فيه، وكان كل واحد منهما مبجِّلاً لصاحبه) (١).
إن يختلفْ ماءُ الوِصال فماؤنا ... عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِن غَمامٍ واحِد
أو تختلفْ نسبًا يؤلفْ بيننا ... أدب أقمناه مقامَ الوالدِ
وعن عبيد الله بن عمر قال: (كان يحيى بن سعيد يحدثنا، فيَسحُّ علينا مثل اللؤلؤ -ويشير عبد الله بيديه إحداهما على الأخرى- قال عُبيد الله: " فإذا طلع ربيعة، قطع يحيى حديثه إجلالاً لَربيعة، وإعظامًا له ") (٢)
عن محمد بن رافع قال: (كنت مع أحمد وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى المصلَّى، ومعنا ناس كثير، فلما رجعنا، دعانا عبد الرزاق الي الغداء، ثم قال عبد الرزاق لأحمد وإسحاق: " رأيت اليومَ منكما عجبًا، لم تكبرا "، فقال أحمد وإسحاق: " يا أبا بكر، كنا ننتظر هل تكبر، فنكبر، فلما رأيناك لم تكبر، أمسكنا "، قال: " وأنا كنت أنظر إليكما، هل تكبِّران فأكبر!! ") (٣).
وقيل لأبي وائل: " أيكما أكبر؛ أنت أم الربيع بن خثيم؟ "، قال: " أنا أكبر منه سنًا، وهو أكبر مني عقلاً " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي: (كان ابن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلم، وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، إنما يَكْنِيه تبجيلاَّ لَه) (٥).
стр. 177
وقال أيضًا: (ما سمعت أحمد بن حنبل سمَّاه قط -يعني علي بن المديني- إنما كان يكنيه تبجيلاً له) (١).
وقال أحمد بن حنبل: (قال لنا الشافعي: " أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث، فقولوا لنا حتى آخذ به ") (٢).
وجاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل فبينا هو عنده، إذ مرَّ الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يُسَلِّم عليه وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: " يا أبا عبد الله كم هذا؟ "، فقال: " دع عنك هذا، إن أردت الفقه فالزم ذَنَبَ البغلة " (٣).
وقال العراقي: " لا ينبغي للمحدث أن يحدّث بحضرة من هو أولى منه بذلك ".
وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء لسنه (٤).
وقال سفيان الثوري لسفيان بن عيينة: " مالك لا تحدث؟ " فقال: " أمَّا وأنت حيٌّ فلا " (٥) *
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: سمعت يحيى بن معين يقول: " الذي يُحدِّثُ ببلد به من هو أولى بالتحديث منه أحمق، وإذا رأيتني أحدِّث ببلد فيها مثلُ أبي مُسْهِر فينبغي للحيتي أن تُحلقَ " (٦).
стр. 178
وقال بعض أهل العلم في حق الحاكم ابن البيِّع صاحب " المستدرك ": (ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكمون أن مقدمي عصره مثل أبي سهل الصعلوكي , والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويُراعون حق فضله، ويعرفون له حرمته الأكيدة) (١) اهـ
وكان بين الإمامين أبي نعيم وابن مَنْدة وحشة شديدة، ومع ذلك لما ذُكر لأبي نعيم ابنُ مَندة؛ قال: " كان جبلاً من الجبال " (٢).
ولما قدم العز بن عبد السلام إلى الديار المصرية بالغ الشيخ زكيُّ الدين المنذرى (محدِّث مصر وصاحب كتاب " الترغيب والترهيب " في الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، وقال. " كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره؛ فمنصب الفتيا متعين فيه ") (٣).
أدب كمثل الماءِ لو أفرغتَه ... يومًا لسال كما يسيلُ الماء
* * *
стр. 179
النصرة والولاء بين العلماء
لقد ربط الإسلام المسلم بأخيه حتى صارا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، (فربْطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : " إِن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إِذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (١)، ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس، وإرادة الأخ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى:: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي: لا تخرجون إخوانكمِ، وكقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أي: بأخوانهم على أصح التفسيرين، وقوله : ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: إخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٢).
стр. 180
ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية، قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الى غير ذلك من الآيات.
إن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق، وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله "، ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كانه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا؛ عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم فيِ الأرضِ مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ُ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧: ٩].
فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنما هي الإيمان بالله جل وعلا، لأنه قال عن الملائكة: ﴿وَيُؤْمِنُون بِه﴾ فوصفهم بالإيمان، وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فوصفهم أيضًا بالايمان , فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان، وهو أعظم رابطة.
ومما يوضح ذلك قوله تعالى في أبي لهب عم النبي ﷺ : (سيصلى نارًا
стр. 181
ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ويُقابَلُ ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي ﷺ والمسلمين، ولقد أجاد من قال:
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ... وقد وضع الكفرُ الشريفَ أبا لهب
وقد أجمع العلماء على أن الرجل إن مات، وليس له من الأقرباء إلا ابن كافر؛ أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية) (١).
واعتبر ذلك أيضًا بقول الله تعالى مخاطبًا نوحًا ﵇ في شأن ابنه الكافر: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: " ألا وإن وليَّ محمد من أطاع الله، وإن بعدت لُحْمَتُهُ، ألا وان عدو محمد من عصى الله، وإن قربت لحمته " (٢).
كان الحافظ ابن حجر ﵀ يقرأ أجزاء على شيخه إبراهيم بن داود الآمدي برهان الدين، فقال في قراءته عليه تأدبًا: " أخبركم -رضي الله عنكم وعن والديكم- .. "، فنظر إليه الآمدي منكرًا، وقال: " ما كان على الإسلام (٣)! " (٤).
لقد علمنا رسول الله ﷺ أنه يجب موالاة كل مسلم بحسب موالاته لله ورسوله والمؤمنين، وأنه يُحب ويوالي بقدر نصرته للمؤمنين، ونكايته في أعداء
стр. 182
الدين:
فعن أبي بَرْزَة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ (كان في مَغْزًى له (١)، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: " هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: " نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا "، ثم قال: " هل تفقدون من أحد؟ "، قالوا: " نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا "، ثم قال: " هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: " لا "، قال: " لكني أفقد جُلَيبيبًا، (٢) فاطلبوه "، فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبيُّ ﷺ فوقف عليه، فقال: " قتل سبعة، ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه " (٣)، قال: فوضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبي ﷺ ، قال: فحفر له، ووضع (٤) في قبره، ولم يذكر غسلاً (٥)) (٦).
وعن ثابتٍ البُنانيِّ عن أنس ﵁ قال: (خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار، فقال (٧): " حتى أستأمر أمها "، فقال النبي ﷺ : " فنعم إذًا "، فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: " لا ها الله (٨) إذًا ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبًا (٩)، وقد منعناها من فلان وفلان؟ "، قال:
стр. 183
والجارية في سِترها تستمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ -بذلك، فقالت الجارية: " أتريدون أن تردوا على رسول ﷺ أمره (١)؟ إن كان قد رضيه لكم؛ فانكحوه، فكأنها جلت (٢) عن أبويها، وقالا: " صدقت "، فذهب أبوها إلى النبي ﷺ ، فقال: " إن كنت قد رضيته؛ فقد رضينا "، قال: " فإني قد رضيته "، فزوجها، ثم فزع (٣) أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: " فلقد رأيتها، وإنها لمن أنفق (٤) بيت في المدينة ").
وفي رواية قال ثابت: " فما كان في الأنصار أيِّم أنفقُ منها " (٥) وحدث إسحاقُ بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا قال هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ قال: " اللهم صُبَّ عليها الخير صبًّا، ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا " (٦)، قال:
стр. 184
" فما كان في الأنصار أيم (١) أنفقُ منها ".
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الأشعريين إذا أرملوا (٢) في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني (٣)، وأنا منهم " (٤).
هكذا لقَّن رسول الله ﷺ أمته هذا المعيار الدقيق للولاء والانتماء، وفي الجانب المقابل لقنهم معيار البراء في مثل قوله ﷺ : " ليس منا من دعا إِلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية " (٥)، وقوله ﷺ : " ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى " (٦) الحديث.
* وكان أولى الناس بالتزام هذا المعيار العلماء الذين هم ورثته ﷺ ، فكانوا يزنون الأشخاص، ويحددون أقدارهم تبعًا لمقدار نفعهم للإسلام وأهله،
стр. 185
ونكايتهم لأعداء الإسلام وأهله، وكانت رقعة محبتهم للشخص تتسع بقدر محبته لله ورسوله ﷺ ، فإن من أحب رسول الله ﷺ أحبَّ خُدَّامه وأصحابه، وأحب حملة العلم والقرآن.
حكى ابن كثير في تاريخه: (أن أبا محمد البربهاري الحنبلي -العالم الزاهد الفقيه- عطس يومًا وهو يعظ، فشمته الحاضرون، ثم شمته من سمعهم، حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة) (١).
وقال أبو حاتم الرازيُّ: " ما رأيت أحدًا أعظم قدرًا من أبي مسهر، كنتُ أراه إذا خرج إلى المسجد، اصطفَّ الناسُ يسلمون عليه، ويقبلون يده " (٢).
وقال المروذي: (قدم رجل من طرَسُوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل؛ رفعوا أصواتهم بالدعاء: " ادعوا لأبي عبد الله ") (٣)، يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
وتجلى هذا الولاء في ثناء بعضهم على بعض:
عن يحيى بن سعد قال: ذكر عمر فضل أبي بكر، فجعل يصف مناقبه، ثم قال: " وهذا سيدُنا بلال حسنةٌ من حسناته " (٤).
وهذا ابن عمر ﵄ -وهو من هو- يتواضع لمفتي مكة عطاء مع أنه تابعي:
فعن عمر بن سعيد عن أمه قالت: (قدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: " أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل، وفيكم ابن أبي رباح -يعني عطاء-؟!) (٥)
стр. 186
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: (أيَّ رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر! هل لهذين من خَلَف، أو عنهما من عِوض؟) (١).
وما أحسن ما نُسب إلى الشافعي ﵀ من قوله (٢):
قالوا: يزورك أحمد وتزوره ... قلت: الفضائل ما تعدت منزله
إن زارني فبفضله، أو زرته ... فلفضله، فالفضل في الحالين له
وقال حاشد بن إسماعيل: (كنت بالبصرة، فسمعت قدوم محمد بن إسماعيل -أي البخاري- فلما قدم قال بُندار: " اليوم دخل سيد الفقهاء ") (٣).
* وتجلى هذا الولاء في دفاع بعضهم عن بعض:
فعن عمرو بن غالب أن رجلاً نال من عائشة عند عمَّار، فقال: " اعزب مقبوحًا منبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ ؟! " (٤).
وقال كعب بن مالك ﵁ في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: (ولما بلغ النبي ﷺ تبوك , ذكرنى, وقال: " ما فعل كعب "؟ فقال رجل من قومي: " خلَّفه يا نبي الله برداء، والنظر في عطفيه "، فقال معاذ ﵁: " بئس ما قلتَ، والله ما نعلم إلا خيرًا ") (٥).
وقال عباد بن عباد: (أراد شعبة أن يقع في خالد الحذاء -أحد الأئمة الحفاظ الأعلام- فأتيتُه أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: " مالك؟! أجُنِنْتَ؟! "، وتهددناه ,
стр. 187
فسكت) (١)
ولما زلَّ الإمام الحافظ وكيع بن الجراح زلة عالم فروى خبرًا منكرًا، فاتته فيه سكتة، كادت نفسه تذهب غلطًا، فاجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة صلبه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال لهم: " الله الله! هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف "، قال سفيان: " ولم أكن سمعته إلا أني أردتُ تخليص وكيع ".
وكان قد رفع أمره إلى العثماني -متولّي مكة- فحبسه، وعزم على قتله، ونُصِبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعًا، وهو محبوس، قال الحارث بن صديق: فدخلتُ عليه لما بلغني، وقد سبق إليه الخبر، قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يومئذ مُتباعَد، مقال لي: " ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، واحتجنا إليه "، فقلت: " دع هذا عنك! فإن لم يدركك، قُتِلت "، فأرسل إلى سفيان، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني، فكلَّمه فيه، والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان: " إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولدُه بباب أمير المؤمنين، فتشخص لمناظرتهم "، قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر إطلاقه ..... (٢).
ولما اقتيد الإمام الشافعي مكبَّلاً بالحديد إلى بغداد سنة (١٨٤ هـ) إثر اتهامه زورًا بالتحريض ضد العباسيين، وناقشه الخليفة الرشيد، بحضور محمد بن الحسن الشيباني الذي كان قاضي بغداد في ذلك الوقت، والذي استأنس
стр. 188
الشافعي به لما رآه في مجلس الرشيد عند الاتهام، ولأن العلم رحم بين أهله؛ قال الشافعى مخاطبًا الرشيد: " إن لي حظًا من العلم، وإن القاضي محمد بن الحسن يعرف ذلك "، فسأل الرشيد محمدًا، فقال: " له من العلم حظ كبير، وليس الذي وقع عليه من شأنه "، وكانت تلك الشهادة من الإمام محمد بن الحسن ﵀ سببًا في نجاة الشافعي، وتبرئته من الاتهام الكاذب (١).
(ولما وقعت المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية مع الشافعية، وبحث مع الصفي الهندي، ثم ابن الزملكاني، بالقصر الأبلح، شرع الإمام أبو الحجاج المزي ﵀ يقرأ كتاب " خلق أفعال العباد " للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعض الفقهاء، وقالوا: " نحن المقصودون بهذا "، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ، فأمر بسجنه، فتوجَّه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب، فاعيد، ثم أفرِج عنه) (٢).
وتكلم الامام المحقق ابن قيم الجوزية حول درجة " الفتوة " ثم قال ﵀: (ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي؛ فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه، ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة، وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله رُوحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: " وددت أني لأصحابي مثلُه لأعدائه وخصومه "، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذىً له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال:
стр. 189
" إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجونه فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه " ونحو هذا الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله، ورضي عنه) (١) اهـ.
واستفتى السلطان محمد بن الملك المنصور قلاوون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموه في حق شيخ الإسلام (٢)، وأخرج السلطان من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله.
قال شيخ الإسلام: (ففهمت مقصوده أن عنده حنقًا شديدًا عليهم، لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي، وسكَّنت ما عنده عليهم).
قال: كان القاضي زين الدين ابن مخلوف -قاضي المالكية- يقول بعد ذلك: " ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا " (٣).
وتجلى هذا الولاء في حزنهم لموت الواحد منهم:
قال الحسن: قال عبد الله بن مسعود ﵁: " موت العالم ثُلْمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار " (٤).
стр. 190
وقال أيوب: " إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي " (١).
وأخرج اللالكائي أن حماد بن زيد قال: (كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يُذكر بعبادة فما يُرى ذلك فيه) (٢).
وقال أيوب: " إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " (٣).
وقال يحيى بن جعفر: " لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي البخاري- من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم " (٤).
وعن عبيد الله بن عبد الكريم قال: (كان محمد بن داود خصمًا لأبي العباس بن سريج القاضي، وكانا يتناظران، ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موتُ محمد بن داود نحَّى مخاده، ومشاوره، وجلس للتعزية، وقال: " ما آسى إلا على تراب أكل لسان محمد بن داود ") (٥).
ونظرة إلى مراثي الأئمة في إخوانهم من العلماء تعكس صدق هذه المشاعر الحارة.
* * وتجلى هذا الولاء في دعاء بعضهم لبعض اعترافًا بجميلهم، ومكافأة
стр. 191
لصنيعهم، وقد قال الشافعي ﵀: " الحر من راعى وِداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظة ".
عن أم الدرداء قالت: (كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مائة خليل في الله، يدعو لهم في الصلاة، فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب، إلا وكَّل الله به ملكين يقولان: " ولك بمثل "، أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة؟) (١).
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: (ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد إجلالاً له، وكان بين داري وداره سبعُ سِكك، وما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرتُ له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه أو علمني علمًا) (٢).
وقال أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة: (إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبويَّ، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: " إني لأدعو لحماد مع أبويَّ ").
قال ابن راهويه ﵀:
" قلَّ ليلة إلا وأنا أدعو فيها لمن كتب عنا، ولمن كتبنا عنه " (٣).
وقال الحارث بن سريج: (سمعت يحيى القطان يقول: " أنا أدعو الله للشافعي، أخصه به ").
وقال الإمام أحمد: " ما بِتُّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، وأستغفر له ".
стр. 192
قال ابن أبي حاتم: رأيت في كتاب عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني - المعووف برستة- إلى أبي زرعة بخطه: " اعلم -رحمك الله- أني ما أكاد أنساك في الدعاء لك ليلي ونهاري: أن يمتَّع المسلمون بطول بقائك، فإنه لا يزال الناس بخير ما بقي من يعرف العلم، وحقَّه من باطله .. وقد جعلك الله منهم .. " (١).
وسأل رجل الإمام أحمد فقال: " بالري -مدينة بالمشرق- شاب يقال له: أبو زرعة "، فغضب أحمد، وقال: " تقول: شاب؟ " -كالمنكر عليه، ثم رفع يديه، وجعل يدعو الله لأبي زرعة، ويقول: " اللهم انصره على من بغى عليه، اللهم عافه، اللهم ادفع عنه البلاء، اللهم .. اللهم ... " في دعاء كثير (٢).
وقال عبد الله بن أحمد: " ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم ".
و (كان لأبي حمدون -أحد القراء المشهورين- صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه، وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركهم ليلة فنام، فقيل له في نومه: " يا أبا حمدون! لمَ لَمْ تُسرج مصابيحك الليلة؟ " قال: فقعد فأسرج، وأخذ الصحيفة فدعا لوَاحدٍ واحد حتى فرغ) (٣).
* * *
стр. 193
الفصل الرابع
الأدب مع العلماء
إن التأدب مع العلماء الموقعين عن رب العالمين هو تأدب مع الله تعالى، وتعظيم العلماء تعظيم لشعائر الله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢] و " الشعيرة " هي كل ما أشعر الله بتعظيمه من أعلام الدين، وتوقير حملة الشرع وحماته من توقير الشارع نفسه ؛ قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قال سعيد بن جبير: " ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته "، وكل ما يشرف بالإضافة إلى الله فإن حقه التعظيم، قال سعيد بن المسيب ﵀: " لا تقولوا: مُصَيْحِف، ولا مُسَيْجِد، ما كان لله فهو عظيم حسنٌ جميل " (١).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال:
قال ﷺ : " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا حقَّه " (٢).
وقال الإمام ابن حزم ﵀:
" اتفقوا على توقير أهل القرآن والإسلام والنبي ﷺ ، وكذلك الخليفة
стр. 194
والفاضل والعالم " (١).
وقد بلغ أمر تعظيم العلماء، ووجوب صيانة تاريخ أكابر المسلمين إلى حَدِّ النص عليه في متون " الاعتقاد " التي لا تضم إلا أمهات قضايا العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة، بحيث لا يخالف فيها إلا شاذ خارج عن الجماعة، قال الإمام الطحاوي في " عقيدته " المشهورة:
" وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذْكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ".
قال شارحه ﵀: " قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فيجب على كل مسلم -بعد موالاة الله ورسوله- موالاةُ المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمُحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا " (٢) اهـ.
فائدتان:
الأولى: العلم رَحِمٌ بين أهله:
فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إِنما أنا لكم مثل الوالد لولده -
стр. 195
وفي لفظ: بمنزلة الوالد- أعلِّمُكم ... " الحديث (١).
وفي مقدمة " تهذيب الأسماء واللغات " تحدث النووي ﵀ عن أهمية تراجم العلماء، فقال ﵀: " إنهم أئمتنا وأسلافنا، كالوالدين لنا ".
وقال في " المجموع " وهو يترجم الإمام أبا العباس بنَ سُريج:
" وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه ".
وقال الشاعر:
أفضِّل أستاذي على فَضْل والدي ... وإن نالني من والدي المجدُ والشرفْ
فهذا مُرَبِّي الروحِ والروحُ جوهرٌ ... وذاك مربي الجسمِ والجسمُ كالصدف
فبين العالم والمتعلم أبوة دينية (٢)، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قراءة أبي: " وهو أب لهم " (٣).
الثانية: الأدب مع الأكابر خلق مغروز في نفوس البهائم:
فقد قال : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] والشاهد في قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ فإنه يدل على ظهور رحمة سليمان وجنوده، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، ويدل على أدبها
стр. 196
الرفيع مع نبي الله سليمان وصحبه حيث نزهتهم عن أن يفعلوا ذلك عمدًا، واعتذرت عنهم بأنهم إن صدر منهم أذى لكم، فإنما هو عن غير قصد منهم، لأنهم لا يشعرون بذلك، ولا يتعمدونه (١)، فكيف ينبغي أن يكون أدبنا مع صحابة نبينا ﷺ (٢) وسائر أئمتنا؟! وقد قال رسول الله ﷺ : " إِن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملةَ في جحرها، وحتى الحوتَ، ليصلون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ " (٣).
* * *
стр. 197
من آداب طالب العلم
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:
من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم عليه خاصَّة، وعلى القوم عامة، وتجلس قُدامه، ولا تشر بيديك، ولا تغمز بعينيك، ولا تقل: " قال فلان خلاف قولك "، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلح عليه في السؤال، فإنه بمنزلة النخلة المُرطبة التي لا يزال يسقط عليك منها شيء) (١).
وعن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
" إن من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تُعَنّته في الجواب، وألا تُلحَّ عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تُفضين له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تطلبن عثرته، وإن زَلَّ قبلت معذرته، وعليك أن تُوَقِّره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته " (٢).
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: " يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة وكثرة التنادر، وإدمان المزاح والإكثار منه، فإنما يُستجاز من المزاح بيسيره ونادره
стр. 198
وطريفه، والذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور، وجلب الشرَّ، فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر، ويُزيل المروءة " (١) اهـ.
ومن أدبه: أن يحضر درس الشيخ على أحسن الهيئات، وأكمل الطهارات، " وكان الشيخ أبو عمر يقطع من حضر من الفقهاء الدرس محففًا بغير عمامة، أو مفكك أزرار الفرجية " (٢).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " أحِبُّ إلي أن انظر القارئ أبيض الثياب " (٣)؛ يعني ليعظم في نفوس الناس، فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق.
وقال ابن جماعة في آداب المتعلم مع زملائه .
" أن يتأدب مع حاضري مجلس الشيخ، فإنه أدب معه، واحترام لمجلسه، وهم رفقاؤه، فيوقر أصحابه، ويحترم كبراءهم وأقرانه، لا يجلس وسط الحلقة، ولا قدام أحد إلا لضرورة -كما في مجالس التحديث- ولا يفرق بين رفيقين، ولا بين متصاحبين إلا بإذنهما معًا " (٤).
وعلى طالب العلم أن ينظر شيخه بعين الإجلال، فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدَّق بشيء وقال: " اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذهب بركة علمه مني ".
* * *
стр. 199
توقير العالم وهيبته
قال طاووس بن كيسان: " إن من السنة أن تُوَقِّر العالم " (١).
وعن الحسن قال: رُئيَ ابن عباس يأخذ برِكاب أبيّ بن كعب، فقيل له: " أنت ابنُ عَمِّ رسول الله ﷺ تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟ "، فقال: " إنه ينبغي للحَبْر أن يُعَظَّمَ ويُشَرَّفَ " (٢).
وعن الشعبي قال: (صلَّى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: " خَلِّ عنك يا ابن عم رسول الله "، فقال ابن عباس: " هكذا يُفعل بالعلماء والكبراء ").
وفي رواية عنه قال: (أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: " أتمسك لي وأنت ابنُ عم رسول الله ﷺ ؟ " قال: " إنا هكذا نصنع بالعلماء " (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن حديث ما منعني منه إلا هيبتُه، حتى تخلَّف في حجة أو عمرة في الأراك الذي ببطن " مر الظهران " لحاجته، فلما جاء وخلوتُ به؛ قلت: " يا أمير المؤمنين! أريد أن أسألك عن حديث منذ سنتين، ما منعني إلا هيبة لك "، قال: " فلا تفعل، إذا أردت أن تسألني فسلني، فإن كان عندي منه أخبرتك، وإلا قلتُ: لا أعلم، فسألتَ من يعلم "، قلت: " من المرأتان اللتان ذكرهما الله تعالى أنهما تظاهرتا على رسول الله ﷺ ؟ " قال: " عائشة وحفصة ... " الحديث (٤).
стр. 200
وعن الليث قال: " كان سعيد بن المسيب يركع ركعتين، ثم يجلس، فيجتمع إليه أبناء أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، لا يجترئ أحد منهم أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئهم بحديث، أو يجيئه سائل فيسأل، فيسمعون " (١).
وعن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي قال: " ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يُستأذَنُ الأمير " (٢).
وعن محمد بن سيرين قال: " رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه، ويُسَوِّدونه، ويُشَرِّفونه مثل الأمير " (٣).
وقال الأعمش ﵀: " كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير " (٤).
وعن أبى عبد الله المُعَيطي قال: (رأيت أبا بكر بن عياش بمكة، فأتاه سفيان ابن عيينة، فبرك بين يديه، فجعل أبو بكر يقول له: " يا سفيان كيف أنت؟ يا سفيان كيف عيال أبيك؟ "، قال: فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال سفيان: " لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعدًا ") (٥).
وعن الحسن بن علي الخلال قال: (كنا عند مُعْتَمر بن سليمان يحدثنا، إذ أقبل ابن المبارك، فقطع معتمر حديثه، فقيل له: " حَدثنا "، فقال: " إنا لا نتكلم عند كُبَرائنا ") (٦).
أما مجالسهم فقد قال أحمد بن سنان:
стр. 201
" كان عبد الرحمن (ابن مهدي) لا يتحَدَّث في مجلسه، ولا يبرى قلمٌ، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة " (١).
وعن أبي عاصم قال: " كنا عند ابن عون -وهو يحدِّث- فمَرَّ بنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن في موكبه، -وهو إذ ذاك يُدْعَى إمامًا بعد قتل أخيه محمد- فما جسر أحد أن يلتفت، فينظر إليه، فضلاً عن أن يقوم، هيبةً لابن عَوْن " (٢).
وأنشد الأزدي (٣):
وقِّر مشائخَ أهلِ العلمِ قاطبةً ... حتى تُوَقَّرَ إن أفضى بك الكِبَرُ
واخدم أكابرهم حتى تنال به ... مِثلاً بمثلٍ إذا ما شارف العُمُرُ
عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول -وذُكر له أصحاب الحديث، وأنهم لا يستعملون الأدب- فقال: " ما أعلم أني أخذت شيئًا من الحديث ولا القرآن أو النحو أو غير ذلك من الأشياء، مما كنت أستفيد؛ إلا استعملتُ فيه الأدب، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة، فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله العلم، فازددتُ من ذلك، حتى ربما كنت أكون في مجلسه، فأصفِّح الورقة تصفحًا رفيقًا هيبةً له لئلا يسمع وقعها " (٤).
وعن الربيع بن سليمان قال: " والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبةً له " (٥).
стр. 202
وقال الإمام أحمد ﵀: " لزمت هُشَيْمًا أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له " (١).
قال عبدوس: " رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم ".
وفي ترجمة إبراهيم بن أبي طالب، قال الإمام أحمد بن إسحاق الفقيه:
" ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب، كنا نجلس كأن على رؤوسنا الطير، لقد عطس أبو زكريا العنبري فأخفى عُطاسَه، فقلت له سِرّاً: " لا تخف! فلست بين يدي الله ") (٢).
قال أبو زكريا العنبري: " شهدت جنازة حسين القباني سنة (٢٨٩) فصلى عليه أبو عبد الله -يعني البوشنجي (٣) - فلما انصرف قدمت دابته، فأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وابن خزيمة -إمام الأئمة- بركابه، والجارودي، وإبراهيم بن أبى طالب يسويان عليه ثيابه، فمضى، ولم يكلم واحدًا منهم " (٤).
وعن الإمام أبي حازم الأعرج رحمه الله تعالى قال: " لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيهًا، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه متماريين، ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا " (٥).
وقال إسحاق الشهيد: (كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى
стр. 203
أصل منارة مسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يستمعون الحديث، وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: " اجلس "، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا) (١).
وقال البخاري: " ما رأيت أحدًا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين ".
وقال عبد الرحمن بن واقد: " رأيت باب مالك بالمدينة كأنه باب الأمير " (٢).
عن أبي عبد الله يحيى بن عبد الملك الموصلي قال: " رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له .. ، وإذا رفع أحد صوته؛ صاحوا به " (٣).
قال أبو مصعب: (كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزِّحام، وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا، قائلون برؤوسهم هكذا، وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: " لا "، و " نعم "، ولا يقال له: " من أين قلت ذا؟ " ((٤).
قال ابن الخياط يمدح مالك بن أنس (٥):
يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَعُ هيبةً ... والسائلون نواكِسُ الأذقانِ
نورُ الوقار وعِزُّ سلطان التقى ... فهو المهيبُ وليس ذا سلطانِ
стр. 204
تواضع الطالب لشيخه
لا يُنال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، وتواضع الطالب لشيخه رفعة، وذُلُّه له عِزٌّ، وخضوعه له فخر، قال ابن عباس ﵄: " ذَللتُ طالبًا، فعززتُ مطلوبًا " (١).
وعن أبي بكر محمد بن الأدموني النحوي قال:
(إذا تعلم الإنسان من العالم، واستفاد منه الفوائد؛ فهو له عبد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾، وهو يوشع بن نون، ولم يكن مملوكًا له، وإن كان متلمذًا له، متبعًا له، فجعله الله فتاه لذلك) (٢).
وقال عبد الله بن المعتز: " المتواضع في طُلاب العلم أكثرهم علمًا، كما أن المكان المنخفض أكثرُ البقاع ماء " (٣).
تواضع إذا ما طلبت العلوم ... تكن أكثر الناس علمًا ونفعا
وكل مكان أشد أنخفاضًا ... يُرى أكثر الأرض ماءً ومرعى (٤)
وعن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: " لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء
стр. 205
أفلح " (١).
العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي
وعوتب الشافعي على تواضعه للعلماء فقال:
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وكان عمرو بن قيس الملائي إذا بلغه الحديث عن الرجل، فأراد أن يسمعه، أتاه حتى يجلس بين يديه، ويخفض جناحه، ويقول: " عَلِّمني رحمك الله مما علَّمك الله " (٢).
وقال شعبة: " كنت إذا سمعت من الرجل الحديث، كنت له عبدًا ما يحيا " (٣).
وعن إدريس بن عبد الكريم قال: (قال لي سلمة بن عاصم النحوي: " أريد أن أسمع كتاب العدد من خلف "، فقلت لخلف، فقال: " فليجئ "، فلما دخل رفعه لأن يجلس في الصدر، فأبى، فقال: " لا أجلس إلا بين يديك "، وقال: " هذا حق التعليم "، فقال له خلف: جاءني أحمد بن حنبل ليسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى، وقال: " لا أجلس إلا بين يديك، أُمِرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه! ") (٤).
وكان " ربيع القطان " من الفقهاء المعدودين، والعُبَّاد المجتهدين، وكان أبوه ﵀ من أهل العبادة، قال أخوه أحمد: (كنا إذا جلسنا مع والدي، وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه يبحث بين يدي ربيع ابنه، فيقوم ربيع إليه، ويقول: لم فعلت هذا؟ فيقول: " أردت أن أسألك عن شيء من العلم "، فيقول:
стр. 206
" وهلا وأنت في مكانك؟ "، فيقول: " أردت أن أعطي العلم حقه ") (١).
وعن مالك بن أنس ﵀ قال: (وجَّه إليَّ هارونُ الرشيد يسألني أن أحدثه، فقلت: " يا أمير المؤمنين! إن العلم يُؤتَى ولا يأتى "، قال: فصار إلى منزلي فاستند معي إلى الجدار، فقلت: " يا أمير المؤمنين! إن من إجلال الله إجلالَ ذي الشيبة المسلم "، قال: " فجلس بين يديَّ ") (٢).
وحكى بعضهم أن الخليفة هارون الرشيد بعث ابنه إلى الأصمعي، ليعلِّمه العلم والأدب، فرآه يومًا يتوضأ، ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعاتب الأصمعيَّ في ذلك، فقال: " إنما بعثتُه إليك لتعلِّمَه وتَؤدبه، فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟! ".
وقال أحمد بن حمدون: " دخل هارون بن زياد مؤدِّب الواثق إليه، فأكرمه إلى الغاية، فقيل له: " من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ "، فقال: " هذا أوّل من فَتَقَ لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله ").
وعن أبي معاوية الضرير قال: " صب عليَّ بعد الأكل شخص لا أعرفه، فقال الرشيد: تدري من يَصُبُّ عليك؟ قلت: لا، قال. أنا، إجلالاً للعلم " (٣).
وقال قتيبة بن سعيد: (قدمت بغداد، وما كانت لي همة إلا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو جاءني مع يحيى بن معين، فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل، وجلس بين يدي، وقال " أملِ عليَّ هذا "، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا، وجلس بين يديَّ،
стр. 207
فقلت: " يا أبا عبد الله! اجلس مكانك "، فقال: " لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه ").
وعن عمرو الناقد قال: " كنا عند وكيع، وجاء أحمد بن حنبل فقعد، وجعل يصف من تواضعه بين يديه، قال عمرو: فقلت: يا أبا عبد الله، إن الشيخ يكرمك فمالك لا تتكلم؟ قال: وإن كان يكرمني، فينبغي لي أن أُجِلَّه " (١).
ولما بلغ الثوريَّ مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذى طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار، ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: " الطريقَ للشيخ " (٢).
وقال محمد بن حمدون بن رستم: سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى البخاري، فقال: " دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله " (٣).
وعن عاصم بن أبي النَّجود قال: " ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبَّل كفي " (٤).
وقال إبراهيم بن الأشعث: " رأيت سفيان بن عيينة يقبّل يد الفضيل مرتين " (٥).
وكان الشيخ شمس الدين الديروطي -صاحب البرج بدمياط- إذا مَر على فقيه،
стр. 208
ينزل عن دابته، ويسوقها أمامه، ويقبل يده، ثم لا يركب حتى يبعد عنه جدًا، ويتوارى عنه بجدار أو نحوه، مع أنه بلغ في العلم الغاية وشرح " المنهاج " وغيره.
وكان المأمون قد وكل الفراء يُلَقِّن ابنيه النحو، فلما كان يومًا أراد الفراء أن ينهض الى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدِّمانه له، فتنازعا أيهما يقدمه، فاصطلحا على أن يقدم كلُّ واحدٍ منهما فردًا، فقدمَّاها، وكان المأمون له على كل شيء صاحبُ خَبَر، فرفع ذلك الخبر إليه، فوجَّه إلى الفراء، فاستدعاه، فلما دخل عليه قال. " من أعزُّ الناس؟ "، قال: " ما أعرف أعز من أمير المؤمنين "، قال: " بل من اذا نهض؛ تقاتل على تقديم نعليه وليَّا عهد المسلمين، حتى رضي كل واحد أن يقَدِّم له فردًا ".
إلى أن قال المأمون: " وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رَفَع من قدرهما , ... فليس يكبر الرجل -وإن كان كبيرًا- عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلِّمه العلمَ ".
وقال أبو زرعة الرازي: (سمعنا أحمد بن حنبل -وذُكر عنده إبراهيم بن طَهْمان- وكان أحمد متكئًا من علة - فاستوى جالسًا، وقال: " لا ينبغي أن يُذكر الصالحون فنتكئ "، وذكر أبو الوفاء بن عقيل في " الفنون " أنه كان مستندًا، فأزال ظهره، وقال: " لا ينبغي أن يجري ذكر الصالحين ونحن مستندون ").
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاحُ
* * *
стр. 209
أدب الطالب عند مخاطبة شيخه
ينبغي لطالب العلم أن يراعي الأدب في مخاطبة شيخه (فلا يناديه باسمه مجردًا، أو مع لقبه كقوله: " يا شيخ فلان "، بل يقول: " يا شيخي " أو: " يا شيخنا "، فلا يسميه لأنه أرفع في الأدب، ولا يخاطبه بتاء الخطاب، ولا يناديه من بُعْدٍ من غير اضطرار، وانظر ما يذكره الله تعالى من الدلالة على الأدب مع معلمٍ الناس الخير ﷺ في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] , الآية، وكما لا يليق أن تقول لوالدك ذي الأبوة الطينية: " يا فلان " أو: " يا والدي فلان "، فلا يجمل بك مع شيخك) (١).
وذكر الخطيب البغدادي ﵀ أن من أدب الطالب مع شيخه أن (ينبله في الخطاب، ويبجله في الألفاظ، ولا تكون مخاطبته له كمخاطبته أهل السوق، وأفناء (٢) العوام، فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وهذا أصل في أن يُميز ذو المنزلة بمنزلته، ويُفرق بينه وبين من لم يلحق بطبقته) (٣) اهـ.
وقال أيضًا: (إذا خاطب الطالبُ المحدثَ عظَّمه في خطابه، بنسبته إياه إلى العلم، مثل أن يقول له: " أيها العالم "، أو " أيها الحافظ "، ونحو ذلك) (٤) اهـ.
قال المروذي: دخلتُ على ذي النون السجن، ونحن بالعسكر، فقال: " أيُّ شيء حال سيدنا؟ "؛ يعني: أحمد بن حنبل (٥).
стр. 210
وقال ابن المديني: " أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أحَدِّث إلا من كتاب " (١).
وعن جعفر الطَّستي: أنه سمع أبا مسلم الكَجِّي يقول: -وذُكِر عنده صالح جَزَرهْ- فقال. " ما أهونه عليكم! ألا تقولون: سيد المسلمين؟! " (٢).
وقال أبو محمد التميمي: " يقبح بكم أن تستفيدوا منا، ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا " (٣).
وحكي أن فتوى وردت من السلطان إلى أبي جعفر محمد بن جرير الطبري لم يكتب له الدعاء فيها (٤)، فكتب الجواب في أسفلها: " لا يجوز "، أو كتب: " يجوز "، ولم يزد على ذلك، فلما عادت الرقعة إلى السلطان، ووقف عليها؛ علم أن ذلك كان من أبي جعفر الطبري للتقصير في الخطاب الذي خوطب به، فاعتذر إليه (٥).
ولما دخل ربيعة على الوليد بن يزيد -وهو خليفة- قال: " يا ربيعة! حدِّثنا "، قال: " ما أحدِّث شيئًا "، قال: فلما خرج من عنده قال: " ألا تعجبون من هذا الذي يقترح عليَّ كلما يقترح على المُغَنِّية: حدثنا يا ربيعة " (٦).
وقال جعفر بن أبي عثمان: كنا عند يحيى بن معين، فجاءه رجل مُستعجل فقال: " يا أبا زكريا، حدثني بشيء أذكُرْكَ به "، فقال يحيى: " اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل " (٧).
стр. 211
وجاء فتى إلى سفيان بن عيينة من خلفه فجذبه، وقال: " يا سفيان! حَدّثني! "، فالتفت سفيانُ إليه، وقال: " يا بُنيَّ! من جهل أقدار الرجال، فهو بنفسه أجهل " (١).
стр. 212
زجر الطالب الذى حاد عن الأدب
ما أكثر المواقف التربوية التي مارس فيها العلماء بصفتهم مربين ومرشدين حق النصح والتأديب والزجر مع بعض المتعلمين الذين قصَّروا في الأدب إرشادًا لهم وتقويمًا وتهذيبًا وهاك طرفًا من هذه الوقائع:
فعن أبي بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللِّه -يعني أحمد بن حنبل- فسئل عن إسحاق بن إسماعيل الذي كان يحدث في مدينة أبي جعفر , فقال: " ما أعلم إلا خيرا، إلا أنه " -ثم حمل عليه بكلمة ذكرها- وقال: " بلغني أنه يذكر عبد الرحمن ابن مهدي وفلانا، وما أعجب هذا! " ثم قال وهو مغتاظ: " مالك أنت ويلك!! -ونحو هذا- ولذكر الأئمة ") (١).
وعن حمدان بن الأصبهاني، قال: كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند، فسأله عن حديث فلم يلتفت إليه، وأقبل علينا، ثم أعاد، فعاد بمثل ذلك، فقال: " كأنك تستخف بأولاد الخليفة؟ "، قال: " لا، ولكن العلم أزينُ عند أهله من أن تصْيِّعوه "، قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأله، فقال شريك: " هكذا يطلب العلم " (٢).
وعن سعيد بن بشير: كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة، زجره بهذه الآية: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩].
وقال عبد الرزاق: (بينا نحن في المسجد الحرام؛ فقيل لنا: " هذا مالك "، فلقيناه داخلاً من باب بني هاشم وعليه رداء وقميص صنعاني، فطاف بالبيت،
стр. 213
وخرج ناحية الصفا، فصلى ركعتين، ثم احتبى، فلما فرغ؛ احتوشناه كما يصنع أصحاب الحديث، فلما جلسنا؛ قام من بيننا كالمغضب، فجئنا مشائخنا، فقالوا: " أي شيء كتبتم عن مالك؟ "، فأخبرناهم بالذي فعل، فقالوا: " الذي فعلتم لا يحتمله مالك "، فلما كان من الغد جئنا واحدًا واحدًا، وعلينا السكون، محدَّثَنا، وقال: " الذي فعلتم أمسِ فعلُ السفهاء ") (١).
وعن معاذ بن سعيد قال: (كنا عند عطاء بن أبي رباح، فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: " سبحان الله! ما هذه الأخلاق؟! ما هذه الأخلاق؟! إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به، فأريه أني لا أحسن منه شيئًا ") (٢).
وتراه يصغي للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعله أدرى به
ورأى الفضيل قومًا من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون، فناداهم: " مَهْلاً يا ورثة الأنبياء، مهلاً " ثلاثًا " إنكم أئمة يقتدى بكم " (٣).
وعن عبد الرحمن بن عمر قال: (ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، فقال: " من ضحك؟ "، فأشاروا إلى رجل، فقال: " تطلب العلم وأنت تضحك؟ لا حدثتكم شهرًا ") (٤).
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (ضحك رجل عند هشام الدستوائي، فقال له هشام: " يا فتى تطلب العلم وتضحك! "، قال: فقال: " أليس الله أضحك وأبكى؟! "، فقال هشام: " فابكِ إذَنْ ") (٥).
стр. 214
وعن أحمد بن سنان القطان قال: (كان عبد الرحمن بن مهدى لا يُتَحَدثُ في مجلسه , ولا يُبْرى فيه قلم , ولا يبتسْم أحد، فإن تحدث أو بَرَى قلمًا، صاح، ولبس نعليه، ودخل، وكذا يفعل ابن نمَيْر، وكان من أشد الناس في هذا، وكان وكيع أيضا في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئًا انتعل ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وكان إذا رأى من يبري قلمًا تغيَّر وجهه) (١).
قال الإمام الخطيب البغدادي ﵀:
" ويجب على الطالب ألا يقرأ حتى يأذن له المحدث " ثم ساق بسنده إلى محمد بن عبد الله بن المطلب الشيبانى، قال: (تقدمت إلى أبي بكر بن مجاهد لأقرأ عليه، فتقدم إليه رجل وافر اللحية، كبير الهامة، فابتدأ ليقرأ، فقال: ترفَّق يا خليلي، سمعت محمد بن الجهم السِمَّري يقول: سمعت الفراء يقول: " أدب النفس، ثم أدب الدرس ") (٢).
وهذا محدث: (أعنفوا عليه في دق الباب؛ فلم يحدثهم) (٣).
ودخل الحافظ ابن وارة الرازي (ت ٢٧٠ هـ) -وكان فيه زَهْو وخيلاء - على الإمام الشاذَكوني، وهو أحد أئمة الحديث، فقعد يَتَقَعَّرُ في كلامه، قال الشاذكوني: فقلت له: " من أي بلد أنت؟ "، قال: " من أهل الري، ألم يأتك خبري؟ ألم تسمع بنبئي؟ أنا ذو الرحلتين ".
قلت: من روى عن النبي ﷺ : " إن من الشعر حكمة " فقال: " حدثني بعض أصحابنا "، قلت: " من؟ " قال: " أبو نُعيم، وقَبيصة " (٤)، قلت: " يا غلام، ائتني
стр. 215
بالدِّرَّة " (١) فأتاني بها، فأمرته، فضربه بها خمسين، وقلت: " أنت تخرج من عندي، وما آمن أن تقول: حدثني بعض غلماننا " (٢).
وإنما أنكر الإمام الشاذكوني رحمه الله تعالى على الحافظ ابن وارة قوله: " حدثني بعض أصحابنا " وكان ينبغي أن يقول: " حدثني بعض شيوخنا "، أو نحو ذلك.
وقال الحافظ الذهبي: (قال زكريا الساجي: جاء ابن وارة إلى أبي كُريب، وكان في ابن وارة بَأوٌ -أي كبْر وتِيه- فقال لأبي كريب: " ألم يبلغك خبري؟ ألم يأتك نبئي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة "، فقال: " وارة؟ وما وارة؟ وما أدراك ما وارة؟ قم، فوالله لا حدثتُك، ولا حدثت قومًا أنت فيهم ") (٣).
وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه، فأذن له، فجلس متربعًا، فامتنع من إقرائه، وقال له: " أنت أحوج إلى الأدب، منك إلى العلم الذي جئت تطلبه " (٤).
و (حُكي عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده، فلم يعجبه منهم أحد، لحدَّة فهمه، حتى إذا جاء إلى شيخ الإسلام يحيى المناوي، فجلس بين يديه -وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم- فشرع في القراءة، فتأمل الشيخ، فوجد إصبعًا من أصابع رجله مكشوفة، فانتهره، وقال له: " بحال أنت قليل الأدب، لا يجيء منك في الطلب، غطِّ إصبعك، واستعمل الأدب! " (٥) فحُمَّ لوقته، وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف