قبلِ موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] (١).
* ومن مخاطر الطعن في العلماء:
التسببُ إلى تعطيل الانتفاع بعلمهم:
وقد نهى رسول الله ﷺ عن سبِّ الدِّيك؛ لأنه يدعو إلى الصلاة (٢) فكيف يستبيح قوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله ؟!
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
قال أبو الدرداء ﵁: " ما نحن لولا كلمات الفقهاء؟! ".
وكان الحسن البصري ﵀ يقول: " الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالسَ العلماء " (٣).
وقال الإمام السخاوي ﵀: " إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع مَن العيش؟! " (٤).
* ومن شؤم الطعن في العلماء:
أن القدح بالحامل يفضي إلى القدح بما يحمله من الشرع والدين، ولهذا
стр. 317
أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: " القدحَ في العلماء ".
لما استهزأ رجل من المنافقين بالصحابة ﵃، قائلاً: " ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء " أنزل الله : (﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥: ٦٦] (١).
ويقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى:
" بادرة ملعونة .. وهي تكفير الأئمة: النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جُرح شهود الشرع جُرح المشهودُ به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون " (٢).
* ومن شؤم تلويث الجو الدعوي بالطعن في العلماء، وتجريح الأخيار:
التسبب في انزواء بعض هؤلاء الأخيار، وابتعادهم عن ساحة التربية والتعليم والدعوة، صيانة لأعراضهم، وحفظًا لحياة قلوبهم، لأن القلوب الحرة يؤذيها التعكير:
(إن الحساسية تبلغ مداها لدى الداعية السوي، ونفسه تعاف كل جو خانق غير نقي، إن روحه لا تطيق الأجواء المغبرة وانعدام الأوكسجين، ومؤلمة هي
стр. 318
لفحات التراب ..... أسلوب في القتل هو الخنق، ونمط في الإرهاب الطائش هو العصف) (١).
( .. وإذا لم نتقيد بالضوابط في الممارسات الدعوية، فإن الأذواق ستفسد، ويكثر الصخب الذي يرهق الثقة المؤهل للتقدم، فينزوي حفاظًا على عِرضه وسمعته، ولئلا يقسو قلبه عبر قيل وقال) (٢).
فأقبح به من تعويق، وتثبيط، وتزهيد حذَّرنا منه العلامة الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) وهو على فراش الموت بكلماتٍ حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب؛ إذ قال ﵀:
(عُدُّوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زَلاَّتهم، وعَضُّوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تُنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم) (٣).
* فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتقى، اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم فلا تسأل عن الحرمات التي تستباح، والدم المعصوم الذي يهراق، والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يُهدر، ونظرة واحدة الى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأولوا باهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب.
إن العلماء هم " عقول الأمة "، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء.
* * *
стр. 319
ومن الوقيعة ما قتل !
لا ينحصر شؤم الوقيعة في العلماء في ولائم السوء التي تشيع فيها الغيبة والنميمة، لكنه يتعداها إلى آثار خطيرة في واقع الأمة، فالشر مبدؤه شرارة، " ومعظم النار من مستصغر الشرر ".
- وكثير من الفتن تُبْذَر بذرتها في مجالس الغيبة والوقيعة، ولا يتوقع أصحابها أن تبلغ ما بلغت، ثم تلقح بالنجوى، وتنتج بالشكوى، وإذا بها تشتعل وتضطرم رويدًا رويدًا حتى يستعصي إطفاؤها حتى على الذين أوقدوا شرارتها، فهؤلاء الغيابون أكلة لحوم البشر هم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ ، فقال:
" إِن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، وإِن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه " (١).
- وهاك هذه الشواهدَ التاريخيةَ التي تدل على أنه " رُبَّ قولٍ يسيلُ منه دمٌ " (٢).
قال أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني -تابعي جليل- في خطبة له: " لا أُعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان "، فقال رجل متعجبًا: " يا أبا معبد
стр. 320
أو أعنتَ على دمه؟ "، فقال أبو معبد: " إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه " (١)(٢).
ولقد قال رسول الله ﷺ : " إِن العبد ليتكلمُ بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم " (٣).
فهؤلاء الساعون بالوشاية والنميمة، أحْصَوْا اجتهادات أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁، وصوروها بحسب ما تتخيل عقولهم الضعيفة، وقلوبهم المريضة، فاتخذوا ذلك سُلَّمًا إلى الفتنة (٤).
حين علم حذيفة ﵁ بمقتل عثمان بن عفان ﵁ قال: " اللهم العن قَتَلَتَهُ وشُتَّامَه، اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سُلَّمًا إلى الفتنة، اللهم لا تُمِتْهم إلا بالسيوف " (٥).
قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري -وكلاهما من التابعين-: " يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة (٦) إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه "، فقال الحسن: " يا ابن أخي كم يد عقرت الناقة؟ "، قلت: " يد واحدة "، قال: " أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم؟ " (٧).
стр. 321
ولعل النزعة الخارجية التي تطل برأسها من وقت إلى آخر لتبعث الحياة في فكر الخوارج الأولين وسلوكهم هي المسئولة عن كثير من التعديات على الحرمات، فقد قال ﷺ في شأن الخوارج: " يقتلون أهل الإِسلام، ويَدَعون أهل الأوثان " (١) وهذه العلامة هي التي جعلت أحد العلماء، وقد وقع مرة في يد بعض الخوارج، فسألوه عن هويته، فقال: " مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله "، وهنا قالوا له: " حق علينا أن نجيرك، ونبلغك مأمنك "، وتلوا قول الله تعالىِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، بهذه الكلمات نجا " مشرك مستجير "، ولو قال لهم: " مسلم " لقطعوا رأسه (٢).
وفي عصرٍ آخرَ اتّهِمَ القاضي عياضٌ بأنه " يهودي "؛ لأنه كان يلزم بيته للتأليف نهار السبت، وهذا الشيخ علاء الدين العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما الله -مع أنه كان شيخ زمانه- كان يمشي متأبطًا وثيقة من أحد القضاة بصحة إيمانه وبراءته من كل ما يكفره مخافة أن يصادفه أفاك في مجلس.
وفي القصة التالية معتبر ومزدجر وتذكرة بأن " من الغيبة ما قتل ":
عن رشيد الخباز قال: (خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: " يا أبا عبد الله! قَدِم اليوم حسنٌ وعليٌ ابنا صالح "، قال: " وأين هما؟ "، قال: " في الطواف " قال: " إذا مَرَّا، فأرنيهما "، فمرَّ أحدهما، فقلت: " هذا عليٌ "، ومر الآخر، فقلت: " هذا حسن "، فقال: " أما الأول فصاحِب آخِرة، وأما الآخَر فصاحب سيف، لا يملأ جوفه شيء "، قال:
стр. 322
فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليًّا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يُسلم عليه، فقال له علي: " يا أبا عبد الله! ما حملك على أن ذكرتَ أخي أمسِ بما ذكرته؟ ما يُؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر، فيبعث إليه، فيقتله؟ "، قال: فنظرت إلى سفيان وهو يقول: " أستغفر الله "، وجادتا عيناه) (١).
- وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: (كنا مع رجاء بن حَيْوَة، فتذاكرنا شكر النعم، فقال: " ما أحد يقوم بشكر نعمة "؛ وخَلْفَنا رجل على رأسه كساء، فقال: " ولا أمير المؤمنين؟ "، فقلنا: " وما ذِكْر أمير المؤمنين هنا! وانما هو رجل من الناس "، قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: " أُتيتم من صاحب الكساء، فإنْ دُعيتم فاستُحْلِفتم فاحلفوا "؛ قال: فما علمنا إلا بحَرَسِي قد أقبل عليه (٢)، قال: " هِيه يا رجاء، يُذكَر أمير المؤمنين، فلا تحتج له؟! "، قال: فقلت: " وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: " ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين؟، فقلتَ: أمير المؤمنين رجل من الناس! "، فقلت: " لم يكن ذلك "؛ قال: " آللهِ؟ "، قلت: " آلله "، قال: فأمر بذلك الرجل الساعي، فضُرب سبعين سوطًا، فخرجت وهو متلوِّث بدمه، فقال: " هذا وأنت رجاء بن حيوة؟ "، قلت: " سبعين سوطًا في ظهرك خير من دم مؤمن "، قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول ويتلفَّت: " احذروا صاحب الكساء ") (٣).
* * *
стр. 323
هدمُ القِمَم طريق مختصر لهدم الإسلام
احذر أخي المسلم الوقيعة في أهل العلم، وإلا حشرت نفسك في خندق واحد تُظاهر أعداء الإسلام الذين يحاولون تحطيم قمم الإسلام باعتبار ذلك أقصر طريق لطعن الإسلام نفسه، فلا تكونن ظهيرًا للمجرمين، واستحضر قول موسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
إن محاولة " هدم القمم " للتوصل بذلك إلى هدم الدين وإطفاء نوره هي سياسة قديمة قِدَم الكائدين لهذا الدين:
- فمن محاولاتها الأولى: ما جرى من حديث الإفك في حق الصِّديقة بنت الصِّديق، الطاهرة البتول، المبرأة من فوق سبع سموات أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد كان الإفك طعنة موجهة في المقام الأول إلى صاحب صاحب الرسالة ﷺ ، ثم للرجل الثاني في الإسلام أبي بكر الصديق ﵁، ثم لعائشة الصديقة التي حُمل عنها ربع الشريعة.
- ومن هذه المحاولات: اجتهاد أعداء السنة والتوحيد من المستشرقين وأذنابهم من الذين نافقوا في الطعن في راوية الإسلام أبي هريرة ﵁، وهو أكثر الصحابة رواية عن رسول الله، فإذا هُدم أبو هريرة ﵁؛ انهدم قسم عظيم من سنة رسول الله ﷺ .
стр. 324
- وهذا عين ما يقال في المحاولات الخائبة للطعن في صحيح البخاري باعتباره أصح كتاب بعد القرآن الكريم، وقد صرح بعض الدجاجلة الطاعنين في البخاري بهذا الهدف جهارًا نهارًا، فقال في جرأة يحسد عليها في سياق التعليل لاختياره " صحيح البخاري " بالذات للتشكيك في أحاديثه: (هي أن يكون الرجوع بأحاديث غيره إلى القرآن أولى وأهم باعتبار أنه عمدة المراجع لأصح الأحاديث) (١).
- ومن ذلك ما يدأب فيه الرافضة -قَبَّحهم الله، ونكَّس راياتهم- من الطعن في صحابة رسول الله ﷺ ، وتصويرهم -إلا خمسة منهم- في أشنع صورة وأقبحها، وكلما عظم بلاء الصحابي في رفع راية الإسلام ونصرته بالعلم والعمل والجهاد، عظم حظه من تطاولهم وأحقادهم، كالخلفاء الثلاثة الراشدين، والمجاهدين الفاتحين الذين أطفأوا نار المجوسية، وكسروا ظهر الكسروية، ليتوسلوا بذلك الى الطعن في هاديهم ومعلمهم ومربيهم ﷺ .
ولقد فقه السلف هذه الحقيقة، وتنبهوا لمراميها البعيدة، فكشفوا عوارها، وهتكوا سترها:
فعن مصعب بن عبد الله قال:
(حدثني أبي عبدُ الله بن مصعب الزبيري قال: قال لي أمير المؤمنين المهدي: " يا أبا بكر، ما تقول فيمن تنقص أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ".
قال: قلت: " زنادقة "، قال: " ما سمعت أحدًا قال هذا قبلك! "، قال: قلت: " هم قوم أرادوا رسول الله ﷺ بنقص، فلم يجدوا أحدًا من الأمة يتابعهم
стр. 325
على ذلك، فتنقصوا هؤلاء عند أبناء هؤلاء، وهؤلاء عند أبناء هؤلاء، فكأنهم قالوا: رسول الله ﷺ يصحبه صحابة السوء، وما أقبح بالرجل أن يصحبه صحابة السوء! "، فقال: " ما أراه إلا كما قلت " (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: " إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء؛ فاتهمه على الإسلام ".
وقال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى:
(إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله ﷺ حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدَّى إلينا ذلك كله الصحابةُ، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقة) (٢).
فكل من أراد طعن الإسلام طعن في رموزه وحَمَلة شريعته، والذابين عن حوزته:
قال الإمام يحيى بن معين ﵀: " إذا رأيت الرجل يتكلم في حماد بن سلمة، وعكرمة مولى ابن عباس؛ فاتهمه على الإسلام ".
وقال الإمام أحمد ﵀: " إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديدًا على المبتدعة ".
وقال أسود بن سالم: " كان ابن المبارك إمامًا يقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة؛ إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك؛ فاتهمه على الإسلام ".
стр. 326
وقال سفيان بن وكيع: " أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عندنا فاسق "، وقيل: " أحمد محنة به يُعرف المسلم من الزنديق ".
وقال الدورقي: " من سمعته يذكر أحمد بن حنبل بسوء؛ فاتهمه على الإسلام ".
أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ... وبحب أحمد يُعرف المتنسكُ
وإذا رأيت لأحمد متنقصًا ... فاعلم بأن ستوره ستُهتكُ
- ومن ذلك: حرص الأبواق المنافقة على الطعن في المجددين الذين بعثوا سنة النبي ﷺ ، وذبوا عن دعوة التوحيد كشيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم من المجددين إلى يومنا هذا.
فمن وافق القوم في تطاولهم على رموز الإسلام، فقد أعانهم من حيث يدري أو من حيث لا يدري على تحقيق غاياتهم الخبيثة، وشمَّت بنا أعداء الدين، و:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... وتهون غير شماتة الأعداء
وقال هارون لأخيه موسى ﵇: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن نتعوذ باللهِ تعالى من " شماتة الأعداء " (١).
وعن أيوب قال: مرض أبو قلابة بالشام، فعاده عمر بن عبد العزيز، وقال: " يا أبا قلابة! تشدَّد لا يشمت بنا المنافقون " (٢).
* * *
стр. 327
الفصل الثالث
أسباب ظاهرة التطاول على العلماء
جماعها: الانحراف عن هدي السلف الصالح في التربية والتأديب، والتعليم والتهذيب، أما بيانها، فدونكه:
السبب الأول: تشييخ الصحف، وافتقاد القدوة:
فقد كان السلف يمنعون من كانت وسيلته إلى الفقه الكتب من الفتوى ومن التدريس، كما يمنعون من تَلقى القرآن من المصحف من الإقراء.
قال أبو زرعة: " لا يُفتي الناسَ صُحُفيٌّ ولا يقرئهم مُصْحَفيّ " (١).
وفي " تاريخ ابن خلكان ": (المجذوب: هو من لا شيخ له) (٢).
وقد قيل: " من كان شيخه كتابه، فخطؤه أكثر من صوابه "، وقال بعضهم: " من أعظم البلية: تشييخ الصحيفة ".
وقال الإمام الشافعي ﵀: " من تفقه من بطون الكتب ضيَّع الأحكام ".
من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن من الزيغ والتحريف في حَرَمِ
ومن كان أخذه للعلم عن كتب ... فعلمه عند أهل العلم كالعدمِ
стр. 328
وقال الإمام ابن جماعة ﵀:
( .. وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الاطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق، ولم يعرف بصحبة المشائخ الحذاق) (١) اهـ.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀:
( ..... اعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مربٍ ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خلقًا حسنًا، ومعنى التربية يشبه فعل الفلاَّح الذي يقلع الشوك، ويُخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته، ويكمل ريعه، ولابد للسالك من شيخ يربيه ويرشده إلى سبيل الله تعالى) (٢) اهـ.
ومما ينسب إلى إمام الحرمين قوله:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ
ذكاءٍ، وحرصٍ، وافتقارٍ، وغربةٍ ... وتلقينِ أستاذٍ، وطول زمانِ
* التلقي عن المشايخ قارب رئيس من قوارب النجاة *
يقول الشيخ محمد عوامة حفظه الله: و (بالتلقي عن الأستاذ يحصل الطالب على خيرين: يحصل على العلم الصافي المحقَّق، ويحصل على الأدب مع العلماء والشيوخ، لأنه سيلتزم الأدب مع معلِّمه، ومنه يتعرف على قدر العلماء، وكيف يترقى في الأدب معهم، وإذا التزم الأدب مع شيوخه، فهو مع شيوخهم ومَن قبلهم أشد التزامًا؛ فمنهم يرث العلم والأدب.
стр. 329
إن شيوخ طالب العلم هم آباؤه وأجداده (١)، ومن لم يكن له شيوخ يتلقى عنهم العلم، ثم ادَّعى العلم، وتكلم فيه: فهو دَعيٌ فيه، مجهولُ الهُويَّة والنسب ..
ولم يكونوا يلتفتون إلى مَن لم يكن له شيوخ في العلم، ولا يقيمون له وزنًا ولا اعتبارًا، ولا يرون فيه أهلية التكلم معه؛ لأنه محل الخَطَل والغلط.
قال القاضي عياض ﵀ في " ترتيب المدارك " (٤/ ٦٢٣) في ترجمة أبي جعفر الداودي الأسدي المتوفى سنة (٤٠٢): " بلغني أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان سُكناهم في مملكة بني عُبيد، وبقاءَهم بين أظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك، فأجابوه: اسكت لا شيخ لك! أي: لأن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل بإدراكه، ويُشيرون أنه لو كان له شيخ يفقهه حقيقة الفقه؛ لعلم أن بقاءهم مع مَن هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام، وبقية صالحة للإيمان ".
وأصل هذا الجواب قديم، قائم في نفوس العلماء سلفًا وخلفًا، وممن روي عنه من الأئمة المتقدمين: أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فقد أسند الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (٢/ ٨٣):
قيل لأبي حنيفة: " في المسجد حَلْقة ينظرون في الفقه "، فقال: " لهم رأس؟ "
قالوا: لا، قال: " لا يفقه هؤلاء أبدًا " (٢).
стр. 330
وفي " إسعاف المبطإ " ص (١٨٠) للسيوطي ﵀: " قال إسحاق بن محمد الفَرْوي: سئل مالك: " أيؤخذ العلم عمن ليس له طلب ولا مجالسة؟ فقالى: لا، فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة، غير أنه لا يحفظ ولا يفهم؟ فقال: لا يُكتب العلم إلا ممن يحفظ، ويكون قد طلب وجالس الناس، وعرف وعمل، ويكون معه ورع ".
فإذا ما اكتمل هلاله بدرًا، أذن له شيوخه بالتعليم والإفادة، والكتابة والإفتاء، ونحو ذلك، ولا يزال هو يزداد إقبالاً عليهم، وانتهالاً من مواردهم مهما تقدم به العلم والعمر، وهذا هو المراد بـ " طول الزمان ": طول زمن الصحبة، وطول زمن الطلب، وعدم الفترة فيهما أو الانقطاع.
أما مجرد طلب العلم وتلقيه عن شيخ سنة أو سنتين، ثم الاستقلال بالعلم، والفهم، والتلقي من الصحف وما شاكل حال أهل زماننا: فلا، ولن) اهـ (١).
وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى:
(وإذا ثبت أنه لا بد من أخذِ العلم عن أهله؛ فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة، وهي أنفعُ الطريقين وأسْلَمهما؛ لوجهين (٢):
الأول: خاصيَّة جعلها الله تعالى بين المعلِّم والمتعلم، يشهدها كلّ من زاول العلمَ والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلِّم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلِّم فهمها بَغتةً، وحصل له العلمُ بها بالحضرة؟ وهذا الفهم يحصلُ إما بأمرٍ عاديّ من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكالٍ لم
стр. 331
يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمرٍ غير معتاد، ولكن بأمر يَهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلِّم، ظاهر الفقر باديَ الحاجة إلى ما يُلقى إليه.
وهذا ليس يُنكر؛ فقد نبه عليه الحديثُ الذي جاء: " إنَّ الصحابةَ أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله ﷺ " (١)، وحديثُ حنظلةَ الأسيدي حين شكا إلى رسول الله ﷺ أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كانوا على حال يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم؛ فقال رسول الله ﷺ " لو أنكم تكونون كما تكونون عندي، لأظلَّتكم الملائكة بأجنحتها " (٢).
وقد قال عُمرُ بن الخطَّاب: " وافقتُ ربي في ثلاث " (٣)، وهي من فوائد مجالسة العلماء؛ إذ يُفتح للمتعلّم بين أيديهم ما لا يُفتح له دونهم، ويبقى ذلك النورُ لهم بمقدار ما بَقُوا في متابعة معلِّمهم، وتأدبهم معه، واقتدائهم به؛ فهذا الطريقُ نافعٌ على كل تقدير.
وقد كان المتقدمون لا يكتبُ منهم إلا القليلُ، وكانوا يكرهون ذلك، وقد كرهه مالك؛ فقيل له. فما نصنع؟ قال: " تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبُكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتابة "، وحكي عن عمرَ بن الخطَّاب كراهية الكتابة، وإنما ترخَّص الناسُ في ذلك عندما حدث النسيانُ، وخِيفَ على الشريعة الاندراس.
الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنِّفين ومدوني الدواوين، وهو أيضًا نافعٌ في بابه؛ بشرطين:
الأول: أنْ يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة
стр. 332
اصطلاحات أهله؛ ما يتمُ له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قولِ مَنْ قال: " كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال "، والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئًا، دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد.
والشرط الآخر: أن يتحرى كتبَ المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربةُ والخَبَر.
أما التجربة (١) فهو أمرٌ مشاهدٌ في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علمٍ ما يبلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري؛ فأعمال المتقدمين -في إصلاح دنياهم ودينهم- على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقّقُ الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سِيَرهم، وأقوالهم، وحكاياتِهم؛ أبصر العجب في هذا المعنى.
وأما الخبر؛ ففي الحديث: " خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (٢)، وفي هذا إشارةٌ إلى أن كل قرنٍ مع ما بعده كذلك، ورُوي عن النبي ﷺ : " أوَّل دينكم نبوة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم ذلك
стр. 333
وجَبْرية، ثم مُلك عَضُوض " (١) ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئًا بعد شيء (٢)، ويندرج ما نحن فيه تحت الإطلاق.
وعن ابن مسعود؛ أنه قال: " ليس عامٌ إلا الذي بعده شرٌ منه، لا أقول عام أمطرُ من عام، ولا عام أخصبُ من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدثُ قوم يقيسون الأمور برأيهم (٣)؛ فيُهدَم الإسلام ويُثلم (٤).
ومعناه موجود في " الصحيح " في قوله: " ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم؛ فيبقى ناسٌ جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويُضلون " (٥).
وقال ﵇: " إِن الإِسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: من الغرباء؟ قال: النُّزَّاعُ من القبائل ".
وفي رواية: " قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ " قال: " الذين يَصلحون عند فساد الناس " (٦)
стр. 334
وعن أبي إدريس الخَوْلانيِّ: " إن للإسلام عُرى يتعلق الناس بها، وإنها تُمتلخ عروةً عروةً ".
وعن بعضهم: " تذهب السنَّةُ سنَّةَ سنَّةً، كما يذهب الحبل قوَّة قوة ".
وتلى أبو هريرة قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
ثم قال: " والذي نفسي بيده؛ ليخرجُن من دين الله أفواجًا، كما دخلوا فيه أفواجًا ".
وعن عبد الله؛ قال: " أتدرون كيف يُنقص الإسلام؟ ". قالوا: نعم، كما يُنقصَ صبْغُ الثوب، وكما يُنقص سِمَنُ الدابة. فقال عبد الله: " ذلك منه ".
ولما نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، بكى عمر؛ فقال ﵇ [له]،: " ما يبكيك؟ ". قال: " يا رسول الله! إنا كلنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كَمُلَ؛ فلم يكمل شيء قط إلا نقص "، فقال ﵇: " صدقت " (١).
والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا، وأعظم ذلك العلم؛ فهو إذًا في نقص بلا شك.
فلذلك صارت كتبُ المتقدمين وكلامهم وسيرهم؛ أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصًا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوَزَرُ (٢) الأحمى، وبالله تعالي التوفيق) (٣) اهـ.
стр. 335
وفصَّل العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله أهمية التلقي عن الأشياخ، فقال:
(الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيذ، والمثافنة للأشياخ، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب، والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق وهو المعلم، أما الثاني عن الكتاب فهو جماد فأنى له اتصال النسب.
وقد قيل: " من دخل في العلم وحده خرج وحده " (١) أي من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذًا لتعلمها من معلمها الحاذق.
وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمةٍ من أهل العلم إلا من شذ مثل: علي بن رضوان المصري الطبيب " م سنة ٤٥٣ هـ "، وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم، قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له (٢):
" ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتابًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين وهذا غلط " اهـ.
وقد بسط الصفدي في " الوافي " الرد عليه وعنه الزبيدي في " شرح الإحياء " عن عدد من العلماء مُعللين له بعدة علل، منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه:
" السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم وهي معدومة عند المعلم، وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ، والغلط
стр. 336
بروغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب , أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب وكتابة ما لا يقرأ وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة كالنورس، فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم.
وإذا كان الأمر على هذه الصورة فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه وهو ما أردنا بيانه ... قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحفي ولا من مصحفي، يعني لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف، ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف ... " اهـ.
والدليل المادي القائم على بطلان نظرة ابن رضوان: أنك ترى آلاف التراجم والسير على اختلاف الأزمان ومر الأعصار وتنوع المعارف، مشحونة بتسمية الشيوخ والتلاميذ ومستقل من ذلك ومستكثر، وانظر شذرة من المكثرين عن الشيوخ حتى بلغ بعضهم الألوف كما في " العزاب " من " الإسفار " لراقمه.
وكان أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي " م سنة ٧٤٥ هـ " (١) إذا ذكر عنده ابن مالك، يقول: أين شيوخه؟
(وقال الوليد (٢): كان الأوزاعي يقول: " كان هذا العلم كريمًا يتلاقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب، دخل فيه غير أهله "، وروى مثلها ابن المبارك عن الأوزاعي.
стр. 337
ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل، ولا سيما في ذلك العصر؛ حيث لم يكن بَعْدُ نقط ولا شكل، فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال، وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم، بخلاف الرواية من كتاب محرر.
ولابن خلدون مبحث نفيس في هذا كما في " المقدمة " (١) له ولبعضهم:
من لم يشافه عالماً بأصوله ... فيقينه في المشكلات ظنون
وكان أبو حيان كثيرًا ما ينشد:
يظن الغَمْر (٢) أن الكُتْبَ تَهْدي ... أخَا فَهْمٍ لإدراك العلوم
وما يدري الجهولُ بأن فيها ... غوامضَ حَيَّرَتْ عقلَ الفهيم
إذا رُمْتَ العلومَ بغيرِ شيخٍ ... ضللتَ عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمورُ عليك حتى ... تصيرَ أضلَّ من " توما الحكيم ") (٣) اهـ.
وقال الدكتور ناصر العقل حفظه الله في سياق بيان خطورة تلقي العلم من الوسائل دون المشايخ:
" إن بعض الناس بمجرد أن تتوفر لديه الأشرطة والكتب، ينقطع عن حلق الذكر، وعن دروس المشايخ ويقول: أنا بحمد الله أتلقى العلم بالشريط بالسيارة أو البيت، وأتلقى العلم عن الإذاعة وعن طريق الجرائد، والمجلات التي فيها شيء
стр. 338
من العلم الشرعي ... إلخ ... وليس هناك حاجة لأن أتكبد المشاق، وأجلس على ركب العلماء.
وهذا قول خطير، بل إذا استمر الناس على هذا فسيخرج جيل، عنده علم ولا عنده فقه، بل لا يفقه من الدين إلا ما تهواه نفسه، وقد استغنى كثير من المثقفين والشباب بهذه الوسائل عن المشايخ، فصارت نظرتهم للمشايخ قاصرة، يتهمون المشايخ بالقصور والتقصير ويتهمونهم بعدم إدراك الواقع، ويتهمون المشايخ بأنهم يجاملون إلخ ... من الأمور التي هي من سمات أهل الأهواء " (١) اهـ.
السبب الثاني: استعجال التصدر قبل تحصيل الحد الأدنى من العلم الشرعي بحجة الدعوة:
يقول: الدكتور ناصر العقل حفظه الله:
(ومن الأخطاء التي ينبغي التنبيه عليها في مسألة الفقه، فصل الدعوة عن العلم، وهذه توجد في الشباب أكثر من غيرهم، يقولون (مثلاً): الدعوة شيء، والفقه في الدِّين شيءآخر؛ فلذلك نجد أن بعض الشباب يهتم بالدعوة عمليًّا، ويبذل فيها جهده ووقته، لكن تحصيله للفقه والعلم الشرعي قليل جدًّا، مع أن العكس هو الصحيح ينبغي أن يتعلم، وأن يتفقه، وأن يأخذ العلوم الشرعية ثم يدعو، ولا مانع أن يؤجل الدعوة سنة، أو سنتين، أو خمسًا حتى يشتد عوده، ويكون عنده من العلم الشرعي ما يدعو به، أما أن يبدأ بعض الشباب بالدعوة لله بمجرد العاطفة وعلم قليل، ثم ينقطع عن العلم وعن المشايخ، فهذه على المدى البعيد سيكون لها أثرها الخطير في الأمة، سيخرج دعاة بلا علماء، كما حصل في البلاد الإسلامية الأخرى) (٢) اهـ.
стр. 339
ولقد صدق ونصح حفظه الله؛ إذ إن تصدر هؤلاء للدعوة على جهل سيعرضهم حتمًا للكلام باسم الإسلام، والإفتاء باسم شريعته، والقول على الله تعالى بغير علم، والاحتجاج " بالمصلحة " في غير موضعها، وتقديم الأهواء على الوحيين الشريفين.
قال عمر ﵁: " تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا " (١).
وقال الشافعي ﵀: " إذا تصدر الحَدَثُ؛ فاته علم كثير " (٢).
وهذا من توسيد الأمر لغير أهله، ومن منازعة الأمر أهله، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وقال رسول الله ﷺ : " قتلوه قتلهم الله؛ إِن شفاء العي السؤال " (٣).
وعن مالك قال: (أخبرني رجل دخل على رييعة بن أبي عبد الرحمن، فوجده يبكي، فقال له: ما يُبكيك؟ وارتاع لبكائه -فقال له: أدخلت عليك مصيبة؟ فقال: " لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وَلبعضُ من يُفتي ها هنا أحق بالسَّجن من السُّرَّاق " (٤).
قال الإمام الشاطبي ﵀: ( .. السائل لا يصح أن يسأل من لا يُعتبر في الشريعة جوابُه؛ لأنه إسنادُ أمرٍ إلى غيرِ أهله، والإجماع على عدم صحة مثل هذا، بل لا يمكن في الواقع، لأن السائل يقول لمن ليس بأهل لما سئل عنه: " أخبرني عما لا تدري! وأنا أسند أمري لك فيما نحن بالجهل به على سواء "، ومثل هذا لا يدخل في زمرة العقلاء؛ إذ لو قال له: " دُلَّني في هذه المفازة على
стр. 340
الطريق إلى الموضع الفلاني "، وقد علم أنهما في الجهل بالطريق سواءٌ لعُدَّ من زمرة المجانين، فالطريق الشرعي أولى؛ لأنه هلاك أخروي، وذلك هلاك دنيوي خاصة) (١) اهـ.
السبب الثالث: التعالم وتصدر الأحداث:
فترى " أبتثيًّا " (٢) صريع الجهل، متشبعًا بما لم يعط، ينصب نفسه مرجعًا للفتيا، ويتملكه العجب فيلمز أكابر العلماء، ويفري أعراضهم، ويسفه أقوالهم، فيصد الناس عن سبيل ربهم، بصدهم عن الأدِلاء عليه.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفَّه الصغير الكبير " (٣).
وقال معاوية ﵁: " إن أغرى الضلالة لرجل يقرأ القرآن فلا يفقه فيه، فيعلمه الصبي والعبد والمرأة فيجادلون به أهل العلم " (٤).
قال أبو وهب المروزي: (سألت ابن المبارك: " ما الكِبْرُ؟ " قال: " أن تزدري الناس "، فسألته عن العجب؟ قال: " أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئًا شرًّا من العُجْب ").
ولقد أصاب المأمون عندما قال -متهكمًا بهذا الضرب من الطلبة-: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: " أنا من أهل الحديث ".
стр. 341
وفي هؤلاء يقول أبو الحسن القالي ﵀:
لما تبدلت المجالس أوجهًا ... غير الذي عَهِدَتْهُ من علمائها
ورأيتها محفوفة بسوى الأُلَى ... كانوا ولاة صدورها وفنائها
أنشدتُ بيتًا سائرًا متقدمًا ... والعين قد شرقت بجاري مائها
أما الخيامُ فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها
ويقول أيضًا:
تصدر للتدريس كلُّ مُهَوسٍ بليدٍ تسمَّى بالفقيه المدرسِ
فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديمٍ شاع في كل مجلس
لقد هَزُلَت حتى بدا من هُزالها ... كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ
السبب الرابع: الاغترار بكلام العلماء بعضهم في بعض:
فيحاول بعضهم اعتبار ذلك موضع أسوة وقدوة، غافلاً عن القاعدة الجليلة التي أصَّلها العلماء في ذلك، وهي أن " كلام الأقران في بعضهم البعض يُطوى، ولا يُحكَى ".
إما لأنه ناشئ عن اجتهاد أو تأويل، وإما لأنه ناشئ عن تنافس ومعاصرة ومنافرة مذهبية، مما لا يكاد يسلم منه بشر، وما يُنقل من ذلك إما لا يصح عنهم، وإما يصح فيجب أن نغض الطرف عنه، ونحمله ما أمكن على أحسن الوجوه، وإلا فيجب طيه وكتمانه، والاشتغال بالاستغفار لهم كما رغبنا القرآن الكريم في ذلك.
وقد كان الخليفة العباسي أبو العباس السفاح إذا علم بين اثنين تعاديًا، لم
стр. 342
يقبل شهادة ذا على ذا، ويقول: " العداوة تزيل العدالة ".
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: " كلام الأقران بعضهم، في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنَّه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمتُ أنَّ عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردتُ من ذلك كراريس! " (١).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: " كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه " (٢).
وقال الإمام الطبري: " لو كان كل من ادُعِيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك: للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرْغَب به عنه " (٣).
وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر ﵀: " والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته؛ وبانت ثقته، وعنايته بالعلم؛ لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها، من المشاهدة والمعاينة لذلك، بما يوجب قوله عن جهة الفقه والنظر " (٤).
وقال الإمام تاج الدين السبكي ﵀: " .. فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره، واستن
стр. 343
بسنته، مع أن المؤلف لم يُرِدْ ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل، فإذا كان الرجل ثقة ومشهودًا له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّدَ منه، ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله " (١) اهـ.
وقال أيضًا ﵀: " ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فَدُونَك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تُخْلَق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالبُ العلم عندي نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين، ويقضي لبعضهم على بعض.
فإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلُمَّ جرًّا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين ابن الصلاح، فإنك إن اشتغلت بذلك خشيتُ عليك الهلاك، فالقومُ أئمةٌ أعلام، ولأقوالهم مَحامِلُ ربما لم يُفهم بعضُها، فليس لنا إلا الترضي عنهم، والسكوتُ عما جرى بينهم، كما يُفعل ذلك فيما جرى بين الصحابة ﵃ " (٢) اهـ.
فائدة: من يقضي بين العلماء ؟ (٣).
سئل يومًا العلامة أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الأبياني عن
стр. 344
فقيهين من أصحابه وتلاميذه وهما: أبو القاسم بن زيد، وسعيد بن ميمون، فقيل
له: " أيهما أفقه "، فقال: " إنما يفصل بين عالمين من هو أعلم منهما " (١).
إذا تلاقى الفحولُ في لجَبٍ ... فكيف حالُ الغصيصِ في الوسط
السبب الخامس: الاغترار بمسلك الإِمام ابن حزم ﵀ في شدته على الأئمة:
فيحسب طالب العلم أن هذه الشدة من المغيرة المحمودة على الحق، ومن نصرة الدين، وينسى أنه " لا أسوة في الشر ".
قال الإمام الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة ابن حزم: " .. وصنَّف في ذلك كتبًا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجَّج العبارة، وسبَّ وجدعَّ، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها، ونفَّروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفَتَّشوها انتقادًا واستفادة، وأخذًا ومؤاخذة، ورأوا فيها الدُّر الثمين ممزوجًا في الرَّصف بالخرز الثمين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزؤون، وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله ﷺ " (٢) اهـ.
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في " الموافقات " بعد أن بيَّن أن من علامات العالم المتحقق أن يكون قد تلقى العلم عن الشيوخ ولازمهم: ( .. وبهذا وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون، كالأئمة الأربعة
стр. 345
وأشباههم) (١) اهـ.
السبب السادس: جهل المنتقدين بأقدار من ينتقدونهم من العلماء:
وبالتالي لا ينزلونهم منازلهم، ويبخسونهم مكانتهم التي يستحقونها، ولعل أنجع علاج لذلك التعامل المباشر مع العالم، ولحظ سلوكه وسمته وهديه، أو مطالعة ترجمته ومصنفاته إن فاتت لقياه، ومعاشرة تلامذته، وهاك هذه الواقعة.
قال ابن المبارك: (قدمتُ الشام على الأوزاعي، فرأيته ببيروت، فقال لي: " يا خراسانيُ من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يُكنى أبا حنيفة؟ " فرجعت إلى بيتي، فأقبلت على كتب أبي حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيتُ في ذلك ثلاثة أيام، فجئت يوم الثالث، وهو -أي الأوزاعي- مؤذنُ مسجدهم وإمامُهم، والكتابُ في يدي، فقال: " أيُ شيء هذا الكتاب؟ "، فناولتُه، فنظر في مسألة منها وقَّعْتُ عليها: قاله النعمان، فما زال قائمًا بعد ما أذن حتى قرأ صدرًا من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كُمِّه، ثم أقام وصلَّى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها، فقال لي: " يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ " قلتُ: " شيخ لقيتُه بالعراق "، فقال: " هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه "، قلت: " هذا أبو حنيفة الذي نَهَيْتَ عنه ".
ثم لما اجتمع -الأوزاعي- بأبي حنيفة بمكة جاراه في تلك المسائل، فكشفها له بأكثر مما كتبها ابن المبارك عنه، فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك: " غَبَطتُ الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله تعالى، لقد كنتُ في غلط ظاهر، الزمِ الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه ") (٢).
стр. 346
ومما يبين أهمية مخالطة العالم ومعرفة سيرته وتأثير ذلك في حفظ حرمته، قول بعض من ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أفاض في الثناء عليه: " .. ومن خالطه وعرفه فقد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه ".
ومثله قول الحافظ ابن حجر ﵀: " إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمر فادح -سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفًا- في حق المستور، فينبغي أن لا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون وقعت منه فلتة (١)؛ ولذلك يحتاج السلم أن يكون عارفًا بمقادير النادر وبأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع " (٢) اهـ.
وقال الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁: " .. واحفظ لكُلٍ منزلته، وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحق، فإِن المعرفةَ بالناس بها يصابُ العَدْلُ ".
ألا ما أكثر المواقف العدائية التي بنيت على أساس مبدإ: " سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته "، فترى الرجل منحرفًا عن أهل الفضل بسبب الغواية في الرواية.
فلا تلمهم على إنكار ما نكروا ... فإنما خُلقوا أعداء ما جهِلوا
стр. 347
فإذا قيَّض الله له من الأسباب ما يطلعه على الحقيقة؛ انقشعت سحب الأباطيل، وأسفرت شمس الحقيقة.
السبب السابع: التأثر بفوضوية الغربيين ونعراتهم:
ويتضح هذا في سلوك بعض الشباب الذين يبتلون بالإقامة في ديار الغرب، فيتشربون منهم بعض القيم، وبخاصة سلوكهم إزاء أكابرهم وعظمائهم، بحجة حرية الرأي والتعبير، واعتزازًا بما يدينون به من " الفوضوية " التي يسمونها " ديمقراطية "، دون أن يتفطن هؤلاء الشباب إلى الفروق بين القيم الإسلامية وبين القيم الغربية.
فمن مظاهر " الديمقراطية " تحكيم " رجل الشارع " في قضايا الأمة المصيرية (١)، في حين أن الإسلام يجعل الحكم في ذلك إلى أولي الأمر، أهل الحل والعقد المؤهلين للنظر في هذه القضايا دون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وهذا رسول الله ﷺ يسمي رجل الشارع هذا بالرويبضة، ويجعل إقحامه في القضايا العامة المصيرية من أشراط الساعة، فعن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : " سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصَدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة "، قيل: وما الرويبضة؟ قال: " الرجل التافه؛ يتكلم في أمر العامة " (٢).
стр. 348
وقال ﷺ للأعرابي الذي سأله: " متى الساعة؟ ": " فإِذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة "، قال: " كيف إضاعتها؟ " قال: " إِذا وُسِّد الأمر إِلى غير أهله، فانتظر الساعة " (١).
وتأمل موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما أراد أن يتحدث في موسم الحج عن يوم السقيفة، قال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: " لا تفعل! فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قُربك حين تقومُ في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالةً يُطيرُها عنك كل مُطير، وألا يعوها وألا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة؛ فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلُص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلتَ متمكنًا فيعي أهلُ العلم مقالتك، ويضعونها على موضعها " (٢).
يقول الأستاذ محمد الراشد حفظه الله: " إن الغوغائية التي صنعتها الديمقراطية الحديثة في الشعوب يمكن أن تظهر بصورة أخرى في أوساط دعاة الإسلام إذا أسرفنا في الشورى، ونحن -قبل الداعية المشاكس- نعيب الاستبداد والفردية، ولكن الشيء إذا تجاوز حده آذى " (٣).
السبب الثامن: التعصب الحزبي، والبغي، وعقد الولاء على غير الكتاب والسنة:
فبعض الناس يربون أتباعهم على الولاء لأشخاصهم والانتماء لذواتهم، أو جماعاتهم، ويوالون في ذلك ويعادون، دون اعتبار لمبدإ الحب في الله، والبغض في الله، وفي هؤلاء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
стр. 349
" وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته، ويعادي على ذلك، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان، ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يخص أحدًا بمزيد موالاة إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدم من قدَّم الله ورسوله عليه، ويفضل من فضَّله الله ورسوله " (١) اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
(ومن نصب شخصًا كائنًا من كان؛ فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢]، وإذا تفقه الرجل، وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل أتباع الأئمة والمشايخ؛ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار، فيوالي من وافقهم، ويعادي من خالفهم " (٢) اهـ.
وقال أيضا رحمه الله تعالى:
" وليس للمعلمين أن يُحزبوا الناس ويفعلوا ما يُلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى .. وإذا وقع بين معلِّم ومعلم، أو تلميذ وتلميذ، أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة؛ لم يجز لأحد أن يُعين أحدهما حتى يعلم الحق، فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر؛ فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل، سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره، وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره، فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله، واتباع الحق والقيام بالقسط، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ
стр. 350
تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
ومن مال مع صاحبه -سواء كان الحق له أو عليه- فقد حكم بحكم الجاهلية، وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يدًا واحدة مع المحق على المبطل، فيكون المعظَّم عندهم مَنْ عظَّمه الله ورسولُه، والمقدَّمُ عندهم من قدمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبَّه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الأهواء، فإنَّ من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنَّه لا يضر إلا نفسه " (١) اهـ.
وقد بلغت الحزبية الجاهلية في بعض الجماعات المعاصرة أوْجَها، وأثمرت من مظاهر البغي ما تقف له الشعور، وإن تعجب فعجب زعمهم أن " مصلحة الدعوة " تبيح لهم مسالك البغي والافتراء والتجني على الأبرياء، جريًا منهم على القاعدة الميكافيلية المشئومة " الغاية تسوغ الوسيلة "، ولقد غلا البعض في سوء استغلال هذه المصلحة المزعومة حتى قال الأستاذ سيد قطب ﵀ منكرًا عليهم: (إن كلمة " مصلحة الدعوة " يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات؛ لأنها مزلَّة ومدخل للشيطان يأتيهم به حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص، ولقد تتحول مصلحة الدعوة إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل) (٢) اهـ.
السبب التاسع: التحاسد والتنافس على العلو والرياسة:
عن يوسف بن أسباط: سمعت سفيان يقول: " ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة، حامى عليها وعادى ".
стр. 351
وقال الفضيل بن عياض: " ما من أحدٍ أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير ".
وقال سفيان الثوري: " ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب، ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يَذكُر الناسُ أحدًا عنده بخير ".
وما عبَّر الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضلِ
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ... يَدَ النقصِ عنه بانتقاص الأفاضل
وقال الأوزاعي ﵀ لبقية بن الوليد:
" .. يا بقية لا تذكر أحدًا من أصحاب محمد نبيك ﷺ إلا بخير، ولا أحدًا من أمتك، وإذا سمعت أحدًا يقع في غيره؛ فاعلم أنه إنما يقول: أنا خير منه ".
لطيفة: إِذا كنت خاملاً، فتعلق بعظيم !
(كان أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن ساهل شاعرًا مشهورًا مولعًا بالهجاء، حتى إنه لما دخل دمشق، قدم لقاضيها شهاب الدين الخوئي قصيدة هجو، فردَّها إليه، وقال: " كأنك ذاهل "، قال: " بل لست بذاهل، بل صنعت ذلك عمدًا لأشتهر، لأني رأيت الناس اجتمعوا على الثناء عليك، فرأيت أن أخالفهم، فإني لو مدحتك فأعطيتني لم يشعر بي أحد، فإذا هجوتك وعزَّرتني؛ يقال: " ما هذا؟ "، فيقال: " هذا غريم القاضي "، فأشتهر " (١).
السبب العاشر: عدم التثبت في النقل:
(فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة
стр. 352
قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله) (١) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: " إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال، يلزمه التحري في النقل، فلا يجزم إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع، ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح، سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفًا في حق المستور، فينبغي أن لا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون وقعت منه فلتة؛ ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفًا بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع " (٢) اهـ.
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى-: " من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبني عليه السامع حبًّا وبغضًا ومدحًا وذمًا، فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية، أو لها بعض الحقيقة فنميت بالكذب والزور، وخصوصًا من عرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عرف منهم الهوى، فالواجب على العاقل التثبت والتحرز وعدم التسرع، وبهذا يُعرف دين العبد ورزانته وعقله " (٣) اهـ.
السبب الحادي عشر: الفراغ:
فإن الاشتغال بلغو القول وتجريح الآخرين وسائر آفات اللسان إنما هو ثمرة
стр. 353
الفراغ الذي لم يبادر صاحبه إلى ملئه بالعمل الصالح.
قال ﷺ : " نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ " (١).
وقال الحسن البصري: " نفسك إن لم تشغلها بالحق؛ شغلتك بالباطل ".
فالطاعن في أهل الحق فارغ، وأهل الحق مشغولون بحقهم، ويقول المثل العربي: " ويل للشجي من الخلي، وويل للعالم من الجاهل "، والشجي هو المشغول، والخلي هو الفارغ.
(وكم موسوعة كان يمكن أن يؤلفها فضول القول الذي قيل أثناء الفتن والمجادلات والخلافات، وكم ساعة عمل ضائعة هدرها الوقت المستهلك في استنباط الظنون؟!) (٢).
السبب الثاني عشر: الجحود وعدم الإِنصاف:
ومن مظاهره: تنكر الطالب لشيخه الذي طالما أفاده، وعلَّمه، وأحسن إليه لأجل زلة زلَّها، أو غضبة غضبها، فيجحد كل ما مضى من إحسانه إليه، ويقول كما تقول كافرات العشير: " ما رأيت منك خيرًا قط "، ويطلق لسانه في ذم شيخه والتشنيع عليه، ويقول الشاعر في مثل هذا:
فيا عجبًا لمن رَبيْتُ طفلاً ... أُلَقِّمُه بأطرافِ البنانِ
أعلِّمُه الرمايةَ كلَّ يومٍ ... فلما استد ساعدُه رماني
أعلمه الفتوةَ كل حينٍ ... فلما طرَّ شاربه جفاني
أعلمه الرواية كل وقتٍ ... فلما صار شاعِرَها هجاني
стр. 354
قال الشافعي ﵀: " الحر مَن راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة ".
صحبةُ يومٍ نسبٌ قريب ... وذِمّة يعرفها اللبيب
وكان محمد بن واسع يقول: " لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة "، وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري، ويقول: " قد كان لها معنا صحبة ".
وكان الأولى بالجاحد الكفور أن يتمثل ما قاله الضيف الكريم لمضيفه الذي أحسن إليه؛ فقد (كان الرجل شجرةُ عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مَرَّ به صديق له؛ اقتطف عنقودًا ودعاه، فيأكله، وينصرف شاكرًا.
فلما كان اليوم العاشر؛ قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: " ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوتَ أخاك، فأكل النصف، مددتَ يدك معه مشاركًا، إيناسًا له، وتبسطًا، وإكرامًا "، فقال: " لأفعلن ذلك غدًا ".
فلما كان الغد؛ وانتصف الضيف في أكله؛ مدَّ الرجل يده وتناول حَبَّة، فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها، وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها، فقال الضيف: " قد أكلتُ من يدك من قبلُ على مَرِّ الأيام حُلوًا كثيرًا، ولم أحبَّ أن أريك من نفسي كراهة لهذا، تشوب في نفسك عطاءك السالف " (١).
ومن مظاهر الجحود: الرجوع عن التعديل والتزكية إلى التجريح والذم لمحض الهوى وشهوات الأنفس، قال الزعفراني. (حجَّ بشر المريسي، فلما قدم قال:
стр. 355
" رأيت بالحجاز رجلاً ما رأيت مثله سائلاً ولا مجيبًا -يقصد الإمام الشافعي ﵀ قال: فقدم علينا، فاجتمع إليه الناس، وخَفّوا عن بشر، فجئت إلى بشر، فقلت: " هذا الشافعي الذي كنت تزعم قد قدِم "، قال: " إنه قد تغيَّر عما كان عليه "، قال: " فما كان مَثَلُ بشر إلا مثل اليهود في شأن عبد الله بن سلام ") (١).
رصاصُ مَن أحببته ذهبٌ ... وذهب مَن لم ترض عنه رصاصُ
- ومن مظاهر الجحود: الانكباب على مصنفات العالم والنهل من فيض علمه سرًّا، مع إظهار الاستغناء عنه، وذم كتبه في الملإ (٢).
- ومن مظاهره: تنكر منتسبي الدعوة للجيل السابق الذي عاصر مراحل التأسيس، وعانى ما اكتنفها من جهد وآلام، وليتهم إذ جحدوا كفُّوا ألسنتهم عن الأذى، إذًا لحُمِدوا أبلغ الحمد في زمن يصدق عليه قول القائل:
إنا لفي زمنِ تركُ القبيح به ... مِن أكثر الناس: إحسانٌ وإجمالُ
وقول الآخر:
عَدّنا في زماننا ... عن حديث المكارم
من كفى الناسَ شرَّه ... فهو في جُود حاتِم
السبب الثالث عشر: استثمار المغرضين لزلات العلماء:
ولأهمية هذا السبب نفرده بالفصل التالي: