← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حَلَّ أن نكتمكموها " (١) وعن زيد المنقري قال: (جاء رجل يومًا إلى ابن عمر فسأله عن شيء لا أدري ما هو؟ فقال له ابنُ عمر: " لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن ") (٢). وعن الزهري قال: (بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: " أكان هذا؟ "، فإن قالوا: " نعم قد كان "، حدَّث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: " لم يكن "، قال: " فذروه حتى يكون ") (٣). وعن عامر قال: (سئل عمار بن ياسر عن مسألة، فقال: " هل كان هذا بعد؟ "، قالوا: " لا "، قال: " دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم ") (٤). وعن طاوس قال: قال عمر على المنبر: " أحَرِّج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن " (٥). وعن عمر بن إسحاق قال: " لَمن أدركت من أصحاب رسول الله أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة، ولا أقل تشديدًا منهم " (٦). وعن رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت عبادة بن نسي الكندي، وسُئل عن المرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي؟ فقال: " أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم " (٧).

стр. 247

وعن زبيد قال: " ما سألت إبراهيم عن شيء إلا عرفت الكراهية في وجهه " (١). (وقال أبو وائل: " لاتقاعد أصحاب: أرأيت " (٢)، وقال الشعبي: " ما كلمة أبغض إليَّ مِن: أرأيت "، وقال أيضًا: إذا سألت عن مسألة فأُجِبْتَ فيها، فلا تُتبع مسألتك: " أرأيت "، فإن الله يقول في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، حتى فرغ من الآية) (٣). * * *

стр. 248

بيان ما يُحْمَدُ من الأسئلة وما يُذَمُّ قال الحافظُ ابن حجر رحمه الله تعالى: (قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك؛ أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها؛ فهذا مطلوب لا مكروه، بل ربما كان فرضًا على من تعين عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلاً، فهذا الذي ذمه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: " هلك المتنطعون ... "، قالها ثلاثًا (١)، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته. ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها

стр. 249

أولى، ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك -في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة ... إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرةُ البحث عنه في الشك والحيرة، قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن -أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: " هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ " فيجيبه بالجواز، فإن عاد فقال: " أخشى أن يكون من نهب أو غصب "، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردد كُرِه، أو كان خلاف الأَوْلى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسدَّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه؛ ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها، ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف، ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه

стр. 250

ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمَن بعدهم) (١) اهـ. * * *

стр. 251

المواضع التى يكره فيها السؤال قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى: (الإكثار من الأسئلة مذموم، والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح .. ) إلى أن قال ﵀: (والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد وُعِظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه، وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه، ويحفظوا منه العلم .. ). ثم قال: (ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع: أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: " من أبي؟ "، ورُوي في (التفسير) أنه ﵇ سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقًا كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرًا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية، فأنما أجيب بما فيه من منافع الدين. وثانيها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته؛ كما سأل الرجل عن الحج: " أكلَّ عام؟ " مع أن قوله تعالى: ﴿ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: ﴿اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. وثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا -والله أعلم-

стр. 252

خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: " ذروني ما تركتكم "، وقوله: " وسكت عن أشياء رحمةً بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها ". ورابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي عن الأغلوطات. وخامسها: أن يسأل عن علة الحكم -وهو من قبيل التعبدات، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال - كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة (١). وسادسها: أن يبلغ بالسؤال إلى حدِّ التكلُّف والتعمُّق، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، ولما سئل الرجل: " يا صاحب الحوض! هل ترد حوضَك السباعُ؟ "، قال عمر بن الخطاب ﵁: " يا صاحبَ الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرِدُ على السباع، وترد علينا " (٢). وسابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي (٣) ولذلك

стр. 253

قال سعيد: أعراقي أنت؟ " (١). وقيل لمالك بن أنس: " الرجل يكون عالمًا بالسنة أيجادل عنها؟ " قال: " لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قُبِلَتْ منه، وإلا سكت " (٢). وثامنها: السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٧]. وعن عمر بن عبد العزيز: " من جعل دينه غرضًا للخصومات؛ أسرع التنقل " (٣)، ومن ذلك: سؤال من سأل مالكًا عن الاستواء؟ فقال: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة " (٤). وتاسعها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صِفِّين؟ فقال: " تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب

стр. 254

أن ألطِّخَ بها لساني " (١). عاشرها: سؤال التعنت (٢) والإفحام وطلب الغلبة في الخصام، وفي القرآن في ذم نحو هذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، وفى الحديث: " أبغض الرجال إِلى الله الألد الخصِم " (٣). هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحدًا، بل فيها ما تشتدّ كراهيته، ومنها ما يخفّ، ومنها ما يحرم , ومنها ما يكون محلَّ أجتهاد، وعلى جملةٍ منها يقع النهي عن الجدال في الدين؛ كلما جاء: " إِن المراء في القرآن كفر " (٤) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية، [الأنعام: ٦٨]، وأشباه ذلك من الآي والأحاديث ... فالسؤال في مثل ذلك منهيٌ عنه، والجواب بحسبه) (٥). * * *

стр. 255

بيان أن النهي في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ مقيد بما لا تدعو إليه حاجة نقل القاسمي ﵀ عن بعض المفسرين قوله: (لابد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة؛ لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقال ﷺ : " قاتلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا، فإِنما شفاء العِيِّ السؤال ... ") انتهى. وليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى: طولُ السكوتِ على الجهل وعن علي ﵁: " العلم قُفْلٌ، ومفتاحه السؤال " (١). وقال ابن شهاب: " العلم خزانة، مفتاحها المسألة " (٢). ثم قال القاسمي رحمه الله تعالى: (ولا يخفى أن الآية بقيدها -أعني: ﴿إِنْ تُبْدَ ... ﴾ إلخ- غنية عن أن تقيّد بقيدٍ آخر كما ذكره البعض، لأن المراد بها: ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة، وما يفتضحون به -كما أسلفنا- مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه، وفيه خطر المفسدة، والشيء الذي لا يُحتاج إليه، ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه. وأمّا ما تدعو إليه الحاجة؛ فلا تشمله الآية -كما يتضح من نظمها الكريم- مع

стр. 256

ما بيّنته السنة في سبب النزول، وتَحرُجُ الصحابة عن المسائل المارّ بيانه -معلوم أنه فيما لا ضرورة إليها، وإلا فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة , مما بيّن أن هذه الآية في موضوع خاص. وقد كان ﷺ يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى حرج، أو مساءة، أو تعنّت. روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: " أن النبي ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (١). وروى أحمد وأبو داود: " أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات " (٢) -وهي صعاب المسائل- والآثار في ذلك كثيرة) اهـ (٣). * * *

стр. 257

الحذر من إبرام الشيخ وإضجاره وليحذر طالب العلم الإثقال على الشيخ وإضجاره، وإلا لقي ما لا يسره: عن هُشيم قال: (كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خُلُقًا، فلم يزالوا به حتى ساء خُلُقُه) (١). وعن قُرَّة بن خالد قال: (سأل رجل محمد بن سيرين عن حديث -وقد أراد أن يقوم- فقال: " إنك إن كلَّفتني ما لم أُطِقْ؛ ساءك ما سرَّك مني مِن خُلُق ") (٢). وعن سلمة بن شَبيب قال: (رأيت عبد الرزاق -وهو بمكة- فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: " بِشَر ما رأيتُ وجهك، فإنك مُبْرِم ") (٣). وعن عمرو بن علي قال: (جاء رجل إلى يحيى بن سعيد يسأله عن أحاديث، وطول عليه، فقال له يحيى: " ما أراك إلا خيرًا مني، ولكنك ثقيل ") (٤). وقال رَوَّاد: (سألت مالكًا عن أربعة أحاديث، فلما سألته عن الخامس؛ قال: " يا هذا! ما هذا بإنصاف ") (٥). وعن إسماعيل بن موسى قال: (دخلنا إلى أنس بن مالك -ونحن جميعًا من

стр. 258

أهل الكوفة- فحدثنا بسبعة أحاديث، فاستزدناه، فقال: " من كان له ديِنٌ فلينصرف "، فانصرفت جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: " من كان له حياء فلينصرف "، فانصرفت جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: " من كانت له مُروءة فلينصرف "، فانصرفت جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، فقال: " يا غلمان افقئوهم (١)، فإنه لا بُقْيا (٢) على قوم لا دين لهم، ولا حياء، ولا مروءة " (٣)). ومن الأسئلة التي تسيء إلى العلاقة القائمة بين المتعلم وأستاذه الأسئلة المعروفة والمكررة والمعادة لما يترتب عليها من ضياع الوقت، يقول ابن جماعة ﵀: (ولا ينبغي للطالب أن يكرر سؤال ما يعلمه ولا استفهام ما يفهمه, فإنه يضيع الزمان، وربما أضجر الشيخ، قال الزهري: " إعادة الحديث أشد من نقل الصخر ") (٤). وقال الإمام الخطيب البغدادي ﵀: (وليتق إعادة الاستفهام لما قد فهمه، وسؤال التكرار لما قد سمعه، وعَلِمه، فإن ذلك يؤدِّي إلى إضجار الشيوخ)، ثم ساق بسنده (إلى أبي عمر الحوضي قال: " رأيت شعبة بن الحجاج أقام عفانًا من مجلسه مرارًا من كثرة ما يكرر عليه ") (٥). وقال وكيع: " من استفهم وهو يفهم؛ فهو طَرفٌ من الرياء " (٦).

стр. 259

النصوص والآثار في ذم الجدل والمراء عن أنس ﵁، قال رسول الله ﷺ : " أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَض (١) الجنة لمن ترك الراء (٢)، وإِن كان مُحِقًّا " (٣). وعن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ما ضَلَّ قوم بعد هدًى كانوا عليه إِلا أوتوا الجدل "، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٤) [الزخرف: ٥٨]. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إِن أبغض الرجال إِلى الله تعالى الألَدُّ الخَصِم " (٥). وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: " ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع " (٦).

стр. 260

وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : " إِن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم " (١). وعن علي ﵁ قال: " إياكم والخصومة، فإنها تمحق الدين " (٢). وعن الأحنف بن قيس قال: " كثرة الخصومة، تنبت النفاق في القلب " (٣). وعن جعفر بن محمد قال: " إياكم والخصومةَ في الدين، فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق " (٤) وعن معاوية بن قرة قال: " إياكم وهذه الخصوماتِ، فإنها تحبط الأعمال " (٥). وعن الفضيل بن عياض قال: " لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله " (٦). وعن مسلم بن يسار قال: " إياكم والمِراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زَلَّته " (٧). وعن معروف الكَرخيِّ قال: " إذا أراد الله بعبدٍ شرًّا، أغلق عنه باب العمل , وفتح عليه باب الجدل " (٨).

стр. 261

وقد قيل: " لا تمارِ حليمًا ولا سفيهًا، فإن الحليم يغلبك، والسفيه يؤذيك " (١). وعن ميمون قال: " لا تمار مَن هو أعلم منك، فإنك إن فعلت ذلك خزن عنك علمه، ولم يضره ما قلتَ شيئًا " (٢). وعن خالد ابن الخليفة يزيد بن معاوية قال: " إذا كان الرجل لجوجًا، مماريًا، معجبًا برأيه، فقد تمت خسارته " (٣). وعن مالك قال: " الجدال في الدين يُنشئ المِراء، ويذهبُ بنور العلم من القلب، ويقسِّي، ويُورث الضغن " (٤). وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: " المراء في الدين يُقَسِّي القلب، ويُورت الضغائن " (٥). وقال الحسن: " المؤمن لا يداري، ولا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قُبلت حَمِد الله، وإن رُدَّت حمد الله وعلا " (٦). وعن أبي الجوزاء أنه قال: " ما ماريتُ أحدًا قط " (٧).

стр. 262

وقال عبد الكريم الجزري: " ما خاصم ورعٌ قَطُّ في الدين " (١). وسمع الحسن قومًا يتجادلون، فقال: " هؤلاء مَلُّوا العبادة، وخفَّ عليهم القول، وقل ورعُهم فتكلموا " (٢). وعن معن بن عيسى؛ قال: (انصرف مالك بن أنس يومًا من المسجد؛ وهو متكئ على يدي؛ فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية؛ كان يُتَّهم بالإرجاء؛ فقال: " يا أبا عبد الله، اسمع مِني شيئاً أكلمك به؛ وأحاجك، وأخبرك برأيي "، قال: " فإن غلبتني؟ " قال: " إن غلبتك اتبعتني "، قال: " فان جاء رجل آخر؛ فكلمنا فغلبنا؟ "، قال: " نتبعه "، قال مالك ﵀: يا عبد الله! بعث الله محمدًا ﷺ بدين واحد؛ وأراك تنتقل من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: " من جعل دينه غرضًا للخصومات؛ أكثر التنقل ") (٣). وعن الحسن أن رجلاً أتاه فقال: يا أبا سعيد! إني أريد أن أخاصمك "، فقال الحسن: " إليك عني، فإني قد عرفت ديني، وإنما يخاصمك الشاك في دينه " (٤). وقال الشافعي: (كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما أنا فإني على بينة من ديني، وأما أنت فشاكّ، اذهب إلى شاكّ مثلِك فخاصمه). وعن مهدي بن ميمون؛ قال: سمعت محمدًا -يعني ابن سيرين- وماراه رجل في شيء- فقال محمد: " إني أعلم ما تريد؛ وأنا أعلم بالمراء منك؛ ولكني لا أماريك " (٥).

стр. 263

وعن الزجاج قال: كنا عند المبرِّد أبي العباس محمد، فوقف عليه رجل، فقال: " أسألك عن مسألة في النحو؟ "، قال: " لا "، فقال: " أخطأت "، فقال: " يا هذا! كيف أكون مخطئًا أو مصيبًا، ولم أُجِبْكَ عن المسألة بعدُ؟! "، فأقبل عليه أصحابه يُعَنِّفونه، فقال لهم: " خَلُّوا سبيله، ولا تَعَرَّضوا له، أنا أخبركم بقصته: هذا رجل يحب الخلاف، وقد خرج من بيته، وقصدني على أن يخالفني في كل شيء أقوله، ويخطئني فيه، فسبق لسانُه بما كان في ضميره " (١). * * *

стр. 264

بيان انقسام الجدال إلى محمود ومذموم قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: ( .. نظرنا في كتاب الله تعالى، وإذا فيه ما يدل على الجدال والحجاج، فمنِ ذلك: قوله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فأمر الله رسوله ﷺ في هذه الآية بالجدال، وعلَّمه منها جميع آدابه من الرفق، والبيان، والتزام الحق، والرجوع إلى ما أوجبته الحجة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، الآية. وكتابُ الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف، فتضمن الكتاب ذم الجدال والأمر به، فعلمنا علمًا يقينًا أن الذي ذمَّه غير الذي أمر به، وأن من الجدال ما هو محمود مأمور به، ومنه ما هو مذموم منهي عنه (١) , فطلبنا البيان لكل واحد من الأمرين، فوجدناه تعالى قد قال: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]، فبين الله تعالى في هاتين الآيتين الجدال المذموم، وأعلَمَنا أنه الجدال بغير حجة، والجدال في الباطل. فالجدال المذموم وجهان: أحدهما: الجدال بغير علم.

стр. 265

والثاني: الجدال بالشغْب والتمويه نصرة للباطل بعد ظهور الحق وبيانه، قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥]. وأما جدال المُحِقِّين فمن النصيحة في الدين، ألا ترى إلى قوم نوح ﵇ حيث قالوا: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وجوابه لهم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. وعلى هذا جرت سنة رسول الله ﷺ .. فقال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم "، فأوجب المناظرة للمشركين، كما أوجب النفقة والجهاد في سبيل الله، وعلَّمنا رسول الله ﷺ وضع السؤال في موضعه، وكيفية المحاجة في الحديث الذي ذكر فيه محاجة آدم وموسى ﵉ إلى أن قال ﵀: (وقد تحاج المهاجرون والأنصار، وحاجَّ عبد الله بن عباس ﵄ الخوارج بأمر علي بن أبي طالب ﵁، وما أنكر أحد من الصحابة قط الجدال في طلب الحق) (١) اهـ. ومتى ما مارى الطالب شيخه خرج المتعلم عن الوقار، وخزن الأستاذ علمه عنه، وعن علي ﵁ أنه قال: (من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، ولا تعنته في الجواب، وأن لا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا ولا تطلبن عثرته، وإن زل فاقبل معذرته،

стр. 266

وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته) (١). وعن ميمون قال: " لا تمار عالمًا ولا جاهلاً، فإنك إذا ماريت عالمًا خزن عنك علمه، وإن ماريت جاهلاً خشن بصدرك " (٢). فائدة: لا ينبغي لطالب العلم أن يسأل العالم بنية امتحانه، وتصنيفه كما يفعل " هواة التصنيف " في هذا الزمان -لا كثَّر الله سوادهم- كيف يشغبوا، ويثيروا الشر، ويُشَنِّعوا، وقال البخاري ﵀ لمن فعل به هذا: " الامتحان بدعة " (٣). * * *

стр. 267

النهي عن الأغلوطات ويجب على المتعلم أن يراعي في سؤاله طلب الفائدة لا تعنيت الأستاذ، وإحراجه أمام الآخرين، أو وضعه في مأزق ما. عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن الغَلوطات " (١). قال الأوزاعي: " الغلوطات: شداد المسائل وصعابها " (٢). وقيل: " هي المسائل التي يغالَط بها العلماء ليزلوا فيها، فيهيج بذلك شر وفتنة ". وعن أمير المؤمنين معاوية ﵁ وقد ذكروا المسائل عنده- فقال: " أما تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن عُضَل المسائل؟ " (٣). قال الخطابي في " معالم السنن ": (المعنى أنه نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط، ليستنزلوا ويستسقط رأيهم فيها، وفيه كراهة التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسالة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به، وقد روينا عن أبي بن كعب: أن رجلاً سأله عن مسألة فيها

стр. 268

غموض , فقال: " هل كان هذا بعد؟ " قال: " لا "، قال: " أمهلني إلى أن يكون ". وسأل رجل مالك بن أنس عن رجل شرب في الصلاة ناسيًا، فقال: " ولِم لَم يأكل؟ "، ثم قال: حدثنا الزهري عن علي بن حسين: أن النبي ﷺ قال: " إِن من حسن إِسلام المرء تركَه ما لا يعنيه ") (١) اهـ. وعن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال: سلوني؟ فسأله ابن الكواء، فقال: " ويلك سل تفقهًا، ولا تسل تعنتًا "، وفي موضع آخر قال علي ﵁ لابن الكواء: " إنك لَذَهَّابٌ في التِّيه، سل عما ينفعك أو يعنيك "، قال: " إنما نسأل عما لا نعلم " (٢). وقال الربيع بن خثيم: " يا عبد الله، ما علَّمك الله في كتابه من علم، فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم، فكِلْه إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] " (٣). وقال يحيى بن أيوب: (بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون: " إذا أراد الله أن لا يعلِّم عبده أشغله بالأغاليط ") (٤). وعن الأوزاعي قال: " إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم؛ ألقى على لسانه الأغاليط " (٥). وعن الحسن البصري قال: " شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يعَمُّون بها عباد الله " (٦)

стр. 269

وعن مالك بن أنس قال: جاء ابن عجلان إلى زيد بن أسلم، فسأله عن شيء، فخلط عليه، فقال له زيد: " اذهب فتعلم كيف تسأل، ثم تعالَ فَسَل " (١). كان ابن سيرين إذا سئل عن مسألة فيها أُغلوطة قال للسائل: (أمسكها حتى تسأل عنها أخاك إبليس) (٢). وقال مالك: (قال رجل للشعبي: " إني خبأت لك مسائل "، قال: " اخبأها لإبليس حتى تلقاه، فتسأله عنها "). وسأل رجلٌ الشعبي عن المسح على اللحية، فقال: " خَلِّلها بأصابعك "، فقال: " أخاف أن لا تَبُلَّها "، قال الشعبي: " إن خِفتَ فانقعها من أول الليل " (٣). وسأله آخر: " هل يجوز للمحرم أن يَحُكَّ بدنه؟ " قال: " نعم "، قال: " مقداركم؟ "، قال: " حتى يبدوَ العظم " (٤). وعن سعيد بن بشير قال: (كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة، زجره بهذه الآية: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وسأل عمرو بن قيس مالك بن أنس عن مُحْرِم نزع نابَيْ ثعلب، فلم يرد عليه شيئًا (٥). وعن عبد الرحمن بن أبي نُعم أن رجلاً سأل ابن عمر وأنا جالس عن دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال له: " ممن أنت؟ " قال: " من أهل العراق "، فقال ابن

стр. 270

عمر: " ها انظروا إلى هذا! يسأل عن دم البعوض (١)، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ !!، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِن الحسن والحسين هما ريحانتي من الدنيا " (٢). وسأل رجل عمر بن قيس عن الحصاة يجدها الإنسان في ثوبه أو في خفه أو في جبهته من حصى المسجد، فقال: " ارم بها "، قال الرجل: " زعموا أنها تصيح حتى تُرَدَّ إلى المسجد "، فقال: " دعها تصيح حتى ينشقَّ حلقُها "، فقال الرجل: " سبحان الله! ولها حَلْق؟ " قال: " فمن أين تصيح؟ " (٣). وعن أيوب قال: سمعت رجلاً قال لعكرمة: " فلان قذفني في النوم "، قال: " اضرِبْ ظلَهُ ثمانين " (٤). وعن الأعمش قال: أتى رجل الشعبي، فقال: ما اسم امرأةِ إبليس؟ قال: " ذاك عُرْسٌ ما شهدته " (٥). وجاء رجل إلى أبي حنيفة، فقال له: " إذا نزعتُ ثيابي، ودخلتُ النهر أغتسل، فإلى القبلة أتوجَّه أم إلى غيرها؟ "، فقال له: " الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تُسْرَق " (٦).

стр. 271

* قال الإمام الخطيب البغدادي ﵀: (ومن الأدب إذا روى المحدث حديثًا، فعرض للطالب في خلاله شيء أراد السؤال عنه، أن لا يسأل عنه في تلك الحال، بل يصبر حتى يُنهي الراوي حديثه، ثم يسأل عما عرض له). ثم روى بسنده إلى نافع: (أن تميمًا الداريَّ ﵁ استأذن عمر بن الخطاب ﵁ في القصص، فقال: " إنه على مثل الريح "، قال: " إني أرجو العاقبة "، فأذِن له عمر، فجلس إليه عمر، فقال تميم في قوله: " اتقوا زلة العالم "، فكره عمر أن يسأله عنه، فيقطعَ على القوم، وحضر منه قيام، فقال لابن عباس: " إذا فرغ فاسأله: ما زلة العالم؟ "، ثم قام عمر، فجلس ابن عباس فغفل غفلة، وفرغ تميم، وقام يصلي، وكان يطيل الصلاة، فقال ابن عباس: لو رجعتُ فَقِلْتُ (١) ثم أتيته، فرجع، وطال على عمر، فأتى ابن عباس فسأله، فقال: " ما صنعتَ؟ "، فأعتذر إليه، فقال: " انطلق "، وأخذ بيده حتى أتى تميمًا الداريَّ، فقال له: " ما زلة العالم؟ "، قال: " العالم يزلُّ بالناس، فيؤخَذ به، فعسى أن يتوب منه العالم، والناس يأخذون به ") (٢). وقال الحسين بن علي لابنه: " يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرصَ منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحدٍ حديثًا -وإن طال- حتى يمسك " (٣).

стр. 272

* وإذا سأله الأستاذ: هل فهم الدرس؟ فعلى المتعلم أن يُلزم نفسَه الصدق مع أستاذه , فإن لم يفهم طلب إفهامه، قال ابن شهاب: " العلم خزائن ومفتاحه المسألة ". وإذا قال الشيخ: " أفهمت؟ "، فلا يقل: " نعم " قبل أن يتضح له المقصود من المسألة إيضاحًا جليًّا لئلا يكذب، ولا يستحي من قوله: " لم أفهم "، لأن استثباته يحصل له مصالح " (١). وقال الخليل بن أحمد: (فإن سأله فلا يقل: " نعم "، حتى يتضح له المعنى اتضاحًا جليًّا كيلا يفوته الفهم، ويدركَه بكذبه الإثمُ " (٢). وقال ابن جماعة: " وكما لا ينبغي للطالب أن يستحي من السؤال فكذلك لا يستحي من قوله: " لم أفهم " إذا سأله الشيخ، لأن ذلك يفوت عليه مصلحة العاجلة والآجلة، وأما العاجلة: فحفظ المسألة ومعرفتها، واعتقاد الشيخ فيه الصدق والورع والرغبة، والآجلة: سلامته من الكذب والنفاق، واعتياده التحقيق) (٣). وأما إذا كان يعرف الدرس طلب المزيد، وعليه ألا يظهر استغناءً عن الأستاذ، يقول ابن جماعة: (فإن سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه له فلا يجيب " بنعم "، لما فيه من الاستغناء عن الشيخ فيه، ولايقل: " لا "، لما فيه من الكذب، بل يقول: " أحب أن أسمعه من الشيخ، أو أن أستفيده منه، أو بَعُدَ

стр. 273

عهدي، أو هو من جهتكم أصح "، فإن علم من حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به، أو أشار إليه بإتمامه امتحانًا لضبطه وحفظه، أو لإظهار تحصيله، فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء مرضاته، وازدياد الرغبة فيه) (١). * * *

стр. 274

الفصل السادس الأدب مع حامل القرآن الكريم لقد أوصى النبي ﷺ بإكرام أهل القرآن، فقال: " إِن من إجلال الله إِكرامَ ذي الشيبة المسلمِ، وحاملِ القرآنِ، غير الغالي فيه (١) والجافي عنه (٢)، وإِكرام ذي السلطان المقسِط " (٣). وسمَّاهم ﷺ اسمًا ينبض بأعظم المعاني: سماهم " أهلَ الله وخاصته "، فقال ﷺ : " إِن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصَّتُه " (٤). ولأن خير الكلام كلام الله تعالى؛ فإن خير الناس من اشتغل به مخلصًا لله ، عن أمير المؤمين عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " خيركم من تعلم القرآن، وعلَّمه " (٥).

стр. 275

ومن أجل هذا الحديث قعد أبو عبد الرحمن السلمي أربعين عامًا (١) يُقرئ الناس بجامع الكوفة مع جلالة قدره، وكثرة علمه. وسئل سفيان الثورى عن الجهاد وتعليم القرآن، فرجَّح الثاني، واستدلَّ بهذا الحديث (٢). وعن أنس ﵁ قال: بعثني الأشعري -يعني أبا موسى ﵁ إلى عمر، فقال لي: " كيف تركت الأشعريَّ؟ "، قلت: " تركته يُعَلِّم الناسَ القرآنَ "، فقال: " أما إنه كيِّسٌ! ولا تُسْمِعْها إياه " (٣). وبيَّن ﷺ أن صاحب القرآن في غِبطَةٍ (٤)، وأنه يحق له الاغتباط الشديد بما هو فيه، وأنه يستحب تغبيطه (٥) بذلك، فقد قال ﷺ : " لا حسد إِلا في اثنتين: رجل علَّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جارٌ له، فقال: " يا ليتني أوتيتُ مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل " ... ) الحديث (٦). وآثر ﷺ أهل القرآن الكريم بالأحقية في إمامة الصلاة؛ فعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة ... " (٧) الحديث.

стр. 276

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إِذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإِمامة أقرؤهم " (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: " أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللَّحْدِ ... ) (٢) الحديث. وعن ابن عباس ﵄ قال: " كان القراءُ أصحابَ مجالس عمر ﵁ ومشاورتِه، كهولاً كانوا أو شُبَّانًا " (٣). وعن عباد أبي محمد البصري قال: " تُوَسَّع المجالس لثلاثة: لحامل القرآن، ولحامل الحديث، ولذي الشيبة في الإسلام " (٤). إن القرآن العظيم يُغني صاحبه عن كل حسب ونسب، والتشرف بحفظه والتفقه فيه فوق كل شرف، ألا ترى أنه لا يصد واحدًا من أهل القرآن والدين عن

стр. 277

إمامة الناس أن يكون أعرابيًا، أو عبدًا مملوكًا، أو ولد زنى (١)؟! استناب نافع بن عبد الحارث مولاه عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيَّ ﵁ على مكة حين تلقى عمر بن الخطاب ﵁ إلى عُسفان (٢)، فقال له: " من استخلفتَ على أهل الوادي؟ " -يعني مكة- قال: " ابن أبزى "، قال: " ومن ابن أبزى؟ "، قال: " إنه عالم بالفرائض، قارئ لكتاب الله "، قال: أما إن نبيكم ﷺ قال: " إِن هذا القرآن يرفع الله به أقوامًا، ويضع به آخرين " (٣). ويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال " ابنُ أبزى ممن رفعه الله بالقرآن " (٤). وممن رفعهم القرآن الكريم: كبار أئمة التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ وفي كل واحد منهم عيب: فعَبيدة أعور، ومسروق أحدب، وعلقمة أعرج، وشريح كوسج (٥)، والحارث أعور، رفعهم حفظ القرآن وتعلمه وتعليمه (٦). وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: " من تعلم القرآن عظمت قيمته " (٧). عن يحيى بن معين قال: بلغني أن الأعمش قال:

стр. 278

" أنا ممن رفعه الله تعالى بالقرآن، لولا القرآن لكان على رقبتي دَنُّ (١) صحناء (٢) أبيعه " (٣)، وقال أيضًا: " لولا القرآن وهذا العلم عندي؛ لكنت من بقالي الكوفة " (٤). وممن رفعه الله بالقرآن: أبو العالية رفيع بن مهران الإمام المقرئ الحافظ المسند، وكان مولى لامرأة، قال ﵀: (كان ابن عباس يرفعني على السرير (٥)، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش، فقال ابن عباس ﵄: " هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويُجلسُ المملوكَ على الأسِرَّة! " (٦). وكان المحدثون يعظمون أهل القرآن أيَّ تعظيم، فهذا الإمام شيخ الإسلام، وشيخ المقرئين والمحدثين سليمان بن مهران الأعمش ﵀؛ مع أنه كان معروفًا بشدته على طُلاب الحديث، يقول: " كان يحيى بن وثَّاب من أحسن الناس قراءة رُبما اشتهيت أن أقَبِّلَ رأسه من حُسن قراءته، وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد " (٧). وقال يعقوب الفسوى: سمعت أحمد بن يونس، وذكروا له حديثًا أنكروه من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، فقال: كان الأعمش يضرب هؤلاء، ويشتمهم، ويطردهم، وكان يأخذ بيد أبي بكر، فيجلس معه في زاوية

стр. 279

لحال القرآن (١) وقال الحسين بن فهم: (ما رأيت أنبل من " خلف بن هشام "، كان يبدأ بأهل القرآن، ثم يأذن لأصحابه الحديث) (٢) وكان لا يرى استصغار حامل القرآن، بل لابد من توقيره، فإن معه أعظم وأفضل ما يُرفع به الناس، ولو كان حامل القرآن صغير السن بالنسبة لكبار القراء. فعن أحمد بن إبراهيم، وَرَّاق خلف بن هشام أنه سمع خلفًا يقول: (قدمتُ الكوفة، فصِرتُ إلى سُليم بن عيسى، فقال لي: " ما أقدمَك؟ "، قلت: " أقرأ على أبي بكر بن عياش "، فقال: " لا تريده؟ "، قلت: " بلى "، فدعا ابنه، وكتب معه إلى أبي بكر, ولم أدْرِ ما كتبَ، فأتينا منزل أبي بكر، قال ابن أبي حسان: وكان لخلف تسعَ عشرةَ سنة، فلما قرأ الورقة، قال: " أدخِل الرجل "، فدخلتُ، وسلَّمت، فصَعَّد فيَّ النظر، ثم قال: " أنت خلف؟ " قلت: " نعم "، قال: " أنت لم تُخَلِّفْ ببغدادَ أحدًا أقرأ مِنْكَ؟ "، فَسَكَتُّ، فقال لي: " اقعد , هاتِ اقرأ "، قلتُ: " أعليكَ؟ "، قال: " نعم "، قلت: " لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلاً من حَمَلَةِ القرآن "، ثم خرجتُ , فوجَّه إلى سُلَيمٍ يسأله أن يَرُدَّني , فأبيتُ، ثم إني نَدِمْتُ , واحتجت، فكتبتُ قراءة عاصمٍ عن يحيى بن آدم عن أبي بكر) (٣). * * *

стр. 280

الفصل السابع الأدب مع الأكابر قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا (١) فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨]، فمِن ثَمَّ قال بعض العلماء: " الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقًّا يُتَوَسَّلُ به، كما توسلوا بكبر يعقوب، وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ " (٢) اهـ (٣).

стр. 281

وقال رسول الله ﷺ : " ...... فأعط كل ذي حقّ حقَّه " (١). وبيَّن ﷺ حَدَّ الكِبْر فقال: " الكِبرُ: بَطَرُ الحق، وَغمطُ الناس " (٢). إن من محاسن هذه الشريعة الإلهية أنها فرضت للأكابر حقوقًا يجب أن تُعطى لهم كاملة غير منقوصة، وأن تُبذل لهم -تعبدًا، وتأدبًا- عن قناعة، بل عن طيب خاطر، وسماحة نفس كخفض الصوت بحضرتهم، وإعداد المحاريب لإمامتهم، والانتفاع بخبرتهم، والالتقاط من جواهر علومهم، وإفساح المجالس لهم , وتهيئة الموضع اللائق بشيبتهم في صدورها، كما توضع الدرر الكبار في العقد المنضود. وقد خاطب بعض الشيوخ النشء معلمًا ومؤدبًا، فقال ضمن وصية جامعة نافعة: " اعرف الكبير قدره وحقه، فإذا ماشيته فقدمه عليك في الدخول والخروج , وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدبٍ وسكينة ولُطف , وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب والنداء " (٣).

стр. 282

لقد شَمَّر السلف ومن تبعهم من الخلف عن سُوق الدأب في سوق الأدب، فخلفوا لنا تراثًا حافلاً يشهد بعظمة هذا الدين، وسمو تعاليمه، وشموله كل ما يصلح الأمم والأفراد في كل مناحي الحياة، وما كان ذلك إلا بفضل التربية النبوية المحمدية لخير أمة أخرجت للناس، فدونك بعض حلقاتها: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا " (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، يبلغ به النبي ﷺ قال: " من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق -وفي لفظ: ويوقر- كبيرنا فليس منا " (٢)، وفي رواية: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويَعْرفْ شرف كبيرنا " (٣). وعن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا حقَّه " (٤). وقال بكر بن عبد الله المزني ﵀: (إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: " هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: " سبقته إلى الذنوب والمعاصي، فهو خير مني ") (٥).

стр. 283

وجعل ﷺ إكرام من شاب شعره، ونفد عمره في الإسلام والإيمان، بتعظيمه , وتقديمه، والرفق به، والشفقة عليه، من كمال تعظيم الله وتبجيله , لشدة حرمته عند الله ﵎: فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال ﷺ : " إِن من إِجلال الله إِكرام ذي الشيية المسلم، وحامل القرآن؛ غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإِكرام ذى السلطان المقسط " (١). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " البركة مع أكابركم " (٢) قال المناوي ﵀ في شرحه: (البركة مع أكابركم المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم (٣)، أو المراد: من له منصب العلم , وإن صغر سنه، فيجب إجلالهم حفظًا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه، وقال شارح الشهاب: هذا حث على طلب البركة في الأمور، والتبحبح في الحاجات بمراجعة الأكابر، لما خصُّوا به من سبق الوجود، وتجربة الأمور، وسالف عبادة المعبود، قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: ٨٠]،

стр. 284

وكان في يد المصطفى ﷺ سواك فأراد أن يعطيه بعض من حضر، فقال جبريل: " كبِّر كبِّر "، فأعطاه الاكبر، وقد يكون الكبير في العلم أو الدين، فيقدم على من هو أسن منه) (١) اهـ. وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شبَبَة متقاربون -أي شباب متقاربون في السن-، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: " ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإِذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم " (٢). وعن أبي مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإِن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ... " (٣) الحديث.

стр. 285

قال ابن علان ﵀ في قوله ﷺ : " فليؤمهم أكبرهم سنًّا ": " لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى، وأكثر عروضًا عن الدنيا، وتوجهًا إلى الدار الآخرة " اهـ (١). وعن أبي مسعود ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: " استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ") (٢). وقد ترجم الإمام النووي ﵀ لهذا الحديث وغيره: (باب توقير العلماء (٣) والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم (٤)، ورفع مجالسهم (٥)، وإظهار مرتبتهم) (٦) أي أداءً لحق ذي الحق، وقد قال ﷺ ": " ... فأعط كل ذي حق حقه " (٧). وقال ابن علان ﵀: " وفيه -كما قال المصنف- تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون
следующие страницы →