في ألفاظ القرآن
(١) من الألفاظ ما غيروا معناه لخطأ في الرأي مثل كلمة "الذكر" و "الحكمة" (١) قال بعض المحدثين: إن "الذكر" هو الحديث (٢)، وقال بعض الشيعة: إن "الذكر" هو النبي ﷺ . وأرادوا بذلك تأويل آية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) حسب رأيهم.
(٢) تبديل معاني الألفاظ العامة صعب جداً، وقد حُفِظ لسانُ العرب.
стр. 107
(٣) إنما قال: "الذكر" عوض القرآن ليدل على أن الحفاظة (١) تتعلق بالمعنى واللفظ معاً. فإن تغيّر المعنى لم يكن "ذكرا" بل كان "قرآناً" يتلونه كما يتلو اليهود والفرق المبتدعة منا، وليسوا منا.
(٤) إذا اشتبه المعنى فطريق التوضيح تتبع (١) استعمال لفظه كما فعلنا بلفظ "عصر" (٢) و "آلاء" (٣)، والنظر (٢) في أصله، واستعماله في أخوات العربية كالعبرانية والسريانية (٤).
стр. 108
العام والخاص
(١)(١) ربما يراد من اللفظ معنى أعمّ مما يستعمل فيه عادة، ويسمونه التجريد، وربما [يراد] (٢) منه معنى أخصّ مما يستعمل فيه عادة.
أما الأول فكما في قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٣).
أي هدأ وسكن، وكما في قوله تعالى:
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٤).
أي قارب أن ينقضّ. ولا أراه من المجاز ولا من التشبيه، فلم ينسب الإرادة إليه، ولا شبّه الجدار بذوي الحسّ. وكثيراً ما يقع ذلك عند العطف والبدل مثلاً قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥).
أي تمكنوا من الدار (٦) وقوله تعالى:
стр. 109
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا *رسولاً﴾ (١).
أي أرسل (٢).
وفي سورة الأعراف مثال في العطف (٣).
стр. 110
الحروف المقطعات
(١) الحروف المقطعة أسماء للسور، فلا شبهة في معانيها. وأما وجه التسمية فلا حاجة بنا إليه لفهم الكلام، كما لا نحتاج إلى العلم بوجه التسمية بسائر الأسماء كالأرض والسماء والنار والهواء (١) والماء (٢). ولكن العلماء
стр. 111
تكلموا فيه اعتناء بشأنها، ولكنهم اختلفوا، ولم يأتوا بما يقطع به ويطمئن به القلب. وإنّا نورد كلّ ما علمنا (١) من أقوالهم ... (٢).
هذه الأسماء ليست كسائر الكلمات، فإنها يتكلم بها بأسماء حروفها، فالمراد بها الحروف من جهة أصواتها التامّة. والأصوات حركات تنشأ من القلب، ولكل صوت مناسبة بعاطفة من عواطف الروح، فإذا وردت عليه واردة نشأت حركة، وأنشأت صوتاً يدلّ على تلك الواردة دلالة الأثر على المؤثّر، مثل كلمة (آه) تنشأ من الحزن وتدلّ عليه ... (٣).
(١) الآل (١)
هو صورة للأهل (٢). ويطلق على العشيرة والقوم (٣) والأنصار (٤). قال النابغة الذبياني (٥):
стр. 115
وقفتُ فيها سَراةَ اليومِ أسألُها ... عن آلِ نُعْمٍ أَموناً عَبرَ أسفارِ (١)
[وقال أيضاً (٢):
مِن آلِ مَيَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ ... عجلانَ ذَا زَادٍ وغَيرَ مُزَوَّدِ] (٣)
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٤).
وقبل ذلك:
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٥).
стр. 116
و ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ (١).
مرتين، ولم يذكر لفرعون أولاداً، والظاهر أنه لم يكن له ولد.
...
الآل للقوم. في سورة المؤمن:
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (٢).
وفي سورة الأعراف:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ... وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣).
وكل ما ذكر في هذه الآيات من العذاب وقع على جميع قوم فرعون. ومثله قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٤).
وأيضاً:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٥).
أي قوم موسى وقوم هارون ﵉، وحين كلّمهم صموئيل النبي ﵇ (٦) بهذا الكلام كان بنو إسرائيل فِرَقا وأقواما، وكان قوم هارون ﵇ مختصاً بخدمة البيت.
стр. 117
فإن قلتَ: لِمَ لا تأخذه بمعنى أولاد موسى ﵇ وأولاد هارون ﵇؟ قلتُ: آل موسى وآل هارون يحتوي موسى وهارون ﵉ أيضاً، كما أنه احتوى جميع بني إسرائيل. ولذلك جاء في الحديث: "أُعطِيَ [مِزماراً] من مزامير آل داود" (١).
فهذا يحتوي داود والمغنين معه (٢).
أيضاً:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (٣).
وفي التوراة أن بنت فرعون أرسلت أمتها، فأخذته، ودعت له بمرضعة ثم أخذته ابناً. (هذا فحواها) (٤).
وفي القرآن -ولَهُوَ الصحيحُ- أن هذه امرأة فرعون. فإن الآية المتصلة
стр. 118
بالتي سبقت تبين ذلك. فقال تعالى:
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١).
(٢) الآلاء
أجمعوا على أنّ معناه: النعم، ولكنّ القرآن -وأشعار العرب- يأباه (٢).
стр. 119
والظاهر أن معناه: الفِعال العجيبة. فارسيته: كِرِشْمَه. و (١) لما كان غالب فعاله تعالى الرحمة ظنوا أن الآلاء هي النعم (٢).
والرواية عن ابن عباس ﵁ حملتهم (٣) على هذا (٤). ولكن
стр. 120
السلف إذا سئلوا أجابوا حسب السؤال والمراد المخصوص في موضع مسؤول عنه (١).
وهذا الظن فتح لهم نفَذاً إلى تبديل معنى "إلى" في قوله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢).
فقالوا: إن "إلى" واحد الآلاء (٣). وليس في كلام العرب له مثال (٤).
стр. 121
ولكنهم زعموا أن الأعشى (١) أراد هذا (٢) في قوله:
........................... ......... ولا يخون إلا (٣)
قال ابن دُرَيد (٤) (انظر لسان العرب تحت كلمة إلّ) (٥).
стр. 122
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (١) بعد ذكر إهلاك الأقوام. وهكذا في سورة الرحمن (٢).
وأما كلام العرب، فقال طرفة:
كَاملٍ يَحمِلُ آلاءَ الفتى ... نَبَهٍ سَيِّدِ سَاداتٍ خِضَمّ (٣)
وقالت مَيَّة بنت ضِرار (٤) ترثي أخاها:
стр. 123
كَرِيمٍ ثناه وآلاؤُه ... وكافِي العشيرةِ ما غَالَها (١)
وقال المهلهِل (٢) أخو كُلَيب يرثي أخاه كليباً:
الحزمُ والعزمُ كانا مِن طبائِعه ... ما كلُّ آلائِه يا قَومِ أُحْصِيها (٣)
وقال رَبِيعَة بن مَقروم أحد بني غَيظ بن السِّيد (٤):
ولَولاَ فوارسُنا ما دَعَتْ ... بذَاتِ السُّلَيْمِ تَميمٌ تَمِيما
ومَا إنْ لأُوئبَهَا أَنْ أعُدَّم ... مَآثِرَ قومِي وَلاَ أن ألُوما
وَلكنْ أُذَكِّرُ آلاءَنا ... حديثاً ومَا كانَ مِنَّا قَدِيما (٥)
стр. 124
وقال الأجدَعُ الهَمْدَاني (١):
ورَضِيتُ آلاءَ الكُمَيتِ فَمَن يُبِعْ ... فَرَساً فليسَ جَوادُنا بِمُبَاعِ (٢)
قال الجوهري (٣) في هذا الشعر: "آلاؤُه: خِصالُه الجميلةُ" (٤).
ولكنه لم يتثبت على هذا المعنى الذي هو أصله، فقال في مادة ألا:
стр. 125
"والآلاء: النعم، واحدها: ألا بالفتح، وقد يكسر ويكتب بالياء، مثاله (١): مِعى وأمعاء".
فاتبع ما فهم المفسرون عن ابن عباس ﵁.
وقال فَضالةُ بن زيد العَدْواني، وهو من المعمرين (٢):
وَفِي الْفَقْرِ ذُلٌّ لِلرِّقَابِ وَقَلَّمَا ... رَأَيتُ فَقِيراً غَيرَ نِكْسٍ مُذَمَّمِ
يُلاَمُ وَإنْ كانَ الصَّوَابُ بِكَفِّه ... ويُحْمَدُ آلاءُ الْبَخِيلِ الْمُدَرْهَمِ (٣)
أي يحمدون صفات البخيل وفعاله. وهذا البيت أوضح دلالة مما ذكرنا قبله على معنى "الآلاء".
وقال الحماسي (في المراثي، ولم يسمه أبو تمام):
إِذَا مَا امْرُؤٌ أَثْنَى بآلاءِ مَيِّتٍ ... فَلا يُبعِدِ اللهُ الْوَليدَ بنَ أدْهَمَا
فَما كانَ مِفْرَاحاً إذا الخيرُ مَسِّه ... وَلا كانَ مَنّاناً إذَا هُوَ أنعَما (٤)
ففسر ما أراد من "الآلاء" بذكر أنه لم يكن مفراحاً إذا مسّه الخير، ولا منَّاناً إذا أنعم.
وقالت الخنساء (٥):
стр. 126
فبَكِّي أخاكِ لآِلاَئِه ... إذا المَجْدُ ضَيَّعه السَّائِسُونَا (١)
стр. 127
(٣) الآية
ما تستدِلُّ به على أمر. وليست هي تمام الدليل، بل يُنَبِّهُك على الدليلِ. ووضوحُ الآية كونُها ظاهرة لمن يفهمها:
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (١).
واستعملته العرب في هذا المعنى. قال الحارث بن حِلِّزَة (٢):
стр. 128
مَنْ لَنا عِندَه مِنَ الخيرِ آيا ... تٌ ثَلاثٌ فِي كُلِّهِنَّ الْقَضَاءُ (١)
أي كل منها كافية شافية لا تبقي شبهة.
الفرق بين الآية والدليل المنطقي من وجوه:
١ - الأول أن الآية ما عليه بناء الدليل المنطقي. مثلاً "العالم متغير، وكل متغير حادث" فتغيرُ العالَمِ هو الآيةُ على حدوثه.
٢ - والثاني أن الآية هي التي تَبعث الفكرَ وتُلقي السؤالَ في القلب، وتُذكّره ما نسِي (٢)،
стр. 129
وتهيج فيه خُلقاً أودعه من الرحم والتقوى والصبر والشكر وغير ذلك.
٣ - والثالث أن الآية موجودة في فطرة الفكرة، والدليل المنطقي أمر مفروض، فإن الفكرة تجري من تصور إلى تصور، مثلاً من تغير العالم إلى حدوثه. وإظهارُها في صورة القضايا مفروضٌ. وإنما فرضوها لأجل النظر فيها كما يقطِّعون البيت في الأفاعيل (١).
(٤) الأبابيل
[الأبابيل: جماعة من الخيل والطير وغيرهما. قال زهير بن أبي (٢) سُلمى (٣):
стр. 130
وَبِالفَوارسِ مِنْ وَرْقَاءَ قَدْ عُلِمُوا ... فُرْسانَ صِدْقٍ على جُرْدٍ أَبابيلِ (١)
و] (٢) قال الأعشى:
طَرِيقٌ وجبَّارٌ رِوَاءٌ أصولُه ... عليه أَبابيلٌ مِنَ الطَّيْر تَنْعَبُ (٣)
أراد هاهنا من الطير: الغربانَ (٤)، فإنه استعمل "تنعب" (٥).
стр. 131
(٥) أَتَى يَأتي
بمعنى أَضَرَّ. كما قال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (١).
وأيضاً: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ (٢).
стр. 132
(٦) أحوَى
إذا استُعمِل للنبات فهو ما كان منه شديدَ الخضرة مُلتفًّا، زادَ خضرةً لالتفافه (١). قال جابر بن حَرِيش، وهو جاهلي (٢)، (حماسة، صفحة ٥٤) (٣):
стр. 133
ولَقَدْ أَرانا يَا سُمَيَّ بِحَائلٍ ... نَرعَى الْقَرِيَّ فَكَامِساً فَالْأَصْفَرَا
فَالْجِزْعَ بَينَ ضُبَاعَةٍ فَرُصَافَةٍ ... فَعُوَارِضٍ حُوَّ الْبَسَابِسِ مُقْفِرَا
لاَ أرضَ أكثرُ مِنْكِ بَيْضَ نَعامَةٍ ... وَمَذَانِباً تَنْدَى ورَوْضاً أخْضرَا
وَمُغَبَّباً يَحْمِي الصِّوَارَ كأنَّه ... مُتَخَمِّطٌ قَطِمٌ إذَا ما بَرْبَرَا
إذْ لاَ تَخافُ حُدُوجُنا قَذَفَ النَّوى ... قَبْلَ الْفَسَادِ إقامةً وَتَدَيُّرَا (١)
أي حين كانت هذه الأمكنة معشبة (٢)، فلم نكن نحتاج إلى التفرقِ عن بلادنا، وذلك قبل زمن الفساد. (في هذه الأبيات شواهد أخر: "ولقد أرانا" أي كنّا أرانا (٣). "لا أرض أكثر منك" فيه
التفات (١). وأيضاً فيه خطاب إلى غير ذوي العقول).
وقال امرؤ القيس:
وغيثٍ من الوسميِّ حُوٍّ نباتُه ... تبطّنتُه بشيظَمٍ صَلَتانِ (٢)
[وقال زُهير بن أبي سُلمى:
وغيثٍ من الوسميّ حُوٍّ تِلاعُه ... أجابت روابيه النِّجا وهوَاطِلُهْ (٣)
стр. 136
وأيضاً (١):
فقال: شياهٌ راتعاتٌ بقفرةٍ ... بمستأسِد القُريانِ حُوٍّ مسايلُهْ] (٢)
من معنى التفاف النبات استعير للإنسان الغضّ البادن (٣)، كما في قول تأبط شرّاً (٤):
مُسبِلٌ في الحيّ أحوى رِفَلُّ ... وإذا يغزو فسِمْعٌ أزلُّ (٥)
(٧) الإسلام
معناه ظاهر بيّن، وهو الطاعة والخضوع. ولكن القرآن رفع هذه الكلمة فخصَّها لطاعةِ الله (١)، مثلَ كلمةِ "الدين"، فإنه الطاعة في أصل اللغة، وقد استعملَه العربُ لِطاعَةِ الله. ثم لهذا المعنى وجوه، ونتائج، وتأريخ. والقرآن دَلَّ على كل ذلك. فنذكر ما يتعلق بهذه الكلمة من وجوهها:
стр. 141
(١) الإسلام هو العبودية، وهو تسليم النفس لرضى الله تعالى بالكلية، وبه يتقرَّبُ العبدُ إلى مولاه، ويَرْفَعُ منزلتَه حسبَ كمالِه في الإسلام. قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) ووصَّى بها﴾ أي بملة الإسلام ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي وصى بها يعقوب بنيه قائلين لأبنائهما ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي القيام بالدين وخدمته وتعليمه للناس ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
(٢) فذكر هاهنا طرفاً من تاريخ الإسلام، وهو عهده بالله على القيام به ووصيَّته لذريته، أي جعلهم الله أمة مخصوصة لخدمة الدين. وهذا هو معنى الإسلام لله.
(٣) ويقرب منه معنى "القربان" و "النذر" كما يتبين لك من القرآن حيث ذكر طرفا آخر من تاريخ إسلام إبراهيم ﵇، ودَلَّ على كمال معنى الإسلام وسماه "إحساناً"، فقال تعالى:
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
فهذا هو كمال الإسلام المسمى بالإحسان.
(٤) ثم ذكر طرفاً آخر من إسلام إبراهيم ﵇ حين دعا لأمة مسلمة وارثة لملّته، ولأن يبعث فيهم نبيّاً منهم كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قائلين ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ هاهنا "علينا" من جانب تلك الأمة، وكذلك قوله
стр. 142
﴿وَأرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي أرِ هذه الأمة بوسيلة نبيّ منهم، كما صرَّحَ بذلك فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
وَلْيُعلمْ أن هذه الأمور ليست وقائعَ متبدِّدة، بل كلُّ ذلك يجتمع حول نقطة واحدة: وهي واقعة القربان. وحفظها الله بشريعة الحجّ ومناسكه، لنعلمَ تاريخَ القربانِ وإسلام إبراهيم وإسماعيل ﵉. وأخبر الله عن حالة الذين حقّقوا حجهم بقوله عز من قائل:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢).
فإسلام النفس لمرضاة الله هو معنى الحج والإسلام (٣).
(٥) ثم عَلَّمَنَا اللهُ تعالى سعة معنى هذا الإسلام حيث قال:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٤).
فَدَلَّ على أربعة أمور: الأول أن كل شيء أسْلَمَ لله. والثاني أن كلهم يرجعون إليه، وهذا لازم للإسلام، فإن رجعوا إلى غيره كان الإسلام باطلاً، فدَلَّ على المعاد. والثالث أن الإسلام يتحقق بإطاعة رسله، لما يظهر من سياق هذه الآية. والرابع أن الإسلام لا اختلاف فيه، فإن كلهم أسلموا لله، فدينُهم واحد، فلا مُشاجَرة فيه، كما صرح في قوله:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ
стр. 143
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
(٦) هذا. ثم دل فيه على طرف آخر من معنى الإسلام، وهو السِّلم كما صرح به في قوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢) الخ.
(٧) ثم الإسلامُ يُنافي الشركَ. فالمسلمُ هو الموحّدُ، لأنَّ من أشرَكَ بالله لم يُسلِمْ نفسَه لله تعالى. قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
أي أنتم لستم بمسلمين. فأنتم خلاف ملة إبراهيم الذي وصَّى بَنِيه بالإسلام، كما مرّ. ولذلك قال بعد آيتين:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤).
فبيّن معنى الإسلام. ويشبه هذه الآيات قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي تولى عن الشرك، وأقبل إلى ربه كالعبد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).
стр. 144
"وهو محسن" أي أحسن إسلامه بالاستقامة وبالأعمال الصالحة ورضى القلب. فدَلَّ على تمام معناه، لا على أمر زائد، فإن من أسلم وجهه لله لا بد أن يكون محسناً. وفي هذا التوضيح فائدتان: الأولى بيان أن العمل الحسن يلزم الإسلام. والثانية أن البقاء على الإسلام لازم. فمن أسلم مرة فكأنه عاهد بالطاعة. ولذلك قال تعالى:
﴿فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ (١).
(٨) إلاَّ (٢)
لها استعمالات: قال في سورة الصافات:
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ (٣).
وقال فيها أيضاً:
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤).
أي لقد ضلَّ قبلهم أكثر الأولين إلاّ ... (٥).