الْمَوْضُوْعُ
٢٢٥ - شَرُّ الضَّعِيْفِ: الخَبَرُ الموضُوْعُ ... الكَذِبُ، المُختَلَقُ، المَصْنُوْعُ
٢٢٦ - وَكَيْفَ كَانَ لَمْ يُجِيْزُوا ذِكْرَه ... لِمَنْ عَلِمْ، مَا لَمْ يُبَيِّنْ أمْرَهْ
٢٢٧ - وَأكْثَرَ الجَامِعُ فِيْهِ إذْ خَرَجْ ... لِمُطْلَقِ الضُّعْفِ، عَنَى: أبَا الفَرَجْ
(شَرُّ) الحديث (الضَّعِيْفِ: الخَبَرُ الموضُوْعُ الكَذِبُ) أي: وهو المكذوب، ويقال له: (المُختَلَقُ، المَصْنُوْعُ) أي: إن واضعه اختلقه وصنعه (وَكَيْفَ كَانَ) الموضوع، أي: في أي معنى كان؛ في الأحكام، أو القصص، أو الترغيب والترهيب، وغير ذلك، (لَمْ يُجِيْزُوا ذِكْرَه لِمَنْ عَلِمْ) أي: لمن علم أنه موضوع أن يذكره بروايةٍ أو احتجاجٍ أو ترغيب، (مَا لَمْ يُبَيِّنْ أمْرَهْ) أي: إلا مع بيان أنه موضوع.
قال ابن الصلاح (١): (وَأكْثَرَ الجَامِعُ فِيْهِ) أي: في الموضوع نحو مجلدين (إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضُّعْفِ) فأودع فيه كثيراً منها لا دليل على وضعه وإنما حقه أن يُذْكَر في مطلق الأحاديث الضعيفة.
(عَنَى) ابن الصلاح بالجامع المذكور (أبَا الفَرَجْ) أي: ابن الجوزي (٢).
٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ ... أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
стр. 142
٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ ... مِنْهُمْ، رُكُوْنَاً لَهُمُ ونُقِلَتْ
٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا ... فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
٢٣١ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى ... زَعْمَاً نَأوْا عَنِ القُرَانِ، فافْتَرَى
٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثَاً في فَضَائِلِ السُّوَرْ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ ... رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ ... - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِيءٌ صَوَابَهْ
(وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ) بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع مِنْ [١٥ - ب] انتصارٍ لمذهبهم، أو التقرب لبعض الأمراء أو اكتساب، أو غير ذلك (أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً) فإنهم يحتسبون بذلك ويرونه قربةً، (فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ، رُكُوْنَاً لَهُمُ ونُقِلَتْ)، فإن الناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا إليه من الزهد.
(فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا) حتى قال سفيان: «ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث» (١).
(نَحْوَ أبي عِصْمَةَ) نوح ابن أبي مريم (إذْ رَأَى الوَرَى زَعْمَاً نَأوْا عَنِ القُرَانِ، فافْتَرَى لَهُمْ حَدِيْثَاً في فَضَائِلِ السُّوَرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ) فإنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةٌ سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا
стр. 143
حسبة (١).
(كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ) الطويل في فضائل سور القرآن سورة سورة، (اعْتَرَفْ رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ) قال المؤمل بن إسماعيل: سألت عن من حَدَّثَهُ إلى أن أدخلني بيتاً فيه متصوفة معهم شيخ قال هذا قلت من حدثك؟ قال: لم يحدثني أحدٌ، ولكنا رأينا الناس قد رَغِبُوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إليه (٢)، (وَبِئسَمَا اقتَرَفْ).
(وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ) أي: حديث أُبَيّ (كِتَابَهْ) أي: تفسيره (كَالوَاحِدِيِّ (٣)) والثعلبي (٤) (مُخْطِيءٌ صَوَابَهْ).
٢٣٥ - وَجَوَّزَالوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيْبِ ... قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ
(وَجَوَّزَالوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيْبِ قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ (٥)، وَفي التَّرْهِيْبِ) مما لا يتعلق به حكم
стр. 144
من الثواب والعقاب ترغيباً للناس في الطاعة، وزجراً لهم عن المعصية.
٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا ... مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ ... وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ
٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ «مَنْ كَثُرَتْ ... صَلاَتُهُ» الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
(وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا) كلاماً (مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ) ويرويه إلى النبي ﷺ .
(وَبَعْضٌ وَضَعَا كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا) أو بعض الزهاد أو الإسرائيليات (في المُسْنَدِ) فجعله حديثاً.
(وَمِنْهُ) أي: من أقسام الموضوع، (نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ) وإنما وهم فيه بعض الرواة، (نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ) هو ابن موسى الزاهد، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً: (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ الحَدِيْثَ (١)، وَهْلَةٌ سَرَتْ) أي: غفلة فإنَّ ثابتاً دخل على شريك والمستملي بين يديه، وشريك يقول: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال [١٦ - أ] رسول الله ﷺ . ولم يذكر المتن، فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاتُهُ بالليل حَسُنَ وجهُهُ بالنهار. وإنما أراد ثابتاً لزهده، فظن ثابتٌ أنه روى هذا الحديث مرفوعاً بهذا الإسناد فكان يُحَدِّثُ به عنه (٢).
стр. 145
٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالاقْرَارِ، وَمَا ... نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ ... الثَّبَجِيُّ القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
٢٤١ - مَااعْتَرَفَ الوَاضِعُ إذْ قَدْ يَكْذِبُ ... بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ
(وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالاقْرَارِ) أي: بإقرار واضعه، (وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ وَرُبَّمَا يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ) أي: بركة لفظ الحديث ومعناه.
(قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ الثَّبَجِيُّ) نسبة لثَبَج البحر وهو ابن دقيق العيد (١)؛ فإنه ولد بساحل يَنْبُعَ، (القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى مَااعْتَرَفَ الوَاضِعُ) بوضعه؛ (إذْ قَدْ يَكْذِبُ) في هذا الإقرار بعينه، (بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ)؛ فإن هذا كافٍ في رده لكن ليس بقاطع في كونه موضوعاً (٢).
стр. 146
الْمَقْلُوْبُ
٢٤٢ - وَقَسَّمُوا المَقْلُوْبَ قِسْمَيْنِ إلى: ... مَا كَانَ مَشْهُورَاً بِراوٍ أُبْدِلا
٢٤٣ - بِواحدٍ نَظِيْرُهُ، كَيْ يَرْغَبَا ... فِيهِ، لِلاغْرَابِ إذا مَا اسْتُغْرِبَا
٢٤٤ - وَمِنْهُ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْنِ ... نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ إمَامَ الفَنِّ
٢٤٥ - في مائَةٍ لَمَّا أتَى بَغْدَادَا ... فَرَدَّهَا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا
٢٤٦ - وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ ... نَحْوُ: «إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ ... »
٢٤٧ - حَدَّثَهُ - في مَجْلِسِ البُنَاني- ... حَجَّاجٌ، اعْنِي: ابْنَ أبي عُثمَانِ
٢٤٨ - فَظَنَّهُ - عَنْ ثَابِتٍ - جَرِيْرُ، ... بَيَّنَهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ
(وَقَسَّمُوا المَقْلُوْبَ) وهو من أقسام الضعيف (قِسْمَيْنِ إلى مَا كَانَ) الحديث (مَشْهُورَاً بِراوٍ أُبْدِلا بِواحدٍ نَظِيْرُهُ) أي: فجعل مكانه راو آخر في طبقته (كَيْ يَرْغَبَا فِيهِ، لِلاغْرَابِ إذا مَا اسْتُغْرِبَا) أي: ليصير بذلك غريباً مرغوباً فيه، كحديث مشهور بسالم فجعل مكانه نافع.
(وَمِنْهُ) أي: من المقلوب وهو القسم الثاني (قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْنِ) بأن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر، ومتن هذا فيجعل بإسناد آخر.
(نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ) أي: المحدثين (إمَامَ الفَنِّ) محمد بن إسماعيل البخاري (في مائَةٍ) أي: مائة حديث قلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوا إلى كلِّ رجلٍ عشرةَ أحاديث، وأمروهم أن يلقوا ذلك عليه (لَمَّا أتَى بَغْدَادَا)، فحضر
стр. 147
المجلس جماعةٌ من المحدثين، فانتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث منها، فقال: لا أعرفه إلى العاشر، وهو يقول: لا أعرفه. ثم الثاني إلى الرجل العاشر، فلما علم فراغهم التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فكذا إلى تمام العشرة، (فَرَدَّهَا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا) فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين كذلك (١).
(وَ) منه (قَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ) قلبه ولكن انقلب على راويه، (نَحْوُ) ما رواه جرير، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ) فلا تقوموا حتى تروني. (حَدَّثَهُ) أي: هذا الحديث (في مَجْلِسِ) ثابت (البُنَاني حَجَّاجٌ، اعْنِي: ابْنَ أبي عُثمَانِ فَظَنَّهُ - عَنْ ثَابِتٍ - جَرِيْرُ [١٦ - ب] بَيَّنَهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ) فإنه قال: كنت أنا وجرير بن حازم عند ثابت البناني فحدَّث حجاج ابن أبي عثمان عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ فذكره، فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس (٢).
стр. 148
تنبيهات
٢٤٩ - وَإنْ تَجِدْ مَتْنَاً ضَعِيْفَ السَّنَدِ ... فَقُلْ: ضَعِيْفٌ، أيْ: بِهَذَا فَاقْصِدِ
٢٥٠ - وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقاً بِنَاءَ ... عَلَى الطَّرِيْقِ، إذْ لَعَلَّ جَاءَ
٢٥١ - بِسَنَدٍ مُجَوَّدٍ، بَلْ يَقِفُ ... ذَاكَ عَلَى حُكْمِ إمَامٍ يَصِفُ
٢٥٢ - بَيَانَ ضَعْفِهِ، فَإنْ أطْلَقَهْ ... فَالشَّيْخُ فِيما بَعْدَهُ حَقَّقَهْ
٢٥٣ - وَإنْ تُرِدْ نَقْلاً لِوَاهٍ، أوْ لِمَا ... يُشَكُّ فِيهِ لاَ بِإسْنَادِهِمَا
٢٥٤ - فَأتِ بِتَمْرِيضٍ كـ «يُرْوَى» وَاجْزِمِ ... بِنَقْلِ مَا صَحَّ كـ «قَالَ» فَاعْلَمِ
٢٥٥ - وَسَهَّلُوا في غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْا ... مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِضَعْفٍ، وَرَأوْا
٢٥٦ - بَيَانَهُ في الحُكْمِ وَالعَقَائِدِ ... عَنِ ابنِ مَهْدِيٍّ وَغَيْرِ وَاحِدِ
(وَإنْ تَجِدْ مَتْنَاً ضَعِيْفَ السَّنَدِ فَقُلْ: ضَعِيْفٌ) أي: فلك أن تقول هذا ضعيف (أيْ: بِهَذَا فَاقْصِدِ) أي: وتعني بذلك الإسناد (وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقاً) أي: وليس لك أن تعني بذلك ضعفه مطلقاً (بِنَاءَ عَلَى) ضعف ذلك (الطَّرِيْقِ؛ إذْ لَعَلَّ جَاءَ بِسَنَدٍ مُجَوَّدٍ) يثبت بمثله الحديث.
(بَلْ يَقِفُ ذَاكَ) أي: جواز إطلاق ضعفه (عَلَى حُكْمِ إمَامٍ) من أئمة الحديث (يَصِفُ بَيَانَ ضَعْفِهِ) مفسراً، (فَإنْ أطْلَقَهْ) ولم يفسره (فَالشَّيْخُ) ابن الصلاح (فِيما بَعْدَهُ) أي: في النوع الثالث والعشرين من كتابه قد (حَقَّقَهْ)، وسيأتي بعد تسعة عشر بيتاً.
стр. 149
(وَإنْ تُرِدْ نَقْلاً لِوَاهٍ) أي: لحديث ضعيف، (أوْ لِمَا يُشَكُّ فِيهِ)، أي: في صحته وضعفه (لاَ بِإسْنَادِهِمَا) أي: بغير إسناد (فَأتِ بِتَمْرِيضٍ كـ (يُرْوَى))، ورُوي، ولا تذكره بصيغة الجزم كقال وفعل.
(وَاجْزِمِ بِنَقْلِ مَا صَحَّ كـ (قَالَ)) ونحوها (فَاعْلَمِ).
(وَسَهَّلُوا في غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْا) فجوزوا التساهل في أسانيده وروايته (مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِضَعْفٍ) في غير الأحكام والعقائد بل في الترغيب والترهيب ونحوها، أما الموضوع فلا يجوز ذكره إلا مع البيان.
(وَرَأوْا بَيَانَهُ) من غير تساهل (في الحُكْمِ) الشرعي من الحلال والحرام وغيرهما (وَالعَقَائِدِ) كصفات الله تعالى. رُوِىَ ذلك (عَنِ) الإمام عبد الرحمن (ابنِ مَهْدِيٍّ وَغَيْرِ وَاحِدِ) (١).
стр. 150
مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رُوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ
٢٥٧ - أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ ... وَالْفِقْهِ فِي قَبُوْلِ نَاقِلِ الْخَبَرْ
٢٥٨ - بِأنْ يَكُوْنَ ضَابِطاً مُعَدَّلاَ ... أيْ: يَقِظاً، وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلاَ
٢٥٩ - يَحْفَظُ إنْ حَدَّثَ حِفْظاً، يَحْوِيْ ... كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ
٢٦٠ - يَعْلَمُ مَا فِي الَّلَفْظِ مِنْ إحِالَهْ ... إنْ يَرْوِ بالْمَعْنَى، وَفِي الْعَدَالَهْ
٢٦١ - بِأنْ يَكُوْنَ مُسْلِماً ذَا عَقْلِ ... قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيْمَ الفِعْلِ
٢٦٢ - مِنْ فِسْقٍ اوْ خَرْمِ مُرُوْءَةٍ وَمَنْ ... زَكَّاهُ عَدلاَنِ، فَعَدْلٌ مُؤْتًمَنْ
٢٦٣ - وَصُحِّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ ... جَرْحَاً وَتَعْدِيْلاً خِلاَفَ الشَّاهِدِ
(أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأَثَرْ وَالْفِقْهِ فِي قَبُوْلِ نَاقِلِ الْخَبَرْ) أي: على أنه يشترط فيمن يُحتج بروايته (بِأنْ يَكُوْنَ ضَابِطاً) لما يرويه (مُعَدَّلاَ، أيْ:) وتفسير الضابط أن يكون: (يَقِظاً، وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلاَ يَحْفَظُ إنْ حَدَّثَ حِفْظاً، يَحْوِيْ كِتَابَهُ) أي: يحتوي على كتابه ويحفظه من التبديل والتغيير، (إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِيْ).
(يَعْلَمُ مَا فِي الَّلَفْظِ مِنْ إحِالَهْ إنْ يَرْوِ بالْمَعْنَى) لأنه إذا حَدَّثَ به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل [١٧ - أ] معناه لم يَدْر لَعَلَّهُ يحيل الحلال إلى الحرام.
(وَفِي الْعَدَالَهْ) أي: وشروط العدالة (بِأنْ يَكُوْنَ مُسْلِماً، ذَا عَقْلِ، قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ، سَلِيْمَ الفِعْلِ مِنْ فِسْقٍ) وهو ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، (اوْ خَرْمِ مُرُوْءَةٍ) ولم يشترط الحرية.
стр. 151
(وَ) بيان ما تثبت به العدالة أنَّ (مَنْ زَكَّاهُ عَدلاَنِ) بتنصيصهما على عدالته (فَعَدْلٌ مُؤْتًمَنْ).
(وَصُحِّحَ اكْتِفَاؤُهُمْ بِالْوَاحِدِ) أي: بالعدل الواحد (جَرْحَاً وَتَعْدِيْلاً)؛ لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر فلم يُشترط في جرح راويه وتعديله (خِلاَفَ الشَّاهِدِ).
٢٦٤ - صَحَّحَ استِغْنَاءَ ذِي الشُّهْرَةِ عَنْ ... تَزكِيَةٍ، كمَالكٍ نَجْمِ السُّنَنْ
٢٦٥ - ولابنِ عَبْدِ البَرِّ كُلُّ مَنْ عُنِي ... بِحَمْلِهِ العِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ
٢٦٦ - فَإنَّهُ عَدْلٌ بِقَوْلِ المُصْطَفَى ... «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ» لكِنْ خُوْلِفَا
و (صَحَّحَ) ابنُ الصلاح (١) (استِغْنَاءَ ذِي الشُّهْرَةِ) أي: من اشتهرت عدالته وشاع الثناء عليه بالأمانة، (عَنْ تَزكِيَةٍ) أي: بينة شاهدة بعدالته تنصيصاً، (كمَالكٍ نَجْمِ السُّنَنْ) هذا وصف الشافعي حيث قال: «إذا ذكر الأثر فمالك النجم» (٢).
(ولابنِ عَبْدِ البَرِّ (٣) كُلُّ مَنْ عُنِي بِحَمْلِهِ العِلْمَ وَلَمْ يُوَهَّنِ فَإنَّهُ عَدْلٌ) محمولٌ في أمره على العدالة (بِقَوْلِ المُصْطَفَى: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ) من كل خَلَفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (٤).
стр. 152
(لكِنْ خُوْلِفَا) فقال ابن الصلاح (١): «فيما قاله اتساع غير مرضي»، واستدلا له بالحديث لا يصح؛ لإرساله وضعفه، ولأن صحة الاستدلال به لو كان خبراً، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل فَيُحْمَل على الأمر.
٢٦٧ - وَمَنْ يُوَافِقْ غَالِباً ذا الضَّبْطِ ... فَضَابِطٌ، أوْ نَادِراً فَمُخْطِيْ
(وَمَنْ يُوَافِقْ غَالِباً ذا الضَّبْطِ) بأن يُعْتَبَر حديثه بحديث الثقات الضابطين، فإن وافقهم في روايتهم في اللفظ أو في المعنى ولو في الغالب (فَضَابِطٌ، أوْ نَادِراً فَمُخْطِيْ) أي: وإن كان الغالب المخالفة وإن وافقهم فنادر، عُرِفَ خطؤه وعدم ضبطه.
٢٦٨ - وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ... ذِكْرٍ لأسْبَابٍ لَهُ، أنْ تَثْقُلاَ
٢٦٩ - وَلَمْ يَرَوْ قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا؛ ... لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ، وَرُبَّمَا
٢٧٠ - اسْتُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ، كَمَا ... فَسَّرَهُ شُعْبَةُ بِالرَّكْضِ، فَمَا
٢٧١ - هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأثَرْ ... كـ «شَيْخَيِ الصَّحِيْحِ» مَعْ أهْلِ النَّظَرْ
(وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ذِكْرٍ لأسْبَابٍ لَهُ، أنْ تَثْقُلاَ) أي: لئلا تثقل ويشق ذكرها؛ لأن أسبابه كثيرة.
(وَلَمْ يَرَوْ قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا) بل مُفَسَّرَاً مبينَ السبب؛ (لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ) فيطلق أحدهم الجرح بناءً على ما اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه ليظهر أهو قادح أم لا؟.
стр. 153
(وَرُبَّمَا اسْتُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ، كَمَا فَسَّرَهُ شُعْبَةُ) لما قيل له: لم تركتَ حديث فلان؟ [١٧ - ب] (بِالرَّكْضِ) فقال: «رأيته يركض على برذون فتركته» (١) (فَمَا) (٢) يلزم من ركضه؟.
وقيل عكس ما ذُكِر، وقيل لابد من ذكر سببهما وقيل: لا يجب ذكر سبب واحد منهما.
(هَذَا) أي: القول المذكور أولاً (الَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأثَرْ كـ (شَيْخَيِ الصَّحِيْحِ)) وهما البخاري ومسلم (مَعْ أهْلِ النَّظَرْ) وهم الأصوليون.
٢٧٢ - فَإنْ يُقَلْ: «قَلَّ بَيَانُ مَنْ جَرَحْ» ... كَذَا إذَا قَالُوا: «لِمَتْنٍ لَمْ يَصِحْ»
٢٧٣ - وَأبْهَمُوا، فَالشَّيْخُ قَدْ أجَابَا ... أنْ يَجِبَ الوَقْفُ إذا اسْتَرَابا
٢٧٤ - حَتَّى يُبِيْنَ بَحْثُهُ قَبُوْلَهْ ... كَمَنْ أُوْلُو الصَّحِيْحِ خَرَّجُوا لَهْ
٢٧٥ - فَفي البُخَارِيِّ احتِجَاجاً عِكْرِمَ ... مَعَ ابْنِ مَرْزُوْقٍ، وَغَيْرُ تَرْجُمَهْ
٢٧٦ - وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِمَنْ قَدْ ضُعِّفَا ... نَحْوَ سُوَيْدٍ إذْ بِجَرْحٍ مَا اكتَفَى
٢٧٧ - قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ أبُو المَعَاليْ ... واخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ الغَزَاليْ
٢٧٨ - وابْنُ الخَطِيْبِ الْحَقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا ... أطْلَقَهُ العَالِمْ بِأسْبَابِهِمَا
(فَإنْ يُقَلْ) يَرِدُ على هذا القول أنه (قَلَّ) في الكتب المصَنَّفة للجرح (بَيَانُ مَنْ جَرَحْ) بل يقتصرون على: «فلان ضعيف»، ونحوه (إذَا قَالُوا: لِمَتْنٍ: «لَمْ
стр. 154
يَصِحْ») أو: «هذا حديث ضعيف» (وَأبْهَمُوا)، فاشتراط بيان السبب يُفْضِي إلى تعطيل ذلك.
(فَالشَّيْخُ) ابن الصلاح (قَدْ أجَابَا (١) أنْ يَجِبَ الوَقْفُ إذا اسْتَرَابا) أي: أنَّ ذلك وإن لم نعتمدْه في إثبات الجرح به فقد اعتمدناه في تَوَقُّفِنَا عن قَبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك ثم يُبحث عن حاله، (حَتَّى يُبِيْنَ بَحْثُهُ قَبُوْلَهْ) إذا انزاحت عنه الريبة (كَمَنْ أُوْلُو الصَّحِيْحِ خَرَّجُوا لَهْ) ممن مَسَّهُ مثل هذا الجرح من غيرهم (فَفي البُخَارِيِّ احتِجَاجاً) أي: فالبخاري احتج بجماعة سبق عن غيره الطعن فيهم، منهم: (عِكْرِمَه) في التابعين، (مَعَ ابْنِ مَرْزُوْقٍ) في المتأخرين، (وَغَيْرُ تَرْجُمَهْ (٢) وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِمَنْ قَدْ ضُعِّفَا نَحْوَ سُوَيْدٍ) هو ابن سعيد، وجماعة اشتهر عن من ينظر في حال الرواة الطعن عليهم؛ (إذْ بِجَرْحٍ) أي: بمطلق جرح (مَا اكتَفَى) (٣).
قال المصنف (قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ) إمام الحرمين (أبُو المَعَاليْ (٤) واخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ الغَزَاليْ (٥) وابْنُ الخَطِيْبِ (٦): الْحَقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا أطْلَقَهُ العَالِمْ بِأسْبَابِهِمَا) فإن كان
стр. 155
المزكِّي عالماً بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه، وإلا فلا.
٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ ... مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ
(وَقَدَّمُوا الجَرْحَ) إذا تعارض هو والتعديل في راوٍ واحدٍ فجرَّحه بعضُهم وعَدَّله بعضهم.
(وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ) أي: إن كان عدد المعدلين أكثر (فَهْوَ المُعْتَبَرْ) أي: فيُقدم التعديل. وقيل: لا يرجح أحدها إلا بمرجح.
٢٨٠ - وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ ... بِهِ الخَطِيْبُ والفَقِيْهُ الصَّيْرَفِيْ
٢٨١ - وَقِيْلَ: يَكْفِي، نَحْوُ أنْ يُقالا: ... حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاَ:
٢٨٢ - جَمِيْعُ أشْيَاخِي ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ ... أُسَمِّ، لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ
٢٨٣ - وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ ... مِنْ عَالِمٍ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ
(وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ) من غير تسمية المعدَّل (لَيْسَ يَكْتَفِيْ بِهِ) في التوثيق (الخَطِيْبُ) أبو بكر (١)، (والفَقِيْهُ) أبو بكر (الصَّيْرَفِيْ) (٢).
(وَقِيْلَ: يَكْفِي) حكاه ابن الصباغ عن أبي حنيفة (٣) وذلك (نَحْوُ أنْ يُقالا حَدَّثَنِي الثِّقَةُ) من غير أن يسميه، (بَلْ) زاد الخطيب (٤) بأنه (لَوْ قَالاَ جَمِيْعُ أشْيَاخِي
стр. 156
ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ أُسَمِّ) ثم روى عن مَنْ لم يُسمه [١٨ - أ] (لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ)؛ لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جَرَحَهُ غيره بجرح قادح.
(وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ عَالِمٍ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ) كقول مالك: «أخبرني الثقة»، وكذا الشافعي.
قال ابن الصباغ (١): لم يورد الشافعي ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره وإنما ذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحُكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك.
٢٨٤ - وَلَمْ يَرَوْا فُتْيَاهُ أوْ عَمَلَهُ ... -عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ- تَصْحِيْحَاً لَهُ
٢٨٥ - وَلَيْسَ تَعْدِيلاً عَلَى الصَّحِيْحِ ... رِوَايَةُ العَدْلِ عَلَى التَّصْرِيْحِ
(وَلَمْ يَرَوْا فُتْيَاهُ) أي: العالم (أوْ عَمَلَهُ -عَلَى وِفَاقِ المَتْنِ- تَصْحِيْحَاً لَهُ) أي: لذلك الحديث؛ لإمكان أن يكون ذلك منه لدليل آخر وافق ذلك الخبر. (وَلَيْسَ تَعْدِيلاً عَلَى الصَّحِيْحِ رِوَايَةُ العَدْلِ عَلَى التَّصْرِيْحِ) بأن روى العدلُ عن شيخٍ بصريح اسمِهِ؛ لجواز أن يروي عن غير العدل.
وقيل: تعديل مطلقاً.
وقيل: إن كان لا يروي إلا عن عدل تكون تعديلاً وإلا فلا.
٢٨٦ - وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْبَلُ المَجْهُوْلُ؟ ... وَهْوَ -عَلَى ثَلاَثَةٍ- مَجْعُوْلُ
٢٨٧ - مَجْهُوْلُ عَيْنٍ: مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ ... وَرَدَّهُ الاكْثَرُ، وَالقِسْمُ الوَسَطْ:
стр. 157
٢٨٨ - مَجْهُوْلُ حَالٍ بَاطِنٍ وَظَاهِرِ ... وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ لَدَى الجَمَاهِرِ،
٢٨٩ - وَالثَّالِثُ: المَجْهُولُ لِلعَدالَهْ ... في بَاطِنٍ فَقَطْ. فَقَدْ رَأَى لَهْ
٢٩٠ - حُجِّيَّةً -في الحُكْمِ-بَعْضُ مَنْ مَنَعْ ... مَا قَبْلَهُ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ فَقَطَعْ
٢٩١ - بِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ: إنَّ العَمَلا ... يُشْبِهُ أنَّهُ عَلَى ذَا جُعِلا
٢٩٢ - في كُتُبٍ منَ الحَدِيْثِ اشْتَهَرَتْ ... خِبْرَةُ بَعْضِ مَنْ بِهَا تَعَذَّرَتْ
٢٩٣ - في بَاطِنِ الأمْرِ، وبَعْضٌ يُشْهِرُ ... ذَا القِسْمَ مَسْتُوْرَاً، وَفِيْهِ نَظَرُ
(وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْبَلُ المَجْهُوْلُ؟ وَهْوَ -عَلَى ثَلاَثَةٍ- مَجْعُوْلُ) القسم الأول: (مَجْهُوْلُ عَيْنٍ) وهو: (مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ) كالهيثم بن حَنَش لم يرو عنه إلا واحد وهو أبو إسحاق السبيعي (١). (وَرَدَّهُ الاكْثَرُ).
(وَالقِسْمُ الوَسَطْ) وهو الثاني (مَجْهُوْلُ حَالٍ) في العدالة (بَاطِنٍ وَظَاهِرِ) مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه، (وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ لَدَى الجَمَاهِرِ).
(و) القسم (الثَّالِثُ المَجْهُولُ لِلعَدالَهْ في بَاطِنٍ فَقَطْ) أما في الظاهر فهو عدل (فَقَدْ رَأَى لَهْ حُجِّيَّةً -في الحُكْمِ-بَعْضُ مَنْ مَنَعْ مَا قَبْلَهُ) وهما القسمان الأوَّلان. (مِنْهُمْ سُلَيْمٌ) هو ابن أيوب الرازي (فَقَطَعْ بِهِ) (٢)؛ لأن الأخبار مبنيٌّ على حسن الظن بالراوي.
стр. 158
(وَقَالَ الشَّيْخُ) ابن الصلاح (١) (إنَّ العَمَلا يُشْبِهُ أنَّهُ عَلَى ذَا جُعِلا في كُتُبٍ منَ الحَدِيْثِ اشْتَهَرَتْ خِبْرَةُ بَعْضِ مَنْ بِهَا تَعَذَّرَتْ في بَاطِنِ الأمْرِ) لتقادم العهد (وبَعْضٌ يُشْهِرُ) شهود (ذَا القِسْمَ) الأخير (مَسْتُوْرَاً).
قال ابن الصلاح (٢): وهو المستور، قال بعض أئمتنا (٣): المستور من يكون عدلاً في الظاهر ولا تعرف عدالته باطناً.
قال المصنف: (وَفِيْهِ نَظَرُ)؛ لأن الشافعي قال (٤): لا يجوز أن يترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر، فعلى هذا لا يُقال لمن هو بهذه المثابة: أنه مستور.
٢٩٤ - وَالخُلفُ في مُبْتَدِعٍ مَا كُفِّرَا ... قِيْلَ: يُرَدُّ مُطلَقَاً، وَاسْتُنْكِرَا
٢٩٥ - وَقْيِلَ: بَلْ إذا اسْتَحَلَّ الكَذِبَا ... نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ، وَنُسِبَا
٢٩٦ - لِلشَّافِعيِّ، إذْ يَقُوْلُ: أقْبَلُ ... مِنْ غَيْرِ خَطَّابِيَّةٍ مَا نَقَلُوْا
٢٩٧ - وَالأكْثَرُوْنَ - وَرَآهُ الأعْدَلاَ - ... رَدُّوَا دُعَاتَهُمْ فَقَطْ، وَنَقَلا
٢٩٨ - فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ اتِّفَاقَاً، وَرَوَوْا ... عَنْ أهْلِ بِدْعٍ في الصَّحِيْحِ مَا دَعَوْا
(وَالخُلفُ في) رواية (مُبْتَدِعٍ مَا كُفِّرَا) [١٨ - ب] في بدعته (قِيْلَ: يُرَدُّ مُطلَقَاً)؛
стр. 159
لأنه فاسقٌ ببدعته. (وَاسْتُنْكِرَا)، قال ابن الصلاح (١): إنه بعيد فإن كتب أئمة الحديث طافحةٌ بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، أما المبتدع الذي يَكْفُرُ ببدعته فابن الصلاح لم يَحْكِ فيه خلافاً.
(وَقْيِلَ: بَلْ) يُرَدُّ (إذا اسْتَحَلَّ الكَذِبَا نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ، وَنُسِبَا) أي: ذا القول (لِلشَّافِعيِّ، إذْ يَقُوْلُ: أقْبَلُ مِنْ) أهل الأهواء (غَيْرِ خَطَّابِيَّةٍ) وهم من الرافضة (مَا نَقَلُوْا) (٢)؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافِقِيْهم.
(وَالأكْثَرُوْنَ - وَرَآهُ) ابن الصلاح (٣) (الأعْدَلاَ - رَدُّوَا دُعَاتَهُمْ فَقَطْ) فقالوا: إن كان داعياً إلى بدعته لم يقبل وإن لم يكن داعية قُبِل. (وَنَقَلا فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ اتِّفَاقَاً) فقال (٤): «الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبةً لا أعلمُ بينهم فيه اختلافاً»، وقال (٥): «ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يَدْعُ إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز».
(وَرَوَوْا عَنْ أهْلِ بِدْعٍ في الصَّحِيْحِ مَا دَعَوْا) أي: وفي «الصحيحين» كثير من
стр. 160
أحاديث المبتدعة غير الدُّعاة كداود بن الحصين (١) وغيره.
٢٩٩ - وَلِلحُمَيْدِيْ وَالإمَامِ أحْمَدَا ... بأنَّ مَنْ لِكَذِبٍ تَعَمَّدا
٣٠٠ - أيْ فِي الحَدِيْثِ، لَمْ نَعُدْ نَقْبَلُهُ ... وَإنْ يَتُبْ، وَالصَّيْرَفِيِّ مِثْلُهُ
٣٠١ - وَأطْلَقَ الكِذْبَ، وَزَادَ: أنَّ مَنْ ... ضُعِّفَ نَقْلاً لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أنْ
٣٠٢ - وَلَيْسَ كَالشَّاهِدِ، وَالسَّمْعَانِي ... أبُو المُظَفَّرِ يَرَى فِي الجَانِي
٣٠٣ - بِكَذِبٍ فِي خَبَرٍ إسْقَاطَ مَا ... لَهُ مِنَ الحَدِيْثِ قَدْ تَقدَّمَا
(وَلِلحُمَيْدِيْ وَالإمَامِ أحْمَدَا (٢) بأنَّ مَنْ لِكَذِبٍ تَعَمَّدا أيْ فِي الحَدِيْثِ) أي: حديث رسول الله ﷺ (لَمْ نَعُدْ نَقْبَلُهُ) أي: نقبل روايته أبداً، (وَإنْ يَتُبْ) وحسنت توبته، أما في حديث الناس فَتُقبل رواية الثابت منه.
(وَالصَّيْرَفِيِّ) أي: وللصيرفي (مِثْلُهُ) أي: مثل قولهما (٣)، ولكن (أطْلَقَ) الصيرفي (الكِذْبَ، وَزَادَ: أنَّ مَنْ ضُعِّفَ نَقْلاً لَمْ يُقَوَّ بَعْدَ أنْ وَلَيْسَ كَالشَّاهِدِ) فقال: «كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نَعُدْ لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قوياً بعد ذلك»، وذكر أن ذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة.
(وَالسَّمْعَانِي أبُو المُظَفَّرِ يَرَى فِي الجَانِي بِكَذِبٍ فِي خَبَرٍ) واحد (إسْقَاطَ مَا لَهُ مِنَ
стр. 161
الحَدِيْثِ قَدْ تَقدَّمَا) (١).
٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ ... فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ
٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ بِقَوْلِ شَيْخِهِ، فَقَدْ ... كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ
٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِلاَ أذْكُرُ أوْ ... مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا
٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ، ... وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ
٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ ... نَسِيَهُ سُهَيْلٌ الَّذِي أُخِذْ
٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ رَبِيْعَهْ ... عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ
٣١٠ - وَالشَّافِعي نَهَى ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ ... يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ
(وَمَنْ رَوَى) حديثاً (عَنْ ثِقَةٍ) وكان ثقةً (فَكَذَّبَهْ) أي: المروي عنه صريحاً أو بنفيٍ جازم (فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ) أي: الفرع (لاَ تُثْبِتَنْ بِقَوْلِ [١٩ - أ] شَيْخِهِ) بحيث يكون ذلك جرحاً للفرع (فَقَدْ كَذَّبَهُ الآخَرُ) في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كلٍّ منهما بأولى من الآخر فتساقطا. (وَ) لكن (ارْدُدْ مَا جَحَدْ) أي: اردده من حديث الفرع إذا نفى الأصل تحديثه للفرع به خاصة، ولا يُرَدُّ من حديث الأصل نفسه إذا حَدَّث به.
(وَإنْ يَرُدَّهُ) الأصل (بِـ «لاَ أذْكُرُ» أوْ مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ) كَـ «لا أعرفه» (فَقَدْ رَأوْا الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ) فقبلوا ذلك، وقالوا: نسيان الأصل لا يُسْقِطُ العمل بما نسيه.
стр. 162
(وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ) حكاه ابن الصبَّاغ (١) عن بعض أصحاب أبي حنيفة.
وذلك (كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ) وهو أنه ﵇ قضى باليمين مع الشاهد (٢) (إذْ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ الَّذِي أُخِذْ عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ رَبِيْعَهْ عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ) قال عبد العزيز: ذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: فكان سُهيل بعدُ يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (٣).
(وَالشَّافِعي نَهَى ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ) فقال: «لا تُحدث عن حيٍّ فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان» (٤).
٣١١ - وَمَنْ رَوَى بأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ ... إسْحَاقُ والرَّازِيُّ وابْنُ حَنْبَلِ
٣١٢ - وَهْوَ شَبيْهُ أُجْرَةِ القُرْآنِ ... يَخْرُمُ مِنْ مُرُوْءَةِ الإنْسَانِ
٣١٣ - لَكِنْ أبُوْ نُعَيْمٍ الفَضْلُ أَخَذْ ... وَغَيْرُهُ تَرَخُّصَاً، فإنْ نَبَذْ
٣١٤ - - شُغْلاً بِهِ - الكَسْبَ أجِزْ إرْفَاقَا، ... أفْتَى بِهِ الشَّيْخُ أبُوْ إسْحَاقا
(وَمَنْ رَوَى بأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ إسْحَاقُ) (٥)، وأبو حاتم (الرَّازِيُّ) (٦)، وأحمد (ابْنُ
стр. 163
حَنْبَلِ (١)، وَهْوَ شَبيْهُ أُجْرَةِ القُرْآنِ) أي: أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه (يَخْرُمُ مِنْ مُرُوْءَةِ الإنْسَانِ).
(لَكِنْ أبُوْ نُعَيْمٍ الفَضْلُ) بن دكين (أَخَذْ (٢) وَغَيْرُهُ تَرَخُّصَاً) أي: رخصوا في ذلك.
(فإنْ نَبَذْ - شُغْلاً بِهِ - الكَسْبَ أجِزْ إرْفَاقَا أفْتَى بِهِ الشَّيْخُ أبُوْ إسْحَاقا) فإن أبا الحسين ابن النقور (٣) فَعَلَ ذلك لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجواز أخذ الأجرة على التحديث؛ لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله (٤).
٣١٥ - وَرُدَّ ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ ... كَالنَّوْمِ وَالأدَا كَلاَ مِنْ أصْلِ،
٣١٦ - أوْ قَبِلَ التَّلقِيْنَ، أوْ قَدْ وُصِفَا ... بِالمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً، أوْ عُرِفَا
٣١٧ - بِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَمَا حَدَّثَ مِنْ ... أصْلٍ صَحِيْحٍ فَهْوَ رَدٌّ، ثُمَّ إنْ
٣١٨ - بُيِّنْ لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ، ... سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيْثُهُ جُمَعْ
٣١٩ - كَذَا الحُمَيْدِيُّ مَعَ ابْنِ حَنْبَلِ ... وابْنِ المُبَارَكِ رَأَوْا فِي العَمَلِ
٣٢٠ - قَالَ: وَفيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إذَا ... كَانَ عِنَادَاً مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا
стр. 164
(وَرُدَّ ذُوْ تَسَاهُلٍ في الحَمْلِ كَالنَّوْمِ) أي: كمن ينام هو أو شيخه في حالة السماع ولا يبالي بذلك.
(و) في (الأدَا كَلاَ مِنْ أصْلِ) كأن يؤدِّي الحديث لا من أصلٍ صحيحٍ مقابل على أصلِهِ أو أصلِ شيخه.
(أوْ قَبِلَ التَّلقِيْنَ) في الحديث وهو: أن يُلَقَّنَ الشيء فيحدِّث به من غير أن يَعْلَمَ أنه من حديثه.
(أوْ قَدْ وُصِفَا بِالمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً) أي: من كثرت المناكير والشواذ في حديثه.
(أوْ عُرِفَا بِكَثْرَةِ السَّهْوِ) في رواياته (وَ) أي: [١٩ - ب] في حال كون من عرف بكثرة السهو (مَا حَدَّثَ مِنْ أصْلٍ صَحِيْحٍ فَهْوَ رَدٌّ) أما إذا حَدَّثَ من أصل صحيح فالسماع صحيح؛ لأن الاعتماد حينئذ على الأصل.
(ثُمَّ) من غلط في حديث (إنْ بُيِّنْ لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ) وأصَرَّ على روايته ذلك الحديث (سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيْثُهُ جُمَعْ) ولم يُكتب عنه (كَذَا الحُمَيْدِيُّ (١) مَعَ ابْنِ حَنْبَلِ (٢) وابْنِ المُبَارَكِ (٣) رَأَوْا فِي العَمَلِ).
(قَالَ) ابن الصلاح (٤): (وَفيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إذَا كَانَ عِنَادَاً مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا) أي: وهو غير مستنكَرٍ إذا ظهر أنَّ ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك.
стр. 165
٣٢١ - وَأعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُوْرِ ... عَنِ اجتِمَاعِ هَذِهِ الأمُوْرِ
٣٢٢ - لِعُسْرِهَا، بَلْ يُكْتَفَى بِالعَاقِلِ ... المُسْلِمِ البَالِغِ، غَيْرِ الفَاعِلِ
٣٢٣ - لِلفِسْقِ ظَاهِرَاً، وَفِي الضَّبْطِ بأنْ ... يَثْبُتَ مَا رَوَى بِخَطٍّ مُؤْتَمَنْ
٣٢٤ - وَأنَّهُ يَرْوِي مِنَ اصْلٍ وَافَقَا ... لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا
٣٢٥ - لِنَحْوِ ذَاكَ البَيْهَقِيُّ، فَلَقَدْ ... آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ
(وَأعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُوْرِ) أي: الأعصار المتأخرة (عَنِ اجتِمَاعِ هَذِهِ الأمُوْرِ) أي: عن اعتبار مجموع هذه الشروط؛ (لِعُسْرِهَا) وتعذر الوفاء بها. (بَلْ يُكْتَفَى) في أهلية الشيخ (بِالعَاقِلِ، المُسْلِمِ، البَالِغِ، غَيْرِ الفَاعِلِ لِلفِسْقِ ظَاهِرَاً) ولما يخرم المروءة.
(وَفِي الضَّبْطِ) أي: ويُكتفَى في اشتراط ضبط الراوي (بأنْ يَثْبُتَ مَا رَوَى بِخَطٍّ مُؤْتَمَنْ، وَأنَّهُ يَرْوِي مِنَ اصْلٍ وَافَقَا لأصْلِ شَيْخِهِ، كَمَا قَدْ سَبَقَا لِنَحْوِ ذَاكَ البَيْهَقِيُّ (١)) لما ذَكَرَ تَوَسُّعَ من تَوَسَّعَ في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث.
(فَلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ) أي: صار القصد من الرواية والسماع أن يَصِيْرَ الحديث مسلسلاً بحدَّثَنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خُصَّتْ بها هذه الأمة.
فيهما (١) فأجاد.
(وَالشَّيْخُ) ابن الصلاح (زَادَ فِيْهِمَا) ألفاظاً أَخَذَها من كلام غيره (٢).
قال المصنف (وَزِدْتُ) عليهما (مَا فِي كَلاَمِ أَهْلِهِ وَجَدْتُ) أي: ألفاظاً من كلام أهل هذا الشأن.
(فَأَرْفَعُ التَّعْدِيلِ: مَا كَرَّرْتَهُ) إما مع تباين اللفظين (كَثِقَةٍ ثَبْتٍ) أو ثقة متقن أو نحو ذلك، (وَلَوْ أَعَدْتَهُ) أي: وإما مع إعادة اللفظ الأول كثقة ثقة ونحوها.
(ثُمَّ يَلِيْهِ) المرتبة الثانية وهي: (ثِقَةٌ أوْ ثَبْتٌ أوْ مُتْقِنٌ أوْ حُجَّةٌ أوْ إذا عَزَوْا الحِفْظَ أَوْ ضَبْطَاً لِعَدْلٍ) بأن قالوا في العدل إنه حافظ أو ضابط.
(وَيَلِي) هذه المرتبة المرتبة الثالثة وهي: (لَيْسَ بِهِ [٢٠ - أ] بَأسٌ صَدُوقٌ وَصلِ بِذَاكَ مَأَمُوْنَاً خِيَارَاً).
(وَتَلا) هذه المرتبة المرتبة الرابعة وهي (مَحَلُّهُ الصّدْقُ رَوَوْا عَنْهُ، إلى الصِّدْقِ مَا هُوَ، كذَا شَيْخٌ وَسَطْ، أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ، أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ، وَصَالِحُ الْحَدِيْثِ أَوْ مُقَارَبُهْ) بفتح الراء، أي: مقارب الحديث، (جَيِّدُهُ) أي: جيد الحديث، (حَسَنُهُ) أي: حسن الحديث، (مُقَارِبُهْ) بكسر الراء أي: مقارب الحديث (صُوَيْلِحٌ صَدُوْقٌ انْ شَاءَاللهْ أَرْجُوْ بِأَنْ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عَرَاهُ).
(وَابْنُ مَعِيْنٍ قال (٣): مَنْ أَقُوْلُ: لاَ بَأْسَ بِهِ فَثِقَةٌ) فكلامه يقتضي التسوية بين
стр. 168
اللفظين، وأجاب المصنف عنه بأنه لا يقتضيها بل يقتضي أن من قال فيه هذا فهو ثقة وللثقة مراتب فالتعبير عنه بثقة أرفع من لا بأس به.
(ونُقِلاَ أنَّ) عبد الرحمن (ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ أَثِقَةٌ كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ كَانَ صَدُوْقاً) وكان (خَيِّراً) وكان (مَأْمُوْنَا، الثِّقَةُ الثُّوْرِيُّ (١)) فهذا يَدُلُّ على أن التعبير بالثقة أرفع (لَوْ تَعُوْنَا) تكملة للوزن، أي: لو تحفظون مراتب الرواة، (وَرُبَّمَا وَصَفَ) ابن مهدي (ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ضُعْفاً بِ صَالِحِ الْحَدِيْثِ إِذْ يَسِمْ) أي: ربما جَرَى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث (٢).
نَظَرْ وَسَكَتُوْا عَنْهُ بِهِ لاَ يُعْتَبَرْ)، أو لا يعتبر بحديثه، (وَلَيْسَ بِالثِّقَةِ)، أو ليس بثقة، ونحو ذلك.
(ثُمَّ) المرتبة الثالثة فلان (رُدَّا حَدِيْثُهُ)، أو مردود الحديث، (كَذَا فلان ضَعِيْفٌ جِدَّا)، فلان (وَاهٍ بَمَرَّةٍ، وَهُمْ)، فلان (قَدْ طَرَحُوْا حَدِيْثَهُ) (وَ) فلان (ارَمِ بِهِ) أو (مُطَّرَحُ) أو مطرح الحديث، (لَيْسَ بِشَيءٍ، لاَ يُسَاوِي شَيْئَاً)، ونحو ذلك.
(ثُمَّ) المرتبة الرابعة فلان (ضَعِيْفٌ، وَكَذَا إِنْ جِيْئَا بِمُنْكَرِ الْحَدِيْثِ، أَوْ مُضْطَرِبِهْ) [٢٠ - ب]، وفلان (وَاهٍ، وَضَعَّفُوهُ، لاَ يُحْتَجُّ بِهْ).
(وَبَعْدَهَا) المرتبة الخامسة: فلان (فِيْهِ مَقَالٌ)، فلان (ضُعِّفْ، وَفِيْهِ ضَعفٌ)، وفلان (تُنْكِرُ وَتَعْرِفْ)، وفلان (لَيْسَ بِذَاكَ)، ليس (بالْمَتِيْنِ، بِالْقَوِيِّ، بِحُجَّةٍ، بِعُمْدَةٍ،) ليس (بِالْمَرْضِيِّ)، وفلان (لِلضَّعْفِ مَا هَوُ، فيْهِ خُلْفٌ، طَعَنُوْا فِيْهِ، كَذَا سَيِّئُ حِفْظٍ، لَيِّنُ)،أو لين الحديث، (تَكَلَّمُوا فِيْهِ)،ونحو ذلك.
(وَكُلُّ مَنْ ذُكِرْ مِنْ بَعْدُ) لفظ «لا يساوي (شَيْئَاً» بِحَدِيْثِهِ اعْتُبِرْ) أي: يخرج حديثه للاعتبار وهم المرتبة الرابعة والخامسة، فَعُلِمَ أن من قيل فيه شيءٌ مما قبل ذلك من المراتب الثلاثة لا يُحتج به ولا يُعتبر به.
стр. 171
مَتَى يَصحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيْثِ أوْ يُسْتَحَبُّ ؟
٣٥٠ - وَقَبَلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ ... فِي كُفْرِهِ كَذَا صَبِيٌّ حُمِّلاَ
٣٥١ - ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ وَمَنَعْ ... قَوْمٌ هُنَا وَرُدَّ كَالسَّبْطَيْنِ مَعْ
٣٥٢ - إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ ثُمّْ ... قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ
(وَقَبَلُوا مِنْ مُسْلِمٍ تَحَمُّلاَ فِي كُفْرِهِ) ثم روي بعد الإسلام، كحديث جبير بن مطعم المتفق على صحته (١) أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، وكان جاء في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم.
(كَذَا) قبلوا (صَبِيٌّ حُمِّلاَ) قبل بلوغه (ثُمَّ رَوَى بَعْدَ الْبُلُوْغِ، وَمَنَعْ قَوْمٌ هُنَا) أي: في مسألة الصبي (وَرُدَّ كَالسَّبْطَيْنِ) الحسن والحسين وغيرهما ممن تحمَّل في حال صباه وقَبِل الناس روايتهم من غير فَرْق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده، (مَعْ إِحْضَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلصِّبْيَانِ) مجالس الحديث، (ثُمّْ قَبُوْلُهُمْ مَا حَدَّثُوا بَعْدَ الْحُلُمْ).
٣٥٣ - وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ ... عِنْدَ الزُّبَيْرِيِّ أَحَبُّ حِيْنِ
٣٥٤ - وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوْفَهْ ... وَالْعَشْرُ فِي الْبَصْرَةِ كَالْمَألُوْفَهْ
٣٥٥ - وَفِي الثَّلاَثِيْنَ لأَهْلِ الشَّأْمِ ... وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ بِالْفَهْمِ
стр. 172
٣٥٦ - فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ ... حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ
٣٥٧ - فَالْخَمْسُ لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ ... قِصَّةُ مَحْمُوْدٍ وَعَقْلُ الْمَجَّهْ
٣٥٨ - وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ ... وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ
٣٥٩ - بَلِ الصَّوَابُ فَهْمُهُ الْخِطَابَا ... مُمَيِّزَاً وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
(وَطَلَبُ الْحَدِيْثِ فِي الْعِشْرِيْنِ عِنْدَ الزُّبَيْرِيِّ) من الشافعية (أَحَبُّ حِيْنِ) (١)؛ لأنها مجتمع العقل (وَهْوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوْفَهْ) فإنهم كانوا لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة (٢)، (وَالْعَشْرُ فِي الْبَصْرَةِ كَالْمَألُوْفَهْ، وَفِي الثَّلاَثِيْنَ لأَهْلِ الشَّأْمِ) (٣).
(وَيَنْبَغِي تَقْيِيْدُهُ) أي: طلب الحديث (بِالْفَهْمِ فَكَتْبُهُ بالضَّبْطِ، والسَّمَاعُ حَيْثُ يَصِحُّ، وَبِهِ نِزَاعُ) أي: في الوقت الذي يصح فيه السماع نزاع بين العلماء، (فَالْخَمْسُ لِلْجُمْهُورِ ثُمَّ الحُجَّهْ) لهم في ذلك (قِصَّةُ مَحْمُوْدٍ وَعَقْلُ الْمَجَّهْ وَهْوَ ابْنُ خَمْسَةٍ، وَقِيْلَ أَرْبَعَهْ) وهو ما رُويَ من حديث محمود ابن الربيع قال: عقلت من النبي ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين (٤) [٢١ - أ].
قال ابن عبد البر (٥): حُفِظَ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين، (وَلَيْسَ فِيْهِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ)؛ إذ لا يلزم أن تمييز كل أحد تمييز محمود، (بَلِ الصَّوَابُ
стр. 173
فَهْمُهُ الْخِطَابَا مُمَيِّزَاً وَرَدُّهُ الْجَوَابَا)، فمتى كان كذلك كان سماعه صحيحاً وإن كان ابن أقل من خمس، وإن لم يكن كذلك لم يصح وإن زاد عليها.
٣٦٠ - وَقِيْلَ: لابْنِ حَنْبَلٍ فَرَجُلُ ... قال: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ
٣٦١ - يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ ... قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ
٣٦٢ - وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ ... فَرَّقَ سَامِعٌ، وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ
٣٦٣ - قال: بِهِ الَحْمَّالُ وابْنُ الْمُقْرِيْ ... سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْرِ
(وَقِيْلَ: لابْنِ حَنْبَلٍ فَرَجُلُ قال: لِخَمْسَ عَشْرَةَ التَّحَمُّلُ يَجُوْزُ لاَ فِي دُوْنِهَا، فَغَلَّطَهْ) وقال: بئس القول ثم (قال: إذا عَقَلَهُ وَضَبَطَهْ (١)).
(وَقِيْلَ: مَنْ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْبَقَرْ فَرَّقَ سَامِعٌ) أي: يكتب له: «سَمِعَ»، (وَمَنْ لاَ فَحَضَرْ) أي: يُكتب له: «حَضَرَ»، قال به موسى بن هارون الحمال (٢).
(وابْنُ الْمُقْرِيْ (٣) سَمَّعَ لاِبْنِ أَرْبَعٍ ذِي ذُكْرِ) وهو القاضي ابن اللَّبَّان الأصبهاني (٤) قال: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وأُحْضِرْتُ عند أبي بكر بن المقرئ ولي أربع سنين فأرادوا أن يُسَمِّعوا لي فيما حضرت قراءته
стр. 174
فقال بعضهم: إنه يصغر عن السماع. فقال لي ابن المقرئ: اقرأ سورة «الكافرين» فقرأتها، فقال: اقرأ سورة «التكوير» فقرأتها فقال لي غيره: اقرأ سورة «والمرسلات» فقرأتها ولم أغلط فيها، قال ابن المقرئ: سَمِّعُوا له والعُهْدَةُ علي (١).
فلاناً يقول، (أَوْ أَخْبَرَنَا، أَنْبَأَنَا، وَقَدَّمَ الْخَطِيْبُ) (١) من العبارات (أَنْ يَقُوْلاَ سَمِعْتُ؛ إِذْ لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيْلاَ) فلا يكاد أحد يقولها في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه.
(وَبَعْدَهَا حَدَّثَنَا، حَدَّثَنِي وَبَعْدَ ذَا أَخْبَرَنَا، أَخْبَرَنِي وَهْوَ كَثْيِرٌ) في الاستعمال.
(وَيَزِيْدُ) بن هارون (اسْتَعْمَلَهْ) أي: استعمل «أنا» (وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ) (٢).
(وَبَعْدَهُ تَلاَ: أَنْبَأَنَا، نَبَّأَنَا وَقَلَّلاَ) أي: وهو قليل في الاستعمال.
(وَقَوْلُهُ) أي: قول الراوي: (قَالَ لَناَ) فلان، أو قال لي، أو ذُكِرَ لنا [٢١ - ب]، أو ذُكِرَ لي، (وَنَحْوُهَا كَقُوْلِهِ: حَدَّثَنَا) فلان في أنه متصل، (لَكِنَّهَا الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا مُذَاكَرَهْ) أي: كثيراً ما يستعملون هذا فيما سمعوه حالة المذاكرة.
(وَدُوُنَهَا) أي: دون هذه العبارة قول الراوي: (قَالَ) فلان وذَكَرَ فلان (بِلاَ مُجَارَرَهْ) أي: من غير ذكر الجار والمجرور، (وَهْيَ) أوضع العبارات، ومع ذلك فهي محمولة (عَلى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيْ) وسَلِمَ الراوي من التدليس كما ذُكِرَ في المعنعن، (لاَ سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوْهُ فِي الْمُضِيْ أنْ لاَ يَقُوْلَ ذَا بِغَيْرِ مَا سَمِعْ مِنْهُ) أي: من عُرِفَ مِنْ حاله أنه لا يَروي إلا ما سمعه (كَحَجَّاجٍ) الأعور روى كُتُبَ ابنِ جريج بلفظ: «قال ابن جريج» فحملها الناس عنه واحتجوا بها (٣)،
стр. 177
(وَلَكِنْ يَمْتَنِعْ عُمُوْمُهُ عِنْدَ الْخَطيْبِ (١) وَقُصِرْ ذَاكَ عَلى الَّذِي بِذَا الوَصْفِ اشْتُهِرْ) أي: خصص ذلك بمن عُرِفَ مِنْ عادته مثل ذلك، فأما من لا فلا يحمل على السماع.
стр. 178
الثَّاْنِي: القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ
٣٧٥ - ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتَهَا ... مُعْظَمُهُمْ عَرْضَاً سَوَا قَرَأْتَهَا
٣٧٦ - مِنْ حِفْظٍ أو كِتَابٍ او سَمِعْتَا ... والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا
٣٧٧ - أولاَ، وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ ... بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ
٣٧٨ - قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ ... يَحْفَظُهُ مَعَ اسْتِماَعٍ فَاقْتَنِعْ
(ثُمَّ) القسم الثاني من أقسام الأخذ والتحمل (الْقِرَاءَةُ) على الشيخ (الَّتِي نَعَتَهَا مُعْظَمُهُمْ) أي: سماها أكثر المحدثين (عَرْضَاً) بمعنى أن القارئ يعرض على الشيخ ذلك.
(سَوَا قَرَأْتَهَا مِنْ حِفْظٍ أو كِتَابٍ او سَمِعْتَا) أي: سواءً قرأت بنفسك على الشيخ من حفظٍ، أو من كتابٍ، أو سمعت بقراءة غيرك من كتابه أو حفظه أيضاً.
(والشَّيْخُ حَافِظٌ لمِاَ عَرَضْتَا أولاَ) أي: وسواءً كان الشيخ حافظاً لما عرضت أو عرضَ غيرُك عليه أو غير حافظ له، (وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ بِنَفْسِهِ، أو ثِقَةٌ) غيره (مُمْسِكُهُ).
قال المصنف: (قُلْتُ: كَذَا إنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ يَحْفَظُهُ) أي: ما يقرأ على الشيخ (مَعَ اسْتِماَعٍ) أي: والحافظ لذلك مستمع لما يقرأ غير غافل عنه، (فَاقْتَنِعْ) أي: فذلك كافٍ أيضاً.
٣٧٩ - وَأَجْمَعوُا أَخْذَاً بِهَا، وَرَدُّوا ... نَقْلَ الخِلاَفِ، وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا
стр. 179
٣٨٠ - وَالْخُلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي الأوَّلاَ ... أو دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ
٣٨١ - عَنْ مَالِكٍ وَصَحبْهِ وَمُعْظَمِ ... كُوْفَةَ وَالحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ
٣٨٢ - مَعَ البُخَارِي هُمَا سِيَّانِ ... وَابْنُ أبِي ذِئْبٍ مَعَ النُّعْمَانِ
٣٨٣ - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحّْ ... وَجُلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ نَحْوَهُ جَنَحْ
(وَأَجْمَعوُا أَخْذَاً بِهَا) (١) أي: على صحة الرواية بالعرض، (وَرَدُّوا نَقْلَ الخِلاَفِ) المحكي عن بعض [مَن لا يُعتد بخلافه] (٢) أنه كان لا يراها (وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا).
(وَالْخُلْفُ فِيْهَا هَلْ تُساوي الأوَّلاَ) وهو السماع من لفظه (أوْ) هي (دُوْنَهُ أو فَوْقَهُ؟ فَنُقِلاَ عَنْ مَالِكٍ وَصَحبْهِ، وَمُعْظَمِ كُوْفَةَ وَالحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ مَعَ البُخَارِي هُمَا سِيَّانِ) (٣).
(وَابْنُ أبِي ذِئْبٍ مَعَ) أبي حنيفة (النُّعْمَانِ) (قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ) على السماع من لفظه (٤).
стр. 180
(وَعَكْسُهُ) وهو ترجيح السماع من لفظه على القراءة عليه (أَصَحّْ، وَجُلُّ (أَهْلِ الشَّرْقِ) نَحْوَهُ جَنَحْ) (١).
٣٨٤ - وَجَوَّدُوا فِيْهِ قَرَأْتُ أو قُرِىْ ... مَعْ وَأَنَا أَسْمَعُ ثُمَّ عَبِّرِ
٣٨٥ - بِمَا مَضَى فِي أولٍ مُقَيَّدَا ... قِرَاَءةً عَلَيْهِ حَتَّى مُنْشِدَا
٣٨٦ - أَنْشَدَنَا قِرَاَءةً عَلَيْهِ لاَ ... سَمِعْتُ لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلاَ
٣٨٧ - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيْثِ وَالإِخْبَارِ ... مَنَعَهُ أَحْمَدُ ذُوْ الْمِقْدَارِ
٣٨٨ - وَالنَّسَئِيُّ وَالتَّمِيْمِيُّ يَحْيَى ... وَابْنُ الْمُبَارَكِ الْحَمِيْدُ سَعْيَا
٣٨٩ - وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَالْقَطَّانُ ... وَمَالِكٌ وَبَعْدَهُ سُفْيَانُ
٣٩٠ - وَمُعْظَمُ الْكُوْفَةِ وَالْحِجَازِ ... مَعَ الْبُخَارِيِّ إلى الْجَوَازِ
٣٩١ - وَابْنُ جُرَيِجٍ وَكَذَا الأوزَاعِيْ ... مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَالإمَامُ الشَّافِعِيْ
٣٩٢ - وَمُسْلِمٌ وَجُلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ ... قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ
٣٩٣ - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الإِنْصَافِ ... للنَّسَئي مِنْ غَيْرِ مَا خِلاَفِ
٣٩٤ - وَالأَكْثَرِيْنَ وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرْ ... مُصْطَلَحَاً لأَهْلِهِ أَهْلِ الأَثَرِ
(وَجَوَّدُوا فِيْهِ) [٢٢ - أ] أي: وأجود العبارة لأداء من سمع بالعرض أن يقول: (قَرَأْتُ) على فلان إن كان هو الذي قرأ، (أو قُرِىْ) على فلان (مَعْ) قوله (وَأَنَا أَسْمَعُ) إن سمع عليه بقراءة غيره.