نأتي مسروقًا، فنتعلم من هديه ودَلّه "، ثم أسند إلى أبي الدرداء ﵁ قوله: " من فقه الرجل: ممشاه، ومدخله، ومخرجه مع أهل العلم " (١).
وعن مالك قال: " أتى نُعَيمٌ المجْمِرُ أبا هريرة ﵁ عشرين سنة " (٢).
و" صحب ثابت البناني أنس بن مالك ﵁ أربعين سنة " (٣).
وقال مالك: " كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه " (٤).
" وكان حامد بن يحيى البلخي ممن أفنى عمره بمجالسة ابن عيينة " (٥).
وقال نافع بن عبد الله: " جالست مالكًا أربعين سنة -أو قال: خمساً وثلاثين سنة- كل يوم أبكر، وأهجّر، وأروح " (٦).
стр. 142
وهكذا كان الطالب يلازم شيخه ويقتدي به، ويتخلق بآدابه إلى جانب تضلعه من علمه وتزوده من معارفه، فمن ثَمَّ أثمر هذا النهج القويم طلاب علم يطيرون بجناحي العلم والعمل، ولا يقَال: " عالم " في الحقيقة إلا إذا كان عاملاً، فغير الجاري على مقتضى علمه هو والجاهل سواء، قال الشاعر:
وإذا الفتى قد نال علمًا ثم لم ... يعمل به فكأنه لم يعلم
عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: " كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به " (١).
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يكتب الأحاديث، فيكثر، فقال: " ينبغي أن يكثر العملَ به على قدر زيادته في الطلب "، ثم قال: " سُبُل العلم مثل سُبل المال، إنْ المال إذا ازداد ازدادت زكاته " (٢).
وقالت أم سفيان الثوري له، وهي تعظه: " يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك " (٣).
وعن الحسن قال: " قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في: تخشعه، وهديه، ولسانه، وبصره، وبره " (٤).
وعن إبراهيم بن إسماعيل قال: " كان أصحابنا يستعينون على طلب الحديث بالصوم " (٥).
стр. 143
وقال سفيان بن عيينة: " كان الشاب إذا وقع في الحديث احتسبه أهله " (١).
قال أبو بكر الخطيب البغدادي ﵀: " يعني أنه كان يجتهد في العبادة اجتهاداً يقتطعه عن أهله، فيحتسبونه عند ذلك ".
* وكم كان للعلماء الربانيين مع تلاميذهم من لفتات تربوية صادقة، ونصائح سلوكية مخلصة، تعمل في قلوبهم، وتظهر في أحوالهم:
فعن إسماعيل بن يحيى، قال: (رآني سفيان وأنا أمازح رجلاً من بني شيبة عند البيت، فتبسمتُ، فالتفت إليَّ، فقال: " تبتسم في هذا الموضع! إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد، فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه ") (٢).
وعن قاسم بن إسماعيل بن علي، قال: (كنا بباب بِشْر بن الحارث؛ فخرج إلينا؟ فقلنا: " يا أبا نصر حدِّثنا؟ فقال: " أتؤدون زكاة الحَديث؟ " قال: قلت له: " يا أبا نصر، وللحديث زكاة؟ " قال: " نعم، إذا سمعتم الحديث، فما كان في ذلك من عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه " (٣).
وعن عمرو بن قيس الملائي قال: " إذا بلغك شيء من الخير، فاعمل به -ولو مرة- تكن من أهله " (٤).
وعن أبي عمرو بن حمدان قال: سمعت أبي يقول: (كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي، فحضرت صلاة الظهر؛ فأذَّن أبو عبد الله؛ فخرجت من
стр. 144
المسجد؛ مقال: " يا أبا جعفر إلى أين؟ " قلت: " أتطهر للصلاة "، قال: " كان ظني بك غير هذا، يدخل عليك وقت الصلاة، وأنت على غير طهارة! " (١).
وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: (بتُّ ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء، فإذا هو كما كان، فقال: " سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له وِرْد من الليل " (٢).
فوائد (٣)
الأولى: اعلم -رحمك الله- أن معنى قول رسول الله ﷺ : " من يُرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين " (٤) أنه يفهمه في الدِّين، ومعنى " الدين " هنا ينبغي أن يفهم في ضوء قوله ﷺ : " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم " (٥) بعدما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، وبهذا يعلم أن مدح " الفقه في الدين " لا يختص بعلم الفروع الظاهر، على علم الأدب الباطن؛ لأن " الدين " شامل للأمرين، بل الثاني أولى بالدخول فيه؛ لأنه النتيجة والثمرة المقصودة بالذات من العلم، إذ إنه علم تحصل به تصفية البواطن من عيوب النفس، وتعلّمُه واجب
стр. 145
على يد من هو أهلٌ له من الكُمَّل العارفين الجامعين بينه وبين علم الظاهر على الوجه الأتم، كما قيل في شأنه:
علم به تصفية البواطنِ ... من كدرات النفس في المواطنِ
وذاك واجب على المكلف ... تحصيله يكون بالمُعَرِّف (١)
الثانية: اعْلم -أصلحك الله- أن تفضيل العالم على العابد، الوارد في قوله ﷺ : " فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " (٢)، وقوله ﷺ : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " (٣) الحديث؛ لا يراد منه أن العالم المفضَّل عار عن العمل، والعابد عن العلم، بل المراد أن علم ذلك غالب على عمله، وعمل هذا غالب على علمه، فإن العابد إذا كان عاريًا عن العلم لا يُسمى في عرف الشرع عابدًا بل يسمى فاسقًا، لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقًا؛ كما قال بعض العلماء:
وجاهل لفرض عين لم يَجُز ... إطلاقُ " صالحٍ " عليه فاحترِزْ
لأنه بتركِهِ التعلُّما ... لم يَنِ فاسقًا يقول العلما
أي يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقًا بتركه التعلم الواجب عليه، فالصالح لا يُطلق شرعًا إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم:
وقائم بحق ربه وحق ... عباده فصالحًا قد استحق
стр. 146
فالصالح مرادف للعابد، لأن عبادة العابد بدون علم لا تسمى عبادة؛ لأن ما يفسده صاحبها أكثر مما يصلحه:
إن الذي بدون علمٍ يَعْبُدُ ... لا يُحسن العملَ لكن يُفْسِدُ
فترد أعماله، ولا تقبل لخلوها عن العلم:
وكل من بغير علمٍ يعملُ ... أعمالُه مردودة لا تُقبَلُ
والحاصل أن العابد هو العالم الذي غلب عمله على علمه، ولم يشتغل بتعليم الناس، بخلاف العالم فإن الغالب عليه التعليم، والإفتاء، والتصنيف.
الثالثة: ينبغي لمن أراد التفقه في الدين في أول طلبه أن يمزجه بالتعبد، إذ إنه ليس ثَمَّ عمر طويل في الغالب حتى يترك له برهة منه، فيخشى عليه أن يموت وهو في السبب، قبل وصوله للمقصود.
* * * * * * * * * * * * *
стр. 147
الفصل الثاني
من أدب الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام
قال الرازي في " مفاتيح الغيب " مشيرًا إلى قول موسى للخَضرِ ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: (اعلم أن هَذه الآيات تدل على أن موسى ﵇ راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر.
فأحدها: أنه جعل نفسه تبعًا له، لأنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾.
ثانيها: أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، فكانه قال: " هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك؟ " وهذه مبالغة عظيمة في التواضع.
ثالثها: أنه تعالى (١) قال: (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ) وهذا إقرار له على نفسه بالحاجة إلى ما عند أستاذه من العلم.
رابعها: أنه تعالى قال: (مِمَّا علِّمْتَ) وصيغة " من " للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله، وهذا أيضًا مشعر بالتواضع، كانه يقول له: " لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءًا من أجزاء علمك "، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءًا من أجزاء ماله.
خامسها: أن قوله تعالى: (مِمَّا عُلِّمْتَ) اعتراف بأن الله علَّمه ذلك العلم.
стр. 148
سادسها: أن قوله تعالى: (رُشْدًا) طلب منه للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال.
سابعها: أن قوله تعالى: (تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ) معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهًا بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم، ولهذا المعنى قيل: " أنا عبد من تعلمت منه حرفًا ".
ثامنها: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، لا لأجل كونه فعلا لذلك الغير، فإنا إذا قلنا: " لا إله إلا الله "، فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة، فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة؛ لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها، بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها.
أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله ﷺ ؛ فإنما أتينا بها لأجل أنه ﵊ أتى بها لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله ﷺ .
إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ) يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد، كون ذلك الأستاذ آتيًا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض.
تاسعها: أن قوله تعالى: (أَتَّبِعُكَ) يدل على طلب متابعته مطلقًا في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء.
عاشرها: أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولاً أنه نبي بني إسرائيل، وأنه هو موسى صاحب التوراة، وهو الرجل الذي كلمه الله من غير
стр. 149
واسطة، وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة.
ثم إنه ﵊ مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدل على كونه ﵊ آتيا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، وهذا هو اللائق به، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد.
الحادي عشر: أنه تعالى قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت كونه تبعًا له أولاً، ثم طلب ثانيًا أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم.
الثاني عشر: أنه تعالى قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئًا، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم) (١) اهـ.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
(تأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله، وخطابهم وسؤالهم، كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به؟
قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ولم يقل: لم أقله، وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره، فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ثم برأ نفسه عن علمه بغيب
стр. 150
ربه وما يختص به سبحانه، فقال: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ثم أثنى على ربه، ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به -وهو محض التوحيد-، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم، وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم، وأن الله وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم، فقال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ثم وصفه بأن شهادته-سبحانه- فوق كل شهادة وأعم، فقال: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾.
ثم قال: (﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذبتهم -مع كونهم عبيدك- فلولا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد، وأعتاهم على سيدهم، وأعصاهم له: لم تعذبهم، لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته، فلماذا يعذب أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، وأعظم المحسنين إحسانًا عبيدَه؟ لولا فرط عُتُوهم، وإباؤهم عن طاعته، وكمال استحقاقهم للعذاب.
وقد تقدم قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي هم عبادك، وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم، فإذا عذبتهم؛ عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه، فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه، فليس في هذا استعطاف لهم، كما يظنه الجهال، ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة، كما تظنه القدرية، وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله، وكمال علمه بحالهم، واستحقاقهم للعذاب.
стр. 151
ثم قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: " الغفور الرحيم " وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال: " فإنك أنت الغفور الرحيم "؛ لأشعر باستعطافه رَبَّه على أعدائه الذين قد اشتد غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقة الرب في غضبه على مَنْ غضب الرب عليهم، فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة، المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم.
والمعنى: إن غفرت لهم؛ فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم، ليست عن عجز عن الانتقام منهم، ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم، وهذا لأن العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه، ولجهله بمقدار إساءته إليه، والكمال: هو مغفرة القادر العالم، وهو العزيز الحكيم، وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عينَ الأدب في الخطاب.
وفي بعض الآثار " حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك "، واثنان يقولان: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك "، ولهذا يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى، كقوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وكذلك قول إبراهيم الخليل ﷺ : ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء٧٨: ٨٠]، ولم يقل: " وإذا أمرضني " حفظا للأدب مع الله.
وكذلك قول الخضِر ﵇ في السفينة: ﴿أَفَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾
стр. 152
[الكهف:٧٩]، ولم يقل: " فأراد ربك أن أعيبها "، وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] ".
وكذلك قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠]، ولم يقولوا: " أراده ربهم "، ثم قالوا ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
وألطف من هذا قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يقل: " أطعمني ".
وقول آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ولم يقل " رب قدرْتَ عليّ وقضيتَ عليَّ ".
وقول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ولم يقل: " فعافني، واشفني ".
وقول يوسف لأبيه وإخوته: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] ولم يقل: " أخرجنى من الجب " حفظًا للأدب مع إخوته، وتَفَتيا عليهم: أن لا يخجلهم بما جرى في الجب، وقال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ولم يقل: " رفع عنكم جهد الجوع والحاجة "، أدبًا معهم، وأضاف ما جرى إلى السبب، ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه، ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 153
ومن هذا أمر النبي ﷺ الرجل: أن يستر عورته , وإن كان خاليًا لا يراه أحد (١)، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدة الحياء منه، ومعرفة وقاره).
إلى أن قال رحمه الله تعالى: (وجرت عادة القوم أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه ﷺ ، حين أراه ما أراه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، وأبو القاسم القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية، وكذلك غيره.
وكأنهم نظروا إلى قول مَن قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه ﷺ في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلالُ به: أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور: طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور: أن لا يصرف بصره عنه يَمنة ولا يَسرة، ولا يتجاوزه.
هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه.
وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر ﷺ : تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره، فالبصيرة مواطئة له، وما شاهدته بصيرته فهو أيضًا حق مشهود بالبصر، فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.
стр. 154
ولهذا قال : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم١١: ١٢]، أي ما كذَب الفؤاد ما رآه ببصره.
ولهذا قرأها أبو جعفر " ما كذب الفؤاد ما رأى " -بتشديد الذال- أي لم يكذّب الفؤاد البصر، بل صدقه وواطأه، لصحة الفؤاد والبصر، أو استقامة البصيرة والبصر، وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقًا، وقرأ الجمهور ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ بالتخفيف، وهو متعد، و (مَا رَأَى) مفعوله , أي ما كذب قلبُه ما رأته عيناه، بل واطأه ووافقه، فلمواطاة قلبه لقالَبه، وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته: لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حَدَّه فيطغى، ولم يمل عن المرئي فيزيغ؛ بل اعتدل البصر نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على الله بكليته , وللقلب زيغ وطغيان، كما للبصر زيغ وطغيان، وكلاهما منتفٍ عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتًا عن الله إلى غيره، ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه.
وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه.
فإن عادة النفوس، إذا أقيمت في مقام عال رفيع: أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى أن موسى ﷺ لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة؛ طلبت نفسه الرؤية؟ ونبينا ﷺ لما أقيم في ذلك المقام؛ وفاه حقه، فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة؟
ولأجل هذا ما عاقه عائق، ولا وقف به مراد، حتى جاوز السموات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه، وقال: " يقول بنو إسرائيل: إِني كريم الخلق على الله، وهذا قد جاوزني وخَلَّفني علوًا، فلو أنه وحدهـ؟ ولكن معه كل أمته ".
стр. 155
وفي رواية للبخاري: " فلما جاوزته بكى. قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي "، ثم جاوزه علوًا فلم تعقه إرادة، ولم تقف به دون كمال العبودية همة.
ولهذا كان مركوبه في مَسْراه يسبق خطوه الطرفَ، فيضع قدمه عند منتهى طرفه، مشاكلاً لحال راكبه، وبُعْدِ شأوه، الذي سبق العالم أجمع في سيره، فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره، كما كان قدمه ﷺ لا يتأخر عن محل معرفته.
فلم يزل ﷺ في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مراتب عبوديته له، حتى خرق حجب السموات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين، فانصبَّت إليه هناك أقسام القُرَب انصبابًا، وأنقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرًا وباطنًا حجابًا حجابًا، وأقيم مقامًا غبطه به الأنبياء والمرسلون، فإذا كان في المعاد أقيم مقامًا من القرب ثانيًا، يغبطه به الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر عنه وما طغى، فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى، وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم، فقال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس١: ٤]، فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزونه إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم) اهـ (١).
* * *
стр. 156
أدب الصحابة رضى الله عنهم مع النبى ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح٨: ٩]،فأوجب تعزيزه وتوقيره ﷺ وألزم إكرامه وتعظيمه، قال المبرد: (تُعَزِّرُوهُ): " تبالغوا في تعظيمه "، ونهى عن التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فى اهمال حقه , وتضيع حرمته ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾.
وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات١: ٤]، إلى غير ذلك من آيات الذكر الحكيم الآمرة بالأدب العالي مع رسول الله ﷺ ، وقد امتثل الصحابة رضوان الله عليهم تلك الأوامر الإلهية، فحفظوا حقوق سيد البرية، وتأدبوا معه ﷺ بما يليق بمقامه الشريف، وفضله المنيف.
ففي قصة صلح الحديبية أن عروة بن مسعود (جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه، قال: " فوالله! ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما
стр. 157
يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له "، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: " أي قوم! والَلّه! لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله! إن رأيت ملِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا) الحديث (١).
وفي نفس القصة أن عروة بن مسعود دخل على النبي ﷺ ، فجعل يحدثه، ويشير بيده إليه، حتى تمس لحيته، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ بيده السيف، فقال له: " اقبض يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل أن لا ترجع إليك " فقبض يده عروةُ (٢).
ورُوي أن عمر عمد إلى ميزابٍ للعباس على ممر الناس، فقلعه، فقال له: " أشهد أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه في مكانه "، فاقسم عمر: " لتصعدنَّ على ظهري، ولتضعنه موضعه " (٣).
وعن أبي رزين قال: قيل للعباس: " أنت أكبرُ أو النبي ﷺ ؟ " قال: " هو أكبر، وأنا ولدتُ قبله " (٤).
ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل على أبي أيوب، فنزل رسول الله ﷺ السفل، ونزل أبو أيوب العلو، فلما أمسى، وبات؛ جعل أبو أيوب يذكر أنه على ظهر بيت رسول الله ﷺ أسفل منه، وهو بينه وبين الوحي، فجعل أبو أيوب لا ينام يحاذر أن يتناثر عليه الغبار، ويتحرك فيؤذيه، فلما أصبح غدا إلى
стр. 158
النبي ﷺ فقال. " يا رسول الله! ما جعلت الليلة فيها غمضًا أنا ولا أم أيوب "، فقال: " ومم ذاك يا أبا أيوب؟ " قال: " ذكرت أني على ظهر بيتٍ أنت أسفل مني، فأتحرك، قيتناثر عليك الغبار، ويؤذيك تحركي، وأنا بينك وبين الوحي " (١) الحديث.
وعن أبي أيوب ﵁ قال: (لما نزل عليَّ رسول الله ﷺ قلت: " بأبي وأمي إني أكره أن أكودن فوقك، وتكون أسفل مني "، فقال رسول الله ﷺ : " إِن أرفق بنا أن نكون في السفل لما يغشانا من الناس "، فلقد رأيت جرة لنا انكسرت، فأهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة (٢) لنا، ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء فَرَقًا (٣) من أن يصل إلى رسول الله ﷺ منا شيء يؤذيه) (٤) الحديث.
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: " .. وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجلَّ في عينيَّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيَّ منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ، لأني لم أكن أملأ عينيَّ منه " (٥).
ولما أذنت قريش لعثمان في الطواف بالبيت حين وجَّهه النبي ﷺ إليهم في
القضية أبى، وقال: " ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول ﷺ " (٦).
وفي حديث قَيْلَة: " فلما رأيت رسول الله ﷺ جالسًا القرفصاء أرْعِدتُ من
стр. 159
الفَرَق، وذلك هيبةَ له وتعظيمًا) (١).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: " إن كان ليأتي عليَّ السنةُ، أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فأتهيَّبُ منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب " (٢).
عن أنس بن مالك ﵁ قال: " كانت أبواب النبي ﷺ تُقْرعُ بالأظافير " (٣).
وعن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: (أنه كان في مجلس قومه وهو يحدثهم عن رسول الله ﷺ ، وبعضهم يقبل على بعض يتحدثون، فغضب، ثم قال: (انظر إليهم أحدثهم عن رسول الله ﷺ وبعضهم يُقبل على بعض؟! أما والله، لأخرجن من بين أظهركم، ولا أرجع إليكم أبدًا، فقلت له: " أين تذهب؟ "، قال: " أذهب فأجاهد في سبيل الله " (٤)).
стр. 160
مِن أدبِ العلماءِ مع النبى ﷺ -
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره ﷺ وذِكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته، قال أبو إبراهيم التُّجيبيُّ: " واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر، ويُسَكِّنَ من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدَّبنا الله به) اهـ (١).
وهكذا كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين رضي الله تعالى عنهم: فعن مصعَب بن عبد الله: (كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ عنده تغير لونُه وانحنى، حتى يصعُبَ ذلك على جُلسائه، فقيل له يومًا في ذلك؟ ققال: لو رأيتم لما أنكرتم علي ما ترون، كنتُ آتي محمد بن المنكدِر وكان سيد القُرَّاء -أي سيد العلماء- لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه، ولقد أتى جعفر بن محمد -هو جعفر الصادق- وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اخضرَّ واصفرّ) (٢)، وقال مالك أيضاً: " كلما أجدُ في قلبي قسوةً آتي محمد بن المنكدر، فأنظرُ إليه نظرة، فأتعظ بنفسي أيامًا ".
стр. 161
" كان محمد بن المنكدر سيد القراء لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا كان يبكي " (١).
وفي ترجمة أيوب بن أبي تميمة السختياني: قال مالك ﵀: (كنا ندخل على أيوب فإذا ذكرنا له حديث النبي ﷺ بكى حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي ﷺ احتفز وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة) (٢).
وفي ترجمة عامر بن عبد الله بن الزبير: قال الإمام مالك: (ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينه دموع) (٣).
وقال في حق عبد الرحمن بن القاسم: (ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فيُنظر إلى لونه كأنه نُزِف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله ﷺ ) (٤).
وقال في حق صفوان بن سليم: (ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين) (٥)، فإذا ذكر النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم
стр. 162
الناس عنه ويتركوه) (١).
وعن معن بن عيسى القزاز قال: (كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديت اغتسل، وتبخَّر، وتطيب، فان رفع أحد صوته في مجلسه زَبَره (٢)، وقال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديث النَّبِي ﷺ ، فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ (٣).
وعن حماد بن زيد قال: (كنا عند أيوب، فسمع لَغَطًا فقال: " ما هذا اللغطُ؟ أما بلغهم أن رفع الصوت عند الحديث عن رسول الله ﷺ ، كرفع الصوت عليه في حياته؟! " (٤)).
وعن حسين المعلِّم قال: " كان محمد بن سيرين يتحدث، فيضحك، فإذا جاء الحديث خشع " (٥).
وعن بشر بن الحارث قال: سأل رجل ابن المبارك عن حديث -وهو يمسي- فقال: " ليس هذا من توقير العلم "، قال بشر: " فاستحسنته جدًا " (٦).
وعن ابن وهب، قال: حدثني مالك (أن رجلاً جاء إلى سعيد بن المسيب وهو مريض، فسأله عن حديث وهو مضطجع، فجلس فحدثه، فقال
стр. 163
له الرجل: " وددت أنك لم تتعَنَّ "، فقال: " إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع " (١).
وعن ابن القاسم قال: (قيل لمالك: " لم لمْ تكتب عن عمرو بن دينار؟ "، قال: " أتيته والناس يكتبون عنه قيامًا، فأجْللْتُ حديث رسول الله ﷺ أن أكتبه وأنا قائم ") (٢)
وقال عبد الله بن المبارك: (وكنت عند مالك وهو يحدثنا؛ فلدغته عقرب؛ ستة عشر مرة (٣)، ومالك يتغير لونه، ويصبر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ فلما فرغ من المجلس، وتفرق الناس، قلت: " يا أبا عبد الله، لقد رأيت منك اليوم عجبًا " قال: " إنما صبرت. إجلالا لحديث رسول ﷺ ") (٤).
فائدة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة شرحه لكتاب " صحيح مسلم ": (فصل: يستحب لكاتب الحديث إذا مر بذكر الله أن يكتب " " أو " تعالي " أو " " أو " تبارك وتعالي " أو " جل ذكره " أو " تبارك اسمه " أو " جلت عظمته " أو ما أشبه ذلك.
وكذلك يكتب عند ذكر النبي ﷺ بكمالها، لا رامزًا اليهما، ولا مقتصرًا على أحدهما.
وكذلك يقول في الصحابي: " ﵁ "، فإن كان صحابيًا ابن
стр. 164
صحابي قال: " ﵄ "، وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار -أي يستحب ذلك أيضًا- ويكتب كل هذا وإن لم يكن مكتوبًا في الأصل الذي ينقل منه، فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء، وينبغي أن يقرأ كل ما ذكرنا، وإن لم يكن مذكورًا في الأصل الذي يقرأ منه، ولا يسأم من تكرر ذلك، ومن أغفل هذا حُرِمَ خيرًا عظيمًا، وفَوَّتَ فضلاً جسيمًا) (١) اه-.
* * *
стр. 165
الفصل الثالث
فضل العلماء
* العلماء هم أئمة الأنام، وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحَمَوْا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، الذين قال فيهم الإمام أحمد ﵀: (يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيلٍ لأبليسَ قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه) (١).
قال ميمون بن مهران ﵀: " العلماء هم ضالتي في كل بلد، وهم بغيتي إذا لم أجدهم، وجدتُ صلاح قلبي في مجالسة العلماء ".
وقد تواردت أدلة الكتاب الكريم والسنة المطهرة على الإشادة بفضلِ العلماء، والإشارة بعلو مقامهم، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، قال ابن عباس ﵄: " يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات " (٢).
وعن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِن الله وملائكته، حتى النملةَ في جُحْرِها، وحتى الحوتَ في البحر، ليُصَلُّون على معلم الناس
стр. 166
الخير " (١).
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ مرفوعًا: " الخلق كلهم يصلون على معلم الخير، حتى نينانُ البحر " (٢).
وعن أنس رضي الله مرفوعاً: " صاحب العلم يستغفر له كل شيء، حتى الحوتُ في البحر " (٣).
* والعلماء هم أولو الأمر الذين أوجب الله طاعتهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
قال ابن عباس وضي الله عنهما: " يعني أهل الفقه والدين وأهل طاعة الله، الذين يعلِّمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده " (٤) اهـ.
وعن أبي الأسود قال، " ليس شيء أعزَّ من العلم، وذلك أن الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك " (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد كان النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك تفرقت الأمور،
стр. 167
فصار أمراء الحرب يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم يسوسون الناس بما يرجع إليهم من العلم والدين، وهؤلاء أولو الأمر، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة الله التي هم أولو أمرها) (١) اهـ.
وقال ﵀ في موضع آخر: (" أولو الأمر ": أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس) (٢).
وقال تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀ واصفًا العلماء: (هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الأمهات والآباء (٣) بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤) [النساء: ٥٩] اهـ.
قال ميمون بن مهران: " إن مثل العالم في البلد كمثل عينٍ عذبة في البلد " (٥).
стр. 168
وقد قيل: " مثل العلماء مثل الماء، حيثما سقطوا نفعوا " (١).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: " أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ "، قال: " بابني، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف؟ أو منهما من عوض؟ " (٢).
قال الإمام أحمد: (الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يُحتاج إليه في كل وقت) (٣).
وكيف تستغني -ياطالب العلم- عن العلماء؛ والفقهاء منهم (يضبطون عقلك، والمحدثون ينخلون أحاديثك، وجهابذة التفسير يفقهونك في قرآنك، والمؤرخون يعلمونك صعود الأمم وهبوطها على مدار القرون، والأصوليون يدربونك على أستنباط الأحكام، وأرباب اللغة يُقَوِّمون لسانك الأعوج، والربانيون يوصلون قلبك إلى الملإ الأعلى) (٤).
* والعلماء هم صفوة البشر على الحقيقة، وهم ورثة أربعة عشر قرنًا من العمل الدؤوب لخدمة الدين.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإِن العلماء ورثة الأنبياء، وإِن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورَّثوا العلم،
стр. 169
فمن أخذه أخذ بحظ وافر " (١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، وأدَّاها، فرُبَّ حامِل فقهٍ غير فقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إِلى من هو أفقهُ منه " (٢) الحديث.
وعن ابن عباس، ومعاوية ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (٣).
وعن الأوزاعي ﵀ قال: " الناس عندنا أهلُ العلم، ومن سواهم فلا شيء ".
الناسُ من جهة التِّمثال أكفاءُ ... أبوهُمُ آدم والأمُّ حواءُ
فإن يكن لهمُ في أصلهم نسبٌ ... يفاخِرون به؛ فالطين والماءُ
ما الفضلُ إلا لأهل العلم إنهمُ ... على الهدى لمن استهدى أدِلاء
وقدرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
فاهل العلم هم أصحاب البصيرة الذين أوتوا الحكمة، فهم يقضون بها، ويعلِّمونها للناس، وهم أوفر الناس حظًّا من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي
стр. 170
أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وبهذه البصيرة يتفرسون ويستشفون عواقب الأمور، ولا تستفزهم البداءات.
* وهم حُرَّاس الدين، وحُماته من الابتداع والتحريف:
فعن جماعة من الصحابة ﵃ منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ، وابن عمر، وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: " يَحمل هذا العلمَ من كل خَلفٍ عدو لُه، يَنْفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويلَ الجاهلين " (١).
وقد قيل لعبد الله بن المبارك: " هذه الأحاديث المصنوعة؟! "، فقال: " يعيش لها الجهابذة " (٢).
وعن ابن عُلية قال: (أخذ هارون الرشيد زنديقًا، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: " لم تضرب عنقي؟ "، قال له: " أريح العباد منك "، قال: " فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله ﷺ كلها ما فيها حرف نطق به؟! "، فقال له الرشيد: " فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفًا حرفًا ") (٣).
* وهم أولياء الله الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : " أولياء الله: الذين إِذا رؤوا ذُكِر الله " (٤).
ومن أعظم مناقب الربيع بن خُثيم ﵀ قول ابن مسعود ﵁
стр. 171
له: " يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله ﷺ لأحَبَّك، وما رأيتك إلا ذكرتُ المخبتين " (١).
وقال أبو إسحاق السَّبيعي في شيخه عمرو بن ميمون الأودي: " كان إذا رُؤي ذكر الله " (٢).
وكان محمد بن سيرين ﵀ إذا مَرَّ في السوق، فما يراه أحدٌ إلا ذكر الله تعالى (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " قال الله تعالى: من عادى لي وَليًا؛ فقد آذنتُه بالحرب " (٤) الحديث.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: " إن لم يكن الفقهاء أولياء الله؛ فليس لله ولي ".
وقال الإمام الشافعي ﵀: " إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة، فما لله ولي " (٥).
وكان عكرمة ﵀ يقول. " إياكم أن تؤذوا أحدًا من العلماء، فإن من آذى عالمًا فقدآذى رسول الله ﷺ ".
* والعلماء عصمة للأمة من الضلال، وهم سفينة نوح من تخلَّف عنها -لا سيما في زمان الفتن- كان من المغرقين.
стр. 172
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إِذا لم يُبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " (١).
وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: (" خذوا العلم قبل أن يذهب " قالوا: " وكيف يذهب العلم يا نبي الله، وفينا كتاب الله؟ "، قال: (فغضب -لا يغضبه الله- ثم قال: " ثكلتكم أمهاتكم، أو لم تكن التوراة والإِنجيل في بني إِسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئًا؟ إِن ذهاب العلم: أن يذهب حَمَلته ") (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: " أتدرون ما ذهاب العلم؟ "، قلنا: " لا "، قال. " ذَهاب العلماء " (٣).
وعنه ﵁ قال: " لا يزال عالم يموت، وأثر للحق يَدْرس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهل العلم، فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل " (٤).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من سوَّده قومه على الفقه، كان حياة له ولهم، ومن سوَّده قومُه على غير فقه، كان هلاكًا له ولهم " (٥).
стр. 173
وعن ابن مسعود ﵁ قال: " لا يزال الناس بخيرٍ ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا " (١).
وقال الحسن " موت العالم ثُلْمَة (٢) في الإسلام، لا يسُدُّها شيء ما طرد الليل والنهار " (٣).
وقال هلال بن خبَّاب: سألت سعيد بن جبير؛ قلت: " يا أبا عبد الله! ما علامة هلاك الناس؟ "، قال: " إذا هلك علماؤهم " (٤).
وقال سفيان بنْ عيينة: " وأي عقوبة أشد على أهل الجهل أن يذهب أهلُ العلم؟ " (٥).
وقال الحسن البصري: " الدنيا كلها ظُلمة إلا مجالس العلماء " (٦).
وقال الإمام أبو بكر الآجري ﵀:
( ..... فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيَّروا، فقيَّض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح،
стр. 174
فبقوا فى الظلمة، فما ظنكم بهم؟
هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداءُ الفرائض، ولا كيف اجتنابُ المحارم، ولا كيف يُعْبد الله في جميع ما يَعبده به خلقُه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيَّر الناس، ودَوَس العلم بموتهم، وظهر الجهل) (١) اهـ.
* * *
стр. 175
أدب الأئمة مع شيوخهم ومع بعضهم البعض
ولأن " أدب الأئمة إِمام الأدب " نعرض فيما يلي مواقف عملية لأئمة الهدى في التأدب مع مشايخهم، ومع أقرانهم، لعلنا نقتبس منها الدرس والعبرة:
فعن موسى بن يسار قال: (كان رجاء بن حيوة، وعدي بن عدي، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولاً عن مسألة، فقال مكحول: " سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة ") (١).
(وكان القاضي " أحمد بن إبراهيم بن حماد المالكي " مع كونه كبير القضاة، إلا أنه كان يتردد إلى الإمام " أبي جعفر الطحاوي الحنفي " يسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوي عن مسألة، والقاضي عنده، فقال له الطحاوي: " مذهب القاضي -أيده الله- كذا وكذا، فقال له السائل: " ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك "، فقال: " يا هذا، هو كما قلت "، فأعاد السائل، فقال له القاضي: " أفته -أيدك الله- برأيك " فقال له الطحاوي: " إذا حيث أذن القاضي -أيده الله- أفتيته "، ثم أفتاه) (٢).
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: (كان يحيى بن سعيد يجالس ربيعة، فإذا غاب ربيعة، حدثهم يحيى أحسن الحديث، وكان كثير الحديث، فإذا حضر ربيعة كفَّ يحيى إجلالاً لربيعة، وليس ربيعة بأسنَّ منه، وهو فيما هو
стр. 176
فيه، وكان كل واحد منهما مبجِّلاً لصاحبه) (١).
إن يختلفْ ماءُ الوِصال فماؤنا ... عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِن غَمامٍ واحِد
أو تختلفْ نسبًا يؤلفْ بيننا ... أدب أقمناه مقامَ الوالدِ
وعن عبيد الله بن عمر قال: (كان يحيى بن سعيد يحدثنا، فيَسحُّ علينا مثل اللؤلؤ -ويشير عبد الله بيديه إحداهما على الأخرى- قال عُبيد الله: " فإذا طلع ربيعة، قطع يحيى حديثه إجلالاً لَربيعة، وإعظامًا له ") (٢)
عن محمد بن رافع قال: (كنت مع أحمد وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى المصلَّى، ومعنا ناس كثير، فلما رجعنا، دعانا عبد الرزاق الي الغداء، ثم قال عبد الرزاق لأحمد وإسحاق: " رأيت اليومَ منكما عجبًا، لم تكبرا "، فقال أحمد وإسحاق: " يا أبا بكر، كنا ننتظر هل تكبر، فنكبر، فلما رأيناك لم تكبر، أمسكنا "، قال: " وأنا كنت أنظر إليكما، هل تكبِّران فأكبر!! ") (٣).
وقيل لأبي وائل: " أيكما أكبر؛ أنت أم الربيع بن خثيم؟ "، قال: " أنا أكبر منه سنًا، وهو أكبر مني عقلاً " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي: (كان ابن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلم، وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، إنما يَكْنِيه تبجيلاَّ لَه) (٥).
стр. 177
وقال أيضًا: (ما سمعت أحمد بن حنبل سمَّاه قط -يعني علي بن المديني- إنما كان يكنيه تبجيلاً له) (١).
وقال أحمد بن حنبل: (قال لنا الشافعي: " أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث، فقولوا لنا حتى آخذ به ") (٢).
وجاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل فبينا هو عنده، إذ مرَّ الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يُسَلِّم عليه وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: " يا أبا عبد الله كم هذا؟ "، فقال: " دع عنك هذا، إن أردت الفقه فالزم ذَنَبَ البغلة " (٣).
وقال العراقي: " لا ينبغي للمحدث أن يحدّث بحضرة من هو أولى منه بذلك ".
وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء لسنه (٤).
وقال سفيان الثوري لسفيان بن عيينة: " مالك لا تحدث؟ " فقال: " أمَّا وأنت حيٌّ فلا " (٥) *
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: سمعت يحيى بن معين يقول: " الذي يُحدِّثُ ببلد به من هو أولى بالتحديث منه أحمق، وإذا رأيتني أحدِّث ببلد فيها مثلُ أبي مُسْهِر فينبغي للحيتي أن تُحلقَ " (٦).
стр. 178
وقال بعض أهل العلم في حق الحاكم ابن البيِّع صاحب " المستدرك ": (ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكمون أن مقدمي عصره مثل أبي سهل الصعلوكي , والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويُراعون حق فضله، ويعرفون له حرمته الأكيدة) (١) اهـ
وكان بين الإمامين أبي نعيم وابن مَنْدة وحشة شديدة، ومع ذلك لما ذُكر لأبي نعيم ابنُ مَندة؛ قال: " كان جبلاً من الجبال " (٢).
ولما قدم العز بن عبد السلام إلى الديار المصرية بالغ الشيخ زكيُّ الدين المنذرى (محدِّث مصر وصاحب كتاب " الترغيب والترهيب " في الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، وقال. " كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره؛ فمنصب الفتيا متعين فيه ") (٣).
أدب كمثل الماءِ لو أفرغتَه ... يومًا لسال كما يسيلُ الماء
* * *
стр. 179
النصرة والولاء بين العلماء
لقد ربط الإسلام المسلم بأخيه حتى صارا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، (فربْطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : " إِن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إِذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (١)، ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس، وإرادة الأخ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى:: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي: لا تخرجون إخوانكمِ، وكقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أي: بأخوانهم على أصح التفسيرين، وقوله : ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: إخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٢).
стр. 180
ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية، قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الى غير ذلك من الآيات.
إن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق، وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله "، ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كانه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا؛ عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم فيِ الأرضِ مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ُ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧: ٩].
فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنما هي الإيمان بالله جل وعلا، لأنه قال عن الملائكة: ﴿وَيُؤْمِنُون بِه﴾ فوصفهم بالإيمان، وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فوصفهم أيضًا بالايمان , فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان، وهو أعظم رابطة.
ومما يوضح ذلك قوله تعالى في أبي لهب عم النبي ﷺ : (سيصلى نارًا