← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الطعن واللعن الجاري بتأويل سائغ أو غير سائغ , كالتكفير والتفسيق ونحو ذلك) اهـ (١). وقال شيخ الإسلام، الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (وإن كانت المظلمة بقدح فيه، بغيبة أو قذف: فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه؟ أو إعلامه بأنه قد نال من عرضه، ولا يشترط تعيينه، أو لا يشترط لا هذا ولا هذا، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله من غير إعلام مَنْ قذفه واغتابه؟ على ثلاثة أقوال، وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف، هل يشترط في توبة القاذف: إعلام المقذوف، والتحلل منه أم لا؟ ويخرَّج عليهما توبة المغتاب والشاتم. والمعروف في مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك: اشتراط الإعلام والتحلل، هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم. والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي: فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه. ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول؛ شَرَطَ إعلامه بعينه، لا سيما إذا كان مَنْ عليه الحق عارفًا بقدره، فلابد من إعلام مستحقه به، لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره. واحتجوا بالحديث المذكور، وهو قوله ﷺ : " من كان لأخيه عنده مظلمة -من مال أو عرض- فليتحلله اليوم ". قالوا: ولأن في هذه الجناية حقين: حقًا لله، وحقًا للآدمي، فالتوبة منها

стр. 107

بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه. قالوا: ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه، إن شاء اقتص، وإن شاء عفا، وكذلك توبة قاطع الطريق. والقول الآخر: إنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدِّل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وقذفَه بذكر عِفَّته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه. وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، قدس الله روحه. واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة؛ فإنه لا يريده إلا أذىً وحنقًا غمًا، وقد كان مستريحًا قبل سماعه، فإذا سمعه؛ ربما لم يصبر على حمله، وأورثته ضررًا في نفسه أو بدنه، كما قال الشاعر: فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يُقَل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه، فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربما كان إعلامه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له أبدًا، ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولِّدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم والتعاطف والتحابب. قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين: أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنه

стр. 108

محض حَقّه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه، ولم تُهِج منه غضبًا ولا عداوة، بل ربما سَرَّه ذلك، وفرح به، بخلاف إعلامه بما مَزَّق به عرضه طول عمره ليلاً ونهارًا، من أنواع القذف والغيبة والهجو، فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد، وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت، والله أعلم) اهـ (١). وقال ﵀ في موضع آخر: (وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحلله؟) قال: (والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار له، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره) قال. (والذين قالوا: " لا بد من إعلامه " جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر، فإن في الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها، وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصد الشارع، فإنه يوغر صدره، ويؤذيه إذا سمع ما رُمي به، ولعله يهيج عداوته، ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله فالشارع الحكيم لا يبيحه، ولا يجيزه فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها) (٢) اهـ. * * *

стр. 109

استحباب الإبراء من الغيبة ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه: (يُستحب لصاحب الغيبة أن يبرئ المغتاب منها، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته (١)، ولكن يستحب له استحبابًا مؤكدًا الإبراءُ ليخلِّص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وطريقه في تطييب نفسه بالعفو أن يذكِّر نفسه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوّت ثوابه، وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، الآية، والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " والله في عون العبد ما كان

стр. 110

العبد فى عون أخيه " (١)، وقد قال الشافعي ﵀: " من استُرضي فلم يَرْضَ فهو شيطان "، وقد أنشد المتقدمون: قيل لي: قد أساء إليك فلان ... ومُقام الفتى على الذلِّ عارُ قلت: قد جاءنا وأحدث عذرًا ... دية الذنب عندنا الاعتذار فهذا الذي ذكرنا من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب) (٢) اهـ. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ قطُّ من صدقة، فتصدَّقوا، ولا عفا رجلٌ عن مظلمة ظُلِمها إِلا زاده الله تعالى بها عِزًا، فاعفوا يَزِدْكم الله عِزًا، ولا فتح رجل على نفسه بابَ مسألةٍ يسألُ الناسَ، إِلا فتح الله عليه بابَ فقر " (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " ارحموا تُرْحَموا، واغفروا يغفر الله لكم، وويل لأقماع (٤) القول، وويل للمُصِرِّين، الذين يُصِرون على ما فعلوا وهم يعلمون " (٥). وعن جرير ﵁، قال رسول الله ﷺ : " من لا يَرحم لا يُرحم،

стр. 111

ومن لا يغفر لا يُغفر له، ومن لا يتب لا يتب الله عليه " (١). قال منصور الفقيه: وقال نبينا فيما رواه ... عن الرحمن في علم الغيوب مُحالٌ أن ينالَ العفوَ من لا ... يَمُنُّ به على أهل الذنوب (٢) وعن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو مرفوعًا: " الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " (٣). وقال إبراهيم التيمي: " إن الرجل ليظلمني، فارحمه " (٤). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: " يا عقبة بن عامر! صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمَّن ظلمك " (٥). وإبراء المغتاب إذا جاء نادمًا معتذرًا يشمله عموم قول رسول الله ﷺ : " من أقال مسلمًا، أقال الله تعالى عثرته " (٦). ونقل المناوي عن ابن عبد السلام قوله: " إقالة النادم من الإحسان المأمور

стр. 112

به في القرآن " (١). والجزاء من جنس العمل، قال الشاعر: أقِلنِي أقالك من لم يَزَلْ ... يَقيكَ ويصرفُ عنك الردى وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يَجزيءُ بالسيئة، ولكن يعفو، ويصفح " (٢). وعن الحسن بن علي ﵄ قال. " لو أن رجلاً شتمني في أذني هذه، واعتذر إليَّ في أذني الأخرى؛ لقبلت عذره " (٣). العبد يذنب والمولى يقومه ... والعبد يجهل والمولى يعلِّمه إني ندمت على ما كان من زللي ... وزلة المرء يمحوها تندمه وروى الخلال عن الحسن قال: " أفضل أخلاق المؤمن العفو " (٤). وقال الإمام أحمد بعد المحنة: (كل من ذكرني ففي حِل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني المعتصم- في حل، ورأيت الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مِسْطح، قال أبو عبد الله: " وما ينفعك أن يعذِّب الله أخاك المسلم

стр. 113

في سببك؟ " (١). وقال الأحنف: " إن اعتذر إليك معتذر؛ تلقَّه بالبشر ". وقال عبد القاهر بن طاهر التميمي: يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترفْ ... ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف أبشر بقول الله في آياته ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (٢) وقال الخليفة المنتصر بالله لما عفا عن أبي العَمرَّد الشاري: " لذة العفو أعذب من لذة التشَفِّي، وأقبح فعال المقتدر الانتقام " (٣). وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته -أي الإمام البخاري- يقول لأبي معشر الضرير: " اجعلني في حِلّ يا أبا معشر "، فقال: " من أي شيء؟ "، قال: " رويتُ يومًا حديثًا فنظرتُ إليك، وقد أُعجِبتَ به، وأنت تحرك رأسك ويدك، فتبسَّمتُ من ذلك "، قال: " أنت في حِلٍّ، رحَمك الله يا أبا عبد الله " (٤). وقال عبد الله بن محمد بن زياد: كنت عن أحمد بن حنبل، فقال له رجل: " يا أبا عبد الله! قد اغتبتك، فاجعلني في حِلٍّ " , قال: " أنت في حل إن لم تعد "، فقلت له: " أتجعله في حِلٍّ يا أبا عبد الله، وقد اغتابك؟ " قال: " ألم ترني اشترطتُ عليه؟! " (٥).

стр. 114

لطيفة كتب القاضي شرف الدين ابن المقري، صاحب " الروض " إلى أبيه، وقد قطع نفقته: لا تَقْطَعَنْ عادةَ بِرٍّ ولا ... تجعلْ عتابَ المرء في رزْقه فإن أمرَ الإفك من مِسْطحٍ (١) ... يَحُطُّ قَدْرَ النجَمِ مِن أَفْقَه وقد جرى منه الذي قَد جرى ... وعُوتبَ الصِّدِّيقُ في حَقِّه فأجابه والده مبيناً له سبب ذلك المنع: قد يُمْنَعُ المُضْطَرُّ من مَيْتةٍ ... إذا عَصَى بالسَّيْر في طُرْقه (٢) لأنه يَقْوَى علىَ توبةٍ ... تُوجبُ إيصالَاً إلى رِزْقَه لو لم يَتُب من ذَنْبِهِ مِسْطَحٌ (٣) ... ما عُوتِبَ الصِّدِّيقُ (٤) في حَقِّه (٥)

стр. 115

كيف التخلص من داء الغيبة ؟ لو كانت الأخلاقُ صفاتٍ لازمةً، لا يمكن الإنسانَ تغييرُها ولا تبديلها ولا تهذيبها، لما أمر الشرع بالتخلي عن الأخلاق المرذولة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، قال تعالى: (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فلا تكليف إلا بمقدور، ولا تكليف بمستحيل، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس ٩: ١٠]. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطَه، ومن يتوقَّ الشر يوقَّه " (١)، وعن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله " (٢)، ومن هذا الجهاد جهاد " شهوة " الكلام؛ وذلك ببذل أقصى الوسع وغاية الجهد لصيانة اللسان، وكفه عن أذى الخلق. وقد مر بك في الفصول السابقة كيف يعالج داء الغيبة بوسائل نعيد إجمالها والزيادة عليها، فمن هذه الأسباب: الأول: علاج الأسباب التي تفضي إِلى الغيبة: لأن علاج كل علة بمضادة أسبابها، ومن أسباب الغيبة: ١ - الحسد: الذي يدعو صاحبه إلى التشفي والانتقام بالقدح في الآخرين وانتقاصهم.

стр. 116

وعلاجه: بأن يعلم أن الحسد من أخلاق اللئام، يتنزه عنه الكرام، قال ﷺ : " لا يجتمعان في قلب عبدٍ: الإِيمان والحسد " (١)، ويعلم أن الحسد سوء أدب مع الله، واعتراض على قضائه، وأنه بالغيبة لا يضر إلا نفسه، أما المحسود فهو مظلوم، ثم يستحضر ثواب الإمساك عن الشر والغيبة، ويستبدل ذلك بالدعاء له بالبركة. ٢ - المجاملة: بأن يوافق جلساءه، ويشاركهم الغيبة كيلا يستثقلوه إذا هو أنكر عليهم، فيحسب ذلك من حسن المعاشرة. وعلاج هذا السبب بأن يستحضر قول رسول الله ﷺ : " من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله الناس، ومن أسخط الله برضى الناس؛ وكله الله إِلى الناس " (٢). ٣ - إِرادة المغتاب أن يمدح نفسه: عن طريق تنقيص غيره، كأن يقول: " فهمه ركيك .. جاهل .. يعمل للدنيا " .. وعلاج ذلك بأن يتذكر قوله ﷺ : " بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم " (٣). ويعلم أنه ما دفعه إلى ذلك إلا العُجب والغرور، عن أنس ﵁: " لو لم تكونوا تذنبون، لَخِفْتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجبَ العجبَ " (٤).

стр. 117

٤ - المدح: فيذكر عيوب الناس، أو يحاكي أفعالهم، ليُضْحِكَ جلساءه عليهم، قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: (وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح؛ لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء) اهـ (١). وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: لي صاحبٌ ليس يخلو ... لسانُه عن جراح يجيد تمزيق عِرضي ... على سبيل المزاح (٢) ٥ - التنافس على الدنيا: فيذم زملاءه لدى المسئولين ليرتفع في نظرهم أو يترقى إلى منصب أعلى. ٦ - الحزبية والعصبية الجاهلية: بين بعض الجماعات العاملة في ساحة الدعوة، وهو " جَرَب الجماعات الإسلامية " وأخطر ما فيها اختفاء الغيبة والنميمة وراء دعوى " مصلحة الدعوة "، وتصوير الخوض في أعراض المخالفين على أنه " عبادة " يُتقرب بها إلى الله ! ٧ - الفراغ: وما ينشأ عنه من وحشة وسآمة وملل، فيستهلك وقته بالغيبة وتتبع عورات الناس، وعلاجُه في قول الحسن ﵀: " نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل ". الثاني: الاشتغال بعيوب نفسه عن عيوب الناس: أن يتدبر في نفسه، قإن وجد فيها عيبًا اشتغل بعيب نفسه، ومهما وجد

стр. 118

العبد عيبًا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره، بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه، وهذا إن كان ذلك عيبًا يتعلق بفعله واختياره، وإن كان أمرًا خِلْقيًا فالذم له ذمٌ لخالقه، فإن من ذم صنعة فقد ذمَّ صانعها، قال ﷺ : " كل خَلَق الله حسن " (١)، وقال رجل لحكيم: " يا قبيح الوجه! "، فقال: " ما كان خَلْقُ وجهي إليَّ فأحسنه ". وإذا لم يجد العبد عيبًا في نفسه فليشكر الله تعالى، ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم الذنوب، بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم العيوب. وليعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فينبغي أن " يكره لأخيه ما يكره لنفسه " (٢). الثالث: مجاهدة النفس على لزوم الصمت: والاقتصار على الكلام بذكر الله، وما ترجحت مصلحته، والمحاسبة الدائمة للنفس على ذلك. الرابع: الفرار من مجالس الغيبة: واعتزال المغتابين، ولزوم مجالس الصالحين المتورعين عن الغيبة، المتميزين بصيانة ألسنتهم، فإن تعذر وجودهم، فعليه أن يدمن مطالعة أخبار السلف الصالح، ويقتدي بهم، ويكرر بين الحين والآخر مطالعة نصوص الوحيين في

стр. 119

الترهيب من الغيبة، والترغيب في حفظ اللسان، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. الخامس: استحضار حال المغتاب يوم القيامة: وكيف تُحبطُ الغيبة حسناتِهِ، وتُذْهبها أحوجَ ما يكون إليها، حيث تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلاً عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات؛ نُقل إليه من سيئات خصمه، فأدنى عواقب الغيبة أن تنقص من ثواب أعماله، وذلك بعد المخاصمة، والمطالبة، والسؤال والجواب، والحساب. قال الشاعر: وأعقلُ الناسِ من لم يرتكب سببًا ... حتى يُفَكِّرَ ما تجني عواقبه آخر: وأحزم الناسِ من لو مات من ظمإ ... لا يقرب الوِرْدَ حتى يعرفَ الصَّدَرا قال رجل للحسن: " بلغني أنك تغتابني "، فقال: " لم يبلغ قدرك عندي أن أحكِّمك في حسناتي " (١). وقال رجل للفضيل بن عياض: " إن فلانًا يغتابني "، فقال: " قد جلب لك الخير جلبًا " (٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي: " لولا أني أكره أن يُعْصى الله، لتمنيت أن لا يبقى أحد في المِصْر إلا اغتابني، أي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في

стр. 120

صحيفته لم يعمل بها؟! " (١). وروي عن الحسن أن رجلاً قال: " إن فلانًا قد اغتابك "، فبعث إليه طبقًا من الرطب، وقال: " بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام " (٢). وكتب أشهب بن عبد العزيز إلى رجل كان يقع فيه: " أما بعد: فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم أني أرتع في حسناتك ما ترعى الشاة الخضر، والسلام " (٣). وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: " يا مكذب! بخلت بدنياك على أصدقائك، وسخوت بآخرتك على أعدائك، فلا أنت فيما بخلت به معذور، ولا أنت فيما سخوت به محمود " (٤). عن جعفر بن محمد قال: " إذا بلغك عن أخيك ما يسوؤك، فلا تغتم، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عُجِّلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها " (٥). وقيل لعمرو بن عبيد: " لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك "، قال: " إياه فارحموا " (٦).

стр. 121

وقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: " لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والديَّ؛ لأنهما أحق بحسناتي ". وقال أيضاً: (قلت لسفيان الثوري: " ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة! ما سمعته يغتاب عدوًا له "، قال: " والله هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها " (١). فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفًا من ذلك. السادس: شكر نعمة اللسان: بأن يحمد الله على نعمة النطق التي حُرمها غيره، ويعلم أن من شكرها استعمالها في مرضاة المنعم عليه بها، الذي أسداها إليه ليعبده بها ويذكره ويشكره، لا ليخوض بها في أعراض الناس، ويستطيل بها على خلق الله تعالى، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (٢). وقيل للحسن: " يا أبا سعيد: من أشد الناس صُراخًا يوم القيامة؟ "، فقال: " رجل رُزق نعمة؛ فاستعان بها على معصية الله ". أنالَكَ رزقَه لتقومَ فيه ... بطاعته وتشكرَ بعضَ حَقِّهْ فلم تشكر لنعمته ولكن ... قَوِيتَ على معاصيه برزقهْ

стр. 122

رأى أبو الدرداء امرأة سليطة اللسان، فقال: " لو كانت هذه خرساء؛ لكان خيرًا لها " (١). السابع: التفكر في أسماء الله الحسنى: وبخاصة الأسماء التي تستوجب المراقبة والإحسان؛ كالشهيد، والرقيب، والعليم، والسميع، والبصير، والمحيط، والحفيظ، قال حاتم الأصم: " تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكتَّ فاذكر علم الله فيك " (٢). الثامن: المحافظة على الصلوات، والتشبث بالصدق: أما الصلاة؛ فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت]: ٤٥، وقد قيل لرسول الله ﷺ : " إن فلاناً يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق! "، فقال ﷺ : " سينهاه ما تقول " أو قال: " ستمنعه صلاته " (٣). وأما لزوم الصدق وتحريه، مع تجنب الكذب، فلأن الصدق خير عون على استقامة القلب والجوارح بدليل قوله ﷺ : " عليكم بالصدق، فإِن الصدق يهدي إِلى البر، وإِن البر يهدي إِلى الجنة .. " (٤) الحديث. وقال ابن شوذب: سمعت يونس بن عبيد يقول: " خصلتان إذا صلحتا من العبد؛ صَلُحَ ما سواهما: صلاتُه، ولسانُه " (٥)

стр. 123

وعن مبارك بن فَضالة، عن يونس بن عبيد قال: " لا تجد من البر شيئًا واحدًا يتبعه البر كله غيرَ اللسان، فإنك تجد الرجل يكثر الصيام، ويفطر على الحرام، ويقوم الليل، ويشهد بالزور بالنهار "، وذكر أشياء نحو هذا " ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق، فيخالف ذلك عمله أبدًا " (١). التاسع: كثرة ذكر الموت: فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول ﷺ : " أكثروا من ذكر هاذم اللذات " (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: (أتيت رسول ﷺ عاشر عشرة، فقال رجل من الأنصار: " من أكيس الناس، وأكرم الناس يا رسول الله؟ "، فقال ﷺ : " أكثرهم ذكرًا للموت، وأشدهم له استعدادًا، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة " (٣). قال الحسن: " ما رأيت عاقلاً قط، إلا أصبته من الموت حذرًا، وعليه حزينًا "، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جَنازة، وقال أشعث: " كنا ندخل على الحسن، فإنما هو النار، وأمر الآخرة، وذكر الموت ". وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: " يا أخي احذر الموت في هذه الدار؛ قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده ".

стр. 124

وثمرة ذكر الموت أنه يرقق القلب، ويذيب قسوته، ويوقظه من غفلته، فيرجع العبد عن المعاصي، ويخرج من المظالم، ويقبل على الطاعات، ويكثر منها، لئلا يفجأه الموت الذي يقطعه عن أسباب النجاة، ويفوت عليه العمل الصالح، ورُوي عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل ﵇، فقال: يا محمد عش ما شئت فإِنك ميت، وأحبب من شئت فإِنك مقارقه، واعمل ما شئت فإِنك مجزيّ به " الحديث (١). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة، فقال: " على ما اجتمع هؤلاء؟ " قيل: " على قبر يحفرونه "، ففزع رسول الله ﷺ ، فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: " أي إِخواني لمثل هذا اليوم فأعِدّوا " ((٢). وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: " عظني "، فقال: " اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك، فدعه الآن ". اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي ... وغداً تموت وتُرفَعُ الأقلامُ وقال أبو حازم سلمة بن دينار: " كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت ". وقد ربط رسول الله ﷺ " ذكر الموت "، وبين " حفظ اللسان " كما في

стр. 125

قوله ﷺ لمن جاءه، فقال: " عظني وأوجز "، فقال: " إِذا قمت في صلاتك، فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غداً " الحديث (١). وقال ﷺ : " من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى " (٢) الحديث. واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال: " اذكر القطن إذا وُضع على عينيك " (٣). * * *

стр. 126

الباب الثاني

стр. 127

الفصل الأول أهمية الأدب وشدة الحاجة إليه " أدب النفس " ممدوح بكل لسان، ومتزيَّن به في كل مكان، وباق ذكرُه مدى الأزمان، وكل من أعار الوجودَ نظرة البصير؛ علم أن حاجة المرء إلى تأديب نفسه من أهم الحاجات، وإذا كان الرجال بالأعمال، فإن الأعمال هي آثار الآداب والأخلاق والصفات، وبذلك يتفاضل الناس، وليس بالعلوم والإجازات والشهادات فحسب، فان العلم آلة تديرها الأخلاق، وتسيرها الآداب. وأدب الظاهر عنوان أدب الباطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والآداب رشح الأرواح السامية، والنفوس المهذبة، والمعارف الراقية، فالإنسان مركب من جسدٍ مُدْرَك بالبصر، ومن روح ونفس مدركة بالبصيرة، ولكل واحد منهما هيئة وصورة، إما قبيحة وإما جميلة، فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرًا من الجسد المدرك بالبصر، ولذلك عظم أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص٧١: ٧٢] فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين، والروح إلى رب العالمين (١)، وحسبك هذا دليلاً على شرف الأدب وفضله.

стр. 128

ما وهب الله لامرئ هبةً ... أفضْلَ من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن فُقِدا ... فإن فقدَ الحياة أحسنُ به والأدب يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرغائب الجميلة، ويعز بلا عشيرة، وقد قيل: " من قعد به حَسَبه، نهض به أدبه " (١). قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلةُ أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استُجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب، فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نجَّى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة (٢)، والإخلال به مع الأم -تاويلاً وإقبالاً على الصلاة- كيف امتُحن صاحبه بهدم صومعته، وضَرْب الناس له، ورميه بالفاحشة (٣). وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومُدْبِرٍ كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان. وانظر أدب الصّدِّيق ﵁ مع النبي ﷺ في الصلاة أن يتقدم بين يديه، فقال: " ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ " (٤) كيف أورثه مقامه والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه -وقد أومأ إليه:

стр. 129

أن أثبت مكانك- بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قُدَّام تنقطع فيها أعناق المطيِّ، والله أعلم) (١). والأدب منه ما هو وهبيٌّ يجْبَلُ عليه الإنسان، ومنه ما هو كسبي يمكن اكتسابه بالمجاهدة والترويض (٢)، قال ﷺ لأشَجّ عبد القيس: " إِن فيك خَلَّتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة "، فقال: " يا رسول الله أنا أَتخلَّقُ بهما، أم الله جبلني عليهما؟ "، قال: " بل الله جبلك عليهما "، قال: " الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله " (٣). وقال ﷺ : " إِنما العلم بالتعلم، والحِلْم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعْطَه، ومن يتوق الشر يُوَقه " (٤). ولو كانت الأخلاق والآداب صفات لازمةً في الإنسان، بحيث يستحيل تغييرها وتبديلها (٥) كسائر الصفات الجسدية الوراثية لما أمر الشرع بالتحلي بالآداب الجميلة، والتخلي عن القبيحة (٦)، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)

стр. 130

وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩: ١٠]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الآيه, [التحريم: ٦]، قال علي ﵁: " علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم " (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أيما رجل كانت عنده وليدة، فعلَّمها، فأحسن تعليمها، وأدَّبها، فأحسن تأديبها، وتزوجها، فله أجران " (٢)، فإذا كان هذا في الأمَة فكيف بالأهل والأبناء؟ وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: " أدِّب ابنك، فإنك مسئول عنه: ماذا أدَّبته، وماذا علَّمته؟، وهو مسئول عن برِّك وطواعيته لك " (٣). وقال إلكيا الهراس ﵀: " فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب " (٤). وقال سعيد بن منصور: حدثنا حزم قال: سمعت الحسن، وسأله كثير بن زياد عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ فقال: " يا أبا سعيد، ما هذه القرة الأعين، أفي الدنيا، أم في الآخرة؟، قال: " لا، بل والله في الدنيا "، قال: " وما هي؟ "، قال: " والله أن يُرِيَ الله العبدَ من زوجته، من أخيه، من حميمه طاعة الله، لا والله ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولداً، أو والداً أو حميماً أو أخاً مطيعاً لله " (٥).

стр. 131

إن قوى النفس الإنسانية مفتقرة دائماً إلى تعهدها بالتربية والتثقف والتفقد والتقويم، كالأرض لا تُخرج ما في أرحامها إلا بالفلاحة والرعاية والتفقد، الأمر الذي يحتاج آلاتٍ وأسباباً خاصة. ولاشك أن " الأسرة " هي أخطر مؤسسة تربوية، وأن " الوالد " يتحمل المسئولية الكاملة عن التوجيه التربوي لأهله وولده، فإن فسد القَوَّامُ؛ عمَّ الفسادُ جميعَ الأقوام، وإن أخلَّ بواجباته التربوية صار هو الحاضر الغائب، وتساوى أبناؤه مع " اليتامى "، قال الشاعر: ليس اليتيم الذي قد مات والداه ... إن اليتيم يتيمُ العلمِ والأدبِ آخر: ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من ... هَمِّ الحياة، وخلَّفاه ذليلا إن اليتيمَ لمن تَلْقَى له ... أمًا تَخلَّتْ أوَ أبًا مشغولا * * * * * * * * * * * * * *

стр. 132

اهتمام السلف الصالح بالأدب أصغى سلفنا الصالحون إلى التوجيهات الربانية والأحاديث النبوية التي ترفع شأن الأدب، وتحث عليه، وتحذر من سوء الأدب إلى حد تبرؤ النبي ﷺ من أهله، حيث قال: " ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا , ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه " (١)، فانفعلوا بها، وأعطوها ما تستحق من الأولية والامتثال، فرأيناهم يُدخلون كتاب الأدب في مصنفاتهم " الجوامع "، ومنهم من أفرده بالتصنيف كما فعل البخاري في " الأدب المفرد "، والخطيب البغدادي في " الجامع "، وابن جماعة في " التذكرة "، وكما صنف ابن مفلح كتابه: " الآداب الشرعية، والمنح المرعية "، والسفاريني في " غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب "، وغيرهم. وكان تأديب الأولاد وظيفة تخصصية يباشرها المتأهلون لها، حتى كان يلقب الامام ابن أبي الدنيا بـ " مؤدب أولاد الخلفاء "، وكانوا يحرصون أشد الحرص على متانة الروابط بينهم وبين من يؤدبون أولادهم، وكانوا يحزنون إذا غابو عن أولادهم خشية أن لا يؤدَّبوا على ما يريدون ويشتهون. فقد ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية، يقول لهم: " ما أشد ما مرَّ بكم في هذا الحبس؟ "، فقالوا: " ما فقدنا من تربية أولادنا " (٢).

стр. 133

من آثار السلف في الحث على التأدب عن أيوب بن سويد قال: سمعت الثوري يقول: " كان يقال: حسن الأدب يطفيء غضب الرب " (١). وقال البوشنجي: " من أراد العلم والفقه بغير أدب، فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله " (٢). وقال عبد الله بن المبارك: " من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة " (٣). وقال رُوَيْم بن أحمد البغدادي لابنه: " يا بُني اجعل عملك مِلْحًا، وأدبَك دقيقًا " (٤) أي: استكثر من الأدب حتى تكون نسبتُه في سلوكك من حيث الكثرةُ كنسبة الدقيق إلى الملح الذي يوضع فيه، فمعنى عبارة رويم: أن الإكثار من الأدب في العمل القليل، خير من العمل الكثير الخاوي عن الأدب. وقال الإمام الخطيب البغدادي ﵀: (والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا، وأشد الخلق تواضعًا، وأعظمهم نزاهة وتدينا، وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله ﷺ وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه،

стр. 134

وطرائق المحدثين، ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها) (١) اهـ. وقال أيضاً ﵀: (ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوم باستعمال آثار رسول الله ﷺ ما أمكنه، وتوظيف السنن على نفسه، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢). وعن سفيان بن عيينة أنه كان يقول: " إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء، على خُلُقه وسيرته وهَدْيه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل " (٣). وعن ابن شهاب قال: " إن هذا العلم أدبُ الله الذي أدَّب به نبيه ﷺ ، وأدب النبى ﷺ أمته، أمانةُ الله إلى رسوله، ليؤديه على ما أدِّي إليه، فمن سمع علمًا؛ فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله " (٤). وعن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: " إن حقّاً على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون مُتَّبِعًا لأثَرِ مَنْ مضى قبله " (٥). وعن ثابت بن محمد قال: سمعت الثوري يقول: " إن استطعت ألا تَحُكَّ رأسك إلا بأثر؛ فافعل " (٦).

стр. 135

ترجيح السلف الأدب على العلم الأدب لفظ جامع للفضائل والأخلاق الكريمة، التي تؤدي إلى المحامد. قال أبو زيد الأنصاري: " الأدب يقع على كل رياضة محمودة، يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل ". وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (الأدب: استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً، وعبر بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستَحسَنَات، وقيل: بل هو تعظيمُ من فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من " المأدبة "، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُدعَى إليه) (١). هذه المعاني كلها تدخل في مسمى الأدب، وهي التي كان يطلق عليها في لسان السلف الصالح اسم: " الهَدْي "، وهَدْيُ الرجل: سيرته العامة والخاصة، وحالهُ، وأخلاقه. ولأن " خير الهدي هدي محمد ﷺ "، فقد كان السلف يرمقون من كان أولى الناس وأقومهم بهديه ﷺ ، فحينئذ يرتضونه أسوة وقدوة، وينتفعون بلحظه ولفظه، ويصدرون عن خُلقه وسلوكه، ويدونون هذا الهدي لتتناقله الأجيال وتنتفع به (٢).

стр. 136

وقد أولى السلف " الأدب " اهتماماً عظيماً، فجدوا في طلبه، ودأبوا في تحصيله: فهذا الإمام عبد الله بن المبارك يقول: (إذا وُصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلاً له أدب النفس أتمنى لقاءه، وأتاسف على فوته). وقيل للشافعي: " كيف شهوتك للأدب؟ " فقال: " أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتودّ أعضائي أن لها أسماعًا فتنعم به " .. قيل له: " وكيف طلبك له؟ " قال: " طلب المرأة المضِلَّة ولدَها وليس لها غيره " (١). وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: " نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث " (٢). وقال الحسن ﵀: " إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين " (٣). وقال سفيان الثوري: " كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب، وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة " (٤). وعن خالد بن نزار قال: سمعت مالك بن أنس يقول لفتى من قريش: " يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم " (٥).

стр. 137

وقال الإمام مالك: (كانت أمي تُعَمِّمُني، وتقول لي: " اذهب إلى رييعة، فتعلم من أدبه قبل علمه " (١). وعنه: أن رجلاً قال لرجل من أهل السنة سأله عن طلب العلم، فقال له: " إن طلب العلم يحسن، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح حتى تمسي، ومن حين تمسي حتى تصبح، فالزمه، ولا تؤثرن عليه شيئاً " (٢). وقال بعضهم لابنه: " يا بني! لأن تتعلم بابًا من الأدب، أحبُّ إليَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم " (٣). وعن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: قال لي أبي: (يا بني إيت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إليَّ لك من كثير من الحديث " (٤). • وكانوا يفتشون عمن يأخذون عنه العلم، وينقبون عن سمته وهديه قبل الجثو بين يديه، والتلقي منه. قال إبراهيم النخعي: " كانوا إذا أتوا الرجل لياخذوا عنه نظروا إلى سمته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه ". وعنه ﵀ أنه قال: " كنا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخ، سألنا عن مطعمه ومشربه ومُدخله ومُخرجه، فإن كان على استواء أخذنا عنه، وإلا لم نأته " (٥).

стр. 138

وقال مالك: " رأيت أيوب السختياني بمكة حَجتيْن، فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعدًا في فناء زمزم، فكان إذا ذكرَ النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه " (١) * وكان أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ يرحلون إليه فينظرون إلى سمته، وهديه، ودَلِّه، قال: " فيتشبهون به " (٢). * وجاء في ترجمة علي بن المديني عن عباس العنبري: " كان الناس يكتبون قيامه، وقعوده، ولباسه، وكل شيء يقول ويفعل " (٣). * وروى الإمام مالك عن التابعي الجليل محمد بن سيرين قوله واصفًا حال كبار التابعين (٤): " كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم "، قال مالك: " وبعث ابن سيرين رجلاً ينظر كيف هَدْيُ القاسم بن محمد (٥) وحاله " (٦)، وقال ابن وهب ﵀: (حدثني مالك أن ابن سيرين كان قد ثقل، وتخلَّف عن الحج، فكان يأمر من يحج أن ينظر إلى هدي القاسم، ولبوسه، وناحيته (٧)، فيبلغونه ذلك، فيقتدي بالقاسم) (٨). وكان أبو بكر بن إسحاق إذا ذكر عقل أبي علي الثقفي يقول: " ذاك عقل مأخوذ عن الصحابة والتابعين "، وذلك: أن أبا علي أقام بسَمَرْقنْد مدة أربع سنين يأخذ تلك الشمائل من محمد بن نصر المروزي، وأخذها ابن نصر عن

стр. 139

يحيى بن يحيى، فلم يكن بخراسان أعقل منه، وأخذها يحيى عن مالك، أقام عليه لأخذها سنة بعد أن فرغ من سماعه، فقيل له في ذلك؟ فقال: " إنما أقمتُ مستفيدًا لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين " (١). وقال ابن وهب: " ما نقلنا من أدب مالك أكثر مما تعلمنا من علمه " (٢). قال القاضي أبو يعلى ﵀: (روى أبو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: " كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد رْهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حُسْنَ الأدب، وحسن السَّمْت ") (٣) هـ. وكان العلامة ابن الشجري " لا يكاد يتكلم في مجلسه بكلمة؛ إلا وتتضمن أدب نفس، أو أدب درس " (٤). وقال جعفر بن سليمان: " كنت إذا وجدتُ من قلبي قسوةً، غدوت فنظرتُ إلى وجه محمد بن واسع، كان كأنه ثَكلى " (٥). وعن ابن المبارك قال: (" إذا نظرتُ إلى الفضيل؛ جَدَّدَ لي الحزن، ومَقَتُّ نفسي "، ثم بكى) (٦). وقال بشر بن الحارث: " إني لأذكر المعافى (٧) اليوم، فانتفع بذكره، وأذكر رؤيته فانتفع " (٨).

стр. 140

حرصهم على ملازمة الشيوخ وَالمؤَدِّبِينَ كان طلاب العلم في الصدر الأول يعتمدون " التلقي المباشر " من أفواه المشايخ عبر الملازمة الطويلة لهم، منهجًا ثابتًا لهم لا يحيدون عنه في طلب العلم، مع النهم، والمسابقة، والبكور، ومزاحمة العلماء بالركب، سئل الإمام مالك ﵀: " أيؤخذ العلم عمن ليس له طلب ولا مجالسة؟ "، فقال: " لا "، فقيل: " أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ، ولا يفهم ما يحدث؟ "، فقال: " لا يكتب العلم إلا ممن يحفظ، ويكون قد طلب، وجالس الناس، وعرف وعمل، ويكون معه ورع " (١)، وقد اشتهر في بيان ما يشترط في طلب العلم بيتان لإمام الحرمين ﵀، قال: أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٍ، وحرصٍ، وافتقارٍ، وغربةٍ ... وتلقينِ أستاذ، وطولِ زمان (٢) وقد قيل: " حيثما كنت؛ فكن قرب فقيه " (٣). وذكر محمد بن الحسن الشيباني عن أبي حنيفة قال: " الحكايات عن العلماء، ومجالستهم أحب الي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم وأخلاقهم "، قال محمد: ومثل ذلك: ما رُوي عن إبراهيم النخعي -قال: " كنا

стр. 141

نأتي مسروقًا، فنتعلم من هديه ودَلّه "، ثم أسند إلى أبي الدرداء ﵁ قوله: " من فقه الرجل: ممشاه، ومدخله، ومخرجه مع أهل العلم " (١). وعن مالك قال: " أتى نُعَيمٌ المجْمِرُ أبا هريرة ﵁ عشرين سنة " (٢). و" صحب ثابت البناني أنس بن مالك ﵁ أربعين سنة " (٣). وقال مالك: " كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه " (٤). " وكان حامد بن يحيى البلخي ممن أفنى عمره بمجالسة ابن عيينة " (٥). وقال نافع بن عبد الله: " جالست مالكًا أربعين سنة -أو قال: خمساً وثلاثين سنة- كل يوم أبكر، وأهجّر، وأروح " (٦).

стр. 142

وهكذا كان الطالب يلازم شيخه ويقتدي به، ويتخلق بآدابه إلى جانب تضلعه من علمه وتزوده من معارفه، فمن ثَمَّ أثمر هذا النهج القويم طلاب علم يطيرون بجناحي العلم والعمل، ولا يقَال: " عالم " في الحقيقة إلا إذا كان عاملاً، فغير الجاري على مقتضى علمه هو والجاهل سواء، قال الشاعر: وإذا الفتى قد نال علمًا ثم لم ... يعمل به فكأنه لم يعلم عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: " كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به " (١). وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يكتب الأحاديث، فيكثر، فقال: " ينبغي أن يكثر العملَ به على قدر زيادته في الطلب "، ثم قال: " سُبُل العلم مثل سُبل المال، إنْ المال إذا ازداد ازدادت زكاته " (٢). وقالت أم سفيان الثوري له، وهي تعظه: " يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك " (٣). وعن الحسن قال: " قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في: تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، وبره " (٤). وعن إبراهيم بن إسماعيل قال: " كان أصحابنا يستعينون على طلب الحديث بالصوم " (٥).

стр. 143

وقال سفيان بن عيينة: " كان الشاب إذا وقع في الحديث احتسبه أهله " (١). قال أبو بكر الخطيب البغدادي ﵀: " يعني أنه كان يجتهد في العبادة اجتهاداً يقتطعه عن أهله، فيحتسبونه عند ذلك ". * وكم كان للعلماء الربانيين مع تلاميذهم من لفتات تربوية صادقة، ونصائح سلوكية مخلصة، تعمل في قلوبهم، وتظهر في أحوالهم: فعن إسماعيل بن يحيى، قال: (رآني سفيان وأنا أمازح رجلاً من بني شيبة عند البيت، فتبسمتُ، فالتفت إليَّ، فقال: " تبتسم في هذا الموضع! إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد، فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه ") (٢). وعن قاسم بن إسماعيل بن علي، قال: (كنا بباب بِشْر بن الحارث؛ فخرج إلينا؟ فقلنا: " يا أبا نصر حدِّثنا؟ فقال: " أتؤدون زكاة الحَديث؟ " قال: قلت له: " يا أبا نصر، وللحديث زكاة؟ " قال: " نعم، إذا سمعتم الحديث، فما كان في ذلك من عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه " (٣). وعن عمرو بن قيس الملائي قال: " إذا بلغك شيء من الخير، فاعمل به -ولو مرة- تكن من أهله " (٤). وعن أبي عمرو بن حمدان قال: سمعت أبي يقول: (كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي، فحضرت صلاة الظهر؛ فأذَّن أبو عبد الله؛ فخرجت من

стр. 144

المسجد؛ مقال: " يا أبا جعفر إلى أين؟ " قلت: " أتطهر للصلاة "، قال: " كان ظني بك غير هذا، يدخل عليك وقت الصلاة، وأنت على غير طهارة! " (١). وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: (بتُّ ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء، فإذا هو كما كان، فقال: " سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له وِرْد من الليل " (٢). فوائد (٣) الأولى: اعلم -رحمك الله- أن معنى قول رسول الله ﷺ : " من يُرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين " (٤) أنه يفهمه في الدِّين، ومعنى " الدين " هنا ينبغي أن يفهم في ضوء قوله ﷺ : " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم " (٥) بعدما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، وبهذا يعلم أن مدح " الفقه في الدين " لا يختص بعلم الفروع الظاهر، على علم الأدب الباطن؛ لأن " الدين " شامل للأمرين، بل الثاني أولى بالدخول فيه؛ لأنه النتيجة والثمرة المقصودة بالذات من العلم، إذ إنه علم تحصل به تصفية البواطن من عيوب النفس، وتعلّمُه واجب

стр. 145

على يد من هو أهلٌ له من الكُمَّل العارفين الجامعين بينه وبين علم الظاهر على الوجه الأتم، كما قيل في شأنه: علم به تصفية البواطنِ ... من كدرات النفس في المواطنِ وذاك واجب على المكلف ... تحصيله يكون بالمُعَرِّف (١) الثانية: اعْلم -أصلحك الله- أن تفضيل العالم على العابد، الوارد في قوله ﷺ : " فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " (٢)، وقوله ﷺ : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " (٣) الحديث؛ لا يراد منه أن العالم المفضَّل عار عن العمل، والعابد عن العلم، بل المراد أن علم ذلك غالب على عمله، وعمل هذا غالب على علمه، فإن العابد إذا كان عاريًا عن العلم لا يُسمى في عرف الشرع عابدًا بل يسمى فاسقًا، لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقًا؛ كما قال بعض العلماء: وجاهل لفرض عين لم يَجُز ... إطلاقُ " صالحٍ " عليه فاحترِزْ لأنه بتركِهِ التعلُّما ... لم يَنِ فاسقًا يقول العلما أي يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقًا بتركه التعلم الواجب عليه، فالصالح لا يُطلق شرعًا إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم: وقائم بحق ربه وحق ... عباده فصالحًا قد استحق
следующие страницы →