← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96617

الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (396 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال رسول الله ﷺ : " ...... فأعط كل ذي حقّ حقَّه " (١). وبيَّن ﷺ حَدَّ الكِبْر فقال: " الكِبرُ: بَطَرُ الحق، وَغمطُ الناس " (٢). إن من محاسن هذه الشريعة الإلهية أنها فرضت للأكابر حقوقًا يجب أن تُعطى لهم كاملة غير منقوصة، وأن تُبذل لهم -تعبدًا، وتأدبًا- عن قناعة، بل عن طيب خاطر، وسماحة نفس كخفض الصوت بحضرتهم، وإعداد المحاريب لإمامتهم، والانتفاع بخبرتهم، والالتقاط من جواهر علومهم، وإفساح المجالس لهم , وتهيئة الموضع اللائق بشيبتهم في صدورها، كما توضع الدرر الكبار في العقد المنضود. وقد خاطب بعض الشيوخ النشء معلمًا ومؤدبًا، فقال ضمن وصية جامعة نافعة: " اعرف الكبير قدره وحقه، فإذا ماشيته فقدمه عليك في الدخول والخروج , وإذا التقيت به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركت معه في حديث فمكنه من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدبٍ وسكينة ولُطف , وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب والنداء " (٣).

стр. 282

لقد شَمَّر السلف ومن تبعهم من الخلف عن سُوق الدأب في سوق الأدب، فخلفوا لنا تراثًا حافلاً يشهد بعظمة هذا الدين، وسمو تعاليمه، وشموله كل ما يصلح الأمم والأفراد في كل مناحي الحياة، وما كان ذلك إلا بفضل التربية النبوية المحمدية لخير أمة أخرجت للناس، فدونك بعض حلقاتها: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا " (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، يبلغ به النبي ﷺ قال: " من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق -وفي لفظ: ويوقر- كبيرنا فليس منا " (٢)، وفي رواية: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويَعْرفْ شرف كبيرنا " (٣). وعن عبادة بن الصامت ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا حقَّه " (٤). وقال بكر بن عبد الله المزني ﵀: (إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: " هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: " سبقته إلى الذنوب والمعاصي، فهو خير مني ") (٥).

стр. 283

وجعل ﷺ إكرام من شاب شعره، ونفد عمره في الإسلام والإيمان، بتعظيمه , وتقديمه، والرفق به، والشفقة عليه، من كمال تعظيم الله وتبجيله , لشدة حرمته عند الله ﵎: فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال ﷺ : " إِن من إِجلال الله إِكرام ذي الشيية المسلم، وحامل القرآن؛ غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، وإِكرام ذى السلطان المقسط " (١). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " البركة مع أكابركم " (٢) قال المناوي ﵀ في شرحه: (البركة مع أكابركم المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم (٣)، أو المراد: من له منصب العلم , وإن صغر سنه، فيجب إجلالهم حفظًا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه، وقال شارح الشهاب: هذا حث على طلب البركة في الأمور، والتبحبح في الحاجات بمراجعة الأكابر، لما خصُّوا به من سبق الوجود، وتجربة الأمور، وسالف عبادة المعبود، قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: ٨٠]،

стр. 284

وكان في يد المصطفى ﷺ سواك فأراد أن يعطيه بعض من حضر، فقال جبريل: " كبِّر كبِّر "، فأعطاه الاكبر، وقد يكون الكبير في العلم أو الدين، فيقدم على من هو أسن منه) (١) اهـ. وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شبَبَة متقاربون -أي شباب متقاربون في السن-، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: " ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإِذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم " (٢). وعن أبي مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإِن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا ... " (٣) الحديث.

стр. 285

قال ابن علان ﵀ في قوله ﷺ : " فليؤمهم أكبرهم سنًّا ": " لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى، وأكثر عروضًا عن الدنيا، وتوجهًا إلى الدار الآخرة " اهـ (١). وعن أبي مسعود ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: " استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ") (٢). وقد ترجم الإمام النووي ﵀ لهذا الحديث وغيره: (باب توقير العلماء (٣) والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم (٤)، ورفع مجالسهم (٥)، وإظهار مرتبتهم) (٦) أي أداءً لحق ذي الحق، وقد قال ﷺ ": " ... فأعط كل ذي حق حقه " (٧). وقال ابن علان ﵀: " وفيه -كما قال المصنف- تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون

стр. 286

هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو ما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، ويتعلموها، ويعلموها الناس، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة تقديم أهل الفضل في كل مجمع إلى إمام، وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء والذكر والتدريس والإفتاء واستماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاية في ذلك الباب، والأحاديث متعاضدة على هذا " (١) اهـ. عن حكيم بن قيس بن عاصم أن أباه أوصى عند موته بنيه، فقال: " اتقوا الله، وسوِّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوَّدوا أكبرهم خَلَفوا أباهم (٢)، وإذا سودوا أصغرهم أزرى بهم (٣) ذلك في أكفائهم " (٤). قال أبو الحسن المدايني: (خطب زيادٌ ذات يوم على منبر الكوفة، فقال: " أيها الناس إني بتُّ ليلتي هذه مُهْتمًا بخلالٍ ثلاث، رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة: رأيتُ إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، والله لا أوتى برجلٍ رَدَّ على ذي علمٍ ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك من شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل ردَّ على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم، وعلمائهم، وذوي أسنانهم ") (٥) اهـ.

стр. 287

إن الأمور إذا الأحداث دبَّرها ... دون الشيوخ ترى في سيرها الخللا وقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي: متى يصل العِطاش إلى ارتواءٍ ... إذا استقت البحارُ من الركايا ومن يَثني الأصاغر عن مرادٍ ... وقد جلس الأكابر في الزوايا وإنّ تَرَفُّعَ الوضعاء يومًا ... على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا (١) عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري ﵁ قال: (انطلق عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَةُ بن مسعود إلى خيبر، وهي يومئذ صُلْحٌ، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحَّطُ في دمه قتيلاً، فدفنه، ثم قَدِم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة وحُوَيِّصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال ﷺ : " كَبِّرْ، كَبِّر "، وهو أحدث القوم، فسكت فتكلَّما ... ) (٢) الحديث، وفي رواية أنه ﷺ قال لعبد الرحمن: " كبِّر الكُبْرَ "، والكُبْر: جمع أكبر، أي قدِّم للكلام من هو أكبر سنًّا منك، وفي رواية " الكُبْرَ الكُبْرَ " بالنصب على الإغراء. وعن ابن عمر ﵄ قال ﷺ : " أخبروني بشجرة مَثلها مَثَلُ المسلم، تؤتي أكلَها كلَّ حين بإِذن ربها، لا تَحُتُّ ورقها "، فوقع في نفسي النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثَمَّ أبو بكر وعمر ﵄، فلما لم يتكلما، قال النبي ﷺ : " هي النخلة "، فلما خرجتُ مع أبي قلت: " يا أبت!

стр. 288

وقع في نفسي النخلة "، قال:، ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحبَّ إلي من كذا وكذا "، قال: " ما منعني إلا لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، فكرهتُ " (١). وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: " لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا، فكنتُ أحفظ عنه، فما يمنعني من القول؛ إلا أن ههنا رجالاً هم أسنُّ مني " (٢). وسئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة، فقال: " إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا " (٣). وقال يحيى بن معين: " إذا حَدَّثْتُ في بلدة فيها مثلُ أبي مُسْهِر؛ فيجب لحيتي أن تُحلَق " (٤). وعن الحسن بن علي الخلال: " كنا عند معتمر بن سليمان يحدثنا إذ أقبل ابن المبارك، فقطع معتمر حديثه، فقيل له: حدِّثْنا، فقال: إنا لا نتكلم عند كبرائنا " (٥). وعن عاصم قال: " كان أبو وائل عثمانيًّا، وكان زِرُّ بن حُبيش علويًّا، وما رأيتُ واحدًا منهما قط تكلم في صاحبه حتى ماتا، وكان زِرٌّ أكبرَ من أبي وائل، فكانا إذا جلسا جميعًا، لم يُحدث أبو وائل مع زِرٍ -يعني يتأدب معه لسنِّه " (٦).

стр. 289

قال أبو عبد الله المُعَيطي: رأيتُ أبا بكر بن عياش بمكة، جاءه سفيان بن عيينة، فبرك بين يديه، فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال: " لا تسألني عن حديثٍ ما دام هذا الشيخ قاعدًا "، فجعل أبو بكر يقول: " يا سفيان، كيف أنت؟ وكيف عائلة أبيك؟ " (١). وقال سفيان الثوري: " إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ، وإن كان قد بلغ من العلم مبلغًا، فآيس من خيره، فإنه قليل الحياء " (٢). وعن عقبة بن علقمة قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: " كنا إذا رأينا الحدث يتكلم مع الكبار أيسنا من خلافه، ومن كل خير عنده " (٣). وذكر يحيى أن الإمام مالكًا كان إذا رأى ازدحامهم في مجلسه؛ قال: " توقروا، فإنه عون لكم، وليعرف صغيركم حقَّ كبيركم " (٤). وعن ابن وهب قال: سمعت مالكًا يقول: (كنا نجلس إلى ربيعة وغيره، فإذا أتى ذو السن والفضل قالوا له: " ها هنا "، حتى يجلس قريبًا منهم، قال: وكان رييعة ربما أتاه الرجل ليس له ذلك السن، فيقول له: " ها هنا "، فلا يرضى ربيعة حتى يجلسه إلى جانبه، كأنه يفعل ذلك لفضله عنده) (٥). قال عبد الله: (رأيت أبي إذا جاء الشيخ والحدث من قريش أو غيرهم من الأشراف لم يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيكونوا هم يتقدمونه، ثم

стр. 290

يخرج من بعدهم. وقال المروذي: " رأيته جاء إليه مولى ابن المبارك فألقى إليه مخدة وأكرمه، وكان إذا دخل عليه من يكرم عليه، يأخذ المخدة من تحته، فيلقيها له ". وقال المروذي: " كان أبو عبد الله من أشد الناس إعظامًا لإخوانه ومن هم أسن منه، لقد جاءه أبو همام راكبًا على حمار، فأخذ له أبو عبد الله بالركاب، ورأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ (١) "). وعن سلمة بن كهيل قال: " كان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء لسِنِّه " (٢). وانتهى أبو منصور وإبراهيم إلى زقاق، فقال له إبراهيم: " تقدم "، فأبى أن يتقدم، فتقدم إبراهيم، ثم قال: " لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم؛ ما تقدمتك ". وعن مالك بن مِغْوَل قال: (كنت أمشي مع طلحة بن مُصَرِّفٍ، فصرنا إلى مضيق، فتقدمني، ثم قال لي: " لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم؛ ما تقدَّمتك " (٣). وعن الفضل بن موسى قال: (انتهيت أنا وعبد الله بن المبارك إلى قنطرة، فقلت له: " تقدَّمْ "، وقال لي: " تقدم "، فحاسبته، فإذا أنا أكبر منه بسنتين) (٤). وعن حماد بن أبي حنيفة قال: (رأيت الحسن بن عمارة وأبي انتهيا إلى قنطرة، فقال له أبي: " تقدم "، فقال: " أتقدم؟! تقدمْ أنت، فإنك أفقهنا، وأعلمنا، وأفضلنا " (٥).

стр. 291

وعن يعقوب بن سفيان قال: (بلغني أن الحسن، وعليًّا، ابنيْ صالحٍ كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي فلم يُرَ قَطُّ الحسنُ مع علي في مجلس إلا جلس عليٌّ دُونَه، ولم يكن يتكلم مع الحسن إذا اجتمعا في مجلس) (١). قال الخطيب البغدادي ﵀: " وإن قدم الأكبر على نفسه من كان أعلمَ منه جاز ذلك، وكان حَسَنًا " ثم روى بإسناده إلى الحسين بن منصور قال: (كنت مع يحيى بن يحيى وإسحق -يعني ابن راهُوَيهْ- يومًا نعود مريضًا، فلما حاذينا الباب، تأخَّر إسحاق، وقال ليحيى: " تقدم "، فقال يحيى لإسحق: " تقدم أنت "، قال: " يا أبا زكريا أنت أكبر مني "، قال: " نعم، أنا أكبر منك، وأنت أعلم مني "، فتقدم إسحاق) (٢). وعن جرير ﵁ قال: (لما بُعث النبي ﷺ أتيته، فقال: " يا جرير لأي شيء جئت "؟ قال: " جئت لأسلِمَ على يديك يا رسول الله " قال: فألقى إليَّ كساءه، ثم أقبل على أصحابه، وقال: " إِذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه ") (٣). ويُروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنْزِل الناسَ منازَلهم " (٤). ورُوي عن أبي عمران الجَوْني قال: " كتب عمر بن الخطاب ﵁

стр. 292

إلى أبي موسى الأشعري: أنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائج الناس، فأكرِم وجوه الناس " (١). واستأذن رجلان على معاوية ﵁، فأذِن لأحدهما، وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر، فدخل عليه فجلس فوق صاحبه، فقال معاوية ﵁: " إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وإنا لم نأذن له قبلك إلا ونحن نريد أن يكون مجلسُه دوَنك (٢)، فقم لا أقام الله لك وزنًا " (٣). وقيل: كان زياد معظمًا للأحنف، فلما وُلِّي بعده ابنهُ عبيد الله تغيَّر أمر الأحنف، وَقَّدم عليه من هو دونه، ثم وفَد على معاوية في الأشراف، فقال لعبيد الله: " أدخِلهم عَلَيَّ على قدر مراتبهم "، فأخَّر الأحنف، فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته، وقال: " إليَّ يا أبا بحر "، وأجلسه معه، وأعرض عنهم، فأخذوا في شكر عبيد الله بن زياد، وسكت الأحنف، فقال له: " لم لا تتكلم؟ "، قال: " إن تكلمتُ خالفتُهم "، قال: " اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله "، فلما خرجوا كان فيهم من يرومُ الإمارة، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، وذكر كل واحدٍ شخصًا، وتنازعوا، فقال معاوية. " ما تقول يا أبا بحر؟ "، قال: " إن ولَّيتَ أحدًا من أهل بيتك لم تجد مِثْلَ عُبيد الله "، فقال: " قد أعدتُه "، قال: فخلا معاوية بعبيد الله، وقال: " كيف ضيَّعتَ مثل هذا الرجل الذي عزلك، وأعادك، وهو ساكت!؟ "، فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف صاحب سره (٤). وقال ابن شهاب: (خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام ومعنا

стр. 293

أبو عبيدة بن الجراح ﵁، فأتوا على مخاضةٍ وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها الخاضة، فقال أبو عبيدة: " يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها الخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك "، فقال عمر: " أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتُه نكالاً لأمة محمدٍ ﷺ ! " (١). إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما تطلب العز بغير ما أعزنا الله به؟ أذلنا الله) (٢). وعن أبي وائل: أن ابن مسعود ﵁ رأى رجلاً قد أسبل، فقال: " ارفع إزارك "، فقال: " وأنت يا ابن مسعود ارفع إزارك "، فقال له عبد الله: " إني لست مثلك إن بساقي حموشة -دقة- وأنا أؤم الناس "، فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: " أترد على ابن مسعود؟! " (٣). وعن يحيى بن معين قال: سمعت قبيصة بن عقبة يقول: " شهدتُ عند شريك، فامتحنني في شهادتي، فذكرتُ ذلك لسفيان، فأنكر على شريك، وقال: " لم يكن له أن يمتحنه " (٤).

стр. 294

وقال السمعاني: (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀: قلت لأبي: " ما لك لم تسمع من إبراهيم بن سعد، وقد نزل بغداد في جوارك؟ " فقال: اعلم يا بني أنه جلس مجلسًا واحدًا، وأملى علينا، فلما كان بعد ذلك خرج، وقد اجتمع الناس، فرأى الشباب تقدموا بين يدي المشائخ، فقال: " ما أسوأ أدبكم! تتقدمون بين يدي المشائخ؟! لا أحدثكم سنة "، فمات، ولم يحدث) (١). وحضر سفيان الثوري مجلس شاب من أهل العلم، وهو يترأس ويتكبَّر بالعلم على من هو أكبر منه، فغضب سفيان، وقال: " لم يكن السلف هكذا، كان أحدهم لا يدَّعي الإمامة، ولا يجلس في الصدر حتى يطلب هذا العلم ثلاثين سنة، وأنت تتكبر على مَن هو أسنُّ منك؟! قم عني، ولا أراك تدنو من مجلسي " (٢). يا عائبًا للشيوخ مِن أشَرٍ ... داخَلَه في الصِّبا ومِن بَذَخ اذكر إذا شئتَ أن تُعَيّرَهم ... جَدَّكَ واذكر أباك يا ابنَ أخِ واعلم بأن الشبابَ منسلخٌ ... عنك وما وزره بمنسلخِ من لا يعز الشيوخ لا بَلَغتْ ... يومًا به سِنُّه إلى الشَّيخِ * * *

стр. 295

الباب الثالث

стр. 296

الفصل الأول حرمة العلماء بين أخلاق السلف, وواقع الخلف العلم أثمن دُرَّة في تاج الشرع المطهر، ولا يصل إليه إلا المتحلِّي بآدابه، المتخلي عن آفاته، وقد طالعنا فيما سلف أحوال السلف الصالح الذين تأدبوا بآداب الشرع الشريف، فإذا أطللنا إطلالة على واقع بعض طلبة العلم في زماننا، تمثلنا قول الإمام ابن المبارك ﵀: لا تعرِضَنَّ بذكرهم مع ذكرنا ... ليس الصحيحُ إذا مشى كالمُقْعَدِ إذ نرى أناسًا انسلخوا من أخلاق السلف كما تنسلخ الحية من جحرها، لا يُراعون لشيخٍ حرمة، ولا يوجبون لطالبٍ ذمة، يتوجع أحد الدعاة من أمثال هؤلاء فيصفهم بأنهم: (أناس فضوليون؛ يكثر لغطهم، ويقل عملهم، وتنصبغ مجالسهم بصبغة الغيبة وخشونة الألفاظ، حتى تكون تهورات اللسان أمرًا مستساغًا، وتُغتال فضائل المجالس الإيمانية اغتيالاً، ويصبح الداعية المشارك فيها قليل الاحترام لعناصر الرعيل الأول، كثير الجرأة عليها ..... وليس ذلك عرف المؤمنين أبدًا، ولا سَمتهم الذي ورثناه، إنما ورثنا الحياء، وعفاف اللسان، واحترام الكبير، وتبجيل السابق، والتأول الحسن، وترجيح العذر، وجمال اللفظ، والاستغفار للذين سبقونا بالإيمان، وتكرار الدعاء

стр. 297

للمربي والحادي) (١) اهـ. ويتضجر آخر من مسلكهم قائلاً: ( .. حتى إن المتحدث منا في أي مسألة من مسائل العلم لا يَعْدَم مخالفًا له، أو ناقدًا، أو ناقمًا، أو واضعًا اسم المتحدث في " ملفٍ " صنَّف فيه الناس أصنافًا، ووصم كل واحد منهم بوصمةِ تجريحٍ وتشريح) (٢) اهـ. وهاك صورًا من عدوانهم وتطاولهم: - فهذا أحدهم يُعَبِّر العلماء بأنهم " فقهاء الحيض والنفاس ". - وآخر يخاطبهم قائلاً: " متى تخرجون من فقه المراحيض ودورات المياه؟ ". - وثالث يصف لجنة الفتوى في السعودية بأنها " فاتيكان المسلمين "، ويتكلم على أساس أن " تكفير " العلامة ابن باز من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش (٣). - ورابع ينكر في أحد المؤتمرات على من يصفهم بأنهم: " العلماء من عينة المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع ". - وخامس يضع نفسه في صف الحافظ ابن حجر العسقلاني ويقول متهكمًا: " هو ابن حجر، وأنا ابن زلط ". - وسادس يمارس التكفير المُقَنَّع؛ باتهام هذا العالم بأنه " ماسوني "، وذاك الداعية بأنه " عميل " لكذا، أو جاسوس لكذا مما يرجفون. أجل إنهم يصنعون بفتنتهم " توابيت " تُقبر فيها أنفاس الدعاة، وتوأد نفائس

стр. 298

دعوتهم، ويرجف المرجفون بالشائعات المغرضة، وهم يعلمون أن أئمة الهدى منها برآء، والمرجفون في قرارة أنفسهم على أنفسهم شهداء ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين٤: ٦]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]. وما بالقوم غيرة على الحق، وإنما هو الجهل العريض الذي يبدو لهم علمًا واسعًا، وإنما هو الكبر، والتيه، وبطر الحق، وغمط الناس منازلهم: أضاع الفريضة والسُّنَّهْ ... فتاه على الإنس والجِنَّهْ كأن النارَ من دونه ... وأفرده الله بالجَنَّه إن منهج " هلك الناس " (١) الذي ينتهجه بعض الطَّغام ما هو إلا نَفَسٌ خارجي حروري وعيدي، وإن تدثر بدثار المغيرة على الحق والانتصار له. عن ابن مسعود ﵁، قال رسول الله ﷺ : " ليس المؤمن بطعَّان، ولا لعَّان، ولا فاحش، ولا بذيء " (٢). وعن رجاء بن حيوة رحمه الله تعالى: أنه قال لرجل: " حَدِّثنا، ولا تحدثنا

стр. 299

عن متماوت ولا طعَّان ". * وهذا أحدهم قد طوَّعت له نفسه أن يُطلق لسانه بشتم بعض العلماء، والإزراء بهم، فلا يراهم إلا من خلال منظار أسود قاتم لا يرى حسنة إلا وقد اصطبغت بالسواد، وكأنه لم يبق عالم يملأ عينيه، أو يحترمه، مع أنه يتعسف ويتهور في إطلاق التهم، ويجازف في توزيع الأحكام بالبدعة والضلال، ويندفع في تعميم أحكامه بصورة لا تشم رائحة الانضباط العلمي الدقيق، وهو يحسب أن انتصاره للحق ودفاعه عن عقيدة السلف يسوغان له الجفاء والتهور، وهاك بعضَ مقولاته: * فمن ذلك: لَمْزُه الإمامَ الأعظم أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، فقد نقل في أحد كتبه تحت عنوان: " الكلام في أهل الرأي " عن البرذعي قوله: (سمعت أبا زرعة يقول: " كان أبو حنيفة جهميًّا، وكان محمد بن الحسن جهميًّا ") ثم نقل بعد كلامٍ قول الإمام أبي زرعة ﵀: (من يقول: " القرآن مخلوق " فهو كافر، يُعْنَى بما أسند الكفار؟! أي قوم هؤلاء؟!) (١). فتراه حكى القول بتكفير أبي حنيفة، ولم ينكره، وكان عليه أن يحقق المسألة قبل المجازفة. فعن محمد بن سابق قال: (سألت أبا يوسف، فقلت: أكان أبو حنيفة يقول: " القرآن مخلوق "؟ قال: " معاذ الله، ولا أنا أقوله "، فقلت: " أكان يرى رأي جهم؟ "، فقال: " معاذ الله، ولا أنا أقوله ") (٢). وعن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي قال: (سمعت أبا يوسف

стр. 300

القاضي يقول: كلَّمت أبا حنيفة رحمه الله تعالى سنة جرداء في أن القرآن مخلوق أم لا؟ فاتفق رأيه ورأيي على أن من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر) (١) قال البيهقي: قال أبو عبد الله -يعني الحاكم-: " رواة هذا كلهم ثقات ". وقال علي بن الحسن الكراعي: قال أبو يوسف: (ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر، فاتفق رأينا على أن من قال: " القرآن مخلوق "، فهو كافر) (٢). وروى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: " لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق) (٣). وعن سعيد بن منصور قال: (سمعت ابن المبارك يقول: (والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن، ولا يدين الله به) (٤). وعن محمد بن مقاتل قال: (سمعت ابن المبارك يقول: ذكر جهم في مجلس أبي حنيفة، فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول: " القرآن مخلوق "، فقال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] (٥).

стр. 301

* ومن ذلك: أنه نقل عن السلف تكفير الجهمية (١)، ثم عقَّب ذلك بالتنبيه على أن الأشاعرة من الجهمية، فينتج أن الأشاعرة كفار. * وما أدق ما عبر به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين قال في سياق كلامه عن الأشعرية: (وأما في الصفات: فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم .. ) (٢) اهـ. وقال ﵀ أيضاً: (وأما الأشعرية فلا يرون السيف موافقة لأهل الحديث، وهم بالجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة والحديث .. ) (٣) اهـ. وقال شيخ الإسلام أيضًا في معرض ذكره لذم السلفِ أهلَ الكلام من الأشاعرة وغيرهم: (وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة

стр. 302

والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة (١) في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة (٢) ونحوهم) (٣) اهـ. ودافع عنهم شيخ الإسلام، وقال في حق أبي إسماعيل الأنصاري صاحب " ذم الكلام ": (ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة) (٤) اهـ. وقال أيضًا في شأنهم: إنهم (ليسوا كفارا باتفاق المسلمين) (٥). وقال في معرض رده على أبي الحسين البصري المعتزلي: (وأيضًا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس والنصارى فيه من التحامل ما لا يخفى على منصف) (٦). وقال شيخ الإسلام في معرض الكلام عن الأشاعرة وتحذير العلماء منهم: (ثم إنه ما من هؤلاء إلا مَن له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدف وعدل

стр. 303

وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً من المعتزلة -وهم فضلاء عقلاء- احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوساطها. وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (١) اهـ. وقال أيضًا في حقهم: (ولهم حسنات وفضائل وسعي مشكور، وخطؤهم بعد الاجتهاد مغفور) اهـ (٢). وإذا راجعنا المواقف العملية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من أهل القبلة ندرك كيف جمع ﵀ بين تعظيم الحق، ورحمة الخلق: فقد كان شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا ما يثني على الإمام تقي الدين السبكي، قال ابنه رحمهما الله: (وكان -أي ابن تيمية- لا يعظم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له) (٣)، وذكر في ترجمة علاء الدين الباجي علي بن محمد بن عبد الرحمن -وكان أشعريًّا - أنه: (لما رآه ابن تيمية عظمه، ولم يجر بين يديه

стр. 304

بلفظة، فأخذ الشيخ علاء الدين يقول: " تكلم نبحث معك "، وابن تيمية يقول: " مثلي لا يتكلم بين يديك، أنا وظيفتي الاستفادة منك ") (١). * ومن ذلك إنكاره على من يزعم أنه سني ثم يترحم على بعض المبتدعة، مع أن الترحم على المسلم جائز في الأصل ولو كان مبتدعًا (٢) أو فاسقًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسوق) (٣). وقال ﵀: (المسلمون المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، وإما منافق، فمن عُلم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يُعلم ذلك منه صُلِّي عليه، وإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل عليه، وصلى عليه من لا يعلم نفاقه ... ) (٤). وقال ﵀ في المبتدعة: (وإذا لم يكونوا كفارًا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيُستغفر لهم، ويُترحم عليهم، وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله فخالف السنة، أو أذنب ذنبًا؛ فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم (٥) , وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارًا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد كما يستحق عصاة المؤمنين) (٦) اهـ.

стр. 305

* ومن ذلك قوله: (قال ابن حجر دي شرح البخاري -يسر الله من أهل السنة من يشرحه-: قوله: " ينزل ربنا " أنكر ذلك الجمهور، لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى عن ذلك!! وقال قوم بتأويلها، وبه أقول) (١) اهـ. وقد أوهم بذلك أن القائل: " وبه أقول " هو الحافظ ابن حجر، والذي في " الفتح ": أن الحافظ أورد قول السلف، ثم قول الخلف، ثم نقل عن القاضي ابن العربي رحمه الله تعالى قوله: (وقال قوم بتأويلها، وبه أقول) (٢)، ومصدر هذا النقل هو كتابه " عارضة الأحوذي " (٢/ ٢٣٤) لكن عبارته: (ومنهم من تأوله وفسره، وبه أقول). ثم ما إخالك أخي القارئ إلا وقد زلزلتك وصدمتك تلك الاعتراضية الاستفزازية المثيرة للمشاعر، أعني قوله " يسَّر الله من أهل السنة من يشرحه " التي تنضح بالجحود والكفران والتنكر لجهد دؤوب امتد ثنتين وثلاثين سنة كان ثمرته " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " الذي هو " قاموس السنة " بحق، والذي أدى به الحافظ دينًا كان في عنق الأمة، فإذا بهذا الإنسان يجحد هذا الجميل، ويتنكر لهذا المعروف، فيلغيه بجرة قلم، فأين هو من قول رسول الله ﷺ : " من لم يشكر الناس، لم يشكر الله " (٣)، وهل ثمَّ هجرة بعد " الفتح "؟!

стр. 306

* ومن ذلك: عموم قوله: ( .. ولا يجوز قراءة كتب أهل البدع والمعاصي ولا شراؤها ولا بيعها، وإن أحرقها أحد فهي هدر -كما جزم كثير من أهل العلم فيما ذكره ابن القيم وغيره في أحكام السياسة الشرعية) (١) اهـ. ففهم بعض من يلوذون بهذا المنهاج من عموم هذا الكلام ما دفعهم إلى إحراق " فتح الباري "؛ لأنه " هدر " بزعمهم لما فيه من تأويل ونحوه. وهذا الكلام إنما يصح في كتب الضلال كالسحر والكهانة والتنجيم، والعقائد الشركية الفاسدة، والأفكار الصوفية المنحرفة، أما الكتب النافعة التي غلب عليها الخير والفائدة بما فيها من العلم والتحقيق فلا حرج من الانتفاع بها، وإن تلبس مصنفوها ببعض المآخذ التي يمكن الاحتراز منها والتنبيه عليها، وبخاصة إذا كان قارئها طالب علم متمكنًا، عنده من الوعي والفهم ما يقيه هذه المآخذ. ومن أمثلة ذلك: " فتح الباري "، وسائر كتب الحافظ ابن حجر ﵀، وكذا مصنفات الإمام النووي ﵀ " كالمجموع شرح المهذب "، و " شرح صحيح مسلم "، وغيرها من كتبه المباركة، وكذا " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي، وغيرها من دواوين العلوم الخادمة والمخدومة على حدٍ سواء، ولو عُمِّمَ أسلوبُ هذا الإنسان، وهُجِرَ العالِمُ ومصنفاتُه لمثل هذا لما كاد يبقى معنا أحد، ولصرنا كدودة القز تطوي على نفسها بنفسها حتى تموت. من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط؟! قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (من قواعد الشرع

стр. 307

والحكمة أيضًا: أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث) (١) اهـ. * ومن ذلك ما في كتبه من لمز العلماء، بل الدعاء على بعضهم، فلا يقتصر على أداء واجب بيان الحق وإبطال الباطل، بل يزيد على ذلك أن يسلقهم بألسنة حداد: فقد قال في حق الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀: (وفي عقيدته بلايا، الأصل والشرح كلاهما) (٢)، ويتهكم من العلامة الألباني؛ لأنه خرج أحاديث " شرح الطحاوية " قائلاً: (وما أدري ما هذا! أفرغت عقائد أهل السنة حتى يكون هذا؟!). ولم يسلم من جرأته حتى شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد نقل عنه ﵀ قوله: " إن الإرجاء بدعة لفظية "، ثم قال: " وهذا تهوين من شأنها، وليس بصواب، بل هي بدعة حقيقية لفظًا ومعنى ". والجواب عن ذلك: أن سياق كلام شيخ الإسلام يبين أنه ﵀ لم يقصد بذلك كل المرجئة، وإنما فرقة واحدة منهم وهم " مرجئة الفقهاء "، فإن الخلاف معهم لفظي من حيث اتفاقُ الجميع على أن أهل الكبائر متوعدون بالنار (٣)، أما الزعم بأن العمل ليس من الإيمان؛ فهو خطأ بين , بل بدعة (لا سيما وقد صار

стр. 308

ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطإٍ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء) (١) اهـ. ويعلق على قول الزركشي: (والصلاة على النبي ﷺ -يعني أنها واجبة- في العمر مرة ... ) إلخ قائلاً: (هذا من الجفاء، قبَّح الله من قال به .. ) (٢). ويدعو عليه قائلاً: (لا جزاه الله خيرًا) (٣)، ويقول في سياق الكلام على من ينكر صفة العلو: (ومن قال بخلاف ذلك فهو جهمي أضل من الحمار كائنًا من كان) (٤)، فهل الحق محتاج إلى هذه الأساليب في نصرته؟! ومع الإقرار بوجود مؤاخذات على كتاب " جند الله ثقافة وأخلاقًا " بل على منهج مؤلفه -سامحه الله- بصفة عامة، إلا أنْ المُومَى إليه غلا حين انتقد عليه أنه نصح بقراءة " الإحياء "، و " ختصر فقهي على مذهب "، فعلق قائلاً: " ولا أكون قد غاليت إذا قلت: إن من تثقف بهذه الكتب كان من جند الشيطان " (٥)، و " الإحياء " كتاب مشحون بالضلالات والبدع التي يجب التحذير منها، ولكن حنانيك! " ما هكذا تورَدُ يا سعدُ الإبل ". ويعلق على قول الذهبي في شأن ابن الجوزي: (إذا ﵁ فلا اعتبار بهم) فيقول: (قلت: هذه مجازفة قبيحة من الذهبي) (٦) اهـ. وعلق على قول العلامة الألباني حفظه الله: " شبابنا يبدعون العلماء " قائلاً:

стр. 309

" وهذا كذب صريح " (١). وقال في سياق آخر: (وهذا الادعاء صرح به الألباني وغيره مرارًا، وفضحت أمره في " النصيحة " في أمر هجر المبتدعة ... ) (٢) اهـ. فأين أنت يا أمير المؤمنين عمر (٣)، ما أحوجنا إليك وإلى دِرتك!

стр. 310

إِنما نحترمك ما احترمت الأئمة قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (قال الحافظ ابن عساكر: كان العبدري أحفظ شيخ لقيته، وكان فقيهًا داوديًّا .. وسمعته وقد ذُكر مالكٌ فقال: " جِلف جاف؛ ضرب هشام ابن عمّار بالدرة "، وقرأت عليه " الأموال " لأبي عبيد فقال -وقد مر قول لأبي عبيد-: " ما كان إلا حمارًا مغفلاً لا يعرف الفقه "، وقيل لي عنه: إنه قال في إبراهيم النَّخَعَي: " أعورُ سوء "، فاجتمعنا يومًا عند ابن السمرقندي في قراءة كتاب " الكامل " فجاء فيه: " وقال السعدي كذا "، فقال: " يكذب ابن عَديّ، إنما ذا قولُ إبراهيم الجوزجاني "، فقلت له: " فهو السعديُ، فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب؟ تقول في إبراهيم كذا وكذا، وتقول في مالك: جاف، وتقول في أبي عبيد؟! " فغضب، وأخذته الرعدة، وقال: " كان ابن الخاضبة والبَردانيّ وغيرهما يخافونني فآل الأمر إلى أن تقول فيَّ هذا؟! " فقال له ابن السمرقنديّ: " هذا بذاك "، فقلت: " إنّما نحترمك ما احترمت الأئمة .. " (١). * * *

стр. 311

الفصل الثاني خطر الطعن علي العلماء وشؤم الحط من أقدارهم * الجناية على العلماء خرق في الدين، فمن ثَمَّ قال الطحاوي في " عقيدته ": " وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهلِ الخير والأثر، وأهلِ الفقه والنظر- لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير السبيل " (١). قال ابن المبارك: " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته " (٢). وقال أبو سنان الأسدي: " إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس؛ متى يفلح؟! " (٣). وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: " الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب " (٤). وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: " كفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا، وهو يقع في الصالحين " (٥).

стр. 312

* والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وهم من شرار عباد الله؛ بشهادة رسول الله ﷺ فعن عبد الرحمن بن غَنْم يبلغ به النبي ﷺ قال: " خيار عباد الله الذين إِذا رُؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشَّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الباغون للبرآء العنت " (١). - وهم مفسدون في الأرض، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. - وهم عرضة لحرب الله تعالى، القائل في الحديث القدسي: " من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب " (٢). - وهم متعرضون لاستجابة دعوة العالم المظلوم عليهم، فدعوة المظلوم -ولو كان فاسقًا- ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف بدعوة ولي الله الذي قال فيه: " ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " (٣)؟! قال الإمام الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان لمن أثقل عليه: " ما هذا؟! قد احتملتك وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة " (٤). ولما أنكر السلطان على الوزير نظام الملك صرف الأموال الكثيرة في جهة

стр. 313

طلبة العلم، أجابه: " أقمت لك بها جُندًا لا تُرَدُ سهامهم بالأسحار "، فاستصوب فعله، وساعده ليه (١). وقيل: إن أولاد يحيى -أي ابن خالد البرمكي- قالوا له وهم في القيود مسجونين: " يا أبة صرنا بعد العز إلى هذا؟! " قال: " يا بَنِيَّ دعوة مظلوم غَفلنا عنها، لم يغفُل الله عنها " (٢). وعن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ما من ذنب أجدرَ أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يَدَّخِر له في الآخرة: مثلُ البغي، وقطيعة الرحم " (٣). يا صاحب البغي إن البغي مَصْرَعَةٌ ... فاعدل فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يومًا على جبل ... لاندكَّ منه أعاليه وأسفله (٤) * وبما أن الجزاء من جنس العمل؛ فليبشر الطاعن في العلماء المستهزئ بهم؛ بعاقبةٍ من جنس فعله: فعن إبراهيم ﵀ قال: " إني أجد نفسي تُحدِّثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبْتَلَى به ". وقال عمرو بن شرحبيل: " لو رأيت رجلاً يرضع عنزًا فضحكت منه؛

стр. 314

لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع ". وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " البلاء موكَّل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أُحَوَّل كلبًا ". وقد حكي أن رجلاً كان يجرئ تلامذته على الطعن في العلماء وإهانتهم، وذات يوم تكلم بكلام لم يرق أحد تلامذته، فقام إليه فصفعه على رؤوس الأشهاد ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]، قال خالد بن زهير الهذلي: فلا تَجزعَنْ مِن سنة أنت سِرتَها ... فأولُ راضٍ سنةً مَن يَسيرُها * وَليُعْلَم أنه يُخشى على من تلذذ بغيبة العلماء والقدح فيهم أن يُبتلى بسوء الخاتمة عياذًا بالله منها، فهذا القاضي الفقيه الشافعي محمد بن عبد الله الزبيدي (ولد سنة عشر وسبعمائة) (شرح التنبيه في أريعة وعشرين مجلدًا، درَّس وأفتى، وكثرت طلابه ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، قال الجمال المصري: " إنه شاهده عند وفاته وقد إندلع (١) لسانه واسودَّ، فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي ﵏ جميعًا " (٢). إن السعيد لَمن له من غيره عظةٌ ... وفي التجارب تحكيمٌ ومُعتبَرُ ثم الخائض في أعراض العلماء ظلمًا وعَدْوًا إن حُمل عنه ذلك، واقتُدي به فيه، فقد شنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال

стр. 315

على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. وما من كاتب إلا سيلقى ... غداة الحشر ما كتبت يداهُ فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراهُ وروي عن الإمام أحمد أنه قال: " لحوم العلماء مسمومة، من شمَّها مرض، ومن أكلها مات " (١). وعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان رجلاً بشيء، فقال: " مَهْ! إلا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك ". لحوم أهل العلم مسمومة ... ومن يعاديهم سريع الهلاك فكن لأهل العلم عونًا، وإن ... عاديتهم يومًا فخذ ما أتاك قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: (واعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء -رحمة الله عليهم- مسمومة، وعادة الله في هَتْك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناولُ لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم) (٢). وقال أيضًا ﵀: ( .. ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلْب؛ ابتلاه الله تعالى

стр. 316

قبلِ موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] (١). * ومن مخاطر الطعن في العلماء: التسببُ إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم: وقد نهى رسول الله ﷺ عن سبِّ الدِّيك؛ لأنه يدعو إلى الصلاة (٢) فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله ؟! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. قال أبو الدرداء ﵁: " ما نحن لولا كلمات الفقهاء؟! ". وكان الحسن البصري ﵀ يقول: " الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالسَ العلماء " (٣). وقال الإمام السخاوي ﵀: " إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع مَن العيش؟! " (٤). * ومن شؤم الطعن في العلماء: أن القدح بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من الشرع والدين، ولهذا

стр. 317

أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: " القدحَ في العلماء ". لما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة ﵃، قائلاً: " ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء " أنزل الله : (﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥: ٦٦] (١). ويقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: " بادرة ملعونة .. وهي تكفير الأئمة: النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جُرح شهود الشرع جُرح المشهودُ به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون " (٢). * ومن شؤم تلويث الجو الدعوي بالطعن في العلماء، وتجريح الأخيار: التسبب في انزواء بعض هؤلاء الأخيار، وابتعادهم عن ساحة التربية والتعليم والدعوة، صيانة لأعراضهم، وحفظًا لحياة قلوبهم، لأن القلوب الحرة يؤذيها التعكير: (إن الحساسية تبلغ مداها لدى الداعية السوي، ونفسه تعاف كل جو خانق غير نقي، إن روحه لا تطيق الأجواء المغبرة وانعدام الأوكسجين، ومؤلمة هي

стр. 318

لفحات التراب ..... أسلوب في القتل هو الخنق، ونمط في الإرهاب الطائش هو العصف) (١). ( .. وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الدعوية، فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي حفاظًا على عِرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال) (٢). فأقبح به من تعويق، وتثبيط، وتزهيد حذَّرنا منه العلامة الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) وهو على فراش الموت بكلماتٍ حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب؛ إذ قال ﵀: (عُدُّوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زَلاَّتهم، وعَضُّوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تُنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم) (٣). * فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتقى، اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح، والدم المعصوم الذي يهراق، والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يُهدر، ونظرة واحدة الى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأولوا باهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب. إن العلماء هم " عقول الأمة "، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء. * * *

стр. 319

ومن الوقيعة ما قتل ! لا ينحصر شؤم الوقيعة في العلماء في ولائم السوء التي تشيع فيها الغيبة والنميمة، لكنه يتعداها إلى آثار خطيرة في واقع الأمة، فالشر مبدؤه شرارة، " ومعظم النار من مستصغر الشرر ". - وكثير من الفتن تُبْذَر بذرتها في مجالس الغيبة والوقيعة، ولا يتوقع أصحابها أن تبلغ ما بلغت، ثم تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، وإذا بها تشتعل وتضطرم رويدًا رويدًا حتى يستعصي إطفاؤها حتى على الذين أوقدوا شرارتها، فهؤلاء الغيابون أكلة لحوم البشر هم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ ، فقال: " إِن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، وإِن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه " (١). - وهاك هذه الشواهدَ التاريخيةَ التي تدل على أنه " رُبَّ قولٍ يسيلُ منه دمٌ " (٢). قال أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني -تابعي جليل- في خطبة له: " لا أُعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان "، فقال رجل متعجبًا: " يا أبا معبد

стр. 320

أو أعنتَ على دمه؟ "، فقال أبو معبد: " إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه " (١) (٢). ولقد قال رسول الله ﷺ : " إِن العبد ليتكلمُ بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم " (٣). فهؤلاء الساعون بالوشاية والنميمة، أحْصَوْا اجتهادات أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁، وصوروها بحسب ما تتخيل عقولهم الضعيفة، وقلوبهم المريضة، فاتخذوا ذلك سُلَّمًا إلى الفتنة (٤). حين علم حذيفة ﵁ بمقتل عثمان بن عفان ﵁ قال: " اللهم العن قَتَلَتَهُ وشُتَّامَه، اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سُلَّمًا إلى الفتنة، اللهم لا تُمِتْهم إلا بالسيوف " (٥). قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري -وكلاهما من التابعين-: " يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة (٦) إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه "، فقال الحسن: " يا ابن أخي كم يد عقرت الناقة؟ "، قلت: " يد واحدة "، قال: " أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم؟ " (٧).
следующие страницы →