقول الثاني: للأئمة الثلاثة أنه إذا أصبح صائماً في بلده ثم خرج مسافراً فإنه لا يجوز له أن يفطر. - لأنه شرع في عبادة واجبة فوجب عليه أن يتمها. ومذهب الأئمة الثلاثة في هذه المسألة ضعيف أو ضعيف جداً. لأنه مخالف للمنقول والمعقول. فالمنقول عن أصحاب النبي ﷺ وهم أفقه الناس أنهم كانوا يفطرون. وأما المعقول: فلأن المعنى المناسب الذي أباح الله للإنسان أن يفطر فيه وهو السفر موجود في هذه الصورة ولا يقدح في ذلك أنه كان في أول النهار مقيماً فإن هذا المعنى لا يقدح في وجود علة جواز الفطر وهي السفر. فالراجح في هذه المسألة مذهب الحنابلة. • ثم قال ﵀: وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما: قضتاه فقط. الحامل والمرضع إذا أفطرتا فعليهما القضاء إذا كان الفطر بسبب الخوف على أنفسهما لا بسبب الخوف على الجنين. فإن كان الفطر بسبب الخوف على الحنين فهي المسألة الثانية التي ستأتي الآن معنا. وجواز الفطر وأنه لا يجب عليهما إلا القضاء كلاهما محل إجماع. حكى الإجماع ابن قدامة وابن مفلح وغيرهما وأشار إليه شيخ الإسلام بن تيمية. إذاً إذا أفطرتا خوفاً على نفسيهما لا على الجنين فعليهما فقط القضاء دون الإطعام. • ثم قال ﵀: - مبيناً النوع الثاني: وعلى ولديهما: قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً. هذه المسألة وهي إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفاً على الجنين محل إشكال بين أهل العلم واختلفوا فيها اختلافاً كثيراً ونحن إن شاء الله نلخص هذا فنقول: = ذهب الحنابلة والشافعية إلى ما ذكره المؤلف ﵀ أنه عليهما أن يقضيا وأن يطعما. واستدلوا على ذلك: - بما صح عن ابن عباس وابن عمر: أنهما أفتيا المرضع والحامل بذلك: بأن يطعما.

стр. 974

وأما القضاء: - فقياساً على المريض. لأن الحامل والمرضع تشبه من حيث الحقيقة المريض. = القول الثاني: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا بسبب الجنين لا يجب عليهما إلا الإطعام فقط. واستدلوا: - بأنه صح عن ابن عمر وابن عباس أنه ليس على المرأة المرضعة والحامل إذا أفطرت إلا الإطعام دون القضاء ونصوا ﵃ بالفتوى أن الواجب الإطعام دون القضاء. وهذا صحيح وإسناداً ثابت صححه الدارقطني وغيره. وأما مارواه البيهقي عن ابن عمر أنه قال لها: - أي المرأة السائلة - أطعمي واقضي فهو أثر منكر. فالثابت عنهما الإفتاء بالإطعام دون القضاء. = القول الثالث: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنه لا يجب عليهما لا إطعام ولا قضاء. وهذا مذهب ابن حزم ﵀. واستدل على هذا: - بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ وضع عن المسافر والحامل والمرضع الصيام. قال ابن حزم فإذا أجاز الشارع لها أن تفطر فلا يترتب على هذا لا قضاء ولا إطعام. = والقول الرابع - والأخير -: وهو مذهب الجمهور وأكثر أهل العلم وحوب القضاء دون الإطعام. أما وجوب القضاء: - فقياساً على المريض. وأما عدم وجوب الإطعام فلدليلين: - الأول: أنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على وجوب الإطعام. - الثاني: أنه في قول ابن عباس وضع رسول الله ﷺ عن المسافر والمرضع والحامل الصوم لم يذكر وجوب الإطعام. والراجح والله أعلم. وجوب القضاء والإطعام. قال شيخ الاسلام ﵀: صح الإطعام عن ثلاثة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس. وإذا صح عن ثلاثة من فقهاء الصحابة إلزام المرأة بالإطعام فإنه يصعب الخروج عن هذا. وهذا القول اختيار شيخ الاسلام في أكثر من كتاب من مصنفاته. وهو مذهب الإمام أحمد الاصطلاحي والشخصي وهو مذهب الإمام الشافعي. وهذا القول قوي بسبب الآثار الصحيحة الثابتة التي ليس لها مخالف ولا دافع سواء: - قلنا أن هذه الفتوى مما لا مدخل للرأي فيها وهذا محتمل لأنه قد يقال أنه يبعد أن ابن عباس وابن عمر يلزمون المرأة بالإطعام بلا دليل ولا مستند عن النبي ﷺ .

стр. 975

- أو قلنا أنه فتوى صحابي ليس له مخالف فيشبه أن يكون إجماع ثلاثة من الصحابة يفتون بهذا الأمر فأيضاً هذا كافي في أن يذهب الإنسان إلى هذا المذهب. فنقول: يجب على المرأة إذا أفطرت بسبب الجنين أن تقضي هذا اليوم وأن تطعم. • ثم قال ﵀: ومن نوى الصوم ثم جن، أو أُغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءاً منه: لم يصح صومه. أي أذا نوى الصوم من الليل ثم جن أو أغمي عليه في جميع النهار: يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فإن الصيام باطل ولا يصح: - لقول النبي ﷺ [أن الله تعالى يقول - في الحديث القدسي]: (كل عمل ابن له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي). ومن أغمي عليه أو جن لا ينسب إليه أنه قصد ترك الطعام ولا الشراب. فلا يعتبر من الصائمين. وفهم من عبارة المؤلف أن المغمى عليه لو استيقظ في أي جزء من النهار صح صومه وكذلك لو أفاق المجنون في أي جزء من النهار صح صومه سواء أفاق - المجنون أو المغمى عليه - من أول النهار أو من آخره. - لأنه قصد الإمساك في جزء من وقت العبادة فصحت عبادته. • ثم قال ﵀: لا إن نام جميع النهار. أي فيصح صومه. وصحت صوم النائم في جميع النهار محل إجماع لأمرين: - الأول: أن النوم عادة فلا تبطل الصيام. - والثاني: لأن النائم لا يفقد الإحساس بالكلية كما في الإغماء والجنون. وللإجماع الذي ذكرته فلا إشكال إن شاء الله في مسألة النائم. فلو نام الإنسان من قبل أن يطلع الفجر الثاني إلى أن غابت الشمس ولم يستيقظ أبداً فصومه صحيح. • ثم قال ﵀: ويلزم المغمى عليه: القضاءُ فقط. فقط: أي دون المجنون. فالمسألة الأولى: أن المغمى عليه يجب عليه أن يقضي الصيام: أي في الحال التي لا يصح فيها صومه كما إذا أغمي عليه جميع النهار. - لأن زوال العقل بالنسبة له ليس زوالاً كلياً فلا يرفع التكليف. - ولأنه لا يتأخر عادة أي لا يطول. فإذاً المغمى عليه يجب عليه أن يقضي إذا استيقظ. المسألة الثانية: المجنون. المجنون ينقسم إلى قسمين:

стр. 976

- الأول: أن يكون مجنوناً طول النهار: أي من أول اليوم إلى آخره: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا لا يجب عليه أن يقضي هذا اليوم. لقول النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة) قال: (والمجنون حتى يفيق). والمرفوع عنه القلم ليس من المكلفين فلا يجب عليه أن يقضي لأنه لم يثبت في ذمته وجوب العبادة أصلاً. - الثاني: أن يصحو في جزء من النهار ويجن في جزئه الآخر. فهذا يجب عليه عليه أن يقضي. لأنه أدرك جزءاً من العبادة فوجبت في ذمته. فإذاً المجنون فيهه هذا التفصيل الذي ذكرته. • ثم قال ﵀: ويجب تعيين النية من الليل: لصوم كل يوم واجب لا نية الفريضة. يعني: أنه يجب: = عند الحنابلة أن يعين الإنسان النية في الليل. ومقصود الحنابلة بالتعيين: أن ينوي أنه يصوم من رمضان أو من قضائه أو من نذره وإنما الواجب أن يعين ما هو الصيام الذي سيصومه؟ وإذا نوى نية التعيين فلا يجب عليه أن ينوي نية الفريضة لقوله ﵀: (لا نية الفريضة). والتعليل: - أن نية التعيين تغني عن نية الفريضة. فلو نوى الإنسان أنه غداً سيصوم قضاء عليه أو من نذره أو من رمضان فلا يشترط مع ذلك أن ينوي أنه يصوم فريضة من فرائض الله. بل يكتفي بالتعيين. - الدليل: - الدليل على وجوب التعيين والنية - في الجملة: - الأول: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) أي: أن الأعمال إنما تعتبر وتصح وتقبل بالنية. - الثاني: قوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). وهذا الحديث فيه خلاف في إثباته وتعليله. ولعل الأقرب إن شاء الله أنه موقوف. لكن كما هو ظاهر: أن مثل هذا الحكم يبعد جداً أن يقوله الصحابي من تلقاء نفسه بل يجزم الإنسان أن له حكم الرفع لأن فيه جزماً بإبطال عبادة مع تعيين وقت محدد لنية هذه العبادة وهو الليل فالغالب أنه مرفوع. = القول الثاني: أن الصيام إذا كان متتابعاً سواء كان صيام رمضان أو كفارة الجماع في نهار رمضان أو كفارة قتل الخطأ أو أي صيام يشترط فيه التتابع أنه يكتفى فيه بالنية في أوله ولا يجب أن ينوي في كل يوم. واستدل هؤلاء:

стр. 977

- بقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهذا المسام نوى أن يصوم كل رمضان حين دخل الشهر. والفقهاء متفقون على أن الواجب استمرار النية حكماً لا حقيقة. وهذا استمرت نيته حكماً وإن لم تستمر في بعض المواضع حقيقة فيما لو نسي أو نام. ويشترط على هذا القول: أنه إذا جن أو أغمي عليه أو عرض له أي عارض أن يجدد النية. وكذلك لو أفطر بسبب لا يقطع التتابع فيجب عليه أن يجدد النية لأن النية الحكمية انقطعت هنا. وهذا القول الثاني: أقرب إن شاء الله. وثمرة الخلاف تقريباً في مسألة واحدة: وهي: في الشخص الذي ينام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. أي الذي ينام في كل الليل فإن هذا لم يبيت الصيام من الليل فهذا: = عند الجمهور: صيامه باطل. لأنه لم ينو في الليل. = وعلى القول الثاني: صيامه صحيح. ومن هنا تعلم خطورة ما يصنعه بعض الشباب من النوم طيلة الليل فإن هذا يعرض صيامه للبطلان عند جماهير أهل العلم الذين يستندون على نص صحيح عند المتأخرين وحكم بعضهم عليه بالوقف وهو: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) ففي عمله هذا خطورة عظيمة جداً. • ثم قال ﵀: ويصح النفل: بنية من النهار هذه المسألة كالتقييد للمسألة السابقة: وهي: أنه يجوز للإنسان أن يصوم ولو في أثناء النهار إذا كان الصيام نفل. واستدل الحنابلة على هذا: - بما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ دخل على عائشة فقال: (أعندك طعام قالت لا:. قال: إني إذاً صائم). فصام ﷺ في أثناء النهار لما كان الصيام نفلاً. = والقول الثاني: أنه لا يجوز صيام النفل إلا بنية. - لعموم حديث: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). والراجح مع الحنابلة. لأن حديثهم مخصص لعموم هذا الحديث. مسألة: = ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأجر يترتب من النية فقط. وما سبق من اليوم فإنه لا أجر له عليه. واستدلوا على هذا: - بأن الأجر يترتب على العبادة والعبادة لا يمكن أن تصح إل بنية والنية لم تأت إلا في أثناء اليوم. = والقول الثاني: أنه إذا صام في أثناء النهار فإن له أجر يوم كامل.

стр. 978

- لأن الصيام في الشرع لا يكون في بعض النهار وإنما يكون في يوم كامل. فإذا صححنا صيامه فله الأجر كاملاً. والصواب مع القول الأول: وهو مذهب الإمام أحمد. لأنه لا يمكن أن يثاب الإنسان بلا نية. مسألة: يشترط لصحة صيام التطوع في أثناء اليوم أن لا يأتي بمفسد للصيام في صدر النهار سواء كان أكل أو شرب أو جماع أو أي مفسد من مفسدات الصيام. فإن أتى به فلا صيام له ولو نواه في أثنائه. • ثم قال ﵀: قبل الزوال وبعده. يعني: أنه يصح أن يصوم في أثناء النهار سواء كانت النية جاءت بعد الزوال أو قبل الزوال. واستدل الحنابلة على هذا: - بعموم حدبث عائشة. فإنه لم يفصل بين أن تكون هذه النية بعد أو قبل الزوال. = والقول الثاني: أنه إن كان بعد الزوال لم يصح صيامه. واستدلوا على هذا: - بأن غالب النهار ذهب. وإذا ذهب غالب العبادة لم تحتسب. بدليل أن الإنسان إذا أدرك ركعة من الصلاة حسبت له هذه الركعة وإذا أدرك ما بعد الركعة لم تحسب له هذه الركعة. فدل على هذا التفصيل. وهذا القول الثاني ك مجرد رأي لا قيمة له - من وجهة نظري - في مقابلة النص الصريح الذي لم يفرق بين أن يكون بعد الزوال أو قبل الزوال. نعم. ليس في حديث عائشة ما يدل على أن دخوله ﷺ كان قبل أو بعد لكن هذا لا يؤثر في قوة الاستدلال بعموم الحديث. ثم أيضاً المعنى: إذا كان الشارع صحح الصيام في أثناء النهار وسيحسب له الأجر من حين النية فما الفرق بين أن يكون قبل أو بعد الزول؟ إلا تعليلات عقلية لا قيمة لها. • ثم قال ﵀: ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي: لم يجزئه. يعني: إذا قال الإنسان إن كان غداً من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل ثم صار من رمضان فإنه لا يجزأه = عند الحنابلة. ومعلوم أن هذا يتصور في اليوم الأول. واستدل الحنابلة: - بأنه في هذه الصورة فقد شرط التعيين الجازم لأن هذا الرجل متردد. وتقدم أنه يشترط أن يعين جازماً. = والقول الثاني: أن صيامه صحيح ويجزأه عن رمضان. - لأن التردد في هذه الصورة ليس في النية وإنما في الواقع. يعني: أنه يتعلق بالواقع لا بالنية. أما هو فهو جازم إن كان من رمضان فهو صائم.

стр. 979

وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله. فإذا فعله الإنسان فإنه يجزئ عنه من رمضان إن شاء الله. • ثم قال ﵀: ومن نوى الإفطار: أفطر. من نوى الإفطار أفطر ولو لم يأكل. والدليل على هذا: - أن استصحاب النية حقيقة أو حكماً شرط لصحة العبادة وهذا قطع النية فبطلت العبادة. فإذا نوى الإنسان أنه أفطر فقد أفطر وبطل صيامه. مسألة: ليس من ذلك أن ينوي أنه سيفطر. وهذه تقع كثيراً عند الناس ولا يفرقون بين نية الفطر ونية أنه سيفطر. فإذا نوى أنه سيفطر فإن صيامه صحيح إلى أن يفطر لأنه لم ينوي الفطر وإنما نوى أنه سيفطر كما لو قال: سأفطر إذا جاء زيد. أو سأفطر بعد ساعة. فهذا صيامه صحيح لأنه لم يقطع النية. وإذا قال: سأفطر بعد ساعة فإذا مضت الساعة فإن نوى الفطر أو أفطر حقيقة بطل صيامه وإلا فهو صحيح ويبقى على نيته الأولى ولا يؤثر أنه نوى أنه سيفطر. باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة . • ثم قال ﵀: باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة. هذا الباب مخصص لمفسدات الصيام. ومفسدات الصيام هي: كل ما ينافي الصيام ويبطله. فهو من المفسدات. وما يفسد الصيام ينقسم إلى قسمين: - الأول: ما يبطل الصيام مع كونه مجزأ وهو بهذا المعنى يذهب بالأجر علن الصائم. ومثاله: من يتعاطى الشتم والسب ولا يتأدب بآداب الصيام وهوصائم. فهذا صومه مجزيء لكن يصح أن نقول لاصيام لك يعني: لا أجر لك. - الثاني: المفسد للصيام أي المبطل الذي يترتب عليه وجوب القضاء. وهو المقصود في هذا الباب. • قال ﵀: من أكل أو شرب ... إلى أن قال: فسد صومه. الأكل والشرب مفسد للصيام إذا كان مغذياً بإجماع أهل العلم. - أولاً: لقوله ﷺ : (يدع طعامه وشرابه). فدل على أن من شأن الصائم أن يدع الطعام والشراب وإلا فليس بصائم. - ثانياً: قوله تعالى: - (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) -[البقرة/١٨٧] القسم الثاني: ما يؤكل مما لا يغذي فهذا يبطل الصيام: = عند الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف. كأن يبلع حصانة أو درهماً أو تراباً أو نجو ذلك مما لا يغذي.

стр. 980

= والقول الثاني: وهو مذهب لبعض المالكية والحسن بن صالح ونصره شيخ الاسلام: أن من أكل ما لا يغذي فإنه لا يفطر. واستدلوا بدليلين: - الأول: أن الأكل والشرب إذا أطلق في اللغة وفي العرف وفي الشرع ينصرف إلى الأكل المعروف الذي يتغذى به الجسد. ولا ينصرف إلى ما لا يؤكل عاجة ولا يغذي. ولذلك: لما أراد الخليل بن أحمد أن يعرف الأكل قال: والأكل معروف. يعني: الذي يطعم وينتفع الجسم منه. - الثاني: أن علة التفطير التي تعقل من نصوص الشارع هي ما يتقوى به الجسد ويستمد منه الطاقة والنشاط دون ما ليس كذلك. فإن هذا هو المعى المعقول الذي يناسب أن يكون علة للنصوص. وهذا القول الثاني من حيث الأدلة هو القول الصحيح. وهو قول قوي جداً ويتناسب مع نصوص الشرع. بناء على هذا إذا بلع الإنسان حصاة فإن صيامه باطل عند الجماهير وصحيح عند من ذكرت. • ثم قال ﵀: أو استعط. السعوط هو ما يصل إلى الجوف من خلال الأنف فإذا وصل إلى الجوف ماء أو غيره مما يغذي من طريق الأنف بطل الصيام. - لقول النبي ﷺ : (بالغ في الا ستنشاق إلا أن تكون صائماً). فدل الحديث على أن الأنف من المنافذ التي إذا وصل المعدة من خلالها ما يطعم أبطل الصيام. وهذا لا إشكال فيه وهو واضح. • ثم قال ﵀: أو احتقن. الاحتقان لغة: هو الاحتباس. واصطلاحاً: هو تعاطي الدواء في الدبر بالحقنة. = وذهب الجماهير إلى أن الحقنة تفطر الصائم. - لأنها إدخال مادة إلى الجوف. = والقول الثاني: أن الاحتقان لا يفطر وإليه ذهب بعض أهل العلم ونصره شيخ الاسلام ﵀ واستدل بدليلين: - الأول: أن ما يحصل بالحقنة الشرجية هو استفراغ ما في البدن لا إدخال القوة والنشاط إليه فكيف يفطر الصائم بذلك؟ وهذا عكس ما يقوله الجمهور الذين يقولون هو إدخال مادة إلى الجوف. - الثاني: أن الاحتقان في الدبر لا يفيد الجسم وليس من الغذاء لا لغة ولا شرعاً. فلا يسمى المحتقن آكل ولا شارب لا عرفاً ولا شرعاً. والصواب التفصيل وهو:

стр. 981

- أنه إذا احتقن الإنسان في الأمعاء الغليظة وانت المادة المحقونة فيها ماء أو مواد غذائية فإنه يفطر لأن الأمعاء الغليظة من الأماكن التي يمتص فيها الماء والغذاء. فإذا امتصت الماء أو الغذاء تقوى الجسد وهذا سبب الفطر. - وإن حقن في الدبر أدوية ليس فيها ماء ولا غذاء: إن تصور هذا - فإنها لا تسبب الفطر. هذا القول هو الصواب وأظن أن شيخ الاسلام لو علم من خلال الطب الحديث أن الأمعاء الغليظة محل لامتصاص الماء لم يتوقف في التفطير - أظن هذا - وعاى كل حال سواء صار هذا أو لم يصر فالصواب أنه إذا دخل ماء أو مواد غذائية أن الإنسان يفطر. وفي الغالب لن يخلو من ماء لأن المقصود من الحقنة الشرجية التنظيف أو خفض الحرارة أو غيره من الأغراض. وفي الغالب مع ذلك إلى الماء فلابد من الماء. فإذا حقن بماء فهو يفطر وعليه أن يقضي هذا اليوم لأن الأمعاء ستمتص هذا الماء. • ثم قال ﵀: أو اكتحل بما يصل إلى حلقه. إذا اكتحل بما يصل إلى حلقه يعني: بما يستطعم حلقه فإنه يفطر. واستدلوا على هذا: - بأن النبي ﷺ نهى عن الإثمد للصائم. وهذا الحديث ضعيف جداً. = واالقول الثاني: أن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه. - لأن الاكتحال ليس بأكل ولا شرب ولا يحصل للجسد منه أي نوع من أنواع النشاط والتقوية فلا سبب شرعي للتفطير به. وهذا هو الصواب. أن الكحل لا يفطر. لعدم وجود المقتضي الدال على التفطير به. • ثم قال ﵀: أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله. أراد المؤلف ﵀ في نهاية المسائل التي يفطر بها الإنسان أن يقعد قاعدة وهي تتعلق بما يوجب الفطر من الأشياء التي تدخل البدن. لو لاحظت معي: فإن المؤلف ﵀ قسم المفطرات إلى قسمين: - مفطرات تدخل البدن. - ومفطرات تخرج من البدن. فالقسم الأول: المفطرات التي تدخل البدن - لاحظ معي في المتن -: الأكل والشرب والاستعاط والاحتقان والاكتحال فهذه تدخل البدن. والقسم الثاني: المفطرات التي تخرج من البدن وهي في قوله: استقاء استمنى باشر أنزل ... الخ. فالمؤلف يريد الآن أن يقرر قاعدة للأشياء التي تفطر إذا دخلت:

стр. 982

• فقال ﵀: أو أدخل إلى جوفه شيئاً. إذاً قاعة المذهب: أن كل ما يدخل إلى الجسد إلى جوف فيه يصل إلى المعدة فإنه يفطر. سواء دخل من المدخل المعتاد كالفم أو من غير المعتاد كما ذكر الأنف والعين أو الجاحات والجروح الغائرة أو من أي منفذ. وسواء كان هذا الداخل مما يتغذى به الجسم أو مما لا يتغذى به الجسم. ففي الجميع يجب على من دخل إلى جوفه مما يصل إلى المعدة شيء أن يقضي ذلك اليوم. هذه هي قاعدة المذهب. = والقول الثاني: - من حيث القاعدة - أنه لا يفطر شيء مما يدخل البدن إلا ما يدخل إلى المعدة أو إلى موضع يمكن أن تمتص منه المواد الغذائية والماء سواؤ كان من المدخل الطبيعي وهو الفم أو من غيره من المداخل بشرط أن يكون الداخل مغذياً. ((إذاً مرة أخرى كل ما يدخل إلى ما ينتفع به الجسم أو يمكن أن يمتص فيه مما يغذي)). وفي الحقيقة ما يمكن أن ينتفع به الجسم هما موضعين فقط: المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة فقط. وباقي الأشياء التي في البدن مما يدخلها مواد لا يمكن أن ينتفع بها الإنسان من حيث القوة والنشاط. يضاف إلى مسألة المعدة والأمعاء الغليظة والدقيقة فقط مسألة المغذيات التي تدخل للدم. فهذه تفطر لأنها في معنى الطعام والشراب وفيما عدا الإبر المغذية الضابط: ما يدخل إلى المعدة أو الإثنا عشر الغليظ أو الدقيق مما ينتفع به الجسم فهذا هو الضابط. • ثم قال ﵀: غير إحليله. = ذهب الجمهور. إلى أن ما يدخل الإحليل فإنه لا يسبب الفطر. واستدلوا على هذا: - بأنه ليس بين الإحليل والجوف منفذ. وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب لأنه أولاً ليس بين الإحليل والجوف منفذ. ثانياً: أن ما يوضع في الإحليل لا يمكن أن يسبب نشاطاً ولا قوة للجسم. - ثم هو ليس في معنى الطعام ولا في معنى الشراب. • ثم قال ﵀: أو استقاء. استقاء يعني: قاء عمداً. فمن قاء عمداً وجب عليه أن يقضي هذا اليوم. وحكى عدد من أهل العلم الإجماع على هذا الحكم منهم الخطابي وغيره - عدد من أهل العلم حكوا الإجماع. واستدلوا على هذا الحكم:

стр. 983

- بحديث: أبي هريرة: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء) وهذا الحديث معلول والصواب أنه موقوف. ((الأذان)). والصواب ما عليه الجماهير الذي حكي إجماعاً أن من استقاء عمداً فعليه القضاء: - أولاً: للإجماع المحكي. - وثانياً: للآثار الموقوفة عن أبي هريرة وابن عمر ﵄. ومن ذهب إلى أنه لا يفطر فقوله ضعيف بمقابل ما عليه جماهير أهل العلم أو حكي إجماعاً. انتهى الدرس

стр. 984

قال شيخنا حفظه الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. مازال المؤلف ﵀ في سياق الكلام عن الأشياء التي إذا خرجت من البدن سببت فساد الصوم فذكر منها من استقاء عمداً وتحدثنا عنها في الدرس السابق. • ثم قال ﵀: أو استمنى. الاستمناء هو: استدعاء المني باليد أوم بغيره مما يستدعى به المني. فإذا استدعى المني بأي طريقة كانت فهو ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: أن لا ينزل. فإن لم ينزل فعمله محرم وصيامه صحيح. - القسم الثاني: أن ينزل. فإن أنزل فإن صومه يفسد. واستدل العلماء على فساد الصوم بالإستمناء بدليلين: - الأول: أنه إذا كان الصوم يفسد بالقبلة التي تؤدي إلى الإنزال فبالإستمناء من باب أولى. - الثاني: قوله ﷺ : (يدع شرابه وطعامه وشهوته) وهذا لم يدع شهوته. = والقول الثاني: أن الصيام لا يفسد وإليه ذهب الظاهرية. وذكروا أنه لادليل على فساد الصوم. والصواب أن الصوم يفسد وسيأتينا مزيد إيضاح في مسألة المباشرة. لأنهم قاسوا الإستمناء على المباشرة - كما سمعتم -. • قال ﵀: أو باشر فأمنى ... فسد. المباشرة يقصد بها: أن يباشر امرأته بما دون الفرج. فالمباشرة والتقبيل واللمس حكم هذه الثلاث مسائل واحد. = فذهب الجماهير من السلف والخلف وحكي إجماعاً أن الإنسان إذا باشر أوقبل أو لمس فأنزل فإن صيامه يفسد. واستدلوا على هذا بأدلة: - الأول: قوله ﷺ : (يدع شرابه وطعامه وشهوته) فإنه لم يدع شهوته.

стр. 985

- الثاني: ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه. يعني يملك نفسه وشهوته عن الإنزلاق إلى المحرم. وجه الاستدلال: أن مفهوم حديث عائشة أن من لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يقبل أو يباشر لأن هذا يؤدي إلى الإنزال الذي يؤدي إلى فساد الصوم. - الثالث: القياس على الجماع. ووجه القياس: أن غاية ما يطلب في الجماع الإنزال. وقد حصل له بالمباشرة أو التقبيل. وقد حكى ابن قدامة الإجماع فيصلح أن نجعله أيضاً دليلاً. ولم يخالف إلا الظاهرية وهم أصحاب: = القول الثاني: فذهبوا إلى أنه لا يفسد الصيام إلا بالجماع لعدم الدليل. وقد سمعت الأدلة. - - مسألة: فإن باشر أو قبل أو لمس ولم ينزل فالصواب أن هذا جائز إذا أمن نفسه. وفي المسألة - مسألة مباشرة الصائم أقوال هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه مفهوم حديث عائشة المتقدم. واعلم أن هذه المسألة كالأصل لمسائل الإنزال والمباشرة. فأخذنا قبل قليل أن مسألة الاستمناء باليد أو بغيرها تقاس على مسلة التقبيل والآن هذه المسائل - المباشرة والتقبيل واللمس - وهذا الخلاف الذي حكيناه في المباشرة يعتبر كالقاعدة لمسائل التعامل مع الزوجة فيما يتعلق بالشهوة. • ثم قال ﵀: أو أمذى. إن باشر فأمذى ولم ينزل فسد صيامه أيضاً. والدليل على ذلك: - القياس على المني. ووجه القياس: أن في كل منهما خروج السائل بشهوة. = والقول الثاني: أن المذي لا يوجب فساد الصوم. - لأن المذي ليس كالمني , بدليل وجوب الغسل في المني دون المذي فلا يصح أن نلحق المذي به. وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وهو الصواب إن شاء الله. فإذا باشر الإنسان فأمذى فإن صومه صحيح. إلا عند الحنابلة فإن صومه فاسد على ما سمعت من الخلاف والترجيح. • ثم قال ﵀: أو كرر النظر فأنزل. = ذهب الحنابلة إلى أن الصائم إذا كرر النظر على سبيل الشهوة فأنزل فإن صيامه يبطل. واستدلوا على هذا: - بأن تكرير النظر يشبه المباشرة في استدعاء المني. فأفسد الصيام كالمباشرة. ولهذا قلت لكم أن المباشرة أصل في مسائل هذا الباب.
следующие страницы →