← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وما تكلم الربيع بن خثيم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسًا وقلمًا، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء (١). وقال رجل لحاتم الأصم: " ما تشتهي؟ "، قال: " أشتهي عافية يوم إلى الليل "، فقال له: " أليست الأيام كلها عافية؟ "، قال: " إن عافية يومي أن لا أعصي الله فيه " (٢). وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: (وقد أخبرني بعض أشياخي من الصوفية، أنه كان من جملتهم رجلٌ إذا صفا له يوم واحد، جعل جَوْزًا في قِدر، وختم عليه، فإذا سُئل عن عمره أخرج القِدْرَ، وفضَّ الختم، وعدَّ الجوز، فيرى أن أيامه بعددها) (٣). * * *

стр. 72

قلة المخالطة وقاية من الغيبة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصاحب إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إِلا تقي " (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " (٢). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكبير، فحامل المسك، إِما أن يُحذِيَك (٣)، وإِما أن تبتاعَ منه، وإِما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكبير إِما أن يُحْرِق ثيابك، وإِما أن تجد ريحًا خبيثة " (٤). قال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: " فيه فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو

стр. 73

يكثر فجره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة " (١). وعن شقيق البلخي قال: (علامة التوبة البكاءُ على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهِجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار) (٢). فحق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم، وأن يتجنب مجالسة الأشرار، لأنه لا يأمن غائلتهم، والطبع يسرق من الطبع وهو لا يدري، فصحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنًا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبًا، وقد قيل: " لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقالُه "، وقيل: " لا تصحب الفاجر؛ فإنه يزين لك فعله، ويود لك أنك مثله ". ولما كان " الدفع أسهل من الرفع "، و " الوقاية خيرًا من العلاج "؛ أشار النبي ﷺ إلى فضيلة لزوم الإنسان بيته اتقاء الغيبة، فقال فيما رواه عنه معاذ بن جبل ﵁: " ... ومن جلس في بيته لم يغتب إِنسانًا كان ضامنًا على الله " (٣). وهذا يدل على فضيلة من اعتزل مجالس الناس، ولزم بيته بنية كف شر لسانه عن إخوانه المؤمنين، كما قال ﷺ في أفضل الأعمال بعد الجهاد: " مؤمن

стр. 74

في شِعب من الشعاب يعبد الله، ويدع الناس من شره " (١). وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم جُلُوس في مجلسٍ، فقال: " ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟ "، فقلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " رجل آخِذٌ برأس فرسه في سبيل الله حتى عُقِرَت أو يُقْتَلَ، فأخْبركم بالذي يليه؟ "، قلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس " (٢) الحديث. وقال القشيري: " ليس تحصل الغِيبة من الخلق إلا بالغَيبة عن الحق "، ولهذا كانت الغيبة وأكل لحوم الناس قوتًا لا يستغنى عن التهامه الشاردون عن منهج الله، والغافلون عن ذكره ، ومن ثم كثرت شكاوى الصالحين من أمثال هذه المجالس، وكثر تندمهم عليها، وفرارهم منها: فقد قيل لعبد الله بن المبارك: " إذا أنت صليت، لم لا تجلس معنا؟ "، قال: " أجلس مع الصحابة والتابعين، انظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ إنكم تغتابون الناس " (٣). وقد قيل: " علامة المزيد قطيعة كل خليط، لا يريد ما تريد ". وقال محمد بن نضر الحارثي لأبي الأحوص: " أليس يزعمون أنه قال: (أنا جليس من ذكرني؟)، قال: بلى، قال: ما على أحد أن لا يجالس الناس " (٤)، وعن أبي أسامة قال: قلت لمحمد بن النضر: أما تستوحش من طول

стр. 75

الجلوس في البيت؟ فقال: ما لي أستوحش، وهو يقول: " أنا جليس من ذكرني " (١). وعن طلحة بن عبيد الله قال: " أقل العيب على المرء أن يقال: إنه يكثر الجلوس في بيته " (٢). وقال الأعمش: كان يقال: " إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه مطيع " (٣). وقاله الزهري: " إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب " (٤). وعن خلف بن إسماعيل البرزاني قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " أقِلَّ من معرفة الناس تَقلَّ غيبتُك " (٥). وعن أبي ذر قال: " ما لي وللناس، وقد تركت لهم بيضاءهم وصفراءهم؟! " (٦). لقاء الناس ليس يفيد شيئًا ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حالِ (٧) وقال الشافعي ﵀: " الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط " (٨).

стр. 76

وقال شقيق البلخي: " اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها، واحذر أن تُحرقك " (١). وقال عبد الله بن داود: " من أمكن الناس من كل ما يريدون، أضروا بدينه ودنياه " (٢). وقال إبراهيم بن أدهم: " من أراد التوبة؛ فليخرج من المظالم، وليدعْ مخالطة الناس، وإلا لم ينل ما يريد " (٣). وعن بشر بن الحارث: قال سفيان الثوري: " وددت أني إذا جلست لكم أقوم كما أقعد، لا عليَّ، ولا ليَ " (٤). وعن زياد بن حدير، قال: " لوددتُ أني في حَيِّزٍ من حديد، ومعي ما يُصلحني، لا أكَلِّم الناسَ، ولا يكلموني حتى ألقى الله ﵎ " (٥). ومن أنست منه أنه يهلكك بالغيبة، فاقطعه، وفرَّ منه فرارك من الأسد أو الأجرب. عن محمد بن واسع قال: (رأيت صفوان بن مُحْرِز في المسجد، وقريبًا منه ناس يتجادلون، فرأيته قام فنفض ثيابه، وقال: " إنما أنتم جَرَبٌ " مرتين). (٦).

стр. 77

وعن إبراهيم بن أدهم ﵀ (أنه دُعي إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: " إنه ثقيل "، فقال إبراهيم: " أنا فعلت هذا بنفسي حيث حضرت موضعًا يُغتاب فيه الناس "، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام) (١). وقال بشر بن منصور: " ما جلستُ إلى أحد، فتفرقنا، إلا علمتُ أني لو لم أقعد معه كان خيرًا لي " (٢). وعن سفيان قال: " إني لألقى الأخ من الإخوان اللقاءة، فأكون بها غافلاً شهرًا " (٣). وعن منصور بن زاذان قال: (إن الرجل من إخواني يلقاني، فأفرح إن لم يَسُؤْنِي في صديقي، ويبلِّغْني الغيبة ممن اغتابني، وإني لفي جَهْدٍ من جليسي حتى يفارقني، مخافة أن يأثم ويؤثّمَنِي) (٤). وعن وهيب بن الورد قال: " وجدت العزلة في اللسان " (٥). وعن عبد الله بن المبارك قال: (قال بعضهم في تفسير العزلة: " هو أن يكون مع القوم، فإن خاضوا في ذكر الله فخُض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت ") (٦). فعزلة المؤمن من المجالس التي يسود فيها فضول الكلام والغيبة عِزٌّ له، بخلاف مجالس الذكر، فإنها رياض الجنة، وهي من النار جُنَّة. عن عمر ﵁ قال: " عليكم بذكر الله، فإنه شفاء، وإياكم وذكر

стр. 78

الناس فإنه داء " (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم " (٢). وما أحسن ما قال الشاعر: وَحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده وجليس الخير خير ... من قعود المرء وحده وقال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: (ولسنا نريد -رحمك الله- بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجُمُعَات، وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، ووضائع السنن، والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبلها، ما لم يحل دونها حائل شغل، ولا يمنع عنها مانع عذر، إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها) (٣) اهـ. * * *

стр. 79

الفصل الخامس ما يجب على من حضر مجلس غيبة من حق المسلم على أخيه المسلم أن ينصره إذا ظُلِم، وأن يذب عن عرضه إذا خاض فيه منافق أو ظالم لا يخشى يوم الحساب. عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يَكُفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه " (١). وعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من حمى مؤمنًا من منافق -أراه قال-: بعث الله مَلَكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم " (٢). الحديث. وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من ذَبَّ عن عِرض أخيه بالغيب؛ كان حقًّا على الله أن يُعتقه من النار " (٣). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من نصر أخاه بالغيب

стр. 80

نصره الله في الدنيا والآخرة " (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من رد عن عِرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة " (٢). وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من امريء يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمتُه، ويُنتقص فيه من عرضه، إِلا خذله الله في موطن يحب نصرته، وما من امريء ينصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إِلا نصره الله في موطن يحب نصرته " (٣). وهذا ما التزمه صحابة رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم في حق إخوانهم: فقد (سمع عمار بن ياسر رجلاً ينال من أم المؤمنين عائشة ﵂، فقال له: " اسكت مقبوحًا منبوحًا، فأشهد أنها زوجة رسول الله ﷺ في الجنة "، وفي رواية: " اغرب مقبوحًا أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ ؟! ") (٤). وعن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته قال: (قال النبي ﷺ وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك؟ "، فقال رجل من بني سلمة: " يا رسول الله، حبِسه بُرْداه والنظرُ في عِطفيه " (٥) -

стр. 81

أي جانبيه- فقال معاذ بن جبل ﵁: " بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا "، فسكت رسول الله ﷺ ) (١) أي سكت مقرًا لإنكار معاذ على من فعل غيبة أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب. وفي حديث عتبان بن مالك ﵁ قال: (قام النبي ﷺ يصلي، فقال: " أين مالك بن الدُّخْشُم؟ "، فقال رجل: " ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله "، فقال النبي ﷺ : " لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إِلله إِلا الله، يريد بذلك وجه الله؟! وإِن الله قد حرم على النار من قال: لا إِله إِلا الله يبتغي بذلك وجه الله ") (٢). وكان بين سعد وخالد ﵄ كلام، فذهب رجل يقع في خالد، ﵁، عند سعد، ﵁، فقال: " مَهْ، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا " (٣). عن ابن عون قال: " كانوا إذا ذكروا عند محمد -أي ابن سيرين- رجلاً بسيئة، ذكره هو بأحسن ما يعلم " (٤). قال الإمام النووي ﵀: (اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) (٥) اهـ.

стр. 82

ذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه دُعي إلى طعام، فلما جلس؛ قالوا: " إن فلانًا لم يجيء "، فقال رجل منهم: " إن فلانًا رجل ثقيل "، فقال إبراهيم: " إنما فعل هذا بي بطني حين شهدت طعامًا اغتبت فيه مسلمًا "، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام (١). إن غيبة المسلم ظلم وتعدّ لحدود الله ، وقد قال تعالى: (وَمَن ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩]، ومحاصرةً لهؤلاء الظالمين؛ نهت الشريعة عن الركون إليهم: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] وعن معاشرتهم ومساكنتهم والقعود معهم: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (إذا حضرت أمرًا ليس بطاعة الله، ولا تقدر أن تنهى عنه فتنح عنهم، واتركهم لقول رسول الله ﷺ : " لا يمنعن رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحق إِذا علمه، أو شهده، أو سمعه " (٣)) (٤) اهـ. وغيبة المسلم من اللغو القبيح الذي يتنزه المؤمنون عن حضور مجالسه

стр. 83

والإنصات إليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]، وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقال جل وعلا: وَإِذَا ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. * * *

стр. 84

المتنزهون عن الغيبة كان التنزه عن الغيبة -كغيره من الفضائل- سمة سائدة عند السلف الصالح والقرون الفاضلة. قال إياس بن معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى: " كان أفضلهم عندهم -أي عند الصحابة ﵃ أسلمهم صدورًا، وأقلهم غيبة " (١) وعن سهل بن عبد الله التُّسترِيِّ ﵀ قال: " من أخلاق الصديقين أن لا يحلفوا بالله، وأن لا يغتابوا، ولا يغتاب عندهم، وأن لا يشبعوا، وإذا وعدوا لم يُخلفوا، ولا يمزحون أصلاً " (٢). وقال بعضهم. " أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس " (٣). وقال الإمام ابن الجوزي واصفًا شيخه عبد الوهاب الأنماطي: (كان على قانون السلف لم يُسمع في مجلسه غيبة ... ) (٤). ثم عَزَّ هذا الخُلُق فيمن أتى بعدهم، قال الإمام وكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) رحمه الله تعالى: " من عزة السلامة من الغيبة أنه لم يسلم منها إلا القليل "،

стр. 85

فإذا كان المتنزهون عن الغيبة في عهده ﵀ قلة، فما بالك بزماننا: وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً ... فقد صاروا أعزَّ من القليل وعن أبي الرقاد قال: خرجت مع مولاي وأنا غلام، فدفعت إلى حذيفة فسمعته يقول: " إن كان الرجلُ ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقًا، واني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات " (١). وعن الحسن بن صالح، قال: " فتشت عن الورع، فلم أره في شيء أقل منه في اللسان " (٢). وتأمل قول أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة الإفك: ( .. وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري، فقال: " يا زينب ماذا علمتِ أو رأيت؟ "؟ فقالت: " يا رسول الله! أحْمي سمعي وبصري، ما علمتُ إلا خيرًا ")، قالت عائشة ﵂: " وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ ، فعصمها الله بالورع " (٣). وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى تَرى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يُلقي لها بالاً ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورِّع عن الفواحش والظلم،

стр. 86

ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يُبالي ما يقول!!) (١) اهـ. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى معلقًا على قول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله "؟ قلت: بلى، فأخذ بلسانه، فقال: " تكف عليك هذا " الحديث: (هذا يدل على أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله؛ وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره، وأحكمه وضبطه) (٢) اهـ. وعن مبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد قال: " لا تجد من البر شيئًا واحدًا يتبعه البر كله غيرَ اللسان، فإنك تجد الرجل يكثر الصيام، ويفطر على الحرام، ويقوم اليل، ويشهد بالزور بالنهار -وذكر أشياء نحو هذا- ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق، فيخالف ذلك عمله أبدًا " (٣). فاستقامة اللسان من أعظم أركان الاستقامة؛ لأنها إذا يُسِّرت للإنسان فتحت له أبواب البر، وأغلقت دونَه أبواب الفجور، ولذلك لما أوصى النبي ﷺ سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁، وقال له: " قل آمنت بالله، ثم استقم "، سأله سفيان: " ما أخوف ما تخاف علي؟ "، فأخذ بلسان نفسه (٤)، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن زلل اللسان من أعظم القوادح في الاستقامة، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: " اللسان قِوام البدن، فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللسان، لم يقم له جارحة " (٥)، وعن يونس بن عبيد قال: " ما رأيت أحدًا لسانه منه على بالٍ، إلا

стр. 87

رأيت ذلك صلاحًا في سائر عمله " (١). وعنه ﵀ قال: " خصلتان إذا صلحتا من العبد؛ صلح ما سواهما: صلاته، ولسانه " (٢). وعن يحيى بن أبي كثير ﵀ قال: " خصلتان إذا رأيتهما في الرجل، فاعلم أن ما وراء هما خيرٌ منهما: إذا كان حابسًا للسانه، يُحافظ على صلاته " (٣). وعنه ﵀ أنه قال: " ما صَحَّ منطق رجل قط، إلا صحَّ ما وراء ذلك " (٤). وعن الأوزاعي، عن يحيى ﵀ قال: (أثنى رجل على رجل، فقال له بعض السلف: " وما علمك به؟ " قال: " رأيته يتحفظُ في مَنْطِقه ") (٥). إن التنزه عن الغيبة مؤشر قوي على تمام القدرة على ضبط النفس، لا سيما إذا كان في الغيبة مصلحة شخصية أو حزبية، وتأمَّل قول " الصفدي " في " يحيى بن إسماعيل المخزومي ": " صحبته أكثر من عشرين سنة، وما رأيت منه سوءًا قط .. وكان قويَّ النفس يتقي لسانه " (٦). أما ضعاف النفوس فلأنهم يشعرون بضآلة أنفسهم، فقد تميزوا غيظًا لما رأوا قممًا شاهقة، وهم سفوح واطئة، فأرادوا هدم القمم حتى تتساوى الرؤوس على السفوح الخفيضة، وحسبوا أنهم لن يصعدوا إلا على أشلاء العمالقة، فمن

стр. 88

ثم ينصبون مشانق التجريح لإلغاء الثقة في علماء الأمة، ويتعاطون غيبتهم، ويتداولونها، ويُدار عليهم بها كما يدار بكأس الماء على العطشى فمقل ومستكثر. وقد حفظت لنا كتب التراجم سِيَرَ أفذاذ من الرجال بادروا الأوقات، واستدركوا الهفوات، فالعين مشغولة بالدمع عن المحرمات، واللسان محبوس في سجن الصمت عن الهلكات، والكف قد كفت بالخوف عن الشهوات، والقدم قيِّدت بقيد المحاسبات، والليل لديهم يجأرون فيه بالأصوات، فإذا جاء النهار قطعوه بمقاطعة اللذات، حفظوا الله فحفظهم، وطهر ألسنتهم من آفة الغيبة المهلكة، فكانوا يجتنبونها كما يجتنبون النجاسات، ولا يسمحون للغيبة أن تدار في مجالسهم، كما لا يسمحون لكئوس الخمر أن تدور فيها، وهاك بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر: امتدح حسان بن ثابت ﵁ أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، فقال: حَصانٌ (١) رَزان (٢) ما تُزَنُّ (٣) بريبةٍ ... وتُصبحُ غَرثى (٤) من لحومِ الغوافلِ (٥) وقال الأحنف بن قيس: " ما ذكرت أحدًا بسوء بعد أن يقوم من عندي " (٦). وعن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، أنه كان لا يدعُ أحدًا

стр. 89

يغتاب عنده (١). وقال الفلاَّس: " ما سمعت وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوء قط " (٢). وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: قال فلان -وسمَّى رجلاً-: " ما رأيت رجلاً من الناس إلا لابد أن يتكلم ببعض ما لا يريد غير عاصم بن عمر ". وعن أبي عُبيد قال: " ما رأيتُ رجلاً قَطُّ أشَدَّ تحفظًا في مَنْطِقِهِ من عمر بن عبد العزيز " (٣). وعن جرير بن حازم قال: سمعت ابن سيرين ذكر رجلاً، فقال: " ذاك الأسود "، ثم قال: " أستغفر الله، أخاف أن أكون قد اغتبته " (٤). وعن طوف بن وهب قال: (دخلت على محمد بن سيرين، وقد اشتكيت، فقال: كأني أراك شاكيًا؟ قلت: أجل، قال: اذهب إلى فلان الطبيب، فاستوصفه، ثم قال: " اذهب إلى فلان، فإنه أطبُّ منه "، ثم قال: " أستغفر الله، أراني قد اغتبته ") (٥). وعن إبراهيم التيمي قال: " أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة، فلم يتكلم بكلام لا يصعد " (٦). وقال بعضهم. " صحبت الربيع بن خثيم عشرين عامًا، ما سمعت منه

стр. 90

كلمة تعاب " (١). وقال أبو عاصم النبيل: " ما اغتبت مسلمًا منذ علمت أن الله حرم الغيبة " (٢). وعن حزم قال: " كان ميمون بن سياه لا يغتاب، ولا يدع أحدًا يغتاب عنده، فإن انتهى، وإلا قام وتركه " (٣). وعن الصَّلْت بن بَسْطامٍ: حدثني رجل من تيم الله، وكان قد جالس الشعبي وإبراهيم، قال: " ما رأيت أحدًا أملك للسانه من طلحة بن مُصَرِّف " (٤). وهو القائل ﵀: " ما تكلمت بكلمة منذ عشرين سنة، لم أتدبرها قبل أن أتكلم بها إلا ندمت عليها، إلا ما كان من ذكر الله " (٥). وقال أبو بكر بن عياش: " ما سمعت أبا إسحاق -السبيعي- يعيب أحدًا قط، وإذا ذكر رجلاً من الصحابة، فكأنه أفضلُهم عنده " (٦). وقال خارجة بن مصعب: " صحبت عبد الله بن عوف أربعًا وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة " (٧). وعن يحيى القطان قال: " ما ساد ابن عون الناس أن كان أتركهم للدنيا، ولكن إنما ساد ابن عون الناس بحفظ لسانه " (٨).

стр. 91

وعن سلام بن أبي مطيع قال: " كان ابن عون أملكهم للسانه " (١). وعن معاذ بن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد، قال: " إني لأعرف رجلاً منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون، فما يقدر عليه، وليس ذاك أن يسكت رجل لا يتكلم، ولكن يتكلم، فيسلم، كما يسلم ابن عون " (٢). وقال يونس بن عبيد: " ما أعرف رجلاً يضبط نفسه منذ أربعين سنة ضبط ابن عون يومًا واحدًا " (٣). وعن بشر بن الحارث قال: (كان رجل يجالس إبراهيم بن أدهم، فاغتاب عنده رجلاً، فقال: " لا تفعل "، ونهاه، فعاد، فقال له: " اذهب "، وصاح به، ثم قال: " عجبتُ لناكيف نُمْطر؟ ") (٤). وكان ﵀ يجتهد في سد الذريعة إلى الغيبة خوفًا من أن يُعْصى اللهُ بها، وغيرة على حرماته أن تُنتهك، فعن عيسى بن حازم قال: (كنا مع إبراهيم ابن أدهم في بيت ومعه أصحاب له، فأتوا ببطيخ، فجعلوا يأكلون، ويمزحون، ويترامون بينهم، فدق رجل الباب، فقال لهم إبراهيم: " لا يتحركن أحد "، قالوا: " يا أبا إسحاق تعلمنا الرياء؟ نفعل في السر شيئًا لا نفعله في العلانية؟ " فقال: " اسكتوا إني أكره أن يُعْصَى اللهُ في وفيكم ") (٥). فلا نعجب إذن لما رواه يحيى بن يمان قال: " كان سفيان إذا قعد مع إبراهيم ابن أدهم، تحرَّز من الكلام " (٦). وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: " أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحدًا ".

стр. 92

وعلق الحافظ الذهبي ﵀ قائلاً: (قلت: صَدَق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم وَرَعه في الكلام في الناس، وإنصافَه فيمن يُضَعِّفُهُ، فإنه أكثر ما يقول: " منكر الحديث "، " سكتُوا عنه "، " فيه نظر "، ونحو هذا، وفى أن يقول: " فلان كذاب "، أو: " كان يَضَعُ الحديث "، حتى إنه قال: " إذا قلتُ: فلانٌ في حديثه نظر، فهو متَّهم واهٍ "، وهذا معنى قوله: " لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا "، وهذا هو والله غاية الورع) (١) اهـ. قال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: (سمعته -يعني البخاري- يقول: " لا يكون لي خصم في الآخرة "، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب " التاريخ "، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما رُوِّينا ذلك رواية، لم نَقُله من عند أثفسنا، قال النبي ﷺ : " بئس مولى العشيرة " يعني حديث عائشة (٢). وسمعته يقول: " ما اغتبت أحدًا قطُّ منذ علمتُ أن الغيبة تضر أهلها ") (٣) اهـ. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: " منذ عَقَلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدًا قط " (٤). وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: " ما تكلمت بكلمة؛ ولا فعلت فعلاً؛ إلا وأعددت له جوابًا بين يدي الله " (٥). وقال الحسن بن بشار: " منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر منها ".

стр. 93

وعن مخلد بن الحسين قال: " ما تكلمت بكلمة أريد أن أعتذر منها منذ خمسين سنة " (١). وفي ترجمة محمد بن أحمد التِّلمْساني ﵀: أنه " كان قائمًا على حفظ كتاب الله، طيب النغمة به، لمَ يُؤثر عنه في أحدٍ وقيعة، مع اتصاله بالسلطان " (٢). وهذا محمد بن إدريس بن محمد القَمّولي نجم الدين (ت ٧٠٩ هـ) الفقيه الشافعي (كان يستحضر الروضة، وأكثر شرح مسلم، والوجيز للواحدي، مع المشاركة في العربية، والأصول، والحساب، وكان لا يستغيب أحدًا، ولا يُمَكِّنُ أحدًا يستغيب بحضرته، مع ملازمة الاشتغال، والأمر بالمعروف، والتقلل من الدنيا) (٣). وهذا محمد بن سليمان بن الفخر تاج الدين (كان متعبدًا متجنبًا للغيبة وسماعها) (٤). وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة " أرون الدوادار ": " كان خيّرًا، ساكنًا، قليل الغضب، حتى يقال: إنه لم يَسمع منه أحد في طول نيابته بمصر وحلب كلمة سوء " (٥). أما محمد بن عبد الحق بن عيسى الخُضَري (ت ٧٤٧ هـ) فقد وُصف رحمه الله تعالى بأنه: (كان جِدًّا كله، لا هزل فيه، وأنه كان لا يمكِّن أحدًا أن يذكر عنده أحدًا بسوء) (٦).

стр. 94

وهذا سعيد بن محمد الملياني الغربي المالكي كان من أعيان المالكية (ت ا ٧٧ هـ) (خيِّرًا متحرزًا من سَماع الغيبة، لا يُمَكَن أحدًا يستغيب، فإن لم يسمع نهيَه مَن في المجلس خرج مِن المجلس، ومات على ذلك ﵀ (١). * * * ونقفز إلى عصرنا الحاضر، لنطالع سيرة رجل من أفذاذ الرجال، وجِهْبِذ (٢) من جهابذة العلماء، إنه العلامة القرآني محمد الأمين بن محمد الختار الشنقيطي رحمه الله تعالى، الذي اختُصَّ بهذا الخلق العزيز؛ وهو شدة التجافي عن الوقوع في أعراض الناس، فقد كان لا يسمح لأحد أن يغتاب في مجلسه مهما كان قدره، كأنه كان محاربًا مرابطًا على ثغرة، لا يُمَكِّن أحدًا من الاقتراب من محارم الله بانتهاش أعراض الناس، يحمي بذلك نفسه من الإثم، ويحفظ مجلسه نقيًا طاهرًا، ويؤدِّبُ من يلوذون به على ضبط النفس، وإشغالها بما ينفع، ووقايتها مما يضر. قال الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس في ترجمته ﵀: (وحدثني ابنه عبد الله عنه أنه قال في معرض التحذير من أعراض الناس: " قتل الأولاد وأخذ الأموال أهون من أخذ الحسنات لشايب كبير "؛ يعني نفسه ﵀، وهو تحذير من الغيبة. وحدثني أيضا: (أن رجلاً كبيرًا اغتاب عنده رجلاً، فنهاه، فقال المغتاب:

стр. 95

" أنا المتكلم لا أنت "، فرد عليه الشيخ بقوله: " أنا شايب بين جنبي سورة البقرة (١)، تسكت بأدب، أو تخرج "). وحدثني عنه أيضًا أنه كان يقول: " لا يتكلم في أنساب الناس إلا أحد رجلين: رجل به حسد يريد أن يُنْقِصَ الناسَ عن نفسه، أو رجل قليل النسب يريد أن يُلْحِقَ الناسَ به ") (٢). وقال الشيخ الشنقيطي ﵀ في أثناء سرده لسياق رحلته إلى الحج: (ثم جئنا آخر النهار بعد الثالثة للقرية المسماة " آتيه "، فالتمسنا عربيًا نبيت عنده، فدعانا رجل عربي -والله ما سألت عن اسمه ولا اسم أبيه خوفًا من الغيبة- فأنزلنا في مكان يعوي منه الكلب، وأغلقه علينا من الخارج، فبتنا بليلة لا أعاد الله علينا مثلها، أشد من ليلة نابغية، ومن ليلة مهلهلية ..... ) (٣). وقال تلميذه فضيلة الشيخ عطية سالم حفظه الله ما نصه: " ولم يكن يغتاب أحدًا، أو يسمح بغيبة أحد في مجلسه، وكثيرًا ما يقول لإخوانه (تكايسوا)؛ أي: من الكياسة والتحفُّظ من خطر الغيبة، ويقول: " إذا كان الإنسان يعلم أن كل ما يتكلم به يأتي في صحيفته؛ فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب ".

стр. 96

وقال أيضا: " أما مكارم أخلاقه ومراعاة شعور جلسائه؛ فهذا فوق حد الاستطاعة، فمذ صحبته لم أسمع منه مقالاً لأي إنسان -ولو مخطئًا عليه- يكون فيه جرح لشعوره، وما كان يعاتب إنساناً في شيء يمكن تداركه، وكان كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه، وحينما كنت أسائله في ذلك يقول: ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه ... لكنَّ سَيِّدَ قومِهِ المتغابي) (١) وقال ﵀ مدافعًا عن نفسه حين رماه رجل ظلمًا بأنه كتب شعرًا يهجوه فيه: (فغضبت من تَزويره عَلَيَّ، لأني -ولله الحمد والمنة- لست ممن يهجو، وما كافأت أحدًا بسوء، وما أخذت أخًا بزلة، تحدثًا بنعمة الله تعالى)، ومما كتب في تلك المناسبة: وتمنعني من ذاك نفس عزيزة ... غلا سعرها في السوق يومَ كسَادِه تهاب الخنا والنقصَ في كل موطن ... وقلبٌ يُقَوِّيها بشِدةِ آدِهِ (٢) وإني لأكسو الخِلَّ حُلَّةَ سُنْدُسٍ ... إذا ما كساني من ثياب حِدَادِه وكائِن يَغِيظُ المرَءَ ظنُّ حبيبِهِ ... به السوءَ بعضُ الظنِّ إثمٌ فعادِهِ (٣) * * *

стр. 97

الفصل السادس كيف التوبة من الغيبة ؟ قال الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: " التوبة هي الندم على ما مضى من المعاصي والذنوب، والعزم على تركها دائمًا لله ، لا لأجل نفع الدنيا أو أذى (١)، وأن لا تكون عن إكراه أو إلجاء، بل اختيارًا حال التكليف " (٢). اعلم وفقك الله -أنه يجب على من تدنس بالغيبة أن يبادر (٣) بالتوبة إلى الله تعالي، وشروطها أربعة: الأول: أن يقلع المغتابُ فورًا، ويكف عن غيبة أخيه، فالتوبة مع مباشرة

стр. 98

الذنب- مستحيلة. الثاني: أن يندم على فعلها، قال ﷺ : " الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له " (١)، فلا تتحقق التوبة إلا بالندم؛ لأن من لم يندم على القبيح؛ فذلك دليل على رضاه به، وإصراره عليه. قال الشاعر: متى ينتهي عن سيئ مَن أتى به ... إذا لم يكن منه عليه تندُّمُ الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إلى هذه المعصية أبدًا، قال الحسن البصري في تعريف التوبة النصوح: " ندم بالقلب، واستغفار باللسان (٢)، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود ". وحكى البغوي عن عمر وأبيّ ومعاذ ﵃: " التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن في الضَّرْع " (٣). الرابع: أن يتحلل ممن اغتابه، ويطلب عفوه عنها، وإبراءه منها، وذلك لما رواه أبو هريرة ﵁، قال ﷺ : " لَتُؤدُّن الحقوق إِلى أهلها يوم القيامة , حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاة القرناء " (٤).

стр. 99

وعنه ﵁، قال رسول الله ﷺ : " من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلله منها، فإِنه ليس ثمَّ دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإِن لم يكن له حسنات، أُخِذ من سيئات أخيه فطُرحت عليه " (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إِن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإِن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أخِذَ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثم يُطرح في النار " (٢). وقد اختلف العلماء في هذا الشرط الأخير، وهاك طرفاً من أقوالهم في ذلك: قال النووي ﵀: " يجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حق آدمي، ولابد من استحلاله ممن اغتابه " (٣). و (ذكر الشافعية وجهين في كونه هل يكفيه أن يقول: " قد اغتبتك، فاجعلني في حِلٍّ "، أو لا بد أن يبين له ما اغتاب به؟ الوجه الأول: يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح، كما لو أبرأه عن مال مجهول.

стр. 100

والثاني: لا يُشترط، لأن هذا مما يُتسامح فيه، فلا يشترط علمه بخلاف المال. والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتًا أو غائبًا، فقد تعذر تحصيل البراءة منها، لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء، ويكثر من الحسنات، وهو قول الحسن في الاقتصار على الاستغفار دون الاستحلال. والدليل على ذلك ما روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كفارة من اغتبتَ أن تستغفر له " (١). وقال مجاهد: " كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه، وتدعو له بخير " (٢). وصحح الغزالي قول عطاء في جواب من سأله عن التوبة من الغيبة، وهو: أن تمشي إلى صاحبك، فتقول: " كذبتُ فيما قلتُ وظلمتك وأسأت، فإن شئت أخذت بحقك، وإن شئت عفوت " (٣). وأما قول القائل: (العِرض لا عوض له، فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال "، فكلام ضعيف، إذ قد وجب في العِرض حد القذف، وتثبت المطالبة به، بل في الحديث الصحيح ما روي أنه ﷺ قال: " من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إِن كان له

стр. 101

عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإِن لم تكن له حسنات، أخذت من سيئات صاحبه فحمل عليه " (١)، وقالت عائشة ﵂ لامرأة قالت لأخرى: إنها طويلة الذيل: " قد اغتبتيها، فاستحليها " (٢)، فإذن لابد من الاستحلال إن قدر عليه، فإن كان غائبًا أو ميتًا؛ فينبغي أن يكثر الاستغفار والدعاء، ويكثر من الحسنات) (٣) اهـ. وقال الإمام القرطبي ﵀: ( .. هل يستحل المغتاب؟ اختلف فيه، فقالت فرقة: " ليس عليه استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه، واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله، ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك بمظلِمة يستحلها منه، وإنما الظلمة ما يكون منه البدل والعِوض في المال والبدن ". وقالت فرقة: " هي مَظلمة، كفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه "، واحتجت بحديث يُروى عن الحسن قال: " كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ". وقالت فرقة: " هي مظلمة، وعليه الاستحلال منها "، واحتجت بقول النبي ﷺ : " من كانت لأخيه عنده مظلمة في عِرض أو مال؛ فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإِن لم يكن له حسنات؛ أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته " خرجه البخاري

стр. 102

من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له مظلمة لأخيه من عِرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إِن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإِن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه " ... وقد رُوي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها، فلما قامت قالت امرأة: " ما أطول ذيلها! "، فقالت لها عائشة: " لقد اغتبتيها، فاستحليها "، فدلت الآثار عن النبي ﷺ أنها مظلمة يجب على المغتاب استحلالها. وأما قول من قال: " إنما الغيبة في المال والبدن "؛ فقد أجمعت العلماء على أن على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحدِّ حتى يقيمه عليه، وذلك ليس في البدن ولا في المال، ففي ذلك دليل على أن الظلم في العِرض والبدن والمال، وقد قال الله تعالى في القاذف: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وقد قال رسول الله ﷺ : " من بهت مؤمنًا بما ليس فيه حبسه الله في طينة الخَبال " (١)، وذلك كله في غير المال والبدن. وأما من قال: " إنها مظلمة؛ وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها "، فقد ناقضَ إذ سمَّاها مظلمة، ثم قال: " كفارتها أن يستغفر لصاحبها "، لأن قوله: " مظلمة " تثبت ظُلامة المظلوم؛ فإذا ثبتت الظلامة؛ لم يُزلها عن الظالم إلا إحلالُ المظلوم له.

стр. 103

وأما قول الحسن فليس بحجة، وقد قال النبي ﷺ : " من كانت له عند أخيه مظلمة في عِرض أو مال فليتحللها منه ". وقد ذهب بعضهم إلى ترك التحليل لمن سأله، ورأى أنه لا يُحِلُّ له ما حرَّم الله عليه؛ منهم سعيد بن المسيب، قال: " لا أحلل من ظلمني "، وقيل لابن سيرين: " يا أبا بكر! هذا رجل سألك أن تحله من مظلمة هي لك عنده "؛ فقال: " إني لم أحرمها عليه فأحلها، إن الله حَرَّم الغيبة عليه، وما كنت لأحِلَّ ما حرَّم الله عليه أبدًا " (١)، وخبر النبي ﷺ يدل على التحليل، وهو الحجة والمبيِّن، والتحليل يدل على الرحمة، وهو من وجه العفو، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] (٢) اهـ. وحكى الإمام ابن مفلح ﵀ القول بوجوب استحلال المغتاب، ثم قال: ( .. وقيل: إن علم به المظلوم؛ وإلا دعا له واستغفر ولم يُعلمه، وذكر الشيخ تقي الدين أنه قول الأكثرين، وذكر غير واحد: إن تاب من قذف إنسان

стр. 104

او غيبته -قبل علمه به- هل يُشترط لتوبته إعلامه والتحليل منه؟ على روايتين، واختار القاضي أنه لا يلزمه، لما روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أنس مرفوعًا: " من اغتاب رجلاً ثم استغفر له من بعد غفر له غيبته " (١)، وبإسناده عن أنس مرفوعًا: " كفارة من اغتاب أن يستغفره له " (٢)، ولأن في إعلامه إدخالَ غمًّ علمه، قال القاضي: فلم يجز ذلك ... ) إلى أن قال: ( .. وقال ابن عبد البر في كتاب " بهجة المجالس ": قال حذيفة ﵁: " كفارة من اغتبته أن تستغفر له "، وقال عبد الله بن المبارك لسفيان بن عيينة: " التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته "، فقال سفيان: " بل تستغفره مما قلت فيه "، فقال ابن المبارك: " لا تؤذوه مرتين "، ومثل قول ابن المبارك اختاره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح في فتاويه (٣) ... ). وقال: (واختار أصحابنا أنه لا يُعلمه بل يدعو له دعاءً يكون إحسانًا إليه في مقابلة مظلمته كما روي في الأثر، ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : " أيما مسلم شتمته، أو لعنته، أو سببته، أو جلدته، فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة

стр. 105

تقربه بها إِليك يوم القيامة (١) "). (وهذا -أي الدعاء له- أحسن من إعلامه، فإن في إعلامه زيادة إيذاء له، فإنَّ تضرر الإنسان بما علمه من شتمه أبلغ من تضرره بما لا يعلم، ثم قد يكون ذلك سبب العدوان على الظالم أولاً، إذ النفوس لا تقف غالبًا عند العدل والإنصاف، فتبصر هذا، ففي إعلامه هذان الفسادان. وفيه مفسدة ثالثة -ولو كانت بحق- وهو زوال ما بينهما من كمال الإلف والمحبة، أو تجدد القطيعة والبغضة، والله تعالى أمر بالجماعة، ونهى عن الفرقة، وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع أكثر من بعض، وليس في إعلامه فائدة إلا تمكينه من استيفاء حقه كما لو علم)، ثم بيَّن أن حقه هنا هو العقوبة أو الأخذ من الحسنات ما قال ﷺ : " من كانت عنده مظلمة لأخيه " الحديث. ثم قال: (وإذا كان فيعطيه في الدنيا حسنة بدل الحسنة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، فالدعاء له والاستغفار إحسان إليه، وكذلك الثناء عليه بدل الذم له، وهذا عام فيمن طعن علي شخص أو لعنه أو تكلم بما يؤذيه أمرًا أو خبرًا، بطريق الإفتاء أو التحضيض أو غير ذلك، فإن أعمال اللسان أعظم من أعمال اليد حيًا أو ميتًا، حتى لو كان ذلك بتأويل أو شبهة ثم بان له الخطأ، فإن كفارة ذلك أن يقابل الإساءة إليه بالإحسان، بالشهادة له بما فيه من الخير، والشفاعة له بالدعاء، فيكون الثناء بدل الطعن واللعن، ويدخل في هذا أنواع

стр. 106

الطعن واللعن الجاري بتأويل سائغ أو غير سائغ , كالتكفير والتفسيق ونحو ذلك) اهـ (١). وقال شيخ الإسلام، الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (وإن كانت المظلمة بقدح فيه، بغيبة أو قذف: فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه؟ أو إعلامه بأنه قد نال من عرضه، ولا يشترط تعيينه، أو لا يشترط لا هذا ولا هذا، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله من غير إعلام مَنْ قذفه واغتابه؟ على ثلاثة أقوال، وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف، هل يشترط في توبة القاذف: إعلام المقذوف، والتحلل منه أم لا؟ ويخرَّج عليهما توبة المغتاب والشاتم. والمعروف في مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك: اشتراط الإعلام والتحلل، هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم. والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي: فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه. ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول؛ شَرَطَ إعلامه بعينه، لا سيما إذا كان مَنْ عليه الحق عارفًا بقدره، فلابد من إعلام مستحقه به، لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره. واحتجوا بالحديث المذكور، وهو قوله ﷺ : " من كان لأخيه عنده مظلمة -من مال أو عرض- فليتحلله اليوم ". قالوا: ولأن في هذه الجناية حقين: حقًا لله، وحقًا للآدمي، فالتوبة منها

стр. 107

بتحلل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه. قالوا: ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه، إن شاء اقتص، وإن شاء عفا، وكذلك توبة قاطع الطريق. والقول الآخر: إنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدِّل غيبته بمدحه والثناء عليه، وذكر محاسنه، وقذفَه بذكر عِفَّته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه. وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، قدس الله روحه. واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة؛ فإنه لا يريده إلا أذىً وحنقًا غمًا، وقد كان مستريحًا قبل سماعه، فإذا سمعه؛ ربما لم يصبر على حمله، وأورثته ضررًا في نفسه أو بدنه، كما قال الشاعر: فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يُقَل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه، فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربما كان إعلامه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له أبدًا، ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولِّدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف، وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم والتعاطف والتحابب. قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين: أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنه

стр. 108

محض حَقّه، فيجب عليه أداؤه إليه، بخلاف الغيبة والقذف، فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والثاني: أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه، ولم تُهِج منه غضبًا ولا عداوة، بل ربما سَرَّه ذلك، وفرح به، بخلاف إعلامه بما مَزَّق به عرضه طول عمره ليلاً ونهارًا، من أنواع القذف والغيبة والهجو، فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد، وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت، والله أعلم) اهـ (١). وقال ﵀ في موضع آخر: (وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحلله؟) قال: (والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار له، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره) قال. (والذين قالوا: " لا بد من إعلامه " جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرق بينهما ظاهر، فإن في الحقوق المالية ينتفع المظلوم بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها، وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصد الشارع، فإنه يوغر صدره، ويؤذيه إذا سمع ما رُمي به، ولعله يهيج عداوته، ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله فالشارع الحكيم لا يبيحه، ولا يجيزه فضلاً عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها) (٢) اهـ. * * *

стр. 109

استحباب الإبراء من الغيبة ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه: (يُستحب لصاحب الغيبة أن يبرئ المغتاب منها، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته (١)، ولكن يستحب له استحبابًا مؤكدًا الإبراءُ ليخلِّص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وطريقه في تطييب نفسه بالعفو أن يذكِّر نفسه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوّت ثوابه، وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، الآية، والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " والله في عون العبد ما كان

стр. 110

العبد فى عون أخيه " (١)، وقد قال الشافعي ﵀: " من استُرضي فلم يَرْضَ فهو شيطان "، وقد أنشد المتقدمون: قيل لي: قد أساء إليك فلان ... ومُقام الفتى على الذلِّ عارُ قلت: قد جاءنا وأحدث عذرًا ... دية الذنب عندنا الاعتذار فهذا الذي ذكرنا من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب) (٢) اهـ. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ قطُّ من صدقة، فتصدَّقوا، ولا عفا رجلٌ عن مظلمة ظُلِمها إِلا زاده الله تعالى بها عِزًا، فاعفوا يَزِدْكم الله عِزًا، ولا فتح رجل على نفسه بابَ مسألةٍ يسألُ الناسَ، إِلا فتح الله عليه بابَ فقر " (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " ارحموا تُرْحَموا، واغفروا يغفر الله لكم، وويل لأقماع (٤) القول، وويل للمُصِرِّين، الذين يُصِرون على ما فعلوا وهم يعلمون " (٥). وعن جرير ﵁، قال رسول الله ﷺ : " من لا يَرحم لا يُرحم،
следующие страницы →