← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وجاء فتى إلى سفيان بن عيينة من خلفه فجذبه، وقال: " يا سفيان! حَدّثني! "، فالتفت سفيانُ إليه، وقال: " يا بُنيَّ! من جهل أقدار الرجال، فهو بنفسه أجهل " (١).

стр. 212

زجر الطالب الذى حاد عن الأدب ما أكثر المواقف التربوية التي مارس فيها العلماء بصفتهم مربين ومرشدين حق النصح والتأديب والزجر مع بعض المتعلمين الذين قصَّروا في الأدب إرشادًا لهم وتقويمًا وتهذيبًا وهاك طرفًا من هذه الوقائع: فعن أبي بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللِّه -يعني أحمد بن حنبل- فسئل عن إسحاق بن إسماعيل الذي كان يحدث في مدينة أبي جعفر , فقال: " ما أعلم إلا خيرا، إلا أنه " -ثم حمل عليه بكلمة ذكرها- وقال: " بلغني أنه يذكر عبد الرحمن ابن مهدي وفلانا، وما أعجب هذا! " ثم قال وهو مغتاظ: " مالك أنت ويلك!! -ونحو هذا- ولذكر الأئمة ") (١). وعن حمدان بن الأصبهاني، قال: كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند، فسأله عن حديث فلم يلتفت إليه، وأقبل علينا، ثم أعاد، فعاد بمثل ذلك، فقال: " كأنك تستخف بأولاد الخليفة؟ "، قال: " لا، ولكن العلم أزينُ عند أهله من أن تصْيِّعوه "، قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأله، فقال شريك: " هكذا يطلب العلم " (٢). وعن سعيد بن بشير: كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة، زجره بهذه الآية: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩]. وقال عبد الرزاق: (بينا نحن في المسجد الحرام؛ فقيل لنا: " هذا مالك "، فلقيناه داخلاً من باب بني هاشم وعليه رداء وقميص صنعاني، فطاف بالبيت،

стр. 213

وخرج ناحية الصفا، فصلى ركعتين، ثم احتبى، فلما فرغ؛ احتوشناه كما يصنع أصحاب الحديث، فلما جلسنا؛ قام من بيننا كالمغضب، فجئنا مشائخنا، فقالوا: " أي شيء كتبتم عن مالك؟ "، فأخبرناهم بالذي فعل، فقالوا: " الذي فعلتم لا يحتمله مالك "، فلما كان من الغد جئنا واحدًا واحدًا، وعلينا السكون، محدَّثَنا، وقال: " الذي فعلتم أمسِ فعلُ السفهاء ") (١). وعن معاذ بن سعيد قال: (كنا عند عطاء بن أبي رباح، فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: " سبحان الله! ما هذه الأخلاق؟! ما هذه الأخلاق؟! إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به، فأريه أني لا أحسن منه شيئًا ") (٢). وتراه يصغي للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعله أدرى به ورأى الفضيل قومًا من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون، فناداهم: " مَهْلاً يا ورثة الأنبياء، مهلاً " ثلاثًا " إنكم أئمة يقتدى بكم " (٣). وعن عبد الرحمن بن عمر قال: (ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، فقال: " من ضحك؟ "، فأشاروا إلى رجل، فقال: " تطلب العلم وأنت تضحك؟ لا حدثتكم شهرًا ") (٤). وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (ضحك رجل عند هشام الدستوائي، فقال له هشام: " يا فتى تطلب العلم وتضحك! "، قال: فقال: " أليس الله أضحك وأبكى؟! "، فقال هشام: " فابكِ إذَنْ ") (٥).

стр. 214

وعن أحمد بن سنان القطان قال: (كان عبد الرحمن بن مهدى لا يُتَحَدثُ في مجلسه , ولا يُبْرى فيه قلم , ولا يبتسْم أحد، فإن تحدث أو بَرَى قلمًا، صاح، ولبس نعليه، ودخل، وكذا يفعل ابن نمَيْر، وكان من أشد الناس في هذا، وكان وكيع أيضا في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئًا انتعل ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وكان إذا رأى من يبري قلمًا تغيَّر وجهه) (١). قال الإمام الخطيب البغدادي ﵀: " ويجب على الطالب ألا يقرأ حتى يأذن له المحدث " ثم ساق بسنده إلى محمد بن عبد الله بن المطلب الشيبانى، قال: (تقدمت إلى أبي بكر بن مجاهد لأقرأ عليه، فتقدم إليه رجل وافر اللحية، كبير الهامة، فابتدأ ليقرأ، فقال: ترفَّق يا خليلي، سمعت محمد بن الجهم السِمَّري يقول: سمعت الفراء يقول: " أدب النفس، ثم أدب الدرس ") (٢). وهذا محدث: (أعنفوا عليه في دق الباب؛ فلم يحدثهم) (٣). ودخل الحافظ ابن وارة الرازي (ت ٢٧٠ هـ) -وكان فيه زَهْو وخيلاء - على الإمام الشاذَكوني، وهو أحد أئمة الحديث، فقعد يَتَقَعَّرُ في كلامه، قال الشاذكوني: فقلت له: " من أي بلد أنت؟ "، قال: " من أهل الري، ألم يأتك خبري؟ ألم تسمع بنبئي؟ أنا ذو الرحلتين ". قلت: من روى عن النبي ﷺ : " إن من الشعر حكمة " فقال: " حدثني بعض أصحابنا "، قلت: " من؟ " قال: " أبو نُعيم، وقَبيصة " (٤)، قلت: " يا غلام، ائتني

стр. 215

بالدِّرَّة " (١) فأتاني بها، فأمرته، فضربه بها خمسين، وقلت: " أنت تخرج من عندي، وما آمن أن تقول: حدثني بعض غلماننا " (٢). وإنما أنكر الإمام الشاذكوني رحمه الله تعالى على الحافظ ابن وارة قوله: " حدثني بعض أصحابنا " وكان ينبغي أن يقول: " حدثني بعض شيوخنا "، أو نحو ذلك. وقال الحافظ الذهبي: (قال زكريا الساجي: جاء ابن وارة إلى أبي كُريب، وكان في ابن وارة بَأوٌ -أي كبْر وتِيه- فقال لأبي كريب: " ألم يبلغك خبري؟ ألم يأتك نبئي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة "، فقال: " وارة؟ وما وارة؟ وما أدراك ما وارة؟ قم، فوالله لا حدثتُك، ولا حدثت قومًا أنت فيهم ") (٣). وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه، فأذن له، فجلس متربعًا، فامتنع من إقرائه، وقال له: " أنت أحوج إلى الأدب، منك إلى العلم الذي جئت تطلبه " (٤). و (حُكي عن الشمس الجوهري أنه لما شرع في الاشتغال بالعلم طاف على أكابر علماء بلده، فلم يعجبه منهم أحد، لحدَّة فهمه، حتى إذا جاء إلى شيخ الإسلام يحيى المناوي، فجلس بين يديه -وفي ظنه أنه يلحقه بمن تقدم- فشرع في القراءة، فتأمل الشيخ، فوجد إصبعًا من أصابع رجله مكشوفة، فانتهره، وقال له: " بحال أنت قليل الأدب، لا يجيء منك في الطلب، غطِّ إصبعك، واستعمل الأدب! " (٥) فحُمَّ لوقته، وزال عنه ما كان يجده من الاستخفاف

стр. 216

بالناس , ولزم دروسه حتى صار رأسًا عظيمًا في العلم) (١). وعن أبي عبد الرحمن الحَوْضي قال: (سأل رجل عفان بن مسلم عن حديث، فحدَّثه، فقال: " زدني في السماع، فان في سمعي ثقلاً "، فقال له عفان: " الثِّقلُ في كل شيء منك , ليس هو في سمعك بَسْ) (٢). * * *

стр. 217

الفصل الخامس آداب السؤال * ينبغي لطالب العلم أن يلاطفَ شيخه في المسألة، ويرفق به، ويخاطبَه بالسؤدَد والتفدية، ويديمَ الدعاء له، والتأدبَ معه، فإن ذلك خير سبيل إلى بلوغ أغراضه منه، قال المستظهر: " أدب السائل أنفع من الوسائل " (١). وعن وهب بن منبه وسليمان بن يسار أنهما قالا: " حُسن المسألة نصف العلم، والرفق نصف العيش " (٢). * والأدب خير وسيلة لاستدرار علم الأستاذ: قال ابن جُرَيج: " لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به " (٣). وقال الأصمعي (٤): لم أرَ مثلَ الرفقِ في أمره ... أخرجَ للعذراءِمن خِدْرها من يستعن بالرفق في أمره ... قد يُخرجُ الحيةَ من جُحْرِها وقد قيل: " ليس من أخلاق المؤمن التملُّق ولا الحسد، إلا في طلب العلم " (٥).

стр. 218

وعن محمد بن عبده الرحمن الطرائفي قال: (حضرتُ بدمشق عند ابن جَوصا، فجعلت أتملَّقه، دقلت: أيها الشيخ، مثلك مثل ما قال كثيِّرُ عَزة: وإذا الدُّرُّ زان حُسْن وجوهٍ ... كان للدرِّ حُسْنُ وجهكِ زَيْنا وتَزيدينَ أطيبَ الطيبِ طِيبًا ... إن لَمَسْتِيهِ أينَ مِثْلُكِ أينا فقال: " هَوِّن عليك، نا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: " لا يغُر المدحُ من عرف نفسه ") (١). وعن علي بن حرب قال: حدثني أبي قال: (كنا في مجلس سفيان بن عيينة، فضَجِرَ، فقام من مجلسه، فقام إليه رجل من أقصى المجلس، فقال: " يا أبا محمد، أنت غاية الناس وطِلْبتهُمْ، وإن الرجل ليريد الحج، وما ينشط إلا إلى لقائك، فجلس وأنشأ يقول: خَلَتِ الدِّيارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَؤَدِ ... ومِن الشقاءِ تفردي بالسّؤْدَدِ (٢)). * فإذا حُرِم الرفق، فاته من العلم ما يتحسر عليه: قال الزهري ﵀: (كان أبو سلمة يسأل ابن عباس، قال: فكان يخزن (٣) عنه، قال: وكان عبيد الله بن عبد الله يلاطفه (٤)، فكان يَغِرّه غَراً) (٥).

стр. 219

وقال الشعبي: " كان أبو سلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علمًا كثيرًا " (١) وعن أبي سلمة قال: " لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا " (٢) * * *

стр. 220

مداراة العالم والصبر على جفوته * ينبغي لطالب العلم (أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق ولا يصده ذلك عن ملازمته، وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجِبَ إليه، ويجعل العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته) (١). ومن لم يصبر على الأستاذ خسر، وضل سعيه في طلبه العلم، وبقي في جهل، يقول الأصمعي: " من لم يحتمل ذل التعلم ساعة، بقي في ذل الجهل أبدًا " (٢)، وعن بعض السلف قال: " من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عَماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة " (٣)، وأنشد بعضهم:

стр. 221

لا تنكرن لسوء خلق عالمًا ... واعذره في عذر احتمال أذاكا فالعلم أحرى بالدلال لأهله ... وأجل من أن يستميل هواكا (١) وقال بلال بن أبي بردة: " لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا " (٢). وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أخبرنا أبي، قال: (سمعت أبا يوسف القاضي يقول: " خمسة يجب على الناس مُداراتهم: الملك المتسلط، والقاضي المتأوِّل، والمريض، والمرأة، والعالِمُ لِيقتبَسَ من علمه "، فاستحسنت ذلك منه) (٣). وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: " لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن في دين الله ، ومن هرب مني ومن أمثالي .. لا يفلح " (٤). إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا يَنصحان إذا هما لم يُكْرَما فاصبر لدائك إن جفوتَ طبيبه واقنع بجهلك إن جفوتَ معلِّما وعن مُعَافَى بن عمران قال: " مثل الذي يغضب على العالِم مثل الذي يغضب على أساطين -أي سواري- الجامع " (٥). وقال الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة: " إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض،

стр. 222

تغضب عليهم؟ يوشك أن يذهبوا ويتركوك "، قال: " هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقي " (١). وقال الشافعي: (كان يختلف إلى الأعمش رجلان، أحدهما كان الحديث من شأنه، والآخر لم يكن الحديث من شأنه، فغضب الأعمش يومًا على الذي من شأنه الحديث، فقال الآخر: " لو غضب عليَّ كما غضب عليك لم أعُدْ إليه "، فقال الأعمش: " إذن هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خُلُقي ") (٢). وقال الخليل بن أحمد: اعمل بعلمي وإن قَصَّرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري (٣) واستمعْ لمحمد بن هارون الدمشقي وهو ينشد: لَمَحبرَةٌ تُجالسني نهاري ... أحبُّ إليَّ من أُنْس الصديق ورِزْمَةُ كاغدٍ (٤) في البيت عندي ... أحبُّ إليَّ من عِدْل الدقيق ولَطمةُ عالمٍ في الخَدِّ مِنِّي ... ألَذُّ لَدَيَّ من شرب الرحيق (٥) * ينبغي لطالب العلم أن يتحين الوقت المناسب لزيارة شيخه، أو سؤاله، أو القراءة عليه، عن ابن عباس ﵄ قال: " وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنتُ لأقيل بباب أحدهم، ولو شئتُ أن يُؤْذَنَ لي عليه لأُذِنَ لي عليه، ولكن أبتغي بذاك طيب نفسه " (٦).

стр. 223

وعن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: " ما دققت على مُحدِّثٍ بابه قط -وفي رواية: - ما أتيت عالمًا قط فاستأذنت عليه، ولكن صبرت حتى يخرج إليَّ، وتأولت قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] (١). وقال ابن جماعة ﵀: " ولا يقرأ عند شغل قلب الشيخ أو ملله، أو غمه، أو غضبه، أو جوعه، أو عطشه، أو نعاسه، أو استيفازه، أو تعبه " (٢). وقال الشهرزوري: " ولا يسأله وهو قائم، أو مستوفز، وعلى حالة ضجر، أو هم به، أو غير ذلك مما يشغل القلب " (٣). وقال الخطيب البغدادي ﵀: (وإن رآه في هَمّ قد عرض له، أو أمر يحول بينه وبين لُبِّه، ويصده عن استيفاء ذِكره؛ أمسك عنه، حتى إذا زال ذلك العارض، وعاد إلى المألوف من سكون القلب، وطيب النفس، فحينئذ يسأله، وقد نبه ﷺ على ذلك في قوله: " لا يقضِ رجل بين رجلين أو بين خصمين، وهو غضبان " (٤) (٥). وعن ابن عباس ﵄ قال: " إن كنتُ لآتي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا رأيته نائمًا لم أُوقظه، وإذا رأيته مغمومًا لم أسأله، وإذا رأيته مشغولاً لم أسأله " (٦).

стр. 224

وعن قتادة قال: (سألت أبا الطفيل عن مسألة، فقال: " إن لكل مقام مقالاً ") (١). ولقي رجل عالمًا في السوق يشتري، فأراد أن يسأله، فقال له: " إن عقلي مع دراهمي ". وعن عطاء بن السائب قال: " كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يكره أن يُسأل وهو يمشي " (٢) وقال ابن جماعة: " ولا تسال عن شيء في غير موضعه إلا لحاجة، أو علمٍ بإيثار الشيخ ذلك " (٣). * وليحذر طالب العلم عند استفتاء العالم أن يتعنت عند طلب الدليل على فتواه (٤)، بأن يخرج ذلك في صورة تستفزه، وتثير حفيظته، قال الخطيب

стр. 225

البغدادى رحمه الله تعالى: " وليس ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أجابه به، ولا يقول: لم؟

стр. 226

ولا: كيف؟ قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وفرق ﵎ بين العامة وبين أهل العلم فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك؛ سأل عنها في زمان آخر، ومجلس ثان، أو بعد قبول الفتوى من المفتي مجردة " (١) اهـ. * ومن أدب الطالب إذا حادث شيخه أو استفتاه أن يَكْنِيَ عما يُستقبح، إلا فيما لا بد منه، لمصلحة شرعية. * وعن كعب بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من طلب العلم ليُجاري به العلماءَ، أو ليُماريَ به السفهاء، أو يصرفَ به وجوه الناس إِليه، أدخله الله النار " (٢). ومعنى قوله ﷺ : (ليجاري به العلماء) أي يجري معهم في المناظرة والجدال؛ ليُظهر علمه رياءً وسمعة (٣). أوصى عيسى بن دينار عبد الله بن حبيب في رحلته لطلب العلم، فقال: " إذا أصبت عالمًا، فلا تُظهِر له مع علمه علمًا، فيحرمك ما عنده " (٤). * قال فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله: " احذر ما يتسلى به المفلسون من العلم، يراجع مسألة أو مسألتين، فإن كان

стр. 227

في مجلسٍ فيه مَن يُشار إليه أثار البحث فيها، ليُظهر علمه، وكم في هذا من سوأةٍ أقلها: أن يعلم أن الناس يعلمون حقيقته " (١) اهـ. * وإن أشكل عليه شيء من كلام العالم فلا يبادر إلى الإنكار، والاعتراض، والنقد، والمراء، بل يتهم رأيه، ويتوثق قبل الإنكار، فهذا أمير المؤمنين عمر ﵁ وقد اعترض على ما رآه يوم الحديبية -بادي الرأي- شرًّا، مع أن الله جعله -في المآل والعاقبة- فتحًا مبينًا. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد قصة الحديبية: (وفي الحديث .. أن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال، بل عليه التسليم؛ لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالبًا بكثرة التجربة، ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي) (٢) اهـ. ولذلك ندم عمر على مراجعته رسول الله ﷺ يومئذ، وقال: " فعملت لذلك أعمالاً "، وقال أيضًا: " ما زلت أصوم، وأتصدق، وأصلي، وأعتق، من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا " (٣). وقال سهل بن حنيف ﵁: " يا أيها الناس اتهموا رأيكم، فإنا كنا يومَ أبي جندل ولو نستطيع أن نرد أمر رسول الله ﷺ لرددناه " (٤). وقال الإمام مالك: " سلِّموا للأئمة، ولا تجادلوهم " (٥). وقال سفيان بن عيينة: " التسليم للفقهاء سلامة في الدين " (٦).

стр. 228

تنبيه: اعلم -وفقك الله- أن التسليم للعالم وترك الاعتراض عليه ليس على إطلاقه، لأنه ليس معصومًا، وإنما المقصود: التسليم له في موضع الاجتهاد والاحتمال، وكذا حيث لم يستوثق المعترض من خطإ الشيخ، وكذا في حالة الاعتراض لمجرد الاعتراض ولغرضٍ نفسي بحت كما يحصل أحيانًا ممن لا هَمَّ لهم سوى إثبات وجودهم، وتحقيق ذواتهم على حَدِّ قول قائلهم: " خالف تعرف ". * إياك أن تكون من " الصيادين " هواةِ حضور مجالس العلم لتتبع سِقط الكلام، وتصيد الأخطاء، والتشنيع بها، ونشرها في الآفاق: قال ابن حزم في " مداواة النفوس ": (إذا حضرت مجلس علم، فلا يكن حضورُك إلا حضورَ مستفيد، مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضور مستغنٍ بما عندك، طالبًا عثرةً تُشَنِّعُها أو غريبة تشَيِّعُها، فهذه أفعال الأراذل الذين لا يُفلحون في العلم أبدًا) (١). وقال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله: (إذا ظفرتَ بوهمٍ لعالم فلا تفرح به للحطِّ منه، ولكن افرح به لتصحيح المسألة فقط، فإن المنصف يكاد يجزم بأنه ما من إمام إلا وله أغلاط، وأوهام، لا سيما المكثرين منهم. وما يشغب بهذا، ويفرح به للتنقص إلا متعالم " يريد أن يُطحت زُكامًا، فيُحدِث به جذامًا "). نعم ينبه على خطأ، أو وهم وقع لإمام غُمِر في بحر علمه وفضله، لكن لا يثير الرهج عليه بالتنقص منه، والحط عليه، فيغتر به من هو مثله) (٢).

стр. 229

الأصل في النصيحة الإِسرار بها: فإن الناصح ليس غرضه إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها، فمهما أمكن النصيحةُ في السر، فلا ينبغي العدول عنها إلى المجاهرة بها في الملإ، قال الفضيل ﵀: " المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير "، وقال الإمام الشافعي ﵀ في هذا المعنى: تعهدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعه فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تغضب إذا لم تُعْطَ طاعه (١) وحكى الأصمعي أن الخليفة هارون الرشيد قال له: " وقِّرنا في الملإ، وعلِّمنا في الخلاء " (٢). وعن سفيان قال: (قلت لمسعر: " تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ "، قال: " أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها: فلا، وأما أن يجيء ناصح: فنعم "). وعن ابن المبارك قال: " كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره، أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره، ويؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحدٍ ما يكره استغضب أخاه، وهتك ستره ". و (قال الحسن بن عُلَيْل: حدثنا يحيى بن معين، قال: " أخطأ عفان في نَيِّفٍ وعشرين حديثًا، ما أعلمتُ بها أحدًا؛ وأعلمتُه سِرّاً، ولقد طلب إليَّ خلف بن

стр. 230

سالم أن أخبره بها فما عرَّفته، وكان يحب أن يجد عليه). قال يحيى: " ما رأيت على رجل خطأً إلا سترتُه، وأحببتُ أن أُزَيِّن أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمرٍ يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته ") (١). وعن سفيان قال: (جاء طلحة إلى عبد الجبار بن وائل، وعنده قوم، فسارَّه بشيء، ثم انصرف، فقال: أتدرون ما قال لي؟ قال: " رأيتك التفتَّ أمسِ وأنت تصلي "). قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (وإذا كان مراد الرادِّ على العالم إظهار عيبه، وتنقصه، وإظهار قصوره في العلم، ونحو ذلك؛ كان محرمًا، سواء كان رده ذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو في موته، وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه، وتوعَّد عليه من الهمز واللمز، وداخل أيضًا في قول النبي ﷺ : " يا معشر من آمن بلسانه، ولم يؤمن قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإِنه من يتبع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه، ولو في جوف بيته " (٢). وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة، ومن تشبه بالعلماء وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم تحذيرًا من الاقتداء بهم .. والله أعلم.

стр. 231

ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله، فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم، كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص والذم، وإظهار العيب، فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة. ويُعرف هذا القصد تارة بإقرار الرادّ واعترافه، وتارة بقرائن تحيط بفعله وقوله ... ) (١). * وإن أخطأ العالم في الجواب، فلا يرد عليه في الحال، ولا يبادر بالتصحيح إلا حيث يتعين عليه ذلك كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. قال الإمام وهب -من أجَلّ أصحاب الإمام مالك-: (سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: " ليس ذلك على الناس " قال ابن وهب: فتركته حتى خَفَّ الناس -أي: انصرفوا- فقلت له: " عندنا في ذلك سنة "، فقال: " وما هي؟ " قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمر وابن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: " رأيت رسول الله ﷺ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه "، قال مالك: " إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة "، ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع) (٢). وقال العلامة ابن العربي في " أحكامه ": أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة؛ قال: (وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل

стр. 232

الجوهري وحضرتُ كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه: " إن النبي ﷺ طلَّق، وظاهر, وآلى "، فلما خرج؛ تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعَرَّفَهم أمري؛ فإنه رأى إشارة الغربة، ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه. فلما انفضَّ عنه أكثرهم؛ قال لي: " أراك غريبًا، هل لك من كلام؟ " قلت: " نعم "، قال لجلسائه: " أفرجوا له عن كلامه "، فقاموا، وبقيت وحدي معه , فقلتُ له. حضرت المجلس اليوم متبركا بك، وسمعتُك تقول: " آلى رسول الله ﷺ " وصدقتَ، و " طلق رسول الله ﷺ "، وصدقتَ، وقلت: " وظاهر رسول الله ﷺ "، وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول، وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ ، فضمني إلى نفسه، وقبلَ رأسي، وقال لي: " أنا تائب من ذلك، جزاك الله عني من معلمٍ خيرًا ". ثم انقلبت عنه، وبكَرتُ إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيتُه قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلتُ من باب الجامع ورآني؛ نادى بأعلى صوته: " مرحبًا بمُعَلّمي، افسحوا لمعلِّمي "، فتطاولت الأعناق إليَّ، وحَدَّقت الأبصار نحوي، وتعرفُني يا أبا بكر " -يشير إلى عظيم حيائه؛ فإنه كان إذا سلم عليه أحدٌ أو فاجأه خجل لعظيم حيائه، واحمرَّ حتى كان وجهه طُلِي بِجُلَّنار (١). قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني، حتى بلغت المنبر، وأنا لِعِظَمِ الحياء، لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع غاصٌ بأهله، وأسأل الحياءُ بدني عَرَقًا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: " أنا معلمكم، وهذا معلمي، لمَّا كان بالأمس؛ قلتُ لكم: " آلى رسول الله ﷺ

стр. 233

وطلَّق، وظاهر، فما كان أحدٌ منكم فقه عني، ولا ردَّ عَلَيَّ، فاتَّبعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا، وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب عن قولي بالأمس، وراجعٌ عنه إلى الحق، فمَن سمعه ممَّن حضر؛ فلا يُعَوّلْ عليه، ومَن غاب؛ فليبلغه مَن حضر، فجزاه الله خيرًا "، وجعل يحفل في الدعاء، والخلق يؤمِّنون. فانظروا -رحمكم الله- إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملإ، ومن رجل ظهرت رياسته، واشتهرت نفاسته، لغريبٍ مجهولِ العين، لا يُعرف مَن، ولا مِن أين، واقتدُوا به؛ ترشدوا) (١) انتهى. وقال التنوخي رحمه الله تعالى: (كان ابن الأنباري النحوي يُملي من حفظه، وما أملى من دفتر قط، حكى الدارقطني: أنه حضره يُصحّف في اسم، قال: فأعظمت له أن يُحْمَل عنه وَهْم، وهبتُه، فعرَّفت مستملِيَه، فلمَّا حضرت الجمعة الأخرى، قال ابن الأنباري: " إنَّا صَحَّفْنا الاسمَ الفلانيَّ، ونبهَنا عليه ذلك الشابُّ على الصواب ") (٢). وحكى الإمام عبد الرحمن بن مهدي ﵀ عن شيخه عبيد الله بن الحسن العنبري أحد سادات البصرة وعلمائها، قال: (كنا في جنازة، فسألته عن مسألة، فغلِط فيها، فقلت له: أصلحك الله، القولُ فيها كذا وكذا "، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: " إذًا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذَنَبًا في الحق

стр. 234

أحب إلى من أن أكون رأسًا في الباطل ") (١). * وليحذر أن ينتقد العالم باسلوب ينال من هيبته عند صغار الطلبة أو العوام الذين يهدرون -بسبب ذلك- قدر العالم، ويجترئون على إطلاق اللسان فيه دون دراية منهم بالموازين الدقيقة التي تضبط التعامل بالعدل والإنصاف مع أهل العلم والفضل، فيحرمون بالتالي من علمه وفضله. * * *

стр. 235

مراحل تنبيه العالم على خطئه العالم -بحكم كونه بشرًا غير معصوم- قد يقع في خطإ غير مقصود، وحينئذ ينبغي للطالب أن يتلطف في تنبيهه لهذا الخطإ. قال الإمام ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله تعالى- في " الواضح ": ( .. وإن كان أعلى فليتحرَّ، ويجتنب القول له: هذا خطأ، أو غلط، أو ليس كما تقول، بل يكون قوله له: أرأيت إن قال قائل: " يلزم على ما ذكرت كذا؟ وإن اعترض على ما ذكرت معترض بكذا؟ " فإن نفوس الكرام الرؤساء المقدمين تأبى خشونة الكلام، إذ لا عادة لهم بذلك، وإذا نفرت: عميت القلوب، وجمدت الخواطر، وانسدت أبواب الفوائد، فحرمت كل الفوائد، بسفه السفيه، وتقصير الجاهل في حقوق الصدور) (١) اهـ. وقال الإمام بدر الدين ابن جماعة -رحمه الله تعالى- في بيان أدب الطالب مع شيخه: (ولا يقول لما رآه الشيخ وكان خطأ: هذا خطأ، ولا هذا ليس برأي، بل يُحسن خطابه في الرد إلى الصواب، كقوله: " يظهر أن المصلحة في كذا "، ولا يقول: " الرأي عندي كذا "، وشبه ذلك) (٢) اهـ. وقد ذكر بعض العلماء لتنبيه العالم على خطئه طرقًا (٣): الطريقة الأولى: تنبيه الأستاذ إلى الخطإ، بتكرار اللفظ الذي يسبقه، ليراعيه الأستاذ عند

стр. 236

الإعادة، يقول ابن جماعة: " وإذا ردَّ الشيخ عليه لفظه، وظن أن رَدَّه خلاف الصواب، أو علمه كرر اللفظة مع ما قبلها لينتبه لها الشيخ " (١). (أما من تجاسر بالإنكار على الأستاذ فقلما يفلح، عن بعض السلف (٢) قال: " من قال لشيخه: لِم؟ لم يفلح " (٣)، ولا يقول له: " لِم؟ " ولا: " لا نسلِّم "، ولا: " من نقل هذا؟ " ولا: " أين موضعه؟ ") (٤).

стр. 237

الطريقة الثانية: إذا لم ينتبه الأستاذ، وكرر الخطأ، أتى المتعلم بالصواب على سبيل الاستفهام، يقول ابن جماعة: (أو يأتي بلفظ الصواب على سبيل الاستفهام فربما وقع ذلك سهوًا، أو سبق لسان لغفلة، ولا يقل: بل هي كذا، بل يتلطف في تنبيه الشيخ لها، فإن لم ينتبه قال: فهل يجوز فيها كذا) (١). الطريقة الثالثة: في حال إصرار الأستاذ على قوله، فعلى المتعلم أن يؤجل مناقشتها للدرس المقبل، وليتحقق هو منها لعل الصواب مع أستاذه، يقول ابن جماعة: (فإن رجع الشيخ إلى الصواب، فلا كلام وإلا ترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف لاحتمال أن يكون الصواب مع الشيخ) (٢). الطريقة الرابعة: إذا كان الخطأ في جواب مسألة لا تحتمل التأخير، أو يترتب عليها أضرار ومفاسد تَعَيَّن على المتعلم أن يصارح أستاذه، وإلا اعتُبِر خائنًا له، يقول ابن جماعة: (وكذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة لا يفوت تحقيقه، ولا يعسر تداركه، فإن كان كذلك كالكتابة في رقاع الاستفتاء، وكون السائل غريبًا، أو بعيد الدار، أو مُشَنِّعًا، تعين تنبيه الشيخ على ذلك في الحال بإشارة، أو تصريح، فإنَّ ترك ذلك خيانة للشيخ، فيجب نصحه بتلفظه لذلك بما أمكن من تلطف أو غيره) (٣). * * *

стр. 238

ذم كثرة السؤال قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة١٠١: ١٠٢]. عن أبي الجويرية عن ابن عباس ﵄ قال: (كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاءً، فيقول الرجل: " من أبي؟ " ويقول الرجل، تضل ناقته: " أين ناقتي؟ " فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا ..... ﴾ حتى فرغ من الآية كلها) (١). وعن الزهريّ قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنّ النبيّ ﷺ (خرج حين زاغت الشمس فصلّى الظهر (٢)، فلما سلّم قام إلى المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عِظامًا، ثم قال: " من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله! لا تسألوني عن شيء إِلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا (٣) " قال

стр. 239

أنس: فأكثر الأنصارُ البكاءَ، وأكثر رسولُ الله ﷺ أن يقول: " سلوني "، فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: " أين مدخلي يا رسول الله؟! " قال: " النار "، فقام عبد الله بن حذافة فقال: " من أبي يا رسول الله؟! " قال: " أبوك حذافة "، قال: ثم أكثر أن يقول: " سلوني "، فبرك عمر على ركبتيه فقال: " رضينا بالله ربا ً، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولاً ". قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده! لقد عُرِضتْ علي الجنة والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر " (١). وعن أبي البختري عن عليّ ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قالوا: " يا رسول الله! أفي كل عام؟ "، فسكت، فقالوا: " أفي كل عام؟ "، فسكت، قال: ثم قالوا: " أفي كل عام؟ "، فقال: " لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم "، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا ..... ﴾ الآية) (٢). قال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": (والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل، إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت، عن الشيء، الذي لو لم يُسأل عنه لكان على الإباحة) (٣) اهـ.

стр. 240

وقال الإمام ابن القيم في " إعلام الموقعين ": (لم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرّض للسؤال عمّا إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله، ومن ها هنا قال عمر بن الخطاب ﵁: " يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا "، لمّا سأله رفيقه عن مائه: " أطاهر أم لا؟ " (١) وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يُبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه، وستره، فلعلّه يسوؤه إن أُبدِي له، فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله، فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها) اهـ (٢). قال القاسمي ﵀ معقبًا على عبارة ابن القيم ﵀: (وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها، وأما المقصود أولاً وبالذات -كما يفيده تتمتها- فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي. ويدل له , ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: " إِن أعظم المسلمين جرمًا، منْ سأل عن شيء لم يحرم فحرِّم من أجل مسألته " (٣)، فإن مثل ذلك قد أُمِنَ وقوعُه) اهـ (٤).

стр. 241

وعن أبي هريرة ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: " ذرونى ما تركتم, فإِنما هلَكَ مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم (١)، واختلافهم على أنبيائهم، فإِذا أمرتكم بشيء فأتُوا منه ما استطعتم، وإِذا نهيتكم عن شيء فدعوه " (٢). وعن الحجاج بن عامر الثمالي ﵁ أن رسول ﷺ قال: " إِياكم وكثرةَ السؤال " (٣). ورُوي عن أبي ثعلبة الخشني ﵁: أن النبي ﷺ قال: " إِن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحَدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها " (٤). وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أشياء، قال: " الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلّفوا " (٥). وعن أنس ﵁ قال: (نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، وكان

стр. 242

يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل (١) من أهل البادية فيسأله، ونحن نسمع) (٢). وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر: " فكره رسول الله ﷺ فى المسائل وعابها " (٣). وعن النوّاس بن سمعان ﵁ قال: (أقمت مع رسول الله ﷺ سنة بالمدينة , ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة كان أحدنا، إذا هاجر، لم يسأل النبيَّ ﷺ ) (٤). قال الحافظ ابن حجر: (ومراده: أنه قدم وافدًا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرًا، فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن الخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودًا كانوا أو غيرهم) (٥) اهـ. وعن أبي أمامة ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا ..... ﴾ الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله ﷺ ، فأتينا أعرابيّاً فرشوناه برداءٍ، وقلنا: " سل النبي ﷺ ) (٦). وعن البراء ﵁ قال: (إن كان ليأتي عليَّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب -أي قدومهم-

стр. 243

ليسألوا، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها) (١). وأمسك الصحابة ﵃ عن السؤال حتى جاء جبريل ﵇، فجلس إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، ثم أخبرهم ﷺ أنه جبريل، وقال: " هذا جبريل، أراد أن تعلموا؛ إِذ لم تسألوا " (٢). قال القاسمي ﵀: (وأمّا ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يُحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصَب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلاله، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك .. لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عمّا لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لمّا كانت سببًا للتكليف بما يشق، فحقها أن تجتنب) اهـ (٣). * * *

стр. 244

آثار السلفية في ذم كثرة السؤال عن عكرمة أن ابن عباس ﵄ قال: " انطلق فأفتِ الناسَ، وأنا لك عَوْن "، قلت: " لو أن هذا الناسَ مثلُهم مرتين، لأفيتُهم "، قال: " انطلق فأفتهم، فمن جاء يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرحُ عنك ثلثي مُؤْنة الناس " (١). وكان رجل يسأل أبا الدرداء، فقال له: " كل ما تسأل عنه تَعمل به؟ "، قال: لا، قال " فما تصنع بازدياد حجة الله عليك؟ " (٢). وسأل رجل مالكًا عن مسألة، فلم يجبه، فقال له " لم لا تجيبني؟ " فقال: " لو سألت عما تنتفع به لأجبتك " (٣). وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: (ربما قال لي -أي الفضيل بن عياض-: " لو أنك طلبت مني الدنانير كان أيسر عليَّ من أن تطلب مني الحديث "، فقلت: " لو حدثتني بأحاديث فوائد ليست عندي، كان أحبَّ إليَّ من أن تَهَبَ لي عددَها دنانير "، قال: " إنك مفتون، أما والله وعملتَ بما سمعت، لكان لك في ذلك شُغْل عما لم تسمع، سمعت سليمان بن مهران يقول: إذا كان بين يديك طعام تأكله، فتأخذ اللقمة، فترمي بها خلف ظهرك متى تشبع؟ " (٤).

стр. 245

وعن عبدة بن أبي لبابة قال: " وددتُ أن أحظى من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم " (١). وقال ابن وهب: وقال لي مالك: " أدركت أهل هذه البلاد، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم "، قال ابن وهب: يريد المسائل (٢). وقال مالك: " العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل " (٣). (وكان إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ لا يقدم عليه في السؤال كثيرا، وكان أصحابه يهابون ذلك، قال أسد بن الفرات -وقد قدم على مالك-: " وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب يقولون له: " قل له: فإن كان كذا؟ "، فأقول له، فضاق عليَّ يومًا، فقال لي: " هذه سُليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق "، وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين وأحوالهم لإيغالهم في المسائل، وكثرة تفريعهم في الرأي) (٤) اهـ. * وقد وردت آثار عن السلف فيها النهي عن السؤال عما لم يقع حتى يقع: عن ابن عون قال: قال القاسم: " إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها،

стр. 246

وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حَلَّ أن نكتمكموها " (١) وعن زيد المنقري قال: (جاء رجل يومًا إلى ابن عمر فسأله عن شيء لا أدري ما هو؟ فقال له ابنُ عمر: " لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن ") (٢). وعن الزهري قال: (بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: " أكان هذا؟ "، فإن قالوا: " نعم قد كان "، حدَّث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: " لم يكن "، قال: " فذروه حتى يكون ") (٣). وعن عامر قال: (سئل عمار بن ياسر عن مسألة، فقال: " هل كان هذا بعد؟ "، قالوا: " لا "، قال: " دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم ") (٤). وعن طاوس قال: قال عمر على المنبر: " أحَرِّج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن " (٥). وعن عمر بن إسحاق قال: " لَمن أدركت من أصحاب رسول الله أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة، ولا أقل تشديدًا منهم " (٦). وعن رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت عبادة بن نسي الكندي، وسُئل عن المرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي؟ فقال: " أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم " (٧).

стр. 247

وعن زبيد قال: " ما سألت إبراهيم عن شيء إلا عرفت الكراهية في وجهه " (١). (وقال أبو وائل: " لاتقاعد أصحاب: أرأيت " (٢)، وقال الشعبي: " ما كلمة أبغض إليَّ مِن: أرأيت "، وقال أيضًا: إذا سألت عن مسألة فأُجِبْتَ فيها، فلا تُتبع مسألتك: " أرأيت "، فإن الله يقول في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، حتى فرغ من الآية) (٣). * * *

стр. 248

بيان ما يُحْمَدُ من الأسئلة وما يُذَمُّ قال الحافظُ ابن حجر رحمه الله تعالى: (قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك؛ أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها؛ فهذا مطلوب لا مكروه، بل ربما كان فرضًا على من تعين عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلاً، فهذا الذي ذمه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: " هلك المتنطعون ... "، قالها ثلاثًا (١)، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته. ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها

стр. 249

أولى، ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك -في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة ... إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرةُ البحث عنه في الشك والحيرة، قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن -أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: " هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ " فيجيبه بالجواز، فإن عاد فقال: " أخشى أن يكون من نهب أو غصب "، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردد كُرِه، أو كان خلاف الأَوْلى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسدَّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه؛ ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها، ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف، ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه

стр. 250

ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمَن بعدهم) (١) اهـ. * * *
следующие страницы →